المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدالّة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة:
روى مسلم عن أبي هريرة ﵁؛ أن رسول الله ﷺ قال: (فُضِّلْتُ على الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ) (١)
وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا؛ فَأَيُّمَا رَجُلٍ من أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لي الْمَغَانِمُ ولم تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكان النبي يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى الناس عَامَّةً) مُتَّفق عليه (٢).
وفي لفظ مسلم: (أُعْطِيتُ خَمْسًا لم يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كان كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى كل أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ .. ) (٣)
стр. 387
المطلب الثاني: سَوْقُ دعوى المُعارِض العقلي على الأحاديث الدَّالة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة:
نقل الإمام ابن الجوزي ﵀ في كتابه " مشكِل أحاديث الصحيحين " سؤالًا ينطوي على اعتراضٍ على قوله ﷺ : (بُعِثتُ إلى الخلق كافّةً) والذي قد يبدو من صورة السؤال أن صاحبه ليس من أهل الإسلام؛ بل هو من المنتحلين لملّة من المِلَل الأخرى؛ لكن هذا الظاهر قد يُشكِل عليه ما سيأتي من إقراره بأنّ محمدًا ﷺ نبيَّه. وقد عزى الإمامُ ابن قتيبة ﵀ هذا الاعتراض أَيضًا للنَّظَّام. وحاصل اعتراضه:
- أن قول النبي ﷺ : (بُعِثتُ إلى الخلق كافّة) يمتنع؛ بالنظر لأمرين:
الأول: أنّه يقتضي أن الأنبياء السابقين المدّعى تخصيص رسالتهم إلى قومٍ بعينهم؛ إذا وقع تعدٍّ منهم إلى غيرِ مَنْ بُعِثوا إليه = فإن ذلك يُعدّ مخالفةً من لدن الرسول.
الثاني: أنّه والحالُ هذه لو جاءَ الرسولَ مِن غير قومه مَن يسأله؛ فإنه على مقتضى الأول لا بدّ من كتمان ما يعلمه الرسول؛ لكون هذا السائل ليس من قومه المبعوث إليهم. والأمران باطلان =فعُلم بذلك عدم اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة، وأن كل الرّسل بُعثوا إلى جميع الخلق.
هذا حاصل الاعتراض المفهوم من طيّ السؤال الذي أورده الإمام ابن الجوزي، وكذا هو مُحصَّل قول النظَّام.
وقبل تقرير الدلائل على بطلان هذا الاعتراض؛ أذكرُ نصَّ هذين الاعتراضين - قال ابن الجوزي ﵀: (وقرأتُ بخطّ ابن عقيل، قال:
стр. 388
جاءت فتوى من دمشق: ما تقولون في هذا الحديث: " بُعِثتُ إلى الخلق كافّة "، والنظر والتأمُّل يمنع صحة هذا؛ لأنه إذا كان النبي مبعوثًا إلى قوم بلغ من تعدّته إلى غيرهم؛ لأن صفة التخصص في الإرسال لا تقتضي العموم، كما لو قال القائل لرسوله: اذهب إلى بني تميم، فإنه إذا تعدى إلى بني عديّ كان مخالفًا. فلو كان موسى مخصوصا ببني إسرائيل ثم جاءه غيرهم من الأمم يسألونه عما جاء به = لم يجز له كتمانه عنهم، ولا أن يقول: إني غير مبعوث إليكم؛ بل كان الواجب عليه إجابة التُّرك، والفُرس، والعرب، وكل من سأله عن الأحكام التي جاء بها بما بُعِث به إلى بني إسرائيل؛ بل كان لا يجوز له أن يجيب أحدا من هؤلاء إذا كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة.
قال السائل: وأيضًا: إذا قال له: مُرْ بني إسرائيل بالصلاة، ومَنْ زنى من بني إسرائيل فعاقبْهُ على زِناه = لم يَجُز أن يعاقِب غيرهم على الزنا؛ وهذا كالحكم إذا عُلِّق على غاية لا يتعدى إلى غيرها.
فإن قلنا: إنّه مُنِع مِن إرشادِ مَن جاء إليه للاسترشاد من أنواع الخلق = لم يَجُز ذلك. وإذا بطل هذان القسمان ثبت أن كل رسول إِنَّما بعث إلى جميع الخلق.
وليس لقائل أن يقول: إنه أُرسِل إلى بني إسرائيل خاصة، والناس بالخيار بين اتباعه وتركه.
قال السائل: وطريقة أخرى: وهو أن الله تعالى رفع العذاب عن الخلق مع عدم الرسل بقوله ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الإسراء: ١٥، وأثبت الحجة على الخلق ببعثه الرسل، وقد ثبت أن الله تعالى أهلك جميعَ أهل الأرض بالطوفان؛ وما ذلك إلا لمخالفة نوح، فلو لم يكن مرسلًا إلى جماعتهم = لما أهلكهم بمخالفته، ودعا عليهم.
стр. 389
وليس لقائل أن يقول: فقد قال في حق نوح: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ نوح:١ ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ الأعراف: ٨٥. فقد خَصّ مثل ذلك نبيَّنا بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ سورة التوبة: ١٢٨، فامتنّ على قريش بذلك) (١)
وأَمَّا النَّظّام، فقد نقل ابن قتيبة ﵀ قوله: (قد يجوز أَن يُجمع المُسلمون جميعًا على الخطأِ؛ قال: ومن ذلك إِجماعهم على أَنَّ النبيَّ ﷺ بُعث إلى النَّاس كافَّةً دون جميعِ الأَنبياء، وليس كذلك. وكلُّ نبيٍّ في الأَرض بَعَثَهُ الله تعالى فإلى جميع الخلق بعثه؛ لأنَّ آيات الأَنبياء، لِشُهْرتها تبلغُ آفاقَ الأَرض، وعلى كُلِّ من بَلَغَه ذلك أَن يُصدِّقَه ويتبعه) (٢)
стр. 390
المطلب الثالث: دفع دعوى المُعارِض العقلي عن الأحاديث الدالة على اختصاص النبي ﷺ بعموم البعثة:
والجواب عن هذا الاعتراض بأن يُقال: إنَّ الإجماع قد انعقد على عموم بعثته ﷺ . وقد نقل الإجماعَ في ذلك غيرُ واحدٍ؛ منهم الإمام ابن القطان؛ حيث قال: (واتفقوا على أن محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي المبعوث بمكة، المهاجر إلى المدينة = رسول الله ﷺ إلى جميع الجن والإنس إلى يوم القيامة) (١)
هذا الإجماعُ المقرر مُستفادٌ من جُمْلة دلائل؛ ومنها:
قول الله ﵎: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ سبأ: ٢٨ وقوله ﷻ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الفرقان: ١ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ هود: ١٧ وجاء التصريح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب؛ بقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ آل عمران: ٢٠ وقال ﵎: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ الأعراف: ١٥٨
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيده، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ من هذه الْأُمَّةِ: يَهُودِيٌّ، ولا نَصْرَانِيٌّ؛ ثُمَّ يَمُوتُ ولم يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ = إلاّ كان من أَصْحَابِ النَّارِ) (٢)
ومقصودُه ﷺ بـ " الأمّة " هنا: أمّة الدعوة، لا الإجابة.
стр. 391
وتخصيصه ﷺ أهل الكتاب بالذكر: (تنبيهًا على أنهم مع كونهم أهل كتاب، وأشرف من غيرهم؛ إذا كانوا كذلك = فغيرهم ممن لا كتاب له أَوْلى بذلك) (١)
وبالجُمْلة: فاختصاصه ﷺ من دون سائر الرّسل ﵈، بعموم الرسالة، وشمول بعثته = أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة (٢) .
وهذا السّائل لا يخلو حالُه؛ إمّا أن يكون مسلمًا، أو يكون كافرًا.
فإن كان الأول: فمعلومٌ أنّ من مقتضيات الشهادة بأنّ " محمّدًا رسول الله " تصديقه فيما أخبر به، وقد أخبر ﷺ ؛ باختصاص الرُّسل من قبله بأقوامهم، وعَدَم مجاوَزتِهم لغيرهم؛ بخلاف رسولنا ﷺ فبمقتضى هذا التصديق يلزمه الإقرار بذلك، والاطمئنان لخبره ﷺ ؛ لأنه مُخبِرٌ عن الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ النجم.
فإنْ لم يقرَّ مع بلوغ هذا الخبر إليه، واستيقانه بكون الرسول ﷺ نطق به = فلا شكّ أنّ مثل هذا النّكول والدّفع كفرٌ مخرِجٌ عن الملّة؛ كما حكى الإجماع على ذلك غيرُ واحدٍ (٣) .
وإن كان الطاعن كافرًا: فمثله يتّجه الحديث معه إلى تقرير دلائل نبوته ﷺ ؛ إذ التمادي في تقرير الفرع؛ وهو اختصاصه ﷺ بعموم البعثة؛ مع عدم ثبوت أصل نبوته ﷺ عند السائل لا ريب أنّه عَبَثٌ لا طائل من ورائه.
أمَا وقد نُقِلَ هذا الاعتراض، المحتّم: الجواب عنهُ؛ بيانًا للحقِّ، وكشفًا لعظِيم فهم الأئمة ﵏ في الجواب عن مثل هذه الأُغلوطات.
стр. 392
فيقال: إنّ مما يدل على أن الرسل من قبلُ كانوا يُبعَثون إلى أقوامهم خاصّةً: ما نصّ عليه القرآن الكريم؛ فالله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ الأعراف. وقال سبحانه حاكيًا عن هود ﵇: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾ هود.
وقال عن صالح ﵇: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الأعراف: ٧٣
ومن المعلوم: (أنّ أكمل الشرائع المتقدمة؛ شريعة التوراة؛ مع أن موسى ﵇ لم يُبعَث إلا لبني إسرائيل، ولمّا أخذهم من مصر، وعبر البحر؛ لم يَعُدْ لمصر، ولا وعَظَ أهلَها، ولا عرّج عليهم ولو كان رسولًا إليهم لمَا أهملهم؛ بل إِنَّما جاء لفرعون ليسلِّم له بني إسرائيل فقط؛ فلما انقضى هذا الغَرَضُ؛ أهملهم، ولم يعُدْ لمصرَ ألبتّة. وإذا كان هذه حديث موسى ﵇ = فغيره أَولى، وقد أخبرنا سيد المرسلين بذلك) (١) .
فإن احتجّ المعترض - وقد فعل - بوقوع الهلاك لجميع أهل الأرض بالطوفان، وما ذاك - حسب زعمه - إلَّا لمخالفة نوح ﵇؛ فلو لم يكن مُرسَلًا إلى جماعتهم = لما أهلكهم الله بمخالفته، ودعا عليهم.
فالجواب عن ذلك: أنَّ عموم البعثة هنا مِن لزوم الوجود؛ لا أَنَّها في أَصل رسالته ﵇؛ إذ لم يكن في الأرض عند إرسال نوح ﵇ إلَّا قوم نوح (فبعثته خاصة؛ لكونها إلى قومه فقط، وهي عامة في الصورة؛ لعدم وجود غيرهم. لكن؛ لو اتّفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم) (٢) .
стр. 393
فإن قيل: وقد جاء في حديث الشفاعة في حقّ نوحٍ ﵇: (أنتَ أوّلُ الرُّسلِ إلى الأرض) (١) .
فالجوابُ عن ذلك بأحد أمرين:
الأول: أن يقال: ليس المرادُ بالخبر هنا عموم بعثته ﵇؛ بل المقصود إثبات أوّلية رسالته.
الثاني: أنّه على تقدير أن يكون العموم واردًا؛ فهو مخصوص بنصّ الله تعالى على خصوص بعثته ﵇، وقد تقدّم ذِكْرُ بعضِها.
وأمّا دفْع السائل لهذا التخصيص الوارد في كتاب الله؛ بأنه إن ثبت فيلزم مثله في رسالة النبي ﷺ ؛ فتُخَصّ به؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ سورة التوبة: ١٢٨
فيقال: الخطاب في الآية وإن كان خوطب به العرب ابتداءً؛ فلا يلزم من ذلك قصْر رسالته عليهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ سورة الأنعام: ١٩ فكلّ من بلغَتْهُ دعوةُ النبي ﷺ فيلزمه الانضواء تحتها، واعتقادها، والعمل بما فيها. وفي تقرير معنى الآية يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والتحقيق: أنّه خوطب به أوّلًا العربُ؛ بل خوطب به أولًا قريش، ثم العرب، ثم سائر الناس من أهل الكتاب والأميين غير العرب.
فقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ﴾: الكاف كاف الخطاب؛ فهو خطاب لمن جاءه الرسول، وبَلَغَهُ القرآنُ؛ فهو مخاطَب بهذه الآية، من جميع الأمم، وهو من أنفسهم: من الإنس؛ ليس من الملائكة؛ فإنه لو كان من الملائكة لم يطيقوا الأخْذ عنه.
стр. 394
وكذلك قوله: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ سورة البقرة: ١٥١: هو خطاب لكلِّ من خُوطِب بالقرآن؛ وهم جميعُ الخلق. والجنّ يدخلون في ذلك أيضًا؛ فإن الرسول إلى الجن والإنس منهم؛ ليس من الملائكة. والجنّ يأكلون، ويشربون، وينكحون؛ كالإنس، ويطيقون الأخذ عن الإنس، ويفهمون كلامهم؛ بخلاف الرسول المَلكي.
وممّا يبيّن أنّه عامٌّ في العرب وغيرهم؛ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ سورة الجمعة، الآية: ٢ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ سورة الجمعة: ٣) (١)
فإذا تقرّر ذلك؛ بقي أن يقال: إنّ نكتة اختصاص الرسول ﷺ بعموم بعثته: أنّ شريعته ناسخةٌ لجميع الشرائع التي قبله، وكتابَه مهيمنٌ على جميع الكتب السابقة، مُبطِلٌ لها؛ فلا يجوز العمل بها، والاعتداد بها. بخلافِ مَنْ قبْلَه؛ فإن اختصاص الرسول بكتابٍ لا يلزم منه إبطالُ غيره. ولذلك استحفظ الله علماءَ كلِّ دين هذه الكتب، ولم يضمن لهم حفظها؛ بخلاف كتابه " القرآن "؛ فهو ﷻ متولٍّ حفظَه. والحكمة في ذلك - والله أعلم - ما أراده الله تعالى من بقاء هذه الشريعة إلى أن يرث الله الأرضَ ومَنْ عليها. ودليلُ هيمنة هذا الكتاب على الكتب السابقة؛ قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨.
يقول الإمام ابن عقيل ﵀: (إنّ خصيصة النبي ﷺ حاصلةٌ من جهة خفيّة عن كثيرٍ من العلماء؛ وذلك أن شريعة نبينا ﷺ جاءتْ ناسخةً
стр. 395
لكلّ شريعةٍ قبلها، فلم يبق يهوديةٌ ولا نصرانيةٌ، ولا دينٌ من سائر الأديان التي جاءتْ بها النبوات إلاّ أمر بتركها، ودعا إلى شريعته.
ومعنى قوله: (كلّ نبي بُعِث إلى قومه): المراد: أنه قد كان يجتمع في العصر الواحد نبيّان؛ يدعو كلّ واحدٍ منهما إلى شريعةٍ تخصّه، ولا يدعو الأمة التي بُعِث فيها إلى غير دينه، ولا يصْرف عنه، ولا ينسخ ما جاء به الآخر فهذه خصيصة لم تكن لأحدٍ قبلَه؛ حتى إنّ نوحًا لم يُنقَل أنّه كان معه نبي فدعا إلى ملّته ملّة ذلك النبي، ولا نسخها وهذا يدفع ما قالوه، وما قدّروه من الأسئلة، وعقّبوه من الأجوبة.
ويوضح هذا: أنّه ﷺ لمّا وجد ورقة من التوراة بيد عمر؛ قال: (ألم آتكم بها بيضاءَ نقيّةً؟ والله، لو أدركني موسى لَمَا وسِعه إلاّ اتباعي) (١) لأنه لا يقدر عيسى - ﵇ - أن يقول في التوراة، ولا في حقّ موسى هذه المقالة = فعُلِم أنّ هذه الخصيصة التي امتاز بها عن جميع الأنبياء دون ما توهّمه السائل من البعثة العامة إلى جميع النّاس، ودون أرباب الشرائع. والله أعلم) (٢)
فَعُلم بذلك بطلان ما اعتُرض به على هذه الأَحاديث، وبان بذا مخالفة المخالفين للأحاديث الصحيحة.
وصدق الإمام ابن قتيبة في قوله: (وفي مخالفةِ الرِّواية وَحشَةٌ؛
стр. 396
فكيف بمخالفة الرِّوايةِ والإجماع لما استحسن [يعني النظَّام]) (١)
стр. 397
الباب الثالث دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقةِ بأشراط السَّاعة واليوم الآخر
وفيه فصلان:
- الفصل الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن أحاديث أشراط السَّاعة.
- الفصل الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة باليوم الآخر.
стр. 398
الفصل الأول دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن أحاديث أشراط السَّاعة
وفيه أربعة مباحث:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن عموم الأحاديث الدالّة على أشراط السَّاعة.
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث المسيح الدجّال.
- المبحث الثالث: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن حديث (الجسّاسة).
- المبحث الرابع: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث نزول عيسى ابن مريم ﵇.
стр. 399
المبحث الأول دفع دعوى المعارض العقلي عن عموم أحاديث أشراط السَّاعة
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدالة على عموم أشراط السَّاعة.
المطلب الثاني: سَوْق المعارض العقلي على عموم أحاديث أشراط السَّاعة.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن عموم أحاديث أشراط السَّاعة.
стр. 400
المطلب الأول: سَوْقُ الأحاديث الدّالة على عموم أشراط السَّاعة:
عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (لَا تَقُومُ السَّاعة حتى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ من ثَلَاثِينَ؛ كلهم يَزْعُمُ أَنَّهُ رسول اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ (١)، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ - وهو الْقَتْلُ -، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ؛ فَيَفِيضَ حتى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ من يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الذي يَعْرِضُهُ عليه: لَا أَرَبَ لي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ الناس في الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فيقول: يا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ من مَغْرِبِهَا؛ فإذا طَلَعَتْ وَرَآهَا الناس - يَعْنِي: آمَنُوا أَجْمَعُونَ -؛ فَذَلِكَ حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الأنعام: ١٥٨ وَلَتَقُومَنَّ السَّاعة وقد نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا؛ فلا يَتَبَايَعَانِهِ ولا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعة وقد انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ (٢)؛ فلا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعة وهو يُلِيطُ (٣)
حَوْضَهُ؛ فلا يَسْقِي فيه، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعة وقد رَفَعَ أُكْلَتَهُ إلى فيه؛ فلا يَطْعَمُهَا) (٤).
стр. 401
عن عوف بن مالك ﵁، قال: " أتيتُ النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قُبَّةٍ من أدم، فقال: (اعْدُدْ سِتًّا بين يَدَيْ السَّاعة: مَوْتي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حتى يعطي الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ من الْعَرَبِ إلا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ، فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كل غَايَةٍ أثنا عَشَرَ أَلْفًا) أخرجه البخاري (١) .
стр. 402
المطلب الثاني: سوق المعارض العقلي على عموم أحاديث أشراط السَّاعة:
أُوْرِد على جُملة الأَحاديث الدَّالة على أَشراط السَّاعة= معارِضَان عقليَّان:
أولهما: أن الأشراط السَّاعة الصغرى المعتاد مثلها؛ التي تقع عادةً بالتدريج، لا تُذكِّر بقيام السَّاعة، فلا تتحصَّل بها الفائدة التي لأجلها أخبر الشارعُ بقُرب قيام السَّاعة.
ثانيهما: أنّ ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة؛ يضع العالم به في مأمن من قيام السَّاعة مثل وقوعها كلها؛ فانتفت الفائدة إذن من هذا الإخبار.
وفي تقرير الاعتراض الأوَّل: يقول الشيخ ((محمد رشيد رضا)): (اعلم أيُّها المسلم؛ الذي يجب أن يكون على بصيرة من دينه: أن في روايات الفتن و أشراط السَّاعة من المشكلات والتعارض ما ينبغي لك أن تعرفه - ولو إجمالًا -؛ حتى لا تكون مقلِّدًا لمن يظنّون أنّ كل ما يعتمده أصحاب النقل حقٌّ، ولا لمن يظنّون أن ما يقوله أصحاب النظريات العقلية حقٌّ ... ويَرِدُ من الإشكال على ما ذكر [أي: ما ذكره من تقسيم أشراط السَّاعة؛ باعتبارات عدّة] أن ما ورد من الأشراط الصغرى المعتاد مثلها، التي تقع عادة بالتدريج = لا يذكر بقيام السَّاعة، ولا تحصل به الفائدة التي من أجلها أخبر الشارع بقرب قيام السَّاعة) (١).
ويقول ((مصطفى بوهندي)): ( ... تتضافر النُّصوصُ في بيان عدم علم النَّاس بموعدها [أي السَّاعة] ومقابل ذلك تؤكد نصوص القُرآن
стр. 403
قُرب مجيئها، قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ القمر: ١ ..... فكل هذه الآيات وغيرُها تؤكِّد فجائية السَّاعة، وأَنَّها تأتي بغتة .. غير أننا نصطدم بمجموعة من المرويات المتحدِّثة عن أَشراط السَّاعة، وأنَّها في آخر الزَّمان، وإذا جاءت لا ينفعُ نفسًا إِيمانها إن لم تكن آمنت من قبل، وأَنَّها تأتي بترتيبات مُعيَّنىةٍ تذكرها هذه الرِّوايات، وتذكر لها أَعدادًا مُحدَّدةً مُبيّنة أولها وآخرها ..... =وكُلُّ هذا يصطدم من جِهة بُفجائية هذه السَّاعة). (١)
وتقرير الاعتراض الثاني: أن ما ورد من الأشراط الكبرى الخارقة للعادة؛ (يضع العالم به في مأمن من قيام السَّاعة، قبل وقوعها كلّها. فهو مانع من حصول تلك الفائدة. فالمسلمون المنتظرون لها يعلمون أن لها أشراطًا تقع بالتدريج؛ فهم آمنون من مجيئها بغتة في كلّ زمن، وإنما ينتظرون قبلها ظهور الدجّال، والمهدي، والمسيح ﵇، ويأجوج ومأجوج = وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظةً، ولا خشيةً، ولا استعدادًا لذلك اليوم، أو لتلك السَّاعة. فما فائدةُ العلم به إذًا؟ وهل من الحكمة أن تكون فائدتها محصورة في وقوع الرعب في قلوب الذين يشاهدون هذه الآيات الكبرى؟ .. ) (٢)
стр. 404
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي على عموم أحاديث أشراط السَّاعة:
أمّا الجواب عمّا أوردوه من المعارضات؛ فيتلخص في الأوجه التالية:
- الوجه الأول: أنَّ انتفاء العلم بتحقق الحكمة من هذه الأشراط في بعض الخلق؛ لا يعني العدم؛ إلاّ إنْ ادّعى المعترض الإحاطة بذلك. وهذه الكُلِّية السَّالبة ينقضها، واقعُ من روى هذه الأحاديث من المُحدّثين، وما هم عليه من الخشية والفَرَق، وكمال الورع والتقوى. وحَمْلُ هذه الأحاديث لهم على الحزْم، ومعرفة حقيقة الدنيا. ومَن طالَع أخبارهم، وقرأ سِيَرَهم؛ علِم بطلان ما ذكره المعترض. بل من قرأ هذه الأحاديث على جماعة المسلمين؛ رأى مدى تأثّرهم بها، ومسارعتهم للطاعة بعدها، ورغبتهم عن غِشْيان المخالفات؛ لِوَقْع تلك الأحاديث على قلوبهم. ومهما يكن من أمرٍ؛ فإنّا لو التزمنا إبطال كلّ حديث تضمّن زجرًا عن أمرٍ، أو تخويفًا؛ لانتفاء ثمرته في واقع بعض الناس = للزم من ذلك إبطالُ السّنة؛ بل إبطال الدين كلّه؛ لأنّ ما يَصْدُق في السُّنَّة يصحّ قوله في القرآن. فإنّ الله أنزل كتابه هدايةً للبشرية، ومع ذلك فقد كان فتنةً لبعض الخلق؛ كما قال ﵎: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ ... فصلت.
- الوجه الثاني: أنّ هذا الاعتراض؛ وإنْ رَاشَه المعترض على تلك الأحاديث، إلاّ أنه فاته أنّ ذلك الاعتراض يسري إلى الآيات النّاصة على أَنّ للساعة أَشْراطًا؛ سواءً بسواء. ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ محمد: ١٨ وقوله تعالى:
стр. 405
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٦١.وقوله : ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ النمل: ٨٢.وقوله تعالى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الأنعام: ١٥٨.
وبهذا الإلزام يغرقُ المعترض في مَخَاضَةٍ لا محيص له عنها؛ إلاّ باتهام رأيه قبل التسارع في الطعن في الدلائل ببادي الرأي.
- الوجه الثالث: أنّ حصول الأمن لدى بعض الخلق لا ينفي حصول الخوف عند غيرهم، وحصول الانحراف في فَهم بعض الأدلّة لا يكون باعثًا لردّها؛ وإلاّ للزم ردّ كثير من نصوص الشريعة بحجّة أنها قد تكون حاملة على الاتكال والقعود. والفقيه حقًّا من بصَّر الناسَ بحقيقة هذه الأشراط، وحكمتها؛ ليستقرَّ أثرها في القلوب؛ ومِن ثَمّ تنبعث الجوارح تأهُّبًا ليوم المعاد = لا أنْ يُتَسلَّط على تلك الأحاديث بالتعطيل لها؛ تعلُّقًا بكلّ سبب، واسترواحًا إلى كلِّ شَغَب.
- الوجه الرَّابع: أنّ من مثارات الغلط في هذه الدّعوى نَصْبَ التلازم بين التصديق بهذه الأشراط، وبين انتفاء ما اختصّت به السَّاعة من مجيئها بغتةً = والواقع أنَّ التلازُمَ مُنْتَفٍ؛ فإنّ هذه الأشراط التي صحّ الخبر بها، غايتها أن تتميّز بها السَّاعة قدرًا من التمييز. وأما التحديد التام فهو من الغيب المطلق الذي اختصّ الله به.
قال جلّ ذكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ لقمان: ٣٤.
وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ الأعراف.
قال إمام المفسرين ابن جرير الطبري ﵀: ( .. مما أنزل الله من القرآن على نبيه ﷺ ما لا يوصل إلى علم تأويله، إلَاّ ببيان الرسول ﷺ ... وأنّ منه مالا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهّار، وذلك ما فيه من الخَبَر عن آجالٍ حادثة، وأوقات آتية؛ كوقت قيام السَّاعة،
стр. 406
والنفخ في الصور، ونزول عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وما أشبه ذلك.
فإن تلك أوقات لا يعلم أحدٌ حدودَها، ولا يعرف أحد من تأويلها إلاّ الخبرَ بأشراطها؛ لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه، وبذلك أنزل ربُّنا في محكم كتابه ... ، وكان نبينا محمد ﷺ إذا ذكر شيئًا من ذلك لم يدلّ عليه إلاّ بأشراطه، دون تحديد وقته؛ كالذي رُوِي عنه ﷺ أنه قال لأصحابه - إذْ ذَكر الدّجّال -: (إنْ يخرُج وأنا فيكم، فأنا حجيجه. وإنْ يخرجْ بعدي فالله خليفتي عليكم) (١) . وما أشبه ذلك من الأخبار ... الدالّة على أنّه ﷺ لم يكن عنده علِم أوقات شيءٍ منه بمقادير السنين والأيام، وأن الله جلّ ثناؤه إنّما عرّفه مجيئه بأشراطه، ووقته بأدلّته) (٢) .
ومحصّل القول أنّ هذه الأشراط إنّما تدلّ على قُرب السَّاعة، لا على تحقق العلم بوقوعها «فالسَّاعة كالحامِلِ المُتِمّ؛ لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها، ليلًا أو نهارًا.» (٣) وعلّة ذلك انتفاء العلم بالمدّة الزمنية بين تلك الأَشراط وبين وقوع السَّاعة. وبهذا يكون الأمر نقيضَ ما ذكره المعترضون؛ بأن يكون العلم بهذه الشراط باعثًا على العملِ، موقِظًا من الغفلة، زاجرًا عن التمادي في المعاصي. وما قطع قلوب الصالحين، وأذاب أكبادهم = كمثل تذكّر تلك الأهوال العظام، و ما فيها من فِتَنٍ تفزع منها القلوب.
стр. 407
المبحث الثَّاني دفع المعارض العقلي عن أحاديث المسيح الدجّال
فيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق الأحاديث المتعلقة بـ" الدجّال ".
المطلب الثاني: سوق دعوى المُعارض العقلي على الأحاديث المُتعلقة بالدجال.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المُتعلقة بالدَّجال.
стр. 408
المطلب الأول: سوق الأحاديث المتعلِّقة بالدجَّال:
عن عبدالله بن عمر ﵁ قال: ذكر النبي يومًا بين ظهري النَّاس المسيحَ الدجَّال، فقال: إنَّ الله ليس بأعور ألا إنَّ المسيح الدجَّال أَعور العين اليمنى كأنَّ عينه عِنَبَةٌ طافيةٌ .. ). متفق عليه. (١)
وعن أَنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما بُعث نبيٍّ إِلَاّ وقد أنذر أُمّته الأَعورَ الكذَّاب. ألا إنَّه أَعور. وإنَّ ربكم ليس بأعور وإنَّ بين عينيه مكتوب "كافر") متفق عليه (٢).
وعن أَبي سعيد الخُدري ﵁ قال: حدثَّنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجَّال فكان فيما حدَّثنا به أن قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة (٣) فينزل بعض السباخ (٤) التي تلي المدينة فيخرج إليه يومئذ رجل وهو خير الناس أو من خيار الناس فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر؟ فيقولون
стр. 409
لا فيقتله ثم يحييه فيقول والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه) متفق عليه (١) .
وعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: ما سأل أحدٌ رسولَ الله ﷺ عن الدَّجالِ أكثر ما سألته، وأَنَّه قال لي: (ما يَضُرُّك منه) قلت: لأنَّهم يقولون: إنّ معه جبلَ خُبزٍ، ونهرَ ماءٍ، قال: (هو أهون على الله من ذلك) متفق عليه (٢) .
وعن النَّواس بن سمْعَانَ، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدَّجَّال ذاتَ غَدَاةٍ. فَخَفَّضَ فيه ورَفَّعَ (٣) .
حتَّى ظَنّناهُ في طَائِفَةِ النَّخْلِ فلمَّا رُحْنَا إليه عَرَفَ ذلك فينا. فَقَالَ: «ما شَأْنُكُم؟» قُلْنا يا رسول الله ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً فَخَفَّضت فيه وَرَفَّعتَ حتَّى ظَنَّناهُ في طَائفةِ النَّخلِ. فَقَال: «غَيرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُني عَليْكُمْ (٤) . إنْ يَخْرُجْ وأنا فِيكُم =فأنا حَجِيجُهُ
стр. 410
دُونَكُمْ. وإنْ يَخْرجْ ولستُ فِيكمْ= فَامْرؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ. واللهُ خَليفَتِي على كُلِّ مُسْلمٍ. إنَّه شَابٌّ قَطَطٌ (١) . عَيْنُهُ طَافِئةٌ كأَنِّي أُشَبِهُهُ بِعَبْدِالعُزَّى بْنِ قَطَنٍ. فَمَن أدْرَكَهُ مِنْكُم فَلْيَقرأْ عليه فَوَاتِحَ سُورةِ الكَهْفِ. إِنَّهُ خَارجٌ خَلَّةً بين الشَّامِ والعِراقِ (٢) . فَعَاثَ يَمِينًا وعَاثَ شِمَالًا. يا عِبَادَ اللهِ فاثْبُتُوا» قلنا يا رسُولَ اللهِ وما لبْثُهُ في الأرض؟ قال: «أَربعونَ يومًا يَومٌ كَسَنَةٍ، ويَومٌ كَشَهْرٍ، ويَومٌ كَجُمُعَةٍ. وسائرُ أَيَّامِهِ كَأيَّامِكمْ» قلنا: يا رَسُولَ اللهِ فَذَلك اليَوْمُ الَّذي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِيَنا فيه صَلاةُ يَومٍ؟ قَالَ: «لا. اقدروا له قدره» قلنا: يا رَسُولَ اللهِ. وما إِسْرَاعُهُ في الأَرْضِ؟ قال: «كَالغَيْثِ اسْتدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فَيأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُم، فَيؤمُنُونَ بِهِ ويَسْتَجِيبونَ له. فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمطِرُ. والأَرْضَ فُتُنْبتُ. فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُمْ (٣)،
أَطْوَلَ ما كانت ذُرًا (٤)،وأَسْبْغَهُ ضُرُوعًا، وأَمَدَّهُ خوَاصِرَ. ثُمَّ يأتي القَوْمَ فَيدْعُوهُمْ فَيَردُّونَ عَليْهِ قولَه؛ فَيَنْصَرفُ عنهم فَيُصْبِحونَ مُمْحلينَ (٥) ليس بأيديهم شَيءٌ من أموالهِم، ويَمُرُّ بالخَرِبَةِ فيقولُ لها: أَخْرجِي كُنُوزَكِ =فَتَتْبعُهُ كنُوزُها كيَعَاسِيْبِ النَّحْلِ (٦) . ثُمَّ يَدْعُو رجلًا مُمْتلئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بالسَّيْفِ فَيَقطَعُهُ جَزْلَتَينِ رَمْيَةَ الغَرَضِ (٧) . ثُمَّ يَدْعوهُ فَيُقْبِلُ ويَتَهلَّلُ وجْهُهُ. يَضْحَكُ.
стр. 411
فَبينما هو كذلك =إذْ بَعَثَ الله المسيحَ ابن مَريَمَ. فَينزلُ عند المَنَارةِ البيضاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرودَتَينِ (١) واضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحةِ مَلَكينِ إذا طَأْطَأ رأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنهُ جُمَانٌ كاللُّؤلُؤِ. فَلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيْحَ نَفَسِهِ إلَاّ مَاتَ. ونَفَسُهُ يَنْتَهي حيثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ. فَيَطْلُبُهُ حتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ) أخرجه مسلم. (٢)
* * *
تمهيد:
دلّت الأحاديث المسوقةُ آنفًا على جملةٍ من المسائل؛ من أهمّها:
أولًا: إثبات أن للمسيح الدجّال وجودًا موضوعيًا.
ثانيًا: أنّ خروجه من أعظم الفتن التي توارَدَ أنبياء الله تعالى على التحذير منها، وكان أشدّهم تحذيرًا منه، وبيانا لنعوته؛ وكشْفًا عن العِصَم التي تقي منه = نبيُّنا محمد ﷺ .
ثالثًا: أن خروجه من أعظم دلائل قرب السَّاعة، وأشراطها الكبرى.
وجملة القول أنّ تلك الأحاديث قد تواترت، ونظَمَها غيرُ واحد من أهل العلم بمخارج الأحاديث في سِلْكِ الأخبار المقطوع بثبوتها.
قال الإمام أبو العباس القرطبي ﵀: (والذي يجب الإيمانُ به: أنّه لا بُدّ من خروج الدجّال يَدّعي الإلهية، وأنّه كذّاب أعور؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، التي قد حَصّلت لمن عاناها العلم القطعي بذلك) (٣) .
стр. 412
وممّن حكم بتواتُر تلك الأحاديث أيضًا: ابن كثير ﵀. وسيأتي - إن شاء الله - إيراد كلامه فيما بعد (١) .
وقال الكتّاني ﵀: (ذكر غيرُ واحدٍ أنّها واردةٌ من طرق كثيرة صحيحة عن جماعة كثيرة من الصحابة. وفي " التوضيح " للشوكاني منها مائة حديث، وهي في الصّحاح، والمعاجم، والمسانيد. والتواتر يحصل بدونها، فكيف بمجموعها؟) (٢) .
وقال العلاّمة محمد ناصر الدين الألباني ﵀: ( ... فتبيّن لي بعد الدراسة الدقيقة أنّ الحديث بجميع فقراته - إلاّ قليلًا منها - هو من الصحيح لغيره؛ بل إنّ كثيرًا منها من قبيل المتواتر المقطوع بثبوته عن رسول الله ﷺ ) (٣) .
ولثبوت أحاديث الدجّال، وصحّة نسبتها إلى الرسول ﷺ ؛ درجَ أهل العلم على عدِّ الإيمان بما تضمّنتْه تلك الأحاديث من جُمل عقائدهم؛ سواءً كان ذلك في مطاوي مَعْلماتهم الجامعة لأحرف الاعتقاد (٤)، أو ضمن أسفارهم التي عقدوها على جهة الإفراد؛ لبيان أشراط السَّاعة (٥)، والفتن الحاصلة في آخر الزمان.
стр. 413
قال الإمام أحمد ﵀: (والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى بن مريم ﵇ ينزل فيقتله بباب لدّ) (١) .
والإجماع منعقد على ذلك؛ كما حكاه الأشعري ﵀،حيث قال: (وأجمعوا على شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أُمَّته ..... وكذلك ما روي من خبر الدجَّال ونزول عيسى ﵇ وقتله الدَّجَّال) (٢) .
وقال القاضي عياض ﵀: (وهذه الأحاديث التي أدخلها مسلم في قصة الدجال حجّة أهل الحق في صحة وجوده، وأنّه شخص معيّن، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من قدرته؛ ليتميّز الخبيث من الطيّب .. هذا مذهب أهل السنة، وجماعة أهل الفقه والحديث ونظارهم) (٣) .
وقال الإمام أبو العباس القرطبي ﵀: (وفائدة الإنذار: الإيمانُ بوجوده [أي: الدجّال] والعزم على معاداته، ومخالفته، وإظهار تكذيبه، وصدق الالتجاء إلى الله تعالى في التعوُّذ من فتنته = وهذا مذهب أهل السنة، وعامّة أهل الفقه والحديث؛ خلافًا لمن أنكره) (٤) .
وقد ذهب بعضُ أهل العلم إلى أن القرآن وإنْ لم يذكر الدجال تصريحًا إلاّ أنه أشار إلى أمر الدجّال تلميحًا. وهذا الإلماح ورد في مواضع؛ منها:
الموضع الأول: أنّه المُشار إليه في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الأنعام: ١٥٨ ومن تلك الآيات التي متى ظهرت
стр. 414
امتنع قبول التوبة من التائب = خروج الدجال. ويدل على ذلك: ما جاء عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ (ثَلاثٌ إذا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ الأنعام: ١٥٨: طُلُوعُ الشَّمْسِ من مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأرض) (١) .
الموضع الثاني: أنه المراد بقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ غافر: ٥٧.
قال البغوي ﵀: (المراد بالناس هنا = الدجال؛ من إطلاق الكل على البعض) (٢) .
قال الحافظ ابن حجر ﵀ معقّبًا على قول الإمام البغوي: (وهذا - إنْ ثبت - أحسن الأجوبة؛ فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه. والعلم عند الله تعالى) (٣) .
الموضع الثَّالث: أنَّ القرآن الكريم أشار إلى نزول عيسى ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ النساء: ١٥٩ وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٦١ ومن المعلوم أنه قد صحّ خبرُ قتله للدجال، فاكتُفِي بذكر أحد الضدّين (٤)؛ وهو مسيح الهدى ﵇: " إذْ من عادة العرب أنها تكتفي بذكر أحد الضدّين عن ذِكر الآخر .. ) (٥) .
وأَيَّا ما كان فسواء سُلِّم بهذا الإلماح في الآيات أم لم يُسلّم؛ يبقى
стр. 415
أَنَّ السُّنة قد تكفَّلت ببيان هذا الأمر، وقد حاول الحافظ ابن كثير ﵀ التماس حكمة عدم التصريح باسمه؛ بأنّ في ذلك خَفْضًا من شأنه، واحتقارًا له؛ لكونه يدّعي الإلهيّة، مع بشريّته واتصافه بعوارض النقص والخلل التي تنافي مقام عظمة الربوبية (فكان أمره عند الربّ أحقر من أن يُذكر، وأصغر، وأدْحرُ أن يُجْلى عن أمر دعواه، ويُحذّر. لكن انتصر الرُّسل لجناب الربّ ، فَجَلّوْا لأممهم عن أمره، وحذّروهم ما معه من الفتن المُضِلّة، والخوارق المنقضية المضمحلّة، فاكتفى بإخبار الأنبياء، وتواتُر ذلك عن سيد ولد آدم إمام الأتقياء؛ عن أن يذكر أمره الحقير بالنسبة إلى جلال الله = في القرآن الكريم، ووكل بيان أمره إلى كل نبيّ كريمٍ) (١) .
وأما ذِكْر فرعون في القرآن مع دعواه الربوبية دون الدجّال؛ فلانقضاء أمر الأوّل، وظهور كذبه، وبطلان دعوته لكل مؤمن عاقل. وأمّا الدجّال فأمره كائن لمَّا يأتِ (٢) . وماذكره ابن كثير ﵀ فيه نَظر، إذ لو كان حكمة عدم التنويه به هو الخفض من شأْنه =للزم أن يطَّرد ذلك أَيضًا في السُّنة.
ومفْصَل القول أنّ خفاء حكمة عدم التصريح بأمر الدجّال في القرآن، لا يعكّر على ما دلّت عليه الأحاديث القطعية من ثبوت أمره؛ وإلاّ لاقتضى ذلك التَّجارِي في إنكار كلّ ما يثبت في السنن من معاقِد الدين، ولم يُذكر في القرآن.
ومع ظهور هذه الدلائل على صحة أمر الدجّال، وعظيم فتنته؛ إلاّ أن طوائف أخطأت، وصدفت عنها. وانقسمت مواقفهم من أحاديث الدجال إلى ثلاثة مواقف:
стр. 416
الموقف الأول: رَدّها، وتكذيبها صراحةً.
الموقف الثاني: رَدّها، وتأويل تلك الأحاديث، والخروج بها عن ظاهرها.
الموقف الثالث: التسليم بأصل وجود الدجال، وبعض صفاته، وتأويل بعضها.
الموقف الأول:
أمّا من ردّ أحاديث الدّجال: فطوائف من الخوارج، والجهمية، وبعض المعتزلة (١) .
قال الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀ مبيّنًا الذاهبين إلى إنكار الدجّال جملةً: (فأمّا ضرار بن عمرو وسائر الخوارج؛ فإنهم ينفون أن يكون الدجال جملةً، فكيف أن يكون له آية!) (٢) .
الموقف الثاني:
مَن تأوّل الأحاديث الدالة على شخص الدجال، وإثبات أمره.
وممّن ذهب إلى ذلك: " محمد عبده "؛ حيث خرج بهذه الأحاديث عن حقائقها التي تدل عليها، ولا موجب لذلك. وقد قرره بقوله: (إن الدجال رمز للخرافات والدجل، والقبائح التي تزول بتقرير الشريعة على وجْهها، والأخذ بأسرارها، وحُكْمِها .. ) (٣) .
ودرج على ذلك أيضًا: " محمد فهيم أبو عبَّية "؛ حيث قال معلّقًا على الأحاديث الواردة في الدجال: (اختلاف ما رُوي من الأحاديث في مكان ظهور الدجال، وزمان ظهوره، وهل هو ابن صيّاد أم غيره؟ = يشير إلى أن المقصود بالدجال الرَّمزُ إلى الشرّ، واستعلائه، وصولته،
стр. 417
وجبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطايُر أذاه في كثير من الأمكنة؛ بما يتيسّر له من وسائل التّمَكُّن والانتشار، والفتنة بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته، وتموت جمرته بسلطان الحق، وكلمة الله: إن الباطل كان زهوقا) (١) .
أمّا " مصطفى محمود " فإنّه يتأول الدجّال بأنّه " الحضارة الغربية "، فيقول: (تَروي لنا الأديانُ حكاية رجل يظهر في آخر الزمان، يأتي من الخوارق والمعجزات ما يفتن الناس، من كافة أرجاء الأرض، فيسيرون خلفه، وقد اعتقدوا أنه إله. وتصفه الروايات بأنه "أعور"، وأنه يملك من القوة الخارقة ما يجعله يرى بهذه العين الواحدة ما يجري في أقصى الأرض، كما يسمع بأُذُنِهِ ما يتهامس به الناس عبر البحار، كما يُسقِط الأمطار بمشيئته ... ذلك هذا المسيخ الدجال إحدى علامات السَّاعة التي نقرأ عنها في كتب الدين. والمسيخ الدجال قد ظهر بالفعل؛ كما يقول الكاتب البولندي " ليوبولد فايس" (٢) .. وهذا المسخ الشائه، ذو العين الواحدة - كما يقول ليوبولد فايس - هو = التقدم المادي، والقوة المادية، والترف المادي .. معبودات هذا الزمان.
مدنيّة هذا العصر الذرّي، العوراء التي تتقدّم في اتجاه واحدٍ، وترى في اتجاهٍ واحدٍ؛ هو الاتجاه المادّي. بينما تفتقد العين الثانية " الرُّوح" التي تبصر البُعد الرُّوحي للحياة .. فهي قوة بلا محبّة، وتكنلوجيا بلا أخلاق. وقد استطاع هذا المسخ فعلًا عن طريق العلم أن يسمع ما يدور في أقصى الأرض " باللاسلكي" ويرى ما يجري في آخر الدنيا " بالتليفزيون" وهو الآن يُسْقِطُ المطر بوسائل صناعيّة ... ) (٣) .
стр. 418
الموقف الثالث:
وهم الذين أقرّوا بأصل الأخبار الدالّة على وجود الدجال، مع تأويل بعض صفاته، و ما ثبت له من خوارق.
وممّن ذهب إلى ذلك: " الجبائي " من المعتزلة، وبعض الجهميّة (١)؛ وابن حزم ﵀ حيث قال في معرض ردِّه على أَهل الكتاب: (فإن قيل: إنَّكم تقولون: إنَّ الدَّجَّال يأتي بالمُعجِزات.
قُلنا: حاشا لله مِن هذا!،وما الدَّجال إلَاّ صاحبُ عجائب، كأبي العجب الشّعبذ (٢) ولافرق، وإنَّما يتحيَّلِ حيلا معروفة، كلُّ من عرفها عمل مثل عمله، وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنَّ المغيرة بن شُعبة سأله: هل مع الدجال نهرُ ماء، وخبز ونحو ذلك؟ فقال له رسول الله ﷺ :هو أهون على الله من ذلك .. ) (٣).
فهؤلاء أقرّوا بوجود الدجّال؛ لكنهم أبَوْا التسليم بحقيقة ما تضمّنته الأحاديث من ثبوت الخوارق له، وزعموا أن ما يُظْهِره إنما هو حيل، ومخارق لا حقيقة لها، وعلةُ نفيهم دعواهم أنَّه لو صحت هذه الخوارق =لكانت قدحًا في النُّبوّة (٤).
وقد وافقهم الإمام الطحاوي ﵀ في النتيجةِ، وإن اختلف معهم في المأخذ الذي انطلق منه المخالفون، فإنّ مأخذه ﵀ إرادة الجمع بين النُّصوص، فأدّاه اجتهاده إلى تلك النتيجة، حيث قال بعد أن ساق الأحاديث المثبتة لخوارق الدجال: (فتأملنا هذه الآثار فيما ذكر أنه مع الدجّال من الجزر والماء؛ هل ذلك على الحقائق أو على ما سواها؟) (٥). ثم بعد أن أورد حديث المغيرة بن شعبة المتقدّم ذِكرُه، وفيه: قال: ما سأل
стр. 419
أحدٌ رسولَ الله ﷺ عن الدجال أكثر مما سألته. فقال: (ما يصيبك، إنّه لا يضرّك) قلت: إنهم يزعمون أن معه الطعام والأنهار. قال: (هو أهون على الله من ذلك) قال الإمام الطحاوي: (فكان تصحيح حديث المغيرة هذا، وما رويناه قبله على أن ما رويناه قبله هو ما يوهمه الدجالُ الناس بسحره أنّه ماءٌ وخُبزٌ، فيرونه كذلك بسحره الذي يكون معه؛ مما يَقْدِرُ به عليهم، حتى يرون أن ذلك في الحقيقة كما يرونه بأعينهم في ظنونهم = وليس كذلك، وإنما هو كمثل ما أخبر الله عما كانت سحرة فرعون فعلتْه بقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ طه: ٦٦
فقال قائل منهم: فقد رويتم عن رسول الله ﷺ في هذا الباب ما يخالف ما ذكرتم ... قال هذا القائل: ففي هذا الحديث تحقيق هذه الأشياء أنها تكون من الدجال.
فكان جوابنا له في ذلك: إن هذا الحديث ما يدل على غير ما ظنّ، وذلك أن فيه: (ثم يأمر السماء فتمطر فيما يُرى، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس) (١) . وفي ذلك تحقيق ما قلناه: إنّ هذه الأشياء إنما تكون منه على جهة السحر الذي يُخيّل إلى من لحقه ذلك السحر أنه حقائق، وليست بحقائق ... ) (٢) .
وقد أبْعد العلاّمة الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تنزيله الأخبار الواردة في أمر " الدجال " على الواقع الذي كان يعيشه الشيخ آنذاك؛ من مناصرة الإنجليز لليهود على اغتصاب فلسطين، وإقامة مملكتهم عليها. وقد أدّاه ذلك ﵀ إلى الوقوع في التكلّف في فهم الأحاديث، والخروج بها عن ظاهرها. وشاهد هذا التكلّف منه ﵀ وعفا عنه -: أنّه في موطن من رسالته " فتنة المسيح الدجّال " يفسّر
стр. 420
" الدجّال " بالإنجليز. يقول ﵀ في تقرير ذلك بعد سوقه لنص نقله عن الشيخ محمد رشيد رضا: ( ... وأنهم يستعينون على ذلك [أي: اليهود في إعادة ملكهم المزعوم] بالاعتماد على الإنكليز؛ الذي هو أكبر الدجالين، وبخوارق العلوم والفنون العصرية، والمخترعات الهائلة. ويكون على هذا ذِكْرُ النبي ﷺ لبعض تفاصيل فتنته في الأحاديث السابقة؛ على وجه التقريب والتمثيل. ويدلّ على ما قاله [أي: على ما قاله الشيخ محمد رشيد رضا] الحديثُ السابق؛ وهو ما رواه مسلم عن نافع عن عتبة، عنه ﷺ أنه قال: (تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله) (١) . فدلّ هذا الحديث، وترتيب الفتوحات المذكورة بحسب قربهم من المسلمين، وأنهم بعد فتح فارس والروم؛ يغزون الدجال فيفتحه الله = أنّهم الأمم الذين وراء فارس والروم من الأمم الإفرنجية وتوابعهم، وكونهم السبب الوحيد الذي مهّد لليهود ملك فلسطين) (٢) .
ثم إنّه عاد ﵀ ليقرّر أن الدجالَ شخصٌ معيّنٌ من اليهود، ينزل عيسى ﵇ لقتْله. فقال: (ولا بدّ أن تتوسّع سيطرة اليهود، ولا بدّ لهم من التضييق على جيرانهم من الحكومات العربية، ولا بدّ أن يتبيّن مَن الشخصُ الذي هو المسيح الدجال المعيّن بذاته، وتجري بقية ما ذكره الرسول ﷺ على يده، حتى ينزل عيسى ابن مريم، ويُعين الله المسلمين، فيقاتلونهم، فيقتلون اليهود، ويقتُل عيسى ﷺ مسيحَهم الدجّال) (٣) .
ولم يكتفِ بذلك ﵀؛ بل ذهب أيضًا إلى تأويل بعض خوارق
стр. 421
الدجال، وأن منها ما يكون على جهة التمويه والخداع؛ الذي لا حقيقة تحته. قال ﵀: (ومما يؤيد أن العلوم العصرية المتنوعة هي من خوارق الدجال: ما تقدم في حديث النواس بن سمعان ﵁: قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: (كغيث استدبرته الريح) (١). وهذا بأسباب المخترعات الحديثة من المراكب البرية الهوائية. وقد قال كثير من أهل العلم في قوله ﷺ عن الدجال: (إنّه مكتوب بين عينيه " كافر " يقرؤه كل مؤمن، كاتبٍ وغير كاتب) (٢): إنّ هذا على جهة التمثيل، وأنّ معناهُ: أنَّ أمره واضحٌ، لا يخفى على كل مؤمن أنّه كافر، وأن ما معه ومع أتباعه من الخوارق لا تدلّ على صحة قوله، وإنما هي صناعات ماديّة يشترك فيها البَرّ والفاجر.
ومما يدلّ على أنها تمويهات: ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة الثابت في الصحيحين، قال: " ما سأل أحدٌ رسولَ الله ﷺ عن الدجال أكثر ما سألته. وأنه قال لي: (ما يضرك) قلت: إنهم يقولون: إنّ معه جبال من خُبز، ونهر من ماء، قال: (هو أهون على الله) (٣) الحديث. فقوله: (هو أهون على الله) أي: من أن يكون لهذه المذكورات حقائق صحيحة تدلّ على صِدْقِه، وإنّما معه أمورٌ ومخترعات موجودة مشترَكة ... ) (٤).
وقد تأوّل بعضهم ما ورد من الكتابة بين عيني الدجال من أن معنى ذلك ما ثبت من سمات حَدْثِهِ، وشواهد عجْزه، وظهور نقْصه (٥).
وبيان ما في هذه التأويلات من وجوه التعسُّف لمدلول تلك الأحاديث في المبحث التالي.
стр. 422
المطلب الثَّاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث المتعلِّقة بالدجال:
أورد المخالفون عدة معارضات عقلية؛ سواء كانت هذه المعارضات متعلّقة بحقيقة الدجال وتشخصه، أو كانت متعلقة بصفاته الثابتة في الكتاب والسنة. ومن تلك الشبهات:
المعارض الأول: أن أحاديث الدجال تنافي حكمة إنذار القرآن الناس بقرب السَّاعة وإتيانها بغتة.
المعارض الثاني: أن هذه الأحاديث نَسَبَتْ جملة من الخوارق للدجال؛ تضاهي أكبر الآيات التي أيّد الله بها أولي العزم من الرسل، أو تفوقها. وإثبات هذه الأحاديث يعدّ شبهة على آيات الأنبياء، مما يُسقِط الثقة بها، والانتفاع بهدايتها.
المعارض الثالث: أن هذه الخوارق مخالفة لسنن الله في خلقه. ونصوص القرآن قاطعة في أنه لا تبديل لسنة الله تعالى ولا تحويل.
المعارض الرَّابع: هذه الأحاديث مشتملة على ما يصادم القطعيات المعلومة من الدين؛ كتخلّف أخبار الرسل، أو كونها عبثًا، وإقرارهم على الباطل = وهذا محالٌ في حقهم.
وهذه الشبهات الأربع تولّى كِبرها ومصادمة الأدلة القاطعة في جملتها على ثبوت الدجال وصفاته = الشيخ محمد رشيد رضا - عفا الله عنه - في تفسيره (١)،وقد ساق بعضهم معارضًا على صفةٍ من صفات الدجال الواردة في الحديث؛ وهي ما ورد من أنه مكتوب بين عينيه " كافر " فمنَع حمل هذه الكتابة على حقيقتها، ومناط المنع:
стр. 423
المعارض الخامس: أنه لو حُملت تلك الكتابة على حقيقتها؛ لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر. ولم يقع الاختصاص بإدراك ذلك للمؤمن فقط (١) . ثم إنّ من المؤمنين من هو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو من هو أعمى؛ فكيف يتحصّل له إدراك ... ذلك؟.
ويقول " حسن حنفي " ساخرًا بما صح من أَمر الكتابة: (ومكتوب بين العين العوراء والعين العمياء كافر! وكأنّ الجبين سبّورة أو قرطاس! وبأيِّ لونٍ تكون الكتابة؟ وبأيّة لغةٍ؟ وما حجمها؟ وماذا عن المؤمن الذي لا يعرف القراءة أو اللغة، أو المؤمن الأعمى؟) (٢) .
стр. 424
المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المُتعلقة بالدجال:
الجواب عن المعارض الأول:
أمّا دعوى المخالف بأن أحاديث الدجّال تنافي حكمة إنذار القرآن الناسَ بقرب السَّاعة وإتيانها بغتة؛ فقد سَلَف بيان خطأ هذا القول في المبحث السابق، وما سبق يغني عن تكرار المقال.
أما المعارض الثاني، وهو دعواهم: أن هذه الأحاديث نَسَبت جملة من الخوارق للدجال تضاهي أكبر الآيات التي أيّد الله بها أولي العزم ... الخ.
فالجواب عن ذلك أن يقال: إنّ منشأ الخطأ عند هؤلاء يرجع إلى إغفال أمرين:
الأمر الأول: النظر في حقيقة دعوى الدجال التي يدّعيها لنفسه.
الأمر الثاني: النظر في ما اقترن بالدجال من أحوال وصفات؛ تبرهن على حقيقة أمره، وتكشف عن زيف دعواه.
فأمَّا الأَمْرُ الأَوَّلُ: فإنَّ دعوى الدجّال التي تصحبها تلك الخوارق = هي دعوى الربوبية، لا النبوّة والرسالة. وعلى هذا؛ فاقتران هذه الخوارق بدعواه، ومضاهاتها لآيات الأنبياء ليست مثار إشكال؛ لكونه لم يدّع الرسالة حتى يقال: إن هذه الخوارق معجزات وآيات قامت مقام تصديق الله له.
فإن قيل: إنّ بادئ أمر دعواه الصلاح، ثم الرسالة، فيقال: ظاهر ما دلّت عليه الأحاديث أنّ هذه الخوارق تظهر بعد دعواه الربوبية؛ لا قبل ذلك. ثمّ لو جُوِّز ظهورها قبل ذلك في حال دعواه الرسالة؛ فإنه لم ينفكّ عن الدلائل والسمات التي تعارض صدق دعواه المقترنة بتلك الخوارق، وهو ما أُشير إليه في:
стр. 425
الأمر الثاني: وهو أنّ الدجال موسوم بصفاتٍ وعلاماتٍ تقوم مقام تكذيبه فيما يدّعيه؛ سواءً من أمر الرسالة، أو أمر الربوبية. وهذه الأمور المُقترنة معه تُبطِل أثر تلك الخوارق، وتزيد اليقين عند المؤمنين بكذبه؛ وإلاّ لما كان للنبي ﷺ فضلٌ ومزيّة على غيره من الرسل في الإبانة عن أمر الدجال. فإنه ﵊ قال: (ألا أحدّثكم حديثًا عن الدجال ما حدّث به نبيٌّ قومَه؟) . الحديث (١) .
ولَمَا كان في قوله ﷺ : (إنْ يخرجْ وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإنْ يخرج ولستُ فيكم فأمرُؤٌ حجيجُ نفسه) فائدةٌ تذكر. فإن مقصودَه ﷺ بقوله: (فامرؤٌ حجيجُ نفسه) أي: إنْ خرج الدجال ولست فيكم (فليحتج كل امرئ عن نفسه بما أعلمتُه من صفته، وبما يدلّ عليه العقل من كذبه في دعوى الإلهية؛ وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات) (٢) .
والمؤمن ببصيرته يسدِّده الله فينكشِف له في أَزمان الفتن مالا ينكشف لغيره ويتبيَّن له صدق الصادق، وافتراء المفتري، والدَّجال أكذب الخلق، وكَذبه ظاهر، لا ينفق على أهل اليقين، لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( ... المؤمن يتبيّن له ما لا يتبيّن لغيره؛ لا سيما في الفتن، وينكشف له حال الكذاب الوضّاع على الله ورسوله؛ فإن الدجال أكذب خلق الله، مع أن الله يُجري على يديه أمورًا هائلة، ومخاريقَ مُزَلزِلة؛ حتى أنّ من رآه افتُتِن به، فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها