وفي بيان الفرق بين الزيارتين؛ يقول ابن تيمية في منسكه الذي نقله عنه الإمام ابن عبد الهادي: (وزيارة القبور على وجهين: زيارة شرعية، وزيارة بِدْعيّة.
فالشرعية: المقصود بها السلام على الميت، والدعاء له؛ كما يُقصد بالصلاة على جنازته. فزيارتُه بعد موته من جنس الصلاة عليه؛ فالسنة فيها: أن يسلّم على الميت، ويدعو له؛ سواءً كان نبيًّا أَو غير نبيٍّ. . .
وأمّا الزيارة البدعية: فهي أن يكون مقصود الزائر أن يطلب حوائجَه من ذلك الميت، أو يقصد الدعاء عند قبره، أو يقصد الدعاء به = فهذا ليس من سنة النبي ﷺ ، ولا استحبّه أحدٌ من سلف الأمة؛ بل هو من البدع المنهي عنها باتفاق سلف الأمة وأئمتها) (١)
وقال الإمام ابن قيّم الجوزيَّة ﵀ في بيان مقاصد زيارة الموحّدين للقبور: (أما زيارة الموحدين = فمقصودُها ثلاثة أشياء:
أحدها: تذكّر الآخرة، والاعتبار، والاتعاظ. . .
الثاني: الإحسان إلى الميت، وأن لا يطول عهده به، فيهجره، ويتناساه؛ كما إذا ترك زيارة الحيّ مدةً طويلةً تناساه. فإذا زار الحيَّ فرح بزيارته، وسُرّ بذلك = فالميت أَوْلَى. .
الثالث: إحسان الزَّائر لِنفسه؛ باتِّباع السُّنَّة، والوقوف عند ما شرعه الرسول ﵌؛ فيُحسِن إلى نفسه، وإلى المَزُور ... ) (٢)
* * *
стр. 212
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي عن حديث (لا تُشدّ الرحال)
ساق المخالفون جملةً من الاعتراضات العقلية؛ لإبطال دلالة الحديث الدالّ على المنع من شدّ الرحال إلى بقعة من البقاع؛ إلاّ ما استُثْنِيَ في الحديث من المساجد الثلاثة. وتتلخّص هذه الاعتراضات في التالي:
الأول: أنّ القول بجواز الزيارة للقبور، ومنْع الرحلة إليها = تناقضٌ؛ إذْ كيف يباح المقصد، وتُمنع الوسيلة؟!
وفي تقرير ذلك يقول الإخنائي كما نقله عنه الإمام ابن تيمية: (وكيف تكون الرحلة إلى القُربة معصيةٌ محرَّمة، والقصد المطلوبُ طاعةٌ معظَّمة؟ فالسفر إلى القبر من باب الوسائل إلى الطاعات؛ كنقل الخُطى إلى المساجد والجماعات = فلو علم هذا القائل ما في كلامه من الخطأ والزلل، وما اشتمل عليه قوله من المناقضة والخلل؛ لما أبدى لهم عواره، ولَسَتَر عنهم شنارَه) (١)
وقال السُّبكي مبينًا أدلة استحباب السفر إلى زيارة قبره ﵇: (إنَّ وسيلةَ القربة قربة، فإنَّ قواعدَ الشَّرعِ كلَّها تشهد بأنَّ الوسائلَ مُعتبرةٌ بالمَقَاصد. .ولاشكَّ أَنَّ المتوسِّل إلى قُربة بمباح فيه مَشقة كالسَّفر وغيره =مُتحمِّلٌ لتلك المَشقّةِ من أجل الله تعالى فهو بعين الله والله ناظرٌ إليهِ) (٢)
стр. 213
الثاني: أَنَّ تعظيمَ النَّبي ﷺ واجبٌ، وشدُّ الرَّحل إلى قبره تعظيمٌ = فشدُّ الرحال إلى قبره واجبٌ. وفي سوق هذه الشُّبهة يقول السُّبكي - عفا الله عنه - وهو وإن صاغ هذا القياس في خصوص الزيارة؛ فقد أراد أيضًا تعميمًا لشدِّ الرِّحال؛ حيث قال: (فزيارته ﷺ مطلوبة بالعموم والخصوص؛ بل أقول: إنّه لو ثبت خلافٌ في زيارة قبر غير قبر النبي ﷺ لم يلزم من ذلك إثبات خلافٍ في زيارته؛ لأن زيارة القبر تعظيمٌ، وتعظيم النبي ﷺ واجبٌ، وأمّا غيره فليس كذلك) (١)
الثَّالث: أنّه لا يمكن أن تقع الزيارة منفكّة عن الحركة من مكان إلى مكان؛ فالزَّائرُ لا يُطلق عليه زائر إلاّ بعد حركته وانتقاله، وخروجه من محلّه، وانتقاله. وقد نصب هذا الاعتراض الإخنائي في ردّه على شيخ الإسلام (٢)،وكذا ابن حجر الهيتمي (٣) .
فهذا محصّل ما وقفتُ عليه؛ مما أوردوه على هذا الحديث. ودونك الآن نقض تلك الاعتراضات، وبيان فسادها من أُسِّها.
* * *
стр. 214
المطلب الثالث: دفْع المعارِض العقلي عن حديث (لا تُشدّ الرحال . .)
أمّا الاعتراض الأول؛ وهو زعمهم أنَّ القول بجواز الزيارة ومنع الرحلة تناقضٌ.
فالجواب عن هذا الاعتراض: أنّ التَّناقضَ في مسألتنا هذه مُنتَفٍ؛ لانفكاك مسألة شدّ الرحال عن مسألة الزيارة. إذ لم يقل المانعون بجواز شدّ الرحال ومنعِه في آنٍ واحدٍ؛ ليصحّ التناقض. ولم تَجْرِ أقلامُهم بتجويز الزيارة، ثم منعوا من كلِّ وسائلها المشروعة.
نعم؛ ما لا يتمّ المشروع إلاّ به، ولا مانع منه = فهو مشروعٌ بلا ريب. فليس كل وسيلةٍ يصح أن يتوسل بها إلى مقصد مرادٍ للشارع؛ مع اطمئناننا أن الشارع لا يمكن أن يحثّ على تحقيق مقصدٍ ومطلبٍ ويمنع كل الوسائل المفضية إلى تحقيق ذلك المقصد. وبذا يُعلم أن قاعدة «الوسائل لها أحكام المقاصد» قاعدة أغلبيّة ليست مطّردة. أو إن شئت فقل: قاعدةٌ لا بدّ لها في صحّتها من أمرين:
١ - توفّر الشروط.
٢ - انتفاء الموانع.
ومن تلك الموانع المانعة من صلاحية وسيلةٍ ما: ورودُ النصِّ بعدم اعتبار هذه الوسيلة وإلغائها. فـ (القواعد والأصول يجوز تخصيصُها بدليلٍ أقوى منها) (١) فإطلاقُ مَن أطلق مِن الأصوليين؛ أنّ: (كلَّ وسيلة إلى المطلوب تكون مطلوبةً) إطلاقٌ غيرُ سديد؛ لذا تعقّب الإمام المقري ﵀ القرافيَّ في إطلاقه لتلك القاعدة، بقوله: (فيه نظر. والتحقيق: كلّ ما
стр. 215
لا يُتَوصَّلُ إلى المطلوبِ إلاّ به فهو مطلوب. وهذا أخصّ من ذلك) (١)
فتقرّر من ذلك: أنّ الوسائلَ لها أحكامُ المقاصد (هذا هو الأَصل الذي لا يُنتقَل عنه إلا بدليل على غيره، أو معارِضٍ فيه) (٢)
وقد جاء الدليل هنا المُسْتثْنِي لشدّ الرحال من عموم الوسائل المشروعة لزيارة القبور. وعِلّة ذلك - والله أعلم -: سَدًّا لذريعة الاعتقاد في الأموات، والغلوّ فيهم.
يقول الإمام الدَّهلوي مبيِّنًا عِلّةَ نهْي الشَّارع عن شدِّ الرحال إلى غير المساجد الثلاثة: (ومنها - أي: من مظانّ الشرك التي كان أهل الجاهلية عليها -: الحجّ لغير الله تعالى، وذلك بأن يقصد مواضع مُتبركة، مختصّة بشركائهم؛ يكون الحلول بهم تقرُّبًا من هؤلاء = فنهى الشَّرعُ عن ذلك. وقال النبي ﷺ : (لا تُشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد) (٣)
فمَن رمى المانعين من هذه الوسيلة بالتناقض فقدْحُه - عند التحقيق - للنَّص، لا للمانعين؛ لأنهم إنما منعوا وقوفًا عند نواهي الشارع الذي يعلم ما يتمّ به تحصيل مراضِيَه، وما لا يتمّ. ولا يهيض قوة ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة تلك الأسجاعُ الواردةُ في كلام الإخنائي؛ فلم يبنِ اعتراضَه على أصولٍ يُعوّل عليها. يقول شيخ الإسلام ﵀ ردًّا على الإخنائي فيما ادّعاه:
وأمّا قوله: (إن الزيارة إذا كانت جائزة فالوسيلة جائزة؛ فيجوز السفر
فيقال له: هذا باطلٌ؛ فليس كل ما كان جائزًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا = جاز التَّوسُّل إليه بكل طريق؛ بل العموم يدعى في النهي فيما
стр. 216
كان منهيًّا عنه؛ كان التوسّل إليه محرّمًا؛ وهذا من باب سدّ الذرائع. وأمَّا ما كان مأمورًا به، فلا بدّ أن يكون له طريق، لكن لا يجب أن يجوز التَّوسُّل إليه بكل طريق؛ بل لو توسَّل الإنسانُ إلى الطاعة بما حرّمه الله؛ مثل الفواحش، والبغي، والفجور، والشرك به، والقول عليه بغير علم = لم يجز ذلك. . .وإتيان المساجد للجمعة والجماعة من أفضل القربات، وأعظم الطاعات، وهو إمّا واجبٌ، أو سُنّة مؤكّدة. . . ولو أراد مع هذا أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة ليصلّي هناك جمعة أو جماعةً = لم يكن هذا مشروعًا؛ بل كان محرّما عند الأئمة والجمهور. ولو نذر ذلك لم يوفِ بنذره عند أحد من الأئمة الأربعة، وعامّة علماء المسلمين ...
وقوله - أي الإخنائي -: كيف تكون الرحلة إلى القُربة معصيةً محرَّمة؟
يقال له: هذا كثير في الشريعة؛ كالرحلة إلى الصلاة، والاعتكاف، والقراءة، والذكر في غير المساجد الثلاثة. فإنّ هذا معصية عند مالك والأكثرين؛ كما لو رحلتْ المرأة إلى أمرٍ غير واجب بدون إذن الزوج؛ كحجّ التطوّع فإنها رحلة إلى قُربة؛ وهي معصية محرَّمة بالاتفاق.
وكذلك العبد لو رحل إلى الحج بدون إذن سيّده = كان رحيله إلى قُربة، وكان معصيةً محرَّمةً؛ بالإجماع.
ففي مواضع كثيرة يكون العمل طاعةً إذا أمكن بلا سفر، ومع السّفر لا يجوز. وصاحبُ الشرع قد قال: (لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) ومعلومٌ أنّ سائر المساجد يستحبُّ إتيانُها بلا سفرٍ؛ فهذا هو الفرقُ، وهو ثابتٌ بنصّ الرسول ﷺ ) (١)
стр. 217
الاعتراض الثاني؛ وهو: أنّ تعظيم النبي ﷺ واجبٌ، وشدّ الرحال إلى قبره تعظيم = فشدّ الرحل إلى قبره واجب.
فيقال: إن مما لا يُخامر مسلمًا أنّ تعظيم النبي ﷺ من لوازم شهادة أن محمدًا رسولُ الله؛ فهو من أعظم الواجبات، ومن أجلّ القربات، ومن مقتضيات الإيمان. ولا يتأتّى إيمانٌ بلا تعظيم، ومَن خلا قلبُه من تعظيم رسول الله ﷺ فلا امتراء في كفره. والأدلّة على وجوب تعظيمه ﷺ كثيرة. ولكنّ " التعظيم " أصبح من الأحرف المُجْمَلة التي يندرجُ تحتها ما هو حقٌّ مطلوبٌ، وما هو باطلٌ مرفوضٌ. ومِن صور التعظيم ما جعله الله شركًا، أوجبَ لأصحابه البُعد والكفر، واستحقاق العذاب الأليم في النار، والخلود فيها.
فمناط كفر النصارى: رفعُهم لمرتبة نبي الله عيسى ﵇ من رتبة العبودية والرسالة إلى رتبة الخالق .
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة، آية: ٧٢]. فما كان ما ظنّوه تعظيمًا لنبي الله عيسى ﵇ شافعًا لهم عند الله، ولا مُنْجيًا لهم من استحقاق عذابه، وسخطه، وذَمّه.
وقارَفَ أقوامٌ الشركَ الأكبرَ باسم تعظيم النبي ﷺ ، فصرفوا أنواعًا من العبادة؛ كالاستغاثة بالنبي ﷺ ، ودعائه، والمبالغة في إطرائه، ووصفه بما هو من خصائص الله ﵎؛ حتى قال بعضُ غُلاتِهم:
يا نبيَّ الهُدى استغاثَةُ ملْهُو ... فٍ أَضَرَّتْ بحالِه الحوبَاءُ
يَدّعي الحُبَّ وهو يأمر بالسُّو ... ءِ ومَن لي أن تصدق الرَّغباءُ
هذه عِلّتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلبِ داءُ
ومِن الفوز أن أبثَّك شكوى ... هي شكوى إليك وهي اقتضاءُ (١)
стр. 218
ويقول آخر:
محمّدٌ الحاوي المَحامِدَ لم يَزَلْ ... لمن في السماءِ السبعِ والأرضِ سيِّدا
ثمالي ومأمولي ومالي وموئلي ... وغايةُ مقصودي إذا شئتُ مَقْصِدا
شددتُ به أزْري وجَدَّدتُ أنعُمي ... وأَعْدَدْتُه لي في الحوادِث مُنجِدا
وقيّدتُ آمالي به وبحبِّه ... ومَنْ وجد الإحسانَ قيدًا تقيّدا
أَجِبْ يارسولَ الله دعوةَ مادِحٍ ... يراكَ لما يرجو من الخيرِ مَقْصِدا
توسَّل بي قُربًا إليك صويحبٌ ... ليمحو كتابًا بالذُّنوبِ مُسوّدا
وما زال تعويلي على جاهِك الذي ... يُؤَمِّلُه العبدُ الشقيّ ليُسْعِدا
فَقُم بابن موسى أحمد المذنب الذي ... رجاكَ وهب في الحشر موسى لأحمدا
فأعيت مسافاتٌ مواسمَ ربْحِهِ ... فحجَّ وما زار النبيَّ محمدا (١)
فنعوذ بالله من الضلالة بعد الهدى، ونعتصِمُ به من الشرك دقيقه وجليله. .
فهؤلاء تنكّبوا عن الجادّة، وخالفوا مقاصد بعثته ﷺ ؛ فإنه ﵊ ما بُعِث إلاّ بالتوحيد، وإزالة رسوم الجاهلية، وتجريد التوحيد لله ﵎.
وكما غلا أقوامٌ في تعظيمه، والخروج عن الحد المشروع في ذلك = جفتْ طوائف عن تعظيمه وتوقيره. والحقُّ وسطٌ بين الفريقين، وحسنةٌ بين السيئتين؛ بين غلو الغلاة، وجفاء الجُفاة.
وتحرير المقام يستدعي بيان سبب ضلال مَن ضلّ في تعظيمه ﷺ ؛ سواءً بجنوحه إلى طوائف الغلاة، أو إلى فريق الجُفاة. ذلك؛ أنهم فاتهم أنّ التعظيم عبادة شرعية؛ وقد سبق أَن العبادات لا تصح إلَاّ بعد توفر شَرطين، وهما:
- الإخلاص لله تعالى، وتجريد العبودية له.
стр. 219
- تجريد المتابعة للنبي ﷺ .
فإذا تقرّر ذلك، واستبان لنا أن " تعظيم النبي ﷺ " من جنس العبادات التي تُلتَمَسُ حدودُها من موارد الشرع، وأنّ الخروج عن هذه الموارد ابتداعٌ وضلالةٌ=علمتَ مدى خروج كثيرٍ من الناس عن مقتضى السَّنَن الأبْين، والصراط القويم في تعظيم النبي ﷺ . فتعظيمه المشروع يدور على القلب، واللسان، والجوارح.
فتعظيم القلب: تابعٌ لاعتقاد كونه ﷺ عبدًا منَّ الله عليه بالرسالة، وشرّفه بالعبودية، فينشئُ فيه استشعار هيبته ﷺ ، وجلالهِ ﷺ ، واستحضاره لمحاسنه، ومكانته ﷺ ، والمعاني الجالبة لحبّه.
وتعظيمُ اللسان: يكون بالثَّناءِ عليه بما هو أهله ﷺ ، مما أثنى به عليه الله تعالى، ومما أثنى به ﷺ على نَفْسِه، مع التحرُّز من وَضَر التَّفْريط، أو الإِفراط. ومن أعظم ذلك: الصَّلاة والسلام عليه ﷺ .
ومن تعظيم اللسان: تعداد فواضله وخصائصه ﷺ ،والتأدُّب عند ذِكره ﷺ ؛ بِقَرْنِ ذكر اسمه بلفظ النبوّة، أو الرسالة، مع الصلاة والسلام عليه ﷺ .
ويدخل تحت سرادق هذا التعظيم = ذكر دلائل نبوّته ﷺ ؛ فإنَّ هذا الذِّكرَ مِمَّا يزيدُ في محبَّتِه ﷺ التي تستولدُ بعد ذلك اتباعًا على نَهْجه ﷺ ، وتمسُّكًا بسنَّتِه ﷺ ؛ وذلك هو:
- تعظيمٌ بالجوارح: بلزوم سُنته ﷺ ، واتباع شريعتِه ﷺ . فهذا التعظيم (١) هو المحكُّ الذي تتّضح به حقيقة الدعوى من زيفها. ولذا قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ آل عمران، آية: ٣١
فمن جعل تعظيمه ﵊ في مخالفته أمره ﷺ = فقد
стр. 220
وقع في التناقض، وكان فعله من جنس فعل النصارى الذين كذّبوا المسيح ﵇ في إخباره عن نفسه بالعبودية، فادّعوا فيه الربوبية.
ثم إنه يقال: إن نتيجة مقدمتي القياس المذكور؛ إن أُخِذتا على إطلاقهما = هي: أنّ زيارة القبر واجبة؛ فيلزم من هذه النتيجة لوازم فاسدة، فيلزم منها أن تارك هذه الزيارة عاصٍ، مستحقٍّ للذم والعقوبة، منتفية عدالتُه؛ فلا تصحّ شهادتُه، ولا روايته. وفي هذا تفسيق لمن لم يُعرف عنه زيارة قبر النبي ﷺ . وهذا أقبح من قول الرافضة؛ فالرافضة كفّروا أصحاب رسول الله ﷺ إلاّ نفرًا منهم. وهؤلاء بلازم قولهم يكفّرون جميع أصحاب رسول الله ﷺ ؛لكونهم تركوا شد الرحل إليه، وهو تعظيم، وتارك تعظيمه ﷺ كافرٌ. إذْ لم يُعرَف عن أحدٍ منهم أنه شدّ رحاله لزيارة قبره ﷺ ، ولا زيارة قبر غيره.
بل لازمُ قولهم شرٌّ من قول الخوارج؛ إذ الخوارج يكفّرون بالكبيرة التي حقيقتُها مخالفةُ مقصودِ الشارع، وهؤلاء المقابرية يكفّرون من أطاع الرسول ﷺ ، ووافقَ قصدَه! إذْ زيارتُه على قولهم واجبةٌ، وترْك التعظيم كفرٌ (١) .
ثم؛ إنه بقولهم هذا: جعلوا زيارة قبره ﷺ وشدّ الرحال إليه آكدُ من الهجرة إليه في حياته ﷺ .
يقول الإمام ابن عبد الهادي ﵀: (إذا كانت زيارة قبره واجبةً على الأعيان؛ كانت الهجرةُ إلى القَبْر آكدُ من الهجرة إليه في حياته؛ فإن الهجرة إلى المدينة انقطعت بعد الفتح. . . . وعند عُبّاد القبور: أن الهجرة إلى القبر فرض عينٍ على من استطاع إليه سبيلًا. وليس بخافٍ أنّ هذا مراغمةٌ صريحةٌ لما جاء به الرسول وإحداثٌ في دينه ما لم يأذنْ به،
стр. 221
وكذِبٌ عليه وعلى الله؛ وهذا من أقبح التنقّص) (١)
ثم؛ إن شد الرحال إلى قبره لو كان تعظيمًا؛ لكان ممّا لا يتمّ الإيمان إلاّ به، ولكان فرضًا متعيّنًا، ولما فرّط السابقون الذين هم من أسرع الخلق لتحصيل الخيور، وإصابة الأجور.
لازمُ ذلك: أن المخالفين أعلمُ بأبواب البرّ والأجر من السابقين.
فانظر كيف تضمّن قياسُهم الفاسد صنوفًا من المراغمة والمحادّة للنصوص، والإزراء بأولياء الله المتقين.
الاعتراض الثالث: قولهم: لا يمكن أن تكون زيارةً منفكّة عن الحركة من مكان إلى مكان؛ فالزائر لا يطلق عليه زائرٌ إلاّ بعد حركته، وانتقاله، وخروجه عن محلّه، وارتحاله ...
فالجواب عنها: أن يقال: العقلاء يفرّقون بين شدّ الرحال إلى بقعة، وبين الزيارة المجرّدة عن شدّ الرحال؛ فإن الأوّل يقتضي سفر الزائر وتكلف الزيارة، بخلاف الزيارة المجردة عن ذلك، التي لا تعدو أن تكون نقل الخُطا لزيارة قبره ﷺ ، أو بغير سفرٍ لها.
يقول شيخ الإسلام ﵀: (وأمّا نقل الخُطا إلى المساجد فهو إتيانٌ لها بغير سفر؛ وهذا مشروعٌ. فهذا نظير نقل النبي ﷺ خطاه إلى زيارة أهل البقيع؛ فإن ذلك عملٌ صالحٌ. وكذلك الزيارة المستحبة من البلد نقلُ الخُطا فيها عملٌ صالحٌ) (٢)
ويقول الإمام زين الدين العراقي ﵀ مبينًا عدم التناقض بين زيارة النبي ﷺ لقباء، وبين نهيه عن شدِّ الرِّحال إلى مسجد سوى المساجدِ الثلاثة: (ولا ينافي هذا خبر لا تُشَّد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد؛ لأنَّ
стр. 222
بين قباء والمدينة ثلاثةَ أميال وما قرب من المِصْر ليس في الذهاب إليه شَدُّ رحل) (١)
ومن البراهين الدَّالةِ على الفَرْق أيضًا: أنَّ الصلاة مُطلقًا قُرْبةٌ، لكنَّ السَّفرَ إليها ليس بقربة إلَّا إلى المساجد الثلاثة. فتبين أنَّ الفرق بين شد الرحال إلى القبر وبين نقل الخُطا إليه دون شدٍّ = معلومٌ بضرورة العقل والنَّقل. و «المعلوم ضَّرورة لا يُنفى نَظَرًا» ومنكر الضَّرورات؛ لا حيلة فيه.
* * *
стр. 223
الباب الثاني دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقةِ بالنبوّة
وفيه ثلاثة فصول:
- الفصل الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلّقة بعصمة الأنبياء.
- الفصل الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بآيات وبراهين الأنبياء.
- الفصل الثالث: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلقة باختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة.
стр. 224
الفصل الأول دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقةِ بعصمة الأنبياء
وفيه أربعة مباحث:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن أحاديث سحر النبي ﷺ .
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن حديث شقّ صدر النبيِّ ﷺ .
- المبحث الثالث: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
- المبحث الرابع: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث لطْم موسى ﵇ مَلَكَ الموت.
стр. 225
المبحث الأول دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث سحر النبي ﷺ -
وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق الأحاديث الدَّالة على سحر النبي ﷺ .
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث سحر النبي ﷺ .
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث سحر النبي ﷺ .
стр. 226
المطلب الأول: سوق ألأحاديث الدالة على سحر النبي ﷺ -
عن عائشة ﵂ قالت: (سَحر رسولَ الله ﷺ رجلٌ من بني زريق يقال له "لبيد بن الأعصم" حتى كان رسول الله يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم - أو ذات ليلة-، وهو عندي لكنه دعا ودعا ثم قال: (يا عائشة أشعرتُ أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه. أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي:
فقال أحدهما لصاحبه: ماوجع الرجل؟
فقال: مطبوب (١).
قال: من طبه؟
قال: لبيد بن الأعصم.
قال: في أي شيء؟
قال: في مشط، ومشاطة (٢)، وجف طلع (٣) نخلة ذكر.
فقال: وأين هو؟
قال: في بئر ذروان)
فأتاها رسول الله ﷺ في ناس من أصحابه فجاء فقال: (يا عائشة، كأن ماءها نقاعة الحناء (٤)، وكأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين) قلت:
стр. 227
يا رسول الله، أفلا استخرجته؟ قال: (قد عافاني الله، فكرهت أن أثير على الناس فيه شرًّا) فأمر بها فدُفِنت. متفق عليه (١) .
وفي رواية للبخاري: عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله سحر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولايأتيهن، قال سفيان: وهذا أشد ما يكون السحر إذا كان كذا. فقال: (يا عائشةُ أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه؟ أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي:
فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟
قال: مطبوب.
قال: من طبّه؟
قال: لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف لليهود كان منافقًا.
قال: وفيم؟
قال: في مشط ومشاطة.
قال: وأين؟
قال: في جف طلعة ذكر تحت رَعُوفَةٍ (٢) في بئر ذروان)
قالت: فأتى رسولُ الله البئر حتى استخرجه، فقال: (هذا البئر التي أريتها، وكأن ماءها نُقاعة الحِنَّاء، وكأن نخلها رؤس الشياطين) قال: فاستُخرِجَ، قالت: فقلت: أفلا-أي: تنشرت (٣) - فقال: (أما والله قد شفاني، وأكره أن أثير على أحدٍ من النَّاس شرًا) (٤)
стр. 228
وفي رواية أخرى للبخاري: أنّ عائشة ﵂ قالت: (مكث النبي ﷺ كذا وكذا، يخيل إليه أنَّه يأتي أهله، ولا يأتي. قالت عائشة: فقال لي ذات يوم: (يا عائشة، إنَّ الله تعالى أفتاني في أَمر استفتيته فيه: أتاني رجلان فجلس أحدهما عند رجلي والآخر عند رأسي:
فقال الذي عند رجلي للذي عند رأسي: مابال الرجل؟
قال: مطبوب -يعني: مسحورًا-.
قال: من طبَّه؟
قال: لَبيد بن الأعصم
قال: وفيم؟
قال: في جُفِّ طلعةٍ ذَكَر في مُشْط، ومشاطة تحت رعوفة في بئر ذروان.
فجاء النبي فقال: (هذه البئر التي أُريتها كأنَّ رؤس نخلها رؤس الشياطين، وكأن ماءها نُقاعة الحناء) فأمر به النبي ﷺ فأُخرِج. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، فهلَاّ تنشرت؟ فقال النبي ﷺ : (أمَّا اللهُ فقد شفاني، وأمَّا أنا فأكرهُ أن أثير على الناس شرًّا) قالت: ولبيد بن أعصم رجل من بني زريق حليف ليهود (١) .
* ** *
تمهيد:
دلَّت الأحاديث المتقدِّمة على جُمْلةٍ من المسائل:
أُولاها: أنَّ للسِّحر تحقّقًّا وجوديًا، وأنَّ منه ما يُمرضُ، ومنه ما
стр. 229
يقتلُ، ومنه ما يُفرِّق بين المرء وزوجه، إلى غير ذلك من الآثار التي يُحْدثُها بإذن الله تعالى.
ثانيها: أنّ لحوقَ ضَرَرهِ بالنبيِّ ﷺ مُتحقِّقٌ وجودًا، وثابتٌ شَرْعًا، والعقل لا يدفع ما ثبَت شرعًا، ولا يرفَعُ ما تحقَّق وجودًا.
ثالثها: أنَّ تأثير السِّحرِ فيه ﷺ ليس بأكثر من تأثير عَوارضِ الأَسْقامِ والسُّمِّ به، وليس في لحوق أَثره ما يَخْرِمُ العِصمةَ، ولا ما يدفع فضِيلته.
وتفْصيل ما أُجمل يتحرّر بالآتي: دليل أَهل السُّنّة والجماعة في ثبوت السحر، وأَنَّ له حقيقة؛ هو مجموع علمين ضَروريين:
العلم الناتج عن الأدلة الشَّرعيَّة. والعلم المستند إلى الضَّرورة الحسِّية.
فأمّا الأول: فقد انعقد الإِجماعِ على ذلك، ولم يُعرف له مخالف ممن يُعتدُّ بقوله إلَاّ ما يحكى عن الإمام أَبي حنيفة ﵀.
وممن نقل الإجماع على ذلك:
- الإمام الوزير ابن هبيرة حيث قال: (وأجمعوا على أنّ السحر له حقيقة، إلَاّ أبا حنيفة فإنه قال: لا حقيقة له عنده .. ) (١)
- والإمام ابن القطّان ﵀ حيث جاء في كتابه: (وأَجمعوا على الإيمان أَنَّ السِّحر واقع، و على أَنَّ السحرة لا يضرُّون به أَحدًا إلَاّ بإذن الله) (٢)
- والإمام محمد بن أحمد القرطبي ﵀ حيث قال: (فهو مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ على وجوده ووقوعه، وعلى هذا أَهل الحل
стр. 230
والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتِّفاقهم بحُثالة المعتزلة، ومخالفة أهل الحق) (١) .
- وقال الإمام ابن القيِّم ﵀ بعد أن ذكر نفي المعتزلة أن يكون للسحر حقيقة: (وهذا خلاف ما تواترت به الآثارُ عن الصحابة والسَّلف، واتّفق عليه الفقهاء وأَهل التفسير والحديث، وأَرباب القلوب من أَهل التّصوُّف، وما يعرفه عامَّةُ العقلاء) (٢)
ومستندُ هذا الإجماع النصوص الورادة من الكتاب والسُّنّة المثبتة أنّ للسحر حقيقة وأَثرًا، ومن تلك النُّصوص:
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ البقرة.
وقد استدلَّ أَهلُ العلمِ بهذه الآية على أنّ للسحر حقيقة، من عدة أَوجه، منها: أن الله قال: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ ... فلو لم يكن له حقيقة لما أَمكن تَعلُّمه ولا تعليمه (٣) .
وفي قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ دلالة بيِّنة على أَنَّ للسحر أَثر وحقيقة يقع به التفريقُ بين المرأة وزوجها، وفي ذلك يقول الإِمام محمد الأمين الشنقيطي: (فهذه الآيةُ تدلُّ على أَنَّه
стр. 231
شيءٌ موجودٌ له حقيقة تكونُ سببًا للتفريقِ بين الرِّجُلِ وامرأته، وقد عبّر الله عنه بـ "ما" الموصولة، وهي تدلُّ على أَنَّه شيءٌ له وجودٌ حقيقيٌ) (١)
ومن الأَوجه المستفادة من هذه الآية على ثبوت حقيقة السِّحر، وأَنَّ له أَثرًا، أَنَّ الله قال: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ والاستثناءُ دليل على حصول الآثار بسببه (٢)
ومن الأدلة التي استدلّوا بها أَيضًا:
- قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ الفلق
ووجه الاستدلال بهذه الآية =هو أَمْرُ اللهِ لنبيه ﷺ بالاستعاذة بالله من شرِّ النَّفّاثات، وسواء كان المقصود بالنِّفاثات: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن، أَو كان المقصود الأنفس الخبيثة (٣)؛ فلولا أنَّ للسِّحر حقيقةً لما أَمر الله نبيَّه بالاستعاذة منها، يقول الإمام ابن قيِّم الجوزية: (وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ دليلٌ على أَنَّ هذا النَّفث يَضرُّ المسحور في حال غَيْبته عنه، ولو كان الضَّرر لا يحصُلُ إِلاّ بمباشرةِ البدن ظَاهرًا -كما يقوله هؤلاء- =لم يكن للنَّفث، ولا للنِّفاثات شَرٌّ يُستعاذ منه) (٤)
وقد اتّفق أَهلُ التّفسير على أنَّ سبب نزول سورة "الفلق " ما كان من سحر لبيد بن الأعصم للنبي ﷺ . (٥)
وفي بيان جواز إصابة الأنبياء بالسِّحر، يقول الإمام الخَطَّابيّ ﵀: ( ... الأنبياء صلوات الله عليهم يجوزُ عليهم من الأَعراضِ والعللِ ما
стр. 232
يجوزُ على غيرهم، إلَاّ فيما خَصَّهمُ الله به من العِصمَةِ في أَمر الدِّين، الذي أَرصدهم له، وبعثهم به، وليس تأثير السِّحر في أبدانهم بأكثر من القتل، وتأثيرِ السُّمِّ والأَمراض وعوارض الأَسْقَامِ فيهم، وقد قُتِل زكريا وابنه يحي ﵇، وسُمَّ نَبيُّنا ﷺ في الشَّاةِ التي أُهْديت له بخيبر ... فلم يكن شيءٌ ممَّا ذكرنا قادِحًا في نُبَّوتهم، ولا دافعًا لِفضيلتهم وإِنَّما ابتلاء .. ولم يكن أحدٌ يلقى من عداوة الشَّيطان وكيده ما يلقاه النبيُّ ﷺ ، وقد أخبر الله ﵎ في مُحْكَمِ كتابه أنَّ الشيطانَ يكيد الأنبياء أَشد الكيدِ، ويعرضُ لهم بأبلغ ما يكون من العنت، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الحج: ٥٢، أي في قراءته، كيدًا له، وتلْبِيسًا على أُمَّته .... فأمَّا ما يتعلَّقُ من أمره ﷺ بالنُّبوَة، فقد عَصَمَه الله في ذلك، وحَرَسَ وحيه أن يَلْحَقهُ الفساد والتبديل، وإِنَّما كان يُخيَّل له من أنَّه يفعل الشيء ولا يفعله في أمر النّساء خُصوصًا، وفي إتيان أَهله قَصْرَة، إذا كان قد أُخذ عنهن بالسِّحر، دون ما سواه من أمر الدِّين والنُّبوَّةِ ...
فلا ضرر إذن مما لَحِقَه من السِّحر على نُبوَّته، ولا نقص فيما أَصابه منه على دينه وشريعته، والحمد لله على ذلك) (١)
وقال أبو العبَّاس القرطبي ﵀: ( ... الأنبياءُ من البَشَر، وأنَّه يجوز عليهم من الأَمراضِ والآلام، والغضب، والضَّجَرِ، والعجْزِ، والسِّحر، والعين، وغير ذلك=ما يجوزُ على البَشَرِ، لكنَّهم معصومون عمَّا يُناقض دلالة المُعجِزة من معرفة الله تعالى، والصِّدقِ والعصْمَةِ من الغَلَطِ في التَّبليغ، وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى (١١٠)﴾ الكهف من حيثُ البَشَريَّةِ يجوزُ عليهم ما يجوز عليهم، ومن
стр. 233
حيثُ الخاصَّة النَّبويَّةِ امتاز عنهم، وهو الَّذي شَهِد له العليُّ الأَعلى: بأنَّ بَصَرَهُ ما زاغ وما طغى، وبأنَّ فؤادَهُ ما كذب ما رأى، وبأنَّ قوله وحْيٌ يوحى، وأنَّه ما ينْطِقُ عن الهوى) (١)
قد قدحَ بعضهم في دلالة هذا الحديث، ولم يرتضِ ما دلَّ عليه من تأثير السِّحر في رسول الله ﷺ .
وقد كان حاصل مواقف الآبين لما تضمنه الحديث يؤول إلى مَوْقِفَين:
الأول: من ردَّ الحديث مطلقًا، ورماه بالوضْع:
وممن ذهب إلى هذا القول من المتقدمين: المعتزلة، وأبومنصور الماتُريدي (٢)، وأبوبكر الجصَّاص (٣) ومن المتأخرين: الشيخ محمد عبده، وتلميذه محمد رشيد رضا. وغيرهم
الثَّاني: من تأوله، وصَرَفَه عن ظاهره وتعسَّف في توجيهه:
كما فعل الطاهرُ بن عاشور (٤) ﵀.
стр. 234
وكلتا الطائفتين تتفق على عدم الاقرار بما تضمَّنه الحديثُ من لحُوقِ أَذى السِّحرِ بالمصطفى ﷺ ، وتأثره بما عمل له؛ ومنشأُ الرَّفضِ عند هؤلاء، قيام المعارض العقليِّ الَّذي حال بينهم وبين قبول ما انطوى عليه الحديث.
стр. 235
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث سحر النبي ﷺ -
تتلخَّصُ المعارضات العقلية على الأحاديث المسوقة فيما يلي:
الأول: وهي شبهة من ذهب إلى إنكار أنَّ للسحر حقيقة أَصلًا، بناءً على أَن إثبات ذلك ينشأ عنه عدم التمييز بين معجزات الأَنبياء، وسحر السَّحرة.
وهذا المسلك جنح إليه طائفة من المعتزلة، وأَبو منصور الماتريدي، وأَبوبكر الجصَّاص، والطَّاهر بن عاشور. وغيرهم ممن تأثَّر بمادّةٍ اعتزاليَّةٍ؛ فإنَّ ذلك مَبنيٌ على التسوية بين جنس معجزاتِ الأَنبياءِ، وجنس سحر السَّحرة وعدّهما من بابٍ واحدٍ.
وفي تقرير ذلك عند المعتزلة، يقول القاضي عبد الجبَّار: (وينقسم السِّحرُ، ففيه ما هو كفرٌ؛ وهو ما يدَّعون من أَنَّه يُمكنهم إحياء الموتى بالحيَل، وطي البلادِ، وأَن يزيلوا عن المصروعِ ما نزل به .. وإِنَّما صار ذلك كُفرًا؛ لأَنّ معه لا يمكنُ التمسُّك بالنُّبوات؛ لأَنّه متى جُوِّزَ في ذلك وإن كان فيه نقضُ عادةٍ، وكان من الباب الَّذي يتعذَّرُ على النَّاس فعلُ مثله أَن يكون من فعل السَّحرة =جُوِّزَ في الأَنبياء صلوات الله عليهم، أَن يكونوا مُحتالين، وإن كانوا فعلوا المعجزات، ولا يمكن معه العلمُ بالنُّبوات، ولا بالفرقِ بين ما يختصُّ الله بالقُدرة عليه وبين مقدور العباد .. ) (١)
فبيِّنٌ من كلام القاضي عبد الجبّار، ظنّه أنَّ في إثبات حقيقة للسحر، ما يلزمُ منه جَريَانُ ما ينقضُ العادة ويخرقها على يد السِّاحر،
стр. 236
فلا يُؤمَنُ أَن يُظنَّ بأن ما يأتي به الأَنبياء هو من قبيل ما جرى على يدِ هؤلاء المحتالين من السَّحرة؛ فيتعذَّرُ على ذلك الاستدلال على النبوة!
وما ضَربه من الأَمثلة مما يدِّعيه السحرة من إحياء الموتى .. إلخ يُبرهن على أنَّه يظنُّ أن في
стр. 237
إثبات حقيقة للسحر ما يقتضي أن يَجْري على يد السَّحرة ما هو من قبيل ما يعجز عنه الإنسُ والجن، لذا تجده في موضعٍ آخر يحصر أَثر السِّحر فيما لا يخرجُ عن الوجه الّذي يحتال أحدنا فيه من أَنواع المضرة، فأَنكر بذلك استطاعة السَّاحر أَن يُلحِق الضّرر بالمسحور على وجه لا يُباشر فيه الساحرُ المسحور بالأَذى، و لمَّا كان حديثُ عائشةَ دليلٌ بيِنٌ على خلاف ما ذهب إليه حيث دلَّ الحديثُ على تأثر النبي ﷺ بسحر لَبِيْدٍ دون مُباشرة من لبيد اليهودي له =سارع القاضي عبد الجبَّارُ إلى إنكار الحديث وعدم قَبوله.
وفي ذلك يقول عند تفْسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ الفلق
(وهذا القولُ لا يدلُّ على أَنَّ النَّفاثاتِ في العُقَدِ، اللاتي كن يعقدن على الخيوط وينفُثن عليه، كُنّ ضارَّاتٍ بالنَّاس على غير الوجه الذي يصحُّ من أَحدنا أَن يحتال فيه من أَنواعِ المَضرَّةِ؛ على ما تقوله الحشوية في أَنَّهنّ كن يسحرن النَّاس، وأَنَّهن سحرن النبي صلى الله عليه، ... فلا يدلُّ ذلك على أَنَّ للعبدِ سَبيلًا إلى ما يذكرونه في السِّحرِ) (١)
وقال أبو منصور الماتريدي: (الأَصلُ أنَّ الكهانة محمولٌ أَكثرها على الكذب والمُخادعة والسِّحر على الشُّبه والتخييل) (٢)
بل بالغ أَبوبكر الجصَّاص -عفا الله عنه- فنسب الحديثَ إلى كونه من وضع المُلحدين!! كلُ ذلك بناء على أَصله الفاسد؛ حيث ظنّ أنَّ في إثبات أَن للسحر حقيقة وأَثرًا يستلزمُ إبطال معجزات الأنبياء ﵈؛ لتعذُّر الفرق حينئذٍ بين المعجزة والسحر، وأنَّ ذلك يقتضي أنّهما من باب واحد. لذا يقولُ مقرِّرًا ذلك: (وقد أجازوا من فعل الساحر ما هو أطم من هذا وأفظع وذلك أنهم زعموا أن النبي ﵇ سحر، وأن السحر عمل فيه، حتى قال فيه: أنه يتخيل لي أني أقول الشيء وأفعله، ولم أقله ولم أفعله، وأنَّ امرأةً يهودية سحرته في جُف طلعة ومشط ومشاقة (٣) حتى أتاه جبريل ﵇ فأخبره أنها سحرته في جف طلعة وهو تحت راعوفة البئر فاستخرج وزال عن النبي ﵇ ذلك العارض، وقد قال الله تعالى مكذبًا للكفار فيما ادعوه من ذلك النبي ﷺ فقال جلَّ من قائلٍ: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ الفرقان. ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعبًا بالحشو الطغام واستجرارًا لهم إلى القول بإبطال معجزات الأنبياء ﵈ والقدح فيها، وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء وفعل السحرة، وأنَّ جميعه من نوع واحدٍ، والعجب ممن يجمع بين تصديق الأنبياء ﵈ وإثبات معجزاتهم وبين التصديق بمثل هذا من فعل السحرة مع قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ طه فصدّق هؤلاء من كذّبه الله وأخبر ببطلان دعواه وانتحاله) (٤)
الثَّاني: أنَّ في إثبات الحديث زَعْزعةُ الثِّقةِ بعصمة النبي ﷺ ، خصوصًا فيما يتعلق بأْمرِ التبليغ؛ إذ لو جُوِّز أنَّه سُحرَ، وأنَّه كان يُخيّلُ إليه أنه يفعل الأَمر، ولا يفعله فليس هناك عندئذ ما يمنع من جريان هذا التخييل فيما يبلّغُهُ رسول الله ﷺ = فتسقطُ عند ذلك الثِّقةُ بالدِّين.
стр. 238
وفي ذلك يقول الشيخ محمد رشيد رضا مُبيِّنًا موقف شيخه محمد عبده: (أنكر الجصَّاص الحديث المروي في ذلك، وكذلك الأُستاذ الإمامُ لمعارضته للقرآن، أَو ما فيه من الشبهة على عصمة النبي ﷺ حتى في أمر التبليغ، مع أنَّه مرويٌ في الصحيحين؛ لأنَّ من علامة الحديث الموضوع مخالفته للقطعي من القرآن وغيره) (١)
الثالث: أَنّ السحر من عمل الشيطان، وأَثَرٌ من آثار النُّفوسِ الخبيثة، و لا يقع تأثيرهم إلَاّ على الأنفس الضعيفة، وأَصحاب الطبائع الشهوانيَّةِ ومحال أن يؤثر ذلك على جَسَدِ خير البريَّة صاحب النفسِ الزكيَّة. (٢)
وفي طيِّ هذه الشُّبه تفاريع من الشُّبه النَّقلية التي ظنُّوا أَنَّها عاضدةٌ لدعواهم، وسيأتي في ثنايا هذا البحث الإشارةُ لبعض ما استدلُّوا به لتدعيم ما ذهبوا إليه.
***
стр. 239
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث سحر النبي ﷺ -:
وأما الجواب عن المعارض الأوّل، وهو: دعوى أنَّ إثبات الحديث يلزم منه بطلان النبوة ..
فيقال: لا يلزم عند التحقيق من إثبات تلك الأحاديث بطلان النُّبوّة إلاعندّ من سوّى بين معجزات الأَنبياءِ وبين ما تأتي به السَّحرة والكهان، ولم يثبت فرقًا يعود إلى جنس كلٍّ منهما، ولا فرقًا يعود إلى قصد الخالق، ولا قدرته و لا حكمته.
وأمَّا على قول أهل السُّنّة والجماعة فإنّه لا يلزمُ؛ إذْ الفرق عندهم أجلى من الشَّمس بين آيات الأَنبياء وسحر السّحرة والكُهان في الحدِّ والحقيقة، ومن سوّى بينهما فقد قدح في معجزات الأَنبياء من حيثُ أراد تنزيههم، إذْ جعل الباب واحدًا لا فرق بين آيات الأنبياء ولا سحر السَّحرة، ولذا حتى يسلم باب النبوَّة عند المعتزلة أَنكروا خرق العادة لغير نبي، والتزموا لذلك إنكار السِّحر، وكرامات الأولياء وكلّ ما هو خارق للعادة (١)، فخالفوا بذلك مجموع علْمين: الأدلَّة الشّرعيَّة والبراهين العقليَّة الحسيّة الدَّالة على إثبات السحر وأَثره.
وأمّا الأَشاعرةُ فقد شاركوا المعتزلة في أَصلهم الفاسد، وفارقوهم بأن أَثبتوا أَنَّ للسحر حقيقةً وأَثرًا، وجوّزوا أَن يجري على يدِ النبي ماهو من جنس سحر السَّحَرة، وجعلوا الفرق بين آيات الأَنبياءِ وسحر السحرة،
стр. 240
هو مُجرد ادِّعاء النبوّة، وتحدِّي النبي بالإتيان بمثل ما جاء به، وتقريع مُخالفه بتعذُّر مثله عليه (١) .
وهذا التفريق باطلٌ؛ إذ حقيقته عدم اختصاص المعجزة بما يُميزها عن غيرها، ثم إنّ في تسويتهم بين جنس آيات الأنبياء وسحر السحرة= سْلبٌ لدلالة تلك الآيات أن تكون دالة بنفْسها على صدق الأَنبياء، فإنّ خاصّية الدليل ما يستلزم المدلول ويختصُّ به، فإن وقعت الشَّركة بينه وبين غيره، لم يعد دليلًا، والأوجه الدّالة على بطلان ما فرق به الأَشاعرة بين آيات الأنبياء وسحر السحرة، لا يفي المقام بذكرها (٢) .
وما ادَّعاه المعتزلة، ومن وافقهم كأبي بكر الجَصَّاص من أنَّ في ثبوت حديث عائشة ﵂-وغيرها من الأحاديث الدَّالة على أنَّ للسحر حقيقة =إبطالًا لمعجزات الأنبياء، إذ يستوي حينئذٍ ما يأتون به، وما يأتي به السَّحرة؛ فدعوى غير صحيحة؛ إذ الفرق بين آيات الأَنبياء التي هي خارجة عن مقدور الإنس والجنّ الخارقة لسنن الله الكونية، التي اختصَّ الله بالقُدرة عليها، وسحر السحرة الذي لا يخرجُ عن كونه من العجائب لخروجه عن نظائره وعما اعتاده النَّاس=واضحٌ جلي، ويمكن بيان الفرق بينهما بغير ما ذكر، في الوجوه التَّالية:
الأول: أَن النَّبيَّ صادقٌ فيما يُخْبِرُ به عن الكُتُبِ، لا يكذب قطُّ، ومن خالفهم من السَّحرة والكُهان، لا بدّ أَن يكذب؛ كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ الشعراء.
стр. 241
الثَاني: مِن جِهَةِ ما يأمر به الأَنبياء ويفعلونه، وما يأمر به السَّحرة ويفعلونه؛ فإنَّ الأنبياء لا يأمرون إلَاّ بالعدل، وطلب الآخرة، وعبادة الله وحده، وأَعمالهم البرُّ والتقوى، ومخالفوهم يأمرون بالشّرك والظلم ويُعظِّمون الدُّنيا، وفي أَعمالهم الإِثمُ والعدوان.
الثالث: أَن السحر والكهانة، ونحوهما أَمورٌ معتادة معْروفةٌ لأَصحابِها، ليْست خارقةً لعادتهم، وآياتُ الأَنبياءِ، وآياتُ الأنبياء لا تكون إلَاّ لهم ولمن تَبِعَهم.
الرَّابع: أنّ الكهانة والسِّحرَ يناله الإِنسان بتعلُّمهِ، وسَعيه، واكتسابه وهذا مُجرَّبٌ عند النَّاس، بخلاف النُّبوَّةِ فإنّه لا ينالها أَحدٌ باكتسابه.
الخامس: أَنّ النبوَّة لو قُدِّر أَن تُنال بالكَسْبِ، فإِنَّما تُنالُ بالأَعمالِ الصالحةِ، والصدق، والعدل، والتوحيد. لاتحصلُ مع الكَذِبِ على مَن دون الله؛ فضلًا عن أَن تحصُلَ مع الكَذبِ على الله.
السادس: أنّ ما يأتي به السحرة والكهان يمكن أَن يُعارض بمثله، وآيات الأنبياءِ لا يمكن أحد أن يُعارضها بمثلها.
السابع: أَن تلك ليست خارقة لعادات بني آدم، بل كُلُّ ضَرب منها معتادٌ لطائفة غير الأَنبياء؛ وأمَّا آيات الأَنبياء فليست معتادة لغير الصادقين على الله، ولمن صدَّقهم.
الثامن: أَنَّ هذه قد لا يقدر عليها مخلوق؛ لا الملائكة، ولا غيرهم: كإنزال القرآن، وتكليم موسى، وتلك تقدر عليها الجنُّ والشَياطين.
التاسع: أَن النبيَّ قد تقدّمه أَنبياء؛ فهو لا يأمر إلَاّ بجنس ما أَمرت به الرُّسل قبله، فله نُظَراء يَعتَبِر بهم، وكذلك السَّاحر، له نظراء يعتبر بهم.
стр. 242
العاشر: أَن النبي لا يأمر إلَاّ بمصالح العباد في المعاش والمعاد، فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر؛ فيأمر بالتوحيد، والإخلاص، والصدق، وينهى عن الشّرك، والكذب، والظلم. فالعقول والفِطرُ توافقه؛ كما توافق الأَنبياء قبلَه؛ فيصدِّقه صريح المعقول وصحيح المنقول الخارج عما جاء به) (١)
وأَمّا الكشف عن مدى مخالفة من أنكر حقيقة السحر؛ للضرّورة الحسِّية، فيقال: الأُمم بشتى دياناتهم، وأَعراقهم، واختلاف وديارهم يُثْبتون أنّ للسحر حقيقة، لما يُشاهدونه من آثاره في الواقع من عوارض تُلحق بالمسحور أَلمًا يجده في نفْسه، أَو تصيبه في عقله، أَو تُفرِّق بينه وبين أَهله، أَو تقتله، ولذا ترى الفقهاء يعقدون في مُصنَّفاتهم للسحر مسائل (٢)، ويبحثون في حكم الآثار المترتبة عليه، فيبحثون مثلًا في التكييف الفقهي لمن قَتَلَ بسحره، والتكييف الفقهي أَيضًا في حكم الساحر من جهة ارتداده وكفره؛ فلو لم يكن للسِّحرِ حقيقة لما بلغ أَثرُهُ إلى حدِّ القتل، وإيقاع التفريق، وإزالة العقل، فالمشاحةُ في ذلك، وإنكاره يُعدُّ مخالفةً لما هو مقتضى الضّرورة الحسيّة.
لذا يقول الإمامُ ابن قتيبة متعجِّبًا من قالة هؤلاءِ: (ونحن نقول: إنَّ الَّذي يذهب إلى هذا، مُخالفٌ للمسلمين، واليهود، والنَّصارى، وجميع أَهل الكتاب، ومخالفٌ للأمم كلِّها: الهند -وهي أَشدُّها إِيمانًا بالرُّقى-، والرُّوم، والعرب في الجاهليّة والإِسلام .. ) (٣)
стр. 243
ويقول أَبو العبَّاس القرطبي: (وبالجملةُ: فهو أَمرٌ مقطوعٌ به بإخبار الله تعالى به ورسوله ﷺ عن وجوده، ووقوعه. فمن كذَّب بذلك؛ فهو كافرٌ، مُكِّذبٌ لله ولرسوله، منكرٌ لما عُلمَ مُشاهدةً وعِيانًا. ومنكر ذلك: إن كان مستسرًّا فهو زنديق، وإن كان مُظْهرًا فهو مرتدَّ) (١)
والذي ينبغي الإِشارةُ إليه: أَنَّه مع إنكار أهل العلم على المعتزلةِ ومن تأثَّر بهم في إنكار أَن يكون للسحر حقيقة =إلَّا أَنّه ينبغي أَن يُعلم أَنّ هناك فرقًا بين أن يكون كلُّ صور السِّحر هي من قبيل التخييل الذي لا حقيقة فيه، وبين أَن يكون سحر التخييل ضَربًا من ضروب السِّحر مع وجود مع ما هو حقيقة لا خيال فيه.
فالّذي يُنكره أَهل السُّنّة ومن وافقهم هو الأوَّل لا الثَّاني، فأهل السُّنَّة والجماعة يُقرِّرون أَنّ السحر منه ما هو تخييل، ومنه ما هو حقيقة، ومن قال من أهل العلم: إن السحر حقٌّ، ثم ذهب يستدلُّ على حقيقته بمثل قوله تعالى ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ طه. فمراده -والله أَعلم - أَن هذا النَّوع من السحر خيال بالنِّسْبَة لما يقع في العين من تحرُّك العِصّي والحبال، حقيقة من جهة ما يقع في قلب النَّاظر إليها من الرَّهبة، والخوف، والاشتباه في أَمره، ومما يدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ الأعراف.
فَوصْفُ الله لما جاؤوا به بالعِظَم، هو بالنسبة لما أحدثه تخييلهم، وصنيعهم من أَثرٍ في أَنفُسِ الحاضرين الّذين خُيِّل لهم تحرُّك تلك العصي والحبال وكأنّها تسعى حقيقة. لا أَن التخييل هو في نفس الوقت كان حقيقة، فإنَّ هذا لايقوله أحد؛ إذ هو جمع بين النقيضين، وذلك ممتنع عقلًا.
стр. 244
وبعد الكَشْفِ عن فساد الأَصل الّذي أَنكر المخالفون الحديثَ بسببه =يَسْتَبِين بطلان ردِّهم للحديث، فالحديثُ صحيح لا مطعن فيه لا من جهة إسناده، ولا من جهة متنه، وكلُّ من حاول الطعن فيه من جهة الصناعة الحديثية فقد رام نقض الإجماعَ.
وبيان وجه ذلك:
أَنّ الحديث مما اتفق الشيخان على إخراجه، وما أخرجاه قد أجمعت الأُمّة على تلقيِّه بالقبول (١) سوى أَحرفٍ يسيرة جرى بعض الحفَّاظِ على انتقادها أكثرها متعلِّق بالإسناد، ولم يكن هذا الحديث من تلك الأحرف التي استدركها الحفّاظ على البخاري ومسلم.
ومحصّل ذلك: أَنَّ من طعن في هذا الحديث بعد انعقاد هذا الإجماع =فقد وقع في الضَّلالة بعد الهدى لمخالفته سبيل المؤمنين، وعلى رأْسهم الأئمة الأَثبات الّذين هم أعلم النَّاس بما يصحُّ وما لا يصحُّ أن يُنْسَبَ للرسول ﷺ ،. يقول الإمامُ ابن قيِّم الجوزية في الكلامِ على هذا الحديث: (هذا الحديث ثابتٌ عند أَهل العلم بالحديث، مُتلقًّى بالقَبولِ بينهم، لايختلفون في صحته، وقد اعتاص على كثيرٍ من أَهل الكلام وغيرهم، وأَنكروه أَشدَّ الإنكار، وقابلوه بالتكذيب .. وقد اتَّفق أَصحابُ "الصحيحين " على تصحيح هذا الحديث بكلمةٍ واحدة، والقِصَّة مَشْهورةٌ عند أَهل التفسير، والسُّنن، والحديث، والتَّاريخِ، والفقهاء، وهؤلاء أَعلمُ بأحوال رسول الله ﷺ وأَيامه، من المُتكلِّمينَ) (٢)
لذا دَرَجَ أَهل العلمِ على أَنَّ الطاعن في هذا الحديث سواء من جهة
стр. 245
سَنَده أَو متنه = حقيق بوصف: "الابتداع" (١) و"الزَّيغ" (٢) ولا يكون هذا الوصف منهم، إلَاّ لمُناقضته الدَّلائل، وخروجه عمَّا اتَّفقوا عليه.
أَمَّا دعواهم أن في الحديث زعزعة الثقة بما يبلغه الرسول ﷺ :
فيقال: ليس في إثبات سحر النبي ما يؤدي إلى القول بتجويز ذلك.
وبيان ذلك: أنّ عصمته ﷺ في التَّبليغ قد انتصبت البراهين القطيعة على تحقّقِها، وليس ثبوتُ الاعتقادِ بذلك متوقفًا على نفي لحوق السحر به، فالعصمة ثابتةٌ بدلائلِها متحقِّقةٌ ببراهينها في جميع الحالات، ومنها الحالةُ التي هي مَحلُّ النِّزاع.
وفي بيان ذلك يقول الإمام المازري: (وقد أنكر بعض المبتدعةِ هذا الحديث من طريق ثابتة وزعموا أنَّه يحطُّ منصب النبوءة ويشكِّكُ فيها وكُلُّ ما أَدَّى إلى ذلك؛ فهو باطل، وزعموا أنَّ تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع ولعلَّه يتخيل إليه جبريل ﵇، وليس ثم ما يراه، أَو أَنَّه أُوحي إليه وما أُوحي إليه = وهذا الذي قالوه باطل وذلك أنَّ الدليلَ قد قام على صرفهِ فيما يبلغه عن الله سبحانه، وعلى عصمته .. ) (٣)
ثم إنَّه يقال: إما أن يكون لدى النَّافين براهين ودلائل على عصمة الرَّسول ﷺ من الخطأ في التبليغ، أوْ ليس عندهم ما يثبتون به ذلك إلَاّ نفيهم لكونه ﷺ سُحِرَ.
فإن كان الأوَّل: فليس هناك ما يحمل على الطَّعن في الحديث الذي يُثبت ذلك؛ إذ ثبوت عصمته ﷺ كما تقدَّم ليس متوقفًا على نفيهم لهذا الحديث.
стр. 246
وإن كان الدَّليلُ اليتيمُ على عِصْمتهِ، هو نَفْيُ السِّحرِ عنه؛ فهذا باطلٌ لأنَّ قولَهم هذا يستلزم الدَّور؛ إذ معنى ذلك أن يكون الدَّليلُ على عصمته من تضرّره بالسِّحر ﷺ =هو امتناع السحر عليه. وهذا هو الدَّور بعينه.
ثم إنَّه يقال أَيضًا: إنَّ غاية ما لحقه ﷺ من أذى السحر لا يعدو أَن يكون عَرَضًا من الأَعراض التي تعتري البشر، ومرض من الأمراض لم يتعد أثرُها الجوارح.
ومع جلاء هذه الحقيقة لمن جمع الرِّوايات وحقق فيها، إلَاّ أنّ العجبَ لا ينقضي حين ترى العلاّمةَ محمدَ رشيد رضا-عفا الله عنه- يغضّ الطَّرف عن حاصل تلك الرِّوايات، وعمّا رقمه أَهل العلم في بيان الحديث، ليعلن تأْبِّيه عمَّا قرّروه في ذلك قائلًا: (ونرى أَكثرَ العلماء قد اسْتقرَّ جوابهم على أَنَّ السِّحر الّذي وقع هو عبارةٌ عن التأثير في جِسْمه ﷺ دون نَفْسِه الشَّريفة الزَّكيّة العلويَّة ... لكنَّ الرِّوايات كلَّها مُصرحةٌ بأنَّ تأثير السِّحرِ المزعوم كان في نفسه، وإِدراكه، وتصوّره صلوات الله وسلامه عليه، لا في جسَدِهِ .. وليعْلَم القُرَّاء أَن أَمثال هذه المشكلات في الرِّوايات لا يهتدي إلى تحقيق الحقِّ فيها إلَاّ الذي يُعطي عقله حُرِّية الاسْتقلال فيما قاله أَصنافُ العلماء ... ) (١)
و المُنْصِفُ سيحاكم الشيخ محمد رشيد إلى دعواه، وسيقيمُ البرهان أَن أَهل السُّنّة ومن تبعهم من أهل العلم قد أعطوا عقولهم حُرِّية الاستقلال في بحثهم لهذا الحديث، فلم يقعوا فريسة لتهاويل المنكرين فبرهانُ أَهل العلم على ما حرَّروه في هذه المسألة أنَّه قد جاء في الحديث قول عائشة ﵂: (سحر النبي ﷺ حتى إنّه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله)
فقولها: حتى إنّه ليفعل الشيء وما فعله، هو إخبار عمّا علمته من حاله وخبره ﷺ ، فالتخييل يقع في البصر لا في الإِدراك، وإدراكه ﷺ ينفي وقوع ذلك ... منه، ومما يدلُّ على ذلك، ما جاء في الرِّواية الأُخرى -التي سيقت في أول البحث -: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء و لا يأتيهن)
وقد جاء من مرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزُّبير: (سُحر النَّبيُّ حتى أنكر بَصَرَه) (٢)
فحصيلة هذه الرِّوايات لا تخرج في دلائلها عن أن يكون ما عرض له إمَّا ﷺ مجرَّدُ تخييل عارضٍ، أَو خَاطرٍ طارئ، أنه قد جاء إلى عائشة وهو عالم أنه لم يجئها، وأنّ هذا الخاطر يعاوده على خلاف عادته (٣) .
و قد يَرْقى هذا الخاطرُ إلى الظنِّ وهذا الظن ليس مُطَّردًا، وإِنَّما في أَمر خاص من أُمُور الدُّنيا، وهو كونه كان يظن أنه يأتي أهله ولم يكن يفعل ذلك.
ولذا قال الحافظ ابن حجر: (وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أَنَّه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزمَ بفعله ذلك وإِنَّما
стр. 247
يكون من جِنْس الخاطر يخطرُ و لا يَثْبت .. ) (١)
وصدور الظنِّ منه ﷺ فيما يتعلّقُ بأمر الدُّنيا ليس بمتتنع وليس هو مما يقدح في عصمته فقد ثبت مثل هذا الظنِّ في واقعة تأبير النَّخل حيث ظنَّ أنّ النخل لايحتاج إلى تأبير (٢).
وكظنِّه ﷺ بعد أنَّ صلى ركعتين أَنَّه صلَّى أَربعًا (٣)؛ فكما أَنَّ هذا الظن الوارد عنه في قضيتي تأبير النَّخل، والسَّهو لايقدح في عصمته ﷺ =فكذلك ظنّه بسبب أَثر السِّحر بأنّه يفعل الشيء ولا يفعله لا يقدح في أَمر العصمة. فتجويز الأَوّل دون الثَّاني تحكُّم.
وقد أَوردوا على جهة الاعتضاد لتدعييم دعواهم لإبطال ماثبت في الصحيحين، ما احتجّوا به من الآيات كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ المائدة. من جهة أَنَّ الواردَ في الحديث لا يقوى على معارضة القرآن.
فيقال: ردُّ الحديث لمخالفته للقرآن، لا يتأتَّى إلَاّ بعد توفَّر شَرْطَين:
الأول: أن تكون الآية دلالتها قطعية، والحديث لم يَرْقَ إلى درجة القطعيَّة في دلالته، فيقدم الأوَّل من جهتين: الأولى: لقطعية ثبوته، والثانية: لقطعيَّة دلالته.
الشرط الثاني: أن يتعذَّرَ الجَمْعُ بين الدليلين، فإن لم يتعذّر فقد
стр. 248
تقرر في الأُصول أَنَّ الجمع مقدم على الترجيح (١)
فإذا أمكن الجمع بين الدليلين فليس من السَّائغ إعمال أحدهما جزافًا، فإنَّ حقيقة ذلك رغبة عن السُّنّة التي هي بيان للقرآن بنصِّ كتاب الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٤٤)﴾ النحل؛ فضلًا عنْ أنّ ذلك نَظَر للشَّريعة بعين النَّقصِ لا الكمال؛ فمن الثابت أنّ الدَّلائل لا تتناقض، والعدول إلى الترجيح مع إمكان الجمع ليس من طرائق المحققين من أهل العلم.
وما تقرر في علم الأصول من اشتراط ذينك الأمرين حتى يصح المصير إلى الترّجيح =لم يكن مُتحقِّقًا فيما استدلُّوا به، و وجْهُ ذلك: أنَّ الآية ليست نصًّا في الدَّلالة على عصمة النبي ﷺ من الإصابة بالسحر؛ ذلك لكون الآية فيها إجمال هذا الإجمال لا يتّضح بيانه إلَاّ بتقدير محذوف دل عليه السِّياق، وهو المعروف عند الأُصوليين بدلالة " الاقتضاء"، ولولا هذا التقدير لفُهم من الآية ما هو خلاف المقصود منها قَطعًا؛ إذ يستحيل أن يكون المقصود بها أَنَّ الله يعصمه من أَشخاص النَّاس؛ إذ كيف يقال ذلك وهو في الأَصل مُرْسَلٌ إليهم فوجب حينئذ المصير إلى التقدير وهذا المقدر لا يخلو:
إمَّا أن يكون أَذى النَّاس، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ كلَّ من له أَدنى اطلاع على سيرته ﷺ يعلم أنَّه ﷺ ، قد ناله من الأَذى كالشَّتم، وإدماء عقبه ﷺ ، وكسر رباعيته، وتأثره من سمِّ اليهودية، وغير ذلك من صنوف الابتلاء التي أراد الله له بها رِفعة المنزلة، وجعله قدوة للسَّائرين على سنته ودربه.
стр. 249
فإذا ثبت عدم عصمته من الأذى، فإن السحر مندرج تحت مسماه بلا شك.
وعلى فرض تقدير المحذوف هو الأذى، وأنَّ الله عَصَمه من أَذى النَّاس فإنّه يُحمل على أَذى مَشروط، وهو الأَذى المانع من التبليغ، لا مُطلق الأَذى كما اختاره المحققون من أهل التفسير (١)، ويكون ما ثبت في الحديث مخصِّصًا للآية (٢)، والآية كما اختار ابن كثير مدنية، وهي من أَوَاخر ما نَزَلَ على الرسول ﷺ ، فتكونُ حادثةُ السِّحرِ فيما يظهر-والله أعلم- قبل نزولها فلا تعارض حينئذ؛ لأنَّ بعد نزول الآية عصمه الله من السحر ومن غير ذلك من صُنُوفِ الأَذى، وأمَّا قبل ذلك فلا.
وإن كان المقدَّر هو العصمة من " القتل" كما هو اختيار بعض أَهل التَّفسير (٣) فحينئذ انْتقضت معارضتهم الحديث بالآية هذا من جهةٍ، ومن جهة أخرى مما يدلُّ على عدم قَطعيَّة دلالة هذه الآية أنَّ الله تعالى، ذكر أَنَّ نبيَّه معصوم من النَّاس، ولفظ " الناس"حسبما تقرَّر في الأُصول من أَلفَاظ العموم (٤)، ودَلالةُ العامِّ على أَفرادهِ ظنيَّة، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ آل عمران: ١٧٣. ومن المعلوم أَنَّ لفظ " الناس" أريد به في الآية نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁. وقيل غيره (٥) وعلى كُلٍّ فليس المقصود به قطعًا جميع الناس.
стр. 250
وكذا (النَّاس) في الموضع الثَّاني مراد به خصوص كفار مكة، (لا جميع النَّاس في أقطار الأرض ولو أنَّنا حملنا "الناس" على جميع الناس لكان أوَّلُ الآية يدفع آخرها، فلو كان جميع الناس قالوا هذا القول فمن هم المَقول لهم. فتأْويلُها على بعضِ النَّاسِ هو المُتعيِّن) (١)
وعلى ذلك يتأتي الجمع بين الآية والحديث، بأن يقال: الآية من العام الذي أُريد به الخصوص، فيُستثنى منها ما قام به لبيد بن الأَعصم من سحر النبي ﷺ .
وأمَّا الجواب عن قولهم: إنَّ السحر من عمل الشيطان وأَثَر من آثار النُّفوس الخَبيثةِ؛ فمحال أن يؤثِّر ذلك على جسد النَّبيِّ ﷺ .
فيقال: ليس هناك دليلٌ من النَّقل أَو العقل يمنعُ من تسلّط الشيطان على النبي ﷺ بالأَذى، كيف والدّليل على خلاف ما قرَّروه؛ فقد ثبت أنَّ الشيطان تفلّت بشهاب من نار يريد أن يرميه به وهو في الصلاة، فجعل النبي ﷺ يقول: (ألعنُك بلعنة الله) (٢)؛ بل هو الذي تسلَّط بالوسوسة على أبينا آدم ﵇ حتى أَخرجَه من الجنَّة، كماقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ الأعراف.
وقد تسلَّط على جسد نبي الله أَيُّوب فمرض، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ ص.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (وهذا لا ينافي أَنَّ الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب؛ لأن التسليط على الأهل، والمال، والجسد من جِنْس الأَسباب التي تنشأ عنها الأعراضُ البشرية: