← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفصل الأول دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقةِ بحقيقة الإيمان والشفاعة وفيه مبحثان: - المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلّقة بحقيقة الإيمان والشفاعة. - المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث المتعلّقةِ بالشفاعة

стр. 107

المبحث الأول دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بحقيقة الإيمان وفيه ثلاث مطالب: المطلب الأول: سَوْق الأحاديث المُدَّعى معارَضتُها للعقل. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأَحاديث المتعلقة بحقيقة الإِيمان. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلِّقة بحقيقة الإِيمان.

стр. 108

المطلب الأول: سَوْق الأحاديث المُدَّعى معارَضتُها للعقل: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةٌ من الإِيمان) متفق عليه (١). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النَّاس إليه فيها أَبصارهم وهو مؤمن) متفق عليه (٢). وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (من اقتنى كلبًا إلَّا كلب ماشية أو ضاريا (٣) نقص من عمله كل يوم قيراطان) متفق عليه (٤). وعن أَبي سعيد الخُدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائمٌ رأيتُ النَّاسَ يعرضون عليَّ وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعُرض علي عمر بن الخطَّاب ﵁ وعليه قميص يجرُّه،

стр. 109

قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدِّين) متفق عليه (١) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فِطْرٍ إلى المصلى فَمَرَّ على النساء، فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أُرِيتُكُن أكثرَ أهلِ النَّار) فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: (تُكثِرن اللَّعن، وتَكْفُرن العَشِير (٢) ما رأيتُ من ناقصاتِ عَقْلٍ، ودينٍ أذْهَبَ للُبِّ الرجلِ الحازم مِن إحداكنّ) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادةُ المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟) قلن: بلى. قال: (فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم؟) قلن: بلى. قال: (فذلك من نقصان دينها) متفق عليه (٣) . وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أَضعف الإيمان) (٤) وعن عبدالله بن مسعود ﵁: (مامن نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلاّ كان له من أمته حواريون (٥) وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما

стр. 110

لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (١) وعن جابر بن عبدالله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قال: (إنّ بين الرُّجل وبين الشِّرك و الكُفر ترك الصلاة) (٢) وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إذا أسلم المرء فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كلَّ سيئةٍ كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسيئة بمثلها إلَاّ أن يتجاوز الله عنه) (٣) وعن عبدالله بن عمر ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ مرَّ على رجُلٍ من الأَنصار، وهو يَعِظُ أَخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : (دعه فإنَّ الحياء من الإيمان) متفق عليه (٤) . * * * تمهيد: أَبانتِ الأَحاديثُ السالفةُ عن الحقيقةِ الشَّرعيَّةِ للإيمان، وأنّها حقيقةٌ مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، والمراد بالقول قولُ القلبِ وهو تصديقه الجازم، وقولُ اللّسان، والمُراد بالعمَلِ عمل القلب والجوارح (٥)،هذه الحقيقة جامعةٌ لِشُعَبٍ تقبل التفاوت، والزيادة والنقص، وعلى ذلك جرت أَقاويلُ أَهلِ السُّنَّةِ، وانعقد إجماعهم، وفي تقرير ذلك يقول الإمام البخاريُّ ﵀: (لَقيتُ أَكثر من أَلفِ رَجُلٍ مِن أَهل العلم: أَهلِ الحجاز ومكّةَ، والمدينةِ، والكوفة، والبصْرةِ، وواسط، وبغداد، والشَّامِ، ومِصْرَ، لقيتُهم كرَّاتٍ قرنًا

стр. 111

بعد قرنٍ، أدركتُهم وهم متوافرون منذُ أكثر من ست وأَربعين سنة ... = فما رأيتُ واحدًا منهم يختلفُ في هذه الأَشياءِ =أَنَّ الدِّين قولٌ وعملٌ ... (١) وقال الإمامُ الحميدي ﵀-أَثناء سَوقه لأصول السُّنة: (السُّنّة عندنا ... أنّ الإِيمان قولٌ وعمل، يزيد وينقص، لا ينفع قول إلَاّ بعمل ... ) (٢) وأقوالهم في ذلك متضافرة مبثوثةٌ في كُتُب الاعتقاد (٣)، وأمَّا الإجماعُ فقد حكاه غيرُ واحد من الأئمة، كأبي الحسن الأشعري، حيث قال: (وأجمعوا على أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وليس نقصانه عندنا شك فيما أمرنا بالتصديق به ولا جهل به لأن ذلك كفر وإنما هو نقصان في مرتبة العلم وزيادة البيان) (٤) والإمام ابن عبدالبرِّ ﵀ حيث قال: (أجمع أَهل الفقه والحديث على أَنَّ الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلاّ بنيّة، والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) (٥) والإمام البغوي ﵀ حيثُ قال: (اتفقت الصَّحابة والتَّابعون فمن بعدهم من علماء السُّنّة =على أَنَّ الأعمال من الإيمان ... وقالوا: إنَّ

стр. 112

الإيمان قولٌ، وعملٌ، وعقيدةٌ، يزيدُ بالطَّاعة، وينقصُ بالمعصية، على ما نطق به القرآن في الزِّيادة، وجاء في الحديث بالنُّقصان في وصْفِ النِّساءِ) (١) والإمام أَبي الحسن ابن القطَّان ﵀ حيث نقل الإجماع على ذلك، فقال: (وأجمعوا أَنّ الإيمان يزيد بالطاعة) (٢) ومستند هذا الإجماع: جُمْلة من الأدلة من الكتاب والسُّنة تدل على وقوع التفاوت في حقيقةِ الإيمان؛ فمن ذلك: ١ - التنصيص على زيادة الإيمان ونقصانه: قال جل وعلا ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنفال ٢،٣]. ففي هذه الآيات ردٌ على من منع تفاوت الإيمان، وتفاضله، ودخول الأعمال فيه، وفي تقرير ذلك يقول الإمام محمد بن علي القَصَّاب مُبينًا أوجه الردِّ على المانعين من حصول التفاوت في الإيمان، وكون العمل منه: (أحدهما: أنه ذكر الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة وجعلها من الإيمان وذلك أنه ذكر قبل "إنما المؤمنون" التقوى وإصلاح ذات البين،

стр. 113

ثم نَسَقَ في هذه الآية عملًا بعد عملٍ وذكر فيها التوكل، وهو باطنٌ. الثاني: أنه ذكر زيادة الإيمان بتلاوة الآيات عليهم وهم ينكرونه. الثالث: أنه لم يُثبت لهم حقيقةَ الإيمان إلَاّ باجتماع خصال الخير من الأَعمال الظاهرة و الباطنة، وهم يثبتون حقيقة بالقول وحده. الرابع: أنَّه -جل وتعالى- قال بعد ذلك كله: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ﴾ الأنفال: ٤ وقد أثبت لهم الإيمان بشرائطه وحقيقته، وهم لا يجعلون للمؤمن في إيمانه إلَاّ درجة واحدة، ولا يجعلون للإيمان أجزاء ... ) (١) فوقوع التفاضل في الأعمال الظاهرة =يقتضي التفاضل في موجب ذلك وسَببه الذي في القلب (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ المدثر: ٣١ وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾ الفتح وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران ١٧٣]. وقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ التوبة إلى غير ذلك من الأدلَّة المصرحة بزيادة الإيمان ونقصانه. ٢ - دلالة الأدلة على زيادة الهدى، والسكينة، وغير ذلك: فالهدى والسكينة عملان من أعمال القلب يقع فيهما التفاضل، والتفاوت، والزيادة والنقص، فمن ذلك:

стр. 114

قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ مريم: ٧٦ وقوله جلَّ وعلا: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾ التوبة وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾ الكهف ومن الأدلة كذلك الدّالة على تفاوت الإيمان: ٣ - ما جاء مصرحًا به في الحديث - الذي سبق سوقه - أنّ الإيمان شُعب: فحديث الشُّعَب حجة واضحة على تفاوت الإيمان لكونه شُعَبًا متفاوتة متعددة، يقول الإمام الخطّابي: (فقد ثبت ... أنَّ الإيمانَ اسمٌ ينشعبُ إلى أُمور ذات عدد جِمَاعُها الطاعةُ، ولهذا صار من صار من العلماءِ إلى أَنَّ النَّاسَ متفاضلون في دَرَجِ الإِيمان، وإن كانوا متساوين في اسمه) (١) ٤ - ومن الأوجه الدّالة على تفاوت الإيمان =أحاديث الشَّفاعة. فهي من أوضح الدلائل على وقوع التفاضل كماجاء في الحديث الصحيح حديث الشفاعة قول النبي ﷺ : (فيخرج من النار من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ومثقال ذرة) (٢) .

стр. 115

فهذا الحديث -وغيره من الأحاديث المتضافرة المتواترة التي سيأتي بيانها في المبحث القادم بإذن الله-عَلَمٌ على تبعُّض الإيمان، وتفاوته في القلوب، وأنه ينقص حتى لا يبقى منه إلاّ ما يزن شعيرة، أو ما يَزِن ذرة كما هو منطوق الحديث. يقول الإمام ابن خزيمة ﵀: (مع البيان الواضح أنَّ النَّاسَ يتفاضلون في إيمان القلب ضد قول من زعم من غالية المرجئة أن الإيمان لا يكون في القلب، وخلاف قول من زعم من غير المرجئة أنَّ الناس إنما يتفاضلون في إيمان الجوارح الذي هو كسب الأبدان فإنهم زعموا أنهم متساوون في إيمان القلب الذي هو التصديق وإيمان اللسان الذي هو الإقرار ... ) (١) إلى غير ذلك من الأوجه الدَّالة على تفاوت الإيمان، وتفاضله. وقد خالف في هذه الحقيقة طائفتان: الأولى: المرجئة. بجميع فرقها الّذين اتفقوا على إخراج العمل عن مُسمى الإيمان، والمنع من وقوع التفاوت فيه (٢) . والأُخرى: الوعيدية. بفرقتيها الخوارج والمعتزلة. ومحصّل مواقفهم من هذه الأحاديث، إمَّا ردّها معتلِّين في ذلك بكونها أخبار آحاد لاتفيد اليقين، وإمَّا تعطيلها عن دلالتها بتسليط التأويل عليها. ومن أمثلة هذا التأبي: ماتراه عند الجويني؛ حيث أبى قبول حديث (الإيمان بضع وسبعون شعبة) (٣)؛لكونه خبرَ آحادٍ. وفي ذلك يقول: (وأَمَّا الحديث فهو من الآحاد، ثُمَّ هو متروك. والعرب تسمي

стр. 116

الشيء إذا دلّ عليه، أو كان منه بسبب (١) فالحديث عنده ليس بحجة؛ لكونه خبر آحاد، واشتغاله بتأويله مع صراحة الحديث=إنما هو على ما جرى عليه المتكلمون من أنّ ذلك على سبيل التبرع! لذا أعمل أَبو العبَّاس القُرطبي التأويل على حديث الشُّعَب، فلم يعدّها -أي الشعب- من حقيقة الإيمان، وإنّما أطلق النبي ﷺ عليها إيمانًا من باب التوسُّع المعروف في لغة العرب. وفي ذلك يقول: (الإيمان في هذا الحديث يراد به الأعمال، بدليل أنه ذكر فيه أعلى الأعمال، وهو قول: لا إله إلا الله، وأدناها أي أقربها = وهو إماطة الأذى، وهما عملان فما بينهما من قبيل الأعمال، وقد قدمنا القول في حقيقة الإيمان شرعًا ولغة، وأن الأعمال الشرعية تُسمى إيمانًا مجازًا وتوسعًا؛ لأنها تكون عن الإيمان غالبًا) (٢) ويقول ابن الملك: (لمَّا كانت الأعمال الصَّالحة خُلُقًا لأَهل الإيمان، وإّنها مِن جُمْلة الدلائل عليه =أُطلِق اسم الإيمان عليها مجازًا) (٣) ويقول القاضي عياض ﵀ في شرحه لحديث الجهنميّين: (وقوله: "من وجدتم في قلبه مثقال ذرة من إيمان " و"من خير" و" أدنى أدنى" على ماوردت في ألفاظ الحديث. قيل: من اليقين. والصحيحُ: أنَّ

стр. 117

معناه شيء زائد على مجردِ الإيمان؛ لأن مجرد الإيمان الذي هو تصديق لايتجزأُ، وإنما يكون هذا التجزؤُ لشيء زائدٍ عليه ... ) (١) . وفي شرح حديث عبد الله بن عمر ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ مرَّ على رَجُلٍ من الأَنصار يعظُ أَخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ (دَعْه فإنَّ الحياء من الإِيمان) (٢) يقول الكرماني مُجيبًا على من استشكل عدَّ النبي ﷺ الحياء شعبة من الإيمان: (فإن قُلتَ: فإذا كان الحياء بعض الإِيمان، فإذا انتفى الحياء انتفى بعض الإِيمان، وإذا انتفى بعض الإِيمان = انتفى حقيقةُ الإِيمان؛ فيلزم أَن الشخص إِذا لم يستحِ يكون كافرًا. قلتُ [القائل الكرماني]:المرادُ من الإيمان، هو الإيمان الكامل. والتقريبُ ظاهر =نعم لو قيل: الأَعمالُ داخلةٌ في حقيقة الإيمان =لكان مُشْكلًا) (٣) بل إنَّ أنور شاه الكشميري أَخذ يطعن في الأحاديث المُصرِّحة بالتفاوت، وأنَّ ما دل عليه القرآن كاف في تقرير هذه المسألة، وفي ذلك يقول: (واعلم أن إطلاق الإيمان على الأعمال مما لا يمكن إنكاره، فقد

стр. 118

تواتر به الحديث، لكن القرآن على خلافه، فإنه ينبي أن الإيمان هو التصديق وحده من غير أن يعتبر من العمل ... بقي الجواب عن إطلاق الإيمان على الأعمال في الحديث، فلا ننكر أنه أيضًا إطلاق، لكن لا ينحصر فيما قالوه (١)، بل يجوز أن يكون من إطلاق الكل على الجزء كما فهموه، ويجوز أن يكون من باب إطلاق المبدأ على الأثر كما فهمنا، المبدأ هو الإيمان، والعمل أَثره ولو انحصر الأمر في أن الحديث أطلق الإيمان على الأعمال، والقرآن جعلها له، يعطفها عليه = كان اتِّباع القرآن، والتأويل في الحديث هو الأَوْلى. فالحقيقة أدّاها القرآن، والحديث ورد على اعتبار؛ لأن القرآن يؤدي الحقيقة ويوفي حقها، والحديث قد يرد على المصالح ويراعيها أيضًا = فإن شئت أخذ الحقيقة كما هي فلا تجدها إلاّ في القرآن. . .) (٢) فهذا النصُّ يلوحُ منه كيف أنَّ الحمية للمذهب - وإن كان باطلًا - تحمل صاحبها على ارتكاب الشناعات. والمأْخذُ الذي انطلقت منه هاتان الطائفتان =كان مأْخذًا عقليًّا استولد لوازمَ متناقضة التزمت كلُّ فرقةٍ هذه اللَّوازمَ، واستدلَّ لها أَصحابُها بشبهاتٍ مُركَّبةٍ من دلائلَ عقليةٍ ونقلية= وليس الغَرَضُ في هذا المقام استقصاء هذه الشبهات واللوازم على جهة التفصيل وإبطالها. بل الذي نُصب البحثُ لأَجله هو بيان المستند الذي ارتكز عليه المخالفون في باب الإيمان، والذي كان سببًا لردِّ، أو تأويل وتعطيل تلك النُّصوص عما أَبانت عنه = ودفعه على وجه تحصل به الغاية.

стр. 119

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأَحاديث المتعلقة بحقيقة الإِيمان: جماع شبهتهم التي كانت الأصل والمستند في مخالفتهم =يعود إلى أَصلين: الأوّل: دعوى استنادهم للضَّرورة العقليَّة المانعةِ من (الجمع بين النقيضين) وعليها انبنى القولُ بامتناع التفاوت في الحقيقة الشرعيَّة للإيمان. الثاني: استنادهم إلى الحدِّ المنطقي. فأما دعواهم استحالة "الجمع بين النقيضين" فهذه الضرورة العقلية عندهم انبنى عليها القول: بامتناع التفاوت في الحقيقة الشرعية للإيمان، إذا تأملت رأيتها حقا في الأصل؛ لأنَّ من بدايه العقول امتناع اجتماع النقيضين، وكذا ارتفاعهما، لكن الشأن في تحقق هذه القضيّة على مسألة تفاوت الإيمان، وهذا مالم يتحقق عند المُخالفين مَناطه، فهذه المقدّمة المُسلم بها لا تتصل بحال بالنتيجة التي ذهبوا إليها، توضيح ذلك أَنَّ القولَ بوقوع التفاوت في حقيقة الإيمان يلزم عندهم، الجمع بين النقيضين ومقصودهم بالنقيضين هنا اجتماع شعب الإيمان وشعب الكفر في الشخص الواحد، وهذا ممتنع عندهم، بناءً على أن التقابل بين الإيمان والكفر هو من باب التقابل بين السلب والإِيجاب فاستنادًا لهذه الضرورة العقلية أحالت الخوارج والمعتزلة والجهمية والمرجئة وقوعَ التفاوت في الإيمان. فالخوارج التزمت بهذا الأصل فكفروا مرتكب الكبيرة وذلك لقولهم بدخول العمل في الإيمان مع التزامهم بدعوى استحالة التفاوت = فكانت النتيجة الطبعيَّة لذلك: أن سلبوا الإيمان عن صاحب الكبيرة، وأَثبتوا له ضده وهو الكفر؛ لأنه لا واسطة بين الإيمان والكفر.

стр. 120

وقد نقل أبو الحسن الأشعري إجماعهم على أن كل كبيرة كفر إلاّ طائفة النَّجْدات فيما ذكره عنهم أبو الحسن الأشعري (١)، ولكن المتأمل فيما أورده الأشعري بعدُ حين بسطه لمقالات فرق الخوارج، فإنّه ذكر مقالة للنجدات يتبين منها موقفهم من مرتكب الكبيرة، يقول أبو الحسن الأشعري (وزعموا أنَّ من نظر نظرة صغيرة، أو كذب كذبة صغيرة ثم أصرّ عليها فهو مشرك، وإن من زنى وسرق وشرب الخمر غير مصر فهو مسلم) (٢) فما ساقه الإمام أبو الحسن ﵀ عنهم يتجلى فيه أمران: الأول: أنهم يوافقون عامة الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة إذا أصرّ، فهم وإن خالفوهم في كون مجرد المقارفة توجب الكفر، إلا أنهم مجمعون جميعًا على أن الإصرار على الكبيرة يعد كفرًا فخلافهم حينئذ يؤول إلى وفاق. الثاني: أنهم فاقوا بَقيَّة الخوارج في الضلالة حيث جعلوا مجرد الإصرار على الصغيرة توجب خروج صاحبها من الإيمان إلى الكفر = وعلى هذا فكأن جميع فرق الخوارج تصير إلى تكفير مرتكب الكبيرة. والخلاف في ذلك صُورِيٌّ فيما يظهر (٣) . ولم يكن مكمن ضلالهم هو إِدخالهم العمل في مسمى الإيمان، فإن هذا ما نطقت به الدلائل الشرعية وهو الحق الذي لا مرية فيه =وإنَّما سبب خطأهم استنادهم مع قولهم بدخول العمل في الإيمان إلى دعوى استحالة التفاوت، وهي دعوى باطلة -كما سيأتي بيان ذلك بحول الله-.

стр. 121

ثمَّ لما نَبَغت المعتزلةُ بعد ظهور فرقة الخوارج، استظهرت صحة ذاك الأصل الذي استندت إليه الخوارج في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة -وهو دعوى استحالة التفاوت في الحقيقة الشرعية للإيمان- لكنّها أرادت لمَّا رأت تنادي أهلِ السُّنَّة فيما بينهم بإنكار بدعة الخوارج، والتشنيع عليهم، ومخالفتهم للضرورة الشرعية المستقرة بدلائل الكتاب والسُّنة، والإجماع على عدم تكفير مرتكب الكبيرة، ورأت أَيضًا مخالفتهم للضرورةِ العقلية من مساواتهم بين المستحق للعذاب الأليم وهو الكافر، وبين من هو دون ذلك وهو مرتكب الكبيرة عندهم (١) = أرادت الجمع بين الضرورتين: العقلية التي تقضي باستحالة التفاوت و الضرورةِ الشَّرعيةِ التى تدل على عدم استحقاق مرتكب الكبيرة لاسم الكفر، فتكايست لذلك لكنَّها في الوقت ذاته تناقضت من حيثُ أَرادت الفرار من التناقض، وابتدعت القول (بالمنزلة بين المنزلتين) والتي حقيقتها نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة وفي الوقت ذاته عدم تكفيره والذهاب إلى إطلاق اسم ديانة عليه، وهي"الفسق". وقد حكى قولَهم أَحدُ أعلامهم، وهو الجاحظ حيث قال: (قالت المعتزلة: هو فاسِق (٢) كما سمَّاه نصًّا، ولا نُسمِّيه كافرًا، فيلزمنا أن نلزمه أحكام الكُفَّار، وليس ذلك حُكمَه، ولا نقول: مؤمن، فيلزمنا ولايته ومدحه، وإيجاب الثواب له، وقد أخبرنا الله أنَّه مشؤوم من أهل النَّار، فنزعم أنّه في النار مع الكافر، وأنّه لا يجوز أَن يكون في الجنَّة مع المؤمن) (٣) وقال القاضي عبدالجبار: ( ... صاحب الكبيرة له اسم بين

стр. 122

اسمين، وحكم بين حكمين، لا يكون اسمه اسم الكافر ولا اسمه اسم المؤمن، وإنما يُسمى فاسقًا، وكذلك فلا يكون حكمه حكم الكافر، ولا حكم المؤمن، بل يفرد له حكم ثالث، وهذا الحكم الذي ذكرناه هو سبب تلقيب المسألة بـ"المنزلة بين المنزلتين") (١) فإن قيل: ما وجه التمايز بين قول أهل السُّنة والجماعة وقول المعتزلة مع كونهم اتَّفقوا على دخول العمل في مُسَمَّى الإيمان، وامتنعوا من تسمية مرتكب الكبيرة كافرًا. فيقال: حقيقة الفرق بين أهل السنة والمعتزلة يظهر في أربعة أمور: الأول: أن أهل السنة وإن جعلوا العمل ركنًا في الإيمان فهذا الاعتبار إنما هو باعتبار جنسه لا باعتبار آحاده. وبيان ذلك: أَنَّ جِنسَ العملِ-وهو جملة الالتزام بالشَّريعة- عند أهل السنة ركنٌ في الإيمان، وأما آحاده فمنها ما لا يتحقق أصل الإيمان إلا به، ومنها ما هو من كماله، ففوات بعض الآحاد المحققة لأصله يقتضي انتفاء الإيمان بخلاف الآحاد المقتضية لتحقيق كماله الواجب أو المستحب فإنه لا يقتضي انتفاؤها كما دلت عليه النصوص =انتفاء الإيمان جملة (٢) . لذا فهم مُجْمِعون على جواز اجتماع شعب إيمان وشعب كفر في الشخص الواحد، باعتبار أن شعب الكفر متفاوتة، كما أن شعب الإيمان متفاوتة، فالذي يمكن أن يجتمع مع أصل الإيمان، ولا ينافيه هي شعب الكفر الأصغر والتي تنافي كمال الإيمان الواجب لا أصله، وهذا الذي دلت عليه النصوص وقام عليه الإجماع وسيأتي بيان ذلك.

стр. 123

فالوعيدية جعلوا الطَّاعاتِ بجملتِها ركنًا في الإيمان ولم يُفرِّقوا بين ما ينتفي به أصلُ الإيمان من آحاد العمل، وبين ما لا ينتفي، وجعلوا الإخلال بها جميعًا موجبًا لسلب الإيمان منه. ومن العجيب أن كثيرًا ممن تعرض لبيان موقف السلف من الأعمال لم يُصب مرمى السَّدادِ في فهم مَرامِي كلامهم ﵏ فظنَّ أنَّ الفارقَ بين السلف و الوعيديةِ مع اعتبار كلٍ منهما للعمل بأنه من الإيمان = أنَّ السَّلفَ يجعلون العمل شرطَ كمالٍ لا ينتفي الإيمان بانتفائه، بخلاف الوعيدية فإنهم يجعلونه شرط صحة ينتقض الإيمان بفواته. وهذا غلط على مذهب السلف ﵏ وبُعْدٌ منهم في توجيه مرادهم، وهذا تجده عند بعض شرّاح الحديث كابن حجر (١)، والطيبي (٢) . الثاني: أَنَّ المعتزلةَ ينفون وصف الإسلامِ عن مرتكب الكبيرة، وأهل السنة لا ينفون عنه هذا الوصفَ. الثالث: أن المعتزلة يقولون بتخليده في النَّار = وأهل السنة ينكرون ذلك ويُبْطلونه. الرَّابع: أنَّ المعتزلة القائلين بالمنزلة بين المنزلتين، يجعلون صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان يخرج به من النار. وأهل السنة لا يسلبونه مطلق الإيمان بل يسلبونه الإيمان المطلق الذي رتَّب اللهُ تعالى عليه المدحَ والثَّناءَ، ودخولَ الجَنَّةِ ابتداءًا (٣) .

стр. 124

أما المرجئة بشتى فرقها، فإنَّها ذهبت هي أَيضًا إلى سلامة الأصل الذي استند إليه كل من الخوارج والمعتزلة، وهو استحالة التفاوت في حقيقة الإيمان بناء على استحالة الجمع بين النقيضين - ورأت أيضًا أنّ ما لتزمت به كلتا الطَّائفتين مخالف للدلائل الشرعية الدَّالة على ثبوت وصف الإيمان لمرتكب الكبيرة= دعاها ذلك إلى إخراج العمل من مسمى "الإيمان" ظنًّا منها أنَّ سبب ضلال تلك الفرقتين هو إدخالهما العمل في حقيقة الإيمان. ولم توفّق إلى معرفة أنَّ سبب الضلال عند التحقيق =هو التزامهم جميعًا بتلك الشُّبهة التي تفرعت عنها جميع تلك اللوازم الفاسدة. وقد بيَّن شيخ الإسلام ذلك الأصل الذي كان سببًا لنشوء تلك الضلالات، وكشف عن تلك اللوازم بقوله: (وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوراج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية وغيرهم =أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا إذا زال بعضه زال جميعًا، وإذا ثبتَ بعضه ثبت جميعُهُ فلم يقولوا بذهاب بعض وبقاء بعضه ... ثم قالت " الخوارج والمعتزلة " الطَّاعات كلها من الإيمان فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره = فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان. وقالت المرجئة والجهمية (١): ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض إمَّا مجرّدُ تصديقِ القَلْب كقول الجهمية، أَو تصديق القلب واللِّسان كقول المرجئة، قالوا: لأنَّا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبت بعضه؛ فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول

стр. 125

المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيُستدل بعدمه على عدمه) (١) فتلك الشُّبهة قد جمعت تلك الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة، وإن اختلفوا في بيان حقيقة الإيمان عند كل منها سواء، من جعل هذه الحقيقة خصلةً واحدةً: وهم المرجئة، أَو جعلها حقيقة مركبةً -وهم الوعيدية- = فهم متفقون على التزام ذاك الأصل وهو دعوى استحالة التفاوت والتبعض في الإيمان. فمن جعلها خصلة واحدةً: جعل قبول التفاوت فيه يستلزم ذهابه بذهاب بعضه واضمحلاله، ذلك لأَنَّ القولَ بنقصِ الإيمان يلزم منه أَن يخلفه نقيضه وهو الكفر فيقوم بالعبد كُفر وإيمان وهذا ممتنعٌ؛ لأَنَّه من باب اجتماع النقيض مع نقيضه في شَخْصٍ واحد، لذا امتنع القول بإمكان التفاوت. ومن جعل الإيمانَ من المخالفين حقيقةً مركبةً من اعتقادٍ، وقول، وعمل ... -وهذا قول الخوارج والمعتزلة - = جعلَ حلول النقص في هذه الحقيقة المركبة يلزم منه انعدام هذه الحقيقة وزوالها، وشبهتهم في ذلك: أنَّ الحقيقة المُركبةَ تزول بزوال بعض أجزائها، وضربوا على ذلك مثالًا بـ (العشرة) فإنّه إذا زال بعضها لم تبقَ عشرة. فإذا كان الإيمانُ حقيقةً مركبةً من أَقوالٍ وأعمال ظاهرة وباطنة= لزم بزوال البعض زوال جميع هذه الحقيقة إذ لو فُرض وقوع النقص في هذه الحقيقة مع بقائها، وعدم زوالها لانبنى على ذلك أن يجتمعَ في الشَّخصِ إيمانٌ وكفرٌ، وتوحيدٌ وشرك. وهذا خلاف الضَّرورة العقليَّة بزعمهم.

стр. 126

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مُبيِّنًا حقيقة هذه الشُّبهة: (وجماع شبهتهم في ذلك أنَّ الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أَجزائها كالعشرة فإنه إذا زال بعضها لم تبق عشرة وكذلك الأَجسام المركبةُ كالسَّكنجبين (١) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبينًا. قالوا: فإذا كان الإيمان مركبًا من أَقوالٍ وأَعمالٍ ظاهرةٍ وباطنةٍ لزمَ زواله بزوال بعضها. وهذا قول الخوارج والمعتزلة، قالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من الإيمان، كافرًا بما فيه من الكفرِ فيقوم به كفر وإيمان، وادَّعوا أَنَّ هذا خلاف الإجماع ... ) (٢) وأمَّا المرجئةُ فقد خالفوا الوعيديةَ في نفي الإيمانِ عن مرتكب الكبيرة فأثبتوا الإيمانَ له لكنَّهم أَخرجوا العملَ عن مُسمى الإيمان بناءً على استحالة التفاوت في مسمى الإيمان؛ إذ إدخال العمل في الإيمان يقضي بانتقاضِ الإيمانِ بالكلية بمجرد حصول النقص فيه. والعجيب: اتفاق الطائفتين- أعني الوعيدية والمرجئة - على رَمي أهل السنة والجماعة بالتناقُض فيما ذهبوا إليه من جمعهم بين كون الإيمان حقيقة مركبة، وأنّه مع ذلك يقبل التفاوت فرأت تلك الطائفتان ماذهب إليه أهل السنة والجماعة مخالفةً منهم للضرورة العقلية، وضَربًا من ضروب التناقض. وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وكان كلٌ من الطَّائفتين يَعدُّ السَّلفَ والجماعة وأهل الحديث =متناقضين حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا مع ذلك لايزول بزوال بعض الأعمال حتى ابن الخطيب وأمثاله جعلوا الشافعي متناقضًا في ذلك، فإن الشافعيَّ

стр. 127

كان من أئمة السنة، وله في الردِّ على المرجئة كلامٌ مشهورٌ، وقد ذكر في كتاب الطهارة من: " الأم" إجماعَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ على قولِ أهل السُّنة = فلما صنف ابن الخطيب تصنيفًا فيه، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي= استشكل قول الشافعي ورآه متناقضًا) (١) وأمَّا كلام الرَّزاي في كتابه الذي أَشار إليه شيخ الإسلام، فهو قوله: (قد تقرر في بدائه العقول= أَنَّ مُسمَّى الشيء إذا كان مجموع أشياء، فعند فَوات أحد تلك الأشياء لابُدَّ وأَن يَفوتَ المُسَمَّى، فلو كان العمل جزءًا من مسمى الإيمان = لكان عند فوات العمل وجب ألَاّ يبقى الإيمان = لكنَّ الشافعي يقول: إن العملَ داخلٌ في مُسمى الإيمان ثم يقول: الإيمان باق بعد فوات العمل = فكان هذا مناقضة) (٢) ثم رأى أن قول المعتزلة أسلم من جهة الأصول وأبعد عن التناقض من قول الإمام الشافعي ﵀ فقال: (بلى. المعتزلة لمَّا قالوا: العمل جزء من مسمى الإيمان قالوا: إذا فات العمل لم يبقَ اسم الإيمان = فكان هذا القولُ منتظمًا بعيدًا عن التناقض) (٣) ثم لمَّا رأى ما في رمي إمامه الذي ينتسب إلى مذهبه من الشناعة = أراد أن يلتمس مَخْرجًا لذلك التناقض - في ظنه- الوارد في كلام الإمام الشافعي، وذلك بأن جعل العملَ خارجًا عن مسمى الإيمان ثم جعل التفاوت في هذا الخارج، وهو العمل وأنَّ إطلاق اسم الإيمان على العملِ من باب المجازِ، فالعمل ثمرةٌ وسبب للإيمان الذي هو التصديق والإقرار. قال الرّازي: (وللشَّافعي أن يُجيب فيقول: الأصل في الإيمان هو الإقرار والاعتقاد فأمَّا الأعمال فإنها من ثمرات الإيمان، وتوابعه، وتوابع

стр. 128

الشيء قد يطلق عليها اسم الشيء على سبيل المجاز، وإن كان يبقى الاسم مع فوات تلك التوابع، كما أنَّ أغصانَ الشَّجرةِ قد يقال: إنَّها من الشجرة، مع إن اسم الشجرة باق بعد فناء الأغصان فكذا ههنا) (١) وقبل بيان بطلان دعوى الاستناد إلى هذه الضرورة، ومنع ورودها على مادلت عليه النصوص الشرعية من تفاوت الإيمان وقبوله للزيادة والنقص =أُورد أقوال المخالفين التي تدل على استقرار هذا الأصل عندهم إجمالًا. يقول القاضي عبد الجَبَّار عند تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال: ( ... ومنها: أنّه يدلّ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص، على ما نقوله؛ لأنَّه إذا كان عبارة عن هذه الأمور التي يختلف التعبُّد فيها على المُكلَّفين، فيكون اللاّزم لبعضهم أَكثر مما يلزم الغير، فتجب صِحَّة الزِّيادةِ والنُّقصان، وإنّما كان يمتنع ذلك لوكان الإيمان خصلةً واحدةً، وهو القول باللِّسان، أو اعتقادات مخصوصة بالقلب) (٢) فالزيادة والنقصان عند القاضي ليستا متعلِّقتين بحقيقة الإيمان، وإنما بالتكاليف التي يختلف التعبد فيها بحسب حال المُكلّفين، لذا امتنع عنده حصولهما لوكان الإيمان خصلة واحدة، وهذا مناقض لما عليه أهل السّنّة؛ إذ الزيادة والنقصان واقعتان في الأعمال كما أنهما واقعتان في قول اللِّسان وقول القلب. وبمثل ماقرّره القاضي عبدالجبَّار قالت الإِباضيَّة -وهي امتداد للمُحَكِّمة الأولى من الخوارج-،لذا يقول أبو محمد عبد الله السَّالمي:

стр. 129

(وذهب أصحابُنا إلى أنَّ الإيمانَ يزيدُ ولا ينقص، وبيان ذلك: أنَّ الإيمانَ عندنا هو الوفاءُ بجميعِ الواجبات، فمن وجب عليه فرضٌ لايكون مؤمنًا حتى يؤديَه على وجهه ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليفِ، ولا يصح نقصُه لأنَّ نقصَه إخلالٌ ببعض الواجبات، وقد تقدم أنَّ التاركَ لبعض الواجبات عليه خارجٌ عن الإيمان فالترك لبعضه ترك لجميعه أي: لا ينتفع ببعض إيمانه في الآخرة) (١) وقد يُظنُّ أنَّ المعتزلةو الإباضيّة يوافقون بعضَ أَهل السُّنة الذين أَثبتوا الزيادة في الإيمان ولم يثبتوا النقص كمثل ما ثبت عن الإمام مالك ﵀ من إثباته الزيادة، وسكوته عن النقص =ولكن هذا الظنّ غير مسدد، بل الخلاف بين أَهل السنّة ومخالفيهم خلاف معنوي حقيقي، وليس هناك توافق ألبتَّة، وبيان ذلك بتوضيح قضيتين: الأولى: أنَّ أَهل السُّنّة قد انعقد الإجماع عندهم على أَنَّ الزيادة في الإيمان هي زيادة في حقيقته، لا في أَمر خارج عنه، وكذلك النقص. وأَمَّا المعتزلة والإباضية فقد جعلوا الزيادة فيما يتعلق بالتكاليف التي هي أوامر الله تعالى، لا أَن الزَّيادة واقعةٌ في حقيقة الإيمان المتعلقة بالعبد، وهذا هو الفارق الحقيقي بين قول أهل السنّة وأَقاويل غيرهم من أهل البِدَع. الثانية: أنّه على فرض أنّ الرِّواية عن الإمام مالك بتوقفه في القول بنقصان الإيمان، هي آخر ما ثبت عنه في ذلك =فإنّ من المعلوم بداهةً أَن القولَ بالتوقف يخالف الجزم بنفي النقص في الإيمان، فإنّ ما أورده الإِمامُ ابنُ عبدِ البرِّ في سياق ترجمته للإمام مالك، يدلُّ النّاظرَ على أنّ الإمام مالك لم يجزم بنفي النقص، قال الإمام الحافظ ابن عبدالبر ﵀:

стр. 130

( ... أخبرنا ابن وهب، قال: سئل مالك بن أنس عن الإيمان، فقال: قولٌ وعملٌ، قلت: أَيزيدُ وينقصُ؟ قال: قد ذكر الله سبحانه في غير آي من القرآن أَنّ الإيمان يزيدُ، فقلت له: أَينْقُصُ؟ قال: دع الكلام في نُقصانِهِ وكفَّ عنه، فقلتُ: فبعضُه أَفضل من بعض؟ قال نعم) (١) فالإمامُ مالك كما هو ظاهرُ الرِّواية كفَّ عن القول بالنقصان في الإيمان، ولم يجزم، وعلة توقفه كما هو ظاهر السياق؛ أَن النَّقْصَ لم تنطقِ الآياتُ بذكره، فلم يُرِدِ الخوض فيما لم يُصرَّح بذكره في القرآن، وبرهان ما سبق، أنَّه ﵀، لمّا سئل عن الزيادة، أجاب بأن الله قد ذكر ذلك في غير ما آية أن الإيمان يزيد، فمستنده في القول بالزيادة هو مادلت عليه النصوص، ومستنده بالتوقف عدم وقوفه على ما يدل على الزيادة، ولذا قال شيخُ الإسلام: (وكان بعضُ الفقهاءِ من أَتباع التابعين، لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه؛ لأنّهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا إحدى الرِّوايتين عن مالك) (٢) ومن هنا يتبيَّن سبب توقف الإمام مالك ﵀، وأنّه انطلق في توقفه من منطلق التمسك بالوارد، والكفّ عمّا لم يرد، وأمَّا الاعتلال بأنَّ توقفه ناشئ عن القول بأن النقص في التصديق يستلزم ذهاب جميعه وأنّه خَشي أن يتأوَّل عليه موافقة الخوارج (٣) =فهذا ما لا يدلُّ عليه سياق كلامه، ثم إنّ التصديق مما يقبل التفاوت كما سيأتي بيان ذلك -إن شاء الله-.

стр. 131

وهذه الشُّبهة لم تختص -كما تقرر من قبل- بالوعيديَّة؛ بل إنَّ المرجئة تُسلّم بهذا الأصل أَيضًا؛ لذا يُقرِّر أبو المعالي الجويني ذلك بقوله: (فإن قيل: فما قولكم في زيادة الإيمان ونقصانه؟ قلنا: إذا حملنا الإيمان على التصديق فلا يفضل تصديق تصديقًا، كما لا يَفْضُل علم علمًا، ومن حَمَله على الطاعة سرًّا وعلنًا، وقد مال إليه القلانسي= فلا يبعد على ذلك إطلاق القول بأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية = وهذا مما لانؤثره) (١) فقوله: (فلا يفضل تصديق تصديقا، كما لا يفضل علم علما) دليلٌ واضح على استقرار تلك الشبهة عنده وهي استحالة وقوع التفاوت في حقيقة الإيمان. وأمَّا سيفُ الدِّين الآمدي فقد أَبان عن أنَّ من جعل الإيمانَ خصلةً واحدةً، فإن الزيادةَ والنقص لا تتواردان عليه إلا من جهات أُخرى خارجة عن حقيقته، وانظر إليه حين يقول: (ومن فسَّره بخصلة واحدة من تصديق، أو غيره فإنَّه لا يقبل الزيادةَ والنقصان، من حيث هو خَصْلةٌ واحدةٌ، اللَّهم إلا أن ينظر إلى كثرة أعداد أشخاص تلك الخصلة وقلتها في آحاد الناس =فإنَّه يكون قابلًا للزيادةِ والنُّقصان على ماحققناه من قبلُ) (٢) ويقول الرَّازي: (الإيمانُ عندنا (٣) لايزيد ولاينقص؛ لأنه لمّا كان اسمًا لتصديق الرسول في كلِّ ماعُلم بالضَّرورة مجيئُهُ به = وهذا لا يقبل

стр. 132

التفاوت فمسمى الإيمان لايقبل الزيادة والنقصان) (١) ويُقرّرُ المُهلَّبُ بن أَبي صُفرة امتناع وقوع التفاوت في التصديق، فيقول: (التصديق وإن كان يُسمّى إِيمانًا في اللُّغةِ، فإنَّ التصديقَ يكمل بالطَّاعاتِ كُلِّها، فما ازداد المؤمن من أَعمال البِرِّ كان من كمال إيمانه، وبهذه الجُملة يزيد الإيمان وبنقصانها ينقص. .فمتى نقصت أَعمال البرِّ نقص كمال الإيمان، ومتى زادت زاد الإيمان كمالًا، هذا توسُّط القول في الإيمان، وأمَّا التصديق بالله وبرسُلِهِ =فلا يَنْقُصُ) (٢) والمَنْعُ من التفاوت سببُهُ كما نقل ذلك المُلَّا علي القاري عن كتاب "الوصية" المنسوب للإمام أَبي حنيفة (٣) ﵀: (ثم الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنَّه لا يُتصوَّرُ زيادةُ الإيمانِ إلَاّ بنُقصانِ الكُفر، و لا يتصور نقصان الإيمان إلَاّ بزيادةِ الكفر= فكيف أن يكون الشخصُ الواحدَ في حالة واحدة مؤمنًا كافرًا) (٤) بل إِنَّ الإمامَ ابن حزم ﵀ مع ردِّه على المرجئة، والوعيدية، وذهابه إلى أنّ الإيمانَ حقيقةٌ مركبةٌ مِن اعتقادٍ، وقولٍ، وعمل، وأَنَّ

стр. 133

مرتكب الكبيرة لا يُسلب عنه الإيمان بسبب مقارفته لها= ذهب إلى المنع من وقوع الزيادة والنقص في التصديق كما هو مذهب المخالفين لأَهلِ السُّنَّة والجماعة، وقصر التفاوت على غير التصديق، فالتصديق -عنده- لا يمكن بحال أن يقبل التفاوت استنادًا إلى ذات الشُّبهةِ. يقول ﵀: (والتصديق بالشيء أي شيء كان، لايمكن ألبتَّة أن يقع في زيادة ونقص=وكذلك التصديق بالتوحيد والنبوَّة، لا يمكن ألبتة أن يكون فيه زيادة ولا نقص؛ لأنَّه لايخلو كل معتقد بقلبٍ، أَو مقر بلسانه بأي شيء أقرَّ أَو أي شيء اعتقد= من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: -إما أن يصدق بما اعتقد وأقرَّ. -وإما أن يُكذِّب بما اعتقد. -وإما منزلة بينهما؛ وهي الشك، فمن المحال أن يكون إنسان مكذبًا بما يصدق به.، ومن المحال أن يشكَّ أحدٌ فيما يصدُّق به= فلم يبق إلا أنَّه يصدق بما اعتقد بلا شك ولايجوز أن يكون تصديق واحد أكثر من تصديق آخر؛ لأنَّ أحدَ التصديقين إذا [دخلته داخلة] (١) فبالضَّرورة يَدْري كل ذي حسِّ سليمٍ أنَّه قد خرج عن التصديق ولابدَّ، وحصل في الشك؛ لأنَّ معنى التصديق إنما هو: أن يقطعَ ويوقنَ وجود ما صدقَّ به= ولا سبيل إلى التفاضل في هذه الصِّفة) (٢)

стр. 134

فثبوتُ النَّقصِ عند ابن حزم وغيره يقتضي سَرَيَان الشَّكِ في الإيمان. والشَّكُّ والتَّصديقُ لايجتمعان = فوجب عنده الذهاب إلى نفي التفاضل والتبعض في التصديق جملة. فهذه النُّصوص تدل بجلاء على استناد المخالفين في هذا الباب -أعني نفي الزيادة والنقصان، والتفاضل في الإيمان- إلى ما ظنوا أنه عمل بموجب الضرورة العقليَّة، وهي استحالة الجمع بين النَّقيضينِ والتي كان ابتناء نفي التفاوت عليها. ولمَّا رأى بعضهم أنَّ في نفي الزيادة والنقصان مخالفةً صريحة للأدلة الشرعية، وسببًا لورود اللوازم الباطلة عليهم =حاولوا صرف الزيادة إلى ما يمكن أن يقع فيه التفاوت كالأعمال والتي هي ثمرة عندهم، أَو إلى متعلقات الإيمان كما يقولون. فالباقلاني ﵀ مثلًا أراد أن يُوفِّقَ بين تلك الضرورة العقلية المدَّعاة وبين ما توافرت عليه الأدلة من إثبات الزيادة والنقص في حقيقة الإيمان فلم يجد بُدًّا من هذا التوفيق الذي أدَّاه في الواقع إلى مخالفة الحقائق الشرعية و الضرورة العقليَّة فقال: (لا ننكر أن نُطْلِق أَنَّ الإيمانَ يزيدُ ويَنْقص كما جاء في الكتاب والسُّنَّة. لكن النقصان والزيادة يرجع في الإيمان إلى أحد أمرين: - إما أن يكون ذلك راجعًا إلى القول والعمل دون التصديق؛ لأن ... ذلك يتصور فيهما مع بقاء الإيمان فأما التصديق فمتى انخرم منه أدنى شيء بطل الإيمان ... والأمر الثاني: في جواز إطلاق الزيادة والنقصان على الإيمان يتصور أيضًا من حيثُ الحُكم لا من حيث الصورة، فيكون ذلك أيضًا في الجميع من التصديق والإقرار والعمل، ويكون المراد بذلك في الزيادة

стр. 135

والنقصان راجعًا إلى الجزاء والثواب والمدح والثناء، دون نقص وزيادة في تصديق (١) . ويقول أبو المعين النَّسفي (٢) في بيان وجه الزيادة الحاصلة في الإيمان: (إذا كان الإيمان هو التصديق، وهو في نفسه مما لا يتزايد، وما لا يتزايد فلا نقصان له إلَاّ بالعدم، ولا زيادة عليه إلاّ بانضمام مثله إليه =فكان تأويل ماورد في الزيادة في الإيمان على مارُوي عن أبي حنيفة ﵀ أنهم كانوا آمنوا في الجملة، ثم يأتي فرض بعد فرض فيؤمن بكل فرض جاء؛ فيزداد إيمانه بالتفسير مع إيمانه بالجملة، وإن كان بالجملة في التحقيق إيمان به. . . وكذا الثبات على الإيمان والدوام عليه في كل ساعة، إذ يوجد في كل ساعة مثل ما انعدم في الأولى، كما يوجد درهم، ثم يزداد عليه في كل ساعة درهم، لا أنَّ تلك الزيادة في نفسه إذ هو غيرمحتمل للتجزؤ، ويحتمل الزيادة عليه أن يزداد نوره وضياؤه في القلوب بالأعمال الصالحة وينقص ذلك بالمعاصي إذ الإيمان له نور وضياء ... ) (٣) فالزيادة والنقص كما ترى عند مُرجئة المتكلمين لا ترجع إلى ذات

стр. 136

التصديق، بل هذا التفاوت راجع إما إلى القول والعمل، أو إلى الحكم المترتب على الإيمان من الجزاء والثواب. - أو تكون راجعة إلى العدد بانضمام تصديق إلى تصديق. - أو تكون زيادته راجعة إلى الثبات، والدوام عليه، زيادة عليه كل ساعة. - أو تكون زيادته بأن يزداد نوره في القلب بزيادة ثمرته، وهو العمل الصالح. - أو تكون زيادة الإيمان بمفصّل الشريعة بعد حصول الإجمال. كلُّ ما سبق من تأويلات لما دلّت عليه الأدلة المصرحة على وقوع التفاوت في الإيمان = هو محاولة منهم للخروج من ورطة المناقضة الصريحة للبراهين الصادعة بحصول التفاوت. أَمَّا الأَصل الثَّاني الّذي استندوا إليه في مُناقضة الدَّلائل الدالة على تفاوت الإيمان =فهو استنادهم إلى الحدِّ المنطقي. ذلك أَنَّ الحدَّ المنطقي يُشْترطُ فيه وجود حقيقة وماهيّة يستوي فيها جميع أفراد المعرَّف، مما يعني القضاء بامتناع تفاضل أَفراد النَّوع في الحقيقةِ والماهية. وهذا القول نشأ حينما امتزج علم المنطق بعلم الكلام، فكان الغرضُ من مبحث الحدود في علم المنطق=هو إثبات الماهيَّةِ من حيث هي هي، وإثبات ذواتٍ مجردة، فحدُّوا (النوع) وهو- تمام الماهية - بما صدق في جواب (ما هو) على كثيرين متفقين بالحقيقة (١) فلابدَّ أَن يكون أَفراده متفقين في الحقيقة والماهيَّة، وإلَّا لانتقض الحدُّ، وامتنع حصول التَصوّر لتمام الماهيَّة.

стр. 137

فوظّف المتكلمون ما تقرر في المنطق عند بيانهم لحقيقة الإيمان، حيث نظروا في آحاد من يطلق عليهم اسم الإيمان واستخلصوا قدرًا مُشتركًا، هذا القدر من اللوازم الذّاتيّة لماهيَّة الإِيمان، وجعلوا ما يخرج عن هذا القدر المُشتركِ مِن اللَّوازم العرضَيَّة الخارجة عن تمام الماهية، فاللازم الذي عدوه داخلًا في ماهية الإيمان بسبب نظرتهم المُغرقة في التجريد = هو التصديق، وجعلوا العمل من اللَّوازم العرضيَّة الخارجة عن الماهية. ووَفْقًا لما تقرَّر عندهم في حدِّ النَّوع الّذي يمتنع فيه وقوع الاختلافِ والتفاوتِ في ماهيته =فإنَّهم منعوا وقوع التفاوت في حقيقة الإيمان فترى ابن أبي الشَّريف يقرِّر ذلك بقوله: (ولو سلَّمنا أنَّ ماهيةَ اليقينِ تتفاوتُ لا نُسلِّم أنَّه يتفاوت بمقوّمات الماهية أي أجزائها، بل بغيرها من الأُمور الخارجةِ عنها العارضة لها: كالألف للتكرار ونحوه ... فقد اتفقنا معشر المثبتين لتفاوت الإيمان والنَّافين له =على ثبوت التفاوت في الإيمان بأمر معين، والخلاف في خصوص نسبته أي نسبة ذلك الأمر المعين إلى تلك الماهية بدخوله في مقوماتها، أو خروجه عنها =لا عبرة به لأنَّه ليس خلافًا في نفس التفاوت ... ) (١) وقد سرت هذه اللوثة إلى المشتغلين بالسُّنة، فالكرماني حينما تعرض لحديث (جبريل المشهور): (كان النبي ﷺ بارزًا يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وبكتابه،

стр. 138

ورسله، وتؤمن بالبعث) (١) . =استشكل جوابَ النبيِّ ﷺ عن سؤال جبريل بـ (ما) التي هي أداة للسؤال عن حقيقة الماهية عند أَصحاب المنطق، و التي لا يُجاب بها إلَاّ في ثلاثةِ أشياء محصورة، وهي "الجنس"، أو "النوع"، أو "الحد" (٢) . فقال (قوله: " أن تؤمن بالله" فإن قلت: ماوجه تفسير الإيمان (بأن تؤمن) وفيه تعريف الشيء بنفسه. قلتُ [القائل: الكرماني]: ليس تعريفًا بنفسه؛ إذِ المرادُ من المحدود الإيمان الشرَّعي، ومن الحدِّ الإيمان اللغوي، أَو المتضمن للاعتراف) (٣) فجعل جواب رسول ﷺ خارجًا عن قوانين المنطق، وبيانًا للإيمان بيانًا لُغويًا ليس المراد منه ذكرَ حقيقةِ الإيمان الشرعية! وما ذكره باطلٌ لأَمرين: الأول: أَنَّ النبي ﷺ قد نزّهه الله ﵎ عن السَّيرِ على قوانين منطق اليونان، فليس مفتقرًا إلى استعمال شيء من أَساليبهم وقواعدهم التي هي في حقيقة أَمرها متولِّدة لدفعِ أَقيسةٍ سوفسطائية فاسدة، فليست في واقع الأمر تأثيلًا صحيحًا لإحراز المعرفة، لذا كان ﷺ مُستغنٍ عنها بما شرعه الله ﷻ له، وبما فطَرَه عليه من وفور العقل وكمال النَّظر. الثاني: أنّ الأصل في كلام رسول ﷺ الحمل على كونه بيانًا

стр. 139

للحقائق الشّرعية، وهذا اللائق به ﷺ ، فلم يُبعث لبيان الحقائق اللُّغويّة، بل هذا تعرفه العرب، وليسوا بحاجة إليها فهو أمرٌ مستقرٌّ عندهم، وإنّما افتقارهم إلى بيان مرادات الشارع منهم. ولذا فقد أنكر هذا الوجه الّذي ذهب إليه الكرماني، غيرُ واحد من أهل العلم (١)، وجعلوا بيانه ﷺ للإيمان من باب بيان الحقائق الشّرعية، فالإيمان تختلفُ دلالته بحسب التقييد والإطلاق، وهذا هو مُحصَّل النّظر في دلائل الكتاب والسُّنّة، فهو عند الإِفراد يكون عامًّا لِمَعْنَيَيَنِ إِيمان الباطن، وإيمان الظاهر، وعند التقييد كما في حديث سؤال جبريل ﵇، يطلق الإيمان ويُراد به مافي القلب من تصديق القلب وأعماله كالخشية، والمحبة، والتصديق، وغير ذلك. ويراد بالإسلام حينئذٍ الأعمال الظاهرة (٢) . و الغلطُ نفْسُهُ وقع فيه الحافظُ ابن حجر ﵀ فجعل جوابَ النبي ﷺ جوابًا عن متعلقات الإيمان، لا عن معنى لفظه، وإلاّ كان المنبغي أن تكون صورة الجواب بأن الإيمان هو: التصديق! (٣) بل ترى القسطلاني يحاكم أَقوال رسول ﷺ إلى ما تقرر اشتراطه في الحد المنطقي، حيث جعل قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ بعد بيانه للإيمان-: (صدقت) = مراعاة منه للحدِّ المنطقي حيث قال: (فإن قلت: لو كان حدًّا لم يقل جبريل ﵇ في جوابه: (صدقت) كما في مسلم = لأنَّ الحد لا يقبل التصديق.

стр. 140

أُجيب: بأنه إذا قيل في الإنسان أنه حيوان ناطق، وقُصد به التعريفُ =فلا يقبل التصديق كما ذكرتَ، وإن قُصد به أنَّه الذات المحكوم عليها بالحيوانية والناطقيّة؛ فهو دعوى وخبر فيقبل التصديق = فلعلَّ جبريلَ ﵇، راعى هذا المعنى فلذلك قال: (صدقت) أو يكون قوله: "صدقت " تسليمًا، والحدُّ يقبلُ التسليم، ولا يقبل المَنعَ (١) . فهذه أَمثلة تدل على مدى تمكُّن الأَثر المنطقي في نفوس الشراح حتى أصبحت قواعد المنطق تحاكم إليها النصوص الشرعية ويتعسَّف في توجيهها؛ لتوافق تلك القوانين. وخلاصة القول: أنَّ المتكلمين استندوا في المنع من تفاوت الإيمان على ما تقرر في المنطق من لزوم تماثل أفراد النَّوع في الماهية، وأن التّفاوت إنَّما يكون في اللوازم العارضة والخارجة عنه. فإذا تَبيَّن المنزع الذي لأجله أُبطلت دلالة النصوص المتقدم ذكرها والتي تدل على زيادة الإيمان ونقصانه، وعلى وقوع التفاوت في حقيقته = تسنّى بعدُ -بحول الله- إبطال الأصل وما تفرّع عنه من لوازم فاسدة. * * *

стр. 141

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلِّقة بحقيقة الإِيمان . أمَّا بطلان المعارض الأول: وهي دعوى: استحالة التفاوت في حقيقة الإيمان، فيقوم على أصلين: الأوَّل: هدْميّ. والثاني: إنشائي. فأمَّا الأصل الأول: فبمنع ما ادَّعوه من استحالة حصول التفاوت، وذلك يتأتى بذكر مقامين: الأول: نقض ما أصلّوه في هذا الباب. الثاني: المعارضةُ على سبيل القلب لدليلهم. أمَّا النقض، فيقال: لا يُسلِّمُ أهل السنة بأنَّ القول بدخول العمل في مسمَّى الإيمان مع القول بزيادته ونقصه ووقوع التفاوت فيه= أَنَّه من باب التناقضِ؛ لأنَّ منشأ الخطأ عدم تفريق المخالفين لأهل السنة بين ماهو ركنٌ في الإيمان لايتحقق الإيمان إلَاّ به، وبين ماهو واجبٌ لتحقيق كماله الواجب. فجميع المخالفين لأهل السنة سوَّوْا بين مُختلفين في الحقيقة، فركن الشيء ليس بمثابة ماهو واجب فيه، فوقوع المخالفة بارتكاب الكبيرة ليست في الواقع نقضًا للالتزام بالعمل الذي هو ركنٌ في الإيمان، وإنَّما هو نقص في التزامه، فينتفي عنه بسبب هذه المخالفة كمالُ الإيمان الواجب (١)،والنُّصوص على ذلك متضافرة. وأمّا إلزام الوعيدية والمرجئة مَن جَعَلَ الإيمانَ مُركَّبًا؛ أَن يذهب إلى القول بزوال الإيمان كلِّه بزوال جزئه =فإنَّ ذلك لا يلزم عند التحقيق. بل ما جعلوه لازمًا باطلٌ نقلًا، وحِسًّا؛ لأنَّ الحقيقةَ الجامعةَ

стр. 142

لأُمور إذا زال شيءٌ منها فقد تنتقض الحقيقةُ فيزولُ سائرُها، وقد لا تزولُ جميعًا، بل يبقى منها. وبيان ذلك أَن يُقال: إنَّ زوال الواحد من العشرة مثلًا لم تَزُلْ به حقيقتُه المركبةُ كلُّها، بل بقيت التِّسعةُ، وإن كانت قد زالتِ الصورةُ المجتمعةُ لهذا العددِ، وأمَّا الاسم فقد يزول بزوال بعض أجزاء ما يطلق عليه هذا الاسم، وقد لا يزول؛ ذلك لأَنَّ الحقائقَ المُركبة تنقسم إلى قسمين: الأول: ما يكون التركيبُ شرطًا في إطلاق الاسم عليه. الثاني: ما لا يكون كذلك. فأمَّا الأوَّلُ: فكالعشرةِ، والسَّكنجبين. فإذا زال جزءٌ من أيّ منهما=زالَ الاسمُ. والثاني: فكالبُّرِ، والتُّرابِ، والماء، وجميع المُركَّبات المتشابهة الأجزاء. . فالحسُّ والعقلُ يشهدان بأنَّ زوال جزءٍ من هذه المركبات لا يترتَّبُ عليه زوال الاسم الذي يطلق على كل منها (١) . والشَّرْعُ دالٌّ على ذلك أَيضًا، يقول الإمام ابن تيميَّة ﵀ مُقرِّرًا هذه الحقيقة: (فلفظ العبادةِ، والطَّاعةِ، والخيرِ، والحَسنةِ، والإحسانِ، والصَّدقةِ، والعلمِ. ونحو ذلك مما يدخل فيه أمورٌ كثيرةٌ يطلق الاسم عليها قليلها و كثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعضه. وكذلك لفظ" القرآن" فيقال على جَميعهِ وعلى بعضه، ولو نَزلَ قرآنٌ أَكثرَ من هذا؛ لسُمّي قرآنا. . وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبهما من هذا النوع= لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول

стр. 143

الاسم إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي) (١) وكذلك الصَّلاةُ فهي عبادةٌ مُركَّبةٌ من أجزاء، من تلك الأَجزاء ما ينتفي بزوالها الكمال المُستحبُّ، ومنها ما ينتفي بزوال تلك الأجزاء كمال الصلاة الواجب، ومنها أجزاء وأَركان يزول بزوالها حقيقة الصلاة وتبطل بذلك. المقام الثَّاني: المعارضةُ على سبيل القلب لدعواهم. بأن يقال: إنَّ التناقضَ لازمٌ لجميع الطوائف المُخالفة لأهل السنة والجماعة؛ ذلك أنَّ الوعيديةَ، والمرجئةَ لم يتحرَّر لهم الفارق بين ما هو ركنٌ في الإيمان، وبين ما هو واجبٌ فيه، فسووا بين أَمرين مختلفين، والتسوية بين المختلفات، هو عين التناقض الذي فرُّوا منه. الأصل الثاني: الجانب الإنشائي. وهذا الجانب يتضمن بيان الدلائل على وقوع التفاوت في حقيقة الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأنَّ ذلك مقتضى الضرورة الشرعية. فأمَّا الضرورة النقليَّة فقد سبق بيانُها، وأمَّا الضرورة العقلية الدّالة على بطلان منع التفاوت =فهي أنّه ما من شيء إلاّ و يتفاوت النَّاسُ فيه، فأرباب الصنائع يتفاوتون في صنائعهم، فليسوا على درجةٍ واحدة من الإتقان، وهذا معلوم بداهةً، وكذا ما من صفة من صفات الحي إلاّ وهي قابلة للتفاوت قوة وضعفا، والعقل والحس دالان على وقوع ذاك التفاوت أيضا في الإيمان، وفي علوم أهله ومعارفهم، وأعمالهم فليسوا على درجة واحدة من خشية الله والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له بل التفاوت فيما بينهم كالتفاوت فيما بين السماء والأرض، لذا كان المؤمنون على ثلاث درجات ذكرها الله في كتابه. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا

стр. 144

الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ فاطر فالآيةُ قسّمت أهلَ الإيمان من جهةِ التزامهم بالشريعة، وبأعمال الإيمان إلى ثلاثة مراتب: الظَّالم لنفسه، والمقتصد، و السَّابق للخيرات، وكلُّ مرتبة من هذه المراتب يتفاوت أهلها فيها تفاوتًا عظيمًا. بل إنَّ المؤمنَ تختلف أحوالُه من حيثُ ديمومة تذكُّرِهِ، وخَشْيته، واستمراره على قَدَم الطَّاعة والاستقامة، فتعتوره الغفلةُ في بعض أَحواله، وينتابه التقصير، وفي بعض أحواله تزداد جَذوة الإيمان، فتتلازم شُعَبُ الطاعات، فإنَّ الطاعة تدل على أُختها، وهذا ما لاينكره إلا مُكابِر (١) . فالإيمانُ ليس لزيادتِهِ حدٌ، وليس لنقصه حَدٌ كذلك، وبذا يُعلم بطلان من أَناطَ الزيادةَ والنَّقص بالأعمال فقط، فأوقع الزِّيادة والنَّقص فيها ومنع من وقوعها في أصل الإيمان وهو-التصديق- كما هو مذهب المرجئة. وبه يُعلم أَيضًا بطلان من جعل حدًّا أَدنى للإيمان من لم يحققْه =انتفت عنه حقيقة الإيمان، ويجعلون ضابطَ هذا الحدّ الإتيان بجميع الفرائض، والكف عن جميع المحرمات، فإذا وقع الإخلال بهذين الأمرين، انتقض أصل الإيمان، وهذا ما التزمه الوعيدية. وقد أبان شيخ الإسلام عن غلط هؤلاء من حيث جعلهم الإيمان حقيقة واحدة متماثلة في حق جميع المكلفين فقال ﵀ (ليس الإيمان

стр. 145

حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى "مسلم" في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار مثل حقيقة البياض والسَّواد بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك) (١) ومنْعُ أهل السنة والجماعة من أن يكون للإيمان حَدٌ أَدنى لا يكون فيه تفاوت= لا يفهم منه تجويزهم أن يقوم بالعبد شعبة من شعب الكفر المُنافية لأصل الإيمان مع بقاء هذا الأصل=بل مُرادُهم أَنَّه يقع من النَّقْصِ بسبب الإخلال بما ليس شَرْطٌ في صحة الإيمان ما يجامع الإيمان، ولا ينتفي بانتفائه، فشعب الكفر الأصغر لاتنافي أصل الإيمان، وإنما تنافي كماله، وإنّما الّذي ينافي أصل الإيمان شُعب الكفر الأكبر، وسيأتي مزيد بسط لذلك. ومما يدل على أنه ليس للإيمان حد يقف عنده النقص ما صحّ عن النَّبي ﷺ من حديث عبدالله بن مسعود ﵁ أَن النبيَّ ﷺ قال: (ما من نَبيٍ بعثه الله في أمة قبلي، إلاّ كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (٢) لذا كان من فقه الإمام ابن مندة أَنْ بوّب لهذا الحديث بابًا وسَمَه بـ (ذكرُ خبر يدلُّ على أَنَّ الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل ... (٣)
следующие страницы →