← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 2754

سؤالات الترمذي للبخاري حول أحاديث في جامع الترمذي

يوسف بن محمد الدخيل

Полный текст (886 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ثم تغتسلين حين تطهرين، وتصلين الظهر والعصر جميعاً، ثم تؤخّرين المغرب وتعجّلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بن الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح وتصلين، وكذلك فافعلي وصومي، إن قويت على ذلك فقال رسول الله ﷺ وهو أعجب الأمرين إلي" ا?. كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. ورواه عبيد الله بن عمرو الرقي، وابن جريج، وشريك، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمه عمران، عن أمه حمنة إلا أن ابن جريج يقول: "عمر بن طلحة، والصحيح "عمران بن طلحة". قال: وسألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: هو حديث حسن صحيح. وهكذا قال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح. وقال أحمد وإسحاق في المستحاضة: إذا كانت تعرف حيضها بإقبال الدم وإدباره، -وإقباله أن يكون أسود، وإدباره أن يتغير إلى الصفوة-: فالحكم لها على حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وإن كانت المستحاضة لها أيام معروفة قبل أن تستحاض: فإنها تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتتوضأ لكل صلاة وتصلي، وإذا استمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة، ولم تعرف الحيض بإقبال الدم وإدباره، فالحكم لها على حديث حمنة بنت جحش. وكذلك قال أبو عبيد.

стр. 317

وقال أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي١: "وأما العلة الأخرى التي نقلها البيهقي، عن الترمذي، عن البخاري في الشك في سماع ابن عقيل من إبراهيم بن محمد ابن طلحة فإنها علة لا تقوم لها قائمة؛ لأن ابن عقيل تابعي سمع كثيراً من الصحابة، ومات بين سنتي مئة وأربعين وخمس وأربعين ومئة، ويقال سنة (١٤٢) وإبراهيم بن محمد ابن طلحة مات سنة ١١٠? فهما متعاصران، وابن عقيل سمع ممن هم أقدم موتاً من إبراهيم هذا". ذلك هو ما يتعلق بتصحيح البخاري. وأما ما يتعلق بتصحيح أحمد، فقد نقل أبو داود عنه ما يخالف ما نقله الترمذي عنه هنا من تصحيحه، قال أبو داود في "سننه"٢: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء". وفي الجواب عن ذلك قال أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي٣: "لعله يشير إلى أن في نفسه شيئاً من جهة الفقه والاستنباط، والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحاً ثابتاً عنده من جهة الإسناد". وقال السبكي في المنهل العذب المورود٤: "وفي بعض النسخ إسقاط هذه الجملة، والمنقول عن أحمد قوله: إن في هذا الباب حديثين وثالثاً في النفس منه شيء، ففسر أبو داود الثالث بحديث حمنة".

стр. 318

أبو داود في "سننه"١ من طريق زهير بن محمد. ابن ماجة في "سننه"٢ من طريق ابن جريج، ومن طريق شريك. أحمد في "مسنده"٣ من طريق شريك بن عبد الله، ومن طريق زهير ابن محمد. الشافعي في "الأم"٤ من طريق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى. ابن أبي شيبة في "مصنفه"٥ من طريق شريك. عبد الرزاق في "مصنفه"٦ من طريق بن جريج. الدارقطني في "سننه"٧ من طريق زهير بن محمد، وشريك، وعمرو ابن ثابت، وعبيد الله بن عمرو، وإبراهيم بن أبي يحيى.

стр. 319

الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"١ من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي. الطحاوي في "مشكل الآثار"٢ من طريق زهير بن محمد، ومن طريق شريك. البغوي "شرح السنة"٣ بإسناده إلى أبي داود، وإلى الشافعي. الحاكم في "المستدرك"٤ من طريق زهير بإسناد إلى الحارث بن أسامة. البيهقي في "السنن الكبرى"٥ بإسناده إلى أبي داود، وبإسناده إلى الحاكم، وفي "معرفة السنن"٦، وفي "بيان خطأ من أخطأ على الشافعي"٧ بإسناده إلى الشافعي. ابن الجوزي في "التحقيق"٨ بإسناده إلى أحمد بن حنبل.

стр. 320

البخاري في "التاريخ الكبير"١ ولكن إشارة. كلهم من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، عن إبراهيم بن محمد ابن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش، وبعض هذه الروايات مطول، وبعضها مختصر. درجة هذا الحديث هذا الحديث مداره على عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد ذكر الدارقطني في علله٢ وجوه الاختلاف عليه فيه، منبهاً على ما هو صحيح من غيره فقال: "يرويه عبد الله بن محمد بن عقيل، واختلف عنه: فرواه أبو أيوب الإفريقي عبد الله بن علي٣ عن عبد الله بن محمد ابن عقيل، عن جابر ووهم فيه. وخالفه عبيد الله بن عمرو، ويزيد، وابن جريج، وعمرو بن ثابت، وزهير بن محمد، وإبراهيم بن أبي يحيى، رووه عن ابن عقيل، عن إبراهيم ابن محمد بن طلحة، عن عمه عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش، وهو صحيح" ا?.

стр. 321

وإذا عرف ذلك فإن موقف العلماء من هذا الحديث كان متبايناً في قبوله ورده، مع تنوّع وجوه رده؛ وذلك نظراً لاختلاف أنظارهم فيه: فضعّف أبو حاتم الحديث تبعاً لضعف إسناده عنده، قال ابنه في علل الحديث١: "سألت أبي عن حديث رواه ابن عقيل، عن إبراهيم بن محمد، عن عمران بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش في الحيض؟ فوهّنه، ولم يقوّ إسناده" ا?. وقال الخطابي في "معالم السنن"٢: "وقد ترك بعض العلماء القول بهذا الخبر؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذاك" ا?. وهذا الكلام من الخطابي يعني أن ابن عقيل مختلف فيه، وبالتالي مختلف فيما يرويه وهو كذلك، قال البيهقي في كتاب "المعرفة"٣ عن هذا الحديث، وعن راويه: "تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل وهو مختلف في الاحتجاج به" ا?. وقال في السنن الكبرى٤: "أهل العلم مختلفون في جواز الاحتجاج برواياته" ا?. ومن هنا لم يقبل من "ابن مندة" دعوى الإجماع على ترك حديث

стр. 322

ابن عقيل، واستنكر منه هذا الإطلاق. قال ابن سيّد الناس١: "وأما ابن مندة فقال: "لا يصحّ عندهم بوجه من الوجوه؛ لأنه من رواية ابن عقيل، وقد أجمعوا على ترك حديثه". ذكر ذلك عنه شيخنا الإمام الحافظ أبو الفتح القشيري -رحمه الله تعالى- وتعقبه بالرد عليه، وإنكار هذا الإطلاق على ابن عقيل" ا?. وقد أيّد ابن سيّد الناس شيخه ابن دقيق العيد فقال عقب ذلك: "ولم يعد القشيري منهج الصواب" ا?. قال ابن القيّم٢: "ودعوى ابن مندة الإجماع على ترك حديثه غلط ظاهر منه" ا?. أما ابن حجر فإنه اعتذر عن ابن مندة، فحمل مراده بالإجماع على إجماع خاص وهو إجماع من التزم إخراج الصحيح، فقال في التلخيص الحبير٣ بعد أن أورد قول ابن مندة، وأشار إلى تعقب ابن دقيق العيد له: "لكن ظهر لي أن مراد ابن مندة بذلك من خرّج الصحيح وهو كذلك" ا?. قلت: ويمكن أن يرشح لهذا الحمل قول ابن مندة: "لا يصحّ عندهم بوجه من الوجوه" ا?. فإن قوله "لا يصحّ" إيماء إلى أهل الصحيح.

стр. 323

قال الحاكم في ابن عقيل بعد أن أخرج حديثه في "المستدرك"١: "وهو من أشراف قريش وأكثرهم رواية غير أنهما لم يحتجا به" ا?. يعني البخاري ومسلم فيخرجا له في صحيحيهما. وأيضاً فإنه يبعد أن يجهل ابن مندة الاختلاف في ابن عقيل، وما قيل فيه من الكلام فيطلق على ترك حديثه إجماعاً عاماً. ومع أني لم أقف على تعقيب بن دقيق العيد ورده، فإن من أوضح وأقرب ما يرد به على ابن مندة في مراده الإجماع العام ما نقله الترمذي عن البخاري أنه سمعه يقول: "كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل". وأيضاً تصحيح الترمذي للحديث، وتصحيح أحمد والبخاري له فيما نقله الترمذي عنهما. ثم الاختلاف الآتي في الاحتجاج براويه وهو عبد الله بن محمد ابن عقيل، وقد صور الترمذي الخلاف في ابن عقيل هذا خير تصوير وأروعه، فذكر –بعد أن أدلى برأيه فيه: موقف العلماء منه بأوجز عبارة وأدقها، وذلك أنه أخرج في أول سننه٢ حديث ابن عقيل. "مفتاح الصلاة الطهور" ثم قال عقبه: " هذا الحديث أصحّ

стр. 324

شيء في هذا الباب وأحسن، وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل. قال محمد: وهو مقارب الحديث" ا?. ومن نظر فيما قيل في ابن عقيل في كتب الرجال من مصادر ترجمته١، يجد أن الترمذي كان بارعاً وموفقاً في تلخيص آراء العلماء فيه، مما يدل على نفاذ بصيرة منه، ورسوخ قدم، وطول باع في هذا المجال، وهذا الشأن. والحق يقال إن ابن عقيل لا يخرج عما قاله الترمذي، وأن من تكلم فيه إنما تكلم فيه من قبل حفظه وضبطه.

стр. 325

ونعلم من هذا أن من لم يرو عنه، أو ترك الرواية عنه، أو لم يحتج به، أو ضعفه إنما هو من أجل ذلك، بل صرّح بعضهم بهذا؛ السبب كابن خزيمة كما سيأتي. والمقصود أن عدالة الرجل لم تخدش، ولم تمس بشيء، بل كان موضع ثناء من ناحية عدالته. قال ابن حبان –وقد ترجمه في "المجروحين"١؛ لأجل رداء حفظه-: "كان عبد الله من سادات المسلمين من فقهاء أهل البيت وقرائهم، إلا أنه كان رديء الحفظ". وسبق قول الحاكم فيه: هو من أشرف قريش، وأكثرهم رواية. وقال العقيلي٢: "وكان فاضلاً خيراً موصوفاً بالعبادة، وكان في حفظه شيء" ا?. وقال العجلي٣: "مدني تابعي جائز الحديث" ا?. وقال الساجي٤: "كان من أهل الصدق، ولم يكن بمتقن في الحديث" ا?. إلى غير ذلك مما يدل على صلاحه، وصدقه، وتدينه، وعدالته.

стр. 326

أما من تناوله من جهة حفظه وضبطه وإتقانه كابن خزيمة، فإنه قال١: "لا أحتج به لسوء حفظه" ا?. وقال الدوري عن ابن معين٢: "ابن عقيل لا يحتج بحديثه". وقال ابن سعد٣: -وقد ذكره في الطبقة الرابعة من أهل المدينة-: "كان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وكان كثير العلم" ا?. ومعنى قوله "لا يحتجون بحديثه" أي إذا انفرد، فإنه مظنة الخطأ والوهم، فإذا ما جاء متابع لحديثه أو شاهد أمن ما كان يخالف منه وحصل الاطمئنان إلى ما رواه. يؤيد ما قلته أن أبا حاتم قال٤ في ابن عقيل –وقد سئل عنه من قبل ابنه-: "لين الحديث ليس بالقوي، ولا ممن يحتج بحديثه، يكتب حديثه، وهو أحب إلي من تمام بن نجيح"٥ ا?. فأنت ترى أنه قال "يكتب حديثه"، أي للاعتبار مع قوله "ولا ممن يحتج بحديثه".

стр. 327

فهذا دليل على أن المراد ليس هو نفي الاحتجاج بحديثه مطلقاً، بل إذا انفرد. وقال ابن عدي١ بعد أن ساق جملة من أحاديثه: "ولعبد الله بن محمد بن عقيل غير ما أمليت أحاديث وروايات، وقد روى عنه جماعة من المعروفين الثقات، وهو خير من ابن سمعان٢، ويكتب حديثه" ا?. وقال الخطيب٣: "كان سيء الحفظ" ا?. وقال أبو أحمد الحاكم٤: "كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه يحتجان بحديثه، وليس بذاك المتين المعتمد" ا?. وضعفه ابن المديني والنسائي٥ وقال يعقوب بن شيبة٦: "وابن عقيل صدوق، وفي حديثه ضعف شديد جداً، وكان ابن عيينة يقول: "أربعة من قريش يترك حديثهم فذكره منهم".

стр. 328

وقال القطيعي١: "كان ابن عيينة لا يحمد حفظه" ا?. وقال الحميدي٢ عن ابن عيينة: "كان في حفظه شيء، فكرهت أن ألقاه" ا?. وقال بشر بن عمر٣: "كان مالك يروي عنه" ا?. وابن عبد البر الذي وثّق ابن عقيل ردّ على من جرحه بأنه لا حجة له، ولم يكتف بهذا بل جعله أوثق من جميع المتكلمين فيه، مما حدا ابن حجر الذي نقل ذلك عنه أن يعقب عليه بقوله٤: "وهذا إفراط" ا?. وقد قلد الشيخ أحمد شاكر ابن عبد البر وتبنى حكمه في ابن عقيل، حيث قال٥: "وعبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب ثقة لا حجة لمن تكلم فيه، بل هو أوثق من كل من تكلم فيه، كما قال ابن عبد البر" ا?. فعلى هذا عنده أن حديث ابن عقيل صحيح مطلقاً، كما هو عند ابن عبد البر. أما ابن رجب٦ الذي قسّم الرواة المختلف فيهم إلى ثلاثة أقسام فإنه مثّل بابن عقيل للقسم الثاني، وهو: "من اختلف فيه هل هو ممن

стр. 329

غلب على حديثه الوهم والغلط أو لا؟ " فساق فيه ما ذكره الترمذي عن البخاري، كما أشار إلى تصحيح الترمذي لحديثه، ثم أورد قول ابن معين وغيره "لا يحتج به"، وختم بما قاله الجوزجاني: "عامة ما يروى عنه غريب وتوقف عنه" ا?. ويجدر التنبيه هنا أن كتب الرجال إنما اعتمدت في احتجاج أحمد ابن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والحميدي بحديث ابن عقيل على ما ذكره الترمذي عن شيخه البخاري. هذا وتشير بعض النقولات إلى أن الرجل كان حافظاً متقناً لما يؤديه، ثم تغير في آخر عمره فاختل ضبطه وساء حفظه، فقد قال الحاكم أبو عبد الله١: "عُمِّر فساء حفظه فحدث على التخمين" ا?. ويؤيد هذا قول ابن المديني٢ عن ابن عيينة: "رأيته –يعني ابن عقيل- يحدث نفسه، فحملته على أنه قد تغيّر" ا?. وقد حكى ابن حجر القول بتغيره في "تقريب التهذيب"٣ فقال: "ويقال تغير بآخرة من الرابعة مات بعد الأربعين أي ومئة، روى له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة" ا?.

стр. 330

فإذا ثبت هذا أمكن الجمع بين قول من وثّقه وقول من جرّحه، بأن يقال أن من وثّقه بناء على أول أمره، ومن جرّحه بناء على آخر أمره، ويكون حكم حديثه حكم حديث المختلط. هذا وقد مال الذهبي إلى توثيقه وأنه حسن الحديث، فقال في ترجمته من "ميزان الاعتدال"١ بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدلين: "حديثه في مرتبة الحسن" ا?. والذي يبدو أن ابن حجر يسير على هذا؛ فإنه اختار من الحكم فيه في "تقريب التهذيب"٢: "صدوق في حديثه لين". وممن مشى على ذلك من المتأخرين المباركفوري في "تحفة الأحوذي"، فإنه حسّن حديث علي "مفتاح الصلاة الطهور" الذي في سنده ابن عقيل، حيث قال٣: "فالراجح المعمول عليه هو أن حديث علي المذكور حسن يصلح للاحتجاج" ا?. ومن المعاصرين الشيخ الألباني فقد حسن في –سلسلة الأحاديث الصحيحة- عدة أسانيد فيها ابن عقيل، فما قاله في أحدها٤: "وهذا

стр. 331

إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي ابن عقيل كلام من قبل حفظه لا ينزل به حديثه عن هذه المرتبة التي ذكرنا" ا?. وإذا عرف ذلك فإن ابن حزم تعرض لهذا الحديث في كتابه "المحلى"١، ورده بأنواع من الرد غير ابن عقيل. قال ابن سيّد الناس٢: "ليس منها ما يستقر على النقد"، وقال: "ولم يعلله بابن عقيل، وذلك يقتضي أنه عنده مقبول، إلا أن يكون يرى أنه استغنى بإعلاله بغيره" ا?. فمما أعله به: الانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل فقد زعم أن ابن جريج٣ لم يسمعه من عبد الله بن محمد بن عقيل، ثم ذكر بسنده عن أحمد أنه قال: قال ابن جريج: حدثت عن ابن عقيل، "ولم يسمعه". قال أحمد: "وقد رواه ابن جريج عن النعمان بن راشد" قال: "والنعمان بن راشد يعرف فيه الضعف" ا?. وفي الجواب عن هذه العلة قال ابن القيم٤: "أما قوله: "إن ابن جريج لم يسمعه من ابن عقيل، وأن بينهما النعمان بن راشد"

стр. 332

فجوابه: "أن النعمان بن راشد١ ثقة، أخرج له مسلم في صحيحه، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، واستشهد به البخاري، وقال٢:"في حديثه وهم كثير، وهو صدوق" ا?. وقال ابن أبي حاتم٣: "أدخله البخاري في "الضعفاء"٤، فسمعت أبي يقول: "يحول اسمه منه" ا?. وأجاب ابن سيد الناس عن ذلك بإمكان الاستغناء عن طريق ابن جريج؛ لوروده متصلا من غير طريقه، قال٥: "أما ما رده به من الانقطاع بين ابن جريج وابن عقيل، ومن ضعف الواسطة فقد سقناه من غير طريق ابن جريج، (يعني أنه ساقه من طريق زهير بن محمد عن ابن عقيل) ، فلتتصل طريق ابن جريج، أو لتتقطع، وليكن الواسطة بينه وبين ابن عقيل ضعيفاً إن شاء أو قوياً" ا?.

стр. 333

أعلّه بشريك، وزهير، وعمرو بن ثابت. قال: "وقد رواه أيضاً شريك، وزهير بن محمد، وكلاهما ضعيف، وعن عمرو بن ثابت، وهو ضعيف" ا?. والجواب أن شريكاً هذا هو ابن عبد الله النخعي١ مختلف فيه، احتج به أهل السنن الأربعة، واستشهد به البخاري، وروى له مسلم في المتابعات، قال عنه ابن حجر٢: "صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة" ا?. وأما زهير بن محمد: فاحتج به الشيخان، وباقي الستة، وعن أحمد فيه أربع روايات٣: إحداها: أنه ثقة، والثانية: مستقيم الحديث، والثالثة: مقارب الحال، والرابعة: ليس به بأس. وعن يحيى بن معين فيه ثلاث روايات٤: "إحداها: صالح لا بأس به، والثانية: ثقة، والثالثة: ضعيف". وقال النسائي٥: "ليس بالقوي" ا?.

стр. 334

وقال عثمان الدارمي١: "ثقة صدوق، وله أغاليط كثيرة" ا?. وقال يعقوب بن شيبة٢: "صدوق صالح الحديث" ا?. وذكره ابن حبّان في "الثقات"٣، وقال: "يخطئ ويخالف" ا?. وقال أبو حاتم٤ وقد سأله ابنه عنه: "محله الصدق، وفي حفظه سوء، وكان حديثه بالشام أنكر من حديثه بالعراق؛ لسوء حفظه، وكان من أهل خراسان سكن المدينة، وقدم الشام، فما حدّث من كتبه فهو صالح، وما حدّث من حفظه ففيه أغاليط" ا?. وقال البخاري٥: "ما روى عنه أهل الشام فإنه مناكير، وما روى عنه أهل البصرة فإنه صحيح الحديث" ا?. قال ابن القيّم٦: "وهذا الحديث قد رواه أبو داود، والترمذي من حديث أبي عامر العقدي –عبد الملك بن عمرو-٧ عنه وهو بصري

стр. 335

فيكون على قول البخاري صحيحاً" ا?. وقال البخاري١: قال أحمد بن حنبل: "كأن الذي روى عنه أهل الشام زهير آخر فقلب اسمه" ا?. وفي "تهذيب التهذيب" وتقريبه نقلا عن البخاري: "كان زهير الذي روى عنه أهل الشام زهيراً آخر"، ولم يذكر "فقلب اسمه". قال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٢: "زهير بن محمد التميمي أبو المنذر الخراساني سكن الشام، ثم الحجاز، رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعّف بسببها، قال البخاري عن أحمد: كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر. وقال أبو حاتم: حدّث بالشام من حفظه فكثر غلطه، من السابعة مات سنة اثنيتين وستين أي ومئة، روى له الجماعة. ا?.

стр. 336

وأما عمرو بن ثابت: فقد ذكر أبو داود في "سننه"١ عن يحيى بن معين بأنه كان رافضياً، ونقل هذا ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٢ بزيادة عما في نسخة السنن فقال: "وقال أبو داود في السنن إثر حديث في الاستحاضة: "ورواه عمرو بن ثابت عن ابن عقيل، وهو رافضي خبيث، وكان رجل سوء زاد في رواية ابن الأعرابي: "ولكنه كان صدوقاً في الحديث" ا?. قال الشيخ أحمد شاكر٣: "وعمرو٤ هذا ضعّفه أكثر أهل العلم، وقال ابن حبّان٥:"يروي الموضوعات عن الأثبات". وأحسن أمره أن يكون صدوقاً في الرواية، كما روى ابن الأعرابي

стр. 337

عن أبي داود، فإن قبل حديثه في ذاته فلا يقبل ما يخالف فيه الثقات الحافظين المعروفين" ا?. ويكفي في الرد على ابن حزم أن عمرو بن ثابت لم ينفرد به عن ابن عقيل، فقد تقدم أنه رواه جماعة عن ابن عقيل، فلا تضر متابعة عمرو ابن ثابت لهم. أنه تعلق في رده للحديث بما وقع من الغلط من عمران بن طلحة إلى عمر بن طلحة فقال: "وأيضاً فعمر بن طلحة غير مخلوق، ولا يعرف لطلحة ابن اسمه عمر" ا?. قال ابن القيّم١: "وهذا تعلق باطل أما قوله عمر بن طلحة غير مخلوق، فقد ذكرنا أن هذا وهم ممن سماه عمر، وإنما هو عمران بن طلحة٢" ا?. قال البخاري في "التاريخ الكبير"٣ -في ترجمة إبراهيم بن محمد ابن طلحة التيمي –بعد أن أخرج الحديث إشارة كما سبق من طريق شريك

стр. 338

عن ابن عقيل وفيه عمران بن طلحة قال: "قال زهير بن محمد وعبد الله ابن عمرو، عن ابن عقيل- نحوه". وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن عقيل، عن إبراهيم ابن محمد بن طلحة، عن عمه عمر بن طلحة، عن أمه حمنة بنت جحش. قال أبو عبد الله (كنية البخاري) والأول أصحّ١. وقد نبه الترمذي على أن عمر لا يقوله في هذا الإسناد إلا ابن جريج، وأن غيره يقول عمران وهو الصواب. وقد ذكر ابن القيّم أن ابن جريج يقول عمران أيضاً على الصواب، وذلك أخذاً من كلام الدارقطني فقال٢: "وقد تقدم في كلام الدارقطني أن ابن جريج قال فيه عمران بن طلحة وهو الصواب، فوقع الغلط من عمران بن طلحة إلى عمر بن طلحة". أنه تعلق في رده للحديث برواية الحارث بن أبي أسامة له، قال وهو قد ترك حديثه. قال ابن القيّم٣: وقوله الحارث بن أبي أسامة رواه وقد ترك حديثه، "فإنما اعتمد في ذلك على كلام أبي الفتح الأزدي فيه، ولم يلتفت إلى

стр. 339

ذلك، وقد قال إبراهيم الحربي: هو ثقة. وقال البرقاني: أمرني الدارقطني أن أخرج عنه في الصحيح"، وصحح له الحاكم، وهو أحد الأئمة الحفاظ١" ا?. وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "المحلى"، وهنا بهامش اليمنية ما نصّه: قال الشيخ شمس الدين الذهبي: "هذا يدل على قلة معرفة المؤلف؛ إذ يسقط هذا الحديث برواية الحارث له، كأنه لم يروه إلا الحارث، وقد رواه جماعة غيره، وقد صححه الترمذي، وأخرجه هو وأبو داود" ا?. وبعد: فهذا الحديث –كما رأيت- مختلف في جواز الاحتجاج به بين العلماء.

стр. 340

وضعّفه بعضهم كأبي حاتم، وابن حزم، والشوكاني في نيل الأوطار؛ حيث قال١: "وهو غير صالح للاحتجاج". وحسّنه بعضهم كالألباني؛ فإنه قال في تعليقه على مشكاة المصابيح٢: "وإسناده حسن كما بينت ذلك في صحيح السنن (لم يطبع) رقم ٢٩٢". وصححه جماعة كالترمذي، والبخاري، والإمام أحمد، وأحمد شاكر، والنووي أيضاً فقد قال في "المجموع شرح المهذب"٣: "حديث حمنة صحيح". قال الدكتور نور الدين عتر٤: "وقد يقال: كيف يصحح الترمذي، والبخاري حديثه (يعني عبد الله بن محمد بن عقيل) مع قول الترمذي فيه: "صدوق"، وقول البخاري: "مقارب الحديث"؟ ثم قال: الذي نجيب به عنهما ونعلل هذا التصرف: هو أن الترمذي والبخاري قد صححا من حديثه ما علم أنه أتقنه، وحدّث به قبل تغيّره. ولعل الترمذي نقل عن أحمد والبخاري تصحيح الحديث؛ استشهاداً بهما، وإشارة إلى اندفاع الاعتراض عليه في تصحيحه؛ لأنه مما قامت عليه

стр. 341

الأدلة عنده وعند من صححه من الأئمة؛ ذلك أن الحديث قد تقوى بحديث عائشة، وأسماء بنت عميس. أما حديث عائشة فرواه أحمد١، وأبو داود٢، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن سهلة بنت سهيل بن عمرو استحيضت، فأتت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، والصبح بغسل. وأما حديث أسماء فرواه أبو داود٣، عن سهيل بن أبي صالح، (عن الزهري) ، عن عروة بن الزبير، عن أسماء بنت عميس قالت: قلت يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل؟ فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله إن" هذا من الشيطان" ... الحديث بمعنى السابق٤. فكل من الحديثين شاهد يؤيد حديث عبد الله بن محمد بن عقيل

стр. 342

وإن كان الحديث الأول عن عائشة فيه القاسم بن محمد١ عن أبيه٢، وقد قيل: إنه لم يسمع أباه فإن الحديث مع حديث أسماء بنت عميس يعضدان حديث عبد الله بن محمد بن عقيل، ويدلان على صحته. فصح فيه قول الترمذي: "حسن صحيح" ا?. قلت: وكلمة "صحيح" عن البخاري –على حدّ قول الدكتور العتر- ثبتت في نسخة بولاق، ونسخة خطية عند الشيخ أحمد شاكر محقق الكتاب، ولم تثبت في طبعات الهند. ولا يخفى أن الترمذي أدخل هذا الحديث في كتابه "العلل الكبير"، ونقل عن شيخه البخاري توقفه في تحسينه بسبب شكه في سماع ابن عقيل من إبراهيم بن محمد بن طلحة٣، فقال٤: "قال محمد حديث حمنة بنت

стр. 343

جحش في المستحاضة هو حديث حسن، إلا أن إبراهيم بن محمد بن طلحة هو قديم لا أدري سمع منه عبد الله بن محمد بن عقيل أم لا؟ وكان أحمد ابن حنبل يقول هو حديث صحيح" ا?. وقد نقل هذه العلة عن الترمذي البيهقي في "السنن الكبرى"١. وممن تصدى للرد على هذه العلة ابن سيّد الناس الذي أنكر قول البخاري هذا، وشك في صحته عنه فقال٢: "وهذا القول عن البخاري لا أعلم له وجهاً إبراهيم بن محمد ابن طلحة مات سنة عشر ومئة فيما قاله أبو عبيد القاسم بن سلام، وعلي بن المديني، وخليفة بن خياط، وهو تابعي سمع أبا أسيد الساعدي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبا هريرة، وعائشة ﵃. وابن عقيل سمع عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، والربيّع بنت معوذ ﵃. فكيف ينكر سماعه من إبراهيم بن محمد بن طلحة لقدمه؟ وأين ابن طلحة من هؤلاء في القدم وهم نظراء شيوخه في الصحبة وقريب منهم في الطبقة؟ ولو توقف عن القول بسماعهم من ابن طلحة؛ معللا ذلك بعلة غير القدم؛ أو غير معلل له بعلة؛ لما توجه إنكاره، وفي صحة هذا عن البخاري عندي نظر".

стр. 344

وقال أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي١: "وأما العلة الأخرى التي نقلها البيهقي، عن الترمذي، عن البخاري في الشك في سماع ابن عقيل من إبراهيم بن محمد ابن طلحة فإنها علة لا تقوم لها قائمة؛ لأن ابن عقيل تابعي سمع كثيراً من الصحابة، ومات بين سنتي مئة وأربعين وخمس وأربعين ومئة، ويقال سنة (١٤٢) وإبراهيم بن محمد ابن طلحة مات سنة ١١٠? فهما متعاصران، وابن عقيل سمع ممن هم أقدم موتاً من إبراهيم هذا". ذلك هو ما يتعلق بتصحيح البخاري. وأما ما يتعلق بتصحيح أحمد، فقد نقل أبو داود عنه ما يخالف ما نقله الترمذي عنه هنا من تصحيحه، قال أبو داود في "سننه"٢: "سمعت أحمد يقول: حديث ابن عقيل في نفسي منه شيء". وفي الجواب عن ذلك قال أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي٣: "لعله يشير إلى أن في نفسه شيئاً من جهة الفقه والاستنباط، والجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإن كان صحيحاً ثابتاً عنده من جهة الإسناد". وقال السبكي في المنهل العذب المورود٤: "وفي بعض النسخ إسقاط هذه الجملة، والمنقول عن أحمد قوله: إن في هذا الباب حديثين وثالثاً في النفس منه شيء، ففسر أبو داود الثالث بحديث حمنة".

стр. 345

وقال الشوكاني١: "ويجاب عن ذلك بأن الترمذي قد نقل عن أحمد تصحيحه نصاً، وهو أولى مما ذكره أبو داود؛ لأنه لم ينقل التعيين عن أحمد، وإنما هو شيء وقع له ففسر به كلام أحمد، وعلى فرض أنه من كلام أحمد فيمكن أن يكون قد كان في نفسه من الحديث شيء، ثم ظهرت له صحته". كان ذلك هو بيان موقف العلماء من حديث ابن عقيل هذا. والذي أراه بالنسبة لأحاديث ابن عقيل هو ألا يحكم لها بصحة، أو حسن، أو غير ذلك قبل أن يتثبت منها؛ فإن ما قيل فيه من قبل حفظه أحدث شكاً فيما يرويه، فينبغي أن ينظر في كل ما يرويه، ويتأكد منه هل هو مما ضبطه أو لا؟ فإن كان لما يرويه مثلا شواهد –كما هنا- قُبِل، وكذلك يقبل إذا لم يخالف الثقات، ولم ينفرد عنهم بما ينكر عليه. قال ابن القيّم٢: "هذا الحديث مداره على ابن عقيل وهو عبد الله بن محمد بن عقيل ثقة صدوق، لم يتكلم فيه بجرح أصلا، وكان الإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي وإسحاق بن راهويه يحتجون بحديثه، والترمذي يصحح له، وإنما يخشى من حفظه إذا انفرد عن الثقات أو خالفهم، أما إذا لم يخالف ولم ينفرد بما ينكر عليه فهو حجة، وقال البخاري في هذا الحديث هو حديث حسن، وقال الإمام أحمد هو حديث صحيح".

стр. 346

الحديث السّادس: باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة من أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ ٢/٣٦٥ وما بعدها سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر

стр. 347

قال بعض أصحاب الزهري عن الزهري قال: "حدثني آل عبد الله ابن عمر، عن عبد الله بن عمر: "بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل١ من أصحاب النبي ﷺ فقال: "أية٢ ساعة هذه؟! فقال: "ما هو إلا أن سمعت النداء، وما زدت على أن توضأت". قال: والوضوء٣ أيضاً وقد علمت أن رسول الله ﷺ أمر بالغسل؟! ". حدثنا بذلك أبو بكر محمد بن أبان، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري. قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثنا الليث، عن يونس عن الزهري بهذا الحديث.

стр. 348

كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: وروى مالك هذا الحديث، عن الزهري، عن سالم قال: "بينما عمر بن الخطاب يخطب يوم الجمعة" فذكر الحديث. قال أبو عيسى: وسألت محمداً عن هذا؟ فقال: الصحيح حديث الزهري، عن سالم عن أبيه. قال محمد: وقد روى مالك أيضاً عن الزهري، عن سالم، عن أبيه نحو هذا الحديث. نفي دعوى الاضطراب في الحديث قبل الخوض في هذا الحديث أودّ أن أورد الحديث الذي قبله الذي يشترك معه في نفس الباب (باب ما جاء في الاغتسال يوم الجمعة) ؛ وذلك لأن ابن العربي في "شرح الترمذي"١ جعلها حديثاً واحداً، وادعى فيه اضطراباً، وقد ردّ هذه الدعوى العراقي في شرحه للترمذي٢ بأن بيّن أنهما حديثان وليسا حديثاً واحداً فلا اختلاف في إسناده، كما قاله ابن العربي. وأسوق أولا الحديث ثم أثني بتعقيب العراقي على ابن العربي. قال الترمذي: حدثنا أحمد بن منيع أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من أتى الجمعة فليغتسل".

стр. 349

وفي الباب عن أبي سعيد، وعمر، وجابر، والبراء، وعائشة، وأبي الدرداء. قال أبو عيسى: "حديث ابن١ عمر حديث حسن صحيح، وروى عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي ﷺ هذا الحديث أيضاً. حدثنا بذلك قتيبة أخبرنا الليث بن سعد، عن أبي شهاب، عن عبد الله ابن عبد الله بن عمر، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ مثله" ا?. قال العراقي: "وأما قول القاضي أبي بكر بن العربي: أن أبا عيسى ذكر في حديث ابن عمر هاهنا عن الزهري اضطراباً. تارة يرويه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة يرويه عن آل عبد الله عن عمر، وتارة يرويه عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال البخاري: "وهو الصحيح" ا?. فهذا ليس اضطراباً؛ وذلك لأن رواية الزهري عن آل عبد الله بن عمر حديث آخر لعمر غير حديث ابن عمر، وليس اضطراباً في حديث واحد. وأما روايته لحديث ابن عمر عن عبد الله بن عبد الله، وعن سالم فليس اضطراباً أيضاً، وإنما سمعه الزهري منهما جميعاً، فحدّث به مرة عن هذا، ومرة عن هذا. ويستدل على أنه ليس اضطراباً أنه حدّث به عنهما جميعاً، كما رواه مسلم في صحيحه٢ من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم وعبد

стр. 350

الله بن عبد الله كلا منهما، عن أبيه كما تقدّم والله أعلم. وذكر المصنف في كتاب "العلل المفرد" أنه رواه ابن جريج، عن الزهري، عنهما جميعاً. وقول البخاري: "أن الصحيح رواية الزهري عن سالم" ليس فيه تضعيف لرواية الزهري عن عبد الله، وإنما أراد البخاري جواب الترمذي لما سأله عن حديث عمر لا عن حديث ابن عمر، فصحح رواية الزهري عن سالم على رواية الزهري عن آل عبد الله بن عمر. وأما رواية الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، فقد صرّح البخاري بصحتها كما تقدم في أثناء الباب. وإنما رجحها؛ لأنه اتفق عليها مالك، ويونس بكمال القصة والزبيدي١ بالمرفوع منها ثلاثتهم عن الزهري عن سالم. وأما رواية الزهري عن آل عمر٢ فرواها معمر فحسب عن الزهري فكانت أرجح؛ لاتفاقهم، وكون مالك مع الكثرة ترجيحاً آخر والله أعلم. ويؤيّد أنهما حديثان أن الترمذي في حديث ابن عمر عندما عدّد

стр. 351

الأحاديث التي في الباب أشار إلى حديث عمر، فقال: "وفي الباب عن أبي سعيد وعمر وجابر ... الخ". فهذا دليل على أن الترمذي اعتبرهما حديثين لا حديثاً واحداً كما ظن ابن العربي. البخاري يرجح المتصل على المنقطع، ويذكر أن مالكاً رواه متصلا أيضاً اختلف في حديث عمر هذا على الزهري من جهة الوصل والانقطاع. فرواه معمر ويونس عنه موصولا، ورواه مالك عنه منقطعا بدون ذكر (ابن عمر) ، وفي جواب البخاري لتلميذه عن ذلك رجح الموصول على المنقطع، وأخبره بأن مالكاً كما رواه عن الزهري منقطعاً قد روى عنه عن الزهري موصولا نحو حديث يونس ومعمر، فوافقها في روايته بعد أن خالفها. قال العراقي في "شرح الترمذي"١ معترضاً على قول البخاري: "وقد روي عن مالك ... ": "الأولى أن يقال: روى مالك، فقد أخرجه البخاري في صحيحه٢ من طريق هكذا، ولكن هذا على طريق الأولوية، ويجوز أن يقال في الصحيح روى بصيغة التمريض" ا?.

стр. 352

والذي يبدو أن البخاري أراد بذلك أن يثبت الاختلاف عن مالك بأن رواه بعضهم عنه موصولا ورواه بعضهم منقطعاً فهو أي البخاري لم يقصد بقوله: "وقد روى عن مالك ... تضعيف هذه الطريق، وإنما هو بدل أن يقول: وقد رواه بعضهم عن مالك عن ... الخ، قال: "وقد روي عن مالك ... ". بيان الاختلاف على مالك وقد بيّن الاختلاف فيه عن مالك، الدراقطني، وابن عبد البر، وذكرا من رواه عنه موصولا ومن رواه عنه منقطعاً. قال الدارقطني في "العلل"١ وقد سئل عن هذا الحديث ... هو حديث يرويه مالك في "الموطأ"٢، عن الزهري، عن سالم، عن عمر، عن النبي ﷺ لم يذكر فيه "ابن عمر" كذلك رواه معن، والقعنبي، ويحيى بن يحيى، والشافعي، ويحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف، وغيرهم. ورواه جماعة من الثقات في "غير الموطأ" عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر "متصلاً". منهم: "جويرية بن أسماء، وإبراهيم بن طهمان، وعبد الرحمن بن

стр. 353

مهدي، وأبو عاصم، والوليد بن مسلم، وروح بن عبادة، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني١، وأبو قرة، ويحيى بن مالك بن أنس، وغيرهم" ا?. وقال ابن عبد البر٢: "كذا رواه أكثر رواة الموطأ عن مالك مرسلاً لم يقولوا: "عن أبيه"، ووصله عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، روح بن عبادة وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان، وعثمان بن الحكم الجذامي، وأبو عاصم النبيل، وعبد الوهاب بن عطاء، ويحيى بن مالك بن أنس، وعبد الرحمن ابن مهدي، والوليد بن مسلم، وعبد العزيز ابن عمران ومحمد بن عمر الواقدي، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني، والقعنبي في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه" ا?. فقد زاد ابن عبد البر: "عثمان بن الحكم الجذامي، وعبد الوهاب ابن عطاء وعبد العزيز بن عمران، ومحمد بن عمر الواقدي، والقعنبي". وزاد الدارقطني: "أباقرة". "البخاري يخرج الحديث في "صحيحه" من طريق جويرية عن مالك موصولاً" ومن طريق جويرية بن أسماء عن مالك أخرجه البخاري في

стр. 354

"صحيحه"١ فقال في (باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء؟) : حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: أخبرنا جويرية عن مالك عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر "﵄" "أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟ قال: إني شغلت فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت. فقال: والوضوء أيضاً؟ وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل".

стр. 355

قال ابن حجر في فتح الباري١: "أورده (أي البخاري) من رواية جويرية بن أسماء عن مالك، وهو عند رواة الموطأ عن مالك ليس فيه ذكر ابن عمر، فحكى الإسماعيلي عن البغوي –بعد أن أخرجه من طريق روح ابن عبادة عن مالك-: "أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك "عبد الله بن عمر" غير روح بن عبادة وجويرية" ا?. وقد عقّب ابن حجر على هذا بقوله: "وقد تابعهما أيضاً عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد بن حنبل٢ عنه بذكر ابن عمر، وقال الدارقطني في "الموطأ": "رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات عنه خارج الموطأ موصولاً. منهم: فذكر هؤلاء الثلاثة، ثم قال: "وأبو عاصم النبيل وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم، وعبد الوهاب ابن عطاء، وذكر جماعة غيرهم في بعضهم مقال، ثم ساق أسانيدهم إليهم بذلك" ا?. بعض الأمور التي تثبت صحة الوصل فالبخاري صحح وصل الحديث فيما حكاه تلميذه الترمذي عنه ورواه في صحيحه موصولا من طريق مالك الذي اختلف مع غيره في روايته عن الزهري موصولا ومنقطعاً؛ ليدل البخاري بذلك على أن طريق
следующие страницы →