المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلِّقة بحقيقة الإِيمان .
أمَّا بطلان المعارض الأول: وهي دعوى: استحالة التفاوت في حقيقة الإيمان، فيقوم على أصلين: الأوَّل: هدْميّ. والثاني: إنشائي.
فأمَّا الأصل الأول: فبمنع ما ادَّعوه من استحالة حصول التفاوت، وذلك يتأتى بذكر مقامين:
الأول: نقض ما أصلّوه في هذا الباب.
الثاني: المعارضةُ على سبيل القلب لدليلهم.
أمَّا النقض، فيقال:
لا يُسلِّمُ أهل السنة بأنَّ القول بدخول العمل في مسمَّى الإيمان مع القول بزيادته ونقصه ووقوع التفاوت فيه= أَنَّه من باب التناقضِ؛ لأنَّ منشأ الخطأ عدم تفريق المخالفين لأهل السنة بين ماهو ركنٌ في الإيمان لايتحقق الإيمان إلَاّ به، وبين ماهو واجبٌ لتحقيق كماله الواجب.
فجميع المخالفين لأهل السنة سوَّوْا بين مُختلفين في الحقيقة، فركن الشيء ليس بمثابة ماهو واجب فيه، فوقوع المخالفة بارتكاب الكبيرة ليست في الواقع نقضًا للالتزام بالعمل الذي هو ركنٌ في الإيمان، وإنَّما هو نقص في التزامه، فينتفي عنه بسبب هذه المخالفة كمالُ الإيمان الواجب (١)،والنُّصوص على ذلك متضافرة.
وأمّا إلزام الوعيدية والمرجئة مَن جَعَلَ الإيمانَ مُركَّبًا؛ أَن يذهب إلى القول بزوال الإيمان كلِّه بزوال جزئه =فإنَّ ذلك لا يلزم عند التحقيق. بل ما جعلوه لازمًا باطلٌ نقلًا، وحِسًّا؛ لأنَّ الحقيقةَ الجامعةَ
стр. 142
لأُمور إذا زال شيءٌ منها فقد تنتقض الحقيقةُ فيزولُ سائرُها، وقد لا تزولُ جميعًا، بل يبقى منها.
وبيان ذلك أَن يُقال:
إنَّ زوال الواحد من العشرة مثلًا لم تَزُلْ به حقيقتُه المركبةُ كلُّها، بل بقيت التِّسعةُ، وإن كانت قد زالتِ الصورةُ المجتمعةُ لهذا العددِ، وأمَّا الاسم فقد يزول بزوال بعض أجزاء ما يطلق عليه هذا الاسم، وقد لا يزول؛ ذلك لأَنَّ الحقائقَ المُركبة تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يكون التركيبُ شرطًا في إطلاق الاسم عليه.
الثاني: ما لا يكون كذلك.
فأمَّا الأوَّلُ: فكالعشرةِ، والسَّكنجبين. فإذا زال جزءٌ من أيّ منهما=زالَ الاسمُ.
والثاني: فكالبُّرِ، والتُّرابِ، والماء، وجميع المُركَّبات المتشابهة الأجزاء. .
فالحسُّ والعقلُ يشهدان بأنَّ زوال جزءٍ من هذه المركبات لا يترتَّبُ عليه زوال الاسم الذي يطلق على كل منها (١) .
والشَّرْعُ دالٌّ على ذلك أَيضًا، يقول الإمام ابن تيميَّة ﵀ مُقرِّرًا هذه الحقيقة: (فلفظ العبادةِ، والطَّاعةِ، والخيرِ، والحَسنةِ، والإحسانِ، والصَّدقةِ، والعلمِ. ونحو ذلك مما يدخل فيه أمورٌ كثيرةٌ يطلق الاسم عليها قليلها و كثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعضه.
وكذلك لفظ" القرآن" فيقال على جَميعهِ وعلى بعضه، ولو نَزلَ قرآنٌ أَكثرَ من هذا؛ لسُمّي قرآنا. . وإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبهما من هذا النوع= لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول
стр. 143
الاسم إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي) (١)
وكذلك الصَّلاةُ فهي عبادةٌ مُركَّبةٌ من أجزاء، من تلك الأَجزاء ما ينتفي بزوالها الكمال المُستحبُّ، ومنها ما ينتفي بزوال تلك الأجزاء كمال الصلاة الواجب، ومنها أجزاء وأَركان يزول بزوالها حقيقة الصلاة وتبطل بذلك.
المقام الثَّاني: المعارضةُ على سبيل القلب لدعواهم.
بأن يقال: إنَّ التناقضَ لازمٌ لجميع الطوائف المُخالفة لأهل السنة والجماعة؛ ذلك أنَّ الوعيديةَ، والمرجئةَ لم يتحرَّر لهم الفارق بين ما هو ركنٌ في الإيمان، وبين ما هو واجبٌ فيه، فسووا بين أَمرين مختلفين، والتسوية بين المختلفات، هو عين التناقض الذي فرُّوا منه.
الأصل الثاني: الجانب الإنشائي.
وهذا الجانب يتضمن بيان الدلائل على وقوع التفاوت في حقيقة الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأنَّ ذلك مقتضى الضرورة الشرعية. فأمَّا الضرورة النقليَّة فقد سبق بيانُها، وأمَّا الضرورة العقلية الدّالة على بطلان منع التفاوت =فهي أنّه ما من شيء إلاّ و يتفاوت النَّاسُ فيه، فأرباب الصنائع يتفاوتون في صنائعهم، فليسوا على درجةٍ واحدة من الإتقان، وهذا معلوم بداهةً، وكذا ما من صفة من صفات الحي إلاّ وهي قابلة للتفاوت قوة وضعفا، والعقل والحس دالان على وقوع ذاك التفاوت أيضا في الإيمان، وفي علوم أهله ومعارفهم، وأعمالهم فليسوا على درجة واحدة من خشية الله والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له بل التفاوت فيما بينهم كالتفاوت فيما بين السماء والأرض، لذا كان المؤمنون على ثلاث درجات ذكرها الله في كتابه. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا
стр. 144
الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ فاطر
فالآيةُ قسّمت أهلَ الإيمان من جهةِ التزامهم بالشريعة، وبأعمال الإيمان إلى ثلاثة مراتب: الظَّالم لنفسه، والمقتصد، و السَّابق للخيرات، وكلُّ مرتبة من هذه المراتب يتفاوت أهلها فيها تفاوتًا عظيمًا.
بل إنَّ المؤمنَ تختلف أحوالُه من حيثُ ديمومة تذكُّرِهِ، وخَشْيته، واستمراره على قَدَم الطَّاعة والاستقامة، فتعتوره الغفلةُ في بعض أَحواله، وينتابه التقصير، وفي بعض أحواله تزداد جَذوة الإيمان، فتتلازم شُعَبُ الطاعات، فإنَّ الطاعة تدل على أُختها، وهذا ما لاينكره إلا مُكابِر (١) .
فالإيمانُ ليس لزيادتِهِ حدٌ، وليس لنقصه حَدٌ كذلك، وبذا يُعلم بطلان من أَناطَ الزيادةَ والنَّقص بالأعمال فقط، فأوقع الزِّيادة والنَّقص فيها ومنع من وقوعها في أصل الإيمان وهو-التصديق- كما هو مذهب المرجئة.
وبه يُعلم أَيضًا بطلان من جعل حدًّا أَدنى للإيمان من لم يحققْه =انتفت عنه حقيقة الإيمان، ويجعلون ضابطَ هذا الحدّ الإتيان بجميع الفرائض، والكف عن جميع المحرمات، فإذا وقع الإخلال بهذين الأمرين، انتقض أصل الإيمان، وهذا ما التزمه الوعيدية.
وقد أبان شيخ الإسلام عن غلط هؤلاء من حيث جعلهم الإيمان حقيقة واحدة متماثلة في حق جميع المكلفين فقال ﵀ (ليس الإيمان
стр. 145
حقيقة واحدة مثل حقيقة مسمى "مسلم" في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار مثل حقيقة البياض والسَّواد بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف وبلوغ التكليف له، وبزوال الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك) (١)
ومنْعُ أهل السنة والجماعة من أن يكون للإيمان حَدٌ أَدنى لا يكون فيه تفاوت= لا يفهم منه تجويزهم أن يقوم بالعبد شعبة من شعب الكفر المُنافية لأصل الإيمان مع بقاء هذا الأصل=بل مُرادُهم أَنَّه يقع من النَّقْصِ بسبب الإخلال بما ليس شَرْطٌ في صحة الإيمان ما يجامع الإيمان، ولا ينتفي بانتفائه، فشعب الكفر الأصغر لاتنافي أصل الإيمان، وإنما تنافي كماله، وإنّما الّذي ينافي أصل الإيمان شُعب الكفر الأكبر، وسيأتي مزيد بسط لذلك.
ومما يدل على أنه ليس للإيمان حد يقف عنده النقص ما صحّ عن النَّبي ﷺ من حديث عبدالله بن مسعود ﵁ أَن النبيَّ ﷺ قال: (ما من نَبيٍ بعثه الله في أمة قبلي، إلاّ كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (٢)
لذا كان من فقه الإمام ابن مندة أَنْ بوّب لهذا الحديث بابًا وسَمَه بـ (ذكرُ خبر يدلُّ على أَنَّ الإيمان ينقص حتى لا يبقى في قلب العبد مثقال حبة خردل ... (٣)
стр. 146
وكما أنَّه لا حدَّ يقف النَّقصُ عنده، فكذلك لا حدّ لكماله ومنتاه: فعن الوليد ابن مسلم قال: سمعت أبا عمرو (١) ومالكا وسعيد بن عبد الله يقولون:
(ليس للإِيمان منتهى هو في زيادة أَبدًا وينكرون على من يقول: إنه مستكمل الإيمان وأن إيمانه كإيمان جبريل ﵇ (٢)
وقد سئل الإمام الأوزاعي عن الإيمان، وهل يمكن أن تقع الزيادة ... فيه. فأجاب: (نعم حتى يكون كالجبال قيل: فينقص؟ قال: نعم حتى لا يبقى منه شيء) (٣)
وقال الحميدي: سمعتُ سفيان بن عيينة يقول: (الإيمان يزيد وينقص، فقال له أخوه إبراهيم بن عُيينة: لا تقل ينقص. فغضب، وقال: اسكت ياصبي، بل ينقص حتى لا يبقى منه شيء) (٤)
أَمَّا بطلان المعارض العقلي الثاني: وهو استناد مرجئة المتكلمين إلى الحدِّ المَنطقي.
فيتأتَّى ذلك من وجهين:
الأول: بيان بطلان التَّفريق بين اللوازم الذاتية واللوازم العرضية.
الثاني: بطلان دعوى تحقق المعاني الكلية في الخارج.
أما الوجه الأول:
أنَّ ما ادعوه من الفرق بين اللوازم الذاتيَّةِ الدَّاخلةِ في مفهوم
стр. 147
الماهية، وبين اللَّوازم العرضية الخارجة =تحكمٌ لم يستطيعوا البرهنةَ عليه.
فتمثيل المناطقة "للعَرَض العام" -وهو باتفاقهم الكُلِّي الخَارج عن الماهيَّة- بـ (الماشي) بأنه لا يصلح جوابًا عن ماهيَّة الإِنسان في جواب "ما الإنسان"، بخلاف "النَّاطق" الذين يجعلونه من الذَّاتيَّات المميزة عندهم = دعوى لا دليل عليها، فكما أنَّ الماشي عندهم لا يدخل في الماهية لاشتراك غير الإنسان فيها؛ فكذلك الأمر بالنسبة "للناطق".
وكل ذلك مبني على تجريدات ذهنيّة لا برهان عليها.
وهذا التجريد الذهني وظّفوه على حقيقة الإيمان، فأخرجوا العمل منه بدعوى أنَّه ليس من مقومات الماهية وقَصَروا الإيمان على التصديق كما يذكره حتى الذين تصدوا لبيان أحاديث رسول الله ﷺ فحدّوا الإيمان بأنه: (تصديقُ الرَّسولِ في كُلِّ ما عُلم مجيئُهُ به بالضَّرورةِ تصديقًا جَازمًا مطلقًا (١)
الوجه الثَّاني:
أَنّ ذلك مبنيٌ عندهم على إمكان تحقق الحقائقِ النَّوعيَّة في الخارج، وما ذكروه باطلٌ؛ فإنَّ الإيمان من جهة اتصاف المكلف به يختلف في الواقع من شخص لآخر وما ادعوه، مِن تَمَاثُلِ أَفْراد النَّوع في الماهيَّة مُجرد افتراض ذاتيّ ليس له أدنى تحقق في الخارج وفرق بين الوجود الذهني والوجودِ العَيني. فالوجود الكُليُّ في الخارج لا يكون إلَاّ متشخصًا مُتعينًّا لا يكونُ كُليًّا كما يظن هؤلاء؛ وإلَاّ لما صحَّ أن يكون كُليًّا.
стр. 148
يقول شيخُ الإسلام كاشفًا عن منشأ الغَلَطِ عند المتكلِّمين: (وإنما أصل ضلالِهم أَنَّهم رأوا الشيءَ قبل وجُودِهِ يُعلمُ، ويُرادُ، ويُميَّزُ بين المَقدورِ عليه والمَعجوز عنه. ونحو ذلك = فقالوا: لو لم يكن ثابتًا لَمَا كان كذلك كما أنَّا نتكلم في حقائق الأشياء التي هي ماهيتها مع قطع النظر عن وجودها في الخارج، فنتخيَّل الغلطَ: أنّ هذه الحقائقَ والماهياتِ أمورٌ ثابتةٌ في الخارج.
والتحقيق أَنَّ ذلك كُلَّه أَمرٌ موجودٌ وثابتٌ في الذِّهنِ لا في الخارج عن الذِّهنِ. والمُقَدَّرُ في الأَذهانِ قد يكونُ أوسعَ من الموجود في الأَعيان (١) .
فمسمى"الإيمان" في الواقع ليس له قَدرٌ وماهيَّةٌ يَشْتَرِك المُكلَّفون في الاتصاف بها، بل هم يتفاوتون في هذه الحقيقة قوةً وضعفًا وتحقيقًا.
ولذا كان المُحقِّقون من أَهلِ العلم -كالنَّووي - يذهبون إلى وقوع التَّفاوت وبطلان الاشتراك. قال النَّووي ﵀: (فالأَظهرُ -والله أعلم- أنَّ نفسَ التَّصديق يزيدُ بكثرةِ النَّظَرِ، وتظاهُرِ الأَدلَّةِ، ولهذا يكون إيمانُ الصدّيقين أَقوى من إِيمانِ غيرِهم بحيثُ لا تعتريهم شُبْهةٌ، ولا يتزلزلُ إيمانُهم بعارض، بل لاتزال قلوبُهم مُنْشَرحةً نيَّرةً وإن اختلفت عليهم الأحوالُ=وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم فليسوا كذلك= فهذا لا يمكن إنكاره ولا يشككُّ عاقلٌ في أنّ نفسَ تصديق أبي بكر الصديق ﵁ لايساوي تصديقَ آحادِ النَّاس ... ) (٢)
стр. 149
فالغلطُ الدَّاخلُ على هؤلاء من جهة اعتبارهم الإيمان حقيقةً مُطلقة تقوم في أذهانهم وغفلوا أَنّ هذه الحقيقةَ في الخارج لا توجد إلَاّ مُتميِّزة ومُتَّصِفة، والتَّفَاضل إنما ينشأ في هذا الموجود المتحقق في الخارج، لا في أمر مطلق يقوم في الأَذْهَان. لذا يقول الإمام ابن تيميَّة ﵀: (وهؤلاء (١) منتهى نظرِهم أن يروا حقيقةً مطلقةً مجردةً، تقوم في أَنفُسهم فيقولون: الإيمان من حيث هو هو، والسُّجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف. و أَمثال ذلك. ولو اهتدوا لعلموا أنَّ الأمورَ الموجودة في الخارج عن الذّهن متميزة بخصائصها، وأنَّ الحقيقةَ المجردةَ المُطلقةَ، لاتكون إلَاّ في الذِّهنِ، وأنَّ النَّاس إذا تكلموا في التفاضل، والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها، لا في تفاضل أمرٍ مُطلق مجرد في الذِّهن لا وجود له في الخَارج) (٢)
وعلى سبيل التنزل مع المانعين من دخول التفاوت في الإيمان، فيقال: إنَّه يمكن وقوع التفاوت في حقيقة الإيمان وَفْقًا لما تقرر في المنطق، لا من جهة الحد، بل من جهة المتواطئ المُشَكِّك الذي يكون فيه نسبة هذا المعنى الكلي في بعض أفراده، أقوى، وأكمل من البعض الآخر؛ فالبياض مثلًا: معناه في الثَّلج، أَشدُّ منه في عَظْم العَاج، وكذلك الأَمرُ في الإيمان من جهةِ تحققِّ معناه في أَفرادهِ، قد يكون أكمل في بعض المؤمنين من البعض الآخر.
وهذا ما ذهب إليه محققو الأَشاعرة كالقاضي أبي بكر بن العربي ﵀ فإنّه قال: (وظن جملة الأصحاب أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنَّه عَرَضٌ، وذَهَلوا أَنَّ الأعراض تدخلها الزِّيادةُ، والنُّقصان
стр. 150
كما تدخل في الأجسام، ولذلك صار عَرَضٌ أَكثرَ من عرض، وسَوَاد أكثر من سوادٍ) (١)
ومع ما افترض من التنزُّلِ باعتبار الإيمان من قبيل المُشَكِّك =إلَاّ أنَّ هذا التنزُّل لم يصادف قَبولًا، لذا رُدَّ هذا التوجيه ولم يُقبل، وذلك بأن منع بعضُ المتكلِّمين أن يكون ذلك التفاوت في الإيمان الحاصل في الأفراد =واقعًا في ماهية المُشكك، فعادوا إلى قضية الماهية مرَّةً أُخرى!!
يقول صاحب المسامرة: (ولو سَلَّمنا بثبوت ماهيَّة المشكك فلا يلزم كون التفاوت في أفراده بالشِّدة فقد يكون بالأوّليَّة، وبالتقديم والتأخير، ولو سلّمنا أن ما به التفاوت في أفراد المشكك شدة: كشدة البياض الكائن في الثَّلج، بالنسبة إلى البياض الكائن في العاج، مأخوذ في ماهية البياض بالنِّسبة إلى خصوص محل كالثلج = لا نُسلِّم أَنَّه يتفاوت بمقوِّمات الماهيَّة أي أجزائها، بل بغيرها) (٢)
هذا غاية ما ذهب إليه المتكلمون من مصادمة ما دلت عليه النُّصوص؛ لتسلم لهم أصولهم المبنية على أصول المنطق.
وبعد أن استبان بطلان ما ذهبوا إليه من دعوى مناقضة الضرورة العقلية لما دلت عليه تلك الأحاديث الصحيحة =يتجه الحديث لإبطال ما وجّهوا به الأحاديث المساقة قَبلُ، ومُحصَّل ذلك:
أولا: جعلهم إطلاق الإيمان على الأَعمال من باب التجوُّز الجاري في لسان العرب فالعمل من قَبِيل الأَثَر، والمسبَب، والتصديق: المبدأ، والسَّبب.
стр. 151
ثانيًا: أَنَّ حديثَ الشُّعَبِ لا يدل صراحةً على دخول الأَعمال في مُسمّى الإيمان.
ثالثًا: أنّ القرآن غفلٌ عن التصريح بدخول الأعمال في مسمى الإيمان، بدلالة أنه يذكر الإيمان على جهة الاستقلال، ثم يعطف عليه العمل =فدلَّ ذلك على المغايرة.
رابعًا: أنَّ الحقائق لا تؤخذ إلا من القرآن!!؛لكون الأحاديث تخضع للمصالح والظروف.
فهذه جُملةٌ من الآثار النَّكِدة التي نتجت عن القول باستحالة حصول التفاوت في حقيقة الإيمان. وبطلان ما ذكروه يكون بتناول كل قضية من تلك القضايا ثم بيان ماتضمنته من صنوف الغَلَطِ على الشَّريعة، وسيكون تناولها على جهة الإيجاز.
فأمَّا القضية الأولى: فدعوى أن إطلاق الإيمان على العمل هو من باب المجاز.
فيقال: تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في خصوص هذه المسألة، إن صحَّ فهو حجَّةٌ على المرجئة المخرجين للعمل عن مُسمى الإيمان.
وتوضيح ذلك: أَنَّ الحقيقة هي اللفظُ الذي يدلُّ بإطلاق بلا قرينة، والمجاز هو ما دلّ بقرينة فلفظ الإيمان في موارده في الكتاب والسنة إذا أُطْلق دخلت فيه الأعمال، وإذا أطلق الإيمان وأريد به مجردُ التصديق، فهذا مفتقر إلى قرينة تدل عليه، وإذا دلت القرينة = لزم أن يكون في هذا المقام مجازًا (١) .
ثُمَّ يُقال: إنْ سُلِّم أنَّ التصديقَ مرادفٌ للإِيمان من جهة اللُّغة، فلا
стр. 152
يخلو إما أن يكون التصديق المأمور به تصديقًا مُجرَّدًا مطلقًا بأي شيء، أو يكون تصديقًا مُقيدًا مَخْصوصًا.
فالأول: ينفونه ولا يلْتزمونه.
بقي الثاني: وهم يجعلونه تصديقًا بالله وبكل ما نطقت به الدَّلائل الشَّرعيّة من البعث والجنة والنار والملائكة وغير ذلك، وهذا لا شك خلاف اللغة، فإن مقتضى التصديق المطلق، لا يتعلق بالقلب فقط.
يقول الإمام محمد بن نصر المروزي (١): (وقد وجدنا العرب في لغتها تُسمي كل عمل حققت به عمل القلب واللسان تصديقًا، فيقول القائل: فلان يصدق فعله قوله = يعنون: يحقق قوله بفعله، أو يصدق سريرته علانيته، وفلان يكذب فعله قوله.
وقال الشاعر: ...
صدِّق القول بالفعال فإني ... لست أرضى بوصف قال، وقيل
ويقول العرب إذا حمل الرّجل على القوم في الحرب، فلم يرجع= قالوا: صدق الحملة، أي: حققها. أي: لم تقتصر دون أن يبلى. وإذا رجع، قيل: كذب الحملة) (٢)
ولا شك أنَّ المرجئة يقصرون هذا التصديق على القلب، لذا يجوزون أن يكون الإيمان تامًّا في القلب بلا عمل، وعلى ذا جرى اتفاقُهم (٣)،
стр. 153
ويجعلون الأعمال ثمرة من ثمرات الإيمان لا أنَّه جزء منه= وقصر التصديق على ما في القلب خلاف ما دلَّ عليه اللسان، فاللُّغة لا تقصر التصديق على أمر مخصوص، فإذا حادوا، ... وقالوا: الشَّريعة هي التي أَبانت عن صفة هذا التصديق.
فيقال: هذا حقٌ، لكن الشريعة لم تقصر هذا التصديق على القلب فقط، بل جعلت عمل القلب تصديقًا، وقول اللسان تصديقًا (١)؛ ودليل ذلك قول النبي ﷺ : (إنَّ الله كتبَ على ابن آدم حظه من الزنى، أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين النظر، وزنى اللسان النُّطق والنَّفس تتمنى وتشتهي، والفرْجُ يصدِّق ذلك ويُكذبه) (٢)
لذا قال الحسن البصري: (إنَّ الإيمان ليس بالتَّحلِّي ولا بالتَّمنِّي، إنَّ الإيمان ما وقر في القلب وصَدَّقه العمل) (٣)
ثمّ على افتراض أن الإيمان هو التصديق، فإنَّ التصديقَ التامَّ في القلب، يستلزم لما وجب من أعمال الجوارح، وهذه اللَّوازم صارت داخلةً في مسمى الإيمان عند الإطلاق؛ لأنَّ انتفاءَ اللازم دليلٌ على انتفاء الملزوم. يقول شيخ الإِسلام مُبينًا العلاقة بين الظاهر والباطن: (وإذا كان القلب فيه تصديق للرسول ﷺ ومحبة تامة له = فلا بد أن يظهر ذلك على الجسد، فإن الإرادة الجازمة مع وجود القدرة، تستلزم وجود المقدور،
стр. 154
والمحبة الجازمة تتضمن الإرادة الجازمة لتعظيم الرسول وتوقيره، فإذا كان قادرًا على ذلك=امتنع أن يصدر منه موالاة من عادى الرسول ﷺ =فكيف يصدر منه شتمه، وضربه، وقتله طائعًا غير مكره؟) (١)
لذا كانت من اللوازم الباطلة التي تلزم المرجئة الذين جعلوا الإيمان مجرد التصديق القلبي، أَنَّ ما كان خلاف كفر التكذيب الذي هو نقيض التصديق من أنواع الكفر العملي =لا يُخْرج من الملة، فمن سجد لصنم، أَو رمى المصحف في الحُشِّ، أو قتل نبيًّا =فإنَّه لا يكفر؛ لأنه قد أتى بالإيمان المُنجي.
ولذا يقول الإمام أحمد مُشنِّعًا على المرجئة: (ويلزمه أن يقول: هو مؤمن بإقراره، وإن أقرّ بالزكاة في الجملة، ولم يجد في مئتي درهم خمسة، أنه مؤمن، فيلزمه أن يقول إذا أقرّ ثم شد الزنّار في وسطه، وصلى للصليب، وأتى الكنائس والبِيَع، وعمل الكبائر كلَّها إلا أنَّه في ذلك مُقر بالله = فيلزمه أن يكون عنده مؤمنًا , وهذه الأشياء من أشنع ما يلزمهم) (٢)
فالتلازم بين الظاهر والباطن أَمرٌ يشهد له النَّقل والحسُّ: (فلا يتصور في العادةِ أَنَّ رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة ملتزمًا لشريعة النبي ﷺ وما جاء به يأمره ولي الأمر بالصلاة = فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قطّ، لا يكون إلا كافرًا ... ) (٣)
ولمَّا التزم المرجئة بأن الإيمانَ هو التصديق، وهذا التصديق خصلة واحدة لا تتفاوت = كان لازم قولهم وقوع التساوي حينئذ بين إيمان
стр. 155
النبي ﷺ وإيمان الفاسق وأفجر الناس، وهذا اللازم من اللَّوازم الشنيعة التي اشتد نكير الأئمة له (١)، ومعلوم فساد هذا عند آحاد المسلمين وعوامهم، فضلًا عن خاصتهم وعلمائهم.
فلم يجد المرجئة مخرجًا من شنعة هذا اللازم، إلَاّ بإحداث معنى جديدٍ للتفاوت غير التفاوت الحاصل في حقيقته، وقد سبق بيان طرف من أقاويلهم في وجه تفاوت الإيمان عندهم، ولكن، أَعْرِضُ لإحدى هذه التخريجات، وهو ما ذهب إليه الجويني ﵀ في بيان المخلص من هذا اللازم، حيث قال: (أصلكم يُلزمكم أن يكون إيمانُ منهمكٍ في فسقه، كإيمان النبي ﷺ .
قلنا: النبي ﷺ يَفْضل من عداه باستمرار تصديقه، وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج الريب، والتصديق عَرض لا يبقى، وهو متوالٍ للنبي ﷺ ، ثابت لغيره في بعض الأوقات زائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي ﷺ أعداد من التصديق، لا يثبت لغيره إلَّا بعضها، فيكون إيمانه بذلك أكثر فلو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد بذلك ما ذكرناه = لكان كلامًا مستقيمًا) (٢)
فالجويني جعل مناط التفاوت بين إيمان النبي ﷺ وإيمان الفاسق، ما يرجع إلى كثرة التصديقات، وأمَّا ذات التصديق، وحقيقته فلا يقع فيه التفاوت= وبناءً على ذلك ما استطاع الجويني التخلُّص من ورطة اللازم الذي أُوردَ عليهم، بل إنَّ الإِشكال ما زال قائمًا بل هو وقع في إشكال آخر، إذ التسوية لم تنتف بين حقيقة تصديق النبي ﷺ ، وتصديق الفاسق، فحقيقة الإيمان على قولهم واحدة، والاختلاف إنما هو في الكمية، والعدد =وفساد ذلك ظاهر.
стр. 156
والإِشكالُ الآخَرُ جَعْلُه إيمانَ غير النبي ﷺ زائلًا في بعض الفترات، ومقتضى ذلك أنه بانتفاء الإيمان والحالة هذه يحلُّ مقابله وهو الكفر، فكما أنه يستحيل الجمع بين النقيضين فإنّه أَيضًا يستحيل ارتفاع النقيضين.
وما سلف هو على فَرضِ صِحَّةِ تقسيم الكلام إلى حقيقةٍ ومجاز، كيف وقد نازع في صحته جمهرةٌ من أهل العلم (١) .
فإذا تبين سقوط احتجاجهم بالمجاز = بان لنا بطلان دعواهم في:
القضية الثانية: دعواهم أن حديث الشعب لا يدلُّ صراحة على أن الأعمال من الإيمان.
فيقال: بل إنَّ حديث الشُّعَبِ من الأدلة الظَّاهرةِ على أن الأعمال من الإيمان بيان ذلك: أَنَّ النبيَّ ﷺ فَسَّرَ الإيمانَ بأَنَّه عِبارة عن جُمْلة من الأجزاء والخصال المُتفاوتةِ درجة ونوعًا؛ فقال ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة) وهذه الشُّعَب منها ما هو عمل ظاهر، ومنها ماهو من الأعمال الباطنة مع قول القلب، والحديث أشار إلى بعض ما تضمنته هذه الشُّعب من الأعمال فقال النبي ﷺ (أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق، والحياء شعبة من الإيمان) (٢) وتلك الشُّعب الظاهرة والباطنة مَشمولة بهذا اللفظ، ومندرجة تحت مُسَمَّاه، وإلَاّ لما كان لهذا التبيان مِن معنى، كما لو قلت: الصلاة أجزاء وشعب ومن شعبها التكبير، والقيام، والركوع =لم يفهم من هذا التفسير إلاّ كون هذه الأمور داخلة في مُسمَّى اللفظ؛ وهذا معلوم بداهة.
стр. 157
وأما القضية الثالثة: وهي دعوى أَنَّ القرآن ليس فيه تصريح بدخول العمل في الإيمان.
فتصوُّر هذا القول يغني عن إفساده، ومع ذا يقال: بل القرآن قد وقع فيه التصريح بذلك.
فقد قال المولى جل وعلا ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ النور. والتولي إنما هو عن الطَّاعةِ، (فَنَفَى الإيمانَ عمَّن تولى عن العمل، وإن كان أتى بالقول) (١)
-وقال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ الأنفال
فهذه الآيات من أعظم الدَّلائل على أنّ الأعمال داخلةٌ في مُسمَّى الإيمان.
يقول الإمام أبو عُبيد ﵀: (ومما يصدق تفاضله بالأعمال قول الله جل ثناؤه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال]، إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا (٤)﴾ [الأنفال] فلم يجعلِ الإيمان حقيقة إلا بالعمل بهذه الشروط. والذي يزعم أنَّه بالقول خاصًّة يجعله مؤمنًا وإن لم يكن هناك عمل فهو مُعاندٌ لكتاب الله والسُّنَّة) (٢)
ومن الدّلائل القُرآنيةِ المصرحة بدخول الأعمال في مسمى الإيمان الناقضة لقول المرجئة: قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ البقرة.
стр. 158
قال الإمام البخاري ﵀ (يعني: صلاتكم عند البيت) (١)
فسمَّى الله الصلاةَ إيمانًا، وليس بعدَ تسمية الله لها بذلك قولٌ لأحدٍ كائنًا من كان، وما زال السلف والأئمة على تفسير الآية بذلك، حتى نجمت المرجئة، وابتدعوا القول في الإيمان.
يقول الإمام ابن حزم: (ولم يزل أهل الإسلام - قبل الجهمية، والأشعرية، والكرامية، وسائر المرجئة - مجمعين على أنه تعالى إنما عني بذلك صلاتهم إلى البيت المقدس قبل أن ينسخ بالصلاة إلى الكعبة) (٢)
أما القضية الرابعة: فهي شُبهة مَن رد السُّنن، بحجة الاكتفاء بالقرآن، وأنّ فيه الحقيقة دون ما عداه.
وقد أمر الله تعالى باتباع سُنة نبيه ﷺ ، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: ٧ وبرّأه عن الهوى في قوله، فقال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ النجم: ٣ - ٤ فهذا عام في كل ما نطق به المصطفى ﷺ أنّه وحي وحقٌ لا يجامعه باطل أبدًا. والسُّنّة كالقرآن حُكمًا ونَوعًا، فأمَّا حُكمًا فمن جِهة أَنَّ لزوم التَّحاكُمِ إليها كلزوم التَّحاكم إلى القُرآن، وأمَّا المِثليّة في النَّوع =فمن جهة أَنَّ كليهما وَحيٌ من الله تعالى غير أَنَّ القُرآن وحيٌ متلو، والسُّنّة ليست كذلك. وبرهان ما سبق ما ثبت عنه ﷺ أنَّه قال: (ألا إنِّي أُوتيت القرآن، ومثله معه) (٣)
قال الإمام ابن حبان: (هذه الأخبار مما ذكرنا في كتاب "شرائط
стр. 159
الأخبار" أن خطاب الكتاب (١) قد يستقل بنفسه في حالةٍ دون حَالةٍ، حتى يُستعمل على عموم ما ورد الخطاب فيه، وقد لا يَستقلُّ في بعض الأَحوال حتى يُستعمل على كيفيّة اللفظ المجمل الذي هو مطلق الخطاب في الكتاب دون أن تبينها السُّنن. وسنن المصطفى ﷺ كلها مستقلة بأنفسها لا حاجة بها إلى الكتاب المبينة لمجمل الكتاب والمفسرة لمبهمه قال الله جل وعلا: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ النحل: ٤٤ فأخبر جل وعلا أنّ المُفسِّر لقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا﴾ البقرة: ٤٣ وما أشبهها من مُجمل الأَلفاظِ في الكتابِ= رسولُهُ ﷺ ، ومُحالٌ أنْ يكون الشيءُ المُفسِّرُ، له الحاجةُ إلى الشيءِ المُجْمَلِ، وإنَّما الحاجة تكون للمُجمَل إلى المُفسِّر؛ ضد قولِ من زَعم أن السنن يجب عرضها على الكتاب فأتى بما لا يوافقه الخبر ويدفع صحته النظر) (٢)
* * *
стр. 160
المبحث الثاني
دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بالشفاعة
وفيه ثلاثة مطالب:
- المطلب الأول: سوق أحاديث الشفاعة.
- المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الشفاعة.
- المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الشفاعة.
عن أم سلمة ﵂، أن رسول الله ﷺ دعا لأبي سلمة بعد ما توفي، ... فقال: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأَبِى سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِى الْمَهْدِيِّينَ، وَاخْلُفْهُ فِى ... عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ (١)، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَافْسَحْ لَهُ فِى قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ ... لَهُ فِيهِ) رواه مسلم (٢)
عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قيل: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال رسول الله ﷺ : (لقد ظننتُ يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أوّل منك؛ لِمَا رأيتُ من حِرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة: من قال: لا إله إلا الله؛ خالصًا من قلبه - أو: نفسه-) رواه البخاري (٣).
عن أَبي سعيدٍ الخُدْري ﵁:أَنَّهُ سمِع النَّبيَّ الله ﷺ وذُكِر عندَهُ عَمُّهُ؛ فقال ﷺ : (لعلَّه تَنفَعُهُ شَفاعتي يومَ القيامةِ فَيُجْعلُ في ضَحْضَاحٍ مِن النَّار يَبْلُغُ كَعْبَيهِ يغلي منه دِماغُه) مُتَّفَقٌ عليه (٤).
* * *
تمهيد:
دلّت الأحاديث المتقدمة على إثبات أصل الشفاعة ومتعلقاتها. وبإطلاق النظر فيها؛ فإنها لا تخرج عن أربع متعلقات:
المُتعلَّق الأول: الشفاعة لأهل المَوْقف من هول الموقف. وهي المختصة بالنبي ﷺ دون سائر الخلق. وجرت تسميتها في القرآن بالمقام
стр. 166
المحمود. كما قال تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ الإسراء
قال الإمام ابن أبي زمنين: (عَسَى من الله واجبة. والمقام المحمود: الشفاعة (١) .
المُتعلَّق الثاني: الشفاعة لأَهل الجنَّةِ. ويندرج تحتها أنواع من الشفاعات:
النوع الأول: الشفاعة لقومٍ أن يدخلوا الجنة بغير حساب (٢) .
النوع الثاني: الشّفاعة لأَهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهذه مختصة بالنبي ﷺ (٣) .
النوع الثالث: الشفاعة في زيادة الدَّرجات في الجنة لأَهلها وترفيعها (٤) .
المتعلق الثالث: الشفاعة لأهل الكبائر. وينطوي تحتها نوعان:
النوع الأوَّل: الشفاعة في قوم استوجبوا النَّار بذنوبهم ألاّ يدخلوها، فيشفع النبي ﷺ وغيره ممن أذن الله له أن يشفع فيهم. وهذا النوع وإن لم يدل على تعيينه دليل صريح؛ كما صَرَّح بذلك الإمام ابن قيمٍ الجوزية، حيث قال: (وهذا النوع -يعني: الشفاعة فيمن استحق دخول النار ألاّ يدخلها- لم أقف إلى الآن على حديثٍ يدلّ عليه. وأكثر الأحاديث صريحةٌ في أن الشفاعة في أَهل التوحيد من أرباب الكبائر إنما تكون بعد دخولهم النار. وأمّا أنْ يشفع فيهم قبل الدخول؛ فلا يدخلون
стр. 167
= فلمْ أظفَرْ فيه بِنَصٍّ) (١)
إلَّا أنَّه يَنْدَرِجُ تحت عمومات أحاديث الشفاعة، كقوله ﷺ : (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (٢) فإن شفاعته لأهل الكبائر من هذه الأمة تتناول شفاعته لهم لبعضهم: ألاّ يدخلها. ولِمَنْ دخَلَها: أنْ يخرج منها.
النوع الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار من أهل الكبائر: أن يخرج منها. (٣)
المتعلق الرابع: الشفاعة لأبي طالب أن يخفف عنه. وهذه الشفاعة ليست مناقضةً للدَّلائل القُرآنيةِ التي تنفي نفْع الشفاعة للمشركين؛ لأنَّ الشّفاعةَ المنفيةَ شفاعةٌ مخصوصة بالتخليص من العذاب؛ فإن الشفاعة في الخروج من النار لا تتناول أهل الإشراك. وأبو طالب مات مشركًا، ثُمَّ إنَّه لا تعارض بين عامٍّ وخاص؛ لأَنَّ البناء والجمعَ حينئذٍ متأتٍّ (٤)
ولا خلاف بين أهل السنة والجماعة في الشفاعة وما يتعلق بها، وإنما وقع الخلاف في ترتيبها والزيادة في بعض أنواعها لقوة الدَّليل المُلْحِق لبعض هذه الأنواع.
والدلائل القرآنية تقضي بثبوت أصل الشفاعة: إمّا إثباتًا صريحًا، وإمَّا إثباتًا بالإشارة.
стр. 168
فأما الإثبات الصريح؛ فإنه في سائر موارده جاء مشروطًا لا مطلقًا. ومن تلك الدَّلائل:
- قول الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾ النجم
- وقوله سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ طه
- وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ البقرة: ٢٥٥
وبإنعام النظر في هذه الدلائل؛ يتحصل أنّ شَرْطَيْ الشفاعة المثبتة = هما:
أولا: إِذْنُ الله للشَّافع أن يشفَع. وانتفاء تحقق الشفاعة إلا بإذنه تعالى متفرِّعٌ عن أَصل؛ وهو: أن الشفاعة مُلْكٌ لله تعالى، لا يشاركه فيها أَحد من الخلق. وهذا الأصل مفهوم من قول الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾ الزمر: ٤٣
فإذا تقرر أصل التفرد؛ لزِمَ أن يطلبها المخلوق من مالكها؛ لانتفاء ... المشارِك، وامتناع المنازِع له .
الشرط الثاني: رِضا الله تعالى عن المشفوع له. وحقيقة هذا الرضا: أن يكون المشفوع له ممن أَخلص في التوحيد. ومن انتفى عنه هذا المعنى فلا يكون هذا الشرط منطبقًا عليه؛ فإن الله لا يرضى عن القوم الكافرين.
وهذا القَيْدُ مدلولٌ عليه بجملة آيات؛ منها: قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ الأنبياء: ٢٨
стр. 169
فقد قال ابن عباس ﵄ في تفسيرها: (الذين ارتضى لهم شهادة أن لا إله إلا الله) (١)
ومما يدل على هذا الشرط من السنة: ما رواه أبو هريرة ﵁ مرفوعًا: (أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه) (٢)
فإذا انتفى عن الشفاعة هذان القيدان؛ فإنها حينئذٍ تندرج تحت الشفاعة الملغاة شَرعًا. وهذه الشفاعة الشركية هي التي تعلق بها أَهل الإشراك، وحقيقتها = اعتقادهم أَن للشافع حقًّا يستوجب به على الله شيئًا؛ من جنس ما يستحق به الشفعاء على الملوك والمعظمين في الدنيا، فيجيبونهم إلى طِلبتهم؛ لحاجةٍ إليهم، إمّا رغبةً، أو رهبةً. فتكون إرادة الشافع بهذا المعنى مُقيدةً لإرادة الخالق ومشيئته. وتصوُّر هذا المعنى كافٍ في رَدِّه؛ لذا حَسَم الله مادة التعلق بغيره بإبانته عن تمام ملكه لها.
وهذه الشفاعة المنفية شُحِن القرآن بذكرها؛ كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ غافر: ١٨ وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ المدثر. والآيات في هذا المعنى لا يفي المقام بذكرها.
وأمَّا إثبات القرآن للشفاعة بما هو دون التصريح، فقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ المدثر: ٤٨ فإنه لما نفى نفع شفاعة الشفعاء عن أهل الإشراك = دلّ ذلك على أَنَّ هناك شفعاءَ يُنتفع بشفاعتهم - بإذن الله - فيمن كان متّصفًا بالإخلاص، مُفارِقًا للشرك. يقول
стр. 170
ابن عطية ﵀ مبينًا ذلك: ( ... أَخبرنا تعالى أن شفاعة الشافعين لا تنفعهم = فتقرّر من ذلك: أن ثَمَّ شافعين. وفي صحة هذا المعنى أَحاديث) (١)
ومن تلك الأدلة غير الصريحة في إثبات الشفاعة: قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ الإسراء: ٧٩ والمقام المحمود مُجْمَلٌ؛ تكفلت السُّنة ببيانه. فقد روى أحمد، والترمذي -وحسَّنَهُ- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ الإسراء، سئل عنها؛ قال: (هي الشفاعة) (٢)
وعن ابن عمر ﵄ قال: (إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا) (٣)، كل أمة تتبع نبيِّها، تقول: يا فلان اشفع، يا فلان اشفع. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ؛فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود (٤) .
وبمحصل هذه الدَّلائل؛ انعقد الإجماع على إثبات الشَّفَاعةِ.
قال الإمامُ أَبو زكريا السَّلَمَاسي ﵀ حاكيًا إجماع أهل السُّنَّة: (وأجمعوا أَنَّ الشَّفَاعةَ حقٌّ) (٥)
стр. 171
وقال الإمام ابن القطان ﵀: (وأجمعوا على أنَّ الإيمان مع القول بشفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أُمَّتِهِ) (١)
ومع قيام البراهين على ثبوت الشفاعة إلا أن فريقًا من المخالفين لأهل السنة والجماعة استروحوا إلى مدافعتها وعدم التسليم بها. وحاصل مواقفهم لا تخرج عن موقفين:
الأول: من أنكر الشفاعة أصلًا.
الثاني: من أنكر بعض متعلقاتها.
وممن ذهب إلى الموقف الأوَّل: الدكتور "مصطفى محمود". وهو مضطرب في هذا الباب اضطرابًا عظيمًا، فتارةً ينكر الشفاعة في الظاهر، وتارة يُظهِر استحسان مَنْ أَثبتها بقيودها؛ وإن كان جانب النفي عنده ظاهر التغليب.
وفي تقرير إنكاره يقول: (والقانون العام في ذلك اليوم يوم الدين. . يوم تدان الأنفس بما عملت = أنه لا شفاعة تُجدي ولا شفاعة تُقبَل. . لأنّه لا أحدَ يملك هذه الشفاعة. . فلله الشفاعة جميعًا ... ) (٢)
ويقول عن المقام المحمود: (ويبقى السؤال عن المقام المحمود: ما هو؟ ومَن يكون الموعود به في القرآن؟ ومَن كان المخاطَب بهذه الآيات من سورة الإسراء؟. . المخاطَب هو محمد ﵊؛ وحده لا سواه، بلا شك. ولا أحد منّا يعلم موجباتِ هذا المقام المحمود، ولا حدودَه؛ فهو سرٌّ من أسرار الله. والجدل فيه هو جدلٌ بغير علم، ولا نخوض فيه، ونرى أن التفويض أسلم) (٣)
وفي بيان نَفْيه للشفاعة لأَهلِ الكبائر ممن دخل النار، يقول: (ما
стр. 172
ترويه الأحاديث عن أن محمدًا ﵊ سوف يُخرِج من النار كلَّ من قال لا إله إلا الله. . . هكذا يقول الحديث، وهو ما يخالف صريح القرآن. فالقرآن يقول في محكم آياته: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ النساء: ١٤٥) (١)
وقد انتظم كتابُه هذا فَواقِرَ لا تحصى؛ ليس من حظ هذه المباحث تقصّيها والكشف عنها.
وأما الفريق الآخر، وهم الوعيدية، فإنهم أقرّوا بأصل الشفاعة، وأنكروا بعض متعلقاتها. ويتمركز هذا الإنكار في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وقصروا نفعها على المطيعين والتائبين، وحصروا أثرها على رَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وزيادة المَثُوبات. وفي بيان ذلك يقول القاضي عبد الجبار: (أمَّا قولنا في إثبات الشفاعة فهو معروف، ونزعمُ أن من أنكره أَخطأ الخطأ العظيم؛ لكنا نقول: لأهل الثواب دون أهل العقاب، ولأولياء الله دون أعدائه، ويستشفع ﷺ في أن يزيدهم تفضيلًا عظيمًا) (٢)
ويقول السَّالمي: (شفاعة نبينا محمد ﷺ مقصورة على التقيّ من المكلَّفين. والتقي هو: مَن جَانَب المحرّمات، وأدّى الواجبات. فلا شفاعة لغيره من الأشقياء (٣) ولا يظن من قَصْر حصول الشفاعة من النبي ﷺ للمتقي دون أهل الكبائر = تجويزهم شفاعة الشفعاء من الملائكة وغيرهم في أهل الكبائر؛ لأنَّهم إنَّما خصّوا (شفاعة الرسول ﷺ بالذكر دون شفاعة غيره = لأنَّه من لم تنفعه شفاعته؛ لم تنفعه شفاعة غيره بطريق الأَولى) (٤)
стр. 173
ومِن ثَمَّ؛ كان موقفهم من الدَّلائلِ المُتَكَاثِرةِ المُثْبِتة لهذا المُتعلق = لا يخرج عن ثلاثة مَسَالك:
المسلك الأول: إمّا الردُّ لهذه النُّصوصِ الدَّالةِ على نقيض مَذهبِهم؛ فإنَّهم تذرعوا في رَدِّها بذريعتين: إمّا دعوى أنّ هذه الأحاديث مضطربة لا تصحّ (١)، أو ادعائهم بأنها أخبار آحاد لا تُقبل فيما سبيله العلم والقطْع (٢) .
المسلك الثاني: المعارضة لها، ومقابلتها بأدلة الوعيد (٣)؛ كحديث: (من قتل نفسه بيده، فحديدته في يده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا فيها أبدًا) (٤) وكقوله تعالى في آكل الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ البقرة. أو بحملهم للأدلة السالبة لنفع الشفاعة في الكافرين =على أهل الكبائر (٥)؛ كقوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ غافر.
المسلك الثالث: تأويلها وإخراجها عما أراده المتكلم منها. ويتمثل هذا التأويل في الأحاديث الدَّالة على خروج أهل الكبائر من النار على أحد مَعْنيين:
الأول: أَنَّ المراد بها خروجهم من الدنيا من استحقاق العقاب بعد تحقُّقه فيهم.
وفي تقرير هذا المعنى يقول القاضي عبد الجبار: (فأما مايروى
стр. 174
عنه ﷺ : (يخرج أقوام من النار بعد ما امتحشوا وصاروا فحمًا فحمًا) فإنْ صَحَّ؛ فالمراد به: يخرجون في الدنيا من استحقاق العقاب بعد تحقُّقه فيهم ... ) (١)
الثاني: أنَّ المرادَ بها المنعُ. إذْ علَّقَ دخول الجنَّةِ بِكَوْنٍ مُحَالٍ لا يكون؛ وهو أن يدخلوا الجنَّةَ وقد صاروا فحمًا. وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبَّار: (إن المراد بهِ: التبعيد والمنع من خروجهم من النار؛ حيث شَرَطَ أن يكونوا فحمًا. وما هذا حالُه لا يقع ... ) (٢)
فثَمَّةَ أصلٌ مشترك بين هذه الطوائف انبعث منه إنكار الشفاعة والطعن في نصوصها؛ هو القول بإحباط إيمان مرتكب الكبيرة، والحكم بتخليده في النار؛ بناءً على ذلك.
وانفردت المعتزلة بمَدْركٍ آخرَ بَنَتْ عليه موقفَها من الشفاعة، وهو: القول بالاستحقاق العقلي، وإيجاب التخليد لأهل الكبائر على الله تعالى؛ لئلا تقع التسوية في الثواب والعقاب بين المؤمن والعاصي. هذا المأخذ فرْعٌ عن أصلهم في التحسين والتقبيح العقليين (٣) .
وعلّة هذا الامتياز عند المعتزلة: أن الخوارج لم يكونوا أَصحاب معقولاتٍ، وقد كان انهماكهم بالتنسُّكِ والقتال لمخالفيهم مانعًا لهم من التوليد والنَّظَر. وأمَّا الإباضية - وهي الامتداد لفرقة الخوارج - فإنهم لا يرتضون مسلك المعتزلة في الإيجاب العقلي، وينكرونه عليهم.
كما أبان ذلك السَّالمي بقوله: (مذهبُ أَهْلِ الاسْتقامَةِ والمعتزلةِ أَنَّ أهلَ الكبائرِ من معاصي الله كانوا مشركين، أو فاسقين مُخلَّدون في النَّارِ دَائمًا. وأَهل الطَّاعةِ مخلَّدون في الجنَّة دائمًا = لكنَّ أهلَ الاستقامةِ
стр. 175
يقولون: إنَّ التعذيبَ بعدْلِ الله، والثوابَ بفضلِهِ. والمعتزلةُ يقولون بوجوب ذلك عليه -تعالى عن ذلك-؛ بناءً على أَصلهم الفاسد في التحسين والتقبيح العقليين) (١)
وبعد التعريج على مواقف المخالفين من نصوص الشفاعة، ينصرف القول إلى بيان المعارضات العقلية التي أوردوها على هذه النصوص؛ ومن ثَمَّ نقدها، والكشف عن فسادها - بإذن الله -.
* * *
стр. 176
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الشفاعة:
وحاصل ما ساقه المخالفون من المعارضات العقلية على نُصوصِ الشَّفَاعةِ يمكن إجماله في مقامين:
المقام الأول: معارضات عقلية مُجْلبة على أَصل الشفاعة.
المقام الثاني: معارضات عقلية سيقت على متعلق الشفاعة لأهل الكبائر.
فأمَّا المَقامُ الأوَّلُ: فممّا أُورِد على أصل الشفاعة =دعواهم أنَّ جريان الشفاعة على يد الشُّفعاءِ يقتضي مشاركة الله في مُلْكِهِ، ومنازعته فيما تفرد به.
وفي تقرير هذا الاعتراض يقول الدكتور "مصطفى محمود": (جمعية الشفاعة كلها لله وحده - كما ذكر القرآن وكرر في محكم آياته - وأنه لا يُشرِك في حكمه أَحدًا ... وليس لله منافسٌ في هذا، ولا يجوز أن يكون له منافس ... ) (١)
ويقول أيضًا مُقرِّرًا أَنَّ الاعتقاد بالشفاعة لون من الشرك خفِيٌّ؛ فاللهُ واحد أحد، ليس كمثله شيء؛ ومِنْ ثَمّ (لا يصلح الإنسان أو المَلِك، أو رئيس الملائكة، أو أبو الأنبياء = أن يكون له شريكًا على أي مستوى ... وهو متفرّد بالأمر والحكم. ولا يجوز أ، يتدخّل أحد، أو أن يعدّل أو يبدّل في حكمه ... وهذا جوهر الإسلام. وبداية هذا الشرك الخفي كان معناها بداية انحدار الإنسان ... ) (٢)
стр. 177
أما المقام الثاني: فمن المعارضات المَقُولة على متعلق الشفاعة لأهل الكبائر ما يلي:
أولاً: أَن العقوبة على الكبيرة مستحَقّة على جهة التأبيد، والقول بالشَّفَاعةِ يَخْرمُ هذا الأصلَ؛ إذ لو صَحَّ انقطاعُ عذابِ الفاسقِ؛ لصحّ انقطاع عذاب الكافر قياسًا عليه، بجامع التناهي في المعصية.
وفي بيان هذا المأخذ يقول القاضي عبد الجبار: (دلّت الدلالة على أَنَّ العقوبةَ تُستحَقّ على طريقِ الدَّوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة النبي ﷺ والحال ما تقدم؟!) (١)
ثانيًا: أنَّه إذا كان في الشاهد الشفاعة للمذنب لا تَحْسُن مع الإصرار؛ فكذلك الأمر بالنسبة للغائب، فتقبح الشفاعة حينئذٍ للمذنب مع إصراره.
وفي تقرير هذه الشُّبْهة يقول القاضي عبد الجبَّار: (الشَّفاعةُ في الدُّنيا للمُذنْبِ لا تصحُّ، ولا تحسُن مع الإصرارِ، وإنما تحسُن إذا تاب وتركَ الإِصرارَ؛ لأنّ مَن جَنَى على غيرهِ بأنْ قَتَلَ له ولدًا أو سَلَبه مالًا، إذا شَفَعْنا إليه وسألناه العفو عنه، وقلنا: هو مقيم على قتل غيره من أولاده = كان ذلك لا يحسن، وهذا يمنع مما قالوه -إذا صَحَّ-) (٢)
ثالثًا: أن شفاعة الرَّسولِ ﷺ لأَهلِ الكبائرِ تَسْتلْزِمُ أحدَ مُمتنعَين؛ إمَّا ألاّ يُشفّع وهذا لا يجوز؛ لأنّه يقدح بإكرامه. وإمَّا أن يُشفّع فيه، وهذا ممتنع أيضًا؛ لأنّ إثابةَ من لا يستحقُّ الثوابَ قبيحٌ.
يقول القاضي عبد الجبار: (الرَّسولُ إذا شفعَ لصَاحبِ الكبيرة؛ فلا يخلو: إما أنْ يُشفّع، أوْ لا. فإن لم يُشَفَّعْ لم يَجُزْ؛ لأنه يقدح
стр. 178
بإكرامه. وإن شفع فيه لم يجز أيضًا؛ لأنا قد دللنا على إثابة من لا يستحق الثواب قبيح، وأن المُكلّف لا يدخل الجنة تفضُّلًا) (١)
رابعًا: أنَّ القولَ بانقطاع العذاب عن مرتكب الكبيرة بالشفاعة يلزمُ منه التمادي في الذنوب؛ فكان القول بامتناع الشفاعة أزجر عن غشيان المعاصي.
يقول الإباضي أَحمد الخليلي: (من أمعن النَّظَرَ في أَحوالِ النَّاسِ؛ يتبينُ له أنَّ اعتقاد انتهاء عذاب العُصاة إلى أَمَدٍ، وانقلابهم بعده إلى نَعيمٍ = جَرَّأ هذه الأمة - كما جرأ اليهود من قبلُ - على انتهاك حُرَم الدين، والتفصِّي عن قيود الفضيلة، والاسترسال وراء شهوات النفس، واقتحام لُجج أهوائها) (٢)
خامسا: أنه يمتنع القول بجواز الشَّفَاعةِ لأَهلِ الكبائر. ووجه ذلك: أنَّ الأُمَّةَ مُجمعةٌ على حُسن الرَّغبة إلى الله أن يجعلنا من أهل شفاعته ﷺ ؛ فلو كانت الشَّفَاعةُ جائزةً للفُسَّاق = لَلَزِم أن يكون الدُّعاء بنيل الشفاعة دعاءً بأن يجعلنا الله من الفُسَّاق!
وفي بيان هذه الشبهة يقول القاضي عبد الجبار: (يقال لهؤلاء المرجئة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة؟! فلو كان الأمر على ما ذكر نحوه = لكان يجب أن يكون هذا الدعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفُسّاق؛ وذلك خلف) (٣)
* * *
стр. 179
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الشفاعةِ
أمّا فيما يتعلق بالمعارضات المُساقةِ على أَصل الشفاعةِ؛ فالجواب عن ذلك أن يقال:
إن هذه الشبهة باعِثُها الغَلَط في فهم حقيقة الشفاعة الشرعية المُثْبَتَة. فالدكتور "مصطفى محمود" اعتقد أن هذه الشفاعة يستلزم إثباتُها إشراكَ المخلوق مع الرَّبِ ﵎ في فَرْدٍ من أَفراد مُلكه؛ لأنه سبق إلى مخيلته ما يراه في الشَّاهد من تعلُّق المشفوع له بالشافع، وطلبه الشفاعة منه، وقيام الشافع بالشفاعة دون إذن من المشفوع عنده للشافع، ولا رضا عن المشفوع له = وهذا -كما ترى- قياس فاسدُ الاعتبار؛ لأن الشفاعة الشرعية مشروطة بقيود لا تكون معتبَرةً إلا بتحققها، فينتفي نفاذها إلا بعد توفُّر شروطها.
ومما يعضد هذا الأصل - وهو: تفرد الرب بملكية الشفاعة -: أن الله تعالى لم يقبلْ بعضَ الشفاعات من خير الخَلْقِ وهم رسل الله تعالى. فلم يأْذنْ لإبراهيم ﵇ أن يشفع في أبيه؛ كما قال ﷺ : (يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربِّ إنك وعدتني ألا تُخْزِني يوم يبعثون. فأيُّ خِزيٍ أخزى من أبي الأَبعد؟! فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين) (١)
ولم يأذن للنبي ﷺ في أن يشفع لأمِّه؛ كما ثبت من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي =فأذِنَ لي. واستأذنته أن أستغفر لها = فلم يأذن لي) (٢)
стр. 180
فمع كون هؤلاء الشُّفعاءِ أعظم الخلق جاهًا عند الله تعالى وقد ﵃ إلَّا أنَّه تعالى لم يقبل شفاعتهم؛ لعدم تحقُّق شَرْط الرِّضا عن المشفوع له. فلو كانت الشفاعة مقبولة من كل أحد دون قيد أو شرط؛ لَقَبِلَ الله شفاعة الرُّسلِ المتقدمة فلمَّا لم تُقبل = عُلِم أنه لا شريك له في ملكه، وأنه المانحُ مَن شاء من خلقه، الشفيعُ لمن ارتضاه لذلك.
وأما فيما يتعلق بالمعارضات العقلية المُساقة على نصوص الشفاعة لأهل الكبائر؛ فالجواب عنها في الفِقَرِ التَّالية:
الجواب عن المعارض الأول: وهو دعواهم: أن القول بالشفاعة يخرم أصل استحقاق الفاسق للعقوبة على جهة التأبيد =لا برهان عليه. فاستحقاق الفاسق أمرٌ، واستحقاقه لذلك على جهة الدوام أَمْرٌ آخر. فالأولُّ من معاقد الاتفاق بين أئمة السَّلف (١)؛ فلا مطعن فيه من هذه الحيثيَّة. لكنَّ ثبوتَ الاستحقاق لا يزيل ما كان ثابتًا قبل ذلك من استحقاق الثواب، وحينئذ لا يجري العقاب على جهة التأبيد والدوام بل يكون منقطعًا؛ لأن الضرورة الشرعية تنافي هذا القيد الذي رسموه. والقول باستحقاق العقوبة على جهة التأبيد هو توليد عن أَصلهم القاضي بامتناع اجتماع الثواب والعقاب في الشخص.
وقد تقدّم من قبلُ: أن دعوى الامتناع ليس محصلًا من براهين النقل ولا العقل؛ بل اجتماعهما ثابت بالنقل وجائز في العقل؛ لعدم تنافي الاستحقاقَيْن (٢) ثم لو قُدِّر التقابل بينهما على وجه يستلزم سقوط أَحدهما = لكان سقوط الثواب ليس بأولى من سقوط العقاب، بل ثبوت الثَّوابِ أَولى؛ لأنَّ عمومات الوعد راجحة على عمومات الوعيد. إذ إنَّ عمومات الوعد أكثر، والترجيح بالكثرة ملحوظ في ... الشرع (٣) .