ومُرتكَز هذا الإجماع: القرآن، والسنّة. فقد نصّ الله على الإسراء في آيتين من كتابه؛ قال جلّ وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ الإسراء. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾ النجم.
وهاتان الآيتان نصّتا على الإسراء، وأشارت آيةُ النجم إلى المعراج؛ ولا يعني ذلك عدم وقوعه، فوقوعه بالمستند الآخَر للإجماع؛ وهو ما دلّت عليه السُّنّة من إثبات وقوع ذلك.
الأمر الثاني: أنه قد تواتر الخبرُ بذلك. وممّن نقل التواتر في ذلك:
١ - الإمام أبو الخطاب عمر بن دحية- ﵀ حيث قال: (تواترت الرِّوايات في حديث الإسراء .... ) ثم ساق أسماء الصحابة ﵃ الذين رووا هذا الحديث (١)
٢ - شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: (أحاديثُ المعراج، وصعوده إلى ما فوقَ السَّموات، وفرض الرَّب عليه الصلوات الخمس حينئذ، ورؤيته لما رآه من الآيات، والجنَة والنَّار، والملائكة والأَنبياء في السموات، والبيت المعمور، وسِدرة المُنتهى. وغير ذلك=معروفٌ متواترٌ في الأحاديث) (٢)
стр. 352
٣ - . الإمام الزرقاني (١) ﵀.
٤ - الكتّاني؛ حيث أودعَه كتابَه " نظم المتناثر " (٢)
الثالث: أنّه قد ينقدِح اعتراضٌ مُحصَّلُه:
كيف يُنقَل الإجماع على ثبوت الإسراء والمعراج، وأنّه من جُمَل عقائد أهل السنة؛ مع ثبوت المخالفة فيه من صحابة رسول الله ﷺ ، ومَنْ بعدَهم؟
فيقال: الإجماعُ متحقّق في إثبات الإسراء والمعراج، لذا وصْف بعض أهل العلم منكِرَه بـ"الإلحاد " كما تقدم عن ابن دحية.
فإن قيل: كيف يكون ما ذكرتَ؛ مع ما تقدّم إيرادُه من وقوع الاختلاف؟
فيقال: الجواب عن ذلك من وجوهٍ:
الأول: أن الخلاف الوارد في هذه المسألة ليس في أصل وقوع الإسراء والمعراج؛ بل في كيفيّته. وبرهان ذلك: أنك ترى أهلَ العلم حين سوقهم لقصة الإسراء والمعراج نجدهم يصدّرون حديثهم بذكر اختلاف السلف: في كون الإسراء وقع بجسده، أم بروحه (٣) وهذا غاية المروي عن عائشة <؛ إذا قالت: (ما فُقِد جسدُ رسول الله ﷺ ، ولكنّ الله أسرى بروحه) (٤)
стр. 353
وكلُّ مَن ذهب إلى أن الإسراء لم يكن بجسده ﷺ ؛ فإِنَّما كان اعتمادُه على هذا المحْكِيّ.
ولا شكّ أنّ هناك فرقًا بين القول بأن الإسراء كان بروحه، وبين الذهاب إلى أنّه كان منامًا، وفي تقرير هذا الفَرْقِ يقول الإمام ابن القيم: (فرقٌ بين الأمرين؛ فإن ما يراه النائم قد يكونُ أمثالًا مضروبةً للمعلوم في الصورة المحسوسة، فيرى كأنه قد عُرِج به إلى السماء، أو ذُهِب به إلى مكة وأقطار الأرض، وروحه لم تصعد ولم تذهب، وإِنَّما مَلَكُ الرُّؤيا ضَرَب له المثال.
والذين قالوا: عُرج برسول الله ﷺ طائفتان:
- طائفة قالت: عُرِج بروحه وبدنه.
- وطائفة قالت: عُرج بروحه، ولم يُفقَد بدنُه.
وهؤلاء لم يريدوا أن المعراج كان منامًا، وإِنَّما أرادوا أن الروح ذاتَها أُسرِيَ بها وعُرج بها حقيقةً، وباشرتْ من جنس ما تُباشِر بعد المفارقة، وكان حالها في ذلك كحالها بعد المفارقة؛ في صعودها إلى السموات سماءً بعد سماءٍ، حتى تنتهي بها إلى السماء السابعة، فتقف بين يدي الله ... ومعلومٌ أنّ هذا أمرٌ فوق ما يراه النائم) (١)
وقد غَلِط الإمام محمد بن إسحاق ﵀ فظنّ أنّ في هذا المرويّ عن عائشة، وفيما رُوي عن معاوية أنه كان إذا سئل عن مَسْرى رسول الله ﷺ يقول: (كانت رؤيا من الله تعالى صادقةً) (٢) = ما يدلّ على أنّ الإِسراءَ كان منامًا. وممّا قوَّى ذلك عنده؛ ما جاء عن الحسن البصري ﵀ أَنَّه كان يرى أنَّ سببَ نزولِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا
стр. 354
جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هو الإسراء والمعراج. فجعل الرُّؤيا هنا رؤيا منام، ثم حمل قول عائشة، ومعاوية على ذلك؛ ولكنّه لمّا رأى الأحاديثَ ظاهرها إثباتُ مسراه ﷺ بجسده دعاه ذلك إلى التوقّف، فتراه يقول بعد أن نقَل المرويّ عن عائشة، ومعاوية ﵄: (فلم ينكر ذلك من قولهما؛ لقول الحسن: إن هذه الآيات نزلت في ذلك ... وكان رسول الله ﷺ فيما بلغني - يقول: (تنام عيناي، وقلبي يقظان) والله أعلم أيّ ذلك كان قد جاءه، وعايَن فيه ما عايَن من أمْر الله؛ على أيّ حالَيْه كان: نائمًا، أو يقظان = كلّ ذلك حقٌّ وصِدْقٌ) (١)
فتأمّلْ في أنّ ما جَنَح إليه ابن إسحاق ﵀ لم يكن مؤسَّسًا على إحالة عقلية لحادثة الإسراء والمعراج؛ كما هو صنيع المخالفين، وأنّ ما ذهب إليه لا يُشكِل على الإجماع المنعقد؛ ذلك أنّه توقَّف، ولم يجزم بأي الحالين كان منه ﷺ ؛ فهو لا يحيل وقوعَ الإسراء بجسده ﷺ ، ولا يجزم به في الوقت نفسه. والتوقُّف غير الجزم - بلاشكّ -. هذا أمرٌ.
والأمر الآخر: أنّه وإنْ جَزَم بأنّ الإسراء لم يكن بجسده؛ بل كان منامًا؛ اعتمادًا منه إلى الروايتين اللتين نقلهما عن عائشة، وعن معاوية بن أبي سفيان ﵃ = فإنّ جَزْمَهُ لا يقدحُ في الإجماع؛ ذلك لكون مخالفته حادثةً بعد انعقاد الإجماع؛ فهو محجوجٌ به.
فإن قيل: كيف يصحّ ما قرّرته من انعقاد الإجماع، مع وقوع المخالفة من عائشة، ومعاوية - ﴿-، وهما من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم في طبقة التابعين؛ مثل: الحسن البصري؟
فيُقال: هذا ما أرجأتُ الحديثَ عنه؛ ليتبيّن أنّه لا يوجد أحدٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا المتقدّمين فيما بلغ إليه علمي= خالَف في
стр. 355
أصل وقوع الإسراء والمعراج، و الأمّة في سالف زمانها ما كانت تعرف غيرَ ذلك. كلُّ ما في الأمر هو توقُّف ابن إسحاق ﵀ في المسألة، مع عدم امتناع ذلك عنده؛ بل قد يقال إن ظاهر صنيعه؛ الميل إلى إثبات كون الإسراء بجسده أكثر من كونه منامًا منه ﷺ ذلك أنّه قدّم الروايات الدالّة على ذلك قبل روايته عن عائشة وعن معاوية - ﴿-، ثم عن الحسن البصري ﵀.
وأمّا ما رُوِي عن عائشة <، أنها قالت: (ما فُقِد جسدُ رسول الله ﷺ ، ولكن أسرى اللهُ بروحه)
فيقال: هذا الأثر لا يصحّ عنها؛ وذلك لأمور:
الأول: أن ابن إسحاق لا يُحتَجُّ بحديثه؛ إلا إذا صرّح بالتحديث، وكان سندُه متّصلًا (١) . وفي هذا الموطن ترى أن ابن إسحاق يحدّث عن رجل من آل أبي بكر؛ ففي هذا الإسناد علّتان:
الأولى: الانقطاع.
الثانية: وجودُ راوٍ مجهول؛ وقد نصّ على ذلك الأئمة. فقد نفوا صحة هذا الأثر، ومن أولئك: الإِمام ابن عبدالبر ﵀ حيث قال: (وإنكْارُ عائشةَ < الإِسراء بجَسَده لا يصِحُّ عنها ولا يثبت قولها: ما فُقِدَ جسد رسول الله ﷺ .. ) (٢) وكذلك أبو الخطاب بن دحية الكلبي (٣)، والقاضي عياض (٤)، و الزرقاني. (٥)
стр. 356
الثاني: إن مما يدل على وَهَن هذه الرواية = أنّ عائشة - < - لم تحدّث به عن مشاهدةٍ؛ لأنها لم تكن زوجًا له ﷺ في ذلك الوقت؛ لذا قال الإمام أبو الخطاب بن دحية: (لم يَبنِ بعائشةَ رسولُ الله ﷺ بإجماع من جميع الطوائف إلَاّ بالمدينة تزوجها بمكة، وهي بنت ست سنين، وفي رواية بنت تسع سنين، والإسراء كان في أول الإسلام) (١) فتكون بذلك قد حدّثت به عن غيرها = فحينئذٍ فإنّ العدول عن روايتها التي حدّثت بها عن غيرها إلى خبر غيرها المؤيّد بالمشاهدة - كما نصّت على ذلك أمّ هانئ ﵂ هو المتوجّب في هذا المقام (٢).
الثالث: أن مما يدل على سقوط هذه الرواية عن أم المؤمنين عائشة ﵂: هو أنّه قد ثبت أن عائشة تنكر أن يكون النبي ﷺ رأى ربّه (٣). ومن المعلوم أن إنكار رؤية النبي ﷺ ربَّه عيانًا فرعٌ عن إثباتها لتحقّق الإسراء بجسده ﷺ ، وإلَّا لو كان الإسراء منامًا = لم تُنكِرْها (٤). هذا من جهة ما يتعلّق بالخبر المرويّ عن أم المؤمنين عائشة ﵂.
وأما ما يتعلّق بالخبر المرويّ عن معاوية ﵁ فهو أيضًا لم يصحّ؛ ذلك أن ابن إسحاق يرويه عن " يعقوب بن عتبة "، وهو وإن كان قد وثّقه بعض أهل العلم (٥)؛ إلا إن علة الحديث المقتضية لعدم قبوله = أن " يعقوب " يرويه عن معاوية ﵁ ويعقوب لم يدركْ أحدًا من صحابة
стр. 357
رسول الله ﷺ (١)، فيكون بذلك منقطعًا. فهذه الرواية إذًا ليست بثابتة عن معاوية ﵁، فلا يُعوَّل عليها.
وأمّا استنادُه - أي: ابن إسحاق - إلى تفسير الحسن البصري لتعضيد المروي عن عائشة ومعاوية - ﴿- فعملٌ غيرُ سديدٍ؛ لأمور:
الأمر الأول: أنّ الأصل أن يكون قول المتقدم عاضدًا ومقوّيًا لترجيح المتأخّر، لا العكس؛ فاعتضادُه بقول الحسن لتعضيد ما ذهب إليه كلٌّ من عائشة ومعاوية - ﴿- خلاف ما درج عليه أهل العلم؛ لأنه لا شك أن قول التابعي هو الذي يفتقر إلى ما يقوّيه؛ لا أن الصحابي يفتقر إلى قول التابعيّ؛ لأنه من المعلوم بداهةً فضل المتقدم على المتأخر جملةً؛ مع كون المتقدم هنا صحابة رسول الله ﷺ الذين هم أعلم بأحوال النبي ﷺ ممّن جاء بعدهم.
الأمر الثاني: أنّه على فرْضِ صحّة الأول؛ وهو تعضيد ما ذهب إليه المتقدم بقول المتأخر = فإن الاعتضاد هنا لا يتأتَّى؛ لِمَا تقدّم ذِكْرُه من ضعْف المرويّ عن عائشة ومعاوية - ﴿- فيؤول الأمر إلى البحث عمَّا يجبر تفسير الحسن البصريُّ للآية = ولا يوجَد.
كلّ ما سبق هو على جهة التسليم بأن مقصود الحسن البصري ﵀ من أنّ معنى الرُّؤيا الواقعة في الآية هي الرُّؤيا الحلمية المنامية؛ وهذا ما تبادر إلى ذهن الإمام ابن إسحاق ﵀؛ لكن يقال: إن الرُّؤيا هنا مُجمَلة؛ لأنها تأتي بأحد معنيين:
المعنى الأول: الرُّؤيا المنامية.
والمعنى الثاني: الرُّؤيا البصرية.
стр. 358
فحَمْل قول الحسن البصريّ على الثاني هو المتوجّه في هذا المقام؛ لأمور:
الأول: أنَّه قد نسب إليه ابن الجوزي ﵀ تقييده الرُّؤيا بالبصريَّة (١)، فحينئذ يُفَسَّر الإطلاق من خلال هذا القيد.
الثاني: أنّ اللائق به ﵀ عدمُ خَرْقه للإجماع؛ فمن غير المعقول ذهابُه إلى مخالفة ما استقر عند الجيل الأول ﵃، وقد تقدّم أنه لا يُعرَف عنهم خلافُ ذلك.
الثالث: أن "الرُّؤيا" بهذا المعنى معهودةٌ في اللسان ليست مستنكَرة؛ ومن ذلك قول الراعي:
فكبَّر للرؤيا وهشَّ فؤادُه ... وبشَّرَ نفسًا كان قبلُ يلومُها (٢)
وهو يعني: رؤية صائدٍ بعينه.
وقول أبي الطيب المتنبي:
* رؤياكَ أحلى في العيونِ من الغَمْضِ (٣) *
قال ابن الأنباري: (المُختارُ في هذه الرؤية أن تكون يقظةً، ولا فَرْقَ
стр. 359
بين أن يقول القائل: رأيتُ فُلانًا رؤيةً، ورأيته رؤيا، إلَاّ أنّ الرؤية يَقِلُّ استعمالها في المنام، والرُّؤيا يكثُر استعمالها في المنام، ويجوزُ كلُّ واحدٍ منهما في المعْنَيينِ) (١)
وقد ردّ الإمام محمد الأمين الشنقيطي ﵀ على مَن جعل (الرُّؤيا) في الآية السابقة بأنها رؤيا منام؛ فقال: (وزعَمَ بعضُ أهل العلم: أن المراد بالرُّؤيا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ رؤيا منام ... والحقّ الأوّل) (٢)
فإن قيل: قد خالف في ذلك بعض أئمة اللغة (٣)، وغلَّطوا أبا الطيب المتنبي في استعماله " الرُّؤيا " - بالألف - للرؤية البصرية، وعدّوا ذلك لحنًا منه؛ معتلين في تخطئتهم بأنّ الرُّؤيا البصرية تكون (بالتاء) لا (بالألف)
فيقال: إنْ خطّأ بعضُهم ورودَه بهذا الاستعمال، فقد صحّحه البعضُ الآخر من أئمة اللغة؛ فإنه وإنْ كان المتنبي ليس ممن يُحتجُّ بشعره؛ لكونه من المولّدين (٤) فإنّه يشهدُ له لغةً كلامُ الراعي النّميري (٥)،
стр. 360
وهو عربي قُحٌّ من فحول " الإسلاميين " الذين يُعتَدُّ بشعرهم، ويُحتَجُّ به في الألفاظ والتراكيب، وإثبات القواعد (١)
وهَبْ أنّه لا يُحتجُّ بشعرَيْهما، ولا يوجد ما يدلُّ على هذا الاستعمال في اللسان؛ إلاّ أنه ليس هناك ما يُحوِج إلى بيان اللغة، وتطلُّب ذلك في شعر الشعراء، مع ثبوت تفسير هذه الآية وفهمها على الوجه الذي تقدم عن صحابة رسول الله ﷺ ؛ العرب الأقحاح، الذين هم من أعلم الناس بمواقع ألفاظ الكتاب العزيز. وبرهانُ ما ذُكِر: أنّه يُغنِينا عن شعر " الراعي " و " المتنبي "، وغيرهما: ما صحّ عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄: أنّه فسّر " الرُّؤيا " في الآية بأنها رؤيا عين. فقد أخرج البخاري عنه، أنه قال في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾؛ قال: هي رؤيا عين أُرِيها النبي ﷺ ليلةَ أُسرِي به .. ) (٢)
وقد أخرج ابن جرير بسنده زيادةً في قول ابن عباس؛ حيث قال: (هي رؤيا عين ... وليست رؤيا منام) (٣)
فتحصَّل من ذلك كله: أنّ ما ورد عن الحسن البصري ﵀ من إطلاقٍ؛ مُقيَّدٌ بما نسبه إليه ابن الجوزي، وأنه على تقدير عدم صحة النسبة، فإنه يُحمَل حينئذ على أحسن المحامل؛ بكونه أراد بالرُّؤيا " رؤيا العين " لا " المنام "، فإنْ لم يحمل على هذا الوجه، فلا أكثرَ من أن يُتوَقَّفَ في الجزمِ بأحد المرادين. والله أعلم.
وما سبق تقريره في معنى الرُّؤيا في الآية محمولٌ على أَنَّ الآية
стр. 361
سيقت لبيان مارآه النبي ﷺ ليلة المعراج، إلاّ ففي توجيه معنى الآية أَقاويل ذكرها أَهل العلم، لذا قال الإمام ابن عبدالبرِّ: (وأَمَّا قوله عزوجل: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ فمُخْتَلَفٌ في تأْويلِها اختلافًا كثيرًا يطولُ ذكره) (١)
ولمّا كان الأمر ما رأيتَ من ضعْف ما ارتكز عليه الإمام ابن إسحاق = كان ذلك مما دفع الإمام ابن جرير إلى التشنيع على ابن إسحاق في فهمه الذي ذهب إليه.
وأسوقُ كلامَه لمتانته وقوّته. قال ﵀ بعد أن ذكر قول ابن إسحاق: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أسرى بعبده محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ كما أخبر الله عباده، وكما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ أن الله حمله على البراق حين أتاه به، وصلَّى هنالك بمن صلى من الأنبياء والرسل، فأراه ما أراه من الآيات؛ ولا معنى لقول من قال: أُسرِي بروحه دون جسده؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن في ذلك ما يوجب أن يكون دليلا على نبوته، ولا حجة له على رسالته، ولا كان الذين أنكروا حقيقة ذلك من أهل الشرك، وكانوا يدفعون به عن صدقه فيه؛ إذ لم يكن مُنكَرا عندهم، ولا عند أحد من ذوي الفطرة الصحيحة من بني آدم = أن يرى الرائي منهم في المنام ما على مسيرة سنة، فكيف ما هو على مسيرة شهر أو أقل؟
وبعد؛ فإنَّ الله إِنَّما أخبر في كتابه أنه أسرى بعبده، ولم يخبرنا أنه أسرى بروح عبده؛ وليس جائزا لأحد أن يتعدَّى ما قال الله إلى غيره ... ولا دلالة تدل على أن مراد الله من قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أسرى بروح
стр. 362
عبده بل الأدلة الواضحة، والأخبار المتتابعة عن رسول الله ﷺ أن الله أسرى به على دابة يقال لها: البراق = ولو كان الإسراء بروحه لم تكن الروح محمولة على البراق؛ إذْ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام؛ إلَّا أن يقول قائل: إنَّ معنى قولنا: أسرى بروحه رأى في المنام أنه أسرى بجسده على البراق. فيكذِّبُ حينئذ بمعنى الأخبار التي رُوِيَت عن رسول الله ﷺ : أن جبرائيل حمله على البراق؛ لأن ذلك إذا كان منامًا على قول قائل هذا القول، ولم تكن الروح عنده مما تركب الدواب، ولم يحمل على البراق جسم النبي ﷺ لم يكن النبي ﷺ على قوله حُمِل على البراق؛ لا جسمه، ولا شيء منه، وصار الأمر عنده كبعض أحلام النائمين = وذلك دفع لظاهر التنزيل، وما تتابعت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وجاءت به الآثار عن الأئمَّة من الصَّحابة والتَّابعين) (١)
وسأُجْمِل ردَّه في الآتي:
الأول: أن الإسراء لو كان منامًا، أو بروحه؛ لما كان في هذه المعجزة والبرهان دلالة على صدق رسالته، ولا حجّة على نبوّته.
الثاني: أنه لو كان ذلك منامًا، أو بروحه؛ لَمَا أنكر المشركون حقيقة ذلك؛ إذ رؤية الرائي في المنام أنه يسير هذه المسافات في ليلة ليس بمستبعد عند ذوي الفِطَرِ الصحيحة.
الثالث: أن الله تعالى أخبر أنه أسرى ﴿بِعَبْدِهِ﴾. والعبد: مجموع (الروح والجسد) ولم يخبر أنه أسرى بروحه فقط. وقصر الإسراء على الروح تعدٍّ لما قاله اللهُ إلى غيره.
الرابع: أنّ مَن جعل الإسراء بالروح فقط؛ فقد خالَف ظاهر
стр. 363
القرآن، وما استفاضت به الأخبار عن رسول الله ﷺ ، وما جاءت به الآثار عن الصحابة والتابعين.
ومن الأوجه الدالّة على فساد قول من قال: إن الإسراء وقع لروحه ﷺ ، أو منامًا؛ ممّا يمكن إضافته لما ذكره الإمام ابن جرير ﵀ ما يلي:
• أن الله ﷻ قدّم " التسبيح " قبل سَوْق خبر الإسراء؛ فقال ﵎: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ... الآية. والتسبيح إِنَّما يكون عند الأمور العظام، ولو كان منامًا لم يكن مُستعظَمًا؛ فيكون التسبيح بلا معنى؛ وهذا غير جائز. (١)
• أَنَّ اللهَ ﷻ أَثنى على نبيِّه ﷺ بما كان منه ليلة الإسراء بما كان منه ليلة " الإسراء "، فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ النجم. . والبصر من آلات الذات لا الروح؛ فلو كان الإسراء بالروح، أو منامًا = لبَطَلَ معنى الآية (٢).
وقد أُورِدَتْ على هذا الحديث عِدَّةُ اعتراضات عقليّة؛ تختلف باختلاف مَشارِب المُورِدين. ومُحصَّل هذه الشُّبهات يؤول إلى إحالة هؤلاء المعترضين لما تضمّنه الحديث، ومَناطُ إحالتِهم؛ خروجُ حادثة " الإسراء والمعراج " عن مقتضى العادة، وعدم مباشرة الحسِّ لها فالتبس عليهم الأمرُ، فظنّوا أنّ ذلك يستوجبُ إحالة العقل لهذا الحديث، فلا يمكن على مقتضى ذلك التسليمُ بهذه الآية التي أكرم الله ﷻ نبيَّه ﷺ بها، فزلّتْ بهم أقدامُهم إلى هاويتين:
الهاويةُ الأولى: ردُّ الحديث، وتطلُّبُ العِلَل الواهية التي لا تقوى على إبطال حقيقة ما دلّت عليه هذه الآية العظيمة.
стр. 364
ومَن ألطَفَ النظرَ فيما انطوت عليه هذه الطعون تحصَّل لديه أنها لا تصدُر إلاّ مِمّن يَشكُّ في قدرة الخالق على خَرْقِ سنن الكون، لا ممّن يؤمن بالله تعالى، وبكمال قُدرته.
الهاوية الثانية: تأويل الحديث؛ تأويلًا يُخرِجُه عن حقيقته التي فهمها الجيل الأوّل - رضوان الله عليهم -. هذا التأويل لم يكن في دَرَكةٍ واحدةٍ؛ بل تفاوتت درَكَاتُه بحسب ما ارتآه كل فرد من أفراد المؤولين.
أمّا تأويل الحديث: فقد استرْوَح إليه عددٌ من المتأخرين.
ومن أولئك: [العلامة " شاه الدهلوي " (١) ﵀؛ حيث فسّر حديث الإسراء تفسيرًا يخالف ظاهره، ويؤول به إلى موافقة بعض الفلاسفة القائلين بـ "عالَم المُثُل "؛ فقال: (وأُسرِي به إلى المسجد الأقصى، ثم إلى سدرة المنتهى، وإلى ما شاء الله، وكلّ ذلك بجسده في اليقَظَة (٢)، ولكنّ ذلك في موطنٍ هو برزَخٌ بين المثال والشهادة، جامعٌ لأحكامها، فظهر على الجسد أحكام الروح، وتتمثّل الرّوح والمعاني الروحية أجسادًا؛ ولذلك بأن لكلّ واقعة من تلك الوقائع تعبيرًا. وقد ظهر لحزقيل، وموسى، وغيرهما ﵉ نحوٌ من تلك الوقائع، وكذلك لأولياء الأمة؛ ليكون علوّ درجاتهم عند الله كحالهم في الرُّؤيا. والله أعلم .... وأَمَّا ركوبه على البراق فحقيقته: استواء نفسه النطفية على نسمته التي هي الكمال الحيواني، فاستوى راكبًا على البراق، كما غلبت نفسُه النطقية على البهيميّة، وتسلّطت عليها ... وأمّا ملاقاتُه مع الأنبياءِ - صلوات الله عليهم - ومفاخرته معهم فحقيقتها: اجتماعهم من حيث ارتباطهم بحظيرة القُدُس، وظهور ما اختصَّ به من بينهم من وجوه الكمال.
وأمّا رُقيُّه إلى السموات؛ سماءً بعد سماء؛ فحقيقته: الانسلاخ إلى مستوى الرحمن منزلةً بعد منزلة، ومعرفةُ حال الملائكة الموكّلة بها، ومَن لحق بهم من أفاضل البشر. والتدبير الذي أوحاه الله فيه، والاختصام الذي يحصل بين مَلَئها.
وأمّا بكاءُ موسى: فليس بجسدٍ، ولكنه مِثال لفَقْدِه عمومَ الدعوة، وبقاء كمالٍ لم يحصله مما هو في وجهه.
وأما سدرة المنتهى: فشجرةُ الكون، وترتّب بعضها على بعض، وانجماعها في تدبيرٍ واحدٍ؛ كانجماع الشجرة الغزية والنامية، ونحوهما. ولم تتمثّل حيوانًا؛ لأن التدبير الجملي الإجمالي الشبيه بالسياسة الكليّ أفرادُه؛ وإِنَّما أشبه الأشياء به الشجرة دون الحيوان، فإن الحيوان فيه قُوىً تفصيلية، والإرادة فيه أصرح من سنة الطبيعة ... وأمّا الأنوار التي غشيتها: فتدلّياتٌ إلهية، وتدبيراتٌ رحمانية، تلعْلعت في الشهادة؛ حيثما استعدّت لها.
وأمّا البيت المعمور؛ فحقيقته: التجلِّي الإلهي الذي يتوجه إليه سجداتُ البشر وتضرُّعاتُها؛ يتمثّل مبيّنا على حَذْو ما عندهم من الكعبة وبيت المقدس ...
وأُمِر بخمس صلواتٍ بلسانٍ متجوّز؛ لأنها خمسون باعتبار الثواب، ثم أوضح اللهُ مرادَه تدريجيًا؛ ليعلم أن الحرج مدفوع، وأن النعمةَ كاملةٌ. وتمثَّل هذا المعنى مستندًا إلى موسى ﵇ بأنه أكثر الأنبياء معالجةً للأمّة، ومعرفةً بسياستها ... ) (٣)] [*]
وأمّا محمد حسين هيكل فإنه أوَّلَ هذه الآية؛ بأنْ فسّرها تفسيرًا روحيًّا، لا يتحقق تحته أي وجود حقيقي لهذه المعجزة، فتراه يقول: ( ... ففي الإسراء والمعراج في حياة محمد الروحية معنىً سامٍ؛ غاية في السموّ، معنىً أكبر من هذا الذي يصوّرون، والذي قد يشوب بعضَه من خيال المتكلمين حظٌّ غيرُ قليل.
فهذا الروح: القُوى قد اجتمعت فيه ساعة الإسراء والمعراج وحدةُ هذا الوجود، بالغةً غايةَ كمالِها. لم يقف أمام ذهن محمد وروحه في تلك الساعات حجابٌ من الزمان، أو المكان، أو غيرهما من الحجب التي تجعل حكمنا نحن في الحياة نسبيًّا، محدودًا بحدود قوانا المُحِسّة، والمدبّرة، والعاقلة. تداعتْ في هذه الساعة كلُّ الحدود أمام بصيرته، واجتمع الكون كلُّه في روحه؛ فوعاه منذُ أزلِه إلى أبده، وصوّره في تطوّر وحدته إلى الكمال؛ عن طريق الخير، والفضل، والجمال، والحق؛ في مغالبتِها، وتغلُّبِها على الشرّ والنقص ... بفضلٍ من الله ومغفرة.
وليس بمستطيعٍ هذا السموَّ إلا قوة فوق قوة الطبائع الإنسانية. فإذا جاء بعد ذلك ممن اتبعوا محمدًا مَنْ عجِز عن متابعته في سموّ فكرته،
стр. 365
وقوة إحاطته بوحدة الكون؛ في كماله، وفي جهاده لبلوغ هذا الكمال = فلا عجب في ذلك، ولا عيب فيه) (١)
وبعد تحقيق القول في ثبوت إجماع السلف على وقوع الإسراء والمعراج بجسده ﷺ ، وبيان موقف المخالفين من هذه الآية= لم يبق إلاّ قطع سُوْق الشبهات بسَوْق البراهين، فدونك بيان ذلك في الصفحات التالية.
стр. 366
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي على أحاديث الإسراء والمعراج .
تتلخّص هذه المعارضات في التالي:
الأول: أن الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ومِن ثَمّ العروج به إلى السماء؛ كلّ ذلك في ليلة واحدة =مما يحيله العقل؛ لأن العادة جَرَتْ أنّ هذه المسافات لا تُقطَع إلا في سنةٍ، أو أشهرٍ في أقلِّ تقدير.
الثاني: أنّ الجسم الكثيف يستحيل عليه صعودُه من الأرض إلى أعالي السماء.
الثالث: أنّه من المقرَّر فلكيًّا: أن الهواء يُفقَد بعد أميالٍ فوق الأرض؛ وعلى هذا فلا يتأتّى العيشُ لأحدٍ بعد انقطاع الهواء.
الرابع: أنّ إثبات الحديث يلزم منه إضافة الجهل لله تعالى؛ ذلك أنه جاء في الحديث: أن الله بعد أن فرض على نبيّه ﷺ خمسين صلاةً، لم يفقهْ استحالة أدائها على البشر إلا موسى ﵇ = وكأنّ الله لا يعلمُ بقُدرة عباده، ومدى تحمُّلِهم!
الخامس: أن في خبر عروجه ﷺ ما هو مخالِفٌ لمقتضى الضرورة العقلية؛ إذ كيف يصلّي بالأنبياء في بيت المقدس، ويكونون في الوقت نفسه في السماء، ويكون أيضًا موسى ﵇ يصلّي في قبره؟ (١)
فهذه جملة مما ولّده المخالفون من الاعتراضات لدفع صحّة هذا الحديث.
стр. 367
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارِض العقلي عن أحاديث الإسراء والمعراج:
• الجواب عن المعارض الأول: وهو زعمُهم: أن الإسراء بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، والعروجَ به؛ كلُّ ذلك في ليلة واحدةٍ مما يحيله العقل.
فيقال: فرْقٌ بين إحالة الحسّ لذلك؛ لعدم مباشرته له، وأن يكون ذلك من محارات العقل وبين أن يحيل العقل ذلك. فأمّا الأول؛ فنَعَم. وهذا مما اختَصَّ الله به أنبياءَه عليهم الصلاة والسلام؛ فإنّ حادثة الإسراء والمعراج ممّا خَصَّ الله به النبي ﷺ من دون سائر الأنبياء.
فخروجُها عن سنن الكون والعادة ظاهرٌ ولا شكّ فيه، والنبي ﷺ قد أقام حجته، ونصب براهين على صدقه في وقوع ذلك له؛ ذلك أنّه لمّا كذّبتْه قريشٌ، وسألوه عن أمرين يكشف بهما عن خبيئة صدقه؛ بأن طلبوا منه أن ينعت لهم بيت المقدس (١) فما كان من الصادق المصدوق إلاّ أن أجابهم عمّا سألوا، وأقام الدليلَ على صِدْقِه فيما أخبر به ممّا وقَع له.
فتحصَّل من ذلك: أنّ حادثة الإسراء والمعراج؛ وإن كانت خارجة عن مقدور الثقلين، خارقةً لما اعتادوه؛ ليتمَّ بها نَصْبُ الدلائل على نبوّته ﷺ إلاّ أنها ليست مخالفة لبدايه العقل ألبتّة، والوحي قد أثبتها. فالتكذيبُ بهذه الأحاديث؛ لكونها أثبتت وقوع الإسراء والمعراج في ليلةٍ واحدة = يؤول إلى الطعن في كمال قدرة الله تعالى، وفي الإيمان به؛ فإن هذا الاعتراض وما بعده من الاعتراضات لا تصدرُ إلاّ ممن لا يؤمن
стр. 368
بالله، أو ممن يشكّ في قدرة الله ﷻ . فمثل هؤلاء يكون الخطاب معهم في تثبيت هذا الأصل، فإذا ثبت ثبتَ ما بعده؛ فإنّ من عرفَ اللهَ حقّ المعرفة لا يصدر منه مثل ذلك.
ولن يتراخى بي القول إلى تقريب هذه المعجزة العظيمة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ بما استحدث من مخترعات حديثة؛ كان الناس يحيلون أن يقع مثلها؛ فإذا الذي كان بالأمس مُحالًا أصبح اليومَ أمرًا طبعيًّا لا غرابة فيه = أقول: لن يتراخى بي القولُ إلى هذا التقريب؛ لأنه لا يمكن المساواة بين هذه الآيات والبراهين الخارجة عن مقدور الثقلين، وبين ما لا يُعَدُّ كذلك؛ مما كان في وقتٍ من الأوقات مُحالًا، ثم أصبح لا غرابة فيه؛ لقصور العقل البشري عن الإدراك والإحاطة بكل شيءٍ جملةً واحدة. هذا مما ينبغي عقلُه وإدراكُه. فإن سلوك تقريب المعجزات والآيات إلى أذهان المنكرين؛ إلى حدّ تسويتها بما ليس بالغًا هذا المبلغ؛ مما يجري على وَفْق السنن والعادة = هو الضلال بعينه؛ فتأمّل.
فإنْ قيل: كَوْنُ حادثة الإسراء والمعراج ليست مخالِفةً لمناهج العقل وشرائطه؛ لا يقتضي أنّ كلّ ما كان كذلك أن يكون واقعًا حقًّا؛ فالعقل لا يحيل وجودَ جبلٍ من ذهب، أو بحرٍ من زئبق، لكن عدم الإحالة لا يلزم منه الوقوع.
فيقال: هذا حقٌّ ينطوي على مصائد للباطل؛ وتوضيح ذلك:
كَوْنُ كلّ ما لا يحيله العقل لا يلزم منه أن يكون واقعًا؛ هذا حقٌّ لا مرية فيه. ولكن؛ ما ليس بحقّ هنا نفْيُ الواقع لعدم استدلال الحِسّ عليه. فالحسُّ إن لم يستدلّ هنا على هذه المعجزة لعدم مباشرته لها؛ لا يعني انتفاء دليل تصحيحها، وإثباتها؛ فعدم الدليل ليس علمًا بالعدم؛ لأن جهة إثبات هذه الحادثة هو، إخبار الله عنها في كتابه، و تواتُر هذا الخبر عن رسول الله ﷺ ،، ومن المحال نَقلًا وعقلًا أن يقع هذا التواتر من الجهتين
стр. 369
اللّتين أَبَنْتُ عنهما؛ ثم يكون هذا الأمر كذبًا بخلاف الواقع، فهذا لا يكون أبدًا ألبتّة. ثم إن التمادي في إنكار هذه الآية؛ لعدم دلالة الحسّ عليها؛ يستلزم إنكار جميع المعجزات والآيات التي جرت للأنبياء السابقين؛ فانقلابُ العصا ثعبانًا تبلعُ ما تجده أمامها من الحبال والعصيّ، ثم تعود في الحال عصًا كما كانت، لا ريب أنّ ذلك من خوارق العادات. كذلك؛ خروج الناقة العظيمة من الجبل الأصمّ، ونتْق الجبل فيكون في الهواء؛ كلّ ذلك يلزم إنكارُه. ومُنكِرُ ذلك لا شكّ أنه فرَّ من مخالفة الضرورة الحسّيّة - في ظنّه - إلى إنكار ما هو مقتضى الضرورة النَّقليَّة والعقلية.
• الثاني: فأمّا احتجاجهم على ردّ هذه الآية بقولهم: إن الجسم الكثيف يستحيل صعوده من الأرض إلى أعالي السماء.
فيقال: هذا القول في غاية الضعف؛ لثبوت النَّقل بضدّه، وشهادة الحسّ له بعكس ذلك.
فأمّا النَّقل: فقد تواترت الأخبار في وقائع متعدّدة على إثبات ذلك، مثل: حَمْل الرِّيح لنبي الله سليمان ﵇ وهو جسم ثقيل على بساطٍ، ومعه أصحابه. وصعودُ عيسى ﵇ إلى السماء، ونزوله قبل قيام الساعة. كما قال ﷻ : ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)﴾ آل عمران.
وحَمْلُ عرْشِ بلقيس من اليمن إلى الشام في لحظة. قال الله تعالى حاكيًا قولَ سليمان ﵀: ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾ النمل.
стр. 370
فهذه الأخبار تدلّ دلالةً بيِّنةً على حدوث هذا الصعود لتلك الأجسام، وأنه أمر ممكن؛ فضلًا عن كونه واقعًا.
وأمّا شهادةُ الحِسّ لبعض ذلك: فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ عن رجالٍ في زمانه وقبل زمانه؛ كانوا يُحمَلون في الهواء من مكان إلى آخر، وأنّ هذه الأخبار بلغت مبلغ التواتُر (١) .
وفي هذه الأَزمان ما يُوطِّد ذلك فأنت ترى المَركبات الهوائيَّة كالطَّائرات وغيرها وهي أَجسامٌ كثيفة تسبح في الهواء، ممَّا ينقض دعوى الاستحالة.
فهاتان الضرورتان: السَّمعيَّة، والحسّيَّة؛ تشهدان بجواز ذلك. ثم؛ إنّ مَن ينكر صعود الأجسام الكثيفة في الهواء؛ يلزمه على ذلك إنكارُ نزول الأجسام اللطيفة في اللحظة من السماء إلى الأرض. فيكون نزول جبريل ﵇ من السماء إلى الأرض ممتنعًا؛ وهذا الإنكار يؤول إلى إنكار الشرائع، والطعن في النبوّة!.
يقول فخر الدين الرازي في تقرير ذلك: (إنه كما يُستبعَد في العقل (٢) صعود الكثيف من مركز العالَم إلى ما فوق العرش (٣)، فكذلك يُستبعَد نزول الجسم اللطيف الروحاني من فوق العرش إلى مركز العالَم؛ فإنْ كان القولُ بمعراج محمد ﷺ في الليلة الواحدة ممتنعًا في العقول = كان القول بنزول جبريل ﵊ من العرش إلى مكة في
стр. 371
اللحظة الواحدة ممتنعًا، ولو حكَمْنا بهذا الامتناع كان ذلك طعنًا في جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ... ) (١)
• الثالث: وأمّا زعمُهم أنّه من المقرَّر علميًّا: أنّ الهواء يُفقَد بعد أميال من فوق سطح الأرض وعلى هذا؛ فلا يمكن والحالة هذه أن يعيش أحدٌ.
فيقال: قد قُرِّر من قبلُ أنّ أمثال هذه الاعتراضات لا تصدرُ إلاّ ممن ينكِر وجود الله تعالى، أو ينكر كمال قُدرتِه؛ فمَن خلق الإنسان مفتقرًا إلى الهواء؛ قادرٌ على أن يجعله مستغنيًا عنه، والعقل لا يستعصي عليه تصوُّر ذلك، وإِنَّما لعدم مباشرة الحس لمثل ذلك تراه ينكر كلّ ما لا يقع في دائرة إدراكه = وهذا هو القصور بعينه.
فإذا كان الحسُّ نفسُه لم يقع له دَرْكُ ما حولَه من عالَم الشهادة؛ فكيف ينفي بعد ذلك ما هو خارجٌ عن مقتضى إدراكه؟!
• الرابع: أما قول القائل: إن إثبات أخبار الإسراء والمعراج يلزم منها تجويزُ الجهل على الله تعالى - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا - بما يقدِر عليه عبادُه، وما لا يقدرون ...
فالجواب عن ذلك: ليس في الحديث ما يستلزم ذلك أبدًا؛ فليس في الخمسين صلاة التي فرضها الله تعالى على عبده وخليله محمد ﷺ ما يكون في أدائها استحالة من جهة تعذّر قُدرة العباد على أدائها. وأمّا قول موسى ﵇ في الحديث: (إنّ أمتك لا يستطيعون ذلك، فارجعْ إلى ربّك فاسأله التخفيف لأمّتك) =فلا يُحقِّق مطلوبهم؛ ذلك أَنَّ نفْي الاستطاعة من موسى - ﵇ - لا يرادفُ الاستحالة بحال في هذا المقام، وإِنَّما مقصوده - ﵇ مشقّةُ ذلك على أمة محمد ﷺ . وبرهان ذلك: أنه أطلق
стр. 372
هذا اللفظ؛ حتى بعد صيرورة الصلاة من خمسين إلى خمس؛ فقال: (إن أمّتك لا تستطيع خمس صلواتٍ كلّ يوم)
قال العَلَّامَةُ المُعَلِّمي ﵀: (كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين؛ كما ثبت في الصحيح (١) فخمسون صلاةً مائة ركعة؛ وليس أداء مائة ركعة في اليوم والليلة بمستحيل، وفي النَّاس الآن من يُصلِّي نحو مائة ركعة، ومنهم من يزيدُ. وفي تراجم كثير من كبار المسلمين: أنّ منهم مَن كان يصلّي أكثر من ذلك بكثيرٍ (٢)؛ بل إن أداء مائة ركعة في اليوم والليلة ليس بعظيم المشقة في جانب الله من الحقِّ، وما عنده من عظيم الجزاء في الدنيا والآخرة ...
فأمّا الله تعالى فالفرضُ في علمه خمس صلوات فقط؛ ولكنّه سبحانه إذا أراد أن يرفع بعضَ عباده إلى مرتبةٍ هيّأَ له ما يستحق به المرتبة؛ ومن ذلك: أن يهيّئ ما يفهم منه العبدُ أن مكلّفٌ بعمل معيَّن شاقٍّ، فيقبَل التكليف، ويستعدّ لمحاولة الأداء فحينئذٍ يُعفِيهِ اللهُ تعالى من ذلك العمل، ويكتبُ له جزاءَ قبوله، ومحاولة الوفاء به، أو الاستعداد لذلك ثوابُ من عمله، ومن هذا القبيل قصة إبراهيم - ﵇ - في ذبح ابنه.
وأمّا محمد ﷺ فكان يعلم أنّ الأداء ممكِنٌ - كما مرّ -، وكان في ذلك المقام الكريم مستغرقًا في الخضوع والتسليم، ووفّقه الله لقبول ما فهمه في فرْض خمسين، والاستعداد لأدائها؛ ليكون هذا القبول والاستعداد مقتضيًا لاستحقاق ما أراد الله أن يعطيَه وأمّته من ثواب خمسين صلاة ...
стр. 373
فأمّا المراجعة للتخفيف بعد مشورة موسى ﵀ = فإِنَّما كانت بعد أن استقرّ القبول والعزمُ على الأداء، وعلى وجه الرّجاء؛ إنْ خفّف به فذاك، وإلاّ فالقبول والاستعداد بحاله.
ولم يذكر في الحديث أنّ أحدًا من الرسل اطّلع على فرض الصلاة، وإِنَّما فيه: أنّه لمّا مر محمد بموسى ﵉ سأله موسى، فأخبره .. واختُصَّ موسى بالعناية؛ لأنه أقرب الرسل حالًا إلى محمد ﷺ ؛ لأن كُلًا منهما رسول مُنَزَّلٌ عليه كتابٌ تشريعيٌّ سائسٌ لأمة أريد لها البقاء، لا أنْ تُصْطَلَم بالعذاب) (١)
فتقرّر بذلك انتفاءُ هذا اللازم عمّن يثبِت أخبارَ الإسراء والمعراج؛ لشمول علم الله تعالى، ومعرفته بأحوال عباده، وما يصلحهم. ولكنّ الباري ﷻ أراد أن يُظهِر فضيلة محمد ﷺ في خضوعه وتسليمه، وفضيلة موسى ﵀؛ بأن جعله سببًا للتخفيف عن هذه الأمة، مع إبراز عظيم رحمته بهذه الأمة، ومع ما في هذه المراجعة من كريم المناجاة بين الله تعالى ونبيه ﷺ .
• الخامس: وأمّا قول القائل: أنّ في ثبوت هذا الخبر ما يستلزم التناقضَ؛ إذْ كيف يرى النبي ﷺ الأنبياء في بيت المقدس، ويصلي بهم، ثم يكون في الوقت ذاته في السماء؟ وكيف يكون موسى ﵇ في السماء السادسة، ويراه في الوقت نفسه في قبره يصلّي؟
فيقال: ليس هناك تناقضٌ ألبتّة؛ ذلك أنه ﷺ حينما أُسرِي به إلى بيت المقدس، وأَمَّ الأنبياءَ عليهم الصلاة والسلام؛ وهو ظاهر رواية ثابت البناني عن أنس ﵁، وهو ما اختاره الحافظ ابن حجر
стр. 374
العسقلاني (١) ﵀. ومن المعلوم أن وقت صلاته بهم لم يكن هو ذاتُه وقت رؤيته لهم في السماء؛ حينما عُرِج به. وشرط التناقُض: وحدة الزمان؛ وهذا غير متحقق هنا.
وفي بيان انتفاء التناقض يقول الإمام عقيل القضاعي ﵀ مُعقِّبًا على الإمام الحُميدي في قوله عما حصل من رؤيته ﷺ لإخوانه الأنبياء في مواطن مختلفة: (ومن المحال أَن يكونوا في مكانين مختلفين في وقت واحد) قال الإمام القضاعي: (وقول الحميدي ... قول صحيح في نفْسه، معلومٌ ببديهة العقل ... إن كونهم [أَي الأنبياء] تلك الّليلة في السَّماوات إِنَّما كان بسبب عروج النبي ﷺ إلى السَّماوات، فيكون كونهم هنالك ككونهم ببيت المقدس، وككون موسى في قبره يُصلِّي، ثم ينتقلون من ذلك الموضع إلى حيثُ شاء الله من الجنَّة، أو من غيرها.
ويجوز أن يكون ذلك موضعهم في الغالب، ولا نقول إنَّه موضعهم على الدَّوامِ بسبب كونهم ببيت المقدس تلك الَّليلة، وكما جاز في تلك الليلة يجوز في غيرها =وعلى الجُملة فالدُّخولُ في مثل هذه المضايق لا ينبغي لعاقِلٍ، فإنَّها مغيَّبة عنّا، وإِنَّما نتكلّم فيها بِحَسَبِ ما فهمناه من الشَّريعة .. ) (٢)
وقد اختلف أهل العلم ﵏ في رؤيته ﷺ للأنبياء: هل
стр. 375
كانت رؤية لأشخاصهم وأبدانهم؟ أم كانت رؤيتُه لأرواحِهم فحسب؟ يُستثنى من هذا ... عيسى ﵇.
فالأوَّل: قال به جماعة من أَهل العلم، وهو ظاهر اختيار الإمام ... البيهقي (١) ﵀ وغيره.
والثاني؛ هو اختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (٢). وقد بَسَط أَدلّةَ هذا القول تلميذهُ الإِمام ابن قيمٍ الجوزية (٣).
وقد حكى الإمام ابن رجب الحنبلي القولين، ولم يرجّح (٤).
فعلى القول الثَّاني: تكون رؤية النبي ﷺ لموسى - ﵇ وهو يصلي في قبره رؤيةً لجسده، ورؤيتُه في بيت المقدس وفي السماء رؤية لروحه.
فإن قيل: كيف يصلي في قبره وهو ميت، وروحه في السماء؟
فيقال: أجاب الإمام ابنُ تيميّة عن ذلك بقوله: (وأَمَّا كونُه رأى موسى قائمًا يُصلِّي في قبره، ورآه في السَّماء أَيضًا فلا منافاة بينهما؛ فإنَّ أمرَ الأَرواحِ من جِنس أَمر الملائكة. في اللَّحظة الواحدة تصعدُ وتهبِطُ كَالمَلَكِ، ليست في ذلك كالبَدَنِ) (٥)
فللرُّوح تعلُّقٌ بالبدن بعد الموت، وإشرافٌ عليه. فكما أن النبي ﷺ جسده في قبره مدفون، وروحه في الرفيق الأعلى؛ إلا أن الله يردّ روحه إلى جسده ليردّ السلام على من سلّم عليه من أمته. قال ﵊: (ما من أحدٍ يسلّم عليّ إلّا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ ﵇ (٦)
стр. 376
ولِعالَم الأرواح خصوصية تختلف عن شأن البدن، ومن امترى في ذلك فقد خالف الضرورة التي يجدها الإنسان من نفسه. فأنت تجدُ من روحك تآلُفًا وتناسُبًا لبعض الأرواح؛ حتى لكأنها في غاية القُرب والتجاوُر؛ مع بُعْدِ ما بين جسدَيْكما، وتنائي ما بين شخصيكما. والعكس بالعكس؛ فتجد الروحين المتنافرتين المتباغضتين؛ بينهما غاية البُعد؛ وإن كانت الأجسادُ متجاورةً. (١)
قال ابن قيم الجوزية ﵀: (ومن كَثُف إدراكُه، وغلُظتْ طباعُه عن إدراك هذا = فلْينظُرْ إلى الشمس في عُلُوِّ محلّها، وتعلُّقِها، وتأثيرها في الأرض، وحياة النبات والحيوان بها. هذا؛ وشأن الروح فوق هذا؛ فلها شأنٌ، وللأبدانِ شأنٌ. وهذه النار تكون في محلّها، وحرارتُها تؤثر في الجسم البعيدِ عنها؛ مع أن الارتباط والتعلُّق بين الروح والبدن أقوى وأكمل من ذلك، وأتمّ. فشأن الروح أعلى من ذلك وألطف) (٢)
- نقضُ تأويل الحديث:
وأمَّا [تأويل الشيخ وليّ الدين الدهلوي فلا مسوّغ له؛ إِذ التأويل فرع الاستحالة. والقطْعُ بامتناع تَعارُض ما هو من شرائط العقولِ مع ما صحّ من المنقول في هذه الأخبار؛ هو المتقرّر، ولا محيص عنه. والتنصُّل من ذلك بمجرّد طروء الاحتمالات الوهمية التي تتولّد في الذهن ليس من مَيَاسِم أهل التحقيق. وقد قال الغزالي ﵀: (وأمّا الاحتمال الذي لا يعضُدُه دليل = فلا يخرج اللفظ عن كونه نصًّا) (٣) والتنصيص مستفادٌ من ألفاظ القرآن الكريم، ومن استفاضة الخبر عن رسول الله ﷺ استفاضةً تقطع كلّ احتمال.
ثم؛ إنه - فيما يظهر؛ - أراد الفرارَ عمّا أشكلَ عليه في هذا الحديث بالتأويل فوقع في مزالق أعظم مما فرّ منه؛ ذلك أنه فسّر الإسراء - كما سبق نقل كلامه - بِرَدِّ معاني الأحاديث إلى " عالَم المِثال ". ويكفي أن نعلم أنّ " عالَم المثال " لا يوجَد إلّا في الأذهان، وليس له تحقُّقٌ في الواقع. فحَمْلُ كلام المصطفى ﷺ على هذا الضرب من التفسير = عبَثٌ لا شكّ في ذلك.
ثُمّ؛ إن المعاني التي ذكرها على ما فيها من الركاكة = غير معهودة في لسان الجيل الأوّل. ولو كان الأمر غير ذلك لحملت لنا دواوينُ أهل العلم أقاويلَهم الموافقة لما ذهب إليه الدهلوي؛ لكنّ كلّ ذلك لم يكن؛ فعُلِم فسادُ هذا التأويل، وعدم صحّتِه.
وما تقدّم ذِكرُه يحيطُ أيضًا بـ] [*]ـتأويل " محمد حسين هيكل " الذي أوَّل أحاديث الإسراء
стр. 377
والمعراج بوحدة الكون في نفسه ﷺ !! وهذا - كما ترى - مبنيٌّ على ضِيْقِ عَطَنِ هؤلاء، وتقَزُّمِ أفهامهم عن قبول ما دلّت عليه هذه المعجزة العظيمة الحاصلة للنبي ﷺ .
فالحديثُ دالٌّ على حصول الإسراء به ﷺ من مكان إلى مكان، وتتحقّقُ معاينتُه لما كشف الله تعالى له في تلك الليلة؛ إكرامًا. فلو كان الأمر لا يعدو سوى وحدة الكون في نفسه، فيقال له: فلِمَ بادرَ المشركون إلى ردِّ ما قال ﵊؟ ولِمَ استفهموه عن بعض ما يحقِّقُ صِدْقَه عندَهم؟ ولِمَ ارتدَّ بعضُ ضَعَفَةِ الإيمان حين سمعوا خبر هذا المسرى؟ أفيكون ذلك لتوحُّد الكون في نفسه؟! هذا لا يقوله مَنْ له أدنى مسكة عقل!.
стр. 378
المبحث الرابع دفع دعوى المعارض العقلي عن حادثة (سوخ قدمي فرس سراقة بن مالك ﵁ -)
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سَوْقُ حديث حادثة "سوخ قدمي فرس سراقة بن مالك" ﵁
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حادثة "سوخ قدمي فرس سراقة بن مالك ﵁.
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حادثة "سوخ قدمي فرس سراقة بن مالك ﵁.
стр. 379
المطلب الأول: سَوْقُ حديث سُراقة بن مالك ﵁ -:
عن البراء بن عازب ﵁ قال: لما أقبل النبي ﷺ إلى المدينة، تبعه سُراقة بن مالك بن جُعشم، فدعا عليه النبي ﷺ ، فساخت (١) به فرسه. قال: ادعُ الله لي، ولا أضرّك فدعا له .. ) متفق عليه (٢).
وفي رواية لمسلم: (قد علمت أنّ هذا عملُك = فادعُ الله ليخلّصني مما أنا فيه، ولك عليَّ لأعُمّينّ على مَن ورائي .. ) (٣)
وفي رواية للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: أقبل النبيُّ ﷺ إلى المدينة .. ) وفيه: (فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارسٍ قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارسٌ قد لحق بنا، فالتفت نبيُّ الله ﷺ فقال: (اللهم اصرعْه)، فصرَعَه الفَرَس ... ) (٤)
وأخرج البخاري القصة - تعليقًا - عن سراقة ﵁، وفيها: (ساختْ يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ... ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم = أنْ سيظهر أمر رسول الله ﷺ ) (٥)
стр. 380
فهذا الحديث تضمّن عَلَمًا من أعلام نبوّته ﷺ التي أظهرها الله تعالى، وأجراها لحمايته. ومع ظهور ذلك؛ حتى إنّ مَنْ صنّف في دلائل نبوته ساقها ضمن تلك الدلائل؛ كما هو صنيع الأئمة الذين صنّفوا في دلائل نبوته ﷺ (١)، وما ذاك منهم إلاّ لتحقق معنى الإعجاز فيها.
стр. 381
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حادثة "سوخ قدمي فرس سراقة بن مالك ":
مع اتحاد فهوم الأئمة-﵏ على عدِّ هذه الحادثة التي جرت لسراقة ﵁ قبل إسلامه ولفرسه =من دلائل نُبوَّة محمد ﷺ ، إلاّ أن ذلك لم يَرُقْ للدكتور " محمد حسنين هيكل "، فأخذ في تأويلها تأويلًا يخرجها عن حدّ الإعجاز؛ مجاراةً منه - كما تقدّم - لمنكري المعجزات من الكفرة والملحدين من عُبّاد الطبيعة؛ فتراه يقول: ( ... وبدأت الشمس تنحدرُ، وبدأ محمد وأبو بكر يفكّران في امتطاء جِمالهما؛ إذ كانا من سراقة قيد البصر، وكان جواد سراقة قد كبا به قبل ذلك مرّتين؛ لشدّة ما جهده. فلمّا رأى الفارس أنه وشيك النجاح، وأنّه مُدرِك الرجلين ... = نسي كبوتَي جواده، ولزَّه ليمسك به ساعة الظَّفَر، ولكن الجواد في قومته كبا كبوةً عنيفةً ألقى به الفارس من فوق ظهره، يتدحرج في سلاحه. وتطيّر سراقة، وأُلقِيَ في روعه أن الآلهة مانعةٌ منه ضالّته .. ) (١)
стр. 382
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حادثة "سوخ قدمي فرس سراقة بن مالك ﵁ - "
ما استرْوح إليه " هيكل " مخالِفٌ تمام المخالفة لما دلّ عليه الحديث. والمُلجِئُ إلى ذلك فرارُه من إثبات المعجزات؛ للأسباب التي تقدّم بيانُها. لذلك عمد إلى تخلية الحديث من معنى الإعجاز الذي فهمه سراقة ﵁، ثم أخذ في نسْج قصة توافق اعتقاده؛ فما جرى لفرس سراقة - حسب زعمه - مجرد كبوة قد جرتْ له من قبلُ مرّتين!!
وسبب امتناعه عن القبض على رسول الله ﷺ وصاحبه - في ظنّ هيكل - هو تطيُّر سراقة بهذه الكبوة التي حدثتْ لفرسه!
وهذا الذي ذكره، أتى به من كِيْسِه؛ وإلاّ فليس في الحديث ما يدلّ على أنّ ما جرى لفرس سراقة كان مجرّد كبوة!، ولا أنّ سبب رجوعه عن تحقيق المهمة التي رصدتْ قريشٌ لمن يقوم بها الجوائزَ الكريمة=هو ما أُلْقي في رُوعه. فكلّ ذلك محضُ تقوُّلٍ.
ذلك: أن فرس سراقة لمّا غاصت يداها في الأرض؛ كما روى ﵁ هو ذلك: (ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها، ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تُخرِج يديها ... ) لم يكن ذلك مجرد كبوة؛ كان ذلك إجابة من الله تعالى لدعاء نبيه ﷺ ، وآيةً وعلامةً لسراقة على امتناع لحوق ضرر بالنبي ﷺ . ودليلُ ذلك: رواية البراء ﵁؛ حيث قال: (لمّا أقبل النبي ﷺ إلى المدينة تبعه سراقة بن مالك بن جعشم، فدعا عليه النبي ﷺ ، فساخت فرسه) (١)
стр. 383
فقول البراء: (فدعا النبي ﷺ ، فساخت فرسه) دليلٌ بيِّنٌ على ما قرّر من قبل: أن سوْخ فرس سراقة كان من أثر دعاء النبي ﷺ ؛ ذلك أن البراء ﵁ عبّر بـ "الفاء" المفيدة للتَّسبيب.
وكذلك جاء في رواية أنس بن مالك ﵁: (فالتفت أبو بكر؛ فإذا هو بفارس لقد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارسٌ قد لحق بنا = فالتفت نبي الله ﷺ فقال: (اللهم اصرعْهُ)، فصرعه الفرس) (١)
فهذان صحابيان رَوَيا هذه الحادثة بهذا اللفظ؛ مما يدلّ على أنهم فهموا أنّ ما جرى لفرس سراقة كان آيةً، وعَلَمًا من أعلام نبوته ﷺ . بل إن سراقة نفسه ﵁ تحقّق عنده هذا المعنى، وكان من الجلاء بمكان، فتراه ﵁ يصف ذلك بقوله: (ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنْ سيظْهر أمر رسول الله ﷺ ) (٢) ويقول في بيانٍ مُشْرِقٍ مخاطبًا الرسول ﷺ : (علمتُ أنّ هذا عملك = فادعُ الله يُخلّصني مما أنا فيه) (٣)
أفيكون هؤلاء قد فهموا فهمًا مغلوطًا، ويكون فهْمُ " هيكل " هو الحقيق بالصواب؟!.
يقول الإمام النَّووي ﵀ مبيّنًا الفوائد الملتَمَسة في هذا الحديث: (وفي هذا الحديث فوائد؛ منها: هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله ﷺ ) (٤)
стр. 384
الفصل الثالث دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة
وفيه مبحث واحدٌ:
- مبحث: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث الدالّة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة.
стр. 385
مبحث دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على اختصاص النبي ﷺ .بعموم البعثة .
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأَوَّل: سوق الأحاديث الدالة على اختصاص النبي ﷺ .بعموم البعثة.
стр. 386
المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدالّة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة:
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: (فُضِّلْتُ على الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) (١)
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الْمَغَانِمُ ولم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى الناس عَامَّةً) مُتَّفق عليه (٢).
وفي لفظ مسلم: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كان كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى كل أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ .. ) (٣)
стр. 387
المطلب الثاني: سَوْقُ دعوى المُعارِض العقلي على الأحاديث الدَّالة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة:
نقل الإمام ابن الجوزي ﵀ في كتابه " مشكِل أحاديث الصحيحين " سؤالًا ينطوي على اعتراضٍ على قوله ﷺ : (بُعِثتُ إلى الخلق كافّةً) والذي قد يبدو من صورة السؤال أن صاحبه ليس من أهل الإسلام؛ بل هو من المنتحلين لملّة من المِلَل الأخرى؛ لكن هذا الظاهر قد يُشكِل عليه ما سيأتي من إقراره بأنّ محمدًا ﷺ نبيَّه. وقد عزى الإمامُ ابن قتيبة ﵀ هذا الاعتراض أَيضًا للنَّظَّام. وحاصل اعتراضه:
- أن قول النبي ﷺ : (بُعِثتُ إلى الخلق كافّة) يمتنع؛ بالنظر لأمرين:
الأول: أنّه يقتضي أن الأنبياء السابقين المدّعى تخصيص رسالتهم إلى قومٍ بعينهم؛ إذا وقع تعدٍّ منهم إلى غيرِ مَنْ بُعِثوا إليه = فإن ذلك يُعدّ مخالفةً من لدن الرسول.
الثاني: أنّه والحالُ هذه لو جاءَ الرسولَ مِن غير قومه مَن يسأله؛ فإنه على مقتضى الأول لا بدّ من كتمان ما يعلمه الرسول؛ لكون هذا السائل ليس من قومه المبعوث إليهم. والأمران باطلان =فعُلم بذلك عدم اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة، وأن كل الرّسل بُعثوا إلى جميع الخلق.
هذا حاصل الاعتراض المفهوم من طيّ السؤال الذي أورده الإمام ابن الجوزي، وكذا هو مُحصَّل قول النظَّام.
وقبل تقرير الدلائل على بطلان هذا الاعتراض؛ أذكرُ نصَّ هذين الاعتراضين - قال ابن الجوزي ﵀: (وقرأتُ بخطّ ابن عقيل، قال:
стр. 388
جاءت فتوى من دمشق: ما تقولون في هذا الحديث: " بُعِثتُ إلى الخلق كافّة "، والنظر والتأمُّل يمنع صحة هذا؛ لأنه إذا كان النبي مبعوثًا إلى قوم بلغ من تعدّته إلى غيرهم؛ لأن صفة التخصص في الإرسال لا تقتضي العموم، كما لو قال القائل لرسوله: اذهب إلى بني تميم، فإنه إذا تعدى إلى بني عديّ كان مخالفًا. فلو كان موسى مخصوصا ببني إسرائيل ثم جاءه غيرهم من الأمم يسألونه عما جاء به = لم يجز له كتمانه عنهم، ولا أن يقول: إني غير مبعوث إليكم؛ بل كان الواجب عليه إجابة التُّرك، والفُرس، والعرب، وكل من سأله عن الأحكام التي جاء بها بما بُعِث به إلى بني إسرائيل؛ بل كان لا يجوز له أن يجيب أحدا من هؤلاء إذا كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة.
قال السائل: وأيضًا: إذا قال له: مُرْ بني إسرائيل بالصلاة، ومَنْ زنى من بني إسرائيل فعاقبْهُ على زِناه = لم يَجُز أن يعاقِب غيرهم على الزنا؛ وهذا كالحكم إذا عُلِّق على غاية لا يتعدى إلى غيرها.
فإن قلنا: إنّه مُنِع مِن إرشادِ مَن جاء إليه للاسترشاد من أنواع الخلق = لم يَجُز ذلك. وإذا بطل هذان القسمان ثبت أن كل رسول إِنَّما بعث إلى جميع الخلق.
وليس لقائل أن يقول: إنه أُرسِل إلى بني إسرائيل خاصة، والناس بالخيار بين اتباعه وتركه.
قال السائل: وطريقة أخرى: وهو أن الله تعالى رفع العذاب عن الخلق مع عدم الرسل بقوله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الإسراء: ١٥، وأثبت الحجة على الخلق ببعثه الرسل، وقد ثبت أن الله تعالى أهلك جميعَ أهل الأرض بالطوفان؛ وما ذلك إلا لمخالفة نوح، فلو لم يكن مرسلًا إلى جماعتهم = لما أهلكهم بمخالفته، ودعا عليهم.
стр. 389
وليس لقائل أن يقول: فقد قال في حق نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ نوح:١ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأعراف: ٨٥. فقد خَصّ مثل ذلك نبيَّنا بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ سورة التوبة: ١٢٨، فامتنّ على قريش بذلك) (١)
وأَمَّا النَّظّام، فقد نقل ابن قتيبة ﵀ قوله: (قد يجوز أَن يُجمع المُسلمون جميعًا على الخطأِ؛ قال: ومن ذلك إِجماعهم على أَنَّ النبيَّ ﷺ بُعث إلى النَّاس كافَّةً دون جميعِ الأَنبياء، وليس كذلك. وكلُّ نبيٍّ في الأَرض بَعَثَهُ الله تعالى فإلى جميع الخلق بعثه؛ لأنَّ آيات الأَنبياء، لِشُهْرتها تبلغُ آفاقَ الأَرض، وعلى كُلِّ من بَلَغَه ذلك أَن يُصدِّقَه ويتبعه) (٢)
стр. 390
المطلب الثالث: دفع دعوى المُعارِض العقلي عن الأحاديث الدالة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة:
والجواب عن هذا الاعتراض بأن يُقال: إنَّ الإجماع قد انعقد على عموم بعثته ﷺ . وقد نقل الإجماعَ في ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم الإمام ابن القطان؛ حيث قال: (واتفقوا على أن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي المبعوث بمكة، المهاجر إلى المدينة = رسول الله ﷺ إلى جميع الجن والإنس إلى يوم القيامة) (١)
هذا الإجماعُ المقرر مُستفادٌ من جُمْلة دلائل؛ ومنها:
قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ سبأ: ٢٨ وقوله ﷻ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان: ١ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ هود: ١٧ وجاء التصريح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب؛ بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ آل عمران: ٢٠ وقال ﵎: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ الأعراف: ١٥٨
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ من هذه الْأُمَّةِ: يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرَانِيٌّ؛ ثُمَّ يَمُوتُ ولم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ = إلاّ كان من أَصْحَابِ النَّارِ) (٢)
ومقصودُه ﷺ بـ " الأمّة " هنا: أمّة الدعوة، لا الإجابة.