← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 2754

سؤالات الترمذي للبخاري حول أحاديث في جامع الترمذي

يوسف بن محمد الدخيل

Полный текст (886 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

نعم أخرج الحديث بمعناه، وبزيادة في أوله البيهقي في "السنن الكبرى"١ من حديث سفيان الثوري، عن ابن المنكدر، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "عرفة يوم يعرف الإمام والأضحى يوم يضحي الإمام، والفطر يوم يفطر الإمام". وهذا الحديث يعتبر متابعة قاصرة لرواية يحيى بن يمان، وهو لا شك يؤثر في كلام الترمذي السابق عن حديث يحيى "غريب من هذا الوجه". ولكن الراوي عن سفيان محمد بن إسماعيل الفارسي يُغرِّب قاله ابن حبان في "الثقات"٢. وقد قال البيهقي عقب تخريجه للحديث: "ومحمد هذا يعرف بالفارسي، وهو كوفي قاضي فارس، تفرد به عن سفيان". ونقل ابن حجر٣ عن البيهقي أنه قال هنا: وهو ما لم أقف عليه في "السنن الكبرى": "ومحمد ابن المنكدر عن عائشة مرسل". وإذا عاد الحديث إلى حديث أبي هريرة فهو منقطع؛ لأن ابن المنكدر٤ لم يسمع من أبي هريرة، حيث كانت وفاة ابن المنكدر سنة

стр. 527

ثلاثين ومئة ١٣٠?١، وفي رواية أخرى سنة إحدى وثلاثين ومئة ١٣١ ?٢، وبلغ ستاً وسبعين سنة ٧٦? فتكون ولادته على هذا سنة أربع وخمسين ٥٤?، أو خمس وخمسين ٥٥?. واختلف في وفاة أبي هريرة من سنة سبع وخمسين إلى سنة تسع وخمسين أي على ثلاثة أقوال: روى ابن عيينة عن هشام بن عروة قال: "مات أبو هريرة وعائشة سنة سبع وخمسين"٣، وفيها أرّخه خليفة٤ وعمر بن علي، وأبو بكر البزار، وجماعة٥. وقال الهيثم بن عدي، وضمرة بن ربيعة، وأبو معشر: مات سنة ثمان وخمسين٦. وقال الواقدي، وأبو عبيدة، وغيرهما: مات سنة تسع وخمسين٧.

стр. 528

قال ابن حجر١: "زاد الواقدي وهو ابن ثمان وسبعين سنة وهو صلى على عائشة في رمضان سنة ثمان وخمسين، وعلى أم سلمة في شوال سنة تسع وخمسين، ثم توفي بعد ذلك فيها". قال الذهبي٢: "قلت: الصحيح خلاف هذا". قال ابن حجر٣: "قلت: هذا من أغلاط الواقدي الصريحة؛ فإن أم سلمة بقيت إلى سنة إحدى وستين، وثبت في صحيح مسلم ما يدل على ذلك، كما في ترجمتها، والظاهر أن التي صلى عليها ثم مات معها في السنة هي عائشة، كما قال هشام بن عروة: أنها ماتا في سنة واحدة". قال ابن حجر في "الإصابة في تمييز أسماء الصحابة"٤: "والمعتمد في وفاة أبي هريرة قول هشام بن عروة٥". وعلى هذا يكون ابن المنكدر أدركه وله من العمر سنتان أو ثلاث، مما لا يمكن معه سماع.

стр. 529

وقد قال ابن معين١ وأبو بكر البزار٢:"لم يسمع من أبي هريرة". وقال أبو زرعة٣: "لم يلقه". وإذا كان الأمر كذلك فلم يسمع من عائشة أيضاً؛ لأنها ماتت قبل أبي هريرة، وبذلك جزم ابن حجر في ترجمة ابن المنكدر من "تهذيب التهذيب"٤، وقد اعتمد ابن حجر في سنة وفاتها، على قول هشام بن عروة فقال في "تقريب التهذيب"٥ في ترجمتها: "ماتت سنة سبع وخمسين على الصحيح". ويفهم من كلامه هذا أنه مختلف في سنة وفاتها، وهو كذلك فقد قيل٦: أنها توفيت سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان.

стр. 530

هذا ونقل ابن حجر عن ابن سعد ما يفيد عدم لقيه لعائشة فقال١: وأخرج ابن سعد من طريق أبي معشر قال: دخل المنكدر على عائشة ﵂ فقال: إني قد أصابتني جائحة فأعينيني، فقالت: ما عندي شيء لو كان عندي عشرة آلاف لبعثت بها إليك، فلما خرج من عندها جاءتها عشرة آلاف من خالد بن أسد، فقالت: وما أوشك ما ابتليت، ثم أرسلت في أثره فدفعتها إليه، فدخل السوق فاشترى جارية بألف درهم فولدت له ثلاثة فكانوا عباد أهل المدينة محمد، وأبو بكر، وعمر. قال ابن حجر: "وإذا كان كذلك فلم يلق عائشة؛ لأنها ماتت قبله". وإذا تقرر ذلك فإن مما يدعو للتوقف ما نقله الترمذي هنا عن شيخه البخاري من إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة ﵂، حيث قال الترمذي: سألت محمداً. قلت له: محمد ابن المنكدر سمع من عائشة؟ قال: نعم يقول في حديثه سمعت عائشة. ولا أكتم للقارئ أنني بقيت حائراً أمام هذه المسألة التي أرى أنها من المسائل العويصة؛ نظراً لأن البخاري يثبت فيها أمراً تنفيه سائر المصادر٢.

стр. 531

وإذا كان البخاري واحداً في هذا الأمر، ويجوز عليه الوهم والخطأ، حتى إنه ألف ابن أبي حاتم كتاباً في بيان خطأ البخاري في تاريخه، وكذا ألف الخطيب البغدادي "موضع أوهام الجمع والتفريق"، وهو في بيان أوهام البخاري في تاريخه بالنسبة لهذا النوع، فإن من الصعوبة بمكان توهيم البخاري أو إلصاق الخطأ به قبل التثبت والتأكد، وتجميع الأدلة، فالبخاري ليس رجلا عادياً. ورد عنه أنه قال١: "قَلّ اسم في التاريخ إلا وله عندي قصة". والواقع أنني قمت أول ما قمت بالتأكد والتثبت من نقل الترمذي عن البخاري، وقد تحققت من صحته فهو موجود في نسخة العراقي مع شرحه٢ لسنن الترمذي، وذكره ابن حجر في كتابين من كتبه. أحدهما: "تهذيب التهذيب"٣: وفيه أثبت عقب ذكره أن ابن المنكدر لم يلق عائشة ﵂. الثاني: "التلخيص الحبير"٤: وفيه علق إمكان سماع ابن

стр. 532

المنكدر من أبي هريرة على ثبوت سماعه من عائشة؛ لأن أبا هريرة مات بعدها. ثم هذا النقل جاء في كتاب "العلل الكبير"١ للترمذي، فقد أدخل فيه هذا الحديث، ويبدو أنه أدخله فيه من أجل سماع ابن المنكدر من عائشة، وقد جاء كلام البخاري حوله بصورة أكمل وأوضح، مما فتح لنا باباً في الجواب عنه، فقد قال الترمذي الذي أراد أن يتثبت من شيخه في سماع ابن المنكدر من عائشة: سألت محمداً عن هذا الحديث؟ وقلت له: محمد بن المنكدر سمع من عائشة؟ فقال: نعم. روى مخرمة بن بكير عن أبيه٢، عن محمد المنكدر قال: سمعت عائشة. فالبخاري يبدو هنا واضحاً، حيث يقرن الجواب بدليله، كما هي عادة علمائنا من سلفنا الصالح، فمستنده على إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة هذا الإسناد الوحيد الذي ساقه، والذي فيه التصريح بسماع ابن المنكدر من عائشة. وإذا تبيّن ذلك فإنني رجعت إلى مصادر ترجمة ابن بكير فوجدت

стр. 533

فيها ما يدل على ضعف هذا الإسناد، وعدم الاعتداد به في إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة؛ لأن ابن بكير روى عن أبيه وجادة لم يسمع منه، فلم يحتج العلماء بمروياته عنه. قال أبو طالب١: سألت أحمد عن مخرمة؟ فقال ثقة ولم يسمع من أبيه شيئاً، إنما يروي من كتاب أبيه، وقال ابن أبي خيثمة٢: قلت لابن معين: مخرمة بن بكير؟ فقال: وقع إليه كتاب أبيه ولم يسمعه. وقال الدوري عن ابن معين٣: مخرمة ضعيف الحديث ليس حديثه بشيء، يقولون: إن حديثه عن أبيه كتاب ولم يسمعه منه. وقال أبو داود٤: لم يسمع من أبيه إلا حديثاً واحداً، وهو حديث الوتر. وقال سعيد بن أبي مريم٥: سمعت خالي موسى بن سلمة قال: أتيت مخرمة بن بكير فسألته يحدثني عن أبيه قال: ما سمعت من أبي شيئاً إنما هذه كتب وجدناها عندنا عنه، ما أدركت أبي إلا وأنا غلام، وفي لفظ: لم

стр. 534

أسمع من أبي وهذه كتبه. وقال ابن حبان١: يحتج بحديثه من غير روايته عن أبيه؛ لأنه لم يسمع من أبيه. وقال ابن حجر في تقريب التهذيب٢: "مخرمة٣". بن بكير٤ بن عبد الله بن الأشج أبو المسور المدني، صدوق، وروايته عن أبيه وجادة من كتابه. قاله أحمد، وابن معين، وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا، من السابعة مات سنة تسع وخمسين أي ومئة، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي. فلا شك أن هذه النصوص والنقول عن هؤلاء العلماء الكبار فيما يتعلق بأحاديث ابن مخرمة عن أبيه تضعيف الثقة بالإسناد الذي أتى به البخاري، والذي قصد من ورائه إثبات سماع ابن المنكدر من عائشة، وكما سبق أن الصواب في هذا الحديث أنه من مسند أبي هريرة لا من مسند عائشة، وأن الأدلة على عدم سماع ابن المنكدر من عائشة. أما تحسين الترمذي للحديث من هذا الوجه، أو تصحيحه له كما في بعض النسخ٥ فإنه –كما يبدو- إنما هو اعتماد على إجابة البخاري

стр. 535

له، وقد عرفت ما فيها ولله الحمد. ولا يخفى أن الذهبي ترجم للسيدة عائشة ﵂ في "سير أعلام النبلاء" بترجمة طويلة جداً، وقد سرد فيها الرواة عنها، ومنهم محمد ابن المنكدر، فقال١: "ومحمد بن المنكدر وكأنه مرسل". هذا وقد جاء حديث عائشة ﵂ من غير طريق ابن المنكدر موقوفاً عليها، أخرجه البيهقي في السنن الكبرى٢ من طريق أبي حنيفة٣، قال: حدثني علي بن الأقمر٤ عن مسروق٥، قال: "دخلت على عائشة يوم عرفة فقالت: اسقوا مسروقاً سويقاً،

стр. 536

وأكثروا حلواه، قال: فقلت: إني لم يمنعني أن أصوم اليوم إلا أني خفت أن يكون يوم النحر، فقالت عائشة: النحر يوم ينحر الناس، والفطر يوم يفطر الناس". قال الألباني١ "قلت: وهذا سند جيد بما قبله٢، كما جاء حديث عائشة أيضاً من غير طريق ابن المنكدر مرفوعاً بإسناد تالف". ا?. أخرجه الشافعي في "مسنده"٣ عن شيخه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قال حدثني عبد الله عن عطاء بن إبراهيم مولى صفية بنت عبد المطلب عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂، فإبراهيم –كما سبق في الحديث الثالث- رماه الأكثرون بالكذب، وعطاء بن إبراهيم مولى صفية بنت عبد المطلب لم أعرفه، حيث لم أقف له على ترجمة في المصادر التي رجعت إليها، فاتضح من ذلك أن هذا الحديث بهذا الإسناد لا تقوم له قائمة. وإذا كان حديث أبي هريرة ﵁ منقطعاً؛ لأن ابن المنكدر لم يسمع منه كما سلف، وقد قال ابن عيينة٤: "ما رأيت أحداً أجدر أن يقول: قال رسول الله ﷺ ، ولا يسأل عمن هو من ابن المنكدر" يعني

стр. 537

aq لتحريه، فإنه ورد من وجه آخر بزيادة جملة في أوله، أخرجه الترمذي في موضع آخر١ عن إسحاق بن جعفر بن محمد قال: حدثني عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد عن المقبري٢، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون". قال الترمذي عقبه: " هذا حديث غريب حسن، وفسّر بعض أهل العلم

стр. 538

هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس". قال الألباني١: قلت: وإسناده جيد، رجاله كلهم ثقات، وفي عثمان ابن محمد، وهو ابن المغيرة بن الأخنس كلام يسير، وقال الحافظ في "التقريب"٢: "صدوق له أوهام". وعبد الله بن جعفر هو ابن عبد الرحمن بن المسور المخرمي المدني٣، وهو ثقة، روى له مسلم. وإسحاق بن جعفر بن محمد هو الهاشمي الجعفري وهو صدوق، كما في "التقريب"٤، وقد تابعه أبو سعيد مولى بني هاشم٥ وهو ثقة من رجال البخاري قال: ثنا عبد الله بن جعفر المخرمي به دون الجملة الوسطى "والفطر يوم تفطرون"، أخرجه البيهقي في "سننه"٦. قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"٧: ولم ينفرد به الأخنسي

стр. 539

فقد رويناه في "سنن الدراقطني"١ من رواية محمد بن عمر، قال: ثنا داود ابن خالد وثابت بن قيس ومحمد بن مسلم جميعاً، عن المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون". ومحمد بن عمر هو الواقدي. ثم رواه من رواية الواقدي، عن عبد الله بن جعفر الزهري بلفظ ثم قال: الواقدي ضعيف وتعقبه القاضي أبو بكر بن العربي بقوله: "الواقدي ومحمد بن إسحاق إمامان عظيمان تقيان قويان، ومحمد بن إسحاق أكبر من محمد بن عمر فلا وجه لتضعيف القوي ... ". قلت (القائل العراقي) : الواقدي إمام في السير، ضعيف في الحديث، وأنى نقبل توثيق ابن العربي الذي لم يعاصره، ويخبر رواياته، والجمهور لم يقبلوا توثيق من عاصره، فقد وثقه أبو عبيد، ومصعب ابن عبد الله الزهري، ومحمد بن إسحاق الصنعاني؛ وذلك لأن الجرح مقدم إذا فسّر، لاسيما إذا فسّر بالكذب، ووضع الحديث. قال فيه أحمد: هو كذاب يقلب الأخبار، يقلب حديث ابن أخي الزهري على معمر ونحوه. وقال علي بن المديني، وأبو حاتم، الرازي، والنسائي: يضع الحديث. وقال البخاري وأبو حاتم أيضاً: متروك. وقال ابن معين: ليس بثقة.

стр. 540

وقال علي بن المديني: لا أرضاه في الحديث، ولا في الأنساب، ولا في شيء. وقال صاحب الميزان: استقرّ الإجماع على وهن الواقدي١. ولم يقنع الواقدي بروايته عن أصحاب المقبري حتى ألصقه على مالك بإسناد آخر، فقال أبو أمية الطرسوسي، ثنا الواقدي، قال: ثنا مالك وابن أبي الرجال، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي ﷺ : "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون". وهذا لا يعرف من حديث مالك أصلا إلا من طريق الواقدي.

стр. 541

الحديث السّادس عشر: باب ما جاء: كم حج النبي ﷺ من كتاب الحج عن رسول الله ﷺ ٣/١٦٩-١٧٠ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي

стр. 542

حدّثنا عبد الله بن أبي زياد: أخبرنا زيد بن حباب عن سفيان عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله: "أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج: حجتين قبل أن يهاجرن، وحجة بعد ما هاجر معها عمرة، فساق ثلاثاً وستين بدنة١، وجاء علي من اليمن ببقيتها فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة٢ من فضة، فنحرها، فأمر رسول الله ﷺ من كل بدنة ببضعة٣ فطبخت فشرب من مرقها". كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من حديث سفيان، لا نعرفه إلا من حديث زيد بن حباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه، عن عبد الله بن أبي زياد. وسألت محمداً عن هذا؟ فلم يعرفه من حديث الثوري، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر عن النبي ﷺ ، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظاً وقال: إنما يروي عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، مرسل.

стр. 543

تخريج الحديث أخرج الحديث سوى الترمذي: ١- ابن ماجه في "سنن"١ نحوه. ٢- الحاكم في "المستدرك"٢ مختصراً، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي. ٣- البيهقي في "دلائل النبوة"٣ بإسناده إلى أبي القاسم الطبراني. ٤- الدراقطني في "سننه"٤ مختصراً. حكم هذا الحديث ضعّف الترمذي هذا الحديث؛ لتفرد زيد بن الحباب به عن سفيان٥، وذكر أنه رأى عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخرجه في "كتبه"٦ عن شيخه فيه، كما ذكر أنه سأل البخاري عنه فلم يعرفه من

стр. 544

حديث سفيان بهذا الإسناد، وعده خطأ، وقال إنما يروي عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد مرسلا. وهذا المرسل الذي أشار إليه البخاري فيما نقله عنه الترمذي أخرجه البيهقي في "دلائل النبوة"، إلا أن فيه "عن ابن جريج" بدل "عن أبي إسحاق"، وقد نبه البيهقي على ذلك عقب تخريجه، وقال: "هذا هو المحفوظ مرسلا" ا?. وفيما يلي نص ذلك: "قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين بن بشران، اخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار، حدثنا سعد أن بن نصر، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: "حجّ رسول الله ﷺ ثلاث حجج حجتين: وهو بمكة قبل الهجرة، وحجة الوداع". كذا قال: "عن ابن جريج" هذا هو المحفوظ مرسلا" ا?. وأخرج تلوه حديث زيد بن الحباب، وقال بعد تخريجه: "تفرد به زيد ابن الحباب عن سفيان، وقد بلغني عن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أنه قال: "هذا حديث خطأ، وإنما روى عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن مجاهد عن النبي ﷺ مرسلا. قال البخاري: كان زيد بن الحباب إذا روى حفظاً ربما غلط في الشيء" ا?. وإلصاق الخطأ بزيد كان بالإمكان لو انفرد به، فإنه كما قال

стр. 545

أحمد١: "كان يخطئ كثيراً" ا?، ويخطئ في حديث الثوري خاصة كما قال ابن حجر٢، حتى إن ابن معين قال٣ تلك الجملة، وهي: "أحاديثه عن الثوري مقلوبة" ا?. إلا أنه لم ينفرد، بل تابعه عليه عبد الله بن داود الخريبي، وهو ثقة كما سوف نعرف. قال العراقي٤ في كلامه على هذا الحديث: "شيخ الترمذي نسب إلى جده وهو عبد الله بن أبي الحكم بن أبي زياد القطواني الكوفي٥، وتابعه عليه أحمد بن يحيى الصوفي٦، وكلاهما ثقة، وباقيهم رجال ١ العلل ومعرفة الرجال ١/٢٤٨ وانظر: شرح سنن الترمذي للعراقي ٣/ورقة ٧٥ وجه/أ، وتهذيب التهذيب ٣/٤٠٤. ٢ قال ابن حجر في "تقريب التهذيب" ١/٢٧٣: "زيد بن الحباب -بضم المهملة وموحدتين- أبو الحسين العكلي -بضم المهملة وسكون الكاف- أصله من خراسان وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين/ روى له مسلم وأهل السنن الأربعة". وانظر في مصادر ترجمته: "تذكرة الحفاظ" ١/٣٥٠ و"تاريخ بغداد" ٨/٤٤٢ و"الجرح والتعديل"

стр. 546

الصحيح، إلا أن زيد بن حباب قال فيه ابن معين: "يقلب حديث الثوري، ولم يكن به بأس" وقال أحمد: "كان كثير الخطأ" ووثقه هو وغيره، واحتج به مسلم، ولم ينفرد به زيد بن الحباب كما قال الترمذي، بل تابعه عليه عبد الله بن داود الخريبي رواه ابن ماجه عن القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، عن عبد الله بن داود عن سفيان قال: "حجّ رسول الله ﷺ ثلاث حجات حجتين قبل أن يهاجر"، وذكر نحوه وفي آخره قيل له: من ذكره؟ قال: جعفر١ عن أبيه٢، عن جابر، وهو إسناد صحيح والقاسم بن محمد وثقه ابن حبان، وعبد الله ابن داود الخريبي ثقة احتج به البخاري" ا?. وقوله: "والقاسم بن محمد وثقه ابن حبان" قلت: وكذا الخطيب٣

стр. 547

قال: "كان ثقة"، وقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"١: "وحدّث عنه ابن خزيمة في صحيحه" ا?. وقال في "تقريب التهذيب"٢: "القاسم بن محمد بن عباد المهلبي أبو محمد البصري، نزيل بغداد، ثقة، من الحادية عشرة، روى له ابن ماجة.". وأما الخريبي: فهو عبد الله بن داود بن عامر بن الربيع الهمداني، ثم الشعبي أبو عبد الرحمن المعروف بالخريبي ٣، كوفي الأصل، سكن الخريبة، وهي محلة بالبصرة، وقيل كان ينزل عبادان. روى عن: الأعمش، والثوري، ومسعر، وجماعة. وروى عنه: الحسن بن صالح بن يحيى، وهو من شيوخه، وعارم ومسدد وغيرهم٤. قال ابن سعد٥: "كان ثقة، عابداً، ناسكاً".

стр. 548

وقال معاوية بن صالح عن ابن معين١: "ثقة، صدوق، مأمون". وقال أبو زرعة٢ والنسائي٣: ثقة. وقال أبو حاتم٤: كان يميل إلى الرأي، وكان صدوقاً. وقال الدراقطني٥: "ثقة، زاهد". وقال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٦: "ثقة، عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة أي ومئتين وله سبع وثمانون سنة، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع منه البخاري. روى له البخاري، وأهل السنن الأربعة". فعرفنا بمتابعة عبد الله بن داود أن هذا الحديث مما ضبطه زيد بن الحباب، ولم يغلط فيه. قال ابن عدي في "الكامل"٧ معقباً على قول ابن معين السابق: "والذي قاله ابن معين أن أحاديثه عن الثوري مقلوبة، إنما له عن الثوري أحاديث مثبتة، بعض تلك الأحاديث تستغرب بذلك الإسناد،

стр. 549

وبعضه يرفعه ولا يرفعه غيره، والباقي عن الثوري، وعن غير الثوري مستقيمة كلها" ا?. فليكن هذا الحديث من تلك المستقيمة لما سبق من متابعة عبد الله ابن داود، فإنه من الجائز أن يكون الحديث عند سفيان بهذا الإسناد وبهذا الإسناد فكان يحدث مرة بهذا ومرة بهذا، ولما عرض الترمذي على البخاري حديث سفيان من رواية زيد بن الحباب وهو لا يعرفه إلا بالإسناد الآخر من رواية غير زيد. قال عن حديث زيد أنه غير محفوظ، فإنه قدر أن يكون زيد أخطأ فيه فخالف غيره، واعتقد أن البخاري، وكذا الترمذي، ومن تبعهما لو اطلعوا على متابعة عبد الله بن داود الخريبي والشاهد الآتي لكان موقفهم غير هذا الموقف، والله أعلم. هذا وللحديث شاهد من رواية ابن عباس، رواه ابن ماجة عن القاسم بن محمد بن عباد، عن عبد الله بن داود، عن سفيان فذكر الحديث وفي آخره قيل له من ذكره؟ قال جعفر عن أبيه عن جابر، وابن أبي ليلى عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس١. وقد أورده المزي في "تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" في مسند ابن عباس، كما أورد حديث جابر في مسنده من الأطراف من رواية زيد والخريبي، وفي هذا الشاهد تأييد لما سبق أن ذكرته من أن الحديث يجوز أن يكون عند سفيان بأكثر من إسناد، فهذا إسناد ثالث غير الإسنادين

стр. 550

السابقين، وهذا لا يمنع أن يكون أحد هذه الأسانيد التي روى فيها الحديث أشهر من غيره. وأيضاً أنت تلاحظ أن الحديث عند القاسم، والخريبي عن سفيان بإسنادين: إسناد إلى جابر، وإسناد إلى ابن عباس. هذا وابن ليلى المذكور في هذا الشاهد هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبو عبد الرحمن الكوفي، الفقيه، قاضي الكوفة. قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"١: "صدوق، سيء الحفظ جداً، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين أي ومئة، روى له أهل السنن الأربعة". وأما الحكم: فهو الحكم بن عتيبة -بالمثناة ثم الموحدة مصغراً- أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، ويقال أبو عمر الكندي مولاهم الكوفي، وليس هو الحكم بن عتيبة بن النهاس. قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٢: "ثقة ثبت، فقيه، إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة أي ومئة أو بعدها، وله نيف وستون، روى له الجماعة".

стр. 551

وعلى أن الحكم روى عن مقسم كثيراً، فقد جزم بعض العلماء بأنه لم يسمع منه إلا بضعة أحاديث. قال ابن حجر في "تهذيب التهذيب"١: "قال أحمد وغيره: لم يسمع الحكم حديث مقسم كتاب إلا خمسة أحاديث، وعدها يحيى القطان: "حديث الوتر، والقنوت، وعزمة الطلاق، وجزاء الصيد، والرجل يأتي امرأته وهي حائض. رواه ابن أبي خيثمة في "تاريخه"، عن علي بن المديني، عن يحيى". قال ابن رجب في شرح "علل الترمذي"٢: "الحكم عن مقسم روى عنه كثيراً، ولم يسمع منه سوى أربعة أحاديث. قاله شعبة. قال أبو داود: ليس فيها مسند واحد يعني: كلها موقوفات. وذكر ابن المديني عن يحيى بن سعيد، عن شعبة أنه قال: هي خمسة أحاديث. وعدّها شعبة: ... المذكورة أعلاه". وواضح أن هذا الحديث ليس فيما عدّ. قال ذلك ابن رجب في فصل عقده في كتابه المذكور تحت عنوان: "ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء، أو لا يثبت منها إلا شيء يسير، مع أنه قد روى بها أكثر من ذلك". قال ابن حجر في "تقريب التهذيب"٣: "قال ابن حبان "الثقات": كان يدلس" ا?.

стр. 552

وأورده ابن حجر في "طبقات المدلسين"١ في الثانية منها، وهي من احتمل الأئمة تدليسه، وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، فقال: الحكم بن عتيبة -بمثناة ثم موحدة مصغراً- تابعي صغير من فقهاء الكوفة، مشهور، وصفه النسائي بالتدليس، وحكاه السلمي عن الدارقطني" ا?. وأما مِقسم: فهو -بكسر أوله- ابن بجرة -بضم الموحدة وسكون الجيم- ويقال نجدة -بفتح النون وبدال- أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له مولى ابن عباس؛ للزومه له صدوق، وكان يرسل من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة، وما له في البخاري سوى حديث واحد، روى له البخاري، وأهل السنن الأربعة٢. وليس بين حديث جابر الذي معنا، وحديث أنس الذي رواه الترمذي فيما بعد مخالفة. قال الترمذي٣: حدثنا إسحاق بن منصور ثنا حبان بن هلال، ثنا همام، حدثنا قتادة قال: قلت لأنس كم حجّ النبي ﷺ ؟ قال: حجة واحدة

стр. 553

واعتمر عمرة في ذي العقدة، وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم غنيمة حنين. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وحبان بن هلال، أبو حبيب البصري، وهو جليل ثقة، وثقه يحيى بن سعيد القطان. أ?. والحديث أخرجه مسلم١ وغيره، فإنه أراد هنا حج حجة واحدة –أي- بعد ما هاجر. قال النووي في "شرح صحيح مسلم"٢: "معناه بعد الهجرة لم يحج إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع سنة عشر من الهجرة". ا?. وأخرج البخاري٣، ومسلم٤ من حديث زهير قال: حدثنا أبو إسحاق قال: حدثني زيد بن أرقم أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها (حجة الوداع) قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى". قال ابن حجر٥: "وقوله: "وأنه حجّ بعد ما هاجر حجة واحدة لم

стр. 554

يحج بعدها "حجة الوداع" يعني: ولا حجّ قبلها، إلا أن يريد نفي الحجّ الأصغر، وهو العمرة فلا، فإنه اعتمر قبلها قطعاً. وقوله: "قال أبو إسحاق: "وبمكة أخرى": هو موصول بالإسناد المذكور، وغرض أبي إسحاق أن لقوله: "بعد ما هاجر" مفهوماً، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حجّ، لكن اقتصاره على قوله (أخرى) قد يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك، بل حجّ قبل أن يهاجر مراراً بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحج، وهو بمكة قط؛ لأن قريشاً في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة، أو عاقه ضعف وإذا كانوا وهو على غير دين يحرصون على إقامة الحج، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن بالنبي ﷺ أنه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جبير بن مطعم١ أنه رآه في الجاهلية واقفاً بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له٢، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى

стр. 555

الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية، كما بينته في الهجرة إلى المدينة" ا?. قال النووي في "شرح صحيح مسلم"١: "وقوله: قال أبو إسحاق: "وبمكة أخرى" يعني: قبل الهجرة، وقد روى في غير مسلم قبل الهجرة حجتان" ا?.

стр. 556

قال ابن حزم في "جوامع السير"١: "حجّ ﷺ واعتمر قبل النبوة وبعدها قبل الهجرة حججا وعمرا لا يعرف عددها، ولم يحج بعد أن هاجر إلى المدينة إلا حجة واحدة، وهي حجة الوداع سنة عشر" ا?. وقال ابن الجوزي في كتابه "الوفا بأحوال المصطفى"٢: "قد حجّ النبي ﷺ قبل الهجرة حجات وما حج بعد الهجرة إلا مرة، وهي التي تسمى حجة الوداع" ا?. قال الكرماني في "شرح صحيح البخاري"٣: "قال ابن الأثير في "الجامع"٤: كان رسول الله ﷺ قد حجّ قبل النبوة وبعدها حجات" ا?. قال ابن كثير في "البداية"٥: "كتاب حجة الوداع في سنة عشر ويقال لها حجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع؛ لأنه ﵊ ودع الناس فيها، ولم يحج بعدها، وسميت حجة الإسلام؛ لأنه ﵊ لم يحج من المدينة غيرها،

стр. 557

ولكن حج قبل الهجرة مرات قبل النبوة وبعدها. إلى أن قال: وهذا الذي قال أبو إسحاق من أنه ﵊ حجّ بمكة حجة أخرى أي أراد أنه لم يقع منه بمكة إلا حجة واحدة، كما هو ظاهر لفظه فهو بعيد، فإنه ﵊ كان بعد الرسالة يحضر مواسم الحج، ويدعو الناس إلى الله، ويقول: "من رجل يؤويني حتى أبلغ كلام ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "، حتى قيض الله جماعة الأنصار يلقونه ليلة العقبة أي عشية يوم النحر عند جمرة العقبة ثلاث سنين متتاليات، حتى إذا كانوا آخر سنة بايعوه ليلة العقبة الثانية، وهي ثالث اجتماعه لهم به ثم كانت بعدها الهجرة إلى المدينة، كما قدمنا ذلك مبسوطاً في موضعه والله أعلم" ا?. قال ابن القيم في "زاد المعاد"١: "لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجة واحدة، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنة عشر، واختلف هل حج قبل الهجرة؟ فروى الترمذي عن جابر بن عبد الله "﵄" قال: "حجّ ... "، فذكر الحديث إلى قوله: "معها عمرة"، ثم نقل بعض كلام الترمذي عليه، ولم يعقب عليه بشيء.

стр. 558

قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"١: "معروف أنه حجّ ﷺ قبل الهجرة ففي الصحيحين من حديث جبير بن مطعم قال: "أضللت بعيراً لي، فذهبت أطلبه، فرأيت النبي ﷺ واقفاً بعرفة –الحديث. وفي الصحيحين عن أبي إسحاق أنه حجّ حجة قبل الهجرة، وقد ذكر جماعة من أهل السير أنه حج حججاً ذوات عدد قبل الهجرة أكثر من حجتين، ولا مانع من ذلك" ا?. قال ابن العربي في "عارضة الأحوذي"٢: "فإن قيل: "رويتم أن النبي ﷺ حجّ قبل أن يفرض الحجّ فعلى أي ملة كان؟ فإن الناس اختلفوا فيه". قلنا: قد بينا أن النبي ﷺ لم يكن على شرعه أحد، وأنه كان على الفطرة سليماً عن الريبة، سليماً عن البدعة، سليماً عن المعصية، سد عليه باب المخالفة لما يكره الله بتوفيق الله له ذلك، وتيسيره حتى جاء أمر الله، فلما بعث الله نبينا، وقص عليه أمر الرسل، وأعلمه حالهم وشرائعهم، وتفصيل الكائنات، ورأى الأنبياء حجاجاً كإبراهيم مصلين، حج فتطوّع، فجرى على الطريقة المثلى بتوفيق الله تعالى حتى فرضه الله علينا، وعليه، وأنزل تفسيره إليه، وقال: "خذوا عني مناسككم" فأكمل الله الدين، وأتم النعمة، فتعالى ربنا، وجزاه عنا بأفضل الجزاء" ا?.

стр. 559

قال الكرماني١: "فإن قلت فرض الحج سنة ثمان أو تسع وقرر مناسكه فيها، فكيف حج بمكة قبل الهجرة؟ قلنا: كانوا يحجون قبل السنة المذكورة، لكن لم تكن فريضة، وأركانه إما هذه المشروعة اليوم أو نحو منها" ا?.

стр. 560

الحديث السّابع عشر: باب ما جاء في فضل الطواف من كتاب الحج عن رسول الله ﷺ ٣/٢١٠ سنن الترمذي بتحقيق وتعليق محمد فؤاد عبد الباقي

стр. 561

حدّثنا سفيان بن وكيع: أخبرنا يحيى بن اليمان، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عبّاس١ قال: قال رسول الله ﷺ : "من طاف بالبيت خمسين مرة، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه". قال: وفي الباب عن أنس، وابن عمر. كلام الترمذي على هذا الحديث قال أبو عيسى: حديث ابن عباس، حديث غريب. سألت محمداً عن هذا الحديث؟ فقال: إنما يروي هذا عن ابن عباس. حدثنا ابن أبي عمر: أخبرنا سفيان بن عيينة، عن أيوب قال: "كانوا يعدون عبد الله٢ بن سعيد بن جبير أفضل من

стр. 562

أبيه١، وله أخ يقال له عبد الملك٢ بن سعيد بن جبير، وقد روى عنه أيضاً". تخريج الحديث أخرج الحديث سوى الترمذي: عبد الرزاق في "مصنفه"٣.

стр. 563

الطبران في "الأوسط"١. المحب ايلطبري في "القرى لقاصد أم القرى"٢ بإسناده إلى الطبراني. كلهم من طريق شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن سعيد بن جبير، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعاً به إلا أن عندهم "خمسين سبوعا"٣ بدل "مرة". وفي هذا ردّ على العراقي الذي قال٤: "حديث ابن عباس انفرد بإخراجه الترمذي"، اللهم إلا أن يريد أنه انفرد به عن باقي الستة. فنعم، وهذا ما يدل عليه ما نقلناه عنه في الهامش أسفل. حكم هذا الحديث حكم الترمذي على هذا الحديث بالضعف والأمر كما ذكر الترمذي؛ فإن شريكاً تفرد به عن أبي إسحاق السبيعي، وشريك هو ابن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي، تقدمت ترجمته في الحديث الثاني، والرابع، قال عنه

стр. 564

ابن حجر في "تقريب التهذيب"١: "صدوق يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، من الثامنة، مات سنة سبع، أو ثمان وسبعين أي ومئة، روى له البخاري تعليقاً، ومسلم، وأهل السنن الأربعة". وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، تقدمت ترجمته في الحديث الثاني، قال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"٢: "ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخره، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبل ذلك، روى له الجماعة". وهو مدلس، أورده ابن حجر في "طبقات المدلسين"٣، في الثالثة منها، وهي من لم يقبل حديثه ما لم يصرح بالتحديث أو السماع، فقال: "عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي مشهور بالتدليس، وهو تابعي ثقة، وصفه النَّسائي وغيره بذلك" ا?. وهو قد روى هذا الحديث بالعنعنة عن عبد الله بن سعيد بن جبير. هذا وقد ذكر ابن الجوزي الحديث في كتابه "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية"٤، وأعله بيحيى بن اليمان٥، وقد نقل فيه قول أحمد:

стр. 565

"ليس بحجة"، وقول ابن المديني: "تغير حفظه"، وقول أبي داود: "يخطئ في الأحاديث ويقلبها، إلى أن قال: وفيه شريك، قال يحيى: "مازال مخلطا". وتبعه الذهبي في "مختصر العلل"١، ونقل قول البخاري الذي ذكره الترمذي عنه: "إنما يروى هذا من قول ابن عباس"، وقال: فيه يحيى بن يمان عن شريك كذلك عن أبي إسحاق ... الخ، ونقل حكم الترمذي عليه. وأورد الحديث السيوطي في "الجامع الصغير٢"، ورمز لضعفه ووافقه المناوي في "فيض القدير"٣. وفي جواب البخاري للترمذي حين سأله عن هذا الحديث قال له: إنما يروى عن ابن عباس من قوله موقوفاً عليه لا مرفوعاً إلى النبي ﷺ . فالثابت إذاً وقفُه على ابن عباس، وقد ذكر صاحب "كنز العمال"٤ أن ابن زنجويه أخرجه عن ابن عباس موقوفاً عليه.
следующие страницы →