المبحث الثالث دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث لطم موسى لملك الموت ﵇ -
وفيه تمهيد، وثلاثة مطالب:
المطلب الأوَّل: سَوْقُ حديث لطم موسى لملك الموت ﵇.
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الحديث.
المطلب الثَّالث: دفْعُ دعوى المُعارض العقلي عن حديث لطم موسى لملك الموت ﵇.
стр. 282
المطلب الأوّل: سوق حديث لطم موسى ﵇ لملك الموت .
عن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : (أُرسِل ملك الموت إلى موسى ﵉ فلمَّا جاءه صكَّه (١)، وفقأ عينه (٢)، فرجع إلى ربِّه فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت.
قال: فردَّ الله عينه، وقال: ارْجِعْ إليه، فقلْ له: يَضع يده على متن ثَور، فله بما غطَّت يدُهُ بكُلِّ شعرةٍ سنة، قال: أَي ربّ! ثمَّ مَه؟
قال: ثم الموتُ.
قال: فالآن. فسأل الله أن يُدنيه من الأَرض المقدَّسة رمية بحجر.
فقال رسول الله ﷺ : لو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر) متفق عليه. (٣)
* * *
تمهيد:
أجاب أهل العلم ﵏ عن عما يُشكل من فعل نبي الله موسى ﵇ = بعدة أجوبة، وهي كالتَّالي:
الأوَّل: أن ما فعله كَليمُ الله موسى مع ملك الموت ﵇ هو من قبيل الامتحان والابتلاء للملك ومن قبيل العبادة للَّاطم = إذ لا يبعد أن
стр. 283
يكون الله قد أذن له بذلك (١) وهذا القول ذهب إليه ابن عقيل الحنبلي ﵀. (٢)
وقد ضَعَّف هذا القولَ الأئمَّةُ ولم يرتضوه، وسبب تَضْعيفِهم له أنَّ الإشكال قائمٌ في علة صدور سبب الامتحان من موسى ﵇، وممَّن ضعف هذا القول الإمام القرطبي ﵀ حيث قال: (ومنهم من قال: كان ذلك ابتلاءً وامتحانًا لملك الموت، فإنَّ الله يمتحنُ خلقه بما شاء = وهذا ليس بجواب فإنَّه إِنَّما وقع الإشكال في صدور سبب هذا الامتحان من موسى، وكيف يجوز مثل هذ؟) (٣)
الثاني: أنَّ العينَ التي فقأها موسى ﵇ عين متخيلة لا حقيقة. وهذا القول ذهب إليه ابن قتيبة ﵀ (٤) .
وهذا القول إن أَراد به الإمام ابن قتيبة أن العين التي فُقأت ليست هي العين التي ركَّبَها الله في أصل خِلْقة المَلَك، وإِنَّما هي العين البشرية التي جاء الملك في صورتها= فهذا هو ما يدلُّ عليه ظاهر الحديث.
وأمَّا إن كان مراده ﵀ أنَّ العين التي فُقِأت هي عين متخيله ليست متجسدة ولا محسوسة = فهذا يبعد فَهمُه من الحديث، وظاهر الحديث بخلافه؛ لأنَّ في الحديث (فردَّ الله إليه عينه) مما يدلُّ أَنَّها العين المحسوسة التي جاء الملك في صورتها، وقد أنكر الإمام القرطبي ما ذهب إليه ابن قتيبة، فقال: (وقد اختلفت أقوال علمائنا في تأويل الحديث.
فقال بعضهم: كانت عينًا مُتَخيَّلةً لاحقيقة، ومنهم من قال: هي
стр. 284
معنوية وإِنَّما فقأها بالحُجَّة = وهذان قولان لايلتفت إليهما لظهور فسادهما وخصوصًا الأوَّل؛ فإنَّه يؤدي إلى أن ما يراه الأنبياءُ من صور الملائكة لا حقيقة له، وهو قول باطل بالنُّصُوص المنقولة والأدلة المعقولة .. ) (١)
والذي يتوجّه: حمل كلام الإمام ابن قتيبة ﵀ عليه هو كونه أراد أن موسى ﵇ إِنَّما فقأ العين البشرية التي جاء الملك متجسدًا فيها؛ لأنَّ كلام أهل العلم ينبغي أن يحمل على أحسن محامله، إن كان الكلام يحتمل ذلك. وإن كانت مادة الإِشكال لم تَزل باقية بهذا التَّوجيه؛ إذ حتَّى لو سُلِّم بأنَّ العين التي فقأها موسى ﵇ هي العين المُتخيَّلة لا الحقيقية =فإنَّه يبقى تحريرُ الإِشكالِ لصدور ذلك منه مُرْسَلًا لم يحظَ بجواب يَحسمه.
القول الثالث: أن موسى ﵇ خَفِي عليه أنَّ الذي جاءه هو ملك الموت، والأنبياء قد يخفى عليهم مثل ذلك فإبراهيمُ الخليل ﵇، جاءه ملائكة الله فحسب أنهم ضيوف من الإنس، ومما يدل على ذلك مجيئه إليهم ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ هود.
وهذا نبي الله لوط ﵇ لم يتبين له بادئ الأمر أنَّهم ملائكة الله، فقال لقومه ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ هود.
وهذا نبي الله داود ﵇ أصغى إلى الملائكة الذين دخلوا عليه فظن أنهم بشر، ولم يكن يعلم حقيقةَ أَمرهم ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى
стр. 285
بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ ص.
ولقد كان جبريل ﵇ يأتي إلى النبي ﷺ في صورة بشرية كما يدل عليه حديث عمر بن خطاب وغيره، فالرسل قد يخفى عليهم مثل ذلك.
وإِنَّما صكَّ موسى الملكَ ولطمهُ؛ لأنَّه رأى رجلًا (تسور عليه منزله ومحل أهله بغير إذنه، وطلب سلب روحه، وقد ... ثبت في الشرع إباحةُ دفعِ الصَّائل بكل ممكن وإن آلَ إلى قتله) (١)
فلمَّا رأى موسى ﵇ ذاك الرَّجل، وقد خَفِي عليه أَنَّه مَلَكُ الموت مع قول الملك: أجبْ ربَّك، وقد تجرَّد في هذا القول عما يدل على كونه من عند الله، وعمَّا يبرهن على حقيقته الملكية= وقع من نبيِّ الله موسى ﵇ ما وقع.
وهذ القول ذهب إليه "الإمام ابن خزيمة " (٢)، والإمام "أَبو بكرٍ محمد بن إسحاق الكلاباذي" (٣)، والإمامُ ابن حبان (٤)، و"الحافظُ ابن حجر العسقلاني" (٥)، و"الإمام الخطَّابي" (٦)، و"الإمام المازري" (٧)،
стр. 286
و"القاضي عياض" (١)، ومن المتأخرين "القاضي محمد العلوي" (٢) .
يقول الإمام ابن حبان: (إنّ الله جل وعلا بعثَ رسولَ الله معلمًا لخلقهِ، فأنزل موضع الإبانة عن مراده، فبلغ رسالته، وبيَّن عن آياتهِ بألفاظٍ مُجْملةٍ ومُفسّرةٍ، عَقِلها عنه أَصحابُه، أو بعضهم، وهذا الخبر من الأَخبار التي يُدرك معناه من لم يحرمْ التوفيقَ لإصابة الحقّ، وذاك أنَّ الله جل وعلا أَرسلَ ملكُ الموت إلى موسى رسالةَ ابتلاءٍ واختبارٍ، وأَمَرَهُ أن يقول له: أَجب ربك أمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ، لا أمرًا يريد الله جل وعلا إمضاءَهُ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه، بذبح ابنه أَمرَ اختبارٍ وابتلاءٍ دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءَه، فلما عَزم على ذبح ابنه وتلَّه للجبين فداه بالذبح العظيم.
وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها .. فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا فرأى في داره رجلًا لم يعرفْهُ فَشَال يدهُ فلطَمَهُ، فَأتَتْ لطمتُهُ على فقء عينه التي في الصورة التي يتصور بها، لا الصورة التي خلقه الله عليها.
ولما كان من شريعتنا: أنَّ من فقأ عين الدَّاخلِ داره بغير إذْنهِ، أو النَّاظرِ إلى بيتهِ بغير جُناحٍ على فاعله، و لا حَرَجَ على مرتكبه؛ للأخبار الجمَّةِ الواردة فيه ... كان جائزًا اتِّفاقُ هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمن فقأ عين الداخل دار بغير إذنه فكان استعمالُ موسى هذا الفعل مباحًا له، و لا حرج عليه في فعله.
стр. 287
فلما رجع ملك الموت إلى ربه وأخبره بما كان من موسى فيه، أمره ثانيا بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء -كما ذكرنا قبل- إذ قال الله له: قل له: إن شئتَ فضع يدك على متن ثور فَلَكَ بكلِّ ماغطت يدُكَ بكل شعرة سنة، فلمَّا عَلم موسى كليم الله أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله = طابت نفسُهُ بالموت، ولم يسْتمهل، وقال: فالآن.
فلو كانت المرَّةُ الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقُّنِهِ، وعلمه به، ضد قول من زعم أنَّ أصحاب الحديث حمالةُ الحطب ورعاةُ الليل يجمعون ما لاينتفعون به، ويروون ما لا يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلامُ جهلًا منه لمعاني الأخبار، وترك التفقُّهِ في الآثار معتمدًا منه على رأيه المنكوس، وقياسه المعكوس) (١)
وهذا التوجيه مع جلالة القائلين به = إِلَّا أنَّ سِياج التَكلُّفِ مُحيطٌ به، وذلك من جهة تقدير ما لا يدل عليه النَّصُّ، فأين البرهان المُصحِّح لدعوى تَسوُّر ملك الموت منزل نبي الله موسى ﵇ بلا استئذان؟.
القول الثالث: أنَّ موسى ﵇ عَرَفَ أنَّ الذي جاءه هو ملك الموت، وأنه جاءه ليقبض روحه، لكن مجيئه كان مجئ الجازم لقبض روحه و لا يبعدُ أن يكون المستقر عند جمع الأنبياء أنهم يُخيَّرون قبل ذلك بين أن يبقوا، وبين أن تقبض أرواحهم، وهذا هو الذي أخبر به النبي ﷺ فقال: (إنَّه لم يُقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخيَّر) (٢) لذا لما رأى موسى مخالفة الملك للمستقر عنده بادر إلى دفعه بأن لطمه.
стр. 288
وهذا القول استظهره القرطبي ﵀ فقال: (وقد أظهر لي ذو الطَّولِ والإِفْضَال وجهًا حسنًا يحسِمُ مادةَ الإشكال وهو أنَّ موسى عرف ملك الموت وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا ﷺ «إن الله تعالى لايقبض روح نبي حتى يخيره» فلمَّا جاءه على غير الوجه الذي أُعلم به بادر بشهامته وقوة نفسه إلى تأديب ملك الموت فلطَمَه فانفقأت عينُه امتحانًا لملك الموت إذ لم يصرِّحْ بالتخيير، ومما يدلُّ على صحة هذا أنَّه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الموت والحياة اختار الموت، واستسلم= وهذا الوجه -إن شاء الله - أحسن ماقيل فيه وأسلم) (١) .
لكن يقال: الإشكال مازال قائمًا؛ إذ إن هذا التوجيه لا يليق بجناب نبي الله موسى ﵇؛ فعدم تخييره لا يستلزم استطالته على الملك باللطم؛ لأنَّ الملك رسول ربِّ العالمين يقوم بإنفاذ ما طُلب منه، فالإشكال قد يزداد بهذا التوجيه ولا يندفع.
الأوَّل: لم أَر -بحسب اطلاعي - من اعترض على هذا التوجيه خلافًا للتوجيهات الأُخرى فكلها فوِّقت لها سهام النَّقد والاعتراض.
الثَّاني: جلالة القائلين به في العلم، والدِّيانة، والتحقيق. وهذا مما يستأنسُ به، ويرجِحُ بكفة هذا التوجيه، ويكفي كما سبق أنَّ من القائلين به إمام الأئمة ابن خزيمة، وابن حبان. وغيرهما من أَرباب التحقيق والرُّسوخ العلمي.
الثَّالث: وجاهةُ القولِ في نَفْسه، وتَمَشِّيه مع المُحْكم المعلوم من سُموِّ أَخلاق الأَنبياء، وصَلَابةِ ديانتهم، وتحاميهم عمَّا يقبحُ.
فإذا تقرَّر هذا عُلم بطلان ما اعترض به أولئك الطاعنون على هذا الحديث، وكان الّذي يقتضيه التحقيق هو عدم التسارع لردِّ السُّنن بمجرد انقداح الشُّبه، وتوارد الإشكالات، فلو أنّ كلَّ حديث استُشْكِل متنُه، ولم تُحِط العقول الكليلة بمعناه، رُدَّ بمقتضى ذلك ولم يقبل=لعُطِّلتِ السُّنن.
стр. 289
وقد انقسم هؤلاء الرَّادون لظاهر هذا الحديث إلى قسمين:
القسم الأول: من ردَّ الحديث ردًّا مطلقًا ولم يقبله؛ بسبب قيام ذلك المُعارض عنده.
القسم الثاني: من لم يرد الحديث من جهة ثبوته، ولكنه أَعمل فيه آلة التأويل حتى أخرج مادلَّ عليه الحديث من المعاني الحقَّة إلى صور مجازيةٍ تخالفُ ظاهرَهُ.
وكلا الفريقين غَلِط غلطًا بيِّنًا، في ظنهم استحالة ما دلَّ عليه الحديث من المعاني التي لا تحمل في طياتها أي معنى يُحيله العقل، وقبل بيان وجه الغَلَطِ الدَّاخل على المانعين لدلالة هذا الحديث، لابد من سِياق أَحرف مقالة أَصحاب كل قسم مما سبق ذكره، ومن ثَمَّ تقام البراهين على بطلان ما أَحالوه.
فأمَّا أَصحابُ القسمِ الأوَّلِ:
فلم أقف- حسب اطلاعي- على تعيين لشخص، أو طائفة ممن ذهب إلى ردِّ هذا الحديث من المتقدمين، وإِنَّما غاية ما ذكره الأئمةُ ﵏ حين تعرضهم لهذا الحديث وردِّهم على الطاعنين فيه، أن المنكرين لهذا الحديث من الملاحدة، وممن وقفت على نعته لهم بذلك من العلماء الإمام المازري ﵀، ووصفهم الإمام ابن خزيمة ﵀ بـ "المبتدعة" وأَغفل تعيين طائفة بعينها. (١)
وأما المنكرون لهذا الحديث من المتأخرين:
فكـ"أمين أحسن الإصلاحي الهندي" حيث كتب مقالًا يدافع فيه عن الأستاذ أبي الأعلى المودودي، وأورد تحت عنوان " مفهوم الدراسة
стр. 290
النقدية للحديث" ثلاثةً من الأحاديث منها هذا الحديث ثم ردَّها بقوله: (وتمسُّ الحاجةُ إلى النقد حيث نرى حديثًا يحيك في الصدر بمجرد سماعه ويخالف " مُسمَّيات الدِّين" و" معروفات الشريعة" ويأباه العقل العام في أول وهلة) (١) فهذا الحديث مما يخالف معروفات الشريعة ويأباه العقل العام بزعمه.
ومن المنكرين لهذا الحديث: الشيخ محمد الغزالي ﵀، ومما قاله بصدد الطعن في هذا الحديث: (وقد وقع لي وأنا بالجزائر أَنَّ طالبًا سألني: أصحيح أن موسى ﵇ فقأ عين ملك الموت عندما جاء لقبض روحه بعدما استوفى أجله؟ فقلت له متبرِّمًا: الحديث مروي عن أبي هريرة وقد جادل البعض في صحته.
وعدتُ لنفسي أفكر: إنَّ الحديثَ صحيحُ السَّنَدِ لكن متنه يثير الرِّيبة؛ إذ يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاءَ الله بعدما انتهى أجله، وهذا المعنى مرفوضٌ بالنسبةِ إلى الصالحين فكيف بأنبياء الله؟ وكيف بواحد من أولي العزم؟ إن كراهيته للموت بعدما جاء مَلَكُهُ أمرٌ مستغرب!
ثم هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أَو عَور؟ ذاك بعيد .. ومن وصم منكر الحديث بالإلحاد (٢) فهو يستطيل في أعراض المسلمين. والحق أن في متنه علةً قادحةً تنزل به عن رُّتبة الصِّحةِ.
ورفضه أو قبوله خلاف فكري وليس خلافًا عقائديًا، والعلة في المتن يبصرها المحققون تخفى على أصحاب الفكر السطحي ..
стр. 291
وقد رفض الأئمةُ أحاديثَ صحَّ سندُها واعتلَّ متنها فلم تستكمل بهذا الخلل شروط الصحة .. ) (١)
وممن أنكره من العصريين الدكتور "مصطفى محمود" الذي خَبَط خَبطْ عشواء أبان عن مقدار علمه؛ حيث توهّم أنَّ خبر المَلَك مع موسى ﵇ من كيْس البخاريِّ ﵀ وأَنَّه المختلق لهذا الخبر!!
فقال: (ونقف معًا أمام الحديث الذي رواه البخاريُّ عن سيدنا موسى حينما قضى ربُّنا عليه الموتَ، وأرسل له ملك الموت لقبض روحه .. ماذا قال لنا البخاري، قال: إنَّ موسى رفض أن يموت وضرب ملك الموت على عينه ففقأها فرجع ملك الموت إلى ربِّه فرد له بصره =كيف يجوز هذا، والقرآن يقول في قطع لا لبس فيه: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ نوح: ٤ .... إنَّ الحديث واضحُ الزَّيفِ. ومثله كثير في البخاري) (٢)
فهذه إشارة لبعض أقاويل المنكريين لهذا الحديث.
وأما أصحاب القسم الثاني:
ممن سلك مَسْلك التَّأويل لبعض ما تضمنه الحديث؛ فحاصل ما ذكروه: أن معنى: "فقأ عينه" جَارٍ على سَنَنِ العرب في التَّوسع في الخطاب والاستعارة؛ وعليه فمعنى "فقأ عينه"، أي: أبطل حجته، مأخوذ من قول علي ﵁ "أنا فقأت عين الفتنة"، وهذا المعنى مال إليه ابن فورك ﵀ (٣)، وسيأتي بيان فساد التأويل -بحول الله تعالى-.
* * *
стр. 292
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث لطم موسى ﵇ لملك الموت .
أحال هذا الحديث فئامٌ من الخلق من المتقدمين والمتأخرين، صَعُب عليهم دَرك مَراميه، واعتلُّوا بجُملةٍ من المعارضات التي لا تنهض إلى ردِّ الحديث، وهي كالتَّالي:
الأوَّل: كيف استطاع موسى ﵇، وهو بَشَرٌ أن يُبصر ملك الموت، وأَن يفقأ عينه، والملكُ ليس بجسمٍ كثيفٍ حتى يتسنَّى لموسى ﵇ أن يبصرَه؛ فضلًا أَن يفقأ عينه؟
الثاني: أنَّ في فعل موسى مع الملك وشكاية الملك له = إخلالًا بما يليق من الأدب مع الله؛ إذ كيف جاز لموسى ﵇ إهانة رسوله الملكي من غير نصرة من الله له (١)
الثالث: أنَّ في فعل موسى ﵇ منافاة لجناب النبوة، ورتبة الرِّسالة من جهات:
الأولى: أنَّ في فقئه لعين الملك مراغمة لمُرْسله وهو الله تعالى، إذ لو فقأ أَحدنا عين واحدٍ من النَّاسِ لَعُدَّ ذلك استطالةً، وبغيًا، وفسقًا =فكيف حال من فقأ عين ملك مقرب؟ لا ريب أنَّ فسقه أعظم وأبين.
الجهة الثانية: أَنَّه مُنافٍ لما ينبغي أن يكون عليه عباد الله الصالحون من عظيم الرَّغبة والشوقِ للقاءِ الله؛ فضلًا عن خاصة عباد الله وهم "رسل الله" الَّذين هم مَحلُّ الاقتداءِ فـ: (مالذي يكرهه موسى من
стр. 293
هذا اللقاء الحتم؟ إنَّ هذا الكره تحول إلى جزع، وغضب جعلا موسى يفقأ عين الملك كما يقال) (١)
الجهةالثالثة: أنَّ في سؤال موسى ﵇ للمَلَك "ثم ماذا؟ " دليلا بأنَّ موسى ﵇ ماكان يعلم بأنه سيموت. وسؤاله برهان على ذلك.
الأمر الثالث من الأمور التي عارضوا بها هذا الحديث: أنه: كيف يرجع ملك الموت المأمور من الله تعالى بقبض روح موسى ﵇ دون تحقق ماله أُرْسِلَ؟ ففي ذلك مخالفة لأمر الله تعالى. (٢)
هذه جُمْلةُ الاعتراضات التي ساقها المنكرون لهذا الحديث، لإبطال مادل عليه من المعاني.
* * *
стр. 294
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث لطم موسى ﵇ لملك الموت .
الجواب عن المعارض الأوَّل: وهو دعواهم أنّ في فعل موسى ﵇ بالملك وعدم نصرة الله لرسوله الملكي، إخلال بما يليق بالله تعالى .. إلخ
فيقال: هذا قد يصحُّ لو كان فعل موسى ﵇ صادرًا عن بَغي وعُدوان، وعلمٍ بحال الملك، وقد تقدَّمَ أن موسى ﵇ خفي عليه حال الملك ورأى رجلًا في داره بغير إذنه فلطمه، ففعلُه هذا لا حرج عليه فيه؛ لكون ذلك مباحًا في شريعته كما هو الأمر في شريعتنا.
الجواب عن المعارض الثاني: وهو دعواهم: أَنَّ في فِعْلِه ﵇ مراغمةً منه حيث اعتدى على رسول رسول الله، وكون ذلك لو فعله أحد من الناس لعُدَّ باغيًا فاسقًا .. إلخ
فيقال: إنّ ذلك قد يصحُّ لو عَلِمَ موسى ﵇ بأنّ ذلك الداخل عليه هو ملك الموت، وقد استبان لك خفاء ذلك على موسى ﵇، وأنَّ هذا هو اللائق الَّذي ينبغي حَمْلُ فعله عليه. ثمَّ إنّ صنيع موسى ﵇ مع الملك ليس بأقلّ من صنيعه بهارون ﵇ حين أخذ يجرُّ بلحيته وبرأسه فـ (ليس الجرُّ، والخشونة، والغلظة، والدَّفعُ=بأقل من الدَّفعِ عنك بالخُشُونةِ والغِلظة، وهو الصكُّ واللطم دفع عنك بِغِلْظةٍ وخشونة فما سواه، وليس هارون بأدون منزلة من مَلَك الموت-صلوات الله عليهما-، بل هو أَجلُّ قدرًا منه، وأعلى مرتبة، وأَبينُ فَضْلًا .. ؛ لأنَّه ﷺ نبي مُرسل .. ، وهو مع جليل قدره في نُبُوَّته، وعلو درجته في رسالته أخو لموسى لأبيه وأمِّه، وأكبرُ سِنًّا) (١)
وكأنَّ الوحشةَ لما تضمَّنه حديث لطم ملك الموت إِنَّما وقعت للمنكرين دون أخذه بلحية أخيه هارون ﵇، لورود الأوّل عن طريق الحديث، لا القرآن، وإلاّ فكلتا الحادثتين بينهما قدر مُشترك.
стр. 295
الجواب عن المعارض الثالث: وهو دعواهم: أنّ ذلك مناف لما ينبغي أن يكون عليه عباد الله الصالحون؛ فضلًا عن أنبياء الله فضلًا عن أولي العزم مما ينبغي أن يكونوا عليه من عظيم الشوق للقاء الله، وأَنَّ الّذي يدل انتفاء هذه الرَّغبة والشوق عند موسى ﵇، قول الملك حينما قال شاكيًا لله تعالى: أرسلتني إلى عبد لايريد الموت.
فيقال:
أولًا: ما ذكره ملك الموت ﵇ هو مبلغ علمه من حاله ﵇، وقد وقع نظيره من الملائكة حين خَفِي عليهم حكمةُ الله في استخلافه لأَبي البشر آدم ﵇ في الأرض، فانظر إلى قوله تعالى حاكيًا خفاء حكمته جلَّ وعلا على ملائكته: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ البقرة. (فهذا الذي ظنه الملائكة بآدم ﵇ هو نظير ما ظنه ملك الموت هنا بموسى ﵇، وهذا الذي أجاب الله تعالى الملائكة به في هذه الآية هو عينُ الجواب لملك الموت هنا المستفاد مما اختاره موسى أخيرًا) (١) ثُمَّ يقال:
ثانيًا: إنَّه حين تحقق نبيُّ الله موسى ﵇ مِن أَنَّ ذلك الذي جاءه المرة الأولى هو ملك الموت ﵇ لم يدفعه بل حينما خيره ملك الموت ﵇ بين البقاء في هذه الدنيا مُددًا طويلة بقدر ما تقع يده عليه من شعر الثور، وبين الموت = اختار ﵇ الموت شوقًا للقاء ربِّه تعالى، ومما يدل على ذلك أَيضًا قوله ﵇: (أي ربِّ ثمَّ ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن) فقوله " فالآن" برهان على عدم رغبته البقاء في هذه الدُّنيا بعد إخبار الله تعالى له ببقائه إن أراد آمادًا طويلة، واختياره لقاءَ الله تعالى على البقاء.
стр. 296
الجواب عن المعارض الرابع: وهو اعتراضهم بأن في سؤال موسى ﵇ لله بـ" ثم ماذا "؟ إِيهامٌ بأنَّ موسى ماكان يعلم أنه سيموت.
فيقال: هذا الاعتراض كما ترى فاسدٌ بالمرَّةِ،؛ إذ كيف ينقدحُ هذا الاعتراض، عند من شادَ شيئًا من لِسان العَربِ، وسَنَنِها في الخِطاب، فإنّه من المعلوم لغةً، أَنَّه لا يلزمُ من الاستفهام بـ (ماذا) أن يكون كل استفهام بهذه الأداة صادرًا عن شكٍّ، أو جَهْلٍ، بل قد يكون الاستفهام لطلب حصول ماغاب عن ذهن غير المُتكلّم فيكون استفهامه عند التحقيق لغيره لا له، وقد يكون الاستفهام للتوبيخ والتقريع، إلى غير تلك الأَغراض (١)، فقد يستفهم العالم كما يستفهم الجاهل كما يستفهم الشّاكُّ.
ومما يوقفكُ على ذلك: ماتراه جليًّا في كتاب الله الّذي حوى من جَرَيان الاستفهام لمعنىً غيرِ طلب تحصيل ما جهله المُتكلِّم، كمثل قول تعالى ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ الغاشية. ويقول: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ ص.
والذي يقطع به كل مؤمن أن استفهام الله تعالى في تلكم الآيات لم يكُ صادرًا عن جهل، معاذ الله، ولا عن شَكٍّ، حاشا لله، فهذا لا يقوله مسلم.
فعُلمَ بذلك مجيء الاستفهام لأغراضٍ شتى، فوجبَ حينئذ حمل استفهام موسى على معنى غير الشكّ، فقد يكون وجه استفهامه عمّا سيقع له إن اختار البقاء في الدّنيا: هل سيخيَّرُ بعد انقضاء مدة البقاء بين البقاء والموت مرّة أخرى، أم لا تخيير بعد ذلك؟
стр. 297
وعلى كُلٍّ: لا يصحُّ توهم أَنَّ ظاهر الحديث هو شكّه ﵇ لحصول الاستفهام منه، فإنّه من أُولي العزم من الرُّسل الّذين لايخفى عليهم مآل كلِّ مخلوق في هذه الدُّنيا، و قد قال الله عنه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ الأعراف. ولا يتحقق إيمانه بالانتقال للآخرة إلَاّ بتيقُّنِهِ بأن بوابة هذا الانتقال، هو الموت. وهذا معلوم بداهة
الجواب عن المعارض الخامس: وهو: أن في رجوع ملك الموت المأمور من الله تعالى بقبض روح موسى ﵇ دون تحقيق ما أُمر به من قبض رُوحِهِ = مخالفة لأمر الله .. هذا من جهة.
ومن جهة أخرى: فيه وقوع تأخير الأجل، و الثابت شرعًا أنَّ الأجلَ إذا جاءَ لا يؤخر ولا يُقَّدم قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ نوح.
فيقال: أمَّا رجوعُ ملك الموت دون أداء ما أمر به فالجواب عنه بالآتي:
ليس هناك ما يثبت أن ما أُمر به ملك الموت من قبض روح موسى ﵇ أنه كان على سبيل الإيجاب والإلزام، بل قد يكون ذلك يكون على سبيل التخيير.
فرجوع ملك الموت دون تحقق ما أمر به، هو بسب عدم إقدار الله تعالى له على ذلك فوجد المانع، وانْتَفَت قدرةُ الملك على إنفاذ ما أمر الله به =فلا ملامة حينئذ تتوجه إليه.
стр. 298
أو يكون الملك في واقع الأمر جاء بتخيير موسى ﵇، فظنه موسى ﵇ معتديًا فَلَطَمَه، فحال فِعْلُ موسى ﵇ من التخيير الّذي أزمع الملك عليه=فظن الملك أن موسى ﵇ لا يريد الموت.
الجواب عن المعارض السادس: وهو: أن رجوع الملك دون قبض روح نبي الله موسى ﵇ يقتضي تأخير الأجل وهو خلاف ما أخبر الله به.
فيقال:
إنَّ الله قد سَبَق في علمه أنَّ أجل موسى ﵇ لا يكون إلَاّ بعد حصول تلك المراجعات بينه وبين الملك وأما الأجل إذا فكما أخبر الله، أنَّه لا يتقدم ولا يتأخر.
فإن قيل: لا يأمر الله تعالى ملك الموت بقبض روح نبي الله موسى ﵇ إلَاّ وقد حان أَجلُهُ.
فيقال: عن هذا الاعتراض جوابان:
أحدهما: أن هذا الاعتراض تحجيرٌ على الله وتقييد لمشيئته، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ الحج: ١٨
وثانيهما: أَنّه تعالى قد عَلِمَ حين إرساله الملك أنّه قد حان أَجلُه على الوجه الذي كشفه الواقع في الحديث، لا على ما تراءى لقاصر العلم (١) .
стр. 299
الفصل الثاني دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقةِ بآيات وبراهين الأنبياء
وفيه تمهيد، وثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلقة بالآيات الحسّية للنبي ﷺ .
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن حديث انشقاق القمر
- المبحث الثالث: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حادثة الإسراء والمعراج.
- المبحث الرابع: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حادثة (سوخ قدمَيْ فرس سراقة بن مالك ﵁)
стр. 300
المبحث الأول دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالآيات الحسِّيّة للنبي ﷺ -
موقف المخالفين لأهل السُّنّة والجماعة حيال آيات الأَنبياء على جهة العموم، وآيات المصطفى ﷺ على جهة الخصوص، يمكن إِجماله في موقفين:
الأول: تأويلها تأويلًاطبعيًّا.
الموقف الثَّاني: ردّها، وعدم قبولها.
أَمَّا من ذهب إلى تأويل آيات الأَنبياء تأويلًا طبعيًّا: فطائفة من الفَلاسِفة حيثُ لم يقبلوا التسليم بخرق تلك الآيات لنواميس الكون وخروجها عن مقدور الثّقلين، وأخذوا في حَمل ما يرونه قابلًا منها للتعليل حملًا لا يُخرجها عن حدِّ القانون الطَّبيعي، وأَمَّا ماعدا ذلك مما لا يمكن تفسيره تفسيرًا طبعيًا =فكذبوا به، وذلك بناءً على أَصلهم الفاسد من أَنَّه لا يُتصَّور أَن تفعل القوى والطبائع والمؤثِّرات إلاّ في المواد والأَعيان القابلة لذلك، فـ"الهواء" مَثلًا لمَّا كان قابلًا لأن يصير ماءً، أمكن أن يؤثِّر فيه مؤثرٌ فيصبح ماءً وينزل المطر، وأمّا ما لم يكن قابلًا لذلك؛ فلا.
فابن سينا يجوِّز صدور الآيات عن الأنبياء، لكنه يفسرها تفسيرًا يسلبها خاصيّة الخروج عن مقتضى السُّنن، ذلك لكونه يرجعها إلى القانون الطبيعي وأسبابه، فتراه يقول: (لعلّك تبلغك عن العارفين أَخبار،
стр. 301
تكاد تأتي بقلب العادة فَتُبادر بالتكذيب، وذلك مثل ما يُقال: إن عارفًا (١) اسْتسقى للنَّاس فَسُقوا، أو استشفى لهم فَشُفوا، أو دعا عليهم، فخسف بهم وزلزلوا .. ودعا لهم فصَرَف عنهم الوباء والمُوتان (٢) . أو خشع لبعضهم سَبُع .. أو مثل ذلك، ممَّا لا تؤخذ في طريق الممتنع الصريح =فتوقَّف ولا تعجلْ، فإن لأمثال هذه أَسبابًا في أَسرار الطبيعة) (٣)
فابن سينا يُقرُّ بأن ما يجري للأنبياء ليس خارقًا للعادة وخارجا عن قوانين الطبيعة، وما ذكره من أمثلة لا يخرج عن قانون السننيَّة فليست تلك الصور المسوقة أمثلة صادقةً مطابقة لآيات الأنبياء، لذا قال شارح الإشارات (٤) مبيِّنًا مراد ابن سينا بقوله: (تكاد تأتي بقلب العادة)، فقال: (إِنَّما قال "تكاد تأتي ... " ولم يقل: "تأتي بقلب العادة"؛ لأَنَّ تلك الأفعال، ليست عند من يَقِفُ على عللها المُوجِبة إيَّاها بخارقةٍ للعادة، إِنَّما هي خارقة بالقياس إلى من لا يَعْرِف تلك العلل) (٥)
وابن سينا يُرجع كُلَّ سببٍ غريب سواء كان خارقًا للعادة عند التحقيق، أم لم يكن كذلك =إلى ثلاثة علل طبيعية، وفي تقرير ذلك يقول: (إنَّ الأمورَ الغريبةَ تنبعِثُ في عالم الطَّبيعةِ من مبادئ ثلاثة:
أحدها: الهيئة النَّفسيَّة المذكورة.
وثانيها: خواصّ الأجْسام العَصْريَّةِ، مثل جَذب المغناطيس الحديد بقوَّةٍ تَخُصّه.
стр. 302
وثالثها: قوى سَماوية، بينها وبين أَمْزجة أجسام أَرضيَّةٍ مخصوصة بهيئات وضعيَّة. أو بينها وبين قوى نفوس أَرضيَّة مخصوصة بأحوال فلكية فعليَّة، أو انفعالية مُناسبةٌ تَسْتتبع حدوث آثار غريبة. والسِّحر من قبيل القسم الأوَّل. بل المعجزات والكرامات، والنيرنجات من قَبيل القسم الثَّاني) (١)
وممن انتحل هذا القول من أَتباع المدرسة الباطنية المُعاصرة=محمد شحرور حيث عدّ ما يقع للأنبياء من خوارق العادات لا يخرج عن كونها ظاهرة طبيعية قُدِّم زمنها، وليست خروجًا عن مقتضى السُّنن، فتراه يقول: (يمكنُ أَنّ نُعرِّفَ المعجزات للأنبياءِ بما يلي: المُعجِزةُ عند كُلِّ الأنبياء قبل محمد ﷺ : هي تَقَدُّمٌ في عالم المحسوس ((ظاهرة طبيعية)) عن عالم المعقول السَّائد وقت المُعجِزة ((كشَقِّ البحرِ)) ولكنَّها بحالٍ من الأحوال ليست خروجًا عن قوانين الطبيعة أَو خَرْقًا لها، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾ الرعد. ودائمًا يدخل الإذن ضمن قوانين الطبيعةِ الصارمة =أي هي عبارة عن قَفْزةٍ زمانية إلى الأمام في تطويع قوانين الطبيعة. ولَرُبَّ سائلٍ يسأل: ألا يُعدُّ إحياء المسيح الموتى خرقًا لقانون الطبيعة؟ أقول: ليس هذا بخرق، لأنَّه يوم القيامةِ سَيُبَعثُ الناس جميعًا وهم في عداد الأموات ... ) (٢)
والحقُّ أنَّ تفسير آيات الأنبياء تفسيرًا طبيعيًّا يُخالف الحقيقة الموضوعية لهذه الآيات، فإنَّ إحياء الموتى، وانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وخروج الناقة من الجبل =كلّها آيات خارجة عن سنن الطبيعة وقوانينها، لا يمكن ردّها إلى قوى النَّفس، ولا إلى كونها ((قَفْزة زمانيَّة))!
стр. 303
فإن هذه الآيات لا يمكن وقوعها إلَاّ لنبيٍّ ولن تقع لغير الأنبياء مهما تقدَّم الزَّمن.
فإرجاع هذه الآيات إلى علل طبعيَّةٍ =باطل لأنّه مؤسسٌ على أمرين باطلين:
الأوَّل: تعجيز الرَّب ﵎، وهذا لازم نفيهما، فابن سينا يعتقد أنَّ الله تعالى علَّةٌ موجبة بالذَّات مُسْتَلْزِمةٌ لمعلولها، وإذا كان علةً فيمتنعُ أن تتغيَّر أَفعالُه عن القانون الطبيعي، فأنكر بذلك مشيئة الرَّب تعالى وقدرته على خلق الآيات وإجرائها على وفق أَسباب يخلقها، وبحكمة يقصدها (١) .
والأمر الآخر: أنَّ قصْر أَسباب الآيات على القانون الطبيعي ونفي ماعدا ذلك يفتقر إلى دليل يصححه، ولا دليل إلَاّ التحكُّم، فعدم الوجدان لا يعني وجدان العدم.
وأمَّا تأويل شحرور "الإذن" في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقوله: (ودائمًا يدخل الإذن ضمن قوانين الطبيعةِ الصارمة) =فخوضٌ في آيات الله بالباطل. ودعواه معلومة الفساد؛ لأنّها تقييد لإرادة الله تعالى بمخلوقاته، والله تعالى لامانع لما أراد، ولا دافع لما قضى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢ ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ البروج. هذا أَمرٌ.
والأمر الآخر: أنَّ تأويله أَجنبيٌ عما دلَّت عليه الآية، ومنافٍ لسياقها، فالآية إِنَّما تُبيِنُ عن أنَّ الأَنبياء لا يقدرون على المجيء بآية دالة على صدقهم إلَاّ بإذنِ الله وأمره، وهي جواب لأقوامهم الَّذين اقترحوا الآيات على رسل الله. فاستبان أن وقوع الآيات منوطٌ بأمر الله.
стр. 304
وهذه التَبَعيَّة والإناطة هي بُرَهان على ربوبيَّته وكمال قدرته.
وعلى هذا؛ يتحرّر الفرق بين التقريرين: تقرير الآية الدَّال على إثبات كمال ربوبية الله تعالى وتمام إرادته، وتقرير شحرور الّذي يسلب الله تعالى فيه إرادته ونفاذ أمره. وكُلُّ تأويل عاد على النصِّ بما يوهم النقص والإبطال فهو حقيق بالفساد والبطلان.
وفي بيان معنى الآية عند أئمة التفسير يقول الإمام ابن جرير ﵀: (وما يَقدِرُ رسولٌ أَرسَلَه الله إلى خَلْقه أن يأتي أمتَه بآيةٍ وعلامة: من تسيير الجبالِ، ونقلِ بلدةٍ من مكانٍ إلى مكانٍ آخر، وإحياء الموتى، ونحوها من الآيات ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ يقول: إلاّ بأمر اللهِ الجبالَ بالسير، والأرضَ بالانتقالِ، والمَيِّت بأن يحيا) (١)
وأمَّا سعيه للبرهنةِ على دعواه بضربه المثل بمعجزة إحياء الموتى، وتسويته بين زمن وقوعها في الدُّنيا، وزمن وقوعها يوم القيامةِ=فَسَعْيٌ ذاهب في الفساد، ذلك أنّ مثاله لا يُحرزُ مطلوبه؛ لأن جريان الإحياء على يد نبي -بإذن الله- خرق للعادة في زمن اتساق السنن، واطّرادها. وأمّا وقوع الإحياء يوم القيامة فإنه حاصل في زمنٍ تُخرق فيه العادة، وتنتقض فيه السُّنن.
فتحصَّل من ذلك: أنّ تسويته واقعة بين زمنين مختلفين وحالين متمايزين لا يمكن اعتبار أحدهما بالآخر. وعلى تقدير صحة ما ضربه من صورة لعدم خروج المعجزة عن مقتضى السنن فإنَّه يتعذر عليه تطويع بقية الآيات لهذا التفسير، فلا يستطيع البرهنة على خروج النَّاقة مرة أخرى يوم القيامة من صدع الجبل، ولا انقلاب العصا حية تسعى إلخ ...
стр. 305
وأمَّا الموقف الثاني: فقد ذهبت طائفة من المستغربين إلى ردِّ المعجزات. والباعث لهم على ذلك: تأثُّرُهم البيِّن بالمنهج الوَضعي الَّذي كان فتنةً لكثيرٍ من بني جلدتنا، و الَّذي ينطلِقُ أَساسًا من نَفي الغيبيات، واستبعاد كل ما لا يقع عليه الحسّ. إذْ رسَخَ في أَذهانهم أنّ أساس قيام الحضارة الغربيّة الكافرة لم يتحقق إلَاّ عند رَفْضِهم كلّ ما يتعدَّى الواقع الحسِّي، وأنّه لا يمكن لأَهل الإِسلام أن يلحقوا بركب الحضارة؛ إلاّ بالسَّير الحثيث على سَنن هؤلاء الوضعييين.
وقد أَبان عن عُمق هذا التأثر، وعن الانهزامية التي سَرَت في نفوس هؤلاء العصريّين؛ ((محمد فريد وجدي)) - أَحد الَّذين درجوا على تطويع الدَّلائل الشَّرعيَة لتوافق ما رَسَمه أُولئك الكفرة في صورة قوالب وقوانين علميّة بزعمهم- بقوله: (وُلِد العلم، وما زالَ يجاهد القوى التي كانت تساوره؛ حتّى تغلّب عليها. فدالت الدولة إليه في الأرض، فنَظَر نظرةً في الأديان، وسرى عليها أسلوبه، فقذف بها جملةً إلى عالم " الميثولوجيا" (١)، ثم أخذ يبحث في اشتقاق بعضها عن بعض، واتصال أساطيرها بعضها ببعض، فجعل من ذلك مجموعةً تُقرَأُ؛ لا لتُقدَّس تقديسًا؛ ولكن ليعرف الباحثون منها الصور الذهنية التي كان يستعبد لها الإنسان نفسه، ويقف على صيانتها جهودَه؛ غيرَ مدّخِرٍ في سبيلها روحَه ومالَه. وقد اتّصل الشرق الإسلامي بالغرب منذ أكثر من مائة سنة، فأخذ يرتشف من مناهله العلمية، ويقتبس من مدينته المادية، فوقف - فيما وقف عليه - على هذه " الميثولوجيا "، ووجد دينَه مائلًا فيها، فلم ينبس بكلمة؛ لأنه يرى الأمرَ أكبرَ من أن يحاولَه، ولكنّه استبطَن الإلحاد، مستيقنًا أنه مصير إخوانه كافّةً؛ متى وصلوا إلى درجته العلمية .. وقد نبغ
стр. 306
في البلاد الإسلامية كتّابٌ وشعراء وقفوا على هذه البحوث العلمية، فسحرتهم، فأخذوا يهيّئون الأذهان لقبولها دسًّا في مقالاتهم وقصائدهم؛ غير مصارحين بها غير أمثالهم، تفاديًا من أن يُقاطَعوا، أو يُنفَوا من الأرض.
وقد عثرنا نحن في جولاتنا العلمية على ما عثروا عليه، فكانت صدمةً كادت تقذف بنا إلى مكانٍ سحيق، لولا أنْ منّ الله علينا بوجود المخلّص منها؛ وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سورة آل عمران: ٧ فسجدنا شكرًا لله، وقلنا: مانعة الصواعق؛ بل مانعة الغَرق!) (١)
والأَساسُ الَّذي يرتكزُ عليه المنهج الوضعي الَّذي تأثَّر به طوائف من المسلمين= عدُّه كلَّ ما لا يمرّ عبرَ قناةِ الحِس والتجربة باطلًا؛ بناءً على أنّه لا سبيل إلى المعرفة إلا من بوابة الواقع الحسّي، فهم يُلغون أَي حقيقةٍ تجاوزُ عندهم هذا الواقع: كـ (العقائد)، و (الغيبيَّات)، و (التخييلات)، وغير ذلك ممّا لا يمكن تمريره من هذه القناة.
ونتيجة لذلك: قرنوا بين علوم الأَنبياء المتضمِّنة للحقائق بـ (التخييلات) التي لا تخرج عن كونها ضَربًا من الباطل الَّذي لا موضوع له، في أنَّ كلًا منهما يمثل اللامعقول من حيث جانبيهما اللاهوتي، أو الماورائي (٢) ورأوا أَنَّ الطبيعة لها قوانينها الثابتة التي تُفسِّرُها، والتي لا يمكن أَن تتغيَّر أَو تتبدَّل. و فرَّقوا بين ما هو خارق
стр. 307
للسُّنن الكونيَّة، وبين ما لا يجري على سنن الطبيعة ممَّا لا يصلُ إلى حدِّ خَرْقِ السُّنن.
وبهذا التفريق الكاسِد أَنكروا الأَوَّل، وعدّوه ضربًا من الخيال، وقبلوا الآخر، وهو وجود ما يعتبر انحرافًا عارضًا عن جَوهر الطبيعة كـ (العادات غير العقلانيّة والجرائم) (١)
وهذا الأَساسُ الباطل وقع أَسيرًا له نَفَر من الباحثين الّذين لم يكن لهم إلَاّ اجترار ما سطره أَرباب المنهج الوضعي؛ تقليدًا، وتبعيَّة، مع إعادة صياغته، والتنقير في كُتُب التّراث عمَّا يُسْعفهم لتوسيع دائرة الأَمثلة والشَّواهد؛ ليُؤخذ ما زبروه مأخذ التسليم والقبول. فـ "عبدالمجيد الشَّرفي" -مثلًا- يُغالط الحقائق بوسمه آيات الأنبياء ﵇ بأنّها من توليد المِخيال الجمعي، لا أنَّها حقائق تواترت عنهم تواترًا قطعيًّا، وأَنَّها محصَّل ضرورتين: الضرورة الشَّرعيَّة، والضرورة العقليّة الحسيَّة؛ حيث وقع لأمم معاينتها. حيث يقول: (كُتبُ السِّيرة، ولا سيِّما المتأخرة منها، مَحشوَّة بهذه الخوارق الماديَّة التي ذهب المخيال الجَمْعي إلى أَنَّ كمال النُّبوّة لا يكون إلَاّ بها) (٢)
ونِسبةُ تلك الخوارق إلى كُتُب السِّيرة، تدليس كما لا يخفى؛ وذلك للتّعمية عن المصدرين الرَّئيسين اللَّذين يَستمِدُّ منهما المسلمون خبر تلك الآيات، ألا وهما: الكتاب، وما صح من سُنّة رسول الله ﷺ .
ويتبعه أيضًا في توصيفه الجائر لتلك المعجزات =تلميذُهُ "بسَّام الجمل"؛ حيث يصف"آيات النبي ﷺ " التي نَزَل القرآنُ بشأنها، بقوله: (عَثرنا في بعضِ أَخبار النُّزول على ضَرْبٍ من ضروب المُتخيَّل، لا تكونُ
стр. 308
فيه الأَحداث مَبنيَّةً على قانون في السَّببيَّةِ يُعلِّلُ حُصولها داخل المُتخيَّل الجمعيّ أَو خارجه في الواقع التَّاريخي لدى المؤمنين بحقيقة تلك الأَحداث.
إِنَّنا نُصادف داخل هذا المُتخيَّل نماذج من وقائع حَصَلَت على عهد الرَّسول أَلغت النِّظام المنطقي الَّذي تتأسّسُ عليه قوانين الطبيعة والعالم الفِيزيائي عُمومًا ممَّا يُقيم البُرهان على أَنَّ للمُتخيَّل معقوليَّته الخاصّة المُباينة للمعقوليَّة العلميَّة القائمة على الاستدلال والتعليل وغيرهما) (١)
ويسِمُ "هشام جعيط" معجزات الأنبياء بالاستحالة الذاتية، وأنها لم تحدث. وفي ذلك يقول: (من هنا نفهم لماذا سجل القرآن عناصر هامة من مسار النبي .. ولماذا اتسم بالإقناع العقلاني وابتعد عن الخوارق؛ لأنها مستحيلة في ذاتها ومستحيل الإيمان بها في هذا الوسط. فمعجزات الأنبياء من قبل لم توجد فعلًا، وإِنَّما روي بعدهم أنها وجدت) (٢)
وأمَّا محمد عابد الجابري فيقصر ما اختص به النبي ﷺ من المعجزات في القرآن، وليس من اختصاصه -بزعمه-الإتيان بآيات خارقة للعادة!! فتراه يقول: (نحنُ نؤكد فعلًا أنَّ الشيء الوحيد، الَّذي يُفْهم من القُرآن بأكمله أنَّه معجزةٌ خاصَّةٌ بالنبي محمد ﷺ هو القرآن لا غير، فالقُرآن يكفي ذاته بذاته في هذا الشأن. والدَّليل على ذلك: أنَّ كُفَّار قُريش قد أكثروا من مُطالبةِ الرَّسول ﷺ بالإتيان بآيةٍ (مُعجزة) تخرقُ نظام الكون واستقرار سُننه؛ كدليل على صدق نبوَّته؛ فكان جواب القرآن أنَّ مهمَّة محمد بن عبد الله هو أنْ يُبلِّغ لأهل مكة (أم القُرى) ومن حولها رسالة الله إليهم (القرآن) وليس من اختصاصه الإتيان بآيات مُعجزاتٍ خارقة للعادة) (٣)
стр. 309
فآيات الأَنبياءِ -عند هذه الطائفة- لا تخرج عن كونها مِخيالًا، ليس لها وجودٌ خارجي وهذا نَهْجُ من عَجَزَ عن إِقامة البرهان على بُطلان تلك الآيات، وهو مسلك المشركين حينما عَجِزوا عن ردِّ الآيات التي جاءهم بها النبي ﷺ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ النحل.
فهؤلاء ليس معهم إلَاّ النَّفي. والنَّفي المتجرد عن البرهان ليس علمًا.
وأمّا دعوى الجابري أنَّ القرآن هو الآية التي اختُصَّ بها النبي ﷺ فلا تكون له آيةٌ أخرى تخرق العادة=فبيِّنة البطلان؛ لأنّ الاختصاص بالقرآن لا يقضي على الآيات الأخرى بالنَّفي فإنّ الرسل وإن اشتركوا معه ﷺ في جنس تلك الآيات فإنّ ما أجراه الله له أعظم وأبهر، وأما استدلاله على نفيه، بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ العنكبوت. ثُمَّ إنَّ قوله تعقيبًا على الآية: (واضحٌ أنّنا أمام إغلاقٍ نهائي لمسألة إمكانية تخصيص خاتم النبيين والمرسلين بمعجزة من جنس ما طالبت به قريش. لقد قرّرت الآية أنَّ القرآن كافٍ وحده كمعجزة للنبي ﷺ ثم أنهت الجدل في الموضوع بأن خاطبت النبيَّ أن: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾ العنكبوت: ٥٢ ... ) (١)
فليس فيما استدلَّ به مُستمسك؛ لأن الإغلاق واقعٌ في إجابة أهل مكةَ فيما اقترحوه من الآيات، لا في مطلق الآيات، بدلالة قوله تعالى:
стр. 310
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ الإسراء، فَسَبق القضاء بعدم إرسال الآيات المقترحة من المشركين؛ حتى لا يُعجَّل لهم العذاب كما عُجِّل لمن قبلهم ممن لم يُصدق بها كما هي سنّته تعالى فيمن اقترح الآيات ثم كفر بها.
ومما يوطِّد هذا المعنى ما ثبتَ عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة النبي ﷺ أن يجْعل لهم الصَّفا ذهبًا، وأن يُنحِّي عنهم الجبال فيزرعوا، فقيل له: إن شئت أن تسْتأني بهم لعلنا نجتني منهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سَألوا، فإن كَفَروا=أُهلِكوا كما أُهلك من قبلهم. قال: (لا، بل نستأني بهم) فأنزل الله الآية (١) .
وحصول الكفايةِ بالقرآن لا يقضي بنفي ماعداه من الآيات التي ثبتت في السُّنّة. وبذا يتحرر أنَّ القرآن لم ينف مطلق الإرسال للآيات. هذا من جهةٍ.
ومن جهة أُخرى: أنَّ القُرآن نفسَه أثبت بعض هذه المعجزات كانشقاق القمر، والإسراء والمعراج، والقرآن بمنزلة الكلمة الواحدة لا تقع بين آياته مُنافاة. فليس احتجاجه بالقرآن بأولى من احتجاج المُثبتين للمعجزات. فتكون دلالة العموم في منع الإرسال بالآيات مما أُريد بها الخصوص بدلالة القرآن نفسِه. وبدلالة السُّنّة الصحيحة، وهي:
стр. 311
الجهة الثَّالثة: أنَّ السُّنة قد استفاضت بإثبات آيات له ﷺ غير القرآن، والسُّنّة مُفسِّرة له ومبيِّنة لمعانيه، فورود هذه الآيات فيها مبيِّنٌ عن مراد الله تعالى بكلامه.
ومن الفَوَاقر التي وقع فيها أَصحاب المنهج الوضعي؛ أَنّهم سوَّوا بين الرُّسل ﵇ الّذين امتازوا بخصائص خصَّهم الله بها = وبين غيرهم من الخلق، ولمَّا كان من طرائق إثبات الرّسل ﵇ لنبوَّتهم؛ ما يُجريه الله على أَيديهم من الآيات والبراهين الخارجةِ عن مقدورهم، ومقدور الثقلين، وكان هذا مما يوجب لهم الامتياز عن غيرهم من الخلق، وهو في الوقت ذاته خَرق للسُّنن =سارع أَصحاب المنهج الوضعي إلى نَفْيها، فضلًا عن نفيهم اختصاص الأَنبياء بالوحي.
فانظر -مثلًا-لـ "جوستاف لوبون" حيث يقول: (لو صدَّقنا بالخوارق لرجعنا إلى عصْر الخُرافات) (١) ويقول"جوليان هكسلي" يصف النُّبوّة بأنَّها: (إظهارٌ للتفوُّق بطريقة شاذّةٍ لا يمكن احتمالُها) (٢)
فمنشأ غَلَط أصحاب هذا المنهج هو من جِهة قياسهم الفاسد بين الرسول وبين غيره، مع تحققّ الفرق بينهما، فجحدوا ما فضل الله به هؤلاء الرُّسل ﵇ وخرجوا بذلك عن مقتضى النَّقل والعقل، إذ جحدوا آيات الله الدَّالة على هذا الاختصاص، وكابروا المعقول، إذ النّظر الصحيح يوجب التفريق بين أمرين عند اتصاف أحدهما بما يُوجب امتيازه عن الآخر.
وقد ذكَر الله هذا المانع الّذي يحتجُّ به المشركون في رفضهم الانقياد والاتباع للرُّسُل ﵇ فقال تعالى ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ الإسراء.
стр. 312
يقول الإِمام ابن تيميَّة ﵀: (وجماعُ شُبَهِ هؤلاء الكفَّار أَنَّهم قاسوا الرَّسول على من فرَّق الله بينه وبينه، وكفروا بفضل الله الَّذي اختصَّ الله به رُسُلَه؛ فَاُتُوا من جهة القياس الفاسد، ولا بُدَّ في القياسِ من قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ بين المُشَبَّه والمُشَبَّه به) (١)
وقد التوى الطريق بورثة هذا المنهج من المستغربين، إذ حاولوا تقريب شخصيَّة النبي ﷺ لهم، بِسَلْبِه ما اختصّه الله به من الاصطفاء، والإِيحاء، والآيات والبراهين الدالة على صدق نُبوَّته؛ وَ قصْر التميُّز في شخصيَّته ﷺ على أَمر ذاتيٍّ نابع عن عبقريةٍ وعظَمةٍ اتّصفَ بهما. وممَّا يُبرهن على ذلك: الانحراف البيِّن الَّذي يعتور تفسير بعضهم (للوحي) فلا يخرجُ في حقيقته عن كونه تفسيرًا إشراقيًّا، أو ماديًّا؛ مقتضاه نفْي الوحي من الله، ونفي المَلَك الموكَّل به، ومِنْ ثَمّ إنكارَ الكتاب الذي أوحاه الله إلى نبيه ﷺ . (٢) فالنُّبوّة عند "محمد عبده" لا تخرج عن أن تكون فِطرةً فُطِر إنسان فيها على الحقّ علمًا وعملًا؛ بحيث لا يعملُ إلاّ حقًّا، ولا يعلم إلا حقًّا (٣)
والنُّبوَّة عند "مُحمَّد إِقبال" هي: (ضَرْبٌ مِن الوَعْي الصُّوفي يَنْزِع ما حصَّله النبيُّ في مَقام الشّهودِ إلى مُجاوزة حدوده، وتَلَمُّسِ كل سانحة لتوجيه قوى الحياة الجَمْعيَّة توجيهًا جديدًا، وتشكيلها في صورة مستحدثةٍ. فالمركزُ المُتناهي من شخصيَّة النبيِّ يغوص أغوارًا لا نهائية ليطفو ثانيةً مُفْعمًا بقوةٍ جديدةٍ تقضي على القديم وتكشف عن توجيهات جديدة للحياة. وهذا الاتصال بأصلِ وجُودِهِ ليس خاصًّا بأي حال من الأحوال) (٤)
стр. 313
والنُّبوَّة عند "نصر أَبي زيد"إنَّما هي إعمال لوظيفة "المُخَيِّلة"التي يشترك فيها جميع البَشر إلَّا أَنَّها تأتي عند الأَنبياء على قمَّة الترتيب! وفي بيان ذلك يقول: (إنَّ تَفْسير النّبوَّةِ اعتمادًا على مَفْهومِ "الخيال" معناه أنَّ الانتقال مِن عالم البَشَر إلى عالم الملائكة انتقال يَتِم من خلال فاعليَّة "المُخيِّلة"الإنسانيَّة التي تكون في "الأَنبياء" بحكم الاصطفاء والفِطرة =أَقوى منها عند مَن سِواهم من البشَر. وإذا كانت فاعليَّة "الخيال"عند البشر العاديين لا تتبدَّى إلَّا في حالة النَّوم، وسكون الحواس عن الانشغال بنقل الانطباعات مِن العالم الخارجي إلى الدَّاخل، فإنَّ "الأَنبياءَ" و"الشُّعراء" و"العارفين" قادرون دون غيرهم على اسْتخدام فاعليَّة "المُخيَّلة"وفاعليتها، فالنبيُّ يأتي -دون شكٍّ- على قِمَّة الترتيب، يليه الصُّوفي العارف، ثُمَّ يأتي الشَّاعر في نِهاية الترتيب) (١)
وأَمَّا الآيات والبراهين الحِسِّية، فقد ارتكبوا كلَّ عَسِرٍ لنفْيها؛ ولَيِّ أعناقِ النصوص التي تُثْبِتها؛ وهذا بيِّنٌ فيما اجترحه الشَّيخ (محمد عبده) عند تناوله الآياتِ الدالّة على المعجزات. (٢)
وحُجة هؤلاء في إنكار المعجزاتِ: أنَّ العلم التجريبيَّ؛ لا يستطيع إثباتَها، ولا نفْيَها، وإِذا كان الأمر كذلك - في نظرهم - فليست هذه الآيات والبراهين حقائقَ علميّة تستدعي الإيمان بها، ولا بمن جاءتْ على يديه.
يجلّي هذه المسألة (محمّد فريد وجدي) (٣) بقوله: «تمتاز العصور النبوية بالخوارق والنواميس الطبيعيّة؛ فأساطير الأديان ملأى بذكر
стр. 314
حوادثَ من هذا القبيل كان لها أقوى تأثير في حمل الشعوب التي شهدتْها على الإذعان للمرسَلين الذين حدثتْ على أيديهم. وقد حدثتْ أمورٌ من هذا القبيل في هذا العصر المحمديّ؛ صاحبت الدعوةَ في جميع أطوارها ... ولستُ أقصد بها ما تناقله الناس عن شقّ الصدر (١)، وتظليل الغمامة (٢) وانشقاق القمر، وما إليها مما لا يمكن إثباتُه بدليل محسوس، أو يتأتى توجيهه إلى غير ما فُهِم منه؛ ولكنّي أقصد تلك الانقلابات الأدبية والاجتماعية التي تمّت على يد محمد ﷺ في أقلّ من رُبع قرنٍ، وقد أعوزَ أمثالُها في الأمم القرونَ العديدةَ، والآمادَ الطويلةَ». (٣)
وإذا كانَ إثباتُ الآيات المادّية الحاصلة للنبي ﷺ عند المتأثرين بهذا المنهج غيرُ متأت؛ لأنّ الدليل الحسّي لا يقوم بإثباتها = فإنَّهم خطوا خطوات لمسايرة من لا يؤمنون بالنبوّة، ولا بآياتِ الأنبياء؛ معانين صرْفَ كل آية عن مقتضى الإعجازِ، وتفسيرَها على ضوء المنهج المادّي الذي لا يؤمن بأن السننَ الكونيةَ يمكن أن تُخرَق متى ما أذِن الله تعالى
стр. 315
بذلك؛ فـ (محمد فريد وجدي) يعدّ السيرَ على سَنَن هؤلاءِ، إقامَةً للتثبُّت، ومحافظةً على الدستور العلمي، واحترامًا للنخبة المثقفة بزعمه، فتراه يقول: (وقد لاحظ قرّاؤنا أننا نحرصُ فيما نكتبُه في هذه السيرة على أن لا نُسرِف في صرفِ كلّ حادثةٍ إلى ناحية الإعجازِ؛ ما دام أنه يمكن تعليلُيها بالأسباب العادية؛ وحتى ولو بشيءٍ من التكلُّف؛ مسايرةً لمذهب المبالغين في التثبُّت، والمحافظين على إقامة الدستور العلمي؛ ثقةً منّا بأنّ بحثًا لا تتحرّمه النخبة المثقفة، ولا تجدُ فيه صورةً صحيحةً لِمَثَلِها الأعلى في عَرْض المسائل وتحليلها؛ لا يمكن أن يؤدّي إلى ما قُصِد منه من الخدمة العامة!) (١)
ثم إنَّ هذه الآيات الخارقة للسُّنن؛ مع عدم قُدرة أَصحاب المنهج المادِّي الاستدلال عليها، هي أَيضًا -في نَظَرهم-ليست دلائلَ عقلية مستلزمة لصدق النبي؛ وهذا منصوص عليه عند كثير منهم فـ (محمد هيكل) يقرر ذلك بقوله: « .. وكانت يقظَةُ العقلِ ومنطقُه قد نبّهت الناسَ إلى أن الخوارقَ لا تنهضُ بذاتها دليلًا عقليًّا على شيءٍ». (٢)، و (لو أراد اللهُ أن تكونَ المعجزةُ الماديّةُ وسيلةً إلى اقتناعِ مَنْ نزلَ الإسلامُ على رسوله بينهم؛ لكانت، ولَذَكَرَها في كتابه (٣)
وبهذا المأخِذ -الَّذي يزعمونه-: دَنْدَنَ (حسن حنفي) ظنًا منه في متانته وجدواه، حيث قال مستفهِمًا مستنكرًا: (فهل تؤدّي المعجزةُ إلى تصديق الرسول؛ وهي برهانٌ خارجيٌّ عن طريق القدرة، وليس داخليًا عن طريق اتفاقها مع العقل، أو تطابُقِها مع الواقع؟!) (٤)
стр. 316
وهذا الاعتراض؛ قد سبقهم إليه (ابن رشد الحفيد) -مع تباين المنطلق -فقد ذهب إلى أن دليلَ صِدق النبي ﷺ ما كان نابعًا من مضمون الرسالة؛ فانحصرَ برهانُ صدق النبي على الدليل الداخلي؛ وهو ما كان مُناطًا بالعلوم والشرائع التي تضمّنها الوحيُ. وأمّا ما كان - في نظره - خارجًا عن مضمون الرِّسالة من الآيات الخارقة؛ فليست ضرورية في دلالتها على الصدق لمن ادّعى النبوّة؛ إلاّ في حالة اقترانها - أو بالأصحّ: اعتمادها - على الدليل الأوّل؛ وهو ما تضمّنه الوحي من الشرائع (١)؛ فالعقل - عنده - لا يدركُ مدى الارتباط بين الآية والبرهان، وبين صِدقِ مَنْ وقعتْ له!! (٢) .
وممّا استندوا إليه أَيضًا في إنكار الآيات والبراهين: أن هذه الخوارق - لو ثبتتْ -؛ لكان إيمانُ مَنْ آمنَ بها لم يكن عن حريّة واختيار؛ بل عن جبرٍ واضطرار (٣) فهم يرون الآيات والبراهين قدْحًا في العقل وفي ما يزعمونه قوانين الطبيعة (٤) . ويرون أن إثباتَها شُبهةٌ؛ لا حُجّةٌ على الخلق (٥)؛ بل إنَّ الشيخَ محمد رشيد رضا حين تحدّث عن آيات الأنبياء المذكورة في القرآن الكريم؛ قال: (وهي - أي آيات الأنبياء - قد أصبحت في هذا العصر حجةً على دينهم؛ لا له، وصادّةً للعلماء والعقلاء عنه؛ لا مُقنِعةً به. ولولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيّد بها موسى وعيسى ﵇؛ لكان إقبالُ أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعمَّ وأسرع ... ) (٦)
وبعدُ؛ فهذه نُبَذٌ مما جرتْ به أقلامُ هؤلاء الطاعنين في آيات النبي ﷺ الظاهرة، وبراهين نبوّته الباهرة؛ التي أيّده الله بها.
стр. 317
وفيما يلي نقضٌ للأصل الكُلِّي الّذي استندوا إليه في نَفيهم لآيات وبراهين الأنبياء:
فأمّا احتجاجهم بأنَّ المَنهجّ التجريبيَّ لعجزه عن الاستدلال على الآيات والبراهين؛ فإنه يجعل تلك الآيات والبراهين - بزعمهم - خارجة عن نطاق الحقائق العلمية، وهذه دعوى عَريَّةٌ عن التحقيق، يدحضها مايلي:
أولًا: أن الحس يُعدُّ مصدرًا للمعرفة؛ لا كلّ المعرفة؛ فالحقائقُ التجريبيةُ لا تُثبِت إلا حقائق جُزئيّة، وخروجُ بعض المعارف عن دائرتها لا ينفي عنها كونها حقائق ثابتة بمصدرٍ صحيح معتبَر؛ سوى الحس و التَجرِبة. وهذا الخروج في الوقت ذاته: لا ينقض تلك الحقائق التي توصّل إليها المنهج التجريبي. ومَنْ مارى في هذه الحقيقة فستجْبهُه معارفُ أضحتْ حقائقَ لا تقبل الشكّ عند أصحاب المنهج التجريبي (١)؛ هذه الحقائق والعلوم لم تباشرْها الحواسّ، أولم تُدرك في معامل البحث، ولم تخضع للتجريب.
وهذه الحقيقة قد أَبان عنها بعضُ منظري الوضعية أَنفسهم، فهذا "رودلف كارناب " يقول: (من أَهمِّ الملامح التي تُميز العلم الحديث،
стр. 318
بالمقارنة بعلم العصور المُبكِّرة =هو تأكيده على مايمكن أَن نُطلق عليه اسم "المنهج التجريبي" ... الحقيقة أن هناك بعض المجالات التي يصعب استخدامه فيها مثلما نَستخدمه في الفيزياء. ففي علم الفلك مثلًا، لا يمكننا أَن نُعطي دفعة لكوكب في اتجاه آخر بعض الشيء، لنرى ما قد يحدث له نتيجة لهذه الدَّفعة. إذ أَنَّ الموضوعات الفَلَكيَّة بعيدة كُلّ البُعد عن متناولنا, ولا يَسَعنا إلَاّ أن نُلاحظها ونقوم بوصفها، كما أَنَّه يمكن لعلماء الفَلَك -في بعض الأحيان- أن يقوموا بخلق شروط في المعمل شبيهة بتلك التي تحدث على سطح الشمس أوالقمر .... ولكن هذا لا يُعَدُّ في حقيقة الأَمر تجربة فلكية حقيقية) (١)
وعلى هذا؛ فإنَّ إنكارَ تلك الحقائق وطرد قضية التجريب على كُلِّ علم سيوقِفُ عجلةَ التقدُّم، وستنحَسِرُ حركةُ الاكتشافات. وسيُنحَر الإبداعُ بمُدى المنهج الوضعي. ذلك أَنَّ التجربةَ تتّجه إلى قضايا جزئية؛ لكن الانتقال من الأعيان الجزئية إلى قانونٍ علميٍّ عامٍّ لا يتأتّى بالتجربة فقط؛ لأن الحسّ والتجربة يُثْبِتَان أمرًا محدودًا معيّنًا؛ لا أمرًا كليًّا.
وحتى يتم بناء القوانين الكلية على مثل هذه التجارب؛ فلا بدّ من إعمال الخيال العلمي لوضع الفروض (٢) وهذا ما تعامى المذهب الوضعي عنه، مما كان سببًا في توجيه النَّقد إليه مِن بعض أَنصار المدرسة نَفْسها (٣) .
فتحصّل من ذلك: أنه كما أن الحقائق العلمية لا يمكن أن تُحصَر في دائرة الحس والتجربة؛ فكذلك الحقائق الشرعية؛ فإنّ للشرعيات معاييرها التي تستند إليها، كما أن للطبعيات والعقليات معاييرها وأُسسها الخاصة بهما. والتسوية بينهما غلط، و خلط بين هويتين مختلفتين.
ثانيًا: إذا كان المتأثرون بِرهَجِ المنهج التجريبي لا يقبلون من الحقائق إلا ما قضى به الحسّ وأثبتتهُ التجربة؛ فإنه يلزمهم أن يثبتوا
стр. 319
- بالمنهج ذاته - بطلان الآيات والبراهين؛ وهذا ما يتعذّر عليهم؛ لأنّ الحسّ والتجربة - كما تقدّم - لا يملكان نفْيَ هذه الآيات؛ كما أنهما لا يملكان إثباتها.
ثالثًا: أن نفي الآيات والبراهين لكونها بطريق النقل لا التجربة؛ يلزم منه نفي كثير من الحقائق التجريبية التي لم يباشرْها أكثر الناس، ولم يدركوها بحواسِّهم؛ لأنها إِنَّما نُقِلت إليهم نقلًا عمّن جرّبها (١)؛ فنفيُ الأوّل دونَ الثاني تحكُّمٌ لا دليلَ عليه.
رابعًا: أن غاية المنهج الوضعي - حسب مفهوم مؤيديه -: إثباتُ ما كان داخلًا في الحس والتجربة؛ فالحكم إذًا على هذه الآيات والبراهين بالبطلان خروجٌ عن مفهوم هذا المنهج ووقوع في التناقض؛ لأن الحكمَ بالصِّحة والبطلان تحكّم ميتافيزيقي ليس من أُصُولِ هذا المنهج، ولا من شأنه. (٢)
خامسًا: أنّهم يعتمدون في نفيهم الآياتِ والبراهين؛ على دعوى أنها لم تخضع للتجربة والمشاهدة؛ فإنّ هذه الدعوى أَيضًا تنسحبُ على وجودِ الله تعالى، ووجود الملائكة، والجنة، والنار، والجنّ، وكل ما لم يدركوه بالمشاهدة، ولم يتحقّق لهم بالتجربة.
سادسًا: أن الاعتراض بأن العقلَ لا يُدرِك الارتباط بين المعجزة، وبين صدق الرسول ﷺ ؛ اعتراضٌ باطل؛ لأَنَّ دلالة المعجزةِ على مدلولها (صدق الرَّسول) دلالةٌ ضرورية لجَمْعها بين دلالة الحسِّ والعقل فهي من أَقوى أَنواع الدَّلالات لجمعها بين الأَمرين.
стр. 320
وفي تقرير ذلك يقول الإمام ابن القيِّم ﵀: (هذه الطَّريق من أَقوى الطُّرق وأَصحها، وأدلِّها ... وارتباط أَدلّة هذا الطَّريق بمدلولاتها، فإنّها جمعت بين دلالة الحسِّ والعقل، ودلالتها ضروريَّة بنفسها؛ ولهذا يُسمِّيها الله آياتٍ بيِّناتٍ، وليس في طُرُق الأَدلَّةِ أَوثق ولا أَقوى منها؛ فإنَّ انقلاب عصا تقلَّها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يَمرّ به ثُمَّ يعود عصا كما كانت =من أَدل الدّليل على وجود الصَّانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكُلِّيات والجزئيات، وعلى رسالة الرَّسول، وعلى المبدأ والمعاد فكلُّ قواعد الدِّين في هذه العصا ..... وهكذا سائر آياته وآيات الأَنبياء .. ) (١)
والمتأمل في هذا الاعتراض يجد أنه في حقيقته قد وجّه "ابنَ رشد" وكلَّ من جاء بعده إلى متكلمي الأشاعرة؛ ذلك أن الأشاعرة - ومَن تأثر بهم - يجعلون باب الآيات والبراهين الجارية على يد الرسل ﵇ من جنس ما يأتي به السحرةُ والكهَنةُ، فالسَّاحرُ يجوز أن تجري على يديه من الخوارق كالتي تجري على يد الرسل ﵇؛ سواءً بسواءٍ. وكذلك الكاذب في دعواه يجوز أن تجري على يديه من الخوارق ما هو مِن فِعْل الله تعالى.
وعلى هذا؛ فإنّ المعجزة لم تعد دليلًا مستقلًا - حسبما تقرّر عند الأشاعرة - على صدق الرسول ﷺ . وما ذكَره "ابن رشد" هو في حقيقته اعتراضٌ على قول الأشاعرة؛ لا على مذهب أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن هذه الآيات والبراهين خارجةٌ عن مقدور الثقلين، بخلاف ما يأتي به السحرة، وغيرهم. فلا يمكن أن يقع مثلُها لكاذبٍ. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنها من الله تعالى في مقام التصديق القولي لنبيه ﷺ ، وأنّه رسول من عند الله حقًّا؛ وحينئذٍ فالعقل يُدرِك ضرورةَ الارتباط بين الآية والبرهان، وبين صِدْق مَنْ جرتْ على يديه.