وإن كان الدَّليلُ اليتيمُ على عِصْمتهِ، هو نَفْيُ السِّحرِ عنه؛ فهذا باطلٌ لأنَّ قولَهم هذا يستلزم الدَّور؛ إذ معنى ذلك أن يكون الدَّليلُ على عصمته من تضرّره بالسِّحر ﷺ =هو امتناع السحر عليه. وهذا هو الدَّور بعينه.
ثم إنَّه يقال أَيضًا: إنَّ غاية ما لحقه ﷺ من أذى السحر لا يعدو أَن يكون عَرَضًا من الأَعراض التي تعتري البشر، ومرض من الأمراض لم يتعد أثرُها الجوارح.
ومع جلاء هذه الحقيقة لمن جمع الرِّوايات وحقق فيها، إلَاّ أنّ العجبَ لا ينقضي حين ترى العلاّمةَ محمدَ رشيد رضا-عفا الله عنه- يغضّ الطَّرف عن حاصل تلك الرِّوايات، وعمّا رقمه أَهل العلم في بيان الحديث، ليعلن تأْبِّيه عمَّا قرّروه في ذلك قائلًا: (ونرى أَكثرَ العلماء قد اسْتقرَّ جوابهم على أَنَّ السِّحر الّذي وقع هو عبارةٌ عن التأثير في جِسْمه ﷺ دون نَفْسِه الشَّريفة الزَّكيّة العلويَّة ... لكنَّ الرِّوايات كلَّها مُصرحةٌ بأنَّ تأثير السِّحرِ المزعوم كان في نفسه، وإِدراكه، وتصوّره صلوات الله وسلامه عليه، لا في جسَدِهِ .. وليعْلَم القُرَّاء أَن أَمثال هذه المشكلات في الرِّوايات لا يهتدي إلى تحقيق الحقِّ فيها إلَاّ الذي يُعطي عقله حُرِّية الاسْتقلال فيما قاله أَصنافُ العلماء ... ) (١)
و المُنْصِفُ سيحاكم الشيخ محمد رشيد إلى دعواه، وسيقيمُ البرهان أَن أَهل السُّنّة ومن تبعهم من أهل العلم قد أعطوا عقولهم حُرِّية الاستقلال في بحثهم لهذا الحديث، فلم يقعوا فريسة لتهاويل المنكرين فبرهانُ أَهل العلم على ما حرَّروه في هذه المسألة أنَّه قد جاء في الحديث قول عائشة ﵂: (سحر النبي ﷺ حتى إنّه يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله)
فقولها: حتى إنّه ليفعل الشيء وما فعله، هو إخبار عمّا علمته من حاله وخبره ﷺ ، فالتخييل يقع في البصر لا في الإِدراك، وإدراكه ﷺ ينفي وقوع ذلك ... منه، ومما يدلُّ على ذلك، ما جاء في الرِّواية الأُخرى -التي سيقت في أول البحث -: (حتى كان يرى أنه يأتي النساء و لا يأتيهن)
وقد جاء من مرسل سعيد بن المسيب وعروة بن الزُّبير: (سُحر النَّبيُّ حتى أنكر بَصَرَه) (٢)
فحصيلة هذه الرِّوايات لا تخرج في دلائلها عن أن يكون ما عرض له إمَّا ﷺ مجرَّدُ تخييل عارضٍ، أَو خَاطرٍ طارئ، أنه قد جاء إلى عائشة وهو عالم أنه لم يجئها، وأنّ هذا الخاطر يعاوده على خلاف عادته (٣) .
و قد يَرْقى هذا الخاطرُ إلى الظنِّ وهذا الظن ليس مُطَّردًا، وإِنَّما في أَمر خاص من أُمُور الدُّنيا، وهو كونه كان يظن أنه يأتي أهله ولم يكن يفعل ذلك.
ولذا قال الحافظ ابن حجر: (وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أَنَّه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزمَ بفعله ذلك وإِنَّما
стр. 247
يكون من جِنْس الخاطر يخطرُ و لا يَثْبت .. ) (١)
وصدور الظنِّ منه ﷺ فيما يتعلّقُ بأمر الدُّنيا ليس بمتتنع وليس هو مما يقدح في عصمته فقد ثبت مثل هذا الظنِّ في واقعة تأبير النَّخل حيث ظنَّ أنّ النخل لايحتاج إلى تأبير (٢).
وكظنِّه ﷺ بعد أنَّ صلى ركعتين أَنَّه صلَّى أَربعًا (٣)؛ فكما أَنَّ هذا الظن الوارد عنه في قضيتي تأبير النَّخل، والسَّهو لايقدح في عصمته ﷺ =فكذلك ظنّه بسبب أَثر السِّحر بأنّه يفعل الشيء ولا يفعله لا يقدح في أَمر العصمة. فتجويز الأَوّل دون الثَّاني تحكُّم.
وقد أَوردوا على جهة الاعتضاد لتدعييم دعواهم لإبطال ماثبت في الصحيحين، ما احتجّوا به من الآيات كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ المائدة. من جهة أَنَّ الواردَ في الحديث لا يقوى على معارضة القرآن.
فيقال: ردُّ الحديث لمخالفته للقرآن، لا يتأتَّى إلَاّ بعد توفَّر شَرْطَين:
الأول: أن تكون الآية دلالتها قطعية، والحديث لم يَرْقَ إلى درجة القطعيَّة في دلالته، فيقدم الأوَّل من جهتين: الأولى: لقطعية ثبوته، والثانية: لقطعيَّة دلالته.
الشرط الثاني: أن يتعذَّرَ الجَمْعُ بين الدليلين، فإن لم يتعذّر فقد
стр. 248
تقرر في الأُصول أَنَّ الجمع مقدم على الترجيح (١)
فإذا أمكن الجمع بين الدليلين فليس من السَّائغ إعمال أحدهما جزافًا، فإنَّ حقيقة ذلك رغبة عن السُّنّة التي هي بيان للقرآن بنصِّ كتاب الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (٤٤)﴾ النحل؛ فضلًا عنْ أنّ ذلك نَظَر للشَّريعة بعين النَّقصِ لا الكمال؛ فمن الثابت أنّ الدَّلائل لا تتناقض، والعدول إلى الترجيح مع إمكان الجمع ليس من طرائق المحققين من أهل العلم.
وما تقرر في علم الأصول من اشتراط ذينك الأمرين حتى يصح المصير إلى الترّجيح =لم يكن مُتحقِّقًا فيما استدلُّوا به، و وجْهُ ذلك: أنَّ الآية ليست نصًّا في الدَّلالة على عصمة النبي ﷺ من الإصابة بالسحر؛ ذلك لكون الآية فيها إجمال هذا الإجمال لا يتّضح بيانه إلَاّ بتقدير محذوف دل عليه السِّياق، وهو المعروف عند الأُصوليين بدلالة " الاقتضاء"، ولولا هذا التقدير لفُهم من الآية ما هو خلاف المقصود منها قَطعًا؛ إذ يستحيل أن يكون المقصود بها أَنَّ الله يعصمه من أَشخاص النَّاس؛ إذ كيف يقال ذلك وهو في الأَصل مُرْسَلٌ إليهم فوجب حينئذ المصير إلى التقدير وهذا المقدر لا يخلو:
إمَّا أن يكون أَذى النَّاس، وهذا غير صحيح؛ لأنَّ كلَّ من له أَدنى اطلاع على سيرته ﷺ يعلم أنَّه ﷺ ، قد ناله من الأَذى كالشَّتم، وإدماء عقبه ﷺ ، وكسر رباعيته، وتأثره من سمِّ اليهودية، وغير ذلك من صنوف الابتلاء التي أراد الله له بها رِفعة المنزلة، وجعله قدوة للسَّائرين على سنته ودربه.
стр. 249
فإذا ثبت عدم عصمته من الأذى، فإن السحر مندرج تحت مسماه بلا شك.
وعلى فرض تقدير المحذوف هو الأذى، وأنَّ الله عَصَمه من أَذى النَّاس فإنّه يُحمل على أَذى مَشروط، وهو الأَذى المانع من التبليغ، لا مُطلق الأَذى كما اختاره المحققون من أهل التفسير (١)، ويكون ما ثبت في الحديث مخصِّصًا للآية (٢)، والآية كما اختار ابن كثير مدنية، وهي من أَوَاخر ما نَزَلَ على الرسول ﷺ ، فتكونُ حادثةُ السِّحرِ فيما يظهر-والله أعلم- قبل نزولها فلا تعارض حينئذ؛ لأنَّ بعد نزول الآية عصمه الله من السحر ومن غير ذلك من صُنُوفِ الأَذى، وأمَّا قبل ذلك فلا.
وإن كان المقدَّر هو العصمة من " القتل" كما هو اختيار بعض أَهل التَّفسير (٣) فحينئذ انْتقضت معارضتهم الحديث بالآية هذا من جهةٍ، ومن جهة أخرى مما يدلُّ على عدم قَطعيَّة دلالة هذه الآية أنَّ الله تعالى، ذكر أَنَّ نبيَّه معصوم من النَّاس، ولفظ " الناس"حسبما تقرَّر في الأُصول من أَلفَاظ العموم (٤)، ودَلالةُ العامِّ على أَفرادهِ ظنيَّة، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ آل عمران: ١٧٣. ومن المعلوم أَنَّ لفظ " الناس" أريد به في الآية نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁. وقيل غيره (٥) وعلى كُلٍّ فليس المقصود به قطعًا جميع الناس.
стр. 250
وكذا (النَّاس) في الموضع الثَّاني مراد به خصوص كفار مكة، (لا جميع النَّاس في أقطار الأرض ولو أنَّنا حملنا "الناس" على جميع الناس لكان أوَّلُ الآية يدفع آخرها، فلو كان جميع الناس قالوا هذا القول فمن هم المَقول لهم. فتأْويلُها على بعضِ النَّاسِ هو المُتعيِّن) (١)
وعلى ذلك يتأتي الجمع بين الآية والحديث، بأن يقال: الآية من العام الذي أُريد به الخصوص، فيُستثنى منها ما قام به لبيد بن الأَعصم من سحر النبي ﷺ .
وأمَّا الجواب عن قولهم: إنَّ السحر من عمل الشيطان وأَثَر من آثار النُّفوس الخَبيثةِ؛ فمحال أن يؤثِّر ذلك على جسد النَّبيِّ ﷺ .
فيقال: ليس هناك دليلٌ من النَّقل أَو العقل يمنعُ من تسلّط الشيطان على النبي ﷺ بالأَذى، كيف والدّليل على خلاف ما قرَّروه؛ فقد ثبت أنَّ الشيطان تفلّت بشهاب من نار يريد أن يرميه به وهو في الصلاة، فجعل النبي ﷺ يقول: (ألعنُك بلعنة الله) (٢)؛ بل هو الذي تسلَّط بالوسوسة على أبينا آدم ﵇ حتى أَخرجَه من الجنَّة، كماقال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ الأعراف.
وقد تسلَّط على جسد نبي الله أَيُّوب فمرض، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ ص.
قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀: (وهذا لا ينافي أَنَّ الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب؛ لأن التسليط على الأهل، والمال، والجسد من جِنْس الأَسباب التي تنشأ عنها الأعراضُ البشرية:
стр. 251
كالمرض، وذلك يقع للأنبياء فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل وهلاك المال؛ لأسباب متنوعة، ولا مانع من أن يكون جملة تلك الأسباب: تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء ... ) (١)
فإذا جاز تسلطه على نبي الله أَيوب ﵇؛ فما المانع من جواز تسلّطه على النبي ﷺ ، وعلى هذا فتسلُّط الشيطان على رسوله ﷺ ، وعلى نبي الله أَيوب ﵇ ليس في العقل ما يمنعه وليس فيه غَضٌّ من منصب النبوة، والدَّلائل الشرعية تدل عليه إمَّا نَصًّا أَو ظاهرًا.
وأمَّا تأويل ابن عاشور ﵀ لحديث عائشة بنفي أَن يكون لسحر لبيد أَثَر في المصطفى ﷺ ، وإِنَّما غاية ما في الأمر مصادفة عمل لبيد لعارض ألمَّ بالنبي ﷺ =فظنّ النّاس أنّ سحره أثر فيه، وإلاّ لم يكن شيء من ذلك ألبتَّة!! =فهو تأويل متكلَّف ليس عليه أَثَارة من دليل.
وفي ذلك يقول: (وقد تمسّك جماعةٌ لإثبات تأثير هذا النوع من السِّحر .. وينبغي التَّثبُّت في عباراته ثمَّ في تأويله، ولا شكَّ أَنَّ لبيدًا حاول أَن يسحر النبي ﷺ فقد كان اليهود سحَرَةٌ في المدينة، وأَنّ الله أطلع رسوله على ما فعله لبيد لتكون معجزة للنبي ﷺ في إِبطال سحر لبيد، وليعلم اليهود أَنَّه نبي لا تلحقه أَضْرارُهم، وكما لم يؤثِّر سِحر السّحرة على موسى= كذلك لم يؤثر سحر لبيد على رسول ﷺ ، وإِنَّما عرض للنبي ﷺ عارضٌ جَسدي شفاء الله منه فصادف أَن كان مُقارنًا لما عمِله لبيد بن الأعصم من محاولة سحره، وكانت رؤيا النبي ﷺ إنباء من الله له بما صنع لبيد، والعبارة عن صورة تلك الرُّؤيا كانت مُجملة؛ فإنَّ الرَّأي رموز، ولم يَرد في الخبر تعبيرُ ما اشتملت عليه، فلا تكون أَصلًا لتفْصيل القصَّة) (٢) .
стр. 252
ولا أَدري ما الّذي ألجأ الإمام ابن عاشور -غفر الله له - إلى ركوب الصَّعب والذّلول لينفي أَثر سحر لبيد، ومن تأمَّل الحديثِ دعاه هذا التأمّل إلى لَفْظِ أَلفاظ هذا التأويل وعدم قَبوله، وذلك للأَسباب التالية:
الأَّول: أَنّ النبي ﷺ حينما شَعر بأثر السحر عليه دعا ربَّه فكان من دلائل استجابة الله له أن أرسل له ملكين، فكان مما ذكراه والنبي ﷺ يسمع أَنه مطبوب، وأَنَّ علة ذلك سحرُ لَبِيْدٍ، فكان المرضُ الّذي أَصاب النبي ﷺ مرتَّبًا على ذلك السبب الذي صنعه لبيد وسرى أَثره بإرادة الله تعالى =فكيف يقال بعد ذلك: إن المرض كان مُصادفة ومقارنًا لما عَمِلَه لبيد!، ودعواه بأَنَّ ما رآه ﷺ في الرُّؤيا من نصِّ المَلَكين على سبب مرضه لا يعتمد عليه؛ لكون الرُّؤيا جرت مجرى الرُّموز =لا برهان عليها، وسياق القِصَّة يُبطل ذلك. ومما يوضِّح أنَّ الرُّؤيا التي رآها النبي ﷺ لم تكن رموزًا بل هي جَليَّة:
الثَّاني: أنَّ الرَّسول ﷺ علم أَنَّ ربَّه أجاب دعاءه، وذلك بإخباره بعلَّة مرضه بواسطة الملكين اللَّذين أَخبراه بما صنع لبيد، ودليل استفادة النبي ﷺ من هذه الرُّؤيا علة مرضه =قوله ﷺ لعائشة ﵂: (أَشعرت أَن الله قد أَفتاني، فيما اسْتفتيته) وهذا يكشف استفادة النبي ﷺ من خَبر الملكين، وإِيقانه بأَنَّ الله أَجاب دعوته، وإلَاّ فما الجدوى من إخبار الله تعالى له ﷺ بعمل لبيد الّذي قد منع الله أَثره، وترْكه سبحانه بيان ما هو أعظم، والحاجة إليه أَشد =وهو بيان سبب مرض نبيه ﷺ ؛ فانظر كيف قاد التنزيه البارد لجناب المصطفى ﷺ إلى الطعن في كمال علمه تعالى وحِكْمتِه، وتجهيل النبي ﷺ في فَهْمِهِ وحُسن ظنِّه بربِّه، فمثل هؤلاء كمن رام أَن يبني قصرًا فهدم مِصْرًا!!
ثمَّ إنَّ الرُّؤيا لم تكن من قبيل الرّموز التي لا تفهم إلاّ له ﷺ ، وبرهان ذلك:
стр. 253
الثَّالث: أَنّها لو كانت كذلك؛ لانْتفَت حكمة سَوق النَّبيِّ ﷺ الرُّؤيا لعائشة ﵂، فلولا أَنَّها من قبيل الرؤى البيِّنة في نَفْسِها لمن سَمعها =لما قصَّها على عائشة ﵂ دون تعبير لها.
هذا على فرضِ التسليم، بأَنَّ ما رآه المصطفى ﷺ هو من قبيل الرُّؤيا، لا اليقظة =وإلاّ فليس في الروايات -التي وقفتُ عليها- ما يثبت ذلك، بل لو قيل أَنّ ما رآه ﷺ كان في اليقظة لَمَا بَعُدَ.
الرَّابع: أَن يقال: التأْويل فرع الإحالة والاستبعاد، وقد سبق بيان أليس في الحديث ما يستحيلُ عقلًا، أَو يمتنع شرْعًا؛ كيف وفي إِثبات ما تضمَّنه الحديث من الفرائد واللطائف، والعِبر، ما لا يتسنى إيراده في هذا المقام، فإذا انتفتِ الإحالةُ، وزال الامتناع =بطَل التأويلُ؛ إذ كلُّ فَرعٍ لا ينبعثُ من أَصْلٍ؛ فهو باطل.
الخامس: أَن يقال: إصابة النبي ﷺ بسحر لبيد بن الأَعصم لا يخرجُ بحَسَبِ القِسْمَة العقليَّة الحاصرة عن أحد أمور ثلاثة: إمَّا الامتناع، أو الوجوب، أو الإمكان، فأمّا الامتناع فقد تبيّن فساده، وأمَّا الوجوب فلا يتأتَّى هنا، فلم يبق إلَاّ الإمكان، فمن أدخل ما هو ممكن في حيِّز الامتناع مع تقرر إمكانه؛ فهو مُبطل.
فتبيَّن بذلك وَهن التأويل الذي ذهب إليه ابن عاشور وغيره، وأَنَّ الحديث يدلُّ دلالة لا يعتورها غموض في بلوغ أَثر السِّحر إلى جسد النبي ﷺ واعتلاله-بأبي هو وأمي - ﷺ من أَثَرِهِ.
стр. 254
المبحث الثَّاني دفع دعوى المعارض العقلي عن حديثي شقِّ صدر النبي ﷺ ، وإسلام شيطانه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: سوق حديثي شقِّ صدر النبي ﷺ ، وإسلام شيطانه.
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي على حديثَيْ شقّ صدر النبي ﷺ وإسلام شيطانه.
стр. 255
المطلب الأوّل: سوق حديثي شقِّ صدر النبي ﷺ ، وإسلام شيطانه
عن أنس بن مالك؛ أنَّ رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇، وهو يَلعبُ مع الغِلمَان فأخذَه، فصرعَه، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه عَلقة، فقال: هذا حظُّ الشيطان منك ثُمَّ غَسَلَه في طَسْتٍ مِن ذَهَبٍ بماءِ زَمْزمَ. ثُمَّ لَأَمَهُ (١) ثُمَّ أَعَادَهُ في مَكَانِهِ. وجَاءَ الغِلْمَانُ يَسْعَون إلى أُمِّه (يعني ظِئرَهُ (٢)) فقالوا: إنَّ مُحمدًا قد قُتِل فاسْتَقْبلوه وهو مُنْتَقَعُ اللَّونِ (٣)، قال أنسٌ: وقد كنتُ أرى أثر ذلك المِخْيَطِ في صدره) (٤)
وعن عائشة <: أنَّ رسولَ ﷺ خرجَ من عندِهَا ليلًا قالت فَغِرتُ عليه فجاءَ فرأى ما أَصْنعُ. فقال: مَالَكِ؟ يا عائشةُ أَغِرْتِ؟ فقلتُ: وما لِي لا يَغَارُ مِثْلي على مِثْلِكَ؟ فقال رسول ﷺ : أَقْد جَاءَكِ شَيْطَانُكِ؟ قالتْ: يا رسولَ اللهِ أَوَ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قال: نَعَمَ. قلت: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قال: نعم. قُلتُ وَمَعَكَ؟ يا رسولَ اللهِ. قال: نَعمْ. ولكنْ ربِّي أَعَانَنِي عَليْهِ حَتَّى أَسْلَمَ) أخرجه مُسلم. (٥)
عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما مِنْكُمْ
стр. 256
مِنْ أَحَدٍ إلَّا وقَدْ وُكِّل به قَرِينُهُ مِن الجِنِّ) قالوا: وَ إِيَّاك يا رسولَ الله؟ قال: (وَ إِيَّاي. إِلَّا أَنَّ الله أَعانَني عليه فأَسْلَمَ. فلا يأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيرٍ) أخرجه مُسلم. (١)
стр. 257
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي على حديثَيْ شقّ صدر النبي ﷺ وإسلام شيطانه .
حاصل الاعتراضات العقليَّة على هذين الحديثين تتلخَّص في الأمور التالية:
الأول: أنّ قبول حديث "شق صدره ﷺ ، وانتزاع حظِّ الشيطان منه"؛ يلزم منه الجَبْرُ، ونفْي الاختيار للنبي ﷺ ؛ إذِ انتزاعُ حظّ الشيطان منه، لا يُفهَم منه إلَاّ سلبُ حريّة الإرادة والاختيار الثابتة لكل أحدٍ.
الثاني: أنّ لازمَ إثبات هذين الحديثين؛ الوقوع في التناقض؛ ذلك أن الحديث الأول يُفهم منه إزالة حظّ الشيطان بالمرّة؛ فلم يعد يوسوس له. وفي حديث إسلام شيطانه ﷺ يلزم منه رجوعه بالوسوسة والتسلّط عليه.
الثالث: أن الحديث من الأخبار الظنّية، ومفادُه مما يجري مجرى العقائد؛ لأن موضوعه الغيب؛ وهذا الباب لا يُقبَل فيه إلاّ القطع، ولا يفيد فيه إلاّ اليقين؛ لا الظّنّ.
الرابع: أنّ النبي ﷺ وُلِد مختونًا مسرورًا، فلِمَ لمْ يُولَد كذلك مُبرَّءًا قلبُه من حظّ الشيطان، دون حاجة إلى شقّ صدرٍ، أو غيرِه.
هذه جملة الاعتراضات التي ساقها أصحابها على هذا الحديث.
فأمّا الاعتراضان الأوّلان، فيقول "حسن حنفي" في تقريرهما: ( .. فإذا كان الله قد قرن بكل إنسانٍ شيطانًا، وأنّ الله تعالى أعان النبي على شيطانه؛ فأسلَم، فلا يأمره إلاّ بخير = فذاك أيضًا قضاءٌ على حرية الفعل الإنساني أصلًا، وبالتالي يضيعُ الاستحقاق، ووضع النبي في مرتبة أعلى من سائر البشر أقربُ إلى " الملائكة " منهم إلى سائر الخلق = فيستحيل
стр. 258
التكليفُ، وبالتالي يستحيل الثواب والعقاب، ولا يرجع الفضل في العصمة حينئذٍ إلى الرسول، بل إلى الله. وتكون هذه الميزة له وحده دون سائر الأنبياء؛ مثل: دواود، وسليمان ... وإذا كان الرسول قد تمّ شقّ قلبه من قبل؛ لا ستنزع الشيطان مرة قبل البعثة من كراماته، أو مرة بعد البعثة في بداية الإسراء والمعراج. فكيف يعود إليه من جديد؛ كي يخطئ النبي ﷺ ، فيعينه الله عليه، ويعصمه منه؟) (١)
وفي تضاعيف كلامه عدّة أَغاليط؛ وذلك لاعتقاده أَنَّ مناطَ العِصمةِ = سلْبُ الاختيار المقتضي للجبر، وأنَّ هذا المناط يترتب عليه انتفاء استحقاق المصطفى ﷺ للثواب والعقاب!!
وهذا غلطٌ بيِّنٌ.
وعلّةُ ذلك: أن خصيصة العصمة التي مُيِّز بها الأنبياء والرسل عن غيرهم لاتقتضي سلْب الاختيار الذي هو مناط استحقاق الثواب؛ بل حقيقتها مزيدُ عنايةٍ وحفظٍ، وتفضُّلٍ من الله لأنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام. هذا الحفظ يستلزم التصوُّن عن مقارفة الذنوب المخلّة بمقام الرسالة وجانب التبليغ. فالتصوُّن ليس جبْرًا؛ كما فهم " حسن حنفي "؛ بل هو فِعْل الرسول الصادر عن اختياره وإرادته، وبه يكون استحقاق الثواب. والثواب والحفظ من مواقعة الذنوب المخلّة هما محض فضْلٍ من الله تعالى على أنبيائه ورسله.
وممّا يبرهِنُ على تمام قُدَرِهم صدورُ الخطأِ منهم الذي لا يقدح في جانب التبليغ والرسالة، وهذا هو نتيجة اجتهادهم الذي هو من فعلهم؛ مما يدلّ على تمام قدرتهم واختيارهم في الاجتهاد؛ الذي يقع أحيانًا مخالِفًا لمراد الله تعالى، فيأتي حينئذٍ التوجيهُ الربّاني الكاشف عن
стр. 259
خطأ ما ذهب إليه النبي في اجتهاده؛ لأنهم لا يُقَرّون على خطأٍ أبدًا.
ثم؛ إن الدلائل الشرعية قد أبانت عن حصول التوبة منهم ﵈ عند صدور الخطأِ. ومن المعلوم بالبداهة أن التوبة والخطأ المتاب منه؛ كلاهما فعل صادر عن اختيارٍ؛ وإلاّ فكيف يتاب من عملٍ صدَر عن جبْرٍ لا عن اختيار؟!
قال سبحانه حاكيًا عن آدم ﵇: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ البقرة. وقال ﵎ حاكيًا عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾ إبراهيم.
وقال عن نبيه سليمان ﵇: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾ ص. (١)
فإذا كان الخطأ الصادر عن اجتهاد صادرًا عن قصد واختيار، لا جبْرٍ واضطرار فكذلك الحال بالنسبة لما يتعلق بالطاعات وفعلهم لها، وكذا المعاصي وتركهم إياها؛ فإن التَّرْكَ كان بامتناع منهم؛ كما قال تعالى في شأن يوسف ﵇: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ يوسف. فامتنع بإرادته عن مقارفة السوء؛ لرؤيته برهان ربه. فالامتناع من جهته، وتوفيقه لذلك، مع صَرْفِ السوء عنه؛ هو فضلٌ من الله، ولُطْفٌ برسوله ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤].
وهذا المعنى - أعني: ثبوت اختيار الأنبياء ﵈، وانتفاء الجبر عن أفعالهم مع تحقق العصمة لهم في الوقت نفسه - ظاهرٌ بيِّنٌ. وتكلُّف
стр. 260
الأدلّة عليه ممّا قد يوهم خفاءه، وعدم جلائه؛ وإِنَّما المقصود هو الكشف عن هذا الوضوح لمن غامَ أُفُقُه، وأضحت الدلائل الجليّات في منزلة المعمّيات، والحقائق الواضحات كالمشتبهات!
وأمّا زعمُه أنّ مقتضى هذه العصمة: أن يوضَع النبي ﷺ في منزلةٍ أعلى من سائر البشر ... إلخ.
فيقال: هذا ما يعتقدُه أهل الإيمان: أن النبي ﷺ أفضلُ الخلق؛ كما أخبر هو عن نفسه، فقال: (أنا سيّد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ فمن سواه إلاّ تحت لوائي، وأنا أول من تنشق الأرض عنه ولا فخر) (١)
والبراهين الدالّة على تفضيله على جميع الخلق كثيرة، قد بَسَط الكلامَ عليها الأئمة ﵏ (٢)، وجهْلُ " حسن حنفي "؛ لا يضرّ، ولا يقْدحُ في صحّتها وثبوتها.
ولا يلزم من ثبوت إسلام شيطان النبي ﷺ نفْيُ وقوع ذلك لغيره من الأنبياء والرسل؛ لكن يبقى الأمر متوقفا على ثبوته؛ فإن لم يثبت عُلِم اختصاص النبي ﷺ بذلك عن سائر إخوانه ﵈، ولا يبعُد ذلك في حقِّه ﷺ مع كون الدليل نصّ بذلك -؛ لأمرين:
стр. 261
الأول: لِمَا تقرّر من تفضيله على جميع البشر؛ فيكون " إسلام شيطانه " زيادةً في التفضيل، وتكرمةً له ﷺ .
الأمر الآخر: أنه ﵊ مبعوثٌ للثقلين، وكان الرسول من قبلُ يُبعَثُ إلى قومه خاصّة فلا يبعد أن يكون تخصيصه بذلك - ﷺ - زيادةَ عنايةٍ وحِفْظٍ؛ لمُعاناتِه دعوةَ الخلق جميعًا. فتكون هذه المزية لزيادة تكليفه عن تكاليف باقي الرسل ﵈. وثبوت اختصاصه بذلك لا يلزم منه التنقُّص من قدْر إخوانه من سائر الأنبياء ﵈؛ فاعتقاد هذا اللازم لا يقوله مسلم، وقد قال الله تعالى مثبِتًا أصل الفضل: ... ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ البقرة: ٢٥٣، وقال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ الإسراء: ٥٥
فثبوت التفضيل لرسول الله ﷺ لا يقتضي نَفْي الفَضْلِ عن غيره من رسل الله ﵈. وهذا الاعتراض، لايفتقر إلى جواب لظهوره؛ وإِنَّما جرى الكلام فيه للكشفْ عن أَغاليط " حسن حنفي ".
ثمّ إنّه أعْمَل يدَ التحريف في حديث شقّ الصدر؛ بأن جعل شق صدره ﷺ لاستنزاع الشيطان، في حين أن لفظ الحديث: " حظ الشيطان ". وفرقٌ بين اللفظين؛ كما هو واضح.
وإِنَّما صنَع ذلك ليتمَّ له غَرَضُه؛ من اختلاق التناقض بين هذا الحديث، وبين حديث إسلام شيطانه ﷺ . وهذا صنيع من لا ينشد الحقَّ، ويبتغي الهُدى.
ولزيادةِ نفْي التناقض المدَّعَى؛ يقال:
إنّ هذه العلقة المستخرَج من قلب النبيّ ﷺ التي قيل له عندها: " هذا حظّ الشيطان " - فيما يظهر - والله أعلم: هي منفذ , ومركز إغواء الشيطان في بني آدم، فبانتزاعها منه ﷺ ينظّف طريق الوحي إلى قلبه، ويأمن النبي ﷺ من تسلُّط الشيطان عليه بالإغواء والتضليل؛ لكن انتفاء
стр. 262
منْفذ الشيطان ومركز تسلُّطِه لا يعني التخلُّصَ من قرينه، ولا انتفاء الوسوسة؛ فالوسوسة باقيةٌ بعد استخراج حظ الشيطان منه ﷺ ، والإغواءُ مُنتَفٍ؛ إلى أنْ أعانَه اللهُ عليه فأَسْلَمَ.
وهذا المعنى: - وهو: إسلامُ شيطان النبي ﷺ محْمُولٌ على روايةِ جمهور الرواة أنّ " أسلمَ " بفتح الميم؛ أي: صار الشيطانُ مسلمًا (١)
وقد ذهب سفيان بن عيينة ﵀ إلى أن (فأسلمُ) هي بضم الواو لا بفتحها؛ فيكون المعنى = (فأسلمُ أنا من شرِّه) وذلك بناءً على أن الشيطان لا يُسلِم.
وما ذهب إليه الجمهورُ قوي؛ لأمرين:
الأول: أنه ﷺ قال: (فلا يأمرُني إلاّ بخير)، فما تحاشى منه ابن عيينة من "إسلام الشيطان" يلزمه في قوله: (فلا يأمرني إلا بخير) فأمرُ الشيطان له ﵊ بالخير يزول به اسم " الشيطان " عنه؛ لكونه أسلم، كما أخبر به ﷺ .
الثاني: أنّ مما يدفع اختيار ابن عيينة ﵀: ما جاء في حديث عائشة< السَّالف، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: (نعم، ولكن ربّي أعانني عليه حتى أسلمَ) (٢)
فقوله ﷺ : (حتى أسلم) نفهم منه أن الإعانة ما زالت من الله لنبيه ﷺ ؛ لغاية إسلام شيطانه.
وهذا مُستفادٌ من جهتين:
الأولى: قرينة السياق؛ فالسياق يُفهَم منه ما سبق توضيحُه.
стр. 263
الثانية: أنّ " حتى " تقع في غالب استعمالاتها للغاية. (١)
وأمّا جواب الاعتراض الثالث؛ وهو: أنّ الحديث خبرُ آحادٍ؛ وهو لا يفيد إلاّ الظنّ، ولا يقبل فيما يجري مجرى العقائد؛ كما ذهب إليه الشيخ محمد رشيد رضا. (٢)
فيقال: قد سبق بيان أنّ هذا التقسيم باطلٌ من أساسه، ويكفي في بطلانه ما تراه من ثماره الخبيثة؛ من ردٍّ للسُّنن، وجُرْأةٍ على توهين أحاديث الرسول ﷺ .
والحاصل أنَّ هذا الحديث صحيح، رواه مسلم؛ مما يقوّي ثبوته عن رسول الله ﷺ ، ويدفع إلى القول بإفادته الحق في الظاهر.
وذيول هذه المسألة قد سبقت عند الكلام على مسألة خبر الآحاد.
وأمّا عتراضهم: بأنّ النبي ﷺ وُلِدَ مختونًا؛ فلِمَ لم يولد كذلك مُبرَّءًا قلبُه من حظّ الشيطان؟ (٣)
فيقال:
أولًا: هذا سؤال عن حكمة الباري في أفعاله، ومَنْ أسلَمَ قيادَه لربّ العالمين، واطمأَنّ قلبُه لكمال علمِ خالقِه، وتنَزُّه أفعاله عن العَبَث = فمُحالٌ أن يصدُر عنه مثلُ هذا السؤال المتضمّن للاعتراض على حكمته وأفعاله، واللهُ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ الأنبياء؛ بل يخضع خضوع مَن علِم قصورَه وعجزَه في جانب علْم الله وحكمته. وقد امتدح الله هذا الصنف من عباده بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ آل عمران: ٧.
стр. 264
وقال حاكيًا عن تسليمهم: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ البقرة: ٢٨٥.
ثانيًا: مع تسليم أهل الإيمان بكمال حكمته سبحانه في أفعاله وخلقه؛ فقد تلمَّس بعض أهل العلم حكمة ذلك. يقول الإمام ابن الجوزي ﵀: (إن هذه الأمور جُعِلت لامتحان العقول؛ كما خلَقَ القلفة وأمر بقطعها، وحوَّل من قبلةٍ إلى قبلةٍ = فمن اعترض على تصاريف الليل والنهار؛ فهو سفيه. وإِنَّما يقع الاعتراض؛ لأنهم يحملون أمره على المُشاهَد، وإنّ مَنْ بَنى، ثمّ هدَم، ثم عاد فبنى كان مستدرِكا أمرًا لم يكن عَمِلَه. فمتى لم يكن مستدرِكا كان بالهدم عابثًا؛ الأمران لا يجوزان على الله تعالى. وأمّا المحقّقون فإنهم يُسلِّمون.
ثم؛ قد بان وجه الحكمة في هذا: أنّ ولادته مختونًا مسرورًا تُبيِّنُ إنعام الحق في حقّه؛ ولو خُلِق سليم القلبِ مما أخرِج في باطنه؛ لم يعلم بذلك. فالإعلام بإخراج شيء كان بقاؤه يؤذي = إنعامٌ آخر على أنّه خلق طاهرًا؛ لكنّه زِيْدَ تنظيف طريق الوحي، وتأكيد أمر العصمة) (١)
وبعد تقديم الجواب عن هذا الاعتراض؛ يبقى النّظر في أن الجواب المتقدّم، وكذلك صحّة ورود ذلك الاعتراض = مَبْنيّان على فرْض التسليم بأنّه ﷺ وُلِد مختونًا. أَمَا وقد ذكر المحقّقون من أهل العلم عدم ثبوت ذلك لعدم صحة الأحاديث الواردة في ذلك (٢) = فلا وجه للاعتراض، ويكون جواب ابن الجوزي ﵀ مُؤسَّسًا على جهة الفرْض بصحّة الرواية. والله أعلم.
стр. 265
المبحث الثّالث دفع المعارض العقلي عن حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:
المطلب الأوَّل: سوق حديث: (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
стр. 266
المطلب الأول: سوق حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات):
عن أبي هريرة ﵁ قال: (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ الصافات: ٨٩ وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ الأنبياء: ٦٣. وقال: (بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له: إنَّ ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإنَّ هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها فلما دخلت عليه، ذهب يتناولها بيده، فأخذ فقال: ادْعي الله لي، ولا أضرك، فدعت الله، فأُطْلِقَ، ثم تناولها الثانية فأُخِذَ مثلَها أَو أشدّ، فقال: ادعي الله لي، ولا أضرك فدعت فأُطلق، فدعا بعض حَجَبَتِه فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إِنَّما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر فأتته، وهو يصلي فأومأ بيده مهيم (١)؟ قالت: ردَّ الله كيدَ الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر) قال أبو هريرة: تلك أمكم يا بني ماء السماء (٢)) متفق عليه (٣)
стр. 267
تمهيد:
اختلفت أَقاويل أَهلُ العلم في حقيقة الكذبات الواردة في هذا الحديث، وأجابوا عن ذلك بعدَّة أَجوبةٍ، ترجع في جملتها -بالنظر إلى الكذب المضاف إلى إبراهيم ﵇ إلى أمرين:
الأول: أنَّ ما صدر من إبراهيم ﵇، إِنَّما هو من باب المعاريض المرخص له فيها.
الثاني: أنه كذبٌ محضٌ في ذات الله أراد به إبراهيم ﵇ إذلال أهل الكفر والضلال.
فأمَّا القول الأول: فقد ذهب إليه جَمهرةٌ من أَهل العلم ﵏:
كالماوردي (١)،
والقاضي عياض (٢)، وأبو عبد الله القرطبي (٣)، وزكريا الأنصاري (٤)، وابن حجر العسقلاني (٥)، وابن قتيبة (٦)،
стр. 268
والقسطلاني (١)، وابن عطية الأندلسي (٢)، وابن تيمية (٣)، وابن القيم (٤)، والطوفي (٥)، وغيرهم.
وقد أجابوا عن وجه تسمية النبي ﷺ لها "كذبات"، بأن قالوا: للكلام نسْبتان:
- نسبة إلى قصد المتكلم وإرادتِهِ من الكَلامِ.
- ونسبةٌ إلى السَّامع، وما أراد المتكلمُ إفهامَه إيَّاه.
وعلى ذلك فلا يخلو حال المُتكلم بالخبر من ثلاثة أحوال:
الأولى: أن يخبر بما هو مطابق للواقع، مع إرادة إفهام السامع ما قَصَد من الخبر = فهذا صدقٌ من الجهتين.
الثانية: أن يخبر المُتكلم بخبر خلاف الواقع، و رَمى إلى إفهام السَّامعِ خلافَ ما قَصَد = فهذا كذبٌ من الجهتين.
الثالثة: أن يقصد من الخبر معنى صحيحًا مُطابقًا، لكن أَراد إفهام السامع خلاف ما قَصَد = فهذا صدقٌ من جهة إخباره بالمعنى الصحيح المطابق، وكذب من جهة إيهام السامع ما هو خلاف غرضه.
يقول الإمام ابن القيم: (فإن قيل: كيف سمَّاها إبراهيم كذبات وهي تورية وتعريض صحيح؟!
قيل: ... لم أجد في هذا المقام للنَّاسِ جوابًا شافيًا يسكن القلب إليه .. وقد فتح الله الكريم بالجواب عنه، فنقول: الكلام له نسبتان؛ نسبة إلى المتكلم وقصده وإرادته، ونسبة إلى السامع وإفهام المتكلم إيَّاه مضمونه، فإذا أخبر المتكلم بخبر مطابق للواقع وقصد إفهام المخاطب
стр. 269
فهو صدق من الجهتين، وإن قصد خلاف الواقع وقَصَد مع ذلك إفهام المخاطب خلاف ما قصد، بل معنى ثالثًا لا هو الواقع ولا هو المُراد = فهو كذب من الجهتين بالنسبتين معًا.
وإن قصد معنى مطابقًا صحيحًا، وقصد مع ذلك التعمية على المخاطب وإفهامه خلاف ما قَصَده = فهو صدق بالنسبة إلى قصده، كذب بالنسبة إلى إفهامه.
ومن هذا الباب التورية والمعاريض، وبهذا أطلق عليها إبراهيم الخليل ﷺ اسمَ الكذب، مع أنه الصادق في خبره، ولم يخبر إلَاّ صدقًا .. ) (١)
لكنَّ هذا الجواب، قد أُورد عليه عدة اعتراضات:
الأول: أنَّ النبي ﷺ أطلق على تلك الكلمات "كذبات" وكذا إبراهيم ﵇ أطلق على ذلك كما في حديث الشفاعة: (إنِّ ربي قد غضب اليوم ... وإني كنت كذبتُ ثلاثة كذبات) (٢) فاتفاق الخليلين محمد ﷺ وإبراهيم ﵇ على نعتها بذلك = يدفع قول من قال أنها معاريض لا شائبة للكذب فيها.
ومما يؤكد ذلك:
الثاني: ما عُلِم من توقير وتعظيم نبينا محمدٍ ﷺ لأَبيه إبراهيم ﵇، فقد صحَّ عنه أنه قال: (نحن أَحق بالشكِّ من إبراهيم ﵇ (٣)
стр. 270
وقال له رجل: (يا خير البرية، فقال: ذاك إبراهيم) (١)
فكيف مع هذا التوقير والتعزير يُطلقُ النبيُ ﷺ على كلمات إبراهيم ﵇ أنَّها: (كذبات) وهو يعلم أنها ليست من الكذب في شيء، ومما يؤكد ذلك:
الثالث: أنَّ النبي ﷺ سماها خطيئة كما في الحديث "
ونظمها مع خطايا الأنبياء الآخرين كأكل آدم من الشجرة، وقتل موسى للقبطي، وحكى إبراهيم أنها تقصر به عن مقام الشفاعة. (٢)
ولكن يمكن الإجابة عن تلك الاعتراضات:
بأنَّ المتأمِّل فيما قصه الله عن إبراهيم ﵇، وما ذكره المصطفى ﷺ عنه يجد أنَّ كلمات إبراهيم ﵇ لا تخرجُ عن رَسْمِ المعاريض والتورية، فأعلامُ الصدق من جهة قصده ومرامه لائِحةٌ باديةٌ، وأمَّا كون النبي ﷺ مع توقيره الشديد لنبي الله إبراهيم ﵇، أطلق عليها"كَذبات".
فيقال: فبالنسبة لما أطلقه نبينا ﷺ وإبراهيم ﵇ كذلك، فهو لا شكَّ أَنَّه حق وصدق، لا ينكر، ولم يمنع المحققون القائلون بأنها من باب المعاريض والتورية، من إطلاق ما أطلقه المصطفى ﷺ ، وقد ذهبوا إلى تخطئة من قال إنَّه لا يجوز إطلاق الكذب على تلك الكلمات، فترى مثلًا الإمام المازري ينصُّ على ذلك بقوله: (وقد تأوَّل بعضهم هذه الكلمات، وأخرجها عن كونها كذبًا. قال: ولا معنى للامتناع من إطلاق لفظٍ أطلقه رسول الله ﷺ .
قلت (٣): أما إطلاق اللفظ عليها فلا يمتنع لورود الحديث به، وأما تأويلها فصحيح لا مانع منه .. ) (٤) أَمَّا تأويلها بما يُخرجُ اللفظ عن مضمونه، فلا يصحُّ، ولكن تأويل الحديث بما سبق بيانه من أن نسبة الكذب إليها من جهة إيهام السامع بخلاف مراده ﵇ فهذا حمل يقْبله الحديث، وتأتلفُ به الدَّلائلُ.
وأمَّا كون النبي ﷺ نَظَمَها في سِلْكِ خَطَايا الأَنبياء ﵈؛ فلأن كلمات إبراهيم ﵇ قد تضمنت كما سبق كذبًا من جهة إفهام السامع خلاف ما قصد، هذا من جِهة .. ومن جهة أُخرى فإنَّ الأنبياء لعظيم وَجَلِهم من الله تعالى، وتعظيمهم مقامه=يرون أن مثل هذه المعاريض -مع كونها كانت لمصلحةٍ راجحة - من الخطايا العِظَام التي يُستحي منها لعِظيم إجلالهم وخوفهم من الله تعالى لذا رأى إبراهيم ﵇ أنَّ تلك الكلمات مما تَقْصُر به عن القيام في أجلِّ المقامات يوم القيامة، وهو مقام الشفاعة.
أمَّا القول الثاني: أن كذبات إبراهيم ﵇ كانت كذبًا محضًا في ذات الله.
واعتلّوا في ذلك بما تقدم ذكره بالإضافة إلى أن الوقوف عند لفظ رسول الله ﷺ وقول إبراهيم ﵇ أَولى من التأويل وصرف اللفظ عن ظاهره.
وهذا القول، هو ظاهر اختيار الإمام الطبري، والإمام البغوي -رحمهما الله-
يقول الإمام الطبري: (وقد زعم بعض من لا يصدِّقُ بالآثار، ولا يقبل من الأَخبار إلَاّ ما استفاض به النَّقلُ من العَوام: أَنَّ معنى قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا (٦٣)﴾ الأنبياء. إِنَّما هو: بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فاسألوهم، أي إن كانت الآلهة المكسورة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم (٥)
وهذا قول خلاف تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أن إبراهيم لم يكذب إلاّ
стр. 271
ثلاث كذبات كلها في الله ... وغير مستحيل أن يكون الله -تعالى ذِكْره- أذن لخليله في ذلك، ليُقَرِّع قومه به، ويحتج به عليهم، ويُعرِّفهم موضع خطئهم، وسوء نظرتهم لأنفسهم، كما قال مؤذن يوسف لإخوته ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾ يوسف. ولم يكونوا سرقوا شيئًا) (١)
لكن يَرِد على هذا القول: أن من تأمَّل كلمات إبراهيم ﵇ وجَدَ أنها ليست من الكذب المَحْضِ الذي لا رائحة للمعاريض فيها،
وعليه، فإن القول الذي يترجح في هذا المقام - والعلم عند الله -:
هو أنَّ تلك الكلمات الصادرة من نبي الله إبراهيم ﵇ = منها ما هو كذب محضٌ في ذات الله؛ كقوله ﵇: ﴿قال بل فعله كبيرهم هذا﴾، فإنه لا شائبة للتعريف فيه وإنَّما بدر منه ﵇ -ذلك؛ لكونه تعيَّن طريقًا لدفع مَفسدةِ الشِّرك الذي لابَسَه قومُهُ، وهذا - أي: الشرك - مفسدة تربو على مفسدة الكذب؛ فيكون مأذونًا فيه، ومُثابًا من جهة المصلحة التي تضمنها هذا الكذب. وهذا ما قرَّره المحققون من أهل العلم كالعزِّ ابن عبد السلام (٢)، فقد ذهب إلى أن الكذب مع كونه في أصله مفسدةً محرَّمةً، إِلَّا أنَّه يباح الإقدام عليه مني تضمَّن مصلحة تُربي على مفسدته وقبحه إحرازًا لتلك المصلحة؛ فيجوزُ تارة، ويجب أُخرى.
فإن قيل: لو كان الكذب الصادر من نبي الله إبراهيم ﵇ مأذونًا له فيه = فَلِمَ اعتذر في موقف الشفاعة عن القيام بها؟
فيقال: الذي يظهر - والله أعلم - أنَّ أرباب الرُّتب العليَّة والمقامات السَّنية قد يقع منهم مثل ذلك بناء على إضافتهم الخطأ
(١) جامع البيانا للطَّبري (١٣/ ٤١).
(٢) انظر: "القواعد الكبرى لابن عبد السلام (١/ ١٥٢ - ١٥٣).
стр. 272
والتقصير إلى أنفسهم لمَّا لم يقع منهم التحرُّز من الكذب ابتداء وإن كان الواقع منهم في ذات الله تعالي.
ومنها: ما هو من باب التورية والمعاريض، وليست كذًا محضًا؛ كقوله ﵇: ﴿إني سقيم﴾، وقوله: إن سارة أخته، فالكذب فيهما من جهةٍ إيهام السامع بخلاف قصده، وهو كَذبٌ ممدوح منه لا مذموم لما انبني عليه من المصالح ودَفْع المفاسد هذا أولًا.
وثانيًا: لكونه هو المتعيِّن في تلك المقامات من جهة أنه لا سبيل إلى تحقق تلك المصالح التي من أعظمها ما تعلَّق بالضروريات الخمس = إِلَّا من جهة ما اختاره له ﵇ التورية.
وهي أيضًا صدق لما قصده وأراده ﵇ من كلماته، من المعاني المطابقة للواقع. وبذا تتسق الأدلة ولا تتعارض.
وقد طعن طائفةٌ في هذا الحديث، بعلل عليلة لا تنهضُ لردِّ ما ثبت وصحَّ عن النبي ﷺ ، وممن طعن في هذا الحديث من المتقدِّمين: الرازي، ومن المتأخرين: الموردي.
وسيأتي - إن شاء الله - سوق طعونهما في هذا الحديث في المطلب التالي.
* * *
стр. 273
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
ومما ساقه المخالفون من الشبهات لإبطال ما تضمنه هذا الحديث، ما يلي:
أولًا: أَنَّ من صفاتِ الرَّسولِ أن يكون معصومًا من الكذب، وصدور الكذب منه ولو مرّة، مانع من الوثوق بهم بما أخبروا به. وسبب لتطرُّقِ التُّهْمة إلى الشَّرائع كلِّها فيبطل الاحتجاج بها (١)
ثانيا: أن ما ورد عن إبراهيم ﵇ لا يدخل في حقيقة الكذب، ولا يطلق الكذب على أَقواله تلك إلَّا رَجلٌ قليلُ العقلِ والفَهم؛ فضلًا أن ننسب هذا القول - معاذ الله - إلى النبي ﷺ . (٢)
ثمَّ إنَّ في الحديث إثباتَ الكذب إلى إبراهيم ﵇. وهذا مناقضٌ لما ثبت في كتاب الله في حقِّه من أنه كان صدِّيقًا، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ مريم. والصدِّيق هو الذي لا يكذب (٣)
هذه جمُلة الاعتراضات والشُّبهات التَّي أُوردت على الحديث. وفي تقريرها يقول الرَّازي: (للناس فيه قولان:
أحدهما: وهو قول كافة المحدثين أنه ليس يكذب.
القول الثاني: وهو قول طائفةٍ من أهل الحكايات أن ذلكَ كذبٌ،
стр. 274
واحتجوا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في ذات الله قوله: (إني سقيم) وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا) وقوله في سارة "هي أختي)
وفي خبر آخر: (إن أهل الموقف إذا سألوا إبراهيم الشفاعة، قال: إني كذبت ثلاث كذبات) ثم قرروا قولهم من جهة العقل، وقالوا: "الكذب ليس قبيحًا لذاته، فإن النبي إذا هرب من ظالم، اختفى في دار إنسان، وجاء الظالم، وسأل عن حاله فإنه يجب الكذب فيه.
وإذا كان كذلك، فأي بُعدٍ في أن يأذن الله تعالى لمصلحةٍ لا يعرفها إلا هو.
واعلم أنَّ هذا القول مرغوبٌ عنه، وأمَّا الخبر الأول (١)، وهو الذي رووه فلأن يضاف الكذب إلى رواته أَوْلى من أَن يضاف إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والدليلُ القاطعُ عليه؛ أنَّه لو جاز أن يكذبوا لمصلحةٍ، ويأذن الله تعالى فيه = فليُجوَّز هذا الاحتمال في كلِّ ما أخبروا عنه، وفي كل ما أخبر الله تعالى عنه، وذلك يبطل الوثوق بالشرائع، وتَطرُّق التهمة إلى كلها.
فإن ذلك الخبر لو صَحَّ فهو محمول على المعاريض، على ما قال ﵇: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) فأما قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ (٦٣)﴾ الأنبياء فقد ظهر الجواب عنه ... وأما في قوله في سارة "إنَّها أختي" فالمراد أنها أخته في الدين إذا أمكن حمل الكلام على ظاهره في غير نسبة الكذب إلى الأنبياء ﵈ = فحينئذ لا يحكم بنسبة الكذب إليهم إلَاّ زنديق) (٢)
стр. 275
وقال أيضًا: (فإن قلت: روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما كذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ...
قلت: هذا من أخبار الآحاد، فلا يعارض الدليل القطعي الذي ذكرناه، ثم إنَّ صحَّ حمل على ما يكون ظاهره الكذب ... ) (١)
ويقول أبو الأعلى المودودي (لسوء الحظ ورد في روايةٍ من الرِّوايات أن إبراهيم ﵇، كذب في حياته ثلاث كذبات:
إحداها: قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ (٦٣)﴾ الأنبياء.
والثانية: قوله: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ الصافات.
والثالثة: قوله في سارة: إنها أختي"، وهي لم تذكر في القرآن، بل ورد ذكرها في باب الولادة من الإنجيل.
فرقةٌ تغلو في عبودية الرِّواية إلى أن يعزَّ عليها صدق عدة رواة من الصحيحين للبخاري ومسلم ولا تبالي بأن تثبت بذلك تهمة الكذب في حق نبي من الأنبياء.
وفرقةٌ تهجم على ذخيرة السنَّة كلِّها بسبب هذه الرواية، وتقول برفض جميع الأحاديث لوجود مثل هذه الروايات.
ولا يلزم من وجود بعض النقائض في رواية، أو عِدَّة روايات أن تُرفض كلّها.
ولا يلزم في صِحَّةِ إسناد الرِّواية من وجهة علوم الحديث، أن تُسلَّم لا محالة مهما كان متنها محل النقد والاعتراض.
وعلى الرّغم من قوة الإسناد، وجدارته بالقبول يمكن أن توجد هناك أسبابٌ كثيرةٌ يُنقل لأجلها متن من المتون بصورة خاطئة، ويحتوي على مواد تصرخ قبائحها، بأنَّها لا يمكن أن تكون من أحاديث النبي ﷺ ،
стр. 276
ولهذا ينظر في المتن أيضًا مع الإسناد، فإن وجدت قبيحة في المتن فلا يصح أن يصرَّ على صحته بلا طائل.
وهذا الحديث الذي ذكرت فيه الكذبات آنفًا (١)، ولا يطلق الكذب على قوله هذا رجلٌ قليل العقل والفهم في هذا السياق، فضلًا أن تتوقع - معاذ الله - عدم فهم النبي ﷺ إيَّاه.
وأما قوله ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ الصافات. فلا يثبت كونه كذبًا، إلى أن لا يَثْبُت أن إبراهيم ﵇ كان صحيحًا معافىً حينئذٍ حقًا، ولم يكن يشتكي بأدنى شيء من المرض
وهذا لم يذكر في القرآن، ولا في أيِّ روايةٍ معتبرة غير هذه الرِّواية التي نحن بصدد البحث فيها.
أما قوله في زوجته "سارة" "إنها أختي" فهو بنفسه أمر مهمل، يحكم عليه الإنسان بمجرد سماعه أنّه لا يكون الواقع أبدًا.
يحكى أنه حدث حينما سافر إبراهيم ﵇. مع زوجته إلى مصر، وكان إبراهيم حينئذٍ حسب بيان الإنجيل، ابن خمسة وسبعين عامًا، وكانت سارة بنت خمسة وستين عامًا، أو ما يزيد ويخاف إبراهيم في هذا العمر أن ملك مصر سيقتله لأجل هذه المرأة الوسيمة، ويقول لزوجته: إن أخذك المصري، ويذهب بك إلى الملك، فقولي: "إنه أخي"، وأقول: إنها أختي، لتنجو نفسي من القتل [الولادة، باب ١٢].
أساس الكذبة الثالثة في هذا الحديث على هذه الرواية الإسرائيلية المهملة اللاغية الصريحة) (٢)
فهذه أبرز المطاعن التي وجهت لهذا الحديث.
стр. 277
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (لم يكذب إبراهيم ﵇ إلا ثلاث كذبات)
الجوابُ عن الاعتراضات التي اعترض بها المنكرون لهذا الحديث، وذلك في الأوجه التالية:
الوجه الأول: اعتراضهم بأنَّ الحديث مخالف للآية الواصفة لإبراهيم ﵇ أنه كان صديقًا المقتضيةِ لكثرة صدقة وانتفاء الكذب عنه في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ مريم.
والجواب عن ذلك: أَنَّ وقوعَ التعارض الظَّاهري بين دليلين صحيحين =لايلزم منه الفَزَع إلى ردِّهما، أَو إهدار أحدهما مع إمكان الجمع بينهما. هذا من جهة.
من جهة أُخرى؛ فإنَّ السُنَّة الصحيحة لا تُناقض أَبدًا ما دلَّ عليه القرآن، بل هي بيان له وبيان السنة للقرآن هو مراد الله تعالى ولا شكَّ، توضيحُ ذلك:
أَنَّ وَصْفَ إبراهيم ﵇ بأنَّه كان (صدِّيقًا) يقتضي كثرة صدقه ﵇؛ لأنَّ الصدق من أبنية المبالغة عند أهل اللِّسان (١)، والمقصود وصفه أنه كان بليغًا في الصدق، وهذه إخبار عن كثرة صدقه، ولا يقتضي ذلك امتناع وقوع ما أخبر به النبي ﷺ من الكذبات الثلاث، فإن ذلك يمتنع متى ما أخبرَ بكثرة كذبه، وحاشاه ﵇ من ذلك، ولذا قال النبي ﷺ (لم يكذب ... إلا ثلاث كذبات) ونفيه أولًا دليل على تحريه الصدق، والتزامه له، وأن وقوع تلك الكذبات الثلاث لا تخدش في كونه صديقًا
стр. 278
كما وصف الله تعالى، وشَاهد ذلك من العقل والحسِّ: بأنَّه لو عُرف عن إنسان كثرة قيامه لصلاة الليل كثرةً أصبحت صفةً له حتى نُعت بأنه "قوام" الدالة على كثرة قيامه = فإنَّ ذلك الوصف لا يُنفي عنه لتخلفه عن القيام في بعض الليالي، وكذلك مثلًا لفظ "الطيِّع" هو كثيرُ الطاعة مبالغة في "طائع" لا يقتضي لغةً، ولا عَقلًا أَن يكون مقتضى هذا الوصْفِ: الذي لا يعصي أبدًا، وكذا "الكذاب" هو كثير الكذب، وليس هو الذي لا يصدق (١) .
وهذا معلوم لا ينكره أحدٌ، فكذلك وصفُ الله تعالى له ﵊ بـ"الصديقيَّةِ" لا ينتفي بسبب وقوع الكذب منه، -والذي تقدم من قبل بأنه ليس بكذبٍ محض -بل وصف الصديقية ما زال منطبقًا عليه لم يَزَلْ.
وأمَّا اعتراضهم بأن من أعظم صفات الرُّسل الصدق وعصمتهم من الكذب.
وصدور الكذب منهم -ولو مرة واحدة- يمنع من الوثوق بما أخبروا به، وسبب لتطرُّق التهمةِ إلى الشرائع كلها، فيبطل حينئذ الاحتجاج بها.
فيقال: لا ريب أنَّ من أعظم صفات الرُّسُلِ الصدقَ، وامتناع الكذب عليهم فيما يبلغونه عن الله تعالى.
وقد نقل الاتفاق على ذلك القاضي عياض فقال: (وكذلك اتفقوا على أن كلَّ ما كان طريقه البلاغ في القول فإنهم معصومون فيه على كل حال) . (٢)
стр. 279
لكن وقوع المعاريض، منهم غير ممتنع إذا كان لداعٍ استدعاهم لذلك في غير التبليغ.
ثم إنَّ في نص النبي ﷺ على انتفاء الكذب عن إبراهيم ﵇ إلَّا في تلك الكلمات =دليلًا بيِّنًا على امتناع وقوعها فيما بلَّغ ﵇، وانحصارها في غير ذلك لتحقق المصلحة ورجحانها: من ذبٍّ عن عرض، وإبطال عبادة غير الله على وجه الحِجَاجِ والمُنَاظَرَةِ.
فإن قيل: ثبوت الكذب ولو مرة واحدة عنهم يطعن في عصمتهم في التبليغ والوحي.
فيقال: البراهين قد انتصبت على عصمتهم في التبليغ والوحي، ولا يطعن في عصمتهم ما ذُكر من شأن تلك الكذبات، إذ تبيَّن وجهها، فبرهان العصمة إذًا متحقق في الوجود، إلَاّ إذا كان المنكرون للحديث لا دليل عندهم على عصمتهم إلَاّ رد هذين الحديثين؛ فعندئذٍ لا مناص لهم إلَاّ أَن يتطلّبوا براهينها عند الأئمة المحققين؛ لئلَّا تنتقض معاقد الدِّين عندهم بسبب فوات تحصيلهم لهذه البراهين، ثمَّ إنَّ هذه الكذبات الواردة من باب الخطإ والنسيان المجوَّز وقوعهما في حقِّ الأنبياء ﵈ فهم قد ينسون، وقد يخطئون فيما اجتهدوا فيه دون إقرار من الله على الخطأ (١)، وما اعترضوا به من امتناع الكذب، ليس هو فيما سبيله التبليغ عن الله، فما كان جوابًا عن النسيان والاجتهاد = كان جوابًا عن هذين الحديثين سواء بسواء.
وأما دعواهم أن ما ورد عن إبراهيم ﵇ لا يدخل في حقيقة الكذب، ولا يطلق عليه كذلك.
стр. 280
فيقال: أولًا: تقديم قوله عن كلماته ﵇ أنها كذبٌ - كما ورد في حديث الشفاعة - أولى من تقديم قول غيره بلا ريب.
فإن قيل: إنَّ قوله كان على سبيل التواضع.
فيقال: يلزم من قولكم نِسبة الكذب إليه؛ إذ إنَّه أخبر بخلاف الواقع، والحامل لكم على ردِّ الحديث إِنَّما هو نَفْيُ الكذب عنه ﵇ فوقعتم فيما فررتم منه!!.
وقد تقدم أن دخول الكذب في كلماته من جهة إفهام السامع خلاف ... ما يقصد، وأما ذات مراده فصدق، وحق. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 281
المبحث الثالث دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث لطم موسى لملك الموت ﵇ -
وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:
المطلب الأوَّل: سَوْقُ حديث لطم موسى لملك الموت ﵇.
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الحديث.
المطلب الثَّالث: دفْعُ دعوى المُعارض العقلي عن حديث لطم موسى لملك الموت ﵇.
стр. 282
المطلب الأوّل: سوق حديث لطم موسى ﵇ لملك الموت .
عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (أُرسِل ملك الموت إلى موسى ﵉ فلمَّا جاءه صكَّه (١)، وفقأ عينه (٢)، فرجع إلى ربِّه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت.
قال: فردَّ الله عينه، وقال: ارْجِعْ إليه، فقلْ له: يَضع يده على متن ثَور، فله بما غطَّت يدُهُ بكُلِّ شعرةٍ سنة، قال: أَي ربّ! ثمَّ مَه؟
قال: ثم الموتُ.
قال: فالآن. فسأل الله أن يُدنيه من الأَرض المقدَّسة رمية بحجر.
فقال رسول الله ﷺ : لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر) متفق عليه. (٣)
* * *
تمهيد:
أجاب أهل العلم ﵏ عن عما يُشكل من فعل نبي الله موسى ﵇ = بعدة أجوبة، وهي كالتَّالي:
الأوَّل: أن ما فعله كَليمُ الله موسى مع ملك الموت ﵇ هو من قبيل الامتحان والابتلاء للملك ومن قبيل العبادة للَّاطم = إذ لا يبعد أن
стр. 283
يكون الله قد أذن له بذلك (١) وهذا القول ذهب إليه ابن عقيل الحنبلي ﵀. (٢)
وقد ضَعَّف هذا القولَ الأئمَّةُ ولم يرتضوه، وسبب تَضْعيفِهم له أنَّ الإشكال قائمٌ في علة صدور سبب الامتحان من موسى ﵇، وممَّن ضعف هذا القول الإمام القرطبي ﵀ حيث قال: (ومنهم من قال: كان ذلك ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فإنَّ الله يمتحنُ خلقه بما شاء = وهذا ليس بجواب فإنَّه إِنَّما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز مثل هذ؟) (٣)
الثاني: أنَّ العينَ التي فقأها موسى ﵇ عين متخيلة لا حقيقة. وهذا القول ذهب إليه ابن قتيبة ﵀ (٤) .
وهذا القول إن أَراد به الإمام ابن قتيبة أن العين التي فُقأت ليست هي العين التي ركَّبَها الله في أصل خِلْقة المَلَك، وإِنَّما هي العين البشرية التي جاء الملك في صورتها= فهذا هو ما يدلُّ عليه ظاهر الحديث.
وأمَّا إن كان مراده ﵀ أنَّ العين التي فُقِأت هي عين متخيله ليست متجسدة ولا محسوسة = فهذا يبعد فَهمُه من الحديث، وظاهر الحديث بخلافه؛ لأنَّ في الحديث (فردَّ الله إليه عينه) مما يدلُّ أَنَّها العين المحسوسة التي جاء الملك في صورتها، وقد أنكر الإمام القرطبي ما ذهب إليه ابن قتيبة، فقال: (وقد اختلفت أقوال علمائنا في تأويل الحديث.
فقال بعضهم: كانت عينًا مُتَخيَّلةً لاحقيقة، ومنهم من قال: هي
стр. 284
معنوية وإِنَّما فقأها بالحُجَّة = وهذان قولان لايلتفت إليهما لظهور فسادهما وخصوصًا الأوَّل؛ فإنَّه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياءُ من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنُّصُوص المنقولة والأدلة المعقولة .. ) (١)
والذي يتوجّه: حمل كلام الإمام ابن قتيبة ﵀ عليه هو كونه أراد أن موسى ﵇ إِنَّما فقأ العين البشرية التي جاء الملك متجسدًا فيها؛ لأنَّ كلام أهل العلم ينبغي أن يحمل على أحسن محامله، إن كان الكلام يحتمل ذلك. وإن كانت مادة الإِشكال لم تَزل باقية بهذا التَّوجيه؛ إذ حتَّى لو سُلِّم بأنَّ العين التي فقأها موسى ﵇ هي العين المُتخيَّلة لا الحقيقية =فإنَّه يبقى تحريرُ الإِشكالِ لصدور ذلك منه مُرْسَلًا لم يحظَ بجواب يَحسمه.
القول الثالث: أن موسى ﵇ خَفِي عليه أنَّ الذي جاءه هو ملك الموت، والأنبياء قد يخفى عليهم مثل ذلك فإبراهيمُ الخليل ﵇، جاءه ملائكة الله فحسب أنهم ضيوف من الإنس، ومما يدل على ذلك مجيئه إليهم ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ هود.
وهذا نبي الله لوط ﵇ لم يتبين له بادئ الأمر أنَّهم ملائكة الله، فقال لقومه ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ هود.
وهذا نبي الله داود ﵇ أصغى إلى الملائكة الذين دخلوا عليه فظن أنهم بشر، ولم يكن يعلم حقيقةَ أَمرهم ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى
стр. 285
بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ ص.
ولقد كان جبريل ﵇ يأتي إلى النبي ﷺ في صورة بشرية كما يدل عليه حديث عمر بن خطاب وغيره، فالرسل قد يخفى عليهم مثل ذلك.
وإِنَّما صكَّ موسى الملكَ ولطمهُ؛ لأنَّه رأى رجلًا (تسور عليه منزله ومحل أهله بغير إذنه، وطلب سلب روحه، وقد ... ثبت في الشرع إباحةُ دفعِ الصَّائل بكل ممكن وإن آلَ إلى قتله) (١)
فلمَّا رأى موسى ﵇ ذاك الرَّجل، وقد خَفِي عليه أَنَّه مَلَكُ الموت مع قول الملك: أجبْ ربَّك، وقد تجرَّد في هذا القول عما يدل على كونه من عند الله، وعمَّا يبرهن على حقيقته الملكية= وقع من نبيِّ الله موسى ﵇ ما وقع.
وهذ القول ذهب إليه "الإمام ابن خزيمة " (٢)، والإمام "أَبو بكرٍ محمد بن إسحاق الكلاباذي" (٣)، والإمامُ ابن حبان (٤)، و"الحافظُ ابن حجر العسقلاني" (٥)، و"الإمام الخطَّابي" (٦)، و"الإمام المازري" (٧)،