الأحاديث التي في الباب أشار إلى حديث عمر، فقال: "وفي الباب عن أبي سعيد وعمر وجابر ... الخ".
فهذا دليل على أن الترمذي اعتبرهما حديثين لا حديثاً واحداً كما ظن ابن العربي.
البخاري يرجح المتصل على المنقطع، ويذكر أن مالكاً رواه متصلا أيضاً
اختلف في حديث عمر هذا على الزهري من جهة الوصل والانقطاع. فرواه معمر ويونس عنه موصولا، ورواه مالك عنه منقطعا بدون ذكر (ابن عمر) ، وفي جواب البخاري لتلميذه عن ذلك رجح الموصول على المنقطع، وأخبره بأن مالكاً كما رواه عن الزهري منقطعاً قد روى عنه عن الزهري موصولا نحو حديث يونس ومعمر، فوافقها في روايته بعد أن خالفها.
قال العراقي في "شرح الترمذي"١ معترضاً على قول البخاري: "وقد روي عن مالك ... ": "الأولى أن يقال: روى مالك، فقد أخرجه البخاري في صحيحه٢ من طريق هكذا، ولكن هذا على طريق الأولوية، ويجوز أن يقال في الصحيح روى بصيغة التمريض" ا?.
стр. 352
والذي يبدو أن البخاري أراد بذلك أن يثبت الاختلاف عن مالك بأن رواه بعضهم عنه موصولا ورواه بعضهم منقطعاً فهو أي البخاري لم يقصد بقوله: "وقد روى عن مالك ... تضعيف هذه الطريق، وإنما هو بدل أن يقول: وقد رواه بعضهم عن مالك عن ... الخ، قال: "وقد روي عن مالك ... ".
بيان الاختلاف على مالك
وقد بيّن الاختلاف فيه عن مالك، الدراقطني، وابن عبد البر، وذكرا من رواه عنه موصولا ومن رواه عنه منقطعاً.
قال الدارقطني في "العلل"١ وقد سئل عن هذا الحديث ... هو حديث يرويه مالك في "الموطأ"٢، عن الزهري، عن سالم، عن عمر، عن النبي ﷺ لم يذكر فيه "ابن عمر"
كذلك رواه معن، والقعنبي، ويحيى بن يحيى، والشافعي، ويحيى بن بكير وعبد الله بن يوسف، وغيرهم.
ورواه جماعة من الثقات في "غير الموطأ" عن مالك، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن عمر "متصلاً".
منهم: "جويرية بن أسماء، وإبراهيم بن طهمان، وعبد الرحمن بن
стр. 353
مهدي، وأبو عاصم، والوليد بن مسلم، وروح بن عبادة، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني١، وأبو قرة، ويحيى بن مالك بن أنس، وغيرهم" ا?.
وقال ابن عبد البر٢: "كذا رواه أكثر رواة الموطأ عن مالك مرسلاً لم يقولوا: "عن أبيه"، ووصله عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه، روح بن عبادة وجويرية بن أسماء وإبراهيم بن طهمان، وعثمان بن الحكم الجذامي، وأبو عاصم النبيل، وعبد الوهاب بن عطاء، ويحيى بن مالك بن أنس، وعبد الرحمن ابن مهدي، والوليد بن مسلم، وعبد العزيز ابن عمران ومحمد بن عمر الواقدي، وإسحاق بن إبراهيم الحنيني، والقعنبي في رواية إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه" ا?.
فقد زاد ابن عبد البر: "عثمان بن الحكم الجذامي، وعبد الوهاب ابن عطاء وعبد العزيز بن عمران، ومحمد بن عمر الواقدي، والقعنبي".
وزاد الدارقطني: "أباقرة".
"البخاري يخرج الحديث في "صحيحه" من طريق جويرية عن مالك موصولاً"
ومن طريق جويرية بن أسماء عن مالك أخرجه البخاري في
стр. 354
"صحيحه"١ فقال في (باب فضل الغسل يوم الجمعة، وهل على الصبي شهود يوم الجمعة أو على النساء؟) :
حدّثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، قال: أخبرنا جويرية عن مالك عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن ابن عمر "﵄" "أن عمر بن الخطاب بينما هو قائم في الخطبة يوم الجمعة إذ دخل رجل من المهاجرين الأولين من أصحاب النبي ﷺ فناداه عمر: أية ساعة هذه؟
قال: إني شغلت فلم انقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد أن توضأت.
فقال: والوضوء أيضاً؟ وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل".
стр. 355
قال ابن حجر في فتح الباري١: "أورده (أي البخاري) من رواية جويرية بن أسماء عن مالك، وهو عند رواة الموطأ عن مالك ليس فيه ذكر ابن عمر، فحكى الإسماعيلي عن البغوي –بعد أن أخرجه من طريق روح ابن عبادة عن مالك-: "أنه لم يذكر في هذا الحديث أحد عن مالك "عبد الله بن عمر" غير روح بن عبادة وجويرية" ا?.
وقد عقّب ابن حجر على هذا بقوله: "وقد تابعهما أيضاً عبد الرحمن بن مهدي أخرجه أحمد بن حنبل٢ عنه بذكر ابن عمر، وقال الدارقطني في "الموطأ": "رواه جماعة من أصحاب مالك الثقات عنه خارج الموطأ موصولاً. منهم: فذكر هؤلاء الثلاثة، ثم قال: "وأبو عاصم النبيل وإبراهيم بن طهمان، والوليد بن مسلم، وعبد الوهاب ابن عطاء، وذكر جماعة غيرهم في بعضهم مقال، ثم ساق أسانيدهم إليهم بذلك" ا?.
بعض الأمور التي تثبت صحة الوصل
فالبخاري صحح وصل الحديث فيما حكاه تلميذه الترمذي عنه ورواه في صحيحه موصولا من طريق مالك الذي اختلف مع غيره في روايته عن الزهري موصولا ومنقطعاً؛ ليدل البخاري بذلك على أن طريق
стр. 356
مالك الأخرى التي وافق فيها الجماعة في روايته موصولا هي الصحيحة، والراجحة كما قرره.
ومما يدل على أن الوصل هو الصحيح هو أن مسلماً أخرجه في "صحيحه"١ من طريق يونس عن الزهري، وقد تابع يونس، والجماعة معمراً، ومالكاً، وغيرهما أبو أويس٢ عند قاسم بن أصبغ٣، فرواه عن الزهري موصولاً.
موافقة الدارقطني للبخاري في ترجيح المتصل على المنقطع
ولما سئل الدارقطني في "العلل"٤ عن هذا الحديث كان رأيه موافقاً لرأي البخاري، فصوّب الموصول، ورجحه على المنقطع قال:
" ... ورواه جماعة من الثقات في غير الموطأ عن مالك عن الزهري عن سالم عن ابن عمر متصلا منهم فعدّد طائفة. ثم قال: "وكذلك رواه أصحاب الزهري، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن عمر، عن النبي ﷺ وهو الصواب" ا?.
стр. 357
ويبدو لي أن المنقطع خطأ ووهم من مالك؛ فإنه انفرد من بين أصحاب الزهري بذلك.
تعقيب على العراقي
وما ذكره العراقي في كلامه السابق من أن البخاري رجح رواية الزهري، عن سالم على رواية الزهري عن آل عبد الله بن عمر؛ لأن هذه رواها معمر فحسب، وأن تلك اتفق عليها مالك، ويونس، والزبيدي، وكون مالك مع الكثرة ترجيحاً آخر" ا?. فهو خطأ صوابه ما قدمناه عن البخاري.
ويستفاد مما ذكره العراقي أن البخاري رجح رواية على نفسها؛ لأن رواية الزهري عن سالم، هي رواية الزهري عن آل عبد الله بن عمر، فإن المقصود بآل عبد الله بن عمر "سالم" كما هو مبيّن عند مسلم، وأحمد، وغيرهما، فإن مسلماً أخرجه١ من طريق يونس، وفيه الزهري عن سالم. وأخرجه أحمد في "مسنده"٢ من طريق معمر، وفيه الزهري عن سالم. وكذا أخرجه غير أحمد كعبد الرزاق في "مصنفه"٣، والشافعي في
стр. 358
"الرسالة"١، والطحاوي في "معاني الآثار"٢، والبيهقي في "السنن الكبرى"٣.
وقدبيّن ولي الدين أحمد بن زين الدين عبد الرحيم العراقي في كتابه "المستفاد من مبهمات المتن والإسناد"٤، المراد بآل عبد الله بن عمر أنه سالم بن عبد الله فقال: "حديث الزهري: حدّثني آل عبد الله بن عمر، عن ابن عمر، عن عمر في الاغتسال للجمعة كذا رواه النسائي٥، ورواه أيضاً عن الزهري عن سالم عن أبيه عن عمر" ا?.
وما قاله العراقي من أن رواية الزهري عن آل ابن عمر رواها معمر فحسب ليس بصحيح، فإنه رواها أيضاً يونس كما أشرت إليه آنفاً.
وقد ذكر الترمذي عقب الحديث إسناديه إليه وفي أحدهما معمر، وفي الآخر يونس كلاهما عن الزهري.
فالترمذي وضّح المبهم في قوله: "وقال بعض أصحاب الزهري" أنه معمر ويونس، وأنهما هما اللذان رويا رواية الزهري هذه عن آل ابن عمر، فعرف من ذلك أن معمراً لم ينفرد بها.
стр. 359
الحديث السّابع: باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، من أبواب الصلاة عن رسول الله ﷺ .
٢/٣٧٣ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر.
стр. 360
حدّثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد (يعني) الضمري، وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ : "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً١ بها طبع٢ الله على قلبه".
وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة.
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: حديث أبي الجعد، حديث حسن.
قال: وسألت محمداً عن اسم أبي الجعد الضمري؟ فلم يعرف اسمه. وقال: لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث.
قال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو.
تخريج الحديث
تضافر على إخراج هذا الحديث جماعة من الأئمة في كتبهم،
стр. 361
فأخرجه أصحاب السنن وغيرهم*، وفيما يلي ذكر من أخرجه:-
أبو داود في "سننه"١ وسكت عنه، أما المنذري٢ فإنه نقل كلام الترمذي عليه وأقرّه.
النسائي في "سننه"٣.
ابن ماجه في "سننه"٤.
أحمد في "مسنده"٥ بلفظ: "من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر طبع الله ﵎ على قلبه".
الشافعي في "الأم"٦ بلفظ: "لا يترك أحد الجمعة ثلاثاً تهاوناً بها إلا
стр. 362
طبع الله على قلبه"، قال الشافعي: "في بعض الحديث ثلاثاً ولاء" ا?.
الدارمي في "سننه" ١ بلفظ: "من ترك الجمعة تهاوناً بها طبع الله على قلبه" مطلقاً عن العدد والتوالي.
ابن أبي شيبة في "مصنفه"٢.
ابن الجارود في "المنتقى"٣.
البغوي في "شرح السنة"٤.
الطحاوي في "مشكل الآثار"٥ من طريقين إلى محمد بن عمرو بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه" مطلقاً من غير قيد التهاون.
البزار في "مسنده"٦.
أبو يعلى في "مسنده"٧.
стр. 363
الطبراني في "المعجم الكبير"١.
ابن خزيمة في "صحيحه"٢ من طريقين بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر –في أحد الطريقين "طبع على قلبه"، وفي الآخر "فهو منافق"، ومن عدة طرق مثل لفظ الترمذي.
ابن حبّان في "صحيحه"٣ من طريقين إلى محمد بن عمرو، إحدى الطريقين مثل لفظ الترمذي، والثانية بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق".
الحاكم في "المستدرك"٤ من طريقين إلى محمد بن عمرو في موضعين، كما هو مبيّن في الهامش، مرة قال "الموضع الأول": "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي، وأخرى "الموضع الثاني" سكت عنه. وقال الذهبي: "حسن" ا?.
البيهقي في "السنن الكبرى"٥.
أبو أحمد الحكم في "الأسامي والكنى"٦.
стр. 364
الدولابي في "الكنى والأسماء"١ أخرجه من طريقين إلى محمد بن عمرو.
ابن السكن في "صحيحه"٢.
المزي في "تهذيب الكمال"٣ بإسناده إلى أحمد بن حنبل، وبإسناده إلى أبي القاسم الطبراني.
أبو نعيم في "معرفة الصحابة"٤
جميع هؤلاء أخرجوا هذا الحديث من طريق محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد الضمري. ودونك تعريفاً بهؤلاء الرواة:
محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبد الله (ويقال أبو الحسن) المدني. روى عن: أبيه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيدة بن
стр. 365
سفيان. وروى عنه: شعبة، والثوري، وابن عيينة١.
قال علي: قلت ليحيى: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قال: لا بل أشدّد. قال: ليس هو ممن تريد ...
قال يحيى: وسألت مالكاً عنه فقال فيه نحو ما قلت لك٢.
وقال إسحاق بن حكيم٣ عن يحيى القطان: "محمد بن عمرو رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث".
وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عنه فقال: "ما زال الناس يتقون حديثه". قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدّث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته٤، ثم يحدّث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة٥".
وقال أحمد بن مريم٦ عن ابن معين: "ثقة".
وقال النسائي٧: "ليس به بأس".
وقال مرة: "ثقة".
стр. 366
وقال يعقوب بن شيبة١: "هو وسط وإلى الضعف ما هو".
وقال الحاكم٢: قال ابن المبارك: لم يكن به بأس.
وقال ابن سعد٣: "كان كثير الحديث يستضعف".
وقال ابن عدي٤: "له حديث صالح، وقد حدّث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة، ويغرّب بعضهم على بعض، وروى عنه مالك في الموطأ وأرجو أنه لا بأس به".
وقال الجوزجاني٥: "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه".
وذكره ابن حبان في "الثقات"٦، وقال: "يخطئ".
وقال أبو حاتم٧ وقد سأله ابنه عنه: "صالح الحديث وهو شيخ".
стр. 367
والمتأمِّل في هذه الترجمة والمحلل لها يخرج بنتيجة مهمة هي عدالة هذا الراوي، فإنه لم يطعن فيها، ولم تخدش بشيء، ويرى عباراتهم تنم عن ناحية أخرى إذ كانت متجهة إلى الكلام فيه من ناحية ضبطه وإتقانه، وأنه كان خفيف الضبط، لم يسلم من الوهم والغلط.
قال ابن حجر في "هدي الساري مقدّمة فتح الباري"١: "صدوق تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه" ا?.
فهو كما قال يحيى القطّان٢: "رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث" وهذا يفسر قوله الآخر فيه جواباً لعلي بن المديني: "ليس هو ممن تريد"٣، أي في الحفظ والضبط والإتقان.
ومما يدل على وهمه وخطئه قول ابن معين٤: "كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدّث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة" ا?.
قال ذلك ابن معين في معرض بيان علة قوله فيه: "ما زال الناس يتقون حديثه"، أي يتوقفون فيه حتى يسبروه ويختبروه، ويحصل الاطمئنان به.
ولعل من هنا أخذ ابن حجر قوله "له أوهام" فإنه قال في
стр. 368
"تقريب التهذيب"١ في حكمه على هذا الرجل: "صدوق له أوهام"، من السادسة مات سنة خمس وأربعين أي ومئة على الصحيح، روى له الجماعة.
وليس هذا فقط، بل ذكر ابن عدي بأن له غرائب أيضاً، ولا يبعد أن تكون بسبب أوهامه فقال٢: "وقد حدّث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة، ويغرّب بعضهم على بعض" ا?.
ولا يمنع كل ذلك أن يكون للرجل كما قال ابن عدي٣ "حديث صالح"، وقد صور ابن الصّلاح ما قيل في هذا الراوي خير تصوير، ووفّق بين كلماتهم فيه بتوفيق عجيب فقال٤: "محمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعّفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته" ا?.
ولا يخفى أن هذا الراوي أحد الرواة الذين انتقد البخاري بسبب روايته لهم في "صحيحه".
وقد دافع ابن حجر عن البخاري في روايته لمحمد بن عمرو هذا
стр. 369
فقال في "هدي الساري مقدمة فتح الباري"١: "مشهور من شيوخ مالك صدوق، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وأخرج له الشيخان، أما البخاري فمقروناً بغيره، وتعليقاً، وأما مسلم فمتابعة، وروى له الباقون" ا?.
عَبِيدة٢بن سفيان بن الحارث بن الحضرمي المدني. روى عن: أبي هريرة، وأبي الجعد الضمري، وزيد بن خالد الجهني. وروى عنه: ابنه عمرو، وبشر بن سعيد، ومحمد بن عمرو بن علقمة٣.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"٤: "قد احتجّ به مسلم، ووثقه النسائي وغيره" ا?.
قال العجلي٥: "مدني تابعي ثقة".
стр. 370
وقال ابن سعد١: "كان شيخاً قليل الحديث".
وذكره ابن حبّان في "الثقات"٢
وقال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "ثقة من الثالثة، روى له مسلم، والأربعة" ا?.
أبو الجعد الضمري: قوله في السند (يعني الضمري) أراد به تمييزه عن غيره ممن يقال له "أبو الجعد".
جاء في "قواعد التحديث" للقاسمي٤ تحت هذا العنوان: "سر قولهم في خلال ذكر الرجال: "يعني ابن فلان أو هو ابن فلان".
قال النووي٥: "ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه؛ لئلا يكون كاذباً على شيخه، فإذا أراد تعريفه وإيضاحه، وزوال اللبس المتطرق إليه؛ لمشابهة غيره فطريقه أن يقول: حدثني فلان يعني ابن فلان أو الفلاني، أو هو ابن فلان أو الفلاني أو نحو ذلك، وقد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاري، ومسلم منه غاية
стр. 371
الإكثار، وهذا ملحظ دقيق، ومن لا يعاني هذا الفن قد يتوهم أن قوله: "يعني" وقوله: "هو" زيادة لا حاجة إليها، وأن الأولى حذفها، وهذا جهل، وسرها ما عرفت" ا?.
التنبيه على خطأ وقع في نسبته
وقد نبه أحمد شاكر على خطأ وقع في نسبته فقال١: "الضَمْري" -بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم- نسبة إلى: "ضمرة بن بكر ابن عبد مناة"، نقله الشارح (يعني صاحب تحفة الأحوذي (٢" عن "جامع الأصول"، و"المغني" ولكن ذكر فيه "عبد مناف"، وهو خطأ صوابه "عبد مناة"، كما في الاشتقاق لابن دريد" ا?.
قلت: وهو منسوب على ما هو صواب في "الاستيعاب"٣، و"تهذيب الكمال"٤، و"شرح سنن الترمذي"٥ للعراقي.
وقد عدّه خليفة بن خياط في "الطبقات"٦ من بني ضمرة بن بكر ابن عبد مناة ابن علي بن كنانة.
стр. 372
قال السيوطي في "لب اللباب"١: "الضمري: -بالفتح والسكون- إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر" ا?.
هذا ويتعلق بأبي الجعد الضمري عدة مباحث نذكرها فيما يلي:
المبحث الأول في اسمه
ذكر البخاري أبا الجعد الضمري في كتاب "الكنى"٢ من "تاريخه الكبير"، ولم يسمه، وهذا يؤيد ما نقله الترمذي عنه من أنه لم يعرف اسمه٣.
وقلد مسلم البخاري فذكره في "الكنى"٤ بلقبه، ولم يسمه.
وكذلك ذكره الطبراني في الكنى من "معجمه"٥.
وإذا كان هذا هو حال هؤلاء من اسم أبي الجعد، فقد سماه غيرهم لكن اختلف في اسمه على أقوال:
فقيل: اسمه أدرع، وقيل: جنادة، وقيل: عمرو بن بكر٦.
стр. 373
قال ابن حجر١: "وبه جزم أبو أحمد٢ ونقله عن خليفة٣ وغيره" ا?.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي": "وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى" وأبو عبد الله بن مندة أنه: عمرو بن بكر" ا?.
قال الدولابي٤: "سمعت عبد الله بن عبد الرحيم يقول: "اسم أبي الجعد الضمري عمرو بن بكر فيما يقال، ويقال أن عثمان استقضاه على البصرة، وقتل مع عائشة يوم الجمل" ا?.
وقال الحاكم في "المستدرك"٥: "حدثني أبو بكر محمد بن أحمد ابن بالويه، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا مصعب بن عبد الله قال: "أبو الجعد الضمري عمرو بن بكر بن جنادة بن مراد بن كعب بن ضمرة" ا?.
وقال المنذري٦: "وذكر الكرابيسي أن اسمه عمرو بن بكر" ا?.
стр. 374
وجاء في تسمية أبي الجعد الضمري بعمرو بن بكر في "المنتقى"١ في سند ابن الجارود فقال: "حدثنا عبد الله بن هاشم، قال ثنا يحيى –يعني ابن سعيد- عن محمد بن عمرو قال ثني عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد عمرو بن بكر الضمري ﵁، وكانت له صحبة ... الحديث، ولم أر هذا في سند أحد ممن أخرج حديثه غيره.
والخلاصة: أن هذا الاختلاف في اسم أبي الجعد فيه دلالة على أن اسمه لا يعرف، وإن كان أقرب الأقوال في اسمه أنه عمرو بن بكر مما يقوي جانب من لم يعرف اسمه، أو ذكره في الكنى، وهذا الجانب يمثله كما لا يخفى البخاري وتلميذه مسلم.
المبحث الثاني في صحبته
الذي جرّ إلى هذا المبحث كلام الترمذي عن أبي الجعد: "وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو" ا?.
فعبر بما يفيد الشك في صحبته؛ لأن هذه الكلمة "زعم" تأتي في موضع الشك غالباً، وأكثر ما تقال فيما يشك فيه.
قال في "القاموس المحيط"٢: "الزعم: مثلثة: القول الحق والباطل
стр. 375
والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه" ا?.
والحقيقة أنه لا يلتفت إلى شك الترمذي بعد أن وقع في بعض طرقه التصريح بصحبته، "وكانت له صحبة" من غير شك كما هو عند أبي داود والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهم.
وقد نصّ على صحبته جماعة ممن ألف في الرجال وفي الصحابة.
فذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"١ قال: "له صحبة ورواية وله دار في بني ضمرة بالمدينة" ا?.
ونقل كلام ابن عبد البر هذا ابن الأثير في "أسد الغابة"٢ في ترجمة أبي الجعد الضمري، وأقرّه عليه.
وأورده الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة"٣، وعزاه إلى الكتب الآتية: كتاب أبي عبد الله بن مندة، وكتاب ابن عبد البر، وكتاب أبي نعيم، وهي كتب في أسماء الصحابة.
وذكره ابن حجر في "الإصابة"٤ ونقل فيه ما يفيد صحبته.
قال أبو حاتم٥: "له صحبة" ا?.
стр. 376
وقال مسلم١: "أبو الجعد الضمري سمع النبي ﷺ ا?.
وقال أبو أحمد الحاكم٢: "له سماع من النبي ﷺ .
وقال المزي في "تهذيب الكمال"٣: "له صحبة" ا?. وتبعه على ذلك ابن حجر في "تهذيب التهذيب"٤، والذهبي في "الكاشف"٥، والخزرجي في "الخلاصة"٦.
كما صرّح ابن حجر في "تقريب التهذيب"٧ بصحبته، فقال: "صحابي له حديث".
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"٨: "ولم يرو عنه (يعني أبا الجعد الضمري) إلا عبيدة بن سفيان الحضرمي، وعبيدة هذا -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- قد احتج به مسلم، ووثقه النسائي، وغيره، وقد اختلفوا هل تثبت الصحبة برواية واحد من الثقات، أو لا بد من اثنين، والخلاف معروف في علوم الحديث، وذكر ابن عبد البر أن من لم يرو عنه
стр. 377
إلا واحد وكان معروفاً في غير حمل العلم في المغازي والسير أو الفدا أو النجدة أي يكون مقبولا، وأبو الجعد هذا معروف في السير، فذكر ابن حبّان في الصحابة أنه بعثه النبي ﷺ يجيش قومه لغزوة الفتح، وذكر ابن سعد "الطبقات" أيضاً أنه بعثه يجيش قومه لغزوة الفتح وغزوة تبوك" ا?.
وفي "الإصابة"١: "وكان على قومه في غزوة الفتح –قاله ابن سعد".
وقال أبو القاسم البغوي: "سكن المدينة وكانت له دار في بني ضمرة وعزاه لابن سعد، وزاد: أن النبي ﷺ بعثه يحشر قومه لغزوة الفتح، وبعثه أيضاً إلى قومه حين أراد الخروج إلى تبوك يستنفر قومه، فخرج إليهم إلى الساحل فنفروا معه إلى النبي ﷺ .
وقال البرقي٢: "قتل مع عائشة "﵂" في وقعة الجمل" ا?.
стр. 378
قال الدولابي في الكنى١: "سمعت عبد الله بن عبد الرحيم يقول اسم أبي الجعد الضمري عمرو بن بكر فيما يقال. ويقال أن عثمان استقضاه على البصرة، وقتل مع عائشة يوم الجمل" ا?.
وأذكر هنا شيئاً وهو أن الحاكم في "المستدرك"٢ ذكر أبا الجعد الضمري في جزء "معرفة الصحابة" وأخرج هذا، وفي الحديث هذا اعتبار من الحاكم لصحبته.
وتحضرني بهذا الصدد ملاحظة وهي أن الترمذي في سؤاله لشيخه عن أبي الجعد الضمري لم يسأل إلا عن اسمه، فلم يسأل عن صحبته فلو كان عنده شك في صحبته لسأل عنها شيخه؛ لأن هذا أهم ويبقى ما جاء في سنده "وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو فلعل هذا من قول من فوقه، نقله بتمامه؛ أداء للأمانة العلمية أو تكون كلمة "زعم" بمعنى قال فإن الزعم كما يطلق على القول الذي لا يوثق به، يطلق على القول المحقق، كما يفهم هذا من القاموس المحيط، والله أعلم.
المبحث الثالث في عدد أحاديثه
قال البخاري –فيما حكاه الترمذي عنه-: "لا أعرف له عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث"٣.
стр. 379
قال السيوطي في "قوت المغتذي"١: "قلت بل له حديث ثان أخرجه الطبراني، فذكر بإسناده عن أبي الجعد الضمري، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تشد الرحال إلا إلى المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ا?.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"٢ بعد نقله كلام البخاري: "وذكر له البزار حديثاً آخر، وقال: "لا نعلم له إلا هذين الحديثين" وأورده بقي بن مخلد أيضاً"٣ ا?.
стр. 380
ولم يبين ابن حجر ما هو الحديث الآخر، مما دعا المعلق على "الكوكب الدري"١ أن يقول: "قلت فإن كان حديث البزار غير حديث الطبراني فله ثلاثة أحاديث، وإلا فله حديثان فلينقح" ا?.
والواقع أن حديث البزار هو حديث الطبراني الذي ذكره السيوطي معزواً إليه، بدليل أن الهيثمي أورد هذا الحديث "لا تشد الرحال ... " في "مجمع الزوائد"٢، ثم قال عقبه: "رواه الطبراني في الكبير، والأوسط ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار أيضاً".
وأصرح من هذا واوضح أن الهيثمي نفسه ذكر الحديث في كتابه "كشف الأستار عن زوائد البزار"٣.
فتبيّن أن الحديث الثاني رواه الطبراني، والبزار، وبقي بن مخلد. هذا وقد تعرّض الخزرجي لعدد أحاديث أبي الجعد فزاد على ما سلف؛ إذ أوصلها إلى أربعة فقال في "الخلاصة"٤: "له أربعة أحاديث" ا?.
لكن لم يفصح إلا عن واحد منها هو حديثنا هذا، حيث قال: "وعندهم (يعني أهل السنن) حديث" ا?. ومعلوم أنهم لم يرووا له غير هذا الحديث الذي معنا.
стр. 381
وإذا كان من الثلاثة الباقية حديث الطبراني ومن ذكر معه، يبقى حديثان يبحث عنهما.
درجة الحديث
أهم عنصر في دراسة الحديث والغاية التي يسعى إليها الدارس من وراء دراسته للحديث إعطاء درجة له، ففيها تكمن زبدة تلك الدراسة، وعلى ضوء ما يعطى الحديث من حكم ودرجة يكون العمل بموجبه أو عدمه. وفي مبدأ الكلام عن هذا العنصر المهم أود أن أشير إلى من حسّن الحديث ومن صححه:
من حسّن الحديث
إذا استثني الترمذي، حيث له اصطلاح خاص به في تحسين الأحاديث، نجد من حسّن الحديث:
الذهبي في "تلخيص المستدرك"١، قال المناوي٢: "قال الذهبي في التلخيص: هو حسن، وقال في "الكبائر"٣ سنده قوي" ا?.
стр. 382
فالذهبي يطبق في "تلخيص المستدرك" ما قاله في "ميزان الاعتدال"١، عن محمد بن عمرو، وعن حديثه؛ إذ قال: "شيخ مشهور حسن الحديث" ا?.
الألباني: قال في تعليقه على "مشكاة المصابيح"٢: "إسناده حسن وصححه جماعة، وهو صحيح باعتبار شواهده، وقد أتبعه المصنف (يعني صاحب مشكاة المصابيح) بذكر بعضها" ا?.
ولما علّق الأعظمي على هذا الحديث في صحيح ابن خزيمة٣ بطريقيه، قال في كل مرة: "إسناده حسن صحيح" وعزاه للألباني٤.
ابن الصلاح: وهو وإن لم يتعرّض للحديث بالذكر وينصّ عليه، فإنه بناء على رأيه في محمد بن عمرو أن حديثه حسن٥، يكون هذا
стр. 383
الحديث عنده حسناً، خاصة وأن من بعد محمد بن عمرو في السند ثقة.
ابن عبد البر١: أخرج مالك عن صفوان بن سليم قال مالك: "لا أدري أعن النبي ﷺ أم لا أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه"
قال أبو عمر: "هذا يسند من وجوه أحسنها حديث أبي الجعد الضمري بنحوه عن النبي ﷺ .
وقوله: "أحسنها" ليس نصا في الموضوع، بل هو يحتمل، ومع هذا فقد أوردته فإنه لا يعدّ أنه يقصد بقوله: "أحسنها" المفاضلة بينها وبيان رحجان بعضها على بعض، بقطع النظر عن ثبوت الصحة أو الحسن والله أعلم.
من صحّح الحديث
قال ابن حجر في "الإصابة"٢ "وصححه ابن خزيمة وابن حبّان وغيرهما" ا?.
وقال في "التلخيص الحبير"٣: "وصححه ابن السكن من هذا الوجه" ا?.
وصححه أيضاً الحاكم٤ على شرط مسلم.
стр. 384
قال أحمد شاكر: "في تعليقه على سنن الترمذي"١: "والحديث نسبه الحافظ في "الإصابة" للبغوي وصححه أيضاً" ا?.
أنا لم أرجع إلى نسخة الإصابة التي أشار إليها أحمد شاكر، وفي نسخة الإصابة التي بين يدي وهي مصورة بالأوفست على الطبعة الأولى من الإصابة نسب الحافظ الحديث للبغوي، وذلك في ترجمة أبي الجعد الضمري كما قال، إلا أنه لم يقل: "وصححه" التي أفهم منها كما نقل أحمد شاكر أنها للبغوي، فإن ابن حجر في الإصابة ذكر هذا الحديث ومن رواه بمناسبة الكلام على أبي الجعد الضمري، ولم يتعرض لتصحيحه، أو تضعيفه، أو غير ذلك فقال: "قال البخاري لا أعرف اسمه (يريد أبا الجعد) ، ولا أعرف له إلا هذا الحديث، يعني الذي أخرجه له أصحاب السنن والبغوي. وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهما، وهو من الترهيب من ترك صلاة الجمعة –الحديث ... " ا?.
فكلمة "وصححه" تابعة لما بعدها وليست للبغوي، فأكثر الظن أن أحمد شاكر انتقل نظره فأضاف كلمة "وصححه" للبغوي من غير أن يتنبه لما بعدها؛ فإن كلمة "وصححه" لابن خزيمة وابن حبّان كما هو واضح، هذا إذا قلنا إن أحمد شاكر نقل كلمة "وصححه" من الإصابة، أما إذا كانت من عنده يخبر بها أن البغوي صححه أيضاً كما صححه
стр. 385
غيره، فلنا أن نقول أين صححه؟ فإن البغوي إذا أطلق في مجال الحديث انصرف الذهن إلى كتابه "شرح السنة"، وهو أخرج الحديث فيه، ولكن لم يصححه كما ذكر أحمد شاكر، بل قال عنه أنه حسن جرياً على اصطلاحه المعروف. وأنا أرجح أنه لم يرجع للبغوي، وإلا لذكره رأساً، ولما احتاج أن يقول: ونسبه الحافظ للبغوي.
وبعد: فإن هذا الحديث يدور على محمد بن عمرو وحاله ما عرفت، فهو وإن كان من أهل الصدق والديانة، إلا أنه متكلم فيه من قبل ضبطه وإتقانه حتى ضعّفه بعضهم –كما قال ابن الصلاح- من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم؛ لصدقه وجلالته.
فحديثه يمكن أن يكون حسناً لذاته، هذا إذا تسامحنا؛ لأن الدلائل تشير إلى غير ذلك، وهو أن حديثه صالح للاعتبار، ويرقى بشواهده إلى حسن لغيره، وفيما يلي بيان هذه الدلائل:
قال ابن معين عنه فيما تقدّم: "مازال الناس يتقون حديثه" ولما قيل له: ما علة ذلك؟ قال: "كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة" ا?.
واتقاء حديثه يكون بالنظر فيه والتأكد منه بأن يختبر ويعتبر حتى يحصل الاطمئنان به، بأن يكون رواه على وجهه الذي ورد عليه لم يخطئ، ولم يغلط فيه؛ لأن ما عرف عنه من ضعف الحفظ أحدث شكاً في مروياته، ولا يزول هذا الشك إلا باليقين منها، بأن ينظر مثلا هل شاركه أحد في مرويه هذا، أو جاء من أوجه أخرى، فإن كان
стр. 386
كذلك زال ما كان يخشى عليه من سوء الحفظ أو الوهم، وحصلت الثقة بمرويه هذا، وإلا فلا وأصبح موضع شك ونظر.
أن ابن حجر في حكمه عليه قال في "تقريب التهذيب"١: "صدوق له أوهام" ا?.
وهذه العبارة –كما بيّن في مقدمة التقريب٢- تقع في مرتبة "صدوق سيء الحفظ"، وهو من تساوى خطؤه وصوابه، وحديث صاحب هذه المرتبة صالح للاعتبار كما هو معلوم.
وأحب بهذه المناسبة أن أورد شيئاً وهو إذا كان هناك من ينازع كابن أبي حاتم في إعطاء حديث من وصف "صدوق" درجة الحسن، فكيف بمن هو في مرتبة صدوق سيء الحفظ في إعطائه هذه المرتبة.
أن في صنيع البخاري ومسلم إشارة إلى ما نحن بصدده، فإن ابن حجر في دفاعه عن البخاري واعتذاره له في إخراجه حديث محمد بن عمرو؛ لأنه أحد الرجال الذين انتُقد البخاري في روايته لهم، ولعل هذا لقلة حفظه وإتقانه، بيّن أن البخاري لم يكتف بمحمد بن عمرو حتى قرنه بغيره، وأنه أخرج له تعليقاً، وكذا مسلم فإنه أخرج له متابعة.
وأخيراً فإن هذا هو الذي يوافق اصطلاح الترمذي في إطلاقه كلمة "حسن"، فهو يطلق كلمة "حسن" على الحديث، ومراده أنه حسن
стр. 387
لغيره، وهذا بخلاف صنيع المحدثين، حيث يطلقون كلمة "حسن" ويريدون أنه حسن لذاته.١
ذلك كله إنما هو بالنظر إلى سند الحديث بالذات، وإلا بالنظر إلى متن الحديث فإنه صحيح باعتبار شواهده الكثيرة التي سوف نذكر طرفاً منها إن شاء الله تعالى فيما بعد.
وهذا –فيما يبدو- هو الذي حدا بالسيوطي إلى أنه لم يكتف بتصحيح الحديث، حتى عدّه في الأحاديث المتواترة٢، وذلك بناء على قاعدته وهي أن كل حديث رواه عشرة من الصحابة فهو متواتر، وقد جرى على هذه القاعدة في كتابه "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" تلخيص كتابه "الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة. حيث جمع فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعداً".
ذكر بعض الشواهد للحديث
أشار الترمذي بقوله: "وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس
стр. 388
وسمرة" ا?. إلى بعض شواهد الحديث، وفي نظري أن من أبرز من اعتنى بإيراد الشواهد على هذا الحديث، وهي شواهد كثيرة مختلفة المراتب المنذري في "الترغيب والترهيب"، والعراقي في "شرح سنن الترمذي"، وابن حجر في "التلخيص الحبير"، والهيثمي في "مجمع الزوائد"، والزبيدي في "إتحاف السادة المتقين".
وأذكر هنا ما أشار إليه الترمذي، ثم أعقب بشيء قليل من تلك الشواهد:
حديث ابن عمر، وهو: أنه سمع النبي ﷺ يقول على أعواد منبر: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين".
قال العراقي١: "أخرجه مسلم٢، والنسائي٣. وزاد مسلم مع ابن عمر أبا هريرة، وزاد النسائي مع ابن عمر ابن عباس" ا?.
حديث ابن عباس، وهو: "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد
стр. 389
نبذ الإسلام وراء ظهره".
قال المنذري في "الترغيب والترهيب"١: "رواه أبو يعلى موقوفاً بإسناد صحيح" ا?.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"٢: "رجاله رجال الصحيح" ا?.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"٣: "رجاله ثقات"٤ ا?.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"٥: "هكذا ذكر موقوفاً، ولا يقال مثله من قبل الرأي، فحكمه حكم المرفوع، وقد رواه البيهقي في "شعب الإيمان" أيضاً من قوله٦" ا?.
стр. 390
حديث سمرة بن جندب، وهو: "من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار".
قال العراقي١: "أخرجه أبو داود٢ والنسائي٣".
هذا وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن ابن مسعود، وعائشة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وحارثة بن النعمان.
حديث ابن مسعود، وهو: أن النبي ﷺ قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".