وهذا الاعتراض؛ قد سبقهم إليه (ابن رشد الحفيد) -مع تباين المنطلق -فقد ذهب إلى أن دليلَ صِدق النبي ﷺ ما كان نابعًا من مضمون الرسالة؛ فانحصرَ برهانُ صدق النبي على الدليل الداخلي؛ وهو ما كان مُناطًا بالعلوم والشرائع التي تضمّنها الوحيُ. وأمّا ما كان - في نظره - خارجًا عن مضمون الرِّسالة من الآيات الخارقة؛ فليست ضرورية في دلالتها على الصدق لمن ادّعى النبوّة؛ إلاّ في حالة اقترانها - أو بالأصحّ: اعتمادها - على الدليل الأوّل؛ وهو ما تضمّنه الوحي من الشرائع (١)؛ فالعقل - عنده - لا يدركُ مدى الارتباط بين الآية والبرهان، وبين صِدقِ مَنْ وقعتْ له!! (٢) .
وممّا استندوا إليه أَيضًا في إنكار الآيات والبراهين: أن هذه الخوارق - لو ثبتتْ -؛ لكان إيمانُ مَنْ آمنَ بها لم يكن عن حريّة واختيار؛ بل عن جبرٍ واضطرار (٣) فهم يرون الآيات والبراهين قدْحًا في العقل وفي ما يزعمونه قوانين الطبيعة (٤) . ويرون أن إثباتَها شُبهةٌ؛ لا حُجّةٌ على الخلق (٥)؛ بل إنَّ الشيخَ محمد رشيد رضا حين تحدّث عن آيات الأنبياء المذكورة في القرآن الكريم؛ قال: (وهي - أي آيات الأنبياء - قد أصبحت في هذا العصر حجةً على دينهم؛ لا له، وصادّةً للعلماء والعقلاء عنه؛ لا مُقنِعةً به. ولولا حكاية القرآن لآيات الله التي أيّد بها موسى وعيسى ﵇؛ لكان إقبالُ أحرار الإفرنج عليه أكثر، واهتداؤهم به أعمَّ وأسرع ... ) (٦)
وبعدُ؛ فهذه نُبَذٌ مما جرتْ به أقلامُ هؤلاء الطاعنين في آيات النبي ﷺ الظاهرة، وبراهين نبوّته الباهرة؛ التي أيّده الله بها.
стр. 317
وفيما يلي نقضٌ للأصل الكُلِّي الّذي استندوا إليه في نَفيهم لآيات وبراهين الأنبياء:
فأمّا احتجاجهم بأنَّ المَنهجّ التجريبيَّ لعجزه عن الاستدلال على الآيات والبراهين؛ فإنه يجعل تلك الآيات والبراهين - بزعمهم - خارجة عن نطاق الحقائق العلمية، وهذه دعوى عَريَّةٌ عن التحقيق، يدحضها مايلي:
أولًا: أن الحس يُعدُّ مصدرًا للمعرفة؛ لا كلّ المعرفة؛ فالحقائقُ التجريبيةُ لا تُثبِت إلا حقائق جُزئيّة، وخروجُ بعض المعارف عن دائرتها لا ينفي عنها كونها حقائق ثابتة بمصدرٍ صحيح معتبَر؛ سوى الحس و التَجرِبة. وهذا الخروج في الوقت ذاته: لا ينقض تلك الحقائق التي توصّل إليها المنهج التجريبي. ومَنْ مارى في هذه الحقيقة فستجْبهُه معارفُ أضحتْ حقائقَ لا تقبل الشكّ عند أصحاب المنهج التجريبي (١)؛ هذه الحقائق والعلوم لم تباشرْها الحواسّ، أولم تُدرك في معامل البحث، ولم تخضع للتجريب.
وهذه الحقيقة قد أَبان عنها بعضُ منظري الوضعية أَنفسهم، فهذا "رودلف كارناب " يقول: (من أَهمِّ الملامح التي تُميز العلم الحديث،
стр. 318
بالمقارنة بعلم العصور المُبكِّرة =هو تأكيده على مايمكن أَن نُطلق عليه اسم "المنهج التجريبي" ... الحقيقة أن هناك بعض المجالات التي يصعب استخدامه فيها مثلما نَستخدمه في الفيزياء. ففي علم الفلك مثلًا، لا يمكننا أَن نُعطي دفعة لكوكب في اتجاه آخر بعض الشيء، لنرى ما قد يحدث له نتيجة لهذه الدَّفعة. إذ أَنَّ الموضوعات الفَلَكيَّة بعيدة كُلّ البُعد عن متناولنا, ولا يَسَعنا إلَاّ أن نُلاحظها ونقوم بوصفها، كما أَنَّه يمكن لعلماء الفَلَك -في بعض الأحيان- أن يقوموا بخلق شروط في المعمل شبيهة بتلك التي تحدث على سطح الشمس أوالقمر .... ولكن هذا لا يُعَدُّ في حقيقة الأَمر تجربة فلكية حقيقية) (١)
وعلى هذا؛ فإنَّ إنكارَ تلك الحقائق وطرد قضية التجريب على كُلِّ علم سيوقِفُ عجلةَ التقدُّم، وستنحَسِرُ حركةُ الاكتشافات. وسيُنحَر الإبداعُ بمُدى المنهج الوضعي. ذلك أَنَّ التجربةَ تتّجه إلى قضايا جزئية؛ لكن الانتقال من الأعيان الجزئية إلى قانونٍ علميٍّ عامٍّ لا يتأتّى بالتجربة فقط؛ لأن الحسّ والتجربة يُثْبِتَان أمرًا محدودًا معيّنًا؛ لا أمرًا كليًّا.
وحتى يتم بناء القوانين الكلية على مثل هذه التجارب؛ فلا بدّ من إعمال الخيال العلمي لوضع الفروض (٢) وهذا ما تعامى المذهب الوضعي عنه، مما كان سببًا في توجيه النَّقد إليه مِن بعض أَنصار المدرسة نَفْسها (٣) .
فتحصّل من ذلك: أنه كما أن الحقائق العلمية لا يمكن أن تُحصَر في دائرة الحس والتجربة؛ فكذلك الحقائق الشرعية؛ فإنّ للشرعيات معاييرها التي تستند إليها، كما أن للطبعيات والعقليات معاييرها وأُسسها الخاصة بهما. والتسوية بينهما غلط، و خلط بين هويتين مختلفتين.
ثانيًا: إذا كان المتأثرون بِرهَجِ المنهج التجريبي لا يقبلون من الحقائق إلا ما قضى به الحسّ وأثبتتهُ التجربة؛ فإنه يلزمهم أن يثبتوا
стр. 319
- بالمنهج ذاته - بطلان الآيات والبراهين؛ وهذا ما يتعذّر عليهم؛ لأنّ الحسّ والتجربة - كما تقدّم - لا يملكان نفْيَ هذه الآيات؛ كما أنهما لا يملكان إثباتها.
ثالثًا: أن نفي الآيات والبراهين لكونها بطريق النقل لا التجربة؛ يلزم منه نفي كثير من الحقائق التجريبية التي لم يباشرْها أكثر الناس، ولم يدركوها بحواسِّهم؛ لأنها إِنَّما نُقِلت إليهم نقلًا عمّن جرّبها (١)؛ فنفيُ الأوّل دونَ الثاني تحكُّمٌ لا دليلَ عليه.
رابعًا: أن غاية المنهج الوضعي - حسب مفهوم مؤيديه -: إثباتُ ما كان داخلًا في الحس والتجربة؛ فالحكم إذًا على هذه الآيات والبراهين بالبطلان خروجٌ عن مفهوم هذا المنهج ووقوع في التناقض؛ لأن الحكمَ بالصِّحة والبطلان تحكّم ميتافيزيقي ليس من أُصُولِ هذا المنهج، ولا من شأنه. (٢)
خامسًا: أنّهم يعتمدون في نفيهم الآياتِ والبراهين؛ على دعوى أنها لم تخضع للتجربة والمشاهدة؛ فإنّ هذه الدعوى أَيضًا تنسحبُ على وجودِ الله تعالى، ووجود الملائكة، والجنة، والنار، والجنّ، وكل ما لم يدركوه بالمشاهدة، ولم يتحقّق لهم بالتجربة.
سادسًا: أن الاعتراض بأن العقلَ لا يُدرِك الارتباط بين المعجزة، وبين صدق الرسول ﷺ ؛ اعتراضٌ باطل؛ لأَنَّ دلالة المعجزةِ على مدلولها (صدق الرَّسول) دلالةٌ ضرورية لجَمْعها بين دلالة الحسِّ والعقل فهي من أَقوى أَنواع الدَّلالات لجمعها بين الأَمرين.
стр. 320
وفي تقرير ذلك يقول الإمام ابن القيِّم ﵀: (هذه الطَّريق من أَقوى الطُّرق وأَصحها، وأدلِّها ... وارتباط أَدلّة هذا الطَّريق بمدلولاتها، فإنّها جمعت بين دلالة الحسِّ والعقل، ودلالتها ضروريَّة بنفسها؛ ولهذا يُسمِّيها الله آياتٍ بيِّناتٍ، وليس في طُرُق الأَدلَّةِ أَوثق ولا أَقوى منها؛ فإنَّ انقلاب عصا تقلَّها اليد ثعبانًا عظيمًا يبتلع ما يَمرّ به ثُمَّ يعود عصا كما كانت =من أَدل الدّليل على وجود الصَّانع وحياته وقدرته وإرادته وعلمه بالكُلِّيات والجزئيات، وعلى رسالة الرَّسول، وعلى المبدأ والمعاد فكلُّ قواعد الدِّين في هذه العصا ..... وهكذا سائر آياته وآيات الأَنبياء .. ) (١)
والمتأمل في هذا الاعتراض يجد أنه في حقيقته قد وجّه "ابنَ رشد" وكلَّ من جاء بعده إلى متكلمي الأشاعرة؛ ذلك أن الأشاعرة - ومَن تأثر بهم - يجعلون باب الآيات والبراهين الجارية على يد الرسل ﵇ من جنس ما يأتي به السحرةُ والكهَنةُ، فالسَّاحرُ يجوز أن تجري على يديه من الخوارق كالتي تجري على يد الرسل ﵇؛ سواءً بسواءٍ. وكذلك الكاذب في دعواه يجوز أن تجري على يديه من الخوارق ما هو مِن فِعْل الله تعالى.
وعلى هذا؛ فإنّ المعجزة لم تعد دليلًا مستقلًا - حسبما تقرّر عند الأشاعرة - على صدق الرسول ﷺ . وما ذكَره "ابن رشد" هو في حقيقته اعتراضٌ على قول الأشاعرة؛ لا على مذهب أهل السنة والجماعة؛ ذلك أن هذه الآيات والبراهين خارجةٌ عن مقدور الثقلين، بخلاف ما يأتي به السحرة، وغيرهم. فلا يمكن أن يقع مثلُها لكاذبٍ. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإنها من الله تعالى في مقام التصديق القولي لنبيه ﷺ ، وأنّه رسول من عند الله حقًّا؛ وحينئذٍ فالعقل يُدرِك ضرورةَ الارتباط بين الآية والبرهان، وبين صِدْق مَنْ جرتْ على يديه.
стр. 321
وهذا هو أيضًا: مقتضى حكمة الله تعالى؛ أنْ لا يُخلِيَ نبيَّه من دليلٍ، أو آيةٍ تدلّ على صدقه. فلا يجوز أن يسوِّيَ بين الصادق والكاذب؛ بأن يُجرِي على يد الصادق مثلُ ما يُجرِيَ على يد الكاذب، فيتعذَّر على الخلق حينئذٍ التمييزُ بينهما؛ وذلك مما يتنزَّه الله تعالى عنه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وما جعله الله آيةً، وعلامةً، ودليلًا على صِدْقِه؛ امتنَعَ أن يوجدَ بدون الصدق؛ فامتنَع أن يكون للكاذب المتنبي؛ فإن ذلك مما يقدح في الدلالة.
فهذا ونحوه مما يعرف به دلالة الآيات من جهة حكمة الرّبِّ، فكيف إذا انضمّ إلى ذلك أن هذه سننه وعادته؟ وأن هذا مقتضى عدله؟!
وكلّ ذلك - عند التصوُّرِ التامِّ - يوجِب علمًا ضروريًا بصدق الرسول الصادق، وأنه لا يجوز أن يسوي بين الصادق والكاذب؛ فيكون ما يُظهِره النبي من الآيات يظهَر مثلُه على يد كاذبٍ؛ إذْ لو فعل هذا لتعذّر على الخلق التمييز بين الصادق والكاذب.
وحينئذٍ: فلا يجوز أن يُؤمَروا بتصديق الصادق، ولا يُذَمُّوا على ترك تصديقه وطاعته؛ إذْ الأمر بدون دليله تكليف ما لا يُطاق؛ وهذا لا يجوز في عدله وحكمته. ولو قُدِّر أنه جائزٌ عقلًا؛ فإنه غير واقع». (١)
ثمّ؛ إنه لو كانت تلك الآيات والبراهين ليست مستلزمة لصدق من ظهرتْ ... له = كان ذلك طعنًا في الله تعالى؛ إذْ ترك شيئًا من لوازم الرسالة؛ وذلك إمّا لعدم القدرة، أو لجهله بضرورة هذا اللازم؛ وكلّ ذلك مما يُنزَّه المولى ﷻ عنه. (٢)
سابعًا: الزّعمُ الباطل بأن إثبات وجود هذه الآياتِ يستلزمُ أن يكون إيمان مَنْ آمن بها عن جبرٍ واضطرار؛ لا عن حرية واختيار. فهذه
стр. 322
الدَّعوى يكذِّبُها واقعُ الأنبياء وأقوامهم؛ فإنّه قد عُلم من سِيَرِهم ﵇ على وجه العموم؛ وسيرة النبي ﷺ على وجه الخصوص: أنّه مع ظهور تلك الآيات الدالّة على صدقه؛ إلا أنه وجد من الكفار من أعرض عن الإيمان، ورضي بالكفر. فلو كانتْ الآياتُ والبراهينُ مجبرةً لهم - على حدّ هذا الزعم -؛ لتحقّق إيمانُ كلّ من شهد هذه الآيات؛ وهذا مخالف لما تقرّر من أحوالهم وسِيرِهم.
وهذا لا يُضعِف دلالةَ هذه الآيات، وأنها تدلُّ - ضرورةً - على صدقِ أنبياء الله تعالى؛ فليس من شرط الدليل ألاّ يخالَف ويُعرَض عنه؛ فكم من دليلٍ بيِّنِ الدلالة أُعرِض عنه صفحًا.
وخلَّة أُخرى: إن الغَرضَ من إقامة هذه الدلائل والبراهين: أن يتفكّر فيها الناظر، ويستدلّ بها على صدق دعوى الرسول ﷺ ، وأنه مرسَل من عند الله تعالى، وأن الله لم يُظهِر على يد مدّعي الرسالةِ الآياتِ؛ إلا ليُعلَم اختيارُ الله له، واصطفاؤه لهذا الذي جرت على يديه الآيات.
فلو كانت هذه الآيات والبراهين في حقيقة أمرِها إجبارًا للخليقة؛ فإن ذلك ينفي عنها معنى الآية والبرهان؛ إذْ إنّ مدلول الآية في اللِّسان: العلامة (١) . فهي كأعلام الطريق المنصوبة لهداية السائرين؛ فكذلك آيات الأنبياء ﵇: أعلامٌ تهدي، وتدلّ على صدق ما أخبروا به. ومدلول " البرهان " (٢) في لغة العرب: الحُجّةُ البيّنةُ الفاصلة.
فأيّ جدوى من هذه الآيات والبراهين؛ إذا كانتْ مجبِرةً للخلق على خلاف ما يعتقدون؟!
стр. 323
ثامنًا: دعوى أن هذه الآيات خارقةٌ لسنن الكون، وللعادة المطَّرِدة، وخارقةٌ أيضًا للعقل.
وهنا يمكن القول: إن هذه الدعوى تتضمّن شقّين؛ الأول منهما حقٌّ في مَكْمَنِهُ مصائد للباطل، والآخر باطلٌ لا ينفق على أَهل البصيرة.
وبيان ذلك: أنَّ القولَ بأن هذه الآياتِ خارقةٌ للسنن الكونية حقٌّ؛ وهو مقتضى الضرورة الحسيَّة أَيضًا؛ لأنَّ بعض تلك الآيات عاينها بعض الخلق. والله تعالى هو الفاعل لذلك؛ ليقيم الدلائل على صدق من أرسله. ومكمن الضلال في هذه الدعوى: أنهم اعتقدوا استحالةَ ذلك؛ وهذه الاستحالة ناشئةٌ عن مسايرتهم للملاحِدة أصحاب المَنْهج الوضعيّ؛ وهذا هو محضُ العمى: -أعني التقليد في الباطل-.
وتوضيح ذلك: أن إحالةَ ذلك لا تصدرُ إلا ممن عمِيَ فلا يُبصِر في هذا الكون إلا الأسباب المادية، ومثل هؤلاء في غَلَط تصورهم (كغلَطِ النَّملةِ مثلًا، لو كانت تدبُّ على الكاغدِ فترى رأس القَلَم يُسوِّدُ الكاغد، ولم يمتدّ بَصَرُها إلى اليد والأَصابعِ فضلًا عن صاحب اليدِ، فَغَلِطت وظنَّت أَنَّ القلمَ هو المُسوِّد للبياض، وذلك لقصور بَصَرها عن مُجاوزةِ رأسِ القلمِ لضيق حَدَقتِها =فكذلك من لم يَنْشَرحْ بنور الله تعالى صدرُهُ للإِسلام؛ قَصُرت بصيرته عن مُلاحظة جَبَّار السموات والأَرض، ومُشاهدة كونه قاهرًا وراء الكُلِّ، فوقف في الطَّريق على الكاتب =وهو جهل محض) (١)
يقول الشيخ سعيد النَّورسي ﵀ واصفًا حال هؤلاء بقوله: «إنَّ مَنْ نظرَ النبوةِ والتوحيد، والإيمان، يرى الحقائقَ في نورِ الألوهيَّةِ والآخِرة، ووحدة الكونِ؛ لأنّه متوجهٌ إِليها. أمَّا العلمُ التجريبي والفلْسَفةُ
стр. 324
الحديثةُ فإنَّه يرى الأمورَ مِن زَوايةِ الأَسبابِ الماديَّةِ الكثيرة والطبيعة لأنّه متوجه إليها فالمسافة إذن بين زَوايتي النّظر بعيدة جدًّا ..... ولهذا فقد تقدَّم أهلُ العلم التجريبي كثيرًا في معرِفَةِ خَواصِّ الموجوداتِ وتفاصيلها وأَوصافها الدَّقيقة في حين تخلَّفوا كَثيرًا حتى عن أَبْسَطِ المؤمنين وأَقلِّهم علمًا في مَجَالِ العلم الحقيقي وهو العلوم الإِلهيّة السَّاميةُ، والمعَارفُ الأُخروية.
فالَّذين لا يُدْركون هذا السِّرَّ، يظنُّون أنَّ علماءَ الإِسلامِ مُتأخرون عن علماء الطبيعة والفلاسفة =والحال أَنّ مَنِ انحدَرت عُقولُهم إلى عيونهم، وأصبحوا لا يُفكِّرون إلاّ بما يرون، وغَرِقوا في الكَثْرَةِ من المخلوقات أَنّى لهم الجُرأةُ لِيلحقوا بورثةِ الأنبياءِ ﵈ الّذين بلغوا المقاصِدَ الإلهيّةَ السَّاميةَ وغاياتِها الرفيعة العالية .... وحتمًا لا تتعارضُ حقيقةٌ علميّةٌ قاطعة مع حقائق النُّصوصِ القرآنيّة المُقدّسة =إذِ اليدُ القصيرة للعلمِ التجريبي قاصرةٌ عن بلوغِ أَهدابِ طرَفٍ من حقائق القرآن الرَّفيعةِ المُنزَّهة» (١)
فهؤلاء يرون أنَّ سنن الكون خاضعةٌ للقوانين العلميّة التي لا يمكن أنْ تُخرَق ولا تُنتَقَض؛ لإنكاره وجود الخالق القادر. فهو يفسِّرُ ما يجري في الكون تفسيرًا " ميكانيكيًّا " لا يتبدّل ولا يتغيّر.
وعلى هذا؛ فهؤلاء المنكرون لهذه الآيات:
• إمّا أن يوافقوا أرباب المنهج الوضعي في مقاصد مذهبهم ولوازمه، وحاصل هذه الموافقة إنكارُ وجود الربّ ﵎، أو إنكار قدرته جلّ وعلا، وخضوعِ كلّ شيءٍ لسلطانه. فحينئذٍ يعود الخطاب معهم في إثبات وجود الربّ .
стр. 325
• وإمّا أن يُقِرُّوا بقدرة الله تعالى على خرق هذه النواميس والسنن؛ لأنها خلق من خلقه؛ فالذي أجراها على مقتضى قانون " السببيّة "؛ قادرٌ على خرق هذا القانون متى شاء. وأمّا موافقة أرباب المنهج الوضعي في فروع مذهبهم دون أصوله؛ فهذا لا يصحّ؛ لأن كلّ فرع لا يرجع إلى أصلٍ؛ فهو باطلٌ.
واستدلالهم على استحالة انتقاض هذه السنن، وبُعْد خرقِها؛ بقوله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ الأحزاب. وقوله تعالى: ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ فاطر.=باطلٌ لأنَّه ليس في الآية مستمسَك لما ذهبوا إليه من إحالة خرق سنن الكون؛ لأن معنى الآيتين: بيان سنة الله وعادته في إكرام، ونصر أوليائه، وسنّتُه، وعادتُه في إهلاك وعقوبة أعدائه. والبرهان على أنّ هذا المعنى هو المقصد من الآيتين: دلالة السياق؛ فالمتأمّل في كلا الآيتين سيهتدي إلى هذا المعنى؛ ذلك أن لفظ " السُّنَّة " التي سبق ذِكرُها في سورة " الأحزاب "؛ جاءتْ في سياق التهديد والوعيد للمنافقين؛ قال الله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾ الأحزاب.
فقد أبان الله عن عادته في أهل النفاق - إن أظْهروا نفاقَهم -: أن يقتلهم تقتيلًا. فالآيات سيقتْ لبيان سنة الله في أعدائه. يقول الإمام محمد بن جرير الطبري مبينًا تأويل هذه الآية: «يقول تعالى ذِكرُه: (﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾: هؤلاء المنافقون الذين في مدينة رسول الله ﷺ معه من ضُرباءِ هؤلاء المنافقين؛ إذا هم أظهروا نفاقَهم أن يقتِّلهم، ويلعنهم لعنًا كثيرًا». (١)
стр. 326
وكذا آية "فاطر"؛ فإن سياق الآيات يدلّ على أن هذا الحرف؛ المقصود به ذِكْرُ عادة الله في مَنْ كذَّب الرُّسلَ؛ بأن ينتقم منه، ويعاجله بالعقاب الأليم في الدُّنيا؛ يقول ﵎: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾ فاطر.
يقول الإمام ابن جرير ﵀ في بيان ذلك: «فهل ينتظر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد إلا سنة الله بهم في عاجل الدنيا على كفرهم به؛ أليمَ العقاب؟!. يقول: فهل ينتظر هؤلاء إلا أن أُحِلَّ بهم من نقمتي على شركهم بي، وتكذيبهم رسولي؛ مثلَ الذي أحللتُ بِمَنْ قبلَهم من أشكالهم من الأمم ... وقوله: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾؛ يقول: ولن تجد لسنة الله في خلقه تبديلا. يقول: لن يغيِّر ذلك، ولا يبدِّله؛ لأنه لا مردَّ لقضائه». (١)
وممّا يدلّ على فساد ما استدلّوا به: أنّه يلزمُهم - على مقتضى قولهم - إنكارُ تغيُّرِ العالَم عند إيذانِ اللهِ تعالى بنهاية الدنيا. وعلى هذا؛ فلا تكوير للشمس، ولا تبدُّل للأرض، ولا انكدار للنجوم .. إلى غير ذلك مما أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ بوقوعه. وهذا القول لا يقول به إلاّ الملاحدة المنكرون للجزاء والبعث. يقول شيخ الإسلام (ابن تيمية) ﵀-في الردِّ على بعض الملاحدة:
(وقد أراد بعض الملاحدة كـ " السهروردي " المقتول - في كتابه (المبدء والمعاد) الذي سمّاه (الألواح العِماديّة) - أن يجعل له دليلًا من
стр. 327
القرآن والسنة على إلحاده؛ فاستدلّ بهذه الآية (١) على أنّ العالَم لا يتغيَّر: لا تزال الشمس تطلع وتغرب؛ لأنها عادة الله.
فيقال له: انخراق العادات أمرٌ معلومٌ بالحسّ والمشاهدة بالجملة، وقد أخبر في غير موضع أنه سبحانه لم يخلق العالَم عبثًا وباطلًا؛ بل لأجل الجزاءِ؛ فكان هذا من سنّتِه الجميلة، وهو: جزاؤه النّاسَ بأعمالهم في الدار الآخرة، كما أخبر به مِنْ نصرِ أوليائه، وعقوبة أعدائه؛ فبعثُ الناس للجزاء هو من هذه السُّنّة. وهو لم يُخبِر بأن كلّ عادةٍ لا تنتقض؛ بل أخبر عن السُّنّةِ التي هي عواقب أفعال العباد؛ بإثابة أوليائه، ونصْرِهم على الأعداء. فهذه التي أخبر أنه لن يوجد لها تبديلٌ ولا تحويل .. وذلك لأن العادة تتّبع إرادةً الفاعل، وإرادةُ الفاعلِ الحكيم هي إرادةٌ حكيمةٌ؛ فتسوّي بين المتماثلات، ولن يوجد لهذه السنة تبديلٌ، ولا تحويلٌ؛ وهو إكرامُ أهل ولايته وطاعته، ونصْرُ رسله والذين آمنوا على المكذبين. فهذه السُّنَّة تقتضيها حكمتُه سبحانه؛ فلا انتقاصَ لها.
بخلاف ما اقتضتْ حكمتُه تغييرَه؛ فذاك تغييرُه من الحكمة أيضًا، ومن سُنّته التي لايوجد لها تبديلٌ ولا تحويلٌ) (٢)
تاسعًا: دعوى أنّ هذه الآيات تُعدُّ قدْحًا في العقل.
فيقال: الأمرُّ بخلاف ذلك؛ لأنّ هذه الدلائل والآيات لا تتضمّن ما يناقض الضرورة العقليّة؛ فهي وإن كانتْ خارقةً للسُّنَن، فليست - في الوقت نفسه - خارقةً لمناهج العقول؛ إذ إنّ من المُحال تناقُضُ الضرورتَيْن: الضرورة الحسيّة، والضرورة العقليّة.
стр. 328
وقد يُشكل على بعضهم أَنّ وجه مخالفة هذه المعجزات لضرورة العقل خُرُوجُها عن مقتضى قانون السَّببيّة الَّذي لا يُشكُّ أَنّه من مقرّرات العقل الفطريّه.
ومن أَلْطَفَ النَّظرَ عَلِمَ أَنّ إِثبات أَهل السُّنة لهذه الآيات كما هو مقرر في الأدلة الشرعية لا يناقض الضرورة العقليَّةَ؛ لأنَّ حصول هذه المعجزات وخروجها عن مقتضى الأَسباب المخلوقة التي أجْراها الله في الكون=لا يلزم منه أَنّها حادثة بلا سبب مطلقًا؛ بل حدوثها كان مباشرة من مُسبِّبها الحقيقي وخالقها، وهو الله تعالى، دون توسُّط السبب المخلوق.
وبذلك انجابت عن الأحاديث المثْبِتَةِ لهذه الآياتِ غواشي الشبهات، وانكشف -بحمدلله-زيفُها.
стр. 329
المبحث الثاني
دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن أحاديث انشقاق القمر
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سَوْق أحاديث انشقاق القمر.
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المُعارِض العقلي على أحاديث انشقاق القمر.
المطلب الثالث: دفع دعوى المُعارِض العقلي عن أحاديث انشقاق القمر.
стр. 330
لمطلب الأَوّل: سَوْقُ أحاديث انشقاق القمر:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: انشقَّ القمر على عهد النبي ﷺ شِّقَّتين، فقال النبي ﷺ : (اشهدوا) متفق عليه (١).
وعن أَنس بن مالك ﵁ قال: سأل أَهلُ مكة أَن يريَهُم آيةً فأراهم القمر شقتين حتَّى رأوا حراء بينهما. متفق عليه. (٢) وفي لفظ لمسلم: (فأراهم انشقاق القمر مرّتين)
وعن عبد الله بن عبَّاس ﵄: أَنَّ القمر انشَّق على زَمَان رسول الله ﷺ متفق عليه (٣).
стр. 331
المطلب الثاني: سَوْقُ دعوى المُعارِض العقلي على أحاديث انشقاق القمر:
أُورِد على حديث انشقاق القمر جملة من المعارضات العقليّة؛ تتلخص في الآتي:
المعارض الأول: أن الأَجرام العُلوية لا يتطرق إليها ذبولٌ ولا خَرق، ولا فساد، ولا انشقاق؛ إذ لو وقع ذلك لفسد ناموس الطبيعة.
وهذا قول فلاسفة اليونان، كما نقله عنهم غير واحدٍ من أهل العلم؛ كالغزالي (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وغيرهما. وقد تبع فلاسفة اليونان المتقدِّمين، بعض الفلاسفة المتأخرين كموسى بن ميمون اليهودي الّذي قررّ ذلك بقوله: ( .. وبالجُملة النّظرُ يوجِبُ أن لا يلزم فساد العالم ضرورةً، ولم يبق إلَاّ جهة أَخبار الأَنبياء والحُكماء. هل وقع الإخبار بأنَّ هذا العالمَ سيفسُدُ ولا بُدَّ، أم لا؟ فإنَّ أكثرَ عوامِّنا يعتقدون أَنَّ ذلك وقع الإخبار به، وأنّ هذا العالم سيفسد كلّه. وسأبيِّن لك أَنَّ الأَمر ليس كذلك، بل إنَّ نُصوصًا كثيرةً جاءت في تأييده، وكلُّ ما جاء من ظاهرٍ يبدو منه أَنّه سيفسد، فالأمرُ فيه بيِّنٌ أنّه مَثَل كما سأبيِّن) (٣)
المعارض الثاني: أن انشقاق القمر، لو وقع لجاء متواترًا؛ إذ يستحيل أن يقع مثل هذا الحدث الكوني، ولا تتوفّر الدواعي على نقله، وتدوينه، ولا يشتهر في سائر الأمصار = فخفاء ذلك يدلّ على انتفاء وقوعه.
стр. 332
وأوّل من نُسبِت إليه هذه الشبهة - بحسب ما وقفت عليه - هو إبراهيم النظَّام، أحدُ أئمة المعتزلة. ذكر ذلك القاضي عبد الجبار الهمداني في معرض الردِّ عليه؛ حيث قال مورِدًا لاعتراض النافِين لهذه الآية مستدلّين بقول النظَّام: (فإن قيل: ومِن أين لكم أن القمر قد انشقَّ له كما ادّعيتم؟ أتعلمون ذلك ضرورةً أم بدلالة؟ أوليس النظَّام قد شكّ في هذا، وقال: لو كان قد انشقّ لعلِم بذلك أهل الغرب والشرق؛ لمشاهدتهم له. وهذا شيء سيكون عند قيام الساعة، ومن أشراط القيامة، فبأي شيءٍ تردّون قوله، وتُثبِتُون غَلَطه إن كان قد غَلِط؟) (١)
تلقَّفها عنه تلميذُه، وربيب نحلته الجاحظُ؛ فقد نُقل عنه أنّه كان ينفي وقوع الانشقاق، ويقول: (لم يتواتر الخبر به) (٢)
وقد تلقَّف هذه الشبهة من المتأخرين الشيخُ محمد رشيد رضا ﵀ ونظمَها في سلك اعتراضاته على هذا الحديث، فقال في ذلك: (ذكر علماءُ الأصول أن الخبرَ اللغوي ما يحمل الصدق والكذب لذاته ... وذكروا أنَّ مما يُقطعُ بكذبه؛ الخبر الذي لو كان صحيحًا لتوفرت الدواعي على نقله بالتواتُر؛ إمّا لكونه من أصول الشريعة، وإمّا لكونه أمرًا غريبًا؛ كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة = ومن المعلوم بالبداهة: أن انشقاق القمر أمرٌ غريبٌ؛ بل هو في منتهى الغرابة التي لا يُعدّ سقوط الخطيب في جانبها غريبًا؛ لأن الإغماء كثيرُ الوقوع في كلّ زمن .. وانشقاق القمر غير معهود في زَمَنٍ من الأزمان، فهو محالٌ عادةً، وبحسب قواعد العلم مادام الكونُ ثابتًا، وإنْ كان ممكِنًا في نفسه لا يُعجِزُ الخالقَ تعالى إن أراده فلو وقع لتوفرت الدواعي على نقله
стр. 333
بالتواتر؛ لشدّة غرابته عند جميع الناس في جميع البلاد، ومن جميع الأمم ... ) (١)
هذا مُجمَل ما أوردوه من المعارضات العقليَّةِ المَسوقَةِ على أَحاديث انشقاق القمر، وهناك من اكتفى بتصنيف هذه الأَحاديث بأنَّها من «المُتخيَّل» القابع في العقليَّة الإسلامية والَّذي نُسج لسدِّ فراغ كبير في القرآن؛ لكونه لم يتحدَّث ألبتَّة عن أي معجزة للنبي ﷺ خلافًا لما كان لإخوانه من الأنبياء ﵈!!
يقول بسَّام الجمل: (لقد عدَّ المُفسِّرون وعلماء القرآنِ انْشِّقاقَ القمرِ حَدَثًا خارقًا للعادةِ، واعتبروه دليلًا على نُبوّة محمد [ ﷺ ] (٢) ومعجزةً من معجزاته. ولذلك فَسّروا الآية تفسيرًا مُباشرًا، وسَلَّموا بحقيقة انشقاق القمر نصفين ... وجليٌّ أَنَّ وظيفة المُتخيَّل في هذا الخبر =سَدُّ فراغٍ كبيرٍ في القرآن. فهو لم يتحدَّث الَّبتَّة عن أَي معجزة لمحمّد [ ﷺ ] خلافًا لما كان لسابقيه من الأنبياء من معجزات خاصة منهم موسى وعيسى [﵉] فنَقَّب المفسِّرون في نصِّ المُصحف عمَّا يَصلحُ شاهدًا على حُصول معجزاتٍ في طَورِ النُّبوّة) (٣)
وأَمَّا حسن حنفي فيُعلّل هذا التَخييل؛ بأنَّه جاء وسيلة لإقناع جمهرة من النَّاس يعيشون في مُجتمع صحرواي لم يكن للآلهة، أو للسَّحَرَة فيه أي قُدرة على خرق قوانين الطبيعة، مع جهلهم بقوانين العلم =فـ (كان من الطبيعي أَن يكون انشقاقُ القَمَر، وتوقُّف الشمس
стр. 334
في الخيال الشَّعبي، ولدى رواة المدح والتعظيم =أحدَ وسائل التخييل وطرق الإقناع) (١)
وهو أَيضًا وسيلة للتّمكُّن من (أَداء وظيفة هامة تتمثَّل في توفير عُنصر التوزان النَّفسي والاجتماعي الَّذي كان يَنْشُدُه المجتمع المسلم، فقد وجَدَ في هذه التصوَّرات الموسَّعة مجالًا رحبًا لإِشباع رغبته في التعرُّف على عناصر الوجود ووظائفها وتكاملها في مهامِّها؛ ولاشكَّ أَنَّ هذه المعرفة -الوهمية عندنا، والحقيقية عند أَصحابها-عملت على تجاوز واقع الضَّبابيّة والتِّيه قصد فهم مَنزلة الإِنسان في الكون، والعمل على وضع العناصر الثَّابتة للضمير الإسلامي؛ ولم يعد القمر عنصر تعبُّد كما عند السَّابقين =بل صار آية إلهيةً دالةً على معانٍ عديدة ومحددة في مسارها المعتاد، وفي انشقاقها الخاص؛ في آن) (٢)
وأمّا يحيى محمد فغاية ما وصل إليه علمه أنَّ انشقاق القمر معارض لمقتضى العلم، وهذه الدعوى عَريّة عما يُقيم أَودها من براهين العلم الذي يدعي استناده إليها؛ حيث يقول: ( .. ومن الرِّوايات الأُخرى التي تعارض العلم =ماجاء حول شَقِّ القمر .. ) (٣) ثم ساق الاعتراضات ذاتها التي سبق ذكرها.
فهذه المعارضات عند التحقيق لا تخرج عما سلف سوقه من المعارضات.
стр. 335
المطلب الثالث: دفْع دعوى المعارِض العقلي عن أحاديث انشقاق القمر:
والجواب عن هذه المعارضات في الفِقَر التالية:
? أمّا زعمُ بعض الفلاسفة أن الأجرام العلوية لا يعتريها فسادٌ، ولا ذُبولٌ، ولا انشقاق؛ فهي نظرية يونانية باطلة، وبطلانها من جهة مناقضتها لضرورتين:
الأولى: الضرورة الشرعية.
الأخرى: الضرورة الحسية.
أمّا الضرورة الأولى: فقد تقدّم أن هذه الشبهة لا تنقدح في أذهان المؤمنين بالخالق ، وبكمال قدرته؛ فالذي قدر على خلق السموات والأرض قادرٌ على إفناءِ هذا العالم، وقادرٌ على شق القمر؛ فهو القادر على كل شيء جلّ وعلا؛ لا يُعجِزُه شيءٌ أبدًا.
وقد تواتر عن الأنبياء أنهم أخبروا بانشقاق السموات (١)
أَمَّا الضَّرورة الحسِّيَّة، فتنتظم أمرين:
الأوَّل: وقوع المُعاينة من بعض الخلق لانشقاق القمر.
الأمر الثَّاني: وقوع المعاينة من بعض الخلق لانشقاق بعض الأجرام السماوية.
فأمَّا الأمر الأوَّل: فهو ظاهر لمن رأى انشقاقه من أهل مكَّة، وممن كان خارجها؛ فإنه قد وقع في بعض الرِّوايات حصول هذه الرؤية لغير أهل مكة، فعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: (انشقّ القمر بمكة حتى صار فرقتين، فقال كفار قريش لأهل مكة: هذا سحرٌ سحركم به
стр. 336
ابن أبي كبشة؛ انظرُوا السُّفَّار، فإن رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا مثل ما رأيتم فهو سحرٌ سحركم به. قال: فسُئل السُّفَّار - قال: وقد قدموا من كل وِجْهَةٍ، فقالوا: رأينا) (١)
وأما الأمر الثاني ممَّا يخرق دعوى الامتناع: أَنَّ العلوم الفلكية الحديثة قد أثبتت وقوع الانشقاق في أَجْرَامٍ سماويّة؛ كالمُذَنَّبَات. فقد رصد علماءُ الفلك المُحدَثِين انشقاقَ مُذَنَّب "بروكس" شِقّين، سنة (١٨٨٩ م) وكذلك انقسام مُذَنَّب " بيلا " إلى جزءين، سنة (١٨٦٤ م) (٢) فوقوع هذا الانشقاق ينفي الغرابة عن انشقاق القمر الواقع في زمن النبي ﷺ .
ولعلّ إشكالًا ينقدح في مُخيّلة بعضهم؛ حاصلُه = إذا كان الانشقاق قد وقع في هذه المُذَنَّبات والكواكب، فما وجهُ الإعجازِ حينئذٍ في انشقاق القمر لنبيّنا محمد ﷺ ؟
فيُقال: وَجْهُ الإعجازِ: أنّ هذين المُذَنَّبَين انشقّا ولم يلتئما، وأما القمرُ فالآية فيه التئامُه بعد انشقاقه؛ بيانًا لقدرة الله تعالى، وتصديقًا لنبيه ﷺ .
ثم؛ إنّ الأبحاث الفلكيَّة: أثبتت نقيض تلك التصورات الساذجة للكون؛ نظرًا لقصور معارفهم، ومحدودية حواسهم. فلقد كان الفلاسفة الأقدمون يظنون أن العالَم بهيئته هذه منذ الأزل؛ بناءً على أَصلهم الفاسد الذي يقضي بأنَّ الله -تعالى الله- علة تامة والكون معلول له، فلا يمكن
стр. 337
-عندهم- أَن يلحق العالم تغيّرٌ إلَاّ إذا لحق هذا التغيُّر علته -أي الله- فالثاني مستحيل وكذا الأوَّل؛ ومن المعلوم بطلان ذلك شَرعًا، وحِسًّا، فأمَّا شرعًا فالبراهين الدَّالة على كمال قدرة الله تعالى، وكمال مشيئته؛ إذ مقتضى قولهم سلب هاتين الصِّفتين عنه تعالى وهذا خلاف مادلت عليه دلائل الشَّرع، وهو أَيضًا خلاف ما كشفتْه الأبحاث العلمية المتأخّرة؛ فإن العلم الحديث يدلّ على أن الأرض كانتْ جزءًا مما في السماء؛ على خلافٍ بينهم في تحديد أصلها. وهذا ما يدلّ عليه ظاهر القرآن الكريم؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ الأنبياء (١) .
فعِلْم الفَلك يكشِف عن (أَنَّ الإشعاعَ الصادرَ عن الشمس يُنقِص كتلتها؛ وإن كان القدْر الذي يُنقِصُه ضئيلًا جدًّا بالنسبة لحجمها " تحويل ١% من كتلة الشمس من الهيدروجين إلى الهيليوم يمدّها بطاقة تكفي لإبقائها مضيئةً لمدة ١,٠٠٠,٠٠٠,٠٠٠ عام.
إن كمّية الطاقة التي ترسلها الشمس هي من العِظَم بحيث أن كتلة الشمس تتناقص بمعدّل ٤,٣ بليون كيلو جرام في كلّ ثانية! ولكنّ هذا قدرٌ ضئيلٌ جدًّا من كتلة الشمس؛ بحيث أن التغيير هذا لا يكادُ يلاحَظ .. يعتقد أن عمْر شمسنا ٤,٥ بليون سنة، وأنها ستستمر في نشاطها إلى ٤,٥ سنة أخرى) (٢)
فها هو العلم الحديث يُثبِتُ أن التغيُّر والنقص حاصلٌ في " الشمس "، وأنّ هذا الكونَ برُمّتهِ كما أنّ له بدايةً فإنّ له نهايةً؛ متى أذِن اللهُ بذلك.
стр. 338
يقول أحدُ علماء "الطبيعة البيولوجية" "فرانك آلّن": (ولكن قوانين ... "الديناميكا الحرارية " تدلّ على أن مكونات هذا الكون تفقد حرارتها تدريجيًا، وأنها سائرة حتمًا إلى يوم تصير فيه جميع الأجسام تحت درجة من الحرارة بالغة الانخفاض؛ هي الصفر المُطلَق. ويومئذٍ تنعدم الطاقة، وتستحيل الحياة .. أما الشمس المستعرة، والنجوم المتوهّجة، والأرض الغنية بأنواع الحياة = فكلُّها دليلٌ واضحٌ على أنّ أصل الكون، أو أساسه يرتبط بزمانٍ بدأَ في لحظة معيّنة؛ فهو إذًا حدَثٌ من الأحداث) (١)
وبذا تنهار تلك الرؤية الباطلة للكون؛ من جهة النقل أوّلًا، ومن جهة العقل والحسّ ثانيًا.
? وأما الزعم بأن انشقاق القمر لو وقع = لتوافرت الدواعي على نقله متواترًا، ولَمَا خفِي على أهل الأقطار؛ فيقال في جوابه:
أوّلًا: إنّ هذه الحادثة وقعتْ ليلًا، ومن شأنِ الليل أن يكون أكثر الناس فيه نيامًا، مستكنّين الأبنية (٢) .
ثانيًا: أنّ هذا إِنَّما يلزم لو جُوِّزَ استواءُ أهل الأرض في إدراك مَطالِعِه (٣) ومن المعلوم أن القمر لا يطلع على أهل الأرض كلهم في زمانٍ واحدٍ؛ بل يطلع على قوم قبل طلوعه على آخَرين.
ثالثًا: أنه يمكن حصول رؤيته لخلق كثير، ولكنهم اتّهموا أعينهم، وحسبوا أن ما رأوه خيالًا؛ ولذا لم يأبهوا بنقله وإشاعته.
رابعًا: دعواهم أنّ أهل التواريخ لم ينقلوا ذلك؛ مما يؤكد على عدم حصول هذه الآية. فيقال: النفي ليس بعلم؛ فأين البرهان على أن أهل التواريخ لم يدوّنوا ذلك في أسفارهم. ثمّ؛ إنه لم يثبت عن أحدٍ من
стр. 339
أهل التاريخ، ولا من المعانين للتنجيم نفي ذلك؛ وهذا (كافٍ، فالحجّة فيمن أثبت، لا فيمن يوجدُ عنه صريح النفي؛ حتى إن وُجِد عنه صريح النفي يُقدَّم عليه من وُجِد منه صريحُ الإثبات) (١)
وقد ذكر ابن كثير ﵀ أنّ هذه الواقعة أُرِّخ بها في بعض بلاد الهند، وأنه بُنِي بناءٌ تلك الليلة، وأُرِّخ بليلة انشقاق القمر (٢)
و ذكر الدكتور محمد حميد الله ﵀: أنه رأى في إحدى المخطوطات الهندية القديمة المحفوظة في مكتبة المركز الهندي بالمتحف البريطاني بمدينة لندن، برقم (٢٨٠٧/ ١٥٢ - ١٧٣) أنّ أحد ملوك مليبار (وهي إحدى مقاطعات جنوب غربي الهند)، وكان اسمه " شاكرواني قارماس " عايَنَ انشقاق القمر على عهد رسول الله ﷺ ، وأخذ يحدّث الناس بذلك (٣)
خامسًا: أن خبر انشقاق القمر مما تواتر علمُه عند أهلِ الإسلام. وقد ثبت في معلمات السُّنّة ودواوينها، وفي كتب أهل السَّيَر، وفي أسفار مَنْ صَنَّف في دلائل نبوته ﷺ ، وتناقَلَه الأئمة الثقات = فالقدْح في روايتهم مع ما عُلِم بالضرورة عنهم من شدّة تمحيص الروايات، ومعرفة أصول نقلها، والبلوغ في هذا الشأن أعلى درجات التثبُّت، مع ما في هذه الحادثة من الإعجاز الذي تحدّى به النبي ﷺ مَن عايَن هذه الواقعة من المشركين، لا شك أنّ مَن جَعل ذلك كلّه دَبْرَ أذنيه فقد أنكر الضروريات، وكابر المقطوع به. فإن جلّةً من الأئمة قد حكموا بالتواتر لهذه الحادثة، وحكوا الإجماع على وقوعها. وهذا التواتر مستفادٌ من أمرين لا ينكرهما إلا من يجحد الحقائق؛ هذان الأمران:
стр. 340
الأول: ثبوت هذه الحادثة بنص القرآن الكريم. والقرآن منقول بنقل الكافة عن الكافة، لا يمتري في هذا اثنان.
الثاني: رواية الجمِّ الغفير لهذه الحادثة من الصحابة، وروى عنهم أمثالهم من التابعين، إلى أن دُوِّن في دواوين الإسلام. فمن أولئك: الإمام ابن عبد البَرّ ﵀؛ حيث قال: (قد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير، إلى أن انتهى إلينا، ويؤيّد ذلك بالآية الكريمة. فلم يبق لاستبعادِ مَن استبعدَه عذرٌ) (١)، والحافظ ابن كثير ﵀؛ حيث قال: (وقد أجمع المسلمون على وقوع ذلك في زمنه ﵊، وجاءت بذلك الأحاديث المتواترة من طرق متعددة، تفيد القطع عند من أحاط بها، ونظر فيها .. ) (٢)
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (أجمَعَ المفسّرون، وأهلُ السِّيَر على وقوعه؛ قال: ورواه من الصحابة: عليّ، وابن مسعود، وحذيفة، وجبير بن مُطعِم، وابن عمر، وابن عباس، وأنس) (٣)
وكذا مِثْله القرطبي؛ حيث قال: (وقد روى هذا الحديث جماعة كثير من الصحابة ... وفاضتْ أنوارُه علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان؛ فقد حصل بهذه المعجزةِ العلمُ اليقين الذي لا يَشكُّ فيه أحد من العاقلين) (٤) .
وقد نظمها الإمام الكتّاني ﵀ في سِلك الأحاديث التي بلغتْ مبلغَ
стр. 341
"التواتُر " و "الاستفاضة" (١) .
وفي تقرير هذين الأَمرين، يقول شيخ الإِسلام: (ومعلوم أن هذه المعجزات لا ريب فيها وانشقاق القمر قد أخبر الله به في القرآن وتواترت به الأحاديث كما في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود وأنس وابن عباس وغيرهم وأيضا فكان النبي ﷺ يقرأ بهذه السورة في الأعياد والمجامع العامة فيسمعها المؤمن والمنافق ومن في قلبه مرض، ومن المعلوم أن ذلك لو لم يكن وقع لم يكن ذلك:
أمَّا أولًا: فلأن من مقصوده أنَّ النَّاسَ يصدقونه ويقرون بما جاء به، لا يخبرهم دائما بشيءٍ يعلمون كذبه فيه فإن هذا ينفرهم ويوجب تكذيبهم لا تصديقهم.
وأمَّا ثانيا: فلأنَّ المؤمنين كانوا يسألونه عن أدنى شبهة تقع في القرآن ... ... فكيف يقرأ عليهم دائمًا ما فيه الخبر بانشقاق القمر، ولا يَردُّ على ذلك مؤمنٌ، ولا كافرٌ، ولا مُنافق؟) (٢)
سادسًا: أما زعْمُ الجاحظ: أَنّه لو انشقّ القمر لوجب أن تختلف التقويمات بالزيجات؛ لأنه قد عُلم سيرُه في كل يوم وليلة؛ فلو انشقّ لكان وقت انشقاقه لا يسيْر) (٣) .
فالجواب عن ذلك:
أنّ قوله: بأنه (لو انشقّ لكان وقت انشقاقه لا يسير): دَعْوى بلا برهان؛ فمن أين للجاحظ أن انشقاقَه يلزمُ منه توقّفُه عن السَّيْر. ويمكِن أن يُعارَض بأنّه وقت انشقاقه - مع قِصَر مدّة هذا الانشقاق - يمكن أن يستمر القمر في سيره، والله تعالى لا يُعجِزُه شيءٌ أبدًا.
стр. 342
سابعًا: أنّ بعض الفلَكيين وافق ما كان مستقرًّا في قلوب أهل الإيمان؛ مما استفادوه من كلام الله تعالى، والخبرِ الثابتِ عن النبي ﷺ ، الذي لا يقبل الشكّ عندهم. فقد أثبتوا أن القمر قد وقع له انشقاق، والتقطوا للقمر وقتَ " البدر الكامل " صُورًا تبيّن شقّ القمر في منتصف سطحه تقريبًا. هذا بالإضافة لما استبان لبعض علماء الفضاء الذين وقفوا على وجود تمزّقات طويلة جدًّا وغائرة في متن القمر؛ مما حدا بهم إلى إثبات أن القمر كان قد انشقّ ثم اللتحم (١) وسواء كانت هذه التمزقات أثرًا عن الانشقاق أم لم تكن=فإن الضرورة الشرعية أثبتتها، وتضافر الدلائل من كتاب وسُنّة وإجماع كلّها براهين على وقوع هذه الحادثة فتخرج بذلك عن دائرة المخيال والخُرافة، ذلك أنّ التسويةَ بين الحقائق المُطابقة لما في الواقع، والخُرافة التي لاتطابق الواقع، ولم تنتصب الدلائل على تحقّقها ضربٌ من المكابرة، ومنكر القطعيات لا حيلة فيه! فليس بعد ثبوت هذه الحقائق حجةٌ لمُعتَرِضٍ، وشُبهةٌ لمُنكِر، وليس بعد الحقّ إلا الضّلال.
* * *
стр. 343
المبحث الثالث
دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن أحاديث الإسراء والمعراج
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأوَّل: سوق أحاديث الإسراء والمعراج.
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الإسراء والمعراج.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الإسراء والمعراج.
стр. 344
المطلب الأول: سَوْق أحاديث الإسراء والمعراج
عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة ﵄ أن نبي الله ﷺ حدثهم عن ليلة أسري به (بينما أنا في الحَطيم (١) -وربما قال في الحِجْرِ (٢) - مضطجعًا إذْ أتاني آتٍ فَقَدَّ - قال (٣): وسمعته يقول فشق ما بين هذه إلى هذه- فقلتُ للجارود (٤) -وهو إلى جنبي-: ما يعني به؟ قالَ: من ثُغْرَةِ (٥) نحرهِ إلى شِعْرَتِهِ (٦) وسمعتُه يقول: من قَصِّهِ (٧) إلى شِعْرَتِهِ - فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حُشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نَعَمْ- يَضَعُ خَطْوَهُ عِندَ أَقصى طَرْفِهِ، فَحُمِلتُ عليه فانطلقَ بي جبريلُ حتَّى أتى السماء الدُّنيا فَاسْتَفْتَحَ، فقيل: مَنْ هَذا؟ قال جبريل، قيل: ومَن مَعَكَ؟ قال: مُحَمَّدٌ.
قِيْلَ: وقَدْ أُرسِلَ إليه؟ (٨) قال: نَعَم، قيل: مَرْحَبا به فَنِعمَ المجيءُ جاء، فَفَتَح. فَلمَّا خَلَصْتُ= فإذا فيها آدَمُ. فقال: هذا أبوك آدمُ فَسَلِّمْ عليه، فَسَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قال: مَرْحَبًا بالابنِ الصَّالحِ والنَّبي الصَّالحِ،
стр. 345
ثُمَّ صَعَدَ حَتَّى أَتى السَّماء الثانية فَاسْتَفْتَحَ، قِيَلَ مَنْ هذا؟ قال: جبريلُ، قِيل: ومَنْ مَعَكَ قال: مُحَمَّدٌ، قيل: وقَدْ أُرْسِلَ إليهِ؟ قال: نَعَمْ، قِيْلَ: مَرْحَبًا به فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَفَتَحَ فَلمَّا خَلَصْتُ =إذا يَحْيَى وعِيسى، وهما ابْنَا الخالة، قَالَ هذا يحيى وعيسى فَسَلِّم عَليهِما فَسَلّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قالا: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِحِ والنَّبيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السماء الثالثة فاسْتَفْتحَ، قِيلَ: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: ومَن مَعك؟ قال: مُحمَّدٌ قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نَعَمْ. قيل: مَرحبا به فنعم المجيء جاء فَفُتِحَ، فَلما خَلَصْتُ= إذا يوسفُ، قَال: هذا يُوسُفُ فَسلِّمْ عليه. فَسَلّمتُ عليه فَردَّ. ثم قال: مَرحَبا بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ. ثُمَّ صَعِدَ بي حَتَّى أَتى السَّماءَ الرَّابعةَ فَاسْتَفْتَحَ قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: ومَن معك؟ قال: مُحَمَّدٌ. قِيل: أَوَ قد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مَرْحَبًا به فنِعمَ المجيءُ جاءَ. فَفُتِح. فلمّا خَلَصْتُ إلى إدريس. قال: هذا إدريسُ فَسلِّم عليه. فَسَلّمتُ عليه. فَرَدَّ ثُمَّ قال: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصالحِ. ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتى السَّمَاءَ الخامسةَ فاسْتَفْتَحَ.
قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل قيل: ومَن مَعَك؟ قال: مُحمَّد ﷺ قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نَعَمْ. قيل: مَرْحبًا به فَنِعمَ المجيءُ جاءَ. فلمَّا خَلَصْتُ= فإذا هارون. قال: هذا هارونُ فَسَلِّم عليه. فَسَلَّمْتُ عليه فَرَدَّ ثُمَّ قال: مَرْحبا بالأَخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصّالحِ. ثُمَّ صَعِدَ بي حتى أتى السماء السَّادسةَ. فَاسْتفتحَ. قيل: مَن هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: مَن مَعَكَ؟ قال: مُحمَّدٌ، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نَعَمْ. قال: مَرْحَبَا به فَنِعمَ المجيءُ جاءَ. فلما خَلَصْتُ= فإذا موسى قال: هذا مُوسَى فَسَلِّم عليه فَسَلَّمْتُ عليه. فَرَدَّ، ثُمَّ قال: مَرحبًا بالأخِ الصَّالِحِ والنبيِّ الصَّالحِ فَلمَّا تجاوزتُ= بَكَى. قيل له: ما يُبْكِيك؟ قال: أَبكي لأنَّ غُلامًا بُعثَ بَعْدِي يدخلُ الجَنةَ من أُمته أكثرُ مِمَّن يَدْخُلُها من أُمتي. ثُمَّ صَعد بي إلى السماء السَّابعةَ فاستفتح جبريل. قيل:
стр. 346
من هذا؟ قال: جبريلُ. قيل: ومن معك؟ قال: مُحَمدٌ قيل: وقد بُعِثَ إليه؟ قال: نَعَم. قال: مَرحبا به فَنِعمَ المَجيءُ جاءَ. فَلمَّا خَلصْتُ =فإذا إبراهيمُ. قال: هذا أبوكَ فَسلِّم عليه. قال: فَسَلّمتُ عليه فَرَدَّ السَّلام. قال: مَرحبًا بالابنِ الصَّالح والنبيِّ الصَّالحِ. ثُمّ رُفِعَتْ لي سِدْرَةُ المُنْتَهى. فإذا نَبِقُها (١) مثلُ قِلالِ هَجَرَ (٢) وإذا ورقها مثل آذان الفيلة.
قال: هذه سدرة المُنْتهى، وإذا أربعةُ أَنهارٍ نهرانِ باطنانِ ونَهرانِ ظَاهرانِ، فقلتُ ما هذان يا جبريل؟ قال: أَمَّا الباطنان فنهران في الجنة، وأمَّا الظاهران: فالنِّيلُ والفُراتُ. ثُمّ رُفِعَ لي البيتُ المَعمورُ يدخله كل يومٍ سبعون ألف مَلَك، ثُمّ أُتِيتُ بإِناءٍ مِن خَمر، وإناء مِن لَبَنٍ، وإناءٍ مِن عَسَل؛ فأخذتُ اللّبنَ. فقال: هي الفِطرةُ التي أنت عليها وأمتك. ثُم فُرضتْ عليَّ الصلواتُ خمسينَ صلاةً كلَّ يوم فَرجعتُ فَمررتُ على مُوسى. فقال: بِمَ أُمرتَ؟ قال: أُمرتُ بخمسين صلاةً كلّ يوم قال: أُمتُك لا تستطيع خمسينَ صلاةً كُل يومٍ، وإنِّي -والله- قد جربتُ النَّاس قبلَك وعَالجْتُ بني إسرائيل أشَدَّ المعالجةِ فارْجِعْ إلى ربِّك فاسْألهُ التخفيفَ لأُمَّتِك فرجعتُ فوضعَ عَنِّي عَشْرًا، فرجعتُ إلى مُوسى فقال مثله، فرجعتُ فَوضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَرجعتُ إلى مُوسى فقال مثلَهُ، فرجعتُ فوضعَ عنِّي عَشْرًا، فرجعتُ إلى موسى فقال مثلَهُ. فرجعتُ فَأُمرتُ بعشر صلواتٍ كلَّ يوم فَرجعتُ فقال مثلَهُ، فرجعت فأُمِرتُ بخمسِ صَلَواتٍ كلَّ يوم. فرجعت إلى موسى فقال: بمَ أُمرتَ؟ قلتُ: أُمرتُ بخمسِ صلواتٍ كل يوم. قال: إنَّ أُمتَك لا تستطيعُ خمسَ صلواتٍ كلَّ يوم، وإنِّي قد جربتُ الناسَ قبلك وعالجتُ بني إسرائيلَ أشدّ المعالجة= فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف
стр. 347
لأمتك. قال: سألتُ ربي حتَّى استحييتُ ولكن أرضى وأُسَلِّم. قال: فَلمَّا جاوزتُ نَادَى مُنَادٍ أَمْضيتُ فريضتي وخَفَّفْتُ عن عبادي) متفق عليه (١) .
وعن أنس قال: كان أبو ذر ﷺ يُحدِّثُ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: (فُرِجَ (٢) سَقْفُ بيتي وأنا بمكةَ، فنزلَ جبريلُ فَفَرَجَ صدري، ثُمَّ غَسَلَهُ بماءِ زَمْزَم، ثُمَّ جاءَ بطست من ذهبٍ مُمتلئٍ حكمةً وإيمانًا فأفرغَها في صدري ثُم أَطبَقه، ثُمَّ أَخذَ بيدي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءِ فَلمَّا جاء إلى السماء الدنيا. قال جبريل لخازن السماء: افتح. قال: مَن هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: معك أحدٌ. قال: معي مُحَمَّدٌ. قال: أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم، فَافْتَح فلمَّا عَلَونا إلى السماء إذا رَجُلٌ عن يمينه أَسْوِدَةٌ (٣)، وعن يَساره أَسودة. فإذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحك، وإذا نَظَرَ قِبل شماله بكى. فقال: مَرحَبًا بالنبيِّ الصَّالحِ والابنِ الصَّالحِ. قلتُ: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا آدم. وهذه الأَسْودةُ عن يمينه وعن شماله نَسَم بَنيِهِ (٤) فَأهْلُ اليمينِ مِنهمْ أهْلُ الجنةِ، والأَسْوِدة التي عن شماله أَهل النَّارِ. فإذا نَظَر قِبَل يَمِينهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَر قِبل شماله بكى. ثُمَّ عَرَجَ بي جِبريلُ حتَّى أتى السماءَ الثانيةَ، فقال لخازنها: افْتَح. فقال له خازنها: مِثْلَ ما قال الأوَّلُ. فَفَتَح. قال أنس: فذكر أنَّه وَجَدَ في السماوات: إدريسَ، وموسى، وعيسى، وإبراهيم.
ولم يُثْبِتْ لي كيفَ مَنَازِلُهمْ غيرَ أنَّه قد ذَكَرَ أنَّه وجد آدمَ في السَّماءِ الدُّنيا، وإبراهيمَ
стр. 348
في السَّادسةِ. وقال أنس: فلمَّا مر جبريل بإدريس. قال: مرحبًا بالنبيِّ الصَّالحِ والأَخِ الصَّالحِ، فقلتُ من هذا؟ قال: هذا إدريسُ. ثُمَّ مررتُ بموسى، فقال: مَرْحَبًا بالنبي الصالح والأَخِ الصَّالحِ. قلتُ من هذا؟ قال: هذا موسى. ثُمَّ مررتُ بعيسى. فقال: مَرْحَبًا بالنبيِّ الصَّالحِ والأَخِ الصَّالح. قلتُ من هذا؟ قال: عيسى. ثُمَّ مررتُ بإبراهيمَ فَقالَ مَرْحَبًا بالنَّبيّ الصَّالح والابن الصالح. قلتُ مَن هذا؟ قال: هذا إبراهيمُ)
قال: وأَخبرني ابن حزم (١) أنَّ ابن عباس، وأبا حَبَّةَ الأَنْصَاري كانا يقولانِ: قال النَّبيُّ ﷺ : (ثم عُرِجَ بي حتَّى ظَهَرتُ لِمُستوًى (٢) أَسمَعُ صَرِيفَ الأَقْلامِ) (٣)
قال ابن حزم وأنس ابن مالك﴾: قال النبي ﷺ : (فَفَرضَ اللهُ عليَّ خَمسينَ صلاةً فَرَجَعتُ بذلك حتى أمُرُّ بموسى. فقال موسى: مَا الَّذي فُرِض على أُمَّتِك؟ قلتُ: فُرض عليهم خمسين صلاةً. قال: فَرَاجِع ربَّكَ فإنَّ أُمتُك لا تطيق ذلك. فرجَعْتُ فَرَاجَعتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَها، فَرجعتُ إلى موسى، فقال: رَاجِع رَبَّكَ. فَذَكَر مِثلَه. فَوَضَعَ شَطْرَها فَرَجعتُ إلى موسى فأخبرتُه. فقال: راجِعْ ربَّكَ فإنّ أمتُك لا تطيق ذلك. فَرَجَعتُ فَرَاجعتُ ربِّي. فقال: هي خَمسٌ وهي خَمْسونَ، لا يُبَدَّلُ القولُ لَدَيَّ. فَرَجَعتُ إلى موسى، فقال: راجعْ رَبَّك. فقلتُ: قد استحييتُ مِن
стр. 349
رَبِّي. ثُم انْطَلَقَ حتى أتى السدرةَ المُنْتهى، فَغَشِيها أَلوانٌ لا أدري ما هيَ. ثُم أُدْخِلتُ الجنَّةَ فإذا فيها جَنابِذُ اللُّؤلؤ (١) وإذا تُرابُها المِسْكُ) متفق عليه (٢) .
وعن ثابت البُناني عن أنس بن مالك ﵁؛ أنَّ رسول الله ﷺ قال (أُتِيتُ بالبُراقِ -وهو دابَّة أَبيض طويل فَوْق الحِمار، ودون البغل. يضع حافِره عندَ مُنْتهى طَرْفِهِ- قال: فركِبْتُهُ حتَّى أَتيتُ بيْتَ المَقْدِسِ. قال: فَرَبطْتُهُ بالحَلْقَةِ التي يَربِطُ به الأَنبياءُ. قال: ثُمَّ دَخَلتُ فَصَلَّيتُ ركعتين. ثُمَّ خرجتُ فجاءني جِبريل ﵇ بإناءٍ من خَمْر وَ إناءٍ من لَبَنٍ =فاخترتُ اللَّبن. فقال جبريلُ ﵇: اخْتَرتَ الفِطْرةَ (٣) ثُمَّ عُرج بنا إلى السَّماء) أخرجه مُسلم. (٤)
* * * *
تمهيد:
قبل إِيراد المعارضات العقلية، وإسلاف جوابات أهل العلم عن آحاد هذه الاعتراضات؛ فإنَّه يَتعيَّن الإِشارة إلى المَلاحِظ التَّالية:
الأول: أنّه قد انعقد إجماع الأمة على وقوع الإسراء والمعراج، وأنَّ هذه الحادثة من البراهين والآيات الدالّة على نبوّة محمد ﷺ ؛ لذلك
стр. 350
ترى مدى احتفال واحتفاء أهل السِّيَر والحديث (١) بهذه الحادثة، وعقْدهم المصنّفات في بيانها، والتماس العِبَر منها، ونظْمها في دلائلِ النبوّة وما ذاك إلا لكونها - كما أسلفتُ - من الدلائل العظيمة التي أكرمَ اللهُ بها نبيَّه ﷺ .
وممَّن نقل الاتفاق والإجماع على ذلك:
- القاضي عياض ﵀ حيث قال: (فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به ... ) (٢)
- الحافظ أبو الخطاب بن دحية ﵀ حيث قال: (حديثُ الإسراء أجمع عليه المسلمون، واعترض فيه الزَّنادقة المُلحِدون .. ) (٣)
- وقال الإمام محمد بن يوسف الشامي: (اعلم أنّ الإسراء برسول الله ﷺ لم يخالف في وقوعه أحدٌ من المسلمين) (٤)
стр. 351
ومُرتكَز هذا الإجماع: القرآن، والسنّة. فقد نصّ الله على الإسراء في آيتين من كتابه؛ قال جلّ وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ الإسراء. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ النجم.
وهاتان الآيتان نصّتا على الإسراء، وأشارت آيةُ النجم إلى المعراج؛ ولا يعني ذلك عدم وقوعه، فوقوعه بالمستند الآخَر للإجماع؛ وهو ما دلّت عليه السُّنّة من إثبات وقوع ذلك.
الأمر الثاني: أنه قد تواتر الخبرُ بذلك. وممّن نقل التواتر في ذلك:
١ - الإمام أبو الخطاب عمر بن دحية- ﵀ حيث قال: (تواترت الرِّوايات في حديث الإسراء .... ) ثم ساق أسماء الصحابة ﵃ الذين رووا هذا الحديث (١)
٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (أحاديثُ المعراج، وصعوده إلى ما فوقَ السَّموات، وفرض الرَّب عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات، والجنَة والنَّار، والملائكة والأَنبياء في السموات، والبيت المعمور، وسِدرة المُنتهى. وغير ذلك=معروفٌ متواترٌ في الأحاديث) (٢)
стр. 352
٣ - . الإمام الزرقاني (١) ﵀.
٤ - الكتّاني؛ حيث أودعَه كتابَه " نظم المتناثر " (٢)
الثالث: أنّه قد ينقدِح اعتراضٌ مُحصَّلُه:
كيف يُنقَل الإجماع على ثبوت الإسراء والمعراج، وأنّه من جُمَل عقائد أهل السنة؛ مع ثبوت المخالفة فيه من صحابة رسول الله ﷺ ، ومَنْ بعدَهم؟
فيقال: الإجماعُ متحقّق في إثبات الإسراء والمعراج، لذا وصْف بعض أهل العلم منكِرَه بـ"الإلحاد " كما تقدم عن ابن دحية.
فإن قيل: كيف يكون ما ذكرتَ؛ مع ما تقدّم إيرادُه من وقوع الاختلاف؟
فيقال: الجواب عن ذلك من وجوهٍ:
الأول: أن الخلاف الوارد في هذه المسألة ليس في أصل وقوع الإسراء والمعراج؛ بل في كيفيّته. وبرهان ذلك: أنك ترى أهلَ العلم حين سوقهم لقصة الإسراء والمعراج نجدهم يصدّرون حديثهم بذكر اختلاف السلف: في كون الإسراء وقع بجسده، أم بروحه (٣) وهذا غاية المروي عن عائشة <؛ إذا قالت: (ما فُقِد جسدُ رسول الله ﷺ ، ولكنّ الله أسرى بروحه) (٤)
стр. 353
وكلُّ مَن ذهب إلى أن الإسراء لم يكن بجسده ﷺ ؛ فإِنَّما كان اعتمادُه على هذا المحْكِيّ.
ولا شكّ أنّ هناك فرقًا بين القول بأن الإسراء كان بروحه، وبين الذهاب إلى أنّه كان منامًا، وفي تقرير هذا الفَرْقِ يقول الإمام ابن القيم: (فرقٌ بين الأمرين؛ فإن ما يراه النائم قد يكونُ أمثالًا مضروبةً للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرِج به إلى السماء، أو ذُهِب به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإِنَّما مَلَكُ الرُّؤيا ضَرَب له المثال.
والذين قالوا: عُرج برسول الله ﷺ طائفتان:
- طائفة قالت: عُرِج بروحه وبدنه.
- وطائفة قالت: عُرج بروحه، ولم يُفقَد بدنُه.
وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا، وإِنَّما أرادوا أن الروح ذاتَها أُسرِيَ بها وعُرج بها حقيقةً، وباشرتْ من جنس ما تُباشِر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة؛ في صعودها إلى السموات سماءً بعد سماءٍ، حتى تنتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله ... ومعلومٌ أنّ هذا أمرٌ فوق ما يراه النائم) (١)
وقد غَلِط الإمام محمد بن إسحاق ﵀ فظنّ أنّ في هذا المرويّ عن عائشة، وفيما رُوي عن معاوية أنه كان إذا سئل عن مَسْرى رسول الله ﷺ يقول: (كانت رؤيا من الله تعالى صادقةً) (٢) = ما يدلّ على أنّ الإِسراءَ كان منامًا. وممّا قوَّى ذلك عنده؛ ما جاء عن الحسن البصري ﵀ أَنَّه كان يرى أنَّ سببَ نزولِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا
стр. 354
جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هو الإسراء والمعراج. فجعل الرُّؤيا هنا رؤيا منام، ثم حمل قول عائشة، ومعاوية على ذلك؛ ولكنّه لمّا رأى الأحاديثَ ظاهرها إثباتُ مسراه ﷺ بجسده دعاه ذلك إلى التوقّف، فتراه يقول بعد أن نقَل المرويّ عن عائشة، ومعاوية ﵄: (فلم ينكر ذلك من قولهما؛ لقول الحسن: إن هذه الآيات نزلت في ذلك ... وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني - يقول: (تنام عيناي، وقلبي يقظان) والله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه، وعايَن فيه ما عايَن من أمْر الله؛ على أيّ حالَيْه كان: نائمًا، أو يقظان = كلّ ذلك حقٌّ وصِدْقٌ) (١)
فتأمّلْ في أنّ ما جَنَح إليه ابن إسحاق ﵀ لم يكن مؤسَّسًا على إحالة عقلية لحادثة الإسراء والمعراج؛ كما هو صنيع المخالفين، وأنّ ما ذهب إليه لا يُشكِل على الإجماع المنعقد؛ ذلك أنّه توقَّف، ولم يجزم بأي الحالين كان منه ﷺ ؛ فهو لا يحيل وقوعَ الإسراء بجسده ﷺ ، ولا يجزم به في الوقت نفسه. والتوقُّف غير الجزم - بلاشكّ -. هذا أمرٌ.
والأمر الآخر: أنّه وإنْ جَزَم بأنّ الإسراء لم يكن بجسده؛ بل كان منامًا؛ اعتمادًا منه إلى الروايتين اللتين نقلهما عن عائشة، وعن معاوية بن أبي سفيان ﵃ = فإنّ جَزْمَهُ لا يقدحُ في الإجماع؛ ذلك لكون مخالفته حادثةً بعد انعقاد الإجماع؛ فهو محجوجٌ به.
فإن قيل: كيف يصحّ ما قرّرته من انعقاد الإجماع، مع وقوع المخالفة من عائشة، ومعاوية - ﴿-، وهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم في طبقة التابعين؛ مثل: الحسن البصري؟
فيُقال: هذا ما أرجأتُ الحديثَ عنه؛ ليتبيّن أنّه لا يوجد أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا المتقدّمين فيما بلغ إليه علمي= خالَف في
стр. 355
أصل وقوع الإسراء والمعراج، و الأمّة في سالف زمانها ما كانت تعرف غيرَ ذلك. كلُّ ما في الأمر هو توقُّف ابن إسحاق ﵀ في المسألة، مع عدم امتناع ذلك عنده؛ بل قد يقال إن ظاهر صنيعه؛ الميل إلى إثبات كون الإسراء بجسده أكثر من كونه منامًا منه ﷺ ذلك أنّه قدّم الروايات الدالّة على ذلك قبل روايته عن عائشة وعن معاوية - ﴿-، ثم عن الحسن البصري ﵀.
وأمّا ما رُوِي عن عائشة <، أنها قالت: (ما فُقِد جسدُ رسول الله ﷺ ، ولكن أسرى اللهُ بروحه)
فيقال: هذا الأثر لا يصحّ عنها؛ وذلك لأمور:
الأول: أن ابن إسحاق لا يُحتَجُّ بحديثه؛ إلا إذا صرّح بالتحديث، وكان سندُه متّصلًا (١) . وفي هذا الموطن ترى أن ابن إسحاق يحدّث عن رجل من آل أبي بكر؛ ففي هذا الإسناد علّتان:
الأولى: الانقطاع.
الثانية: وجودُ راوٍ مجهول؛ وقد نصّ على ذلك الأئمة. فقد نفوا صحة هذا الأثر، ومن أولئك: الإِمام ابن عبدالبر ﵀ حيث قال: (وإنكْارُ عائشةَ < الإِسراء بجَسَده لا يصِحُّ عنها ولا يثبت قولها: ما فُقِدَ جسد رسول الله ﷺ .. ) (٢) وكذلك أبو الخطاب بن دحية الكلبي (٣)، والقاضي عياض (٤)، و الزرقاني. (٥)