والتأبّي عن قبول أخبار الآحاد = عند التحقيق هو: نَبْذُ السنن كُلِّها.
وفي تقرير ذلك يقول: (فأما الأخبارُ فإنّها كلها أخبار آحاد؛ لأنه ليس يوجد عن النبي ﷺ خَبَرٌ من رواية عَدْلين , روى أَحدهما عن عَدْلين , وكل واحد منهما عن عَدْلين , حتّى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ . فَلمَّا استحال هذا، وبَطَل = ثَبَتَ أَن الأَخبار كُلَّها أَخبار آحاد. وأَنّ من تنكَّب عن قبول أخبار الآحاد , فَقَد عَمَدَ إلى تركِ السُّنَنِ كُلِّها؛ لعَدَمِ وجود السُّنن إلا من رواية الآحاد) (١)
فإذنْ؛ لم يبق من جِهة الواقع إلا السنة الآحادية التي تُقرِّر معاني القرآن، وتُبِينُ عن معناه تبيانًا مفصلًا يرفع عما كان محتملًا الاحتمال = لذا عَمَد المعتزلة إلى سَلْب هذه الأَخبار العلميةِ؛ ليتلطّفوا في إهدار الاحتجاج بها.
وبالجُملة: فكلُّ مَن نَفى إفادة خبر الآحاد العلمَ مطلقًا؛ ومِن ثَمَّ التَّأبِّي عن قَبُولِ الاحتجاج به في أُصول الدين = فإنه متأثر في الأَصل بمادةٍ اعتزاليةٍ أدّته إلى هذه النتيجة.
وبطلان هذه النظرة التقويضية للوحي، يتأتَّى عَبْر طرائق ثلاثٍ:
الأولى: الكشف عن المطابقة بين وحي القرآن وبين وحي السُّنّةِ.
الثانية: الإبانة عن بطلانِ إهدار الاحتجاج بالسنة الآحاديةِ.
الثالثة: الإبانة عن فساد سَلْب العلمية عن أخبار الآحاد.
الطريقة الأولى: الكشف عن المطابقة بين وحي القرآن وبين وحي السنة في الاعتقادات.
إِنَّ الاتِّساق والمطابقة بين القرآن وبين السُّنَّة الثَّابتة الصحيحة؛ من
стр. 72
حيثُ الدَّلالة = برهان جليٌّ يؤكّد صِدْق نِسبة تلك الأَخبار إلى رسول الله ﷺ . ولهذا كان من فِقْهِ الأئمَّةِ وعظيم بَصَرهم: أَنَّهم حين عَقْدِهم للمسائل العلميَّة الخبرية وغيرها، يُوردون الآيات، وما يتسق معها من الأحاديث؛ لتقْرير ما أرادوا الاحتجاج له.
وشواهد ذلك: ما تراه عند الإمام أحمد في كتابه: (الرَّد على ... الزنادقة والجهمية) وعند الإمام البخاري في (الجامع الصَّحيح) وعند الإمام ابن خزيمة (١) في (كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب وغيرهم من أئمة السلف- رحمهم الله تعالى - فَدَرَج هؤلاء الأئمَّة مثلًا للاحتجاج على أحاديث النزول بالآيات الدالة على مجيء الله تعالى وإتيانه، وعلى الأحاديث الدالة على زيادة الإيمان بالآيات المطابقة لها. وغير ذلك من المسائل العلمية والعملية، التي تكْشِفُ على النَّظرةِ الشُموليَّة لهؤلاء الأئمَّة للوحي، وأنه من مِشْكاة واحدة يصدق بعضه بعضًا، ويوافق بعضه بعضًا؛ كما قال حسان بن عَطيَّة: (كان جبريل ﵇ ينزل على النبي ﷺ ، بالسُّنةِ كما ينزل عليه بالقرآن يُعلِّمُهُ إيَّاها كما يُعلِّمه القُرآن) (٢)
وفي بيان هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ﵀: (الأَحاديث الواردة الصحيحة في هذا الباب (٣) توافق القرآن، ويطابقها، ويَدلُّ على ما دلت
стр. 73
عليه. وإنما الحديث مع القرآن بمنزلة الحديث مع الحديث الموافق له، والآية مع الآية الموافقة لها، وبمنزلة موافقة القرآن للتوراة؛ حتى قال النجاشي لمّا سمع القرآن: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرُج من مشكاةٍ واحدة ... ولهذا كان أَئمةُ السَّلف يذكرون الآيات وما يناسبها من الأحاديث في هذا الباب وسائر أبواب العلم ... إذا ذُكِرت الآيات في محبة العبد لربه وتوكله عليه، وإخلاصه له، وخوفه، ورجائه، ونحو ذلك = ذُكر معه الأحاديث الموافقة للقرآن في ذلك. وكذلك؛ إذا ذُكِرَ ما في القرآن من صفة المعاد، والجنة، والنار = ذُكر ما في الأحاديث مما يوافق ذلك ... ومعلومٌ بالضرورة أَنَّ هذا مِمَّا اتَّفَقَ عليه المسلمون، وهو أحسن ما يكون مِنْ بيان اتفاقِ القُرآن والحديثِ. فهذا نَافعٌ في تفسير القرآن الذي هو تأويله الصحيح، ونافعٌ في إثبات ما دل عليه القرآن والحديث من الأحكام الخبرية العلميَّة الاعتقاديَّة، والأحكام العمليَّة والإِرادية ... ) (١)
وهذا الاتساق والمطابقة يكشف عن مَغْلطةِ رَدّ هذه الأخبار بدعوى أَنَّ ثبوتَها ليس قطعيًا؛ ذلك لأَنَّ الدَّلائل القرآنيَّة دلَّت على أصل هذه الأخبار. ولا مكان لطروء الظن في ثبوت القرآن؛ فلم يك للمخالفين بُدٌّ للخروج من وَرْطةِ هذه المُناقضة = إلا بالتَنصُّل بأحَدِ مسلكين فاسدين:
الأول: رَهْن صحة الاستدلال بالدلالة السَّمعية؛ على مقدمات عقليَّة نَظموها لتكون أصلًا -بزعمهم-؛ ليصح الاستدلال بالسمع بعدها.
يقول القاضي عبد الجبار -في رَدِّه على من يستدل بآيات القرآن على كون أفعال المخلوقين خلق لله تعالى-: (والقوم يتمسكون بآيات القرآن، ويستدلّون بها على أن أفعال العباد موجودة من جهة الله تعالى = والجوابُ
стр. 74
عنها من طرق؛ الجملة: أن نقول: لا يمكنكم الاستدلال بالسمع على هذه المسألة؛ لأن صحة السمع تنبني على كونه تعالى عدلًا حكيما، لا يُظْهرُ المعجزَ على الكذابين، وأنتم قد جوّزتم ذلك على الله تعالى؛ فكيف تقع لكم الثقة بكلامه؟! وهلاّ جوّزتم أن يكون كَذِبًا؟!) (١)
والقاضي عبد الجبار لم يعتبر صحة الاستدلال بالدليل السمعي مرتبًا على إثبات المقدمات في هذه المسألة فقط؛ لأنه لا يعتدّ بالدلالة السمعية مطلقًا إذا خالفت أصوله -كما سبق تقرير ذلك-.
وأَمَّا المَسْلك الثاني: فتطريق الاحتمالات على دلالة النص؛ بحيث لا يبقى مكان للقطع والنّصية.
يقول الرَّازي مؤصِّلًّا لهذا المَنْحى: (الدَّلائِلُ اللَّفْظيَّةِ لا تكون قطعيَّةً؛ لأنّها موقوفة على نقل اللُّغات، ونقل وجوه النَّحو والتصريف، وعلى عدم الاشتراك، والمجاز، والتخصيص، والإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي = وكلّ واحدة من هذه المقدّمات مظنونة. والوقوف (٢) على المظنون أولى أن يكون مظنونًا = فثبت أَن شيئًا من الدلائل اللفظيَّة لا يمكن أن يكون قطعيًا) (٣)
وهذا المَسْلك -أَي: طرد نفي دلالة الأدلة اللفظية- في حقيقته هَدْمٌ للشريعةِ؛ لأنه سَلْب لليقين في أَحكامها وأَخبارها - وقد تقدم بطلانه -.
الطريقة الثانية: بطلان إهدار الاحتجاج بالسنة الآحادية.
الضرورة الإجماعية قائمة على الاحتجاج بالسنة الآحادية متى
стр. 75
صَحّت. وهذا الإجماع مُسْتفاد بطريق التنصيص على ذلك من الأئمة المعتبرين، ومن طريق الإجماع العملي الذي عُلِم من حال الصحابة ﵃ من روايتهم عن النبي ﷺ أحاديثه الاعتقادية العلميَّة، والعمليَّة الإرادية، وتَلَقِّي بعضهم عن بعض. وقد كان الأَمر كذلك حتى حدثت المُشاقّة من قِبَل الطائفة الاعتزالية؛ التي منعت الاحتجاج بخبر الآحاد في أبواب الاعتقاد (١)، ثم تبعها على ذلك طوائف من أَهل الكَلام، وغيرهم.
وممن نقل الإجماع على حُجّية خبر الآحاد في المسائل الخبرية العلميَّة والعملية = الإمام ابن عبد البر ﵀ حيث قال عن ما يدين به أهل الفقه والأثر جميعهم: (وكلُّهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعًا ودينًا في معتقده = على ذلك جميع أَهل السُّنة، ولهم في الأحكام ما ذكرنا) (٢) .
وقال الإمام ابن تيمية ﵀: (مما اتفق عليه سَلفُ الأمةِ وأئمة الإسلام =أنَّ الخبرَ الصحيحَ مقبولٌ مُصدَّقٌ به في جميع أبواب العلم، لا يُفَرَّق بين المسائل العلميَّة (٣) والخبرية، ولا يُردُّ الخَبَرُ في بابٍ من الأبواب؛ سواءً كانت أُصولًا، أَو فروعًا = بكونه خَبَر واحدٍ؛ فإن هذا من مُحدثاتِ أَهل البدع المخالفةِ للسُّنَّة والجَمَاعةِ ... ) (٤)
فإنْ اعترض معترض بأن الإجماع لو كان مُحْكمًا في هذا الباب = لما هاب الإمام الشافعي ﵀ القولَ به، وعدل إلى الاكتفاء بعدم مخالفة من علمهم من أَئمَّةِ الفِقْهِ في تَثْبيْتِ خَبَرِ الآحاد؛ حيث قال: (ولو جاز لأَحدٍ من النَّاس أن يقول في علم الخاصَّةِ = أَجمع المسلمون قديمًا
стр. 76
وحديثًا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه، بأنه لم يُعلم من فقهاء المسلمين أَحدٌ إلا وقد ثبّته = جاز لي، ولكنْ أقول: لم أحفظ عن فقهاء المسلمين أَنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد، بما وصفت من أنّ ذلك موجودًا على كُلِّهم (١)
فعدوله كما يدَّعي حمَّادي ذويب: (يَصوغُ القضيَّة صياغةً واقعيَّة) (٢)
قيل: إنَّ تحريرَ مقاصد الإمام الشَّافعي ﵀ من عبارته = لازم للفهم عنه، وعدم تحميل كلامه ما لا يدل عليه بحالٍ. لذا كانت الإِبانةُ عن مُرَادِهِ بـ (خبر الخاصَّةِ) وعن حَدِّ (الإجماع) عنده = مطلبين لِدَرْك مرامي عدوله عن رتبةِ الصَّدْعِ بالإجماع إلى رتبةِ نقل انتفاء الاختلاف بين فقهاء المسلمين. وخبر الخَاصَّة عند الإمام الشافعي يتأتّى فَهمه من خلال فَهم أقسام الخبر عنده. فالأخبار - كما يُقسِّمها- تنقسم إلى قسمين: خبر العامّة عن العامة. وحقيقتُهُ: أنَّه المعلوم من الدين بالضرورة؛ مثل كون الصلوات خمسًا، والحجّ فريضةً، والخمر حرامًا؛ مِمَّا لا يُنازع فيه أَحدٌ من المسلمين؛ علمائهم وعامتهم. ولا يَسعُ أحدًا جهلُه.
وفي بيان هذا القسم يقول ﵀: (العِلمُ علمانِ: عِلمُ عامة؛ لا يَسَعُ بالغًا غير مغلوبٍ على عقله = جَهْلُه. قال (٣): ومثل ماذا؟ قلتُ: مِثلُ الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صَومَ شهر رمضان، وحجَّ البيت إذا استطاعوه، وزكاةً في أموالهم. . . وهذا الصنف كلّه من العلم موجودٌ نصًّا في كتاب الله، وموجودًا عامًا عند أهل الإسلام، ينقله عوامُّهم عن من مَضَى من عوامِّهم؛ يحكونه عن رسول الله، ولا ينازعون في حكايته،
стр. 77
ولا وجوبه عليهم = وهذا العلم العام لا يمكن فيه الغَلَطُ من الخبر، ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع) (١)
ومما يُبيِّن هذا المصطلح عند الإمام الشافعي = جَرَيانُه بالمعنى نفسه عند غيره من العلماء ممن جاء بعده. ومثال ذلك: قول ابن خزيمة ﵀: (بابُ ذِكْر إثبات العلم لله -تباركت أسماؤه وجّلّ ثناؤه- بالوحي المُنزَّل على النبي المصطفى ﷺ ؛ الذي يُقرأ في المحاريب والكتاتيب = من العلْمِ الذي هو من علم العام، لا بنقل الأَخبار التي هي من نَقْلِ علم الخاص ... ) (٢)
فَبيّنٌ أَنَّ مرادَ ابنِ خزيمة بـ (علم العام) ما كان معلومًا ضرورةً من الدِّين؛ فإن إثباتَ العلمِ لله تعالى مما لا يُنَازِع في أَصْلِهِ أَهلُ الإسلام. فكلامه مبين لمراد الشَّافعي ﵀ كاشف عن مَقصوده بـ (العلم العام)
وأما خبر الخاصة = فهو ما كان مفتقرًا إلى إسنادٍ ومعرفتُهُ واقعة للعلماء؛ إذْ لم يقع التكليف به لِمَنْ دونهم.
فإذا استبان مرادُهُ ﵀ من خبر الخاصة؛ بقي أنْ يُعْلَم أَنَّ حَدَّ ما يَصحُّ عند الشافعي أن يطلق عليه إجماع هو = ما كان معلومًا من الدِّين بالضرورة؛ بحيث لا يعزب عن أَحدٍ علمُه، وتنقلُه العامة عن العامة. أي = إنه ما كان من الرُّتبة الأُولى -وهو علم العامّة- فلا تتأتّى حكايته حينئذٍ في خبر الخاصة.
وفي تقرير الإِجماعِ عنده-: -يقول: (لستُ أَقولُ، ولا أَحدٌ من أهل العلم: هذا مُجْمَعٌ عليه = إلَاّ لِمَا لا تَلْقَى عالمًا أبدًا إلاّ قاله لك، وحكاه عن من قبله؛ كالظُهر أربع، وكتحريم الخمر، وما أَشْبَه
стр. 78
هذا ... ) (١)
وبهذا يتحرّر أنَّ تثبيت خبر الواحد، وإِن لم يك عند الشافعي بمنزلة الرُّتبة الأولى؛ فليس معنى ذلك انتفاء الإجماعِ بالمرَّةِ في هذا الباب، وكونُه ليس محكمًا. ذلك أنْ نقله لعدم اختلاف فقهاء المسلمين في تثبيته = هو إجماع في واقع الأمر؛ لكنه من الإجماع الخاصِّ "السكوتي" الذي يَخْرجُ عن حَدِّه الذي أبانه ﵀ وعَدَمُ تسميته إياه إجماعًا لا يضيرُ ما دام الاحتجاج به قائمًا، وكان انعقادُهُ مقطوعًا به.
ومن قرائن قطعيته: أَنّ الإمام الشافعيَّ نَفْسَهُ لم يَعْدُدْ مخالفًا في تثبيت خبر الآحاد؛ إلا طائفةً نَعَتَهَا بأَنَّها فرقة من أَهل الكلام، وممن نسبته العامة إلى الفقه وليس كذلك. وفي ذلك يقول: (لم أسمع أحدًا نَسَبَهُ النّاسُ أو نَسَبَ نفسه إلى علم =يُخالِف في أن فَرْضَ الله اتباع أمر رسول الله ﷺ والتسليم لحكمه. . . وأن الله فرض علينا، وعلى مَن بعْدَنا وقبْلنا في قبول الخبر عن رسول الله ﷺ واحدٌ؛ لا يختلف في أن الفَرْضَ والواجبَ قبولُ الخبر عن رسول الله ﷺ إلا فرقةٌ سأصف قولها - إن شاء الله - ... ثم تَفرّق أهل الكلام في تثبيت الخبر عن رسول الله ﷺ تفرقًا متباينًا، وتفرق غيرهم ممن نَسَبَتْه العامة إلى الفقه فيه تفرُّقًا) (٢)
ثم بعد أن حكى قولَ الطائفة التي ردّت الأخبار كلها، قال عن فرقة أخرى من فرق أهل الكلام: (فوافقَنا طائفةٌ في أن تثبيت الأَخبار عن النبي ﷺ لازم للأمة. ورأوا ما حكيتُ مما احتججتُ به على من رَدَّ الخبر = حجّة بثبوتها ... ثم كلّمني جماعة منهم مجتمعين ومتفرقين ... فكانت جملةُ قولهم أَن قالوا: لا يسعُ أحدًا من الحكام والمفتين أن يُفْتيَ
стр. 79
ولا يحكمَ = إلا من جهة الإحاطة. والإحاطةُ: كلُّ ما عُلم أنه حق في الظاهر والباطن، يُشهد به على الله. وذلك الكتابُ، والسنة المُجْمَع عليها ... ) (١)
فإذا تحرَّرَ أنَّ المخالفة ليست محفوظةً إلا عن فرقة من أَهل الكلام، ومن وافقهم من أَهل الجهالة؛ ممن لم يوسم بالفقه في الدين. وعَلِمْتَ حكمَ الإمام الشافعي ﵀، وغيره من الأئمة في أهل الكلام بأَنهم أهل ابتداع ومفارقة للسنة والجماعة؛ إذْ قال ﵀ فيهم: (حُكْمِي في أَصحاب الكلام: أن يُضربوا بالجريد، ويُحْمَلوا على الإبل، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاءُ مَنْ ترك الكتاب والسنة، وأخذ في الكلام) (٢) =تبيّن حينئذٍ أَنَّ الإجماعَ قطعي؛ للقطع بانتفاء المخالف من أهل السنة؛ إذ متى جزم بانتفاء المخالف كان الإجماع السكوتي في هذه الحال قطعيًا، لا ظنيًا (٣) . ومخالفة أَهل الأهواء ليست قادحة في الإجماع؛ لعدم الاعتداد بخلافهم (٤) .
محصّل القول أنَّ ترك الاحتجاج بالسُّنَّة الآحادية في المسائل العلميَّة؛ بدعوى عدم إفادتها العلم =باطلٌ، كما تراه عند طائفة المتكلمين كالقاضي عبد الجبار يقول: (وأما ما لا يُعلم كونه صدقًا ولا كذبًا (٥) فهو كأخبار الآحاد، وما هذا سبيله؛ يجوز العمل به إذا ورد بشرائطه. فأما قبوله فيما طريقه الاعتقادات = فلا) (٦) .
стр. 80
ويقول الفخر الرَّازي: (أَمَّا التَّمَسُّكُ بخبر الواحد في معرفة الله تعالى فغير جائز) (١) .
بل ذهب محمود شلتوت إلى ما هو أبعد شأوًا في ذلك؛ حيث ادَّعى أنَّ إجماعَ العلماء على عدم الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة، فقال: (نصوص العلماء متكلمين وأصوليين مجتمعة على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، فلا تثبت به العقيدة. ونجد المحققين من العلماء يصفون ذلك بأنه ضروري، لا يصح أن ينازع أحد في شيء منه) (٢)
=هذه الأقوال معلوم فسادها من جهتين:
الأولى: كونها مُحْدثةً بعد انعقاد الإجماع المحكيّ في هذا الباب.
الجهة الثانية: فساد سلْب العلم عن أَخبار الآحاد.
و يستبين ذلك في:
الطريقة الثالثة: سلب العلمية عن أَخبار الآحاد التي يرويها الثقات بالسند المتصل، مطلقًا سواء حفتها القرائن، أو تجردت عنها.
لا ريب أنه غلط من جهة برهان النقل والنظر، وهو مَيْسَمٌ بارزٌ للنظرة الاختزالية القاصرة، المفارقة لنظر أئمة السلف؛ فإن رواية العدل الضابط عن مثله بالسند المتصل إذا تجردت عن القرائن = تفيد العلم والحق في الظاهر. وإِفادتها العلم، وتسميتها بذلك = هي مقتضى ما دَلَّ عليه الدليل الشرعي، وأقوال الأئمة. فإن الله تعالى سمّى الاعتقاد
стр. 81
الراجح علمًا فقال : ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الممتحنة: ١٠ ومعرفة إيمان هؤلاء النسوة من نساء أَهل العهد المشركين اللاتي هاجرن إلى رسول الله ﷺ = إنما كان بحسب إقرارهن بالإسلام في الظاهر، مع حال خفاء الباطن. كما أبان الله عن ذلك بقوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ الممتحنة: ١٠ أي: أَعْلمُ إنْ كن صدقنَ، أم كذْبنَ.
وفي تقرير إفادة هذا الخبر العلمَ والحق في الظاهر بلا إحاطةٍ = يقول الإمام الشافعي-: -: (العِلمُ من وجوهٍ: منه إحاطةٌ في الظاهر والباطن، ومنه حقٌ في الظاهر. فالإحاطة منه: ما كان نصَّ حكمٍ للّهِ، أَو سنةٍ لرسولِ الله؛ نقلها العامّةُ عن العامة = فهذان السبيلان اللذان يُشْهد بهما فيما أُحلّ أنّه حلال، وفيما حُرِّم أنه حرام = وهذا الذي لا يَسَعُ أحدًا عندنا جهلُه، ولا الشَّكَّ فيه.
و عِلْمُ الخاصة: سُنَّة من خَبَر الخاصةِ؛ يعرفُها العلماءُ، ولم يكلفها غيرهم. وهي موجودة فيهم أو في بعضهم، بصدق الخاصِّ المُخبِر عن رسول الله بها = وهذا اللازم لأهل العلم أَن يصيروا إليه، وهو الحق في الظاهر؛ كما نقتل بشاهدين. وذلك حَقٌ في الظاهر، وقد يمكن في الشاهدَين الغَلَطُ ... ) (١)
فجعل الشَّافعي خبر الآحاد الذي يرويه الصادق الذي تجرّد خبره عن القرائن = عِلْمًا وحقًا في الظاهر، يلزم أَهلَ العلم اتباعُه؛ وإن كانت إِفادته للعلم لا على جهة الإحاطة التي أبان عن مقصوده بها بقوله: (والإحاطةُ = كلُّ ما عُلِم أنه حق في الظاهر والباطن؛ يُشهد به على الله. وذلك الكتاب، والسنة المُجْمَع عليها، وكلّ ما اجتمع الناس عليه، ولم يفترقوا فيه) (٢) .
стр. 82
ومما يدل على إفادة هذا الخبر العِلمَ؛ لا على جهة الإحاطة = أَنَّ أَبا بكر المَرُّوْذِي (١)، قال: (قلت لأبي عبد الله: ها هنا إنسان يقول: إنَّ الخبر يوجب عملًا، ولا يوجب عِلمًا، فَعَابه، وقال: ما أدري ما هذا؟!) (٢)
وإفادة خبر الآحاد للعلم رواية عن الإمام مالك (٣) والرِّواية الأخرى عنه أنَّه يوجب العمل، دون القطع على غيبه، وهذه الرِّواية هي التي يستند إليها متأخرو أصحابه ممن دخلت عليهم مادةٌ كلاميَّةٌ كالمازري (٤) في نفي إفادةِ خبر الواحدِ العلم؛ وهذه الرِّواية عن الإمامِ مالكٍ وإن كانت هي الأَشهر عنه عند أَصحابه إلَاّ أنَّها لا حُجّة فيها لمن نفى إفادةَ العلم والحق في الظاهر عن خبر الآحاد؛ وذلك لأمرين:
الأوَّل: أنَّ هذه الرِّوايةَ وردت مُرسلة فيقيَّد نفي القطعية عن هذه الأخبار في حال تجردها عن القرائن المفيدة للعلم.
الثَّاني: أنَّ الإمام مالكًا ومتقدمي أَصحابه لم يرد عنهم نفي العلم عن أخبار الآحاد، وإنّما المنقول عنهم نَفْيُ القطع على مُغيبه،
стр. 83
وإحاطة العلم به في الظاهر والباطن. وهذا حقٌّ وهو الأَصل في خبر الواحد الذي يرويه العدل ما لم يحتفَّ بخبره قرينةٌ ترقى به إلى رُتْبةِ القطع.
وممَّا يُبيِّنُ ذلك: ما ذكره الإمام ابن القصَّار ﵀ مُحقِّقًا مذهب الإمام مالك ﵀ في خبر الواحد، فقال: (ومذهبُ مالكٍ ﵀ قبولُ خَبَرِ الوَاحِدِ العدل، وأَنَّه يُوجِبُ العمَلَ دون القَطْعِ على غَيْبِهِ، وبه قال جَميعُ الفقهاءِ ...... وإنَّما لم يُقطَعْ على غَيْبِهِ؛ لأنَّ العلم لا يَحْصلُ من جِهَتِهِ، إِذ لو كان يَحْصُلُ من جِهَتِهِ العلمُ =لوَجَبَ أَنْ يَسْتوي فيهِ كُلُّ مَن سَمِعَهُ كما يستوون في العلم بُمخْبِرِ خَبَر التَّواتُرِ، فلمَّا كُنَّا نَجِدُ أَنْفُسَنَا غَيْرَ عالمِينَ بِصِحَّةِ مُخْبِرِه =دَلَّ على أنَّه لا يُقطَعُ على مُغيَّبه، وأنَّه بخلاف التَّواتُر، وصار خبر الواحِدِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهد الَّذي قد أُمِرنا بِقَبُولِ شهادته، وإن كُنَّا لا نقطعُ على صِدقهِ) (١)
ومحصل القول: أن خبر الآحاد المجرد عن القرائن يفيد العلم؛ لا على جهة الإحاطة التي يقع الجزم معها بأنه كذلك في نفس الأَمر.
فإن قيل: ما دام الجزم والقطع منتفٍ فما وجه القطع في مثله؟
قيل: القطع حاصل من جهة انبعاث الدليل لدى الناظر فيه على رجحان صدق الخبر. وهذا الرجحان مقطوع به عنده في هذه الحال، وإلا لما اعتقد موجبه (٢)؛ فإنَّ الشريعة لم تُوجِب اتباع الجهل
стр. 84
ولا الظن، بل أَمرت باتِّباع العلم، وزَجَرَت عن تَقفِّي الظنون. وهذا معلوم بيِّنٌ.
وما سبق هو بالنسبة لخبر الآحاد المتجرد عن القرائن، وأمَّا إذا احتفّت به القرائن، ومنها تلقي الأمة للحديث بالقبول -كما هو الحال في جمهور أحاديث الصحيحين- = فإنه حينئذٍ يبلغ أَعلى درجات اليقين، والعلم بمضمونه على سبيل الإحاطة. وهذا مما لا نزاعَ فيه بين سَلَفِ الأُمَّة، وهو مذهب الفقهاء الكبار من أصحاب الأئمة الأربعة (١) وإنما نازع في ذلك بعض المتأخرين من المتكلمين، ومن وافقهم.
وممن ذهب إلى إفادة الخبر إذا تلقته الأمة بالقبول؛ العلمَ =الإمام أَبو عمرو ابن الصَّلاح ﵀، حيث قال مُقرّرًا ذلك بعد بيانه أقسام الصحيح: ( ... وأعلاها (٢) الأوَّلُ =وهو الَّذي يقولُ فيه أهل الحديث كثيرًا: ((صحيح مُتَّفقٌ عليه))،يُطلقونَ ذلك ويعنون به اتِّفاق البخاري ومسلم، لا اتِّفاق الأمَّة عليه. لكن اتفاق الأُمَّةِ عليه لازم من ذلك وحاصِلٌ معه؛ لاتِّفاقِ الأُمَّةِ على تلقِّي ما اتَّفقا عليه بالقبول. وهذا القسم جميعُهُ مَقطوع بصحَّته والعلمُ اليقينيُّ النَّظريُّ واقعٌ به؛ خلافًا لقول مَن نفى ذلك مُحْتجًّا بأنَّه لا يُفيد في أَصْلهِ إلَاّ الظَّنّ، وإنَّما تلقته الأُمَّةُ بالقبول لأنَّه ... يَجِبُ العملُ بالظَّنِّ، والظنُّ قد يُخطئ. وقد كنتُ أميلُ إلى هذا وأَحْسبُه قويًّا ثُمَّ بان لي أنَّ المذهب الَّذي اخترناه أوَّلًا هو الصَّحيحُ =لأنَّ ظنَّ من هو معصومٌ مِن ... الخطإ لا يُخطئ، والأُمَّةُ في إِجماعها معصومةٌ من الخطإ، ولهذا كان
стр. 85
الإجماعُ المُنْبني على الاجتهاد حجَّةً مقطوعًا بها، وأكثر إجماعات العُلماء كذلك) (١)
وممن ذهب إلى ذلك أَيضًا الإمام أبو الوليد الباجي. فإنه لمّا عدّد الأَخبار التي يقع العلم بها بدليلٍ = أَدخْل خبر الآحاد في زُمْرتِها، فقال: (الكلام ههنا في أَخبار الآحاد، وهي تنقسم قسمين أيضًا: قسم يقع به العلم، وقسم لا يقع العلم به. فأمَّا ما يقع العلمُ بصحته من أخبار الآحاد فإنّ العلم يقع به بدليلٍ، وهو ستّة أَضْرُبٍ ... السادس: خبر الآحاد؛ إذا تلقّته الأمة بالقبول) (٢)
وكذلك أَبو إسحاق الشيرازي؛ حيث قال: (واعلمْ أَن خبر الواحد ما انحطَّ عن حَدِّ التواتر، وهو ضربان: مُسْنَدٌ، ومُرْسَلٌ ... وأما المُسْنَدُ فضربان: أحدهما: يُوجب العلمَ، وهو على أَوجه: منها ... خَبَرُ الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول؛ فيُقْطَع بصدقه؛ سواء عَمِلَ الكلُّ به، أَو عمل به البعض وتأوَّله البعضُ = فهذه الأَخبار توجب العمل، ويقع العلم به استدلالًا) (٣) .
стр. 86
والذين نفَوْا إفادة مثل هذا الخبر العلم = مَردُّ تأبِّيهم أَمران:
الأوَّل: اعتقادهم: أَنّ العلم لا يتفاوت؛ بل هو خصلة واحدة.
الثاني: أَنّ العلم قرين التواتر؛ فلا علمَ إلا ما كان محصّلًا بالتواتر.
وكلا الأَمرين باطل؛ فإِنَّه من المعلوم بالضرورة الشرعية أن علم النبي ﷺ بحقّ الله ليس مماثلًا لعلم سائر الخلق. فقد ثبت عنه ﷺ قوله: (إِنَّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) (١) فعِلْمه بالله وشرعِه يفوق غيره؛ من جهة قوَّته في نفَسه، ومن جهةكثرة متعلقاته.
وأما الضرورة الوجدانية فأمر يَشْعُرُ به كل عاقل؛ فليس العلم المحصّل من دليل واحد مع انتفاء العلم بفساد ما يناقضها = كالحاصل بأكثر من دليل، مع العلم بِبُطول الشُّبَه المعارضة لها (٢) .
فلا ريب أن التواتر يفيد العلم في أعلى درجاته، لكن لا يلزم من ذلك قَصْر العلم على ما كان متواترًا؛ فإنّ العِلمَ قد يتحصّل من حَالِ الخَبَرِ؛ وذلك بأن تنتفي عنه العلل القادحةُ. أو صِفة المُخْبرِ؛ كإمامته، وصِدْقِه، وضبطه. وبقوةِ إدراكِ المُخبَرِ، وحِذْقِهِ. فإن الذكي يستفيد العِلمَ من الخَبر ما لا يستفيده غيره (٣) .
فهذه قرائن تفيد العلم بمفردها، فكيف إذا اجتمعَت؟
وأما جهة الإحاطة القطعية المحصَّلة من أخبار الآحاد التي
стр. 87
تلقتها الأمة بالقبول؛ فمَردّها عصمة الأُمّة أن تجتمع على الخطأ. وأمّا قَصْرُ غاية ما يفيده هذا الإجماع على قبول الخبر = وجوب العَمَل بمضمونه، مع تجويز أن يكون في الباطن خطأ كما ذهب إليه النووي ﵀ (١) = فلا ريب في بطلانه ببطلان لازمه؛ إذ معنى هذا: إمكان أن تجمع الأمة على العَمَلِ بما هو خطأ في نفس الأمر. واللازم باطل = والملزوم كذلك.
قال الإمام ابن تيمية ﵀: (والحُجَّة على قول الجمهور: أنّ تلقِّي الأمة للخبر تصديقًا وعملًا = إجماعٌ منهم، والأُمَّة لا تجتمع على ضلالة؛ كما لو اجتمعت على عموم أو أمر أو مطلق، أو اسم حقيقةٍ، أو موجب قياس. بل كما لو اجتمعت على ترك ظاهرٍ من القول؛ فإِنَّها لا تجتمع على خطأ. وإن كان ذلك لو جَرَّد الواحد إليه نظره لم يأمن على الخطأ؛ فإن العصمة ثبتت بالهيئة الاجتماعية. كما أَن خبر التواتر كُلّ من المخبرين يُجوِّز العقلُ عليه أن يكون كاذبًا أو مخطئًا، ولا يجوز ذلك إذا تواتر. . والواحد في الرواة قد يجوز عليه الغَلَط، وكذلك الواحد في رأيه وفي رؤياه وكشفه؛ فإنَّ المفرداتِ في هذا الباب تكون ظنونًا بشروطها = فإذا قويت تكون علومًا، وإذا ضعفت تكون أوهامًا وخيالات فاسدة. وأَيضًا: فلا يجوز أن تكون في نفس الأمر كذبا على الله ورسوله وليس في الأمة من يُنكره؛ إذ هو خلاف ما وصفه الله. . وأما العمل به: فنقول: لو جاز أن يكون في الباطن كذبا، وقد وجب عليهم العمل بما هو كذب فهذا هو الخطأ، ولا معنى لإجماعِ الأمة على خطأ إلا ذلك) (٢) .
стр. 88
والأحاديث المتلقّاةُ بالقبولِ المقطوعُ بصحتها تنتظم ما قَبِلَتْهُ الأُمّة، وما قَبِلَهُ الأئمة النُّقاد من أَهل الحديث العالمين به، وإن خالفهم من لا خبرة له بأحاديث رسول الله ﷺ من المتكلمين وغيرهم. وهذا التلقي يندرج تحته جمهور أحاديث الصحيحين التي لم يقع التنازع في صحتها، والتي لم يقع التجاذب بين مدلولاتها، وكذا غيرها من الأحاديث التي لم تخرج في الصحيحين مما قطع بمضمونه.
وبذا يُعْلمُ فسَادُ ما ذَهَبَ إليه إسماعيل كردي وغيره من المُتجاسرين على الطعن في أَحاديث النبي ﷺ بلا عِلْم؛ في قولهم: (لا يكون في نقد بعض أَحاديث الآحاد في الصحيحين أَو غيرهما - بناء على اجتهاد مُسْتسَاغ، ودليل علمي مقبول - أي مَسَاسٍ بالعقيدة، أو تهمةٍ بردّ سنة رسول الله، ما دام أنَّ القضيَّة رَدُّ شيءٍ ظنّي من الأساس. وفرْقٌ بين أن يقول الإنسان: هذا حديث رسول الله، وأنا لا أقبله، ولا أُصدقه. وبين أن يقول: أن أرى؛ بناءً على الأدلة التي قامت عندي، وهي كذا، وكذا: أن هذه الرواية الظنية المنسوبة لرسول الله في البخاري، أو مسلم، أو غيرهما = لم يقلها الرسول؛ بل نُسبت إليه خَطأ؛ لذا لا نأخذ بها) (١)
ويبقى أنَّ الظنَّ ليس رُتبة واحدة من حيث الاعتداد به من عدمه، فالتسوية بين تيك الرُّتب خلل مَنهجي لا يُقبل
стр. 89
وأمَّا كون الدلائل العلميَّة تَكشف عن خطإ الرّوايات التي انعقدت صحتها عند أهل العلم = فدعوي، وسيأتي - بإذن الله - في تضاعيف هذا المرقوم ما يُبيِّن عن مدى صدقها الواقعي.
* * *
стр. 90
المبحث الرَّابع تزييف دعوى استناد الصحابة ﵃ إلى المعقول المتمحض في محاكمة النُّصوص
هذه جُملةٌ من القضايا تُساقُ مجردةً عن براهينها ابتداءً، ثم بعد ذلك تقام سُوق البراهين المصححة لها، وهي كالتالي:
القضيَّة الأولى: لم يكن في الصحابةِ من يقول بتقديم عقله على نصِّ رسول الله ﷺ .
القضيَّة الثَّانية: ليس أحدٌ من الصحابة يقولُ إنَّ في الدلائل النقليّة ما يَرِدُ مناقضًا للدلائل العقليَّة.
القضيَّة الثَّالثة: النّظرُ العقلي المُستعمل عند الصحابة ﵃ نظرٌ وظيفي مركب من الدلائل النَّقلية أصالة لا على نظر عقلي مرسل.
أمَّا القضيَّتان الأوليان فبرهان تصحيحهما =انتفاء الدَّليل الدَّال على نقيضهما، فهاتان قضيَّتان كُلِّيتان سالبتان يعجز المخالف عن نقضهما بجزئية موجبة بسوق النقل المصحح لنقضه عن واحد من أَصحاب رسول ﷺ يقول بتقديم عقله على النص الشرعي، أو يقول: إن الدلائل النقلية منطوية على ما ينافي الدلائل العقليَّة. لذا قال الإمام ابن تيمية ﵀: (لم يكن في الصَّحابةِ من يقول: إنَّ عقله مُقدَّمٌ على نصِّ الرسول، وإنَّما كان يُشْكِلُ على أحدهم قوله فيسألُ عمَّا يُزيل شُبهته، فيتبيَّن له أَنَّ النصَّ لا شُبهة فيه) (١) وقال: (ليسَ من الصحابةِ من قال: إنَّ القرآن أو الخبر
стр. 91
يُخالفُ العقل والأدلة العقليَّة) (١)
وأَمَّا القضيَّة الثالثة: فتحرير القول فيها أن يقال: إنَّ النَّظر العقلي الذي أعمله الصحابة حين نظرهم في النُّصوص = نَظرٌ وظيفيٌّ أي أنّهم وقع منهم في وقائع محدودة توظيف العقل المستند إلى الدلائل النقلية الأخرى في معارضة خبر من الأخبار، فتكون المعارضة في واقع الأمر بين دليلين نقليين، لا بين نظر عقليٍّ محض ودليل نقلي.
وأمَّا ما شَغبَ به أَهل الأهواءِ على أَهل السُّنّةِ من استدلالهم ببعض المروي عن الصحابةِ في توقفهم في قبول بعض ما يروى لهم من حديثه ﷺ ،أَو ردِّه-في زعمهم- بناءً على معارضة العقل له. جاعلين مما يُروى على وجه الخصوص عن أُمِّ المؤمنين عائشة ﵂ تكأةً فيما يَردُّون من النُّصوص بحجَّة التأسِّي بهم في ذلك (٢)، في محاولةٍ يائسةٍ لنَقضِ ما قعّده أهل السُّنّة مِن أُصول متينة تقضي بانتفاء معارضة العقل للنَّقل، وأَن المتقرر عند السَّلف هو التسليم المؤسَّسُ على العقل لما جاء عن المصطفى ﷺ بعد ثُبوته عنه ﷺ وَفْق قواعد الصِّناعة الحديثية=فليس فيما أوردوه ما يحقق لهم مقصودهم، لأنّه لا يخرج عما حرر من قبل من أنَّ النظر المستعمل لديهم هو نظر مُركَّبٌ من الدلائل النقلية أصالة.
والاستدلال بما ساقه الزركشي في كتابه "الإجابة" من استدراكات أُمِّ المؤمنين ﵂ لايُسْعِف أَصحابه فيما يرومون التأثيل له، وذلك ... للآتي:
стр. 92
١ - أَنّ ما ساقه الإمام الزركشي (١) مما يروى عن عائشة ﵂ ليس واقعًا كلَّه موقع القبول من جهة صحة ما يُعزى إِليها مما ساقه الزركشي ﵀ بل فيه المقبول إِسنادًا، وفيه غير ذلكِ (٢)
٢ - أَنَّ الوارد من صنيعها وصنيع غيرها من صحابة رسول الله ﷺ مع قلَّته - لا يعدو أَن يكون من قَبيل المُتشابه من قولهم وفعلهم الَّذي يُفسَّرُ في ضوء المُحكم من أَقوالهم التي تدلُّ على تعظيم شأن ما ثَبَت عن النبي ﷺ ،والاستقراء دالٌّ على صدق ذلك.
وحتى لا يعدو ماقُرِّر سابقًا =دعوى ليس لها وقائع تُصدِّقها، وأَمثلةٌ توطدها =أُوردُ أمثلة تُبينُ عمّا سبق، وتكون دليلًا على نظَائرهِا:
° المثال الأوّل:
ما ورد عن أَبي هريرة ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (مَن غَسَّل ميتًا اغتسلَ، ومن حمَلَه توضأ) (٣) .
стр. 93
فبلغ ذلك عائشة ﵂ فقالت: (سبحان الله! أَمواتُ المسلمين أَنجاسٌ؟ وهل هو إلَاّ رجلٌ أَخذ عودًا فحمله؟!) (١)
وهذا المثال لا حجة فيه؛ من وجوه:
الأوَّل: أنَّ الحديثَ موقوفٌ على أبي هريرة لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ فيكون القول بالاغتسال من غسل الميت والتوضئ من حمله= اجتهادًا ذهب إليه ﵁، فإن بدا اعتراض عليه فالاعتراض موجَّهٌ لاجتهاد أبي هريرة ﵁ لا لقول المعصوم ﷺ ،فالمثال حينئذٍ خارج عن محل النزاع.
الوجه الثَّاني: أن قول عائشة ﵂ لا يصح إسنادًا إليها للانقطاع بينها وبين محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المديني (٢) الذي روى هذا القول عنها كما صرح بذلك الإمام الدَّراقطني فقال: (محمد بن إبراهيم لم يسمع من عائشة) (٣) وضبَّب الإمام الذهبي في هذه الرِّواية فوق
стр. 94
محمد بن إبراهيم إشارة للانقطاع بينه وبين عائشة ﵂ (١) .
وبذا يجتث الإشكال من جذره.
الوجه الثالث: أنه على تقدير صحة رفع الحديث، واتصال الرواية عن عائشة=يخرَّجُ اعتراضِ عائشة ﵂ على ما استقرَّ عندها من الدلائل الشرعية الدَّالة على انتفاء النجاسة عن المؤمن، والأَصلُ في ذلك ما وقع لأَبي هريرة نفسِهِ مع النبي ﷺ في قصة انخناسه منه لكونه جُنُبا، فقال ﵇: (إنّ المسلم لا ينجُسُ) (٢) لذا أَرادت ﵂ أَن تُعضّد المستقرّ عندها بـ"النظر العقلي "، وهو أنّ الأمر بالاغتسال من غسل الميت، والوضوء من حَمله =أَمرٌ يُخالفُ المعروف من هديه ﷺ والعقل أَيضًا لا يدلُّ عليه؛ لأنَّه إذا كان غير واجب على الإنسان الوضوء من مسّ جيفة، أو دم، أو خنزير ميت بالإجماع=فلأن يكون غير واجبٍ من مس الميت المسلم أو حمله أحرى (٣) .
فاعتراضها ﵂ توظيف عقلي لدلالة النص الدَّال على البراءة من إيجاب الوضوء. ثم يبقى النّظرُ في صحة اجتهادها من عَدَمه في ردِّ الحديث؛ إذ قد يقال جوابًا لما قد استشكلته -لو قُدِّر صحة رفع الحديث-= ليس الغسل من غسل الميت تنجيسا من الميت، بل هو طاهر إن كان مؤمنا لكنه شريعة كالغسل من الإيلاج وإن كان كلا الفرجين طاهرا وكالغسل من الاحتلام (٤) .
стр. 95
والمقصود: بيان أَنّ النظر العقلي المتمحض لم يكن مستعملًا لدى عائشة ﵂،.لذا كان الغُسل من غُسْلِ الميتِ: منسوخًا عند جَماعةٍ من أَهل العلم. فقد قال الإِمام أَبوداود السجستاني ﵀ بعد إخراجه لهذا الحديث: (هذا منسوخٌ) (١) . وعند بعضهم: الأمر فيه للاستحباب؛ لا للوجوب. ومن أهل العلم من يرى الأمر فيه على بابه وهو الوجوب (٢)، وليس المقام مقام استتمام للأقوال في المسألة والترجيح بينها.
- المثال الثَّاني:
ما ورد عن عائشة ﵂ أنَّها لمَّا بلغها الحديث الذي يرويه أبوهريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يُدخِل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا) (٣) فقالت ﵂: (يا أبا هريرة، فما نصنع بالمهراس؟) (٤) وهذه الرِّوايةُ لا تثبتُ عن عائشة، ولا عن ابن عباس ﵃،كما صرَّح بذلك الحافظُ ابن حجر؛ حيث قال معقبًا على إيراد بعض الأصوليين لها: (يعني أنَّ ابن عبّاس، وعائشة ﵃، خالفا حديث أَبي هريرة في الأمر بغسل اليد لمن استيقظ قبل إدخالها في الإناء، واستشكلاه بما ذُكِرَ، وتَبِع المُصنِّف (٥) في ذلك كلام الآمدي= ولا وجود لذلك في شيءٍ من كُتُبِ الحديث (٦) .
стр. 96
وهذا الاعتراض إنَّما يثبتُ عن قين الأشجعي؛ حيث قال لأبي هريرة ﵁ لمَّا ذكر الحديث: (كيف إذا جئنا مهراسكم هذا؟) فقال أبوهريرة ﵁: (أعوذ بالله من شرّك يا قين) (١) وقين الأشجعي معدود في التَّابعين من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁ لا في الصَّحابة (٢)، فمعارضته خارجةٌ عن شرط هذه المُقدِّمة. ثم لوصحّ اعتراض عائشة لم يكن اعتراضها على حديث أبي هريرة لمخالفته معقولًا تحرر لديها؛ إذ لا معقول هنا يقتضي عدم وجوب غسل اليد قبل الإدخال في الإناء (٣)
ثم يُقال: لو كانت المُحاكمة العقليَّة للنصوصِ هي الأَصل والأَساسُ عندها ﵂ =لما جرى إِنكارها على تلك المرأةِ التي سألتها قالت: أَتقضي إحدانا صلاتها أَيَّام حيضها؟ فكأنّ أمَّ المؤمنين ﵂ سبق إلى نفْسها أن تلك المرأة تنتحل مذهب الحروريّةِ الخوارج الّذين يردُّون السُّنن. فقالت ﵂: أَحروريَّة أَنتِ؟ قد كانت إحدانا تحيضُ فلا تؤمرُ بالقضاءِ (٤) .
قال العلاّمةُ أَحمد بن محمد شاكر ﵀ مُحشَّيًا على هذا الأَثر: (وأَمرُ الحائضِ بقضاءِ الصومِ وترك أَمرها بقضاء الصلاة؛ إنّما هو تعبد صِرْفٌ، لا يتوقف على معرفة حِكْمَته، فإن أَدركناها فذاك، وإلَاّ فالأَمر على العين والرأْسِ =وكذلك الشأْنُ في جميع أُمُورِ الشَّريعة، لا كما
стр. 97
يفعل الخوارجُ، ولا كما يفعل كثيرٌ مِن أَهل هذا العصر: يريدون أَن يُحكِّموا عُقولهم في كُلِّ شأْنٍ من شؤون الدِّينِ، فما تقبلته قبلوه، وما عَجَزَت عن فَهمهِ، وإِدْراكه أَنكروه، وأَعرضوا عنه، وشَاعتْ هذه الآراءُ المُنكرةُ بين النَّاسِ، وخاصة المُتعلِّمين منهم، حتى ليكاد أَكثرهم يُعرضُ عن كثير من العبادات، ويُنكرُ أكثرَ أَحكام الشَّريعةِ في المُعاملات =اتِّباعًا للهوى، ويَزعمون أَن هذا ما يُسمُّونه روحَ التشريع أَو حكمة التشريع، وإنَّه لَيُخشى على من يَذهب هذا المذهب الرديء =أَن يَخرجَ به من ساحة الإِسلام المُنيرةِ إلى ظلام الكُفْرِ والردَّة والعياذُ بالله من ذلك، ونسأله أَن يَعْصِمنا باتِّباع الكتاب والسُّنّة والاهتداء بهديهما) (١)
المثال الثالث:
مِن الأَمثلة كذلك التي قد يظنُّ أَنّها مما يكسر أصل أهل السنة في التسليم للنصوص =ما ورد من اعتراض عبد الله بن عبّاس ﵁ على أَبي هريرة ﵁ فيما رواه عن النبي ﷺ أَنَّه قال: (الوضوء ممّا مسَّت النَّار، ولو مِن ثور أَقط) فقال ابن عبّاس ﵁:يا أَبا هريرة، أَنتوضأُ من الدُّهنِ؟ أَنتوضأُ من الحميم؟! فقال أَبو هريرة: يا ابن أخي إِذا سمعتَ حديثًا عن رسول الله ﷺ فلا تضْرب له مثلًا (٢) .
فمعارضةُ ابن عبّاس ﵁ للخبر ليست مؤسَّسةً على نَظَرٍ عقلي أصالة، وإنّما على جهة التبع لدلالة النصية، ذلك أنَّ ما يرويه أبوهريرة ﵁ ليس هو المحكم الذي استقر عليه فعل النبي ﷺ والذي
стр. 98
شَهِده ابن عباس منه ﷺ =وإنما المحكم و آخر الأمرين منه ﷺ ترك الوضوء ممَّا مَسَّت النار. لذا روى ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ (جمع عليه ثيابه ثم خرج إلى الصلاة فأُتي بهديَّةٍ خُبْزٍ ولَحْمٍ. فأكل ثلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صلَّى بالنَّاس. وما مسَّ ماءً) (١)
فلمّا رأى ابن عباس إصرار أَبي هريرة على التحديث بما نُسِخ حكمه =أبان عن المحكم في هذه المسألة واعتضد بضَرب المعقول المُبرهن على صِحَّةِ ما شهده من النبي ﷺ .
ومما يُقيمك على الواضحة في ذلك وينفي عنك حوائم الرَّيب =ماتراه من جمعه ﵁ بين ما شهده من النبي ﷺ وبين المعقول الشرعي المُبرهِن على صحة ما ذهب إليه كما في الرواية الأخرى: فعن محمد بن عمرو بن عطاء قال: كنتُ مع ابن عباس في بيت ميمونة في المسجد، فجعل يعجبُ ممن يزعمُ أنَّ الوضوء ممَّا مَسَّت النار، ويضرب فيه الأمثال، ويقول: إنَّا نستحمُّ بالماء المُسَخَّنِ، ونتوضأ به وندَّهن بالدُّهن المطبوخ. وذكَرَ أَشياء مما يُصيب النَّاس ممَّا قد مَسَّتِ النَّار، ثم قال: لقد رأيتني في هذا البيت عند رسول الله ﷺ ، وقد توضأ ولبِس ثيابَه، فجاء المؤذن فخرج إلى الصَّلاة حتَّى إذا كان في الحُجْرَةِ خارجًا من البيتِ لقيَته هدية عضو من شَّاة، فأكل منها لقمة -أو لُقمتين -ثُمَّ صلّى وما مسَّ ماء) (٢) . قال الإمام البيهقي بعد سوقه لرواية ابن عباس ﵁: (فيه دلالةٌ على أَنَّ ابن عبَّاسٍ شهد ذلك من رسول الله ﷺ ) (٣) والرِّواية الأخرى التي أخرجها مسلم مُصرِّحة
стр. 99
بشهوده ﵁ إذ فيها أنَّ ابن عباس شهد ذلك من النبي ﷺ (١) .
لذا كان من فقه الإمام الترمذي ﵀-بعد أَن أَورد حديثَ أَبي هريرة ﵁ أَن أعقبه ببابٍ عَنْون له بـ "ما جاء في تركْ الوضوء ممّا غيَّرتِ النَّارُ" ثم ساق بسنده حديث جابر ﵁ وفيه (خرج رسول الله ﷺ وأَنا معه، فدخل على امرأةٍ من الأَنصار فذبحتْ له شاةً فأكلَ، وأَتته بقناع من رطب فأكل منه، ثمَّ توضأ وصلّى، ثم انصرف، فأتته بعُلالة من علالة الشَّاة فأكل، ثم صلّى ولم يتوضأ) (٢)
ثم قال: (والعمَلُ على هذا عند أَكثرِ أَهل العلم من أَصحاب النبي ﷺ ، والتَّابعين، ومن بعدَهم ... وهذا آخرُ الأَمرين من رسول الله ﷺ ، وكأنَّ هذا الحديث ناسخٌ للحديث الأَوَّلِ =حديثِ الوضوء مما مسَّت النار) (٣)
فإن قال قائلٌ: دعوى أَن النظر العقلي لم يكن مُحكَّمًا عند هؤلاء الصحابة بالأَصالةِ =دعوى بُنيت على الظّن، والظَّنُ مذموم، ثم لنا أَن نقلب عليكم الدَّعوى ونقول: إنّ المُحكّمَ عند ذاك الجيل هو النظر العقلي و الدلائل الشَّرعيةِ تقع على سبيل الاعتضاد؟
فيُقال: البرهان على صدقِ ما سبق بيانُهُ وتوضيحه، ما يلي:
١ - الآثار المتكاثرة عن صحابة رسول الله ﷺ والتي في جُملتها تدلُّ دلالةً تقطعُ الشَّك وتزرع اليقين =على تعظيمهم لسنّة رسول الله ﷺ ،
стр. 100
واتِّهامهم لرأْيهم عند سُنَّته ﷺ ، ولذلك عَقدَ "الخطيب البغدادي " ﵀ بابًا في كتابهِ "الفقيه والمُتفقِّه" وَسَمه بـ " ذكْرُ ما روي من رُجوع الصحابةِ عن آرائهم التي رأوها إلى أَحاديثِ النبي ﷺ إِذا سمعوها ووعوها)
والمقامُ يستدعي ذكر بعض تلك الصور النيَّرة التي تُبرهن على تعظيم ذلك الجيل لسنته ﷺ
أ- فعن سعيد بن المُسيّب قال: كان عمرُ بن الخطَّاب يقول: الدِّية للعاقلةِ لاترثُ المرأةُ مِن ديةِ زوجها شيئًا.
فقال له الضحاك بن سُفيان: كتب إليَّ رسولُ الله ﷺ : أَن أورّث امرأة أَشيم الضبابي من دية زَوجها. =فرجع عُمرُ عن قوله (١) .
فرجوعه ﵁ عن رأيه -وهو الخليفة الرَّاشد- علامة على تعظيمه ﵁ للسُّنن.
ب- ما ورد عن ابن عمر ﵁ أَنّه كان يكْري (٢) أَرض آل عمر، فسأل رافع بن خُديج، فأخبره (أنَّ رسول الله ﷺ نهى عن كراء الأَرضِ) =فترك ذلك ابن عمر ﵁ (٣) بل ثبت عنه أَنّه ﵁ كان يُكري مَزارعه على عهد رسول الله ﷺ وفي إمارة أَبي بكر وعمرَ وعثمانَ، وصَدْرًا من خِلافة معاوية حتى بلغه في آخر خلافةِ معاوية، أنَّ رافعَ بن خديج يُحدِّثُ فيها بنهي عن النبي ﷺ (٤)؛فترَكه ﵁ طواعيةً لله بعد هذا العمر في
стр. 101
العمل بما علمه من النبي ﷺ فما أَن بلغته سُنةٌ عن رسول الله =حتى لزِم غرزها، وانقاد لها.
ج- فعن أبي الجوزاء قال: سألت ابن عبَّاس عن الصَّرف (١) فقال: (يدًا بيدٍ لا بأس به) ثم حججتُ مرَّة أُخرى، والشيخُ حيٌّ، فأتيته فسألته عن الصَّرف قال: (وزنًا بوزنٍ) قلتُ له -القائل أبو الجوزاء-: إنَّك كُنت أَفتيتني اثنتين بواحد، فلم أَزل أُفتي به منذُ أَفتيتني =قال ابن عباس: كان ذلك عن رأْيٍ، وهذا أَبو سعيد الخُدري يُحدِّثُ عن النبي ﷺ ، فتركتُ رأيي لحديثِ رسول الله ﷺ ) (٢)
د- بل يبلغ الأَمر في ذات السُّنّة إلى الهجر والتقاطع: فعن سالم بن عبدالله بن عمر عن أَبيه أَنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنّكم إليها) قال: فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. فأقبل عليه عبدالله بن عمر فسبَّه سبًّا سيئًا ما سمعته سبّه مثله قط، وقال: أُخبرُك عن رسول الله ﷺ ،وتقول والله لنمنعهن!! (٣)
والآثار في ذلك كثيرة جدًّا ليس المقام مقام إحاطة بالمرويّ في هذا الباب، إذِ المقصود بيان أَن المتقرر لدى ذاك الجيل هو تعظيم السُّنّة، واطِّراح كلِّ ما يُخالفها من الآراء.
стр. 102
٢ - ومن البراهين الدَّالة على أَنَّ النَّظر الشَّرعي هو المقدّم = انتفاء ما يدلُّ دلالة مُحَقَّقةً على نقيض ما هو ثَّابت عنهم من التعظيم للسنة والانقياد لها.
٣ - أَن ذلك النَّظر الذي وقع من بعض صحابة رسول الله ﷺ لم يكن نظَرًا، ورأْيًا صرْفًا فذلك لا يكون إلَّا من أَهل الأهواء، الّذين حذّر منهم عمر بن الخطاب صحابةَ رسول الله ﷺ بقوله: (أصبح أهل الرَّأي أَعداء السُّنن، أَعيتهم الأحاديثُ أَن يعوها وتفلّتت منهم أن يرووها، فاستبقوها بالرأْي) (١) بل كان من النظر المستعصم بالدلائل الشَّرعية.
ثم قد يكون هذا الدَّليلُ الشّرعي مُحْكمًا، وقد يكون قد دخله النسخ، أو التخصيص، أو التقييد، أَو يكون قد دخل الوهم في تحمُّل الرِّواية. كلُّ ذلك قد يقع.
٤ - أَنَّ شاهدَ العقل يُحيلُ أَن يكون أولئك الكرام الجلّة من أَصحاب رسول الله ﷺ يستسيغون ردَّ أحاديثه، ويتجاسرون على تركْ العمل بها =لا يقولُ ذلك إلَاّ جاهل بحالِ أولئك الأبرار، وما استفاض عنهم من طواعيتهم لله استفاضةً تُحيلُ ذلك عليهم.
= وخلاصة القول: أنَّ التمعقل على النَّص الشَّرعي ليس ثابتًا عن الصحابة ﵃. وإنّما المستقرّ تعظيم النَّصِ، والتسليم له، وهذا التسليم هو معطى عقليٌ، ونتيجةٌ بدهية لقيام البرهان لديهم على صدقه ﷺ وعصمة شريعته، وجريانها على منهج العقل الفطري.
وإنَّما المتحقق من حالهم انقداح الاستشكال لدى بعضهم في فهم بعض النصوص، فيأتي الجواب النبوي رافعًا لما استُشْكِل. كما ثبت من جوابه ﷺ لعُمر حين أشكل عليه مخاطبة النبي ﷺ لأهل القليب (٢) .
стр. 103
وكما ثبت من جوابه لعائشة لمّا أَشكل عليها قول النبي ﷺ : (من نوقش الحساب عُذِّب) (١)
وكاستشكالهم حشْر صنفٍ من الناس يوم القيامة على وجوههم، كما ثبت عن أَنس بن مالك ﵁،أنَّ رجلًا قال: يا نبيَّ الله كيف يُحْشر الكافرُ على وجْهِهِ يوم القيامة؟ قال ﷺ : (أليسَ الَّذي أَمْشَاهُ على الرِّجلين في الدُّنيا قادرًا على أَن يُمْشيه على وجهه يوم القيامة) (٢)
وغيرها من الشواهد الدَّالة على إعمالهم العقل في فهم الدَّلائل =أو حصول المعارضة للنَّصِّ بعد وفاته ﷺ بدليل شرعي قد يعتضد بنظر عقلي يؤيده لا بمعقول محض، وذلك في وقائع نادرة كما تقدم.
وبالجملة: فإنَّ الحديثَ متى كان صحيحًا محكمًا، فالأمر فيه كما قرَّره الإمام الشَّافعي ﵀ عندما سئل بأي شيءٍ يثبت الخبر، فقال: (إذا حَدَّث الثقةُ عن الثقةِ حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، ولا يُترك له حديثٌ أَبدًا= إلا حديثٌ واحدٌ يُخالفُه حديثٌ، فيذهب إلى أَثبت الرِّوايتين، أو يكون أَحدهما مَنسوخًا فيعمل بالنَّاسخِ، وإن تَكَافيَا =ذَهَبَ إلى أشبههما بكتاب الله وسنة نَبيِّه فيما سواهما. وحديث رسول ﷺ مستغن بنفسه وإذا كان يروى عمن دونه حديث يخالفه لم ألتفت إليه وحديث رسول الله ﷺ أولى) (٣) .
стр. 104
وحينئذٍ كان قول من ردّه أو تأوّله على خلاف ظاهره =مرجوحًا، ويكون الصواب مع ما دلَّ عليه الحديث. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: (ما علِمْنا أحدًا من الصَّحابة والتَّابعين مع فضل عقلهم، وعلمهم، وإيمانهم؛ ردُّوا حديثًا صحيحًا وتأولوه على خلاف مُقتضاه، لمخالفة ظاهر القرآن في فهمهم، أو لمخالفة المعقول، أو القياس=إلا كان الصَّوابُ مع الحديثِ ومَن اتَّبعهُ، فكيف بمن بعدهم؟! وهذا من معجزات الرَّسول، وآيات حفظِ دينِهِ وشرعه وسُننِه) (١) .
* * *
стр. 105
الباب الأول
دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ
عن الأحاديث المتعلّقةِ بالإيمانِ والتَّوحيدِ
وفيه فصلان:
- الفصل الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلّقة بحقيقة الإيمان والشفاعة.
- الفصل الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث الألوهيّة.
стр. 106
الفصل الأول
دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن
الأحاديث المتعلّقةِ بحقيقة الإيمان والشفاعة
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلّقة بحقيقة الإيمان والشفاعة.
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث المتعلّقةِ بالشفاعة
стр. 107
المبحث الأول
دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بحقيقة الإيمان
وفيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول: سَوْق الأحاديث المُدَّعى معارَضتُها للعقل.
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأَحاديث المتعلقة
بحقيقة الإِيمان.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلِّقة بحقيقة الإِيمان.
стр. 108
المطلب الأول: سَوْق الأحاديث المُدَّعى معارَضتُها للعقل:
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعبةٌ من الإِيمان) متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (لا يزني الزَّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع النَّاس إليه فيها أَبصارهم وهو مؤمن) متفق عليه (٢).
وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (من اقتنى كلبًا إلَّا كلب ماشية أو ضاريا (٣) نقص من عمله كل يوم قيراطان) متفق عليه (٤).
وعن أَبي سعيد الخُدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (بينا أنا نائمٌ رأيتُ النَّاسَ يعرضون عليَّ وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثدي، ومنها ما دون ذلك، وعُرض علي عمر بن الخطَّاب ﵁ وعليه قميص يجرُّه،
стр. 109
قالوا: فما أوَّلت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدِّين) متفق عليه (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في أضحى، أو فِطْرٍ إلى المصلى فَمَرَّ على النساء، فقال: (يا معشر النساء تصدقن فإني أُرِيتُكُن أكثرَ أهلِ النَّار) فقلن: وبِمَ يا رسول الله؟ قال: (تُكثِرن اللَّعن، وتَكْفُرن العَشِير (٢) ما رأيتُ من ناقصاتِ عَقْلٍ، ودينٍ أذْهَبَ للُبِّ الرجلِ الحازم مِن إحداكنّ) قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: (أليس شهادةُ المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟) قلن: بلى. قال: (فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُم؟) قلن: بلى. قال: (فذلك من نقصان دينها) متفق عليه (٣) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: (من رأى منكم منكرًا فليُغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أَضعف الإيمان) (٤)
وعن عبدالله بن مسعود ﵁: (مامن نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلاّ كان له من أمته حواريون (٥) وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما
стр. 110
لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (١)
وعن جابر بن عبدالله ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ قال: (إنّ بين الرُّجل وبين الشِّرك و الكُفر ترك الصلاة) (٢)
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إذا أسلم المرء فحسن إسلامه، يكفر الله عنه كلَّ سيئةٍ كان زلفها، وكان بعد ذلك القصاص: الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف، والسيئة بمثلها إلَاّ أن يتجاوز الله عنه) (٣)
وعن عبدالله بن عمر ﵁ أَنَّ رسول الله ﷺ مرَّ على رجُلٍ من الأَنصار، وهو يَعِظُ أَخاه في الحياء، فقال رسول الله ﷺ : (دعه فإنَّ الحياء من الإيمان) متفق عليه (٤) .
* * *
تمهيد:
أَبانتِ الأَحاديثُ السالفةُ عن الحقيقةِ الشَّرعيَّةِ للإيمان، وأنّها حقيقةٌ مركَّبةٌ من قولٍ وعملٍ، والمراد بالقول قولُ القلبِ وهو تصديقه الجازم، وقولُ اللّسان، والمُراد بالعمَلِ عمل القلب والجوارح (٥)،هذه الحقيقة جامعةٌ لِشُعَبٍ تقبل التفاوت، والزيادة والنقص، وعلى ذلك جرت أَقاويلُ أَهلِ السُّنَّةِ، وانعقد إجماعهم، وفي تقرير ذلك يقول الإمام البخاريُّ ﵀: (لَقيتُ أَكثر من أَلفِ رَجُلٍ مِن أَهل العلم: أَهلِ الحجاز ومكّةَ، والمدينةِ، والكوفة، والبصْرةِ، وواسط، وبغداد، والشَّامِ، ومِصْرَ، لقيتُهم كرَّاتٍ قرنًا