المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الشفاعة:
وحاصل ما ساقه المخالفون من المعارضات العقلية على نُصوصِ الشَّفَاعةِ يمكن إجماله في مقامين:
المقام الأول: معارضات عقلية مُجْلبة على أَصل الشفاعة.
المقام الثاني: معارضات عقلية سيقت على متعلق الشفاعة لأهل الكبائر.
فأمَّا المَقامُ الأوَّلُ: فممّا أُورِد على أصل الشفاعة =دعواهم أنَّ جريان الشفاعة على يد الشُّفعاءِ يقتضي مشاركة الله في مُلْكِهِ، ومنازعته فيما تفرد به.
وفي تقرير هذا الاعتراض يقول الدكتور "مصطفى محمود": (جمعية الشفاعة كلها لله وحده - كما ذكر القرآن وكرر في محكم آياته - وأنه لا يُشرِك في حكمه أَحدًا ... وليس لله منافسٌ في هذا، ولا يجوز أن يكون له منافس ... ) (١)
ويقول أيضًا مُقرِّرًا أَنَّ الاعتقاد بالشفاعة لون من الشرك خفِيٌّ؛ فاللهُ واحد أحد، ليس كمثله شيء؛ ومِنْ ثَمّ (لا يصلح الإنسان أو المَلِك، أو رئيس الملائكة، أو أبو الأنبياء = أن يكون له شريكًا على أي مستوى ... وهو متفرّد بالأمر والحكم. ولا يجوز أ، يتدخّل أحد، أو أن يعدّل أو يبدّل في حكمه ... وهذا جوهر الإسلام. وبداية هذا الشرك الخفي كان معناها بداية انحدار الإنسان ... ) (٢)
стр. 177
أما المقام الثاني: فمن المعارضات المَقُولة على متعلق الشفاعة لأهل الكبائر ما يلي:
أولاً: أَن العقوبة على الكبيرة مستحَقّة على جهة التأبيد، والقول بالشَّفَاعةِ يَخْرمُ هذا الأصلَ؛ إذ لو صَحَّ انقطاعُ عذابِ الفاسقِ؛ لصحّ انقطاع عذاب الكافر قياسًا عليه، بجامع التناهي في المعصية.
وفي بيان هذا المأخذ يقول القاضي عبد الجبار: (دلّت الدلالة على أَنَّ العقوبةَ تُستحَقّ على طريقِ الدَّوام، فكيف يخرج الفاسق من النار بشفاعة النبي ﷺ والحال ما تقدم؟!) (١)
ثانيًا: أنَّه إذا كان في الشاهد الشفاعة للمذنب لا تَحْسُن مع الإصرار؛ فكذلك الأمر بالنسبة للغائب، فتقبح الشفاعة حينئذٍ للمذنب مع إصراره.
وفي تقرير هذه الشُّبْهة يقول القاضي عبد الجبَّار: (الشَّفاعةُ في الدُّنيا للمُذنْبِ لا تصحُّ، ولا تحسُن مع الإصرارِ، وإنما تحسُن إذا تاب وتركَ الإِصرارَ؛ لأنّ مَن جَنَى على غيرهِ بأنْ قَتَلَ له ولدًا أو سَلَبه مالًا، إذا شَفَعْنا إليه وسألناه العفو عنه، وقلنا: هو مقيم على قتل غيره من أولاده = كان ذلك لا يحسن، وهذا يمنع مما قالوه -إذا صَحَّ-) (٢)
ثالثًا: أن شفاعة الرَّسولِ ﷺ لأَهلِ الكبائرِ تَسْتلْزِمُ أحدَ مُمتنعَين؛ إمَّا ألاّ يُشفّع وهذا لا يجوز؛ لأنّه يقدح بإكرامه. وإمَّا أن يُشفّع فيه، وهذا ممتنع أيضًا؛ لأنّ إثابةَ من لا يستحقُّ الثوابَ قبيحٌ.
يقول القاضي عبد الجبار: (الرَّسولُ إذا شفعَ لصَاحبِ الكبيرة؛ فلا يخلو: إما أنْ يُشفّع، أوْ لا. فإن لم يُشَفَّعْ لم يَجُزْ؛ لأنه يقدح
стр. 178
بإكرامه. وإن شفع فيه لم يجز أيضًا؛ لأنا قد دللنا على إثابة من لا يستحق الثواب قبيح، وأن المُكلّف لا يدخل الجنة تفضُّلًا) (١)
رابعًا: أنَّ القولَ بانقطاع العذاب عن مرتكب الكبيرة بالشفاعة يلزمُ منه التمادي في الذنوب؛ فكان القول بامتناع الشفاعة أزجر عن غشيان المعاصي.
يقول الإباضي أَحمد الخليلي: (من أمعن النَّظَرَ في أَحوالِ النَّاسِ؛ يتبينُ له أنَّ اعتقاد انتهاء عذاب العُصاة إلى أَمَدٍ، وانقلابهم بعده إلى نَعيمٍ = جَرَّأ هذه الأمة - كما جرأ اليهود من قبلُ - على انتهاك حُرَم الدين، والتفصِّي عن قيود الفضيلة، والاسترسال وراء شهوات النفس، واقتحام لُجج أهوائها) (٢)
خامسا: أنه يمتنع القول بجواز الشَّفَاعةِ لأَهلِ الكبائر. ووجه ذلك: أنَّ الأُمَّةَ مُجمعةٌ على حُسن الرَّغبة إلى الله أن يجعلنا من أهل شفاعته ﷺ ؛ فلو كانت الشَّفَاعةُ جائزةً للفُسَّاق = لَلَزِم أن يكون الدُّعاء بنيل الشفاعة دعاءً بأن يجعلنا الله من الفُسَّاق!
وفي بيان هذه الشبهة يقول القاضي عبد الجبار: (يقال لهؤلاء المرجئة: أليس أن الأمة اتفقت على قولهم: اللهم اجعلنا من أهل الشفاعة؟! فلو كان الأمر على ما ذكر نحوه = لكان يجب أن يكون هذا الدعاء لأن يجعلهم الله تعالى من الفُسّاق؛ وذلك خلف) (٣)
* * *
стр. 179
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الشفاعةِ
أمّا فيما يتعلق بالمعارضات المُساقةِ على أَصل الشفاعةِ؛ فالجواب عن ذلك أن يقال:
إن هذه الشبهة باعِثُها الغَلَط في فهم حقيقة الشفاعة الشرعية المُثْبَتَة. فالدكتور "مصطفى محمود" اعتقد أن هذه الشفاعة يستلزم إثباتُها إشراكَ المخلوق مع الرَّبِ ﵎ في فَرْدٍ من أَفراد مُلكه؛ لأنه سبق إلى مخيلته ما يراه في الشَّاهد من تعلُّق المشفوع له بالشافع، وطلبه الشفاعة منه، وقيام الشافع بالشفاعة دون إذن من المشفوع عنده للشافع، ولا رضا عن المشفوع له = وهذا -كما ترى- قياس فاسدُ الاعتبار؛ لأن الشفاعة الشرعية مشروطة بقيود لا تكون معتبَرةً إلا بتحققها، فينتفي نفاذها إلا بعد توفُّر شروطها.
ومما يعضد هذا الأصل - وهو: تفرد الرب بملكية الشفاعة -: أن الله تعالى لم يقبلْ بعضَ الشفاعات من خير الخَلْقِ وهم رسل الله تعالى. فلم يأْذنْ لإبراهيم ﵇ أن يشفع في أبيه؛ كما قال ﷺ : (يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا ربِّ إنك وعدتني ألا تُخْزِني يوم يبعثون. فأيُّ خِزيٍ أخزى من أبي الأَبعد؟! فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين) (١)
ولم يأذن للنبي ﷺ في أن يشفع لأمِّه؛ كما ثبت من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: (استأذنت ربي أن أزور قبر أمي =فأذِنَ لي. واستأذنته أن أستغفر لها = فلم يأذن لي) (٢)
стр. 180
فمع كون هؤلاء الشُّفعاءِ أعظم الخلق جاهًا عند الله تعالى وقد ﵃ إلَّا أنَّه تعالى لم يقبل شفاعتهم؛ لعدم تحقُّق شَرْط الرِّضا عن المشفوع له. فلو كانت الشفاعة مقبولة من كل أحد دون قيد أو شرط؛ لَقَبِلَ الله شفاعة الرُّسلِ المتقدمة فلمَّا لم تُقبل = عُلِم أنه لا شريك له في ملكه، وأنه المانحُ مَن شاء من خلقه، الشفيعُ لمن ارتضاه لذلك.
وأما فيما يتعلق بالمعارضات العقلية المُساقة على نصوص الشفاعة لأهل الكبائر؛ فالجواب عنها في الفِقَرِ التَّالية:
الجواب عن المعارض الأول: وهو دعواهم: أن القول بالشفاعة يخرم أصل استحقاق الفاسق للعقوبة على جهة التأبيد =لا برهان عليه. فاستحقاق الفاسق أمرٌ، واستحقاقه لذلك على جهة الدوام أَمْرٌ آخر. فالأولُّ من معاقد الاتفاق بين أئمة السَّلف (١)؛ فلا مطعن فيه من هذه الحيثيَّة. لكنَّ ثبوتَ الاستحقاق لا يزيل ما كان ثابتًا قبل ذلك من استحقاق الثواب، وحينئذ لا يجري العقاب على جهة التأبيد والدوام بل يكون منقطعًا؛ لأن الضرورة الشرعية تنافي هذا القيد الذي رسموه. والقول باستحقاق العقوبة على جهة التأبيد هو توليد عن أَصلهم القاضي بامتناع اجتماع الثواب والعقاب في الشخص.
وقد تقدّم من قبلُ: أن دعوى الامتناع ليس محصلًا من براهين النقل ولا العقل؛ بل اجتماعهما ثابت بالنقل وجائز في العقل؛ لعدم تنافي الاستحقاقَيْن (٢) ثم لو قُدِّر التقابل بينهما على وجه يستلزم سقوط أَحدهما = لكان سقوط الثواب ليس بأولى من سقوط العقاب، بل ثبوت الثَّوابِ أَولى؛ لأنَّ عمومات الوعد راجحة على عمومات الوعيد. إذ إنَّ عمومات الوعد أكثر، والترجيح بالكثرة ملحوظ في ... الشرع (٣) .
стр. 181
ومنها: أنَّ تغليب جانب العفو والرحمة وما يناسبهما = أَكثرُ ثناء على الله تعالى. ولذا كتب على نفسه الرحمة، وتمدّح بها، وكثرت أسماؤه المشتقة منها (١)
وأما القول بأن تصحيح انقطاع عذاب الفاسق يستلزم تصحيح انقطاع عذاب الكافر؛ قياسًا عليه، بجامع التناهي في المعصية = فهو قياس فاسد الاعتبار؛ لكونه في مقابل النص، فلا يُقبَل. هذا أولاً.
ثانياً: أنه لو قُدِّر انتفاء النصّ الدالّ على انقطاع عذاب أهل الكبائر = لَمَا صَحَّ هذا القياس؛ لأنه مرتَّبٌ في الاعتقادات. والقياسُ لا يجري في هذا الباب. بل لو قُدِّر جواز هذا النَّظْم = لما صَحَّ هذا الاعتبار؛ لأن علّة الأصل غير متحققة في الفَرْع. فالكُفْرُ غير متناهٍ؛ لا من جهة قَدْره، ولا من جهة قُبْحه. فإن الشرك والكفر من أعظم الظلم، ولأنَّ الكافر يعتقده مذهبًا للأَبد، فأوجب ذلك له عذاب الأبد (٢) .
بخلاف العاصي؛ فإنّه لا ينفك عن حال خوف العقاب، ورجاء المغفرة. وهذه أَحوال شريفة تقابل ما اقترفه من المعاصي في حال الغفلة عن تحقيق مقتضى اعتقاده. فلا يمكن؛ نقلًا ولا عقلًا -والحالُ هذه- التسويةُ بين المؤمن والكافر؛ لا من جهة الاعتقاد، ولا من جهة العَمَل، ولا من جهة العقوبة. والتسوية لا تقع إلا على وجه الشطط والمكابرة.
يقول الإمام القصّاب مبيّنًا المفارقة التي وقعت فيها الوعيدية؛ وعلى جهة التعيين المعتزلة: (إنْ أَوجدونا في القرآن كلِّه = أنّ الله لم يوجب الرحمةَ والفوزَ والجنةَ، إلا لمن لم يعصه طرفة عينٍ، أو عصاه فمات تائبًا =فالقولُ قولُهم (٣) وإلاّ؛ فليُقِرّوا أَنَّ الخُلودَ لا يجب على من
стр. 182
آمن وعمل الصالحات. ولْيَعلموا أَنَّ هذا العادلَ - الذين يدعون الفَلسفة في معرفة عدلِهِ لا يُضِيع إيمانَ مؤمن وصالح عمله بذنب أذْنَبَه، فسوّى بينه وبين الكافر الذي لم يؤمن طرفة عين، ولا عمل من صالحِ عمله شيئًا. وما بال القضاء بالذنوب ينفي عن الله جل وتعالى محاماة عدله عندهم ولا ينفي عنه التسوية بين المؤمن والكافر في الخلود؟! وما بال إيمان الكافر إذا آمن لحظة يستعلي على كفره جميع عُمُره، وإحسان المؤمن عمره لا يستعلي على ذنب أذنبه؟ ومع إحسانه إِيمانه؛ أَلِأَنّ الذنب أَعظم من الكفر، وأوْزَنُ في الميزان منه؟! إن هذا منهم إلى تجوير الله - تعالى عن قولهم - أقربُ منه إلى تعديله (١) .
أما الجواب عن المعارض الثاني: وهو قياسهم قبح الشفاعة لمرتكب الكبيرة على قبح الشفاعة للمذنب المصرّ على جنايته في الدنيا = فيقال:
هذا قياس فاسد؛ لأنه لا يُسلَّم بإطلاق قبح العلّة في الأصل ليصح تعديتها إلى الفَرْعِ؛ ذلك أَنَّ الشفاعةَ للمُذْنِبِ لا تكون قبيحةً في الدُّنيا بإطلاق؛ إلا إذا عُلم من حاله عَزْمُهُ على المخالفة، وإِصرارُه على المعاودة. والقطْعُ بدوام العقد على الإصرار -فيما يتعلق بمرتكب الكبيرة في الآخرة- = متعذّرٌ.
ثم على تقدير صحة هذا القياس فإنه يلزم الوعيدية طردُهُ؛ بأن يسلّموا بأن العقوبة الأخروية لأهل الكبائر متناهية، كما أن العقوبة الدنيوية للمذنب المُصر متناهية. فإن أبوا التسليم = انتقض قياسُهم وبَطل. وقد سبقت الإبانة أن القياس إذا كان في معارضة النصوص يكون فاسد الاعتبار.
стр. 183
وأما الجواب عن المعارض الثالث: وهو دعواهم أن الشفاعة لأهل الكبائر تستلزم أحد ممتنعَيْن. .الخ
فيقال: دعوى امتناع الشفاعة لأهل الكبائر لعدم استحقاق الثواب فرع عن أَصلين فاسدين:
الأول: القول بالإحباط.
الثاني: أن دخول الجنة مستحَقٌّ بالعمل؛ على جهة المقابلة والعوض.
أما الأول: فقد سبق أن الدلائل الشرعية قد تضافرت على أن الكبيرة لا تحيط بثواب الفاسق فتحبطه.
وأما الثاني: فإن دخول الجنة ليس مستحَقًا على العمل على جهة العوض؛ بل دخولها على جهة التفضُّل والرحمة من الله تعالى؛ كما قال على لسان أهل الجنة: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فاطر: ٣٥ فإذا استقر فساد هذين الأصلين = عُلم بذلك بطلان ما بُني عليهما. والأدلة متظاهرة على أن الله يُشفّع نبيه ﷺ فيمن شاء من أهل الكبائر، فيتحصل بذلك فساد ما قدروه من عدم قبول الله لشفاعة نبيه ﷺ .
وأما جواب المعارض الرابع: فلا يسلَّم لهم أن لازم تصحيح الشفاعة التمادي في العصيان؛ لأن من ارتكب مَأْثَمًا لا يقطع بكونه ممن تناله الشفاعة. هذه واحدة.
وأخرى: أن إغلاق باب الشفاعة يستلزم لوازم باطلة أشنع من اللوازم التي ذكروها. ومن ذلك: تكذيب النصوص المتواترة الدالة على إثبات الشفاعة. وكذلك؛ فإن إغلاق هذا الباب يستلزم الوقوع في الإياس والقنوط من رحمة الله تعالى (١) فإذا تعارض تقديم خصوص متعلق
стр. 184
الرجاء على عموم متعلق الخوف = كان تقديم الأوّل أوْلى؛ لتعدد الشواهد عليه (١) كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾ الحجر. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الممتحنة: ٦ وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (٨٤)﴾ المائدة: ٨٤ والبراهين على هذا التقديم لا يفي المقام ببيانها.
وأما جواب المعارض الخامس: فيقال: إنَّ ما ذكروه من اللزوم كاذب؛ لعدم صدق الرَّابط بين المُقدِّمة ونتيجتها؛ فالشَّفاعة ليست مقصورة على المُذنبين، بل إنَّها -كما سبق -قد تكون لتخفيف الحِساب ورِفْعة الدَّرجات، هذا مِن جِهةٍ.
ومن جِهة ثانية: فإنَّه من المعلوم تجْويز الوعيدية طلب المغفرة والرحمة من الله؛ وهذا مما لا يُخالفهم فيه أَهلُ السُّنَّة؛ فيلْزمهم على هذا التجويز: أن يكون طلب المغفرة والرَّحمةِ من الله تعالى، هو في حقيقة الأمر= دعاءً بأن يكون الطالب للمغفرة والرَّحمةِ مِن العصاة المُجْرمين؛ ليصح دعاؤه!.فما كان جوابهم عن هذا اللازم كان جواب مخالفيهم من أهل السُّنَّة لهم عما أوردوه سواء بسواء.
ثُمَّ إنّه يقال: ما من عبدٍ إلَّا والتقصير في حقِّ ربِّه تعالى يحيط به مِن كُلِّ جانب مهما بالغ في التحوط وإِحراز الكمال؛ فهو مُفتقِرٌ إلى عَفو خالقه ومولاه، مُشْفِقٌ أَن يكون مِن الهالكين؛ ومن ادَّعى سلامته من الذَّنب حال سؤاله الشَّفاعةَ=فإنَّه لا يمكنه أن يدَّعي الحِفْظَ من المُقارفة للمعاصي فيما يستأْنِف من الوقت. وعليه فطلب الشَّفاعة بهذا المعنى غير منكور لمن عرف طبيعة البشر.
стр. 185
والعجيب حقًّا أنَّ المعتزلة تختزل الشَّفاعة في زيادة المثوبات ورفعة الدَّرجات، مع كون ذلك مما يناقض مذهبهم الَّذي يقضي بأنَّ دخول الجنَّة مُستحقٌّ بالعمل لا برحمة الله تعالى لئلا يوجب ذلك تنغيص النعمة بوقوع المِنّة من الله بذلك! =و مكمن هذا التناقض لدى المعتزلة؛ أن زيادة المَثوبات، ورِفعة الدَّرجات، مِنَّة من الله يوجب تنغيص النِّعمة على أَهلها؛ فيلزم على ذلك تَرك سؤالها من الله، وهذا مخالف لإجماع المُسلمين.
فتحرّر ممَّا سبق=أنَّ إثباتَ الشَّفاعةِ لا يستلزم ما ذكروه، ومَنْ عَلِم أنّ القطْع بكونه ممن يناله العفو قبل دخول النار متعذّر، وأنّ من الشفاعة ما يكون من النار بعد دخولها = حمله ذلك عن الانْزجار عن ركوب المحارم. فإذا انضاف إلى ذلك ما يترتب عليها في الدُّنيا والبَرْزخ من المؤاخذة والجزاء = كان ذلك له من أَعظم الصوارف عن الذنوب.
وبعد بيان سُقوط هذه المُعارضات؛ يبقى النظر في مَسَالك المخالفين مع تلك النصوص، بعد أنْ أَبَوْا التسليم لما دلت عليه.
فأمَّا المَسْلَكُ الأول: وهو رَدّها بدعوى كونها مضطربة لا تصح، أو أنها أخبار آحاد لا تُقبل. فيقال:
ليس بين صحيح تلك الأحاديث اضطراب وتعارض، ولم ينصّ على ذلك أَحد من أئمة هذا الشأن. وأما اختلاف نصوص الشفاعة لاختلاف متعلقاتها = فلا يُعدّ اضطرابًا؛ لأنّ اختلاف التنوع مقبول سائغ، لا اختلاف التضادّ.
وأما دعوى أنها أخبار الآحاد لا تُقبل = فغير سديد؛ لأن هذه النصوص قد استفاضت وتواترات. وقد نَصّ على ذلك غيرُ واحد من الأئمة الحفاظ:
كالقاضي عياض ﵀ حيث قال: (قد جاءت الآثارُ التي بلَغَتْ
стр. 186
بمجموعها التواترَ بصحتها في الآخرة لمُذنبي المؤمنين، وأجمع السَّلفُ الصَّالحُ ومَن بعدهم من أهل السُّنَّة عليها) (١)
والإمام ابن تيميَّة ﵀ إذ قال مُقرِّرًا ذلك: (فقد تَواترتِ الأحاديثُ عن النَّبى فى أنَّه يخرجُ أَقوامٌ من النَّار بعد ما دخلوها، وأنَّ النبىَّ [ ﷺ ] يشفع في أَقوامٍ دَخَلوا النَّارَ. وهذه الأَحاديثُ حجةٌ على الطَّائفتين الوعيدية الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: لا ندرى هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا) (٢)
والحافظ الذَّهبي حيثُ قال: (فشفاعته لأهل الكبائر منه أمته، وشفاعته نائلة؛ من مات يشهد أن لا إله إلاّ الله، فمن ردَّ شفاعته، وردَّ أحاديثها جهلًا منه = فهو ضال جاهل قد ظن أنها أجبار آحاد، وليس الأمر كذلك، بل هي من المتواتر القطعي) (٣)
بل قال ابن جرير ﵀: (فإن الأخبار المرويةعن رسول الله ﷺ متظاهرة بنقل من يمتنع في نقله الخطأ، والسهو، والكذب، ويوجب نقله العلم، أنه ذكر أن الله جلّ ثناؤه يخرج من النار قومًا بعدما امتحشوا وصاروا حممًا بذنوب كانوا أصابوها في الدنيا، ثم يدخلهم الجنة، وأنه قال: (شفاعة لأهل الكبائر من أمتي)، وأنه ﵇ يشفع لأمته إلى ربه فيقال (أَخْرِج منها من كان في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من إيمان)، في نظائر لما ذكرنا من الأخبار التي إن لم تثبت صحتها = لم يصح عنه خبرٌ ﷺ ) (٤) .
стр. 187
وعلى تقدير انتفاء التواتر عن هذه الأَخبار الصحيحة فخبر الآحاد متى صَحَّ كان حُجّةً وجب الأخذ بمقتضاه -كما سلف بيانُه-.
أما الجواب عن المسلك الثاني: وهو المعارضة لها بأدلة الوعيد، فإنه من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، فلا بد من العَمَل بالكتاب كله. وسابلة أَهل السنة والجماعة في هذا الباب الجمعُ بين نصوص الوعد ونصوص الوعيد، وتفسير بعضها ببعض، فإن أدلة الشرع تفسر بعضها بعضًا.
وبمقتضى هذا الأَصل يتحرر القول في فهْم أدلة الوعيد؛ فإنه لا يقال بمُوجِبِها على وجه العموم دون أن تنزّل على المُعيّن؛ لأن مُوجِب الذَّنبِ قد يتخلّف عنه لمانع من موانع لُحوق الوعيدِ (١)؛ إما بالعفو المحض من الله تعالى، أو بالعفو المقيد بسبب.
هذا السبب المانع؛ إما أن يكون ناشئًا من العبد، أو من غيره.
فالأول: كالتوبة، والاستغفار، والحسنات الماحية.
والثاني: كالشفاعة (٢) .
والقول بلحوق الوعيد لكلّ مُعيَّن مما لا يلتزمه الوعيدية أنفسُهم، فإنَّهم يخصون عموم الوعيد باشتراط التوبة، وهذا من محال الاتفاق بينهم وبين أهل السنة؛ إلَاّ أنَّ أهلَ السُّنَّةِ يُتبِعون هذا الشَّرطَ والمخصّص ما دلت عليه الدلائل من الموانع التي تمنع من إنفاذ الوعيد. وتخصيص عموم أدلة الوعيد بشرط دون آخر، مع كون كليهما مدلولًا عليه بالشَّرْعِ =يُعدّ من تناقض الوعيدية.
стр. 188
أما الجواب عن المسلك الثالث: وهو تأويل نصوص خروج مرتكب الكبيرة من النَّار بخروجه في الدنيا من استحقاق العقاب بعد تحققه فيهم = فباطل من وجهين:
الأوّل: أنه تقدير في النص بما لم يشهد له السياق ولا الدلائل الخارجية. والأَصل في خطاب المتكلم أنه جارٍ على السداد، وأنه لا يفتقر إلى تقدير = والتقدير خروج عن الأصل بلا موجب لذا قال الإمام الزّجاج-﵀: (لا يجوزُ الإِضمار إلَاّ أن يجري ذِكرٌ، أو دليلُ ذكرٍ بمنزلة الذِّكرِ (١) .
الثاني: أنَّ سياقَ الحديث يُبْطِلُه؛ فإِنّ في آخره تأقيت الخروج ببعديّة الامْتِحاشِ والصيرورة إلى التفحُّم. وهذا مما ينقض تقدير الخروج في الدنيا.
وأما تأويلها بأن هذه النصوص علّقت الخروجَ على أمر مُحالٍ؛ لِيُفهَم منها المنْعُ والتبعيد = فمغالطة؛ لأن الدخول ليس في حال التفحم، ليصح توجيه هذا الاعتراض؛ وإنما بعد إحياء الله لهم، كما جاء فيها: (فيخرجون من النار قد امتحشوا فيصب عليهم ماء الحياء فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل) (٢)
* * *
стр. 189
الفصل الثاني
دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن
الأحاديث المتعلّقةِ بتوحيد العبادة
وفيه مبحث واحدٌ:
- مبحث: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث: (لا تشدّ الرّحال)
стр. 190
مبحث:
دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث: (لا تُشدّ الرّحال)
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سَوْقُ حديث: ((لا تُشدّ الرّحال. . . .)
- المطلب الثاني: سَوْق المُعارِض العقلي على حديث: ((لا تُشدّ الرّحال ... ))
- المطلب الثالث: دفع دعوى المُعارِض العقلي عن حديث ((لا تُشدّ الرّحال ... ))
стр. 191
المطلب الأول: سَوْق حديث: (لا تُشدّ الرحال . . .)
عن أبي هريرة ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: (لا تُشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجدَ: المسجد الحرامِ ومسجدالرسول ﷺ ، والمسجد الأقصى) متفق عليه (١).
عن قُزعة مولى زياد قال سمعتُ أبا سعيد الخُدري ﵁ يُحدِّث بأربع عن النبي ﷺ ، فأعجبنَنِي، وآنقنني (٢) قال: (لاتسافر المرأة مسيرة يومين إلَاّ معها زَوجُها، أو ذو مَحْرم، ولا صوم في يومين: الفطرِ والأَضْحَى، ولا صلاة بعد صلاتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعدِ العصرِ حتى تغرب الشمس، ولا تشدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي) متفق عليه (٣).
وعن قزعة عن أبي سعيد قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أَنتَ سمعتَ هذا مِن رسول الله ﷺ ،؟ قال: فأقولُ على رسول الله ﷺ ما لم أسمع؟! قال: سمعتُه يقول: قال رسول الله ﷺ : (لا تَشُدُّوا الرِّحالَ إلَا إلى ثلاثةِ مساجد: مَسجِدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى) وسمعته يقول: (لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها ذو
стр. 192
محرم منها، أو زوجها) (١)
* * *
تمهيد:
قبل سَوْق دعاوى المخالفين التي اعترضوا بها على هذا الحديث؛ لصرْف دلالته، كان لزامًا التعرُّض لبيان مسائل تتعلق بهذا الحديث. هذه المسائل يمكن إجمالُها في ثلاثة أنظار:
الأول: بيان علاقة هذا الحديث بتوحيد العِبادة.
الثاني: بيان دلالة الحديث على تحريم شَدّ الرحل إلى مكان بعينه للعبادة.
الثالث: بيان الانفكاك بين تحريم شدّ الرحل والسفر لزيارة قبور الصالحين والأنبياء، وبيان مشروعية زيارة هذه القبور الزيارة الشرعية، دون إنشاءِ سفرٍ لها.
أمّا النظرُّ الأول: بيان علاقة هذا الحديث بتوحيد العبادة:
فوجه إدخال هذه المسألة في توحيد العبادة، أَن الشَّريعة قصدت حسم مادة الشرك من تعلّق القلوب بالبقاع والأمكنة بالحجِّ إليها، والتماس البركة منها، فالسَّفر إلى بقعة من البقاع غير ما استثناه الشَّارعُ صار وسيلة للوقوع في الشِّرك الأكبر، خصوصًا ما تراه في العصور المتأخرة من الحج إلى المشاهد والقبور، وطلب الغياث من أَصحابها، والنذر والذَّبح لها، والطواف بها، والسجود لها إلى غير ذلك مما يُناقض أَصل التّوحيد، ويخْرِم أُسّ الملة؛ لذا درج عددٌ مِن أَهل
стр. 193
العلمِ على تضمين مسائل توحيد الإلهية الكلام على مسألة شدِّ الرحال إلى المشاهد والقبور (١) .
ثم إن من رأى جواز شدِّ الرِّحال إلى بقعة غير المساجد الثلاثة، كمثل السَّفر إلى المشاهد والقبور =فلا بد أَنّه قد قصد بسفره هذا التَقرُّب، ولا ريب أَنَّ العبادات مبناها على التوقيف، ولا تصحُّ إلَاّ بشرطين اثنين:
الأوّل: تجريد التوحيد لله تعالى؛ بألاّ نعبد إلاّ إيّاه.
الثاني: تجريد المتابعة للنبي ﷺ ؛ بألاّ نعبد الله إلاّ بما شرعه وبلّغه عن الله تعالى. وهذان الشرطان هما جماع الدّين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ الكهف. (٢)
ولهذا نصَّ أهلُ العلم على بيان أن العبادات موقوفةٌ على النصّ ومَوْرِدِهِ، وأنّها مبنيّةٌ على الحظر؛ وعلةُ ذلك هو ما ذكره الطوفي بقوله: (العباداتُ حقّ الشَّرعِ خاصٌ به، ولا يمكن معرفة حقِّه كمًّا، وكيفًا، وزمَانًا، ومكانًا =إلَّا مِن جِهتهِ؛ فيأتي به العبدُ على ما رسَمَ له سيِّدُهُ) (٣) فمن تعبد الله بالسَّفر وشدِّ الرحل إلى بقعة لم تأذن الشَّريعة في
стр. 194
قصدها =ففعله بدعة. وقد صحَّ من حديث أُمِّ المؤمنين عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: (من أَحدث في أَمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ) (١)
وبذلك تستبين وجه إيراد هذا الحديث في طيّ هذا المبحث.
وأمَّا النظر الثاني: بيان دلالة الحديث على تحريم شَدّ الرحل إلى مكان بعينه للعبادة.
فإن قوله ﷺ : (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) تضمّن المنْعَ والنّهي عن شدّ الرحال إلى بقعة للعبادة؛ إلاّ إلى ما قَصَر النبي ﷺ شدّ الرّحل إليه من المساجد الثلاثة. وقد تقرّر في الأصول: أن صيغة: (لا تُشدّ الرحال) هي خبرٌ في معنى النهي، والنَّهيُ المجرّدُ من القرائن يقتضي التحريم (٢) . والتعبير بصيغة: (لا) المفيدة للنفي أبلغُ في الخطاب من النهي بصيغة: (لا تشدّوا)
وبيان ذلك: أنَّ النَّفي متضمن للنَّهي وزيادة، وذلك أنَّ الشّارع أَخبر أن شدّ الرحل إلى بقعة غير المساجد الثلاثة منفيٌّ، فلم يكن ثابتًا قبل ذلك، ولا ينبغي وقوعه.
وفي تقرير ذلك يقول الإمام الطِّيبي ﵀: (قوله: (لا تُشدّ الرحال): كناية عن النهي عن المسافرة إلى غيرها من المساجد؛ وهو أبلغ مما لو قيل: لا يسافر؛ لأنّه صوّر حالة المسافرة وتهييء أسبابها، وعدّتها من المراكب والأدوات، والتزوّد، وفِعْل الشدّ، ثم أخرج النهيَ مخرج الإخبار؛ أي: لا ينبغي، ولا يستقيم أن يقصد الزيارة بالرحلة إلا
стр. 195
هذه البقاع الشريفة؛ لاختصاصها بالمزايا والفضائل (١) .
فإن قيل: قد منع بعضهم (٢) ورود النهي بغير صيغته المعروفة: " لا تفعل"؛ فلا مُستَمسَك لمن مَنَع شدّ الرحل إلى غير هذه المساجد الثلاثة.
فالجواب عن هذا الاعتراض من وجهين:
الأوّل: أنه قد ذهب المحققون من أهل الأصول إلى إلحاق (الخبر الذي في معنى النهي) إلى الصِّيَغ المفيدة للنهي. كما ذهب إلى ذلك القفّال الشاشي، وغيره (٣) . واستدلوا على ذلك بدخول النَّسْخ فيه. ومن المعلوم أَنَّ الأخبار المَحْضَة لا يلحقُها النَّسْخ.
الثاني: أنّه على فرْض التسليم بامتناع ورود النهي بغير صيغته، فإنّه قد وردَ النهي مصرّحًا به في حديث بلفظ: (لا تشدّوا الرحال)؛ فبطل بذلك توجيه مَن صرف دلالة الحديث عن المنع والتحريم.
وأمّا مَن حَمَل صيغة النفي المقتضية للنهي هنا على محامل؛ منها: " نفي الأفضلية "، كما هو اختيار طائفة من متأخري أَتباعِ المَذَاهِبِ؛ كالإمام ابن الملك (٤)،وابن قدامة (٥)، والنَّووي (٦)، وغيرهم = فهذا الحمل ممتنع؛ لأمور:
стр. 196
الأول: أنّه جاءَ مصرّحًا بالنَّهي في الرِّواية الأُخرى: (لا تشدّوا) كما سبق.
الثاني: أَنَّ الحديثَ فَهم منه الصحابةُ - رضوان الله عليهم - التحريمَ والمنعَ؛ كما سيأتي بيانه - بحول الله تعالى -.
ومما يكشف أَنَّ النَّهي في الحديث المرادُ به التحريم لا غير = ورود النَّهي - في إحدى طُرق حديث أبي سعيد - عن شدّ الرحال مُقْتَرِنًا بالنِّهي عن ثلاثة أمور أُخَر قد عُلم تحريمُها في الشَّرعِ؛ وهي:
سفر المرأة بغير محرم، وصوم يومي الفطر والأَضحى، والصلاة بعد الصبح والعصر (١) =فدلَّ على أَنَّ شَدَّ الرِّحال آخذٌ حُكمها.
فتخصيص شدّ الرحل إلى غير هذه المساجدِ الثلاثةِ بالتنزيه دون الباقي = لا شكّ أنّه لا مسوّغ له، والحديث يدفعه. (٢)
ثم إنّه يقال: إذا قيل بامتناع النهي وأنّ معنى الحديث: أنّه لا يُشرع، وليس بواجب، ولا مستحبّ؛ فيقال: لا ريب أنّ من أنشأ السَّفر، وشدَّ الرحال إلى تلك القبور أو البقاع؛ إنما قصد العبادة بفعله، والعبادة إنما تتحصَّل بواجب أو مستحبّ؛ فإذا حصل الاتفاق على أَنَّ السفر إلى القبور ليس بواجبٍ ولا مستحب = كان مَن فعلَه على وجه التعبُّد مبتدعًا مخالِفًا للإجماع، والتعبُّد بالبِدَع ليس بمباح. (٣)
بقي أن يقال: إن دلالة النهي تشمل جميع ما يقع في حيّزها من المواضع والبقاع التي تُقصد للعبادة، وهذا الشمول يدلّ عليه القصر
стр. 197
الواقع في الحديث؛ فهو قصْر حقيقي (١)؛
ذلك أَنَّ الاستثناءَ المُفَرّغَ (٢) يُقدَّرُ فيه المستثنى منه بأعم الأحوال. (٣)
والتقدير: لا تُشدّ الرحال إلى بقعة؛ كما قرّره الحافظُ ابنُ حجر العسقلاني (٤) ابتداءً , ولا يلزم على هذا التقدير منعُ السفر إلى زيارة صالحٍ، أو قريبٍ، أو سفرٍ لطلب العلم؛ كما ظنّه القسطلاني (٥)،وغيره كأحمد زيني دحلان؛ حيث قال في تأويل هذا الحديث، وإيراد ما ظنّه لازمًا لمن قال بعمومه: (وأمّا قوله ﷺ : (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ... )
فمعناه: أن لا تُشدّ الرحال إلى مسْجِدٍ لأجلِ تعظيمه والصلاة فيه إِلَاّ إلى المساجد الثلاثة؛ فإنها تُشدّ إليها لتعظيمها، والصلاة
стр. 198
= وهذا التقدير لا بدّ منه، ولولم يكن التقدير هكذا لاقتضى منْع شدّ الرحال للحجّ، والجهاد، والهجرة من دار الكفر، ولطلب العلم، وتجارة الدنيا، وغير ذلك؛ ولا يقول بذلك أحدٌ) (١)
وهو كما قال: لا يقول بهذا أحد. ولا يِرِدُ هذا اللازم على مَنْ سلّم بعموم الحديث؛ ذلك أن هذه المصالح الديني منها والدنيوي، لا يُقصَد فيها مكانٌ بعينه، وإنّما مرام أصحابها ذلك المطلوب حيث كان صاحبه؛ وبه يندفع هذا اللازم.
يقول شيخ الإسلام ﵀: (قوله ﷺ : (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد ... ) يتناول المنع من السفر إلى كلّ بقعةٍ مقصودةٍ؛ بخلاف السفر للتجارة، وطلب العلم، ونحو ذلك؛ فإن السفر لطلب تلك الحاجة حيث كانت، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله؛ فإنه هو المقصود حيث كان (٢) .
وكذلك يُعلَم خطأُ مَن جعل القصْر الواردة في الحديث إضافيًا لا حقيقيًا؛ أي: قَصَر النهي عن شدّ الرحال على أيّ مسجدٍ سوى المساجد الثلاثة المتقدّم ذكرُها في الحديث دون غيرها من المواضع؛ فهو ليس قصْرًا حقيقيًا عامًّا؛ بل منحصرٌ في حيّز المساجد فقط.
فترى " يوسف الدجوي " يقول ناثرًا سخائمه على شيخ الإسلام ﵀ -إِيهامًا منه أنه هو المتفرّد بهذا القول-: (ولْنرجعْ إلى مَن قبلهم من رؤسائهم وأئمتهم، لنرى إمامهم (٣) ابن تيمية الذي قدّموه على جميع
стр. 199
الأئمة كيف منع شَدّ الرحال لزيارته ﷺ ، وجعل السفر للزيارة سفرَ معصيةٍ لا يصحّ فيه قصر الصلاة، خارقًا بذلك إجماعَ المسلمين؛ غير مستحْيٍ من سيّد المرسلين! ودليله الذي استند إليه واستنبط منه ما لم يستنبطه أحدٌ من الأولين والآخرين هو: منعُه ﷺ من شدّ الرحال إلاّ (١) لأحد المساجد الثلاثة، ففهم من ذلك النهي: أنَّ الرِّحالَ لا تُشدُّ للزيارة؛ بناءً على خبالٍ قام برأسه أنّ القصر حقيقيّ لا إضافيّ. ولو كان كما فهم ذلك المجتهد الكبير؛ لكان شدّ الرحال لصلة الرحم، أو زيارة الإخوان، أو التجارة، أو غير ذلك = محرَّمًا؛ فإذًا تقفُ مصالح العالم، وتتعطّل أمور الدين والدنيا! ولو تبصّر قليلًا لعلِمَ ما أراد ﷺ من أنّ المساجد متساوية في الفضل، فكلها سواء؛ إلاّ هذه المساجد الثلاثة؛ وذلك ظاهرٌ لا خفاءَ فيه؛ فإن الأصل أن الشيء يستثنى جنسه القريب. فإذا قلنا: ما ماتَ إلاّ زيدٌ؛ كان معناه: ما مات إنسانٌ إلا زيدٌ. وليس معناه: ما مات حيوان إلاّ زيدٌ. ومَن فهم ذلك كان من الحيوان، لا من الإنسان) (٢)
وكلام " الدجوي " -بنظرة عجْلى فيه- قد انطوى على أَغاليط عدة، مع التغافل عما اشتمل عليه كلامُه من ضروب القصْب. وإنما ينصبّ الحديث معه حول المغالطات العلميّة التي انتظمها كلامه السالف:
فيقال: أمّا عدّ " الدجوي " القولَ بتحريم شد الرحال لزيارة قبر النبي ﷺ من مفردات الإمام ابن تيمية ﵀؛ فقولٌ لا يصدُر إلا عن أحد رجلين:
стр. 200
- إمّا مُلبّسٌ يريد تضليل القارئ؛ بإيهامه أنّ هذا القول محدَثٌ لا سلف له.
- وإمّا جاهل بأقوال الأئمة، مفرِّطٌ في استيفائها، والنظر فيها.
وبالجملة: فإن بُطلان قوله يُوجَز في الأوجه التالية:
الأوَّل: أنْ يقال: قد سبقَ شيخَ الإسلام إلى القول بتحريم شدّ الرحال إلى زيارة القبورِ جماعةٌ من أهل العلم من أتباع المذاهب:
- كالإمام ابن بطّة ﵀؛ حيث قال في سياق تعداد البدع المحرّمة: "ومن البدع: البناء على القبور، وتجصيصها، وشدّ الرحال إلى زيارتها. . . (١)
- والإمام أبو محمد الجويني الشافعي (٢)، والإمام أبو الوفاء ابن عقيل ﵀ (٣)، والقاضي حسين بن محمد المرورذي الشافعي (٤) .
стр. 201
وقد تقلَّد هذا القولَ بعد شيخ الإسلام ابن تيميَّة جماعة مِن متأخّري الحنفيّة نصّوا على تحريم شدّ الرحال إلى زيارة القبور، ومنهم:
- الإمام البركوي ﵀؛ حيث قال في سياق بيانه لمفاسد اتخاذ القبور مساجد: (ومنها: السَّفرُ إليها، مع التعب الأليم، والإثم العظيم؛ فإن جمهور العلماء قالوا: السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة؛ لم يفعلها أحدٌ من الصحابة والتابعين، ولا أمر بها رسول رب العالمين، ولا استحبّها أحدٌ من أئمة المسلمين. فمن اعتقد ذلك قُربةً وطاعةً = فقد ... خالف الإجماع، ولو سافر إليها بذلك الاعتقاد؛ يحرُم بإجماع المسلمين. فصار التحريم من جهة اتخاذه قربة = ومعلومٌ أن أحدًا لا يسافر إليها إلا لذلك. .) (١) والإمام وليّ الله الدهلوي، وسيأتي نقل قوله ﵀.
- وكذلك الإمام محمود شكري الآلوسي (٢)، وكتابه " غاية الأماني " زاخرٌ بتقرير هذا المعنى.
القضية الثانية: أن يقال: ليس مع المُستحبِّين لشدِّ الرِّحالِ إلى زيارة القبور=دليلٌ يُعتمَد عليه، وحجةٌ يُعوَّلُ عليها؛ بل جُلُّ اعتمادهم على أحاديث مكذوبة، وأقوالٍ لمتأخّري أصحاب المذاهب في ميزان الحقِّ مرجوحة، وهؤلاء لا يُجعَل قولُهم حجّة على كلام الأئمة المتقدّمين؛ فضْلًا عن أن يكون حجة على الشّرع.
فأين أقوال الأئمة الأربعة على استحباب ذلك؟ وما مستندُ الإجماع
стр. 202
على استحباب شدّ الرحال إلى بقعة غير المساجد الثلاثة؟ دون إثباتِهم لذلك خرْطُ القَتَاد.
القضية الثالثة: أنّه لو قيل: إِنَّ الإِجماعَ في نَقِيض ما ادّعوا لما بَعُد.
بيان ذلك: أنّ الصحابة ﵃؛ كأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وبصرة بن أبي بصرة = فهموا من الحديث العموم والاستغراق لغير المساجد.
فأمّا أبو سعيد الخدري ﵁ فيذكر شهرُ بنُ حوشب أنه لقِيه وهو يريد الطور، " فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (لا تُشدّ المطيّ إلاإلى ثلاثة مساجد ... ) (١) .
وأمّا عبد الله بن عمر ﵄ فقد روى عنه قزعة، قال: سألتُ ابنَ عمر: آتي الطور؟ قال: (دع الطور، لا تأتِه وقال: لا تُشدُّ الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) (٢)
وأما أبو بصرة الغفاري ﵁؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: خرجتُ إلى الطور ... قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري (٣)، فقال: من أين أقبلْتَ؟ قلتُ: من الطور. فقال: لو أدركْتُك قبل أن تخرُج إليه ما خرجتَ = سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (لا تُعمل المطيّ إلاّ إلى ثلاثة مساجد ... ) الحديث. (٤)
стр. 203
فهؤلاء أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ فَهموا استغراق النَّهي لجميع البقاع من هذا الحديث، ولم يُعرَف لهم مخالف يُناقض صَراحة ما فهموه؛ فيتحصَّلُ مِن ذلك اتفَاقُهم على عدم جواز شدّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة.
وممَّا يَفْصِل في الأَمر، ويرتقي بالنَّاظر إلى مدارج اليقين بصحة ما فُهم من مذهب الصَّحابة ﵃ =ما تراه من عدم ورود ما يُناقض ذلك المُتقَرِّر في القرن الأوَّل عند التابعين، ومَنْ جاء بعدهم من الأئمة الأربعة؛ فيتحرّر عندئذٍ: أَنَّ الأصلَ عندهم المَنْع من ذلك، وعدمُ جوازِهِ.
وقد يُقال: عدم الوقوف على ما يُناقض هذا الأصل من فعل الصحابة أو أَقوالهم، وفعل أو أقوال من جاء بعدهم من التابعين، ليس علمًا بالعدم.
فيُقال: أولًا: قد يصِحُّ هذا الاعتراض عند انتفاء أي قرينة أو دليلٍ على حرمة السَّفر للمشاهدِ والقبور لزيارتها، فحينئذٍ قد يستساغ هذا الإِيراد، كيف وقد وُجدت القرائن المقتضية لصحة المنع من ذلك، ومن أَعظم تلك القرائن:
-أنَّه يستحيل في مَسْألة عباديَّةٍ كهذه أَن يَسودَ قولٌ وينتشرُ في عصر أصحاب رسول الله ﷺ مع كونه مرجوحًا، ولا ينبري المخالف له في عصر سادات الأُمّةِ في بيان خطإ هذا الفَهم مع ما أُثِرَ عنهم من الحرص على بيان الحقِّ متى ما ظهرت رسومه، وارتفعت لهم أَعلامُهُ.
فإن قيل: لعلّه أُثر لكن لم ينهض التَّابعون في نَقْله وبثِّهِ.
فالجواب عنه كالجواب عن الأوّل: بأنّه يستحيل أن يندثر الحق ولا يتهيّأ من أتباعهم من فضلاء التَّابعين من ينقله ويُشيعه، ثمَّ لو سُلِّم بصحة ذلك لاستدللنا على أنَّ بقاء أحدِ القولين دون الآخر، دليل على
стр. 204
أنَّ الله لم يكن ليذر الأُمّة على خلاف الحقِّ. ومثل هذا الجواب عن هذا الافتراض يقدر في خصوص التَّابعين، ومن بعدهم.
ثانيًا: أَنَّ التسليم بأنَّ ما فهمه هؤلاء الصحابة الذين تقدم نقل فُهومهم؛ هو الأَصل =يستدعي البقاء على هذا الأَصل وعدم الخروج عنه إلَاّ بيقين، فأين الدليل الموجب للخروج عن هذا الأصل عند المخالفين؟
ثالثًا: ما سبق بيانه هو في تقدير انتفاء ما يؤكِّد سلامة بقاء ذلك الأصل عند متقدمي الأمَّة، كيف وقد نَقل المناوي المنع عن السَّفر لبقعة غير مااستثناه الشَّارعُ عن الإمام مالك ﵀ (١)،والأئمة الثلاثة إخوانٌ له و تَبَعٌ له فيما ذهب إليه، ولم يُنقل عنهم ما يكُدِّرُ ذلك.
ولا يضير هذا الاتفاقَ خلافُ المتأخّر؛ فإنَّ المخالِف محجوج بالاتفاق المستقرّ قبل حدوث مخالفته.
يقول الإمام ابن تيميَّة: (ولهذا لا يقدِر أحدٌ أن ينقل عن إمام من أئمة المسلمين، أنّه يُستحبّ السفر إلى زيارة قبر نبي، أو رجلٍ صالحٍ؛ ومَنْ نقل ذلك فليُخرِج نقله.
وإذا كان الأمر كذلك، وليس في الفتيا إلاّ ما ذكره أئمة المسلمين وعلماؤهم = فالمخالف لذلك مخالف لدين المسلمين وشرعِهم، ولسنّة نبيّهم، وسنّة خلفائه الراشدين، ولما بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه) (٢)
رابعًا: يتأكد ما سبق بما علم ضرورة من سدِّ الشريعة لكُلِّ ذريعة من شأنها أن تُوصِلَ إلى الشِّرك، وأحاديثُ الباب تُفهم في ضوء هذا المعقد الجليل من معاقد التوحيد.
وبذلك تسْتبينُ زيف دعوى الإجماع على استحباب السفر إلى زيارة
стр. 205
قبر نبينا ﷺ ، وقبر غيره من الأنبياء والصالحين، وأنّ نقيض هذا الإجماع هو المستقرّ الثَّابت الذي لا يُعلَم خلافُه، والذي نطق به الحديث، وفهمه الصحابة، ونصّ عليه المتقدمون من الأئمة.
القضية الرابعة: كَوْنُ القصر في الحديث قصرًا إضافيًّا. فيُقالُ: قد تقدّم سَوْق آثار الصَّحابةِ الَّذين فهموا أَنَّ القصرَ في الحديث هو قصْر حقيقيّ، لا إضافيّ: تقدير في المستثنى منه بأعم العام؛ كما صرّح بذلك في البدء الحافظُ ابنُ حجر، ولا يضير رجوعه بعد ذلك إلى تقرير أَنَّ المستثنى منه خاصّ يُقدَّر بالمساجد؛ ذلك أن عمدته وعمدةَ كلّ من جعل القصر في الحديث قصرًا إضافيًّا (١) -فيما يظهر-: اعتمادُهم على المرويّ عن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: (لا يبنغي للمطيّ أن تشدّ رحاله إلى مسجد يبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام) (٢)
فسندُ احتجاجهم بهذه الرواية تصريحُها بالمستثنى منه الذي خلت منه جميع الروايات الواردة في هذا الباب. وهذه الرواية لا يُحفَل بها؛ لعلّتين:
الأولى: أنّ آفتها من جهة الإسناد: شهر بن حوشب، والراوي عنه عبد الحميد بن بهرام، وقد قال فيهما الحافظُ ابنُ عَديّ بعد أن أورَد للأوّل بعضًا من الأحاديث التي انتُقِدت عليه: (ولشهر بن حوشب غير ما ذكرتُ من الحديث، ويروي عنه عبد الحميد بن بهرام أحاديث غيرها = وعامّة ما يرويه هو وغيره من الحديث فيه من الإنكار ما فيه. وشهرٌ هذا
стр. 206
ليس بالقويّ في الحديث، وهو ممّن لا يُحتجّ بحديثه، ولا يُتديّن به) (١) .
وقال الحافظ ابن حجر في " شهر ": (صدوق، كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة) (٢)
وقد أُمِن إرسالُه بتصريحِه بالتحديث عن أبي سعيد. ومن كان في هذه المرتبة عند الحافظ في درجة الحسن، وقد حسّن حديثه الحافظ (٣)؛ إِلَاّ أنَّ تحسين حديثه هنا لا يُحتمل لتفرّده بهذه الزيادة، ومخالفته للرُّواة الذين رووه عن أبي سعيد الخدري ﵁؛ فكلهم لم يرووا هذه الزيادة، مع كونهم أوثق منه، لمخالفته الرواية المحفوظة عن سبعة ممن روى هذا الحديث من الصحابة. ومَنْ كان كذلك فلا يُلتفت إلى روايته (٤) .
وبهذا تعلم ضعف هذه الرواية من جهة إسنادها، وخطأَ من ذهب إلى تحسينها؛ كالحافظ ابن حجر، وشَيْخِه الهَيْثَمي -رحمهما الله- (٥) .
العلة الثانية: نكارة متنها، و في بيان هذه العلَّة يقول العلَاّمةُ الألباني ﵀: (في حديث شهر نفْسِه أَنَّ أبا سعيد أنكرَ عليه الذهاب إلى الطور، واحتجّ عليهم بهذا الحديث؛ فلو كان فيه هذه الزيادة التي تخصّ معناه بالمساجد دون سائر المواضع الفاضلة = لما جاز لأبي سعيد - وهو العربي الصميم - أن يحتجّ به؛ لأنّ شهرًا لم يقصد الذهاب إلاّ إلى الطور، وليس هو مسجدًا، وإنما هو جبل مقدّسٌ كلَّم الله عليه موسى ﵇، فلا يَشْمله الحديث لو كانت فيه الزيادة؛ فإنكارُه الذهابَ إليه أكبرُ دليل على بطلان نِسبتها إلى حديثه) (٦) .
стр. 207
ثُمَّ إنّه لو صحّت هذه الرواية، لما انتهضت لدفْع حكم التحريم في شدّ الرحال إلى زيارة القبور؛ ذلك: أن هذا التحريم إمّا أن يكون مستفادًا من العموم المقدّر فيه المستثنى منه، وإمّا أن يكون منتزعًا بدلالة مفهوم الأَولى؛ وذلك على فرض التسليم بصحة هذه الرواية؛ فإنه إذا ثبت النهي عن شد الرحال إلى مسجدٍ غير المساجد الثلاثة، مع كون المساجد أفضل البقاع، وهي بيوت الله تعالى، ومظنّة حصول الشرك فيها منتفية فغيرها من باب أَوْلَى. وهذا لا يُماري فيه كلّ مَن نظر بإنصاف، ولم يهُلْهُ كثرة المخالفين من المتأخّرين.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (بخلاف السَّفر إلى البقاع المعظّمة؛ كطور موسى، وكقبور الأنبياء والصالحين؛ فإن الصحابة والتابعين، والأئمة، فهموا دخولها في الحديث، ولم يكن في السَّلف من يُنكِر دخولَها في الحديث. ودخولُها على أحد وجهين:
إن قيل: إن المستثنى منه: جنس البقاع المعظّمة؛ فقد دخلت هذه، فلا يُشرع بطريق الأولى؛ فإن المساجد أفضلُ البقاع؛ كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أحبّ البقاع إلى الله المساجدُ، وأبغضُ البقاع إلى الله الأسواقُ) (١)
والمساجدُ يُؤمر بقصدها، ويُسافَر إلى بعضها، ويجب السفر إلى بعضها؛ فإذا كانت لا يُشرع السفر منها إلى غير الثلاثة = فغير المَساجدِ أَولى أَن لا يُشرع السفر إليها. ولهذا لم يقل أحدٌ من علماء المسلمين: إنَّه يُسافر إلى زيارة القبور، ولا يُسافر إلى المساجد. وإنّما حُكِي عن بعضهم العكس. . . ولم يقل أحد من أئمة المسلمين: إِنَّه مَنْ نذر السَّفرَ
стр. 208
إلى قبر نبي أو غير نبي؛ وفَىَّ بنذره؛ بل نصّوا على أنه لا يوفي بنذره. ليس بين الأئمة الأربعة وغيرهم من نُظَرائهم خلافٌ في ذلك. بل كلّهم متفقون على أنّه من نذر السفر إلى قبر نبيٍّ - أيّ نبيٍّ كان - أو قبر صالحٍ؛ أنّه لا يوفي بنذره. ومالك ﵀ إذا كان نصّ على ذلك في قبر النبي ﷺ فسائرُ الأئمة يوافقونه، وهم أولى بذلك منه) (١) .
وأما قول " الدجوي ": (فإنّ الأصل: أنَّ الشيء يستثنى من جنسه ... القريب ... ) الخ.
فيقال: هذه دعوى كأخواتها السابقات!! فأين الدليل الذي ينصّ على هذا الأصل؟ ومَنْ مِنْ أئمة اللغة نطق بذلك؟
فالذي يقال هنا: إنَّ التقدير خاضعٌ للقرائن التي بها يستدلُّ النَّاظر على عموم المقدَّرِ أَو خصوصه. وفي مسألتنا هذه، قد وُجِدت القرينة الدَّالّة على عموم جنس المستثنى منه؛ هذه القرينة هي فَهْمُ أصحاب رسول الله ﷺ ، وهُمْ مَنْ هُمْ في فهْمِ مقاصد أحاديثه ﵊.
وعلى القول بالتسليم بصحّة هذا الأصل؛ فهنا أمران:
الأول: أن يقال - على فرض التسليم-: إنَّ الأصل أنَّ الشيء يُستثنى من جنسه القريب؛ إلَاّ أن ذلك لا يمنع من صحة الخروج عن مقتضى هذا الأصل، إذا تحقّق ما يوجبُ ذلك.
الثاني: أنه إنْ سُلِّم أن الأصل ما ذُكر، فقد تقدّم أنّ دخولَ غيرِ المساجد من البقاع والمواطن في حكم النهي عن شدّ الرحال إلى مسجدٍ غير المساجد الثلاثة مُنتزَع من دلالة " تنبيه الخطاب ".
وأما قوله: " فإذا قلنا: ما مات إلاّ زيدٌ. كان معناه: ما ماتَ إنسانٌ إلاّ زيدٌ. وليس معناه: ما ماتَ حيوانٌ إلاّ زيدٌ. ومَنْ فهم ذلك كان من الحيوانِ لا من الإنسان "!!
стр. 209
فالجواب عنه: أنّ ما ذكره مَغْلَطَةٌ لأنَّه قاس قياسًا مع الفارق، إِذ الفرق بيّنٌ بين قول: ما مات حيوانٌ إلاّ زيد. وتقدير: لا تُشدّ الرحال إلى بقعة إلاّ إلى ثلاثة مساجد.
فالأول: عند أهل اللسان يسمى استثناءً مُنقطعًا؛ لكون المستثنى ليس من جنس المستثنى منه؛ إذا قَصد بالحيوان - وهو ظاهر كلامه - العجماوات من الدّواب.
وأما الثاني: فالمساجد الثلاثة التي استُثْنِيت في الحديث هي من جنس ... المستثنى منه (البقعة)، وليس الاستثناء هنا بهذا التقدير منقطعًا. وبرهانُ كون المساجد من جنس البقاع: ما تقدّم سَوْقه من حديث رسول الله ﷺ : (أحبّ البقاع إلى الله المساجد) (١) وبذا يتضح خطل التسوية بين المَثَلين، وأنّ التسوية بينهما مكابرة، وعدولٌ عن منهج الحق والصواب. والله أعلم.
وأَمَّا النَّظر الثالث: وهو لزوم التفريق بين مسألة " شدّ الرحال " لزيارة القبور، وبين زيارة القبور بلا شدّ للرحال إليها.
فإنّ بعض المخالفين لمّا أعياهم تطلُّب الأدلّة المسوّغة لشدّ الرحال إلى القبور = لجئوا إلى المغالطة والشّغب على أهل السنة والجماعة؛ بالخلط بين المسألتين، وأوْهَموا - مَن لا يدري - أن أهل السنة يمنعون مِن زيارة قبر النبي ﷺ الزيارة الشرعية، أو يمنعون من شدّ الرحال إلى مسجده ﷺ . كما نرى ذلك جليًّا عند خصوم شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) .
والفرق بين المسألتين واضحٌ؛ فإنّ زيارة قبره ﵊ مندوبٌ إليها، داخلة تحت عموم قوله ﷺ : (كنتُ نهيتكم عن زيارة
стр. 210
القبور، فزوروها فإنّها تذكّر الموت) (١)
لكن هذه الزيارة تكون مرضيّةً متى ما وقعت دون إنشاءِ سفرٍ لها، وعلى الكيفيّة المشروعة من السلام عليه ﷺ . وأمّا شدّ الرحال بقصد زيارة قبره ﵊؛ فهذه هي الزيارة البدعيّة التي جاء النصّ بخلافها.
وفي بيان أن السفر إلى مسجده ﷺ ، ثم زيارة قبره ﵊ قُربة يُثاب المرءُ عليها؛ يقول شيخ الإسلام: (والصلاة تُقصَر في هذا السفر المستحبّ، باتفاق أئمة المسلمين، لم يقل أحدٌ من أئمة المسلمين أن هذا السفر لا تُقصَر فيه الصلاة، ولا نهى أحدٌ عن السفر إلى مسجده؛ وإن كان المسافر إلى مسجده يزور قبره ﷺ ؛ بل هذا من أفضل الأعمال الصالحة. ولا في شيءٍ من كلامي وكلام غيري ينهى عن ذلك، ولا نهي عن المشروع في زيارة قبور الأنبياء والصالحين، ولا عن المشروع في زيارة سائر القبور؛ بل قد ذكرتُ في غير موضع: استحباب زيارة القبور. . . . وإذا كانت زيارة قبور عموم المسلمين مشروعة، فزيارةُ قبور الأنبياء والصالحين أَوْلى) (٢)
والزيارة المندوب إليها في نصوص الشريعة هي التي يُقْصَد بها السلامُ على الميت، والدعاء له، وأخْذ العظة والاعتبار، وتذكّر الآخرة. فهذه الزيارة مأذون للزائر بها.
وأما الزيارة البدعية المحرمة = فهي التي يروم منها الزائر صَرفَ الرّغاب إلى الميت، وسؤاله. أو: يُقصَد بها الدعاء عند قبره؛ ظنًّا منه أَنَّ ذلك أَحْرى لإجابةِ سؤاله. أو اتخاذ قبره مسجدًا.
стр. 211
وفي بيان الفرق بين الزيارتين؛ يقول ابن تيمية في منسكه الذي نقله عنه الإمام ابن عبد الهادي: (وزيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بِدْعيّة.
فالشرعية: المقصود بها السلام على الميت، والدعاء له؛ كما يُقصد بالصلاة على جنازته. فزيارتُه بعد موته من جنس الصلاة عليه؛ فالسنة فيها: أن يسلّم على الميت، ويدعو له؛ سواءً كان نبيًّا أَو غير نبيٍّ. . .
وأمّا الزيارة البدعية: فهي أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجَه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به = فهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، ولا استحبّه أحدٌ من سلف الأمة؛ بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها) (١)
وقال الإمام ابن قيّم الجوزيَّة ﵀ في بيان مقاصد زيارة الموحّدين للقبور: (أما زيارة الموحدين = فمقصودُها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكّر الآخرة، والاعتبار، والاتعاظ. . .
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه؛ كما إذا ترك زيارة الحيّ مدةً طويلةً تناساه. فإذا زار الحيَّ فرح بزيارته، وسُرّ بذلك = فالميت أَوْلَى. .
الثالث: إحسان الزَّائر لِنفسه؛ باتِّباع السُّنَّة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﵌؛ فيُحسِن إلى نفسه، وإلى المَزُور ... ) (٢)
* * *
стр. 212
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي عن حديث (لا تُشدّ الرحال)
ساق المخالفون جملةً من الاعتراضات العقلية؛ لإبطال دلالة الحديث الدالّ على المنع من شدّ الرحال إلى بقعة من البقاع؛ إلاّ ما استُثْنِيَ في الحديث من المساجد الثلاثة. وتتلخّص هذه الاعتراضات في التالي:
الأول: أنّ القول بجواز الزيارة للقبور، ومنْع الرحلة إليها = تناقضٌ؛ إذْ كيف يباح المقصد، وتُمنع الوسيلة؟!
وفي تقرير ذلك يقول الإخنائي كما نقله عنه الإمام ابن تيمية: (وكيف تكون الرحلة إلى القُربة معصيةٌ محرَّمة، والقصد المطلوبُ طاعةٌ معظَّمة؟ فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات؛ كنقل الخُطى إلى المساجد والجماعات = فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل عليه قوله من المناقضة والخلل؛ لما أبدى لهم عواره، ولَسَتَر عنهم شنارَه) (١)
وقال السُّبكي مبينًا أدلة استحباب السفر إلى زيارة قبره ﵇: (إنَّ وسيلةَ القربة قربة، فإنَّ قواعدَ الشَّرعِ كلَّها تشهد بأنَّ الوسائلَ مُعتبرةٌ بالمَقَاصد. .ولاشكَّ أَنَّ المتوسِّل إلى قُربة بمباح فيه مَشقة كالسَّفر وغيره =مُتحمِّلٌ لتلك المَشقّةِ من أجل الله تعالى فهو بعين الله والله ناظرٌ إليهِ) (٢)
стр. 213
الثاني: أَنَّ تعظيمَ النَّبي ﷺ واجبٌ، وشدُّ الرَّحل إلى قبره تعظيمٌ = فشدُّ الرحال إلى قبره واجبٌ. وفي سوق هذه الشُّبهة يقول السُّبكي - عفا الله عنه - وهو وإن صاغ هذا القياس في خصوص الزيارة؛ فقد أراد أيضًا تعميمًا لشدِّ الرِّحال؛ حيث قال: (فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص؛ بل أقول: إنّه لو ثبت خلافٌ في زيارة قبر غير قبر النبي ﷺ لم يلزم من ذلك إثبات خلافٍ في زيارته؛ لأن زيارة القبر تعظيمٌ، وتعظيم النبي ﷺ واجبٌ، وأمّا غيره فليس كذلك) (١)
الثَّالث: أنّه لا يمكن أن تقع الزيارة منفكّة عن الحركة من مكان إلى مكان؛ فالزَّائرُ لا يُطلق عليه زائر إلاّ بعد حركته وانتقاله، وخروجه من محلّه، وانتقاله. وقد نصب هذا الاعتراض الإخنائي في ردّه على شيخ الإسلام (٢)،وكذا ابن حجر الهيتمي (٣) .
فهذا محصّل ما وقفتُ عليه؛ مما أوردوه على هذا الحديث. ودونك الآن نقض تلك الاعتراضات، وبيان فسادها من أُسِّها.
* * *
стр. 214
المطلب الثالث: دفْع المعارِض العقلي عن حديث (لا تُشدّ الرحال . .)
أمّا الاعتراض الأول؛ وهو زعمهم أنَّ القول بجواز الزيارة ومنع الرحلة تناقضٌ.
فالجواب عن هذا الاعتراض: أنّ التَّناقضَ في مسألتنا هذه مُنتَفٍ؛ لانفكاك مسألة شدّ الرحال عن مسألة الزيارة. إذ لم يقل المانعون بجواز شدّ الرحال ومنعِه في آنٍ واحدٍ؛ ليصحّ التناقض. ولم تَجْرِ أقلامُهم بتجويز الزيارة، ثم منعوا من كلِّ وسائلها المشروعة.
نعم؛ ما لا يتمّ المشروع إلاّ به، ولا مانع منه = فهو مشروعٌ بلا ريب. فليس كل وسيلةٍ يصح أن يتوسل بها إلى مقصد مرادٍ للشارع؛ مع اطمئناننا أن الشارع لا يمكن أن يحثّ على تحقيق مقصدٍ ومطلبٍ ويمنع كل الوسائل المفضية إلى تحقيق ذلك المقصد. وبذا يُعلم أن قاعدة «الوسائل لها أحكام المقاصد» قاعدة أغلبيّة ليست مطّردة. أو إن شئت فقل: قاعدةٌ لا بدّ لها في صحّتها من أمرين:
١ - توفّر الشروط.
٢ - انتفاء الموانع.
ومن تلك الموانع المانعة من صلاحية وسيلةٍ ما: ورودُ النصِّ بعدم اعتبار هذه الوسيلة وإلغائها. فـ (القواعد والأصول يجوز تخصيصُها بدليلٍ أقوى منها) (١) فإطلاقُ مَن أطلق مِن الأصوليين؛ أنّ: (كلَّ وسيلة إلى المطلوب تكون مطلوبةً) إطلاقٌ غيرُ سديد؛ لذا تعقّب الإمام المقري ﵀ القرافيَّ في إطلاقه لتلك القاعدة، بقوله: (فيه نظر. والتحقيق: كلّ ما
стр. 215
لا يُتَوصَّلُ إلى المطلوبِ إلاّ به فهو مطلوب. وهذا أخصّ من ذلك) (١)
فتقرّر من ذلك: أنّ الوسائلَ لها أحكامُ المقاصد (هذا هو الأَصل الذي لا يُنتقَل عنه إلا بدليل على غيره، أو معارِضٍ فيه) (٢)
وقد جاء الدليل هنا المُسْتثْنِي لشدّ الرحال من عموم الوسائل المشروعة لزيارة القبور. وعِلّة ذلك - والله أعلم -: سَدًّا لذريعة الاعتقاد في الأموات، والغلوّ فيهم.
يقول الإمام الدَّهلوي مبيِّنًا عِلّةَ نهْي الشَّارع عن شدِّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة: (ومنها - أي: من مظانّ الشرك التي كان أهل الجاهلية عليها -: الحجّ لغير الله تعالى، وذلك بأن يقصد مواضع مُتبركة، مختصّة بشركائهم؛ يكون الحلول بهم تقرُّبًا من هؤلاء = فنهى الشَّرعُ عن ذلك. وقال النبي ﷺ : (لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) (٣)
فمَن رمى المانعين من هذه الوسيلة بالتناقض فقدْحُه - عند التحقيق - للنَّص، لا للمانعين؛ لأنهم إنما منعوا وقوفًا عند نواهي الشارع الذي يعلم ما يتمّ به تحصيل مراضِيَه، وما لا يتمّ. ولا يهيض قوة ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة تلك الأسجاعُ الواردةُ في كلام الإخنائي؛ فلم يبنِ اعتراضَه على أصولٍ يُعوّل عليها. يقول شيخ الإسلام ﵀ ردًّا على الإخنائي فيما ادّعاه:
وأمّا قوله: (إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة جائزة؛ فيجوز السفر
فيقال له: هذا باطلٌ؛ فليس كل ما كان جائزًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا = جاز التَّوسُّل إليه بكل طريق؛ بل العموم يدعى في النهي فيما