← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

الدجال، وأن منها ما يكون على جهة التمويه والخداع؛ الذي لا حقيقة تحته. قال ﵀: (ومما يؤيد أن العلوم العصرية المتنوعة هي من خوارق الدجال: ما تقدم في حديث النواس بن سمعان ﵁: قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: (كغيث استدبرته الريح) (١). وهذا بأسباب المخترعات الحديثة من المراكب البرية الهوائية. وقد قال كثير من أهل العلم في قوله ﷺ عن الدجال: (إنّه مكتوب بين عينيه " كافر " يقرؤه كل مؤمن، كاتبٍ وغير كاتب) (٢): إنّ هذا على جهة التمثيل، وأنّ معناهُ: أنَّ أمره واضحٌ، لا يخفى على كل مؤمن أنّه كافر، وأن ما معه ومع أتباعه من الخوارق لا تدلّ على صحة قوله، وإنما هي صناعات ماديّة يشترك فيها البَرّ والفاجر. ومما يدلّ على أنها تمويهات: ما تقدّم في حديث المغيرة بن شعبة الثابت في الصحيحين، قال: " ما سأل أحدٌ رسولَ الله ﷺ عن الدجال أكثر ما سألته. وأنه قال لي: (ما يضرك) قلت: إنهم يقولون: إنّ معه جبال من خُبز، ونهر من ماء، قال: (هو أهون على الله) (٣) الحديث. فقوله: (هو أهون على الله) أي: من أن يكون لهذه المذكورات حقائق صحيحة تدلّ على صِدْقِه، وإنّما معه أمورٌ ومخترعات موجودة مشترَكة ... ) (٤). وقد تأوّل بعضهم ما ورد من الكتابة بين عيني الدجال من أن معنى ذلك ما ثبت من سمات حَدْثِهِ، وشواهد عجْزه، وظهور نقْصه (٥). وبيان ما في هذه التأويلات من وجوه التعسُّف لمدلول تلك الأحاديث في المبحث التالي.

стр. 422

المطلب الثَّاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث المتعلِّقة بالدجال: أورد المخالفون عدة معارضات عقلية؛ سواء كانت هذه المعارضات متعلّقة بحقيقة الدجال وتشخصه، أو كانت متعلقة بصفاته الثابتة في الكتاب والسنة. ومن تلك الشبهات: المعارض الأول: أن أحاديث الدجال تنافي حكمة إنذار القرآن الناس بقرب السَّاعة وإتيانها بغتة. المعارض الثاني: أن هذه الأحاديث نَسَبَتْ جملة من الخوارق للدجال؛ تضاهي أكبر الآيات التي أيّد الله بها أولي العزم من الرسل، أو تفوقها. وإثبات هذه الأحاديث يعدّ شبهة على آيات الأنبياء، مما يُسقِط الثقة بها، والانتفاع بهدايتها. المعارض الثالث: أن هذه الخوارق مخالفة لسنن الله في خلقه. ونصوص القرآن قاطعة في أنه لا تبديل لسنة الله تعالى ولا تحويل. المعارض الرَّابع: هذه الأحاديث مشتملة على ما يصادم القطعيات المعلومة من الدين؛ كتخلّف أخبار الرسل، أو كونها عبثًا، وإقرارهم على الباطل = وهذا محالٌ في حقهم. وهذه الشبهات الأربع تولّى كِبرها ومصادمة الأدلة القاطعة في جملتها على ثبوت الدجال وصفاته = الشيخ محمد رشيد رضا - عفا الله عنه - في تفسيره (١)،وقد ساق بعضهم معارضًا على صفةٍ من صفات الدجال الواردة في الحديث؛ وهي ما ورد من أنه مكتوب بين عينيه " كافر " فمنَع حمل هذه الكتابة على حقيقتها، ومناط المنع:

стр. 423

المعارض الخامس: أنه لو حُملت تلك الكتابة على حقيقتها؛ لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر. ولم يقع الاختصاص بإدراك ذلك للمؤمن فقط (١) . ثم إنّ من المؤمنين من هو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، أو من هو أعمى؛ فكيف يتحصّل له إدراك ... ذلك؟. ويقول " حسن حنفي " ساخرًا بما صح من أَمر الكتابة: (ومكتوب بين العين العوراء والعين العمياء كافر! وكأنّ الجبين سبّورة أو قرطاس! وبأيِّ لونٍ تكون الكتابة؟ وبأيّة لغةٍ؟ وما حجمها؟ وماذا عن المؤمن الذي لا يعرف القراءة أو اللغة، أو المؤمن الأعمى؟) (٢) .

стр. 424

المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المُتعلقة بالدجال: الجواب عن المعارض الأول: أمّا دعوى المخالف بأن أحاديث الدجّال تنافي حكمة إنذار القرآن الناسَ بقرب السَّاعة وإتيانها بغتة؛ فقد سَلَف بيان خطأ هذا القول في المبحث السابق، وما سبق يغني عن تكرار المقال. أما المعارض الثاني، وهو دعواهم: أن هذه الأحاديث نَسَبت جملة من الخوارق للدجال تضاهي أكبر الآيات التي أيّد الله بها أولي العزم ... الخ. فالجواب عن ذلك أن يقال: إنّ منشأ الخطأ عند هؤلاء يرجع إلى إغفال أمرين: الأمر الأول: النظر في حقيقة دعوى الدجال التي يدّعيها لنفسه. الأمر الثاني: النظر في ما اقترن بالدجال من أحوال وصفات؛ تبرهن على حقيقة أمره، وتكشف عن زيف دعواه. فأمَّا الأَمْرُ الأَوَّلُ: فإنَّ دعوى الدجّال التي تصحبها تلك الخوارق = هي دعوى الربوبية، لا النبوّة والرسالة. وعلى هذا؛ فاقتران هذه الخوارق بدعواه، ومضاهاتها لآيات الأنبياء ليست مثار إشكال؛ لكونه لم يدّع الرسالة حتى يقال: إن هذه الخوارق معجزات وآيات قامت مقام تصديق الله له. فإن قيل: إنّ بادئ أمر دعواه الصلاح، ثم الرسالة، فيقال: ظاهر ما دلّت عليه الأحاديث أنّ هذه الخوارق تظهر بعد دعواه الربوبية؛ لا قبل ذلك. ثمّ لو جُوِّز ظهورها قبل ذلك في حال دعواه الرسالة؛ فإنه لم ينفكّ عن الدلائل والسمات التي تعارض صدق دعواه المقترنة بتلك الخوارق، وهو ما أُشير إليه في:

стр. 425

الأمر الثاني: وهو أنّ الدجال موسوم بصفاتٍ وعلاماتٍ تقوم مقام تكذيبه فيما يدّعيه؛ سواءً من أمر الرسالة، أو أمر الربوبية. وهذه الأمور المُقترنة معه تُبطِل أثر تلك الخوارق، وتزيد اليقين عند المؤمنين بكذبه؛ وإلاّ لما كان للنبي ﷺ فضلٌ ومزيّة على غيره من الرسل في الإبانة عن أمر الدجال. فإنه ﵊ قال: (ألا أحدّثكم حديثًا عن الدجال ما حدّث به نبيٌّ قومَه؟) . الحديث (١) . ولَمَا كان في قوله ﷺ : (إنْ يخرجْ وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإنْ يخرج ولستُ فيكم فأمرُؤٌ حجيجُ نفسه) فائدةٌ تذكر. فإن مقصودَه ﷺ بقوله: (فامرؤٌ حجيجُ نفسه) أي: إنْ خرج الدجال ولست فيكم (فليحتج كل امرئ عن نفسه بما أعلمتُه من صفته، وبما يدلّ عليه العقل من كذبه في دعوى الإلهية؛ وهو خبر بمعنى الأمر، وفيه التنبيه على النظر عند المشكلات، والتمسك بالأدلة الواضحات) (٢) . والمؤمن ببصيرته يسدِّده الله فينكشِف له في أَزمان الفتن مالا ينكشف لغيره ويتبيَّن له صدق الصادق، وافتراء المفتري، والدَّجال أكذب الخلق، وكَذبه ظاهر، لا ينفق على أهل اليقين، لذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( ... المؤمن يتبيّن له ما لا يتبيّن لغيره؛ لا سيما في الفتن، وينكشف له حال الكذاب الوضّاع على الله ورسوله؛ فإن الدجال أكذب خلق الله، مع أن الله يُجري على يديه أمورًا هائلة، ومخاريقَ مُزَلزِلة؛ حتى أنّ من رآه افتُتِن به، فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها

стр. 426

وبطلانها = وكلّما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له، وعرف حقائقها من بواطلها؛ بخلاف القلب الخراب المُظلِم) (١) . فإن قيل: لكن مع وجود هذه الصفات المُخبَر عنها في الأحاديث، والتي تدلّ على كذب الدجال؛ فإنَّ وجود ما يضادّها من الخوارق التي يُجريها الله على يديه = يبعثُ الافتتان به، والحيرة في أمره. فيقال: نعم هذا حق، فإنّ ما يُجريه الله على يديه فتنة عظيمة، لا يخلص منها إلاّ أهل الإيمان؛ كما قال ذلك المؤمن الذي قتله الدجّال ثم أحياه: (ما كنتُ فيك أشدّ بصيرةً من اليوم) (٢) . وأمّا من في قلوبهم مرض، والكفرةُ؛ فيزدادون ارتيابًا وفتنةً به. وهذا جارٍ على سبيل الامتحان من الله لعباده. قال الإمام الخطابي ﵀: (وقد يُسأل عن هذا؛ فيقال: كيف يجوز أن يُجرِي الله تعالى آياته على أيدي أعدائه؟ وإحياء الموتى آيةٌ عظيمة من آيات أنبيائه؛ فكيف مكّن منه الدجال؛ وهو كذاب مُفترٍ على الله، يدّعي الربوبية لنفسه؟. فالجواب: أنّ هذا جائز على سبيل الامتحان لعباده؛ إذ كان منه ما يدلّ على أنّه مُبْطل، غير محقّ في دعواه؛ وهو: أن الدجال أعور عين اليمنى، مكتوب على جبهته كافر، يقرؤه كل مسلم. فدعواه داحضة مع وسْم الكُفر، ونَقْص العور؛ الشاهدَيْن بأنه لو كان ربًّا لقدر على رفع العور عن عينه، ومَحْو السِّمة عن وجهه. وآياتُ الأنبياء التي أُعطوها بريئة عما يعارضها، ونقائضها = فلا يشتبهان؛ بحمد الله) (٣) . وعلى هذا؛ فتأويل "أَبي جعفر الطحاوي" ﵀ لما مع الدجال من

стр. 427

الخوارق بأنّها تمويهٌ وتخييلٌ لا حقيقة لها = تردّه تلك الأحاديث البيِّنة الدالّة على أنّ ما يُظهِره الله على يديه من أمر السماء؛ بالإمطار فتُمطر، والأرضِ فتُنبت، واتباع كنوز الأرض له كيعاسيب النحل، وقتْله ذلك الشاب ثم إحيائه له = كلّه حقيقة لا مَخْرقة، وليس هناك ما يمنع جريان تلك الخوارق على يديه، والزمن زمن انخراق السنن. قال الإمام ابن كثير ﵀: (والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة=أنَّ الدجّال يمتحن الله به عبادَه بما يخلقه معه من الخوارق المُشاهَدة في زمانه ... كله ليس بمَخْرقة؛ بل له حقيقة امتحن الله بها عباده في ذلك الزمان، فيُضِلّ به كثيرًا ويهدي به كثيرًا؛ يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا) (١) . والذي يبدو - والله أعلم - أنّ مَردّ تأويل هذا الإمام لم يكن ناشئًا عن شبهةٍ عقلية؛ بل عن شبهةٍ نقلية؛ كاستدلاله بقوله ﷺ للمغيرة ﵁ المتقدّم ذِكْرُه - عندما أخبره بخوفه من فتنة الدجال؛ لِما سمعه من أنّ معه جبال خبز، ونهر ماء = قال ﷺ : (هو أهون على الله من ذلك) ففهِم ﵀ أنّ ما يُظهره الدجال ليس إلاّ تخييلًا ومَخْرَقةً، لا حقيقة تحتها. وكذا ما استدلَّ به من حديث أبي الزبير عن جابر ﵁ (٢)، قال: قال رسول الله ﷺ : (يخرج الدجال في خفّةٍ من الدين، وإدْبار من العلم ... ) وفيه: (ثم يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتلُ نفسًا ثم يحييها فيما يرى الناس) (٣) .

стр. 428

والجواب عمّا استدل به: أن قوله ﷺ : (هو أهون على الله من ذلك) محتمل معنيين: المعنى الأول: أَنَّ الدجالَ أهونُ من أن يُجرِي الله على يديه هذه الخوارق؛ وإنما هو تخييل، وسحرٌ يسحر به أعين الناس. المعنى الثاني: أنه أهون من أن يجعل ما يخلقه الله على يديه مُضلًا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوب الموقنين. فلما كان هذا اللفظ من رسول الله ﷺ محتملًا لكلا المعنيين؛ كان المتعين البحث عمّا يزيل الاحتمال؛ فَوجِد أن الأحاديث الأخرى قد أبانت عن أن ما معه من الخوارق على بابها وظاهرها، فوجب المصير إليها، واتخاذها أصلًا مُحكما يُردُّ إليها ما تشابه من الألفاظ. قال القاضي عياض ﵀: (وقوله في هذا الحديث: قلتُ [أي: المغيرة بن شعبة]: إنهم يقولون: إن معه الطعام والأنهار. قال: (هو أهون على الله من ذلك) أي: من أن يجعل ما يخلقه على يده مُضِلًا للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوب الموقنين؛ بل يزيد الذين آمنوا إيمانًا، وليرتاب الذين في قلوبهم مرض والكافرون) (١) . وقال الحافظ ابن حجر ﵀: (فدل ما ثبت من ذلك على أن ... قوله: (هو أهون على الله من ذلك) ليس المراد به ظاهره، وأنه لا يجعل على يديه شيئًا من ذلك؛ بل هو على التأويل المذكور [يعني: تفسير القاضي عياض؛ السالف الذكر) (٢) . وأما استدلاله ﵀ بحديث جابر ﵁ فلا يستقيم إلاّ بعد التسليم بصحة ثبوته؛ وهذا ما لا يتم له؛ لعلّتين:

стр. 429

العلة الأولى: أن مداره على أبي الزبير المكي عن جابر ﵁. وأبو الزبير مدلّس (١)، وقد عنعنه عن جابر، وأحاديثه لا يُحتجّ بها ما لم يصرّح بالسماع فيها عن جابر، أو يكون الراوي عنه هو الليث بن سعد؛ كما نصّ على ذلك جماعة من أهل العلم. قال الحافظُ ابن عبدالحقّ الإِشبيلي ﵀: (أَبو الزُّبير يُدلِّس في حديثِ جابر، فإذا ذكر سماعه منه، أَو كان من رواية الّليث عن أَبي الزُّبير =فهو صحيح) . (٢) نقله عنه ابن القطَّان الفاسي ووافقه. (٣) وقال الإمام الذهبي ﵀: (وفي صحيح مسلم عدّة أحاديث مما لم يوضّح فيها أبو الزبير السماع عن جابر، وهي من غير طريق الليث عنه؛ ففي القلب منها شيء) . (٤) وأبو الزبير في هذه الرواية لم يُصرح بالتحديث، ولم يكن الرَّاوي عنه الليث بن سعد. و انضمّ إلى هذه العلة علّةٌ أخرى؛ وهي: العلّة الثانية: تفرُّده بزيادةٍ لم تقع في الأحاديث الأخرى -بحسب ما وقفت عليه منها-؛ وهي قوله: (ثم يأمر السماء فتمطر فيما يرى الناس، ويقتل نفسا ثم يحييها فيما يرى الناس) فهذه الزيادة خالف فيها الثقات الذين رووا أحاديث الباب. وعلى هذا؛ فلا يُحتمل منه مثل هذا التفرُّد. ومن هنا يتبين لنا أن ما ذهب إليه الإمام الطحاوي ﵀ بناءً على ما استند إليه من هذين الحديثين = مذْهب مرجوحٌ؛ لمخالفته للدلائل المتكاثرة التي سبق ذِكْرها.

стр. 430

ولذا قال أبو العباس القرطبي ﵀: (وأمّا من قال: إنّ ما يأتي به الدجّال حِيلٌ ومخارق - فهو معزول عن الحقائق؛ لأن ما أخبر به النبي ﷺ من تلك الأمور حقائق لا يحيل العقل شيئًا منها = فوجب إبقاؤها على حقائقها) (١) . وإنما سُقت موقف الإمام الطحاوي، وخرجْتُ عن شرط هذه المباحث؛ مع كون شبهته - فيما يظهر - تستند إلى دليل نقلي، لا إلى مُعارِض عقلي = كي لا يظنّ ظانٌّ أن تأويله ﵀ نابعٌ عن استشكالٍ عقليٍّ مَحْضٍ؛ فيُتّخذ ذلك وليجة للنيل منه، أو الاعتضاد بقوله. فبيان مآخذ أهل العلم ونفي موارد الظنون عنهم؛ ممّا يتغيّاه هذا البحث؛ لقطْع علائق المتأولين المتعلّقين بأذيال أهل العلم؛ فضلًا عن كون ذلك من لوازم الديانة. المعارض الثالث: زعمُهم: أنّ هذه الخوارق مخالفة لسنن الله ... إلخ. فالجواب: قد سبقتْ الإبانة عن بطلان هذه الشبهة في المبحث المنعقد لدفع المعارض العقلي عن آيات الأنبياء؛ بما يُغني عن مكرور القول فيها. المعارض الرابع: زعمهم: أنّ هذه الأحاديث متضمّنةٌ لما يصادم القطعيات المعلومة من الدين؛ كتخلُّف أخبار الرُّسل، أو كونها عبثًا ... . فالجواب: إِنّه تهويلٌ يفتقر إلى تحقيق. وبرهانُ زيف ما ذكروه أنّ القول بتخلّف أخبار الرسل في هذه الأحاديث إنما يصح؛ في حال انطوائها على جزم كل نبيّ بخروج الدجال في زَمَنِه، ولو وقع ذلك لصحَّ التوقُّف حينئذ في تصحيح تلك الأحاديث. ومضمون تلك الأحاديث يشهد بخلاف ذلك؛ لأنه إنما وقع التحذير من الأنبياء

стр. 431

لأممهم خوفًا من خروجه فيهم. والأحاديث لم تتضمّن أنهم قطعوا بذلك. وحاصل الأمر: أن تحذير الأنبياء ﵈ من الدجال هو كتحذيرهم لأممهم من السَّاعة؛ فكما أن الدجال لم يخرج في زمنهم؛ فكذا السَّاعة لم تقم في زمنهم. فعدّ الأول خلفًا في الأخبار دون الآخر؛ تحكُّمٌ بلا برهان (١) . المعارض الخامس: إحالة بعضهم لما ورَدَ من شأن الكتابة بين عيني الدجال، ومنْعه من حملها على حقيقتها؛ بدعوى أنه لو حملت تلك الكتابة على الحقيقة لاستوى في إدراك ذلك المؤمن والكافر ... الخ فالجواب عن ذلك: أنّ العقل لا يحيل ذلك، والربّ ﵎ لا يُعجِزه أن يصرِف الكافر عن إدراك هذه الكتابة. وعلى هذا؛ فحملهم الوارد في هذا الحديث من أمر الكتابة على معنى ما ثبت من سمات حَدْثه، وشواهد عجْزه، وظهور نقصه = (عُدولٌ وتحريفٌ عن حقيقة الحديث، من غير موجبٍ لذلك. وما ذكره من لزوم المساواة بين المؤمن والكافر في قراءة ذلك لا يلزم؛ من وجهين: أحدهما: أن الله يمنع الكافر من إدراكه؛ ولا سيما وذلك الزمان قد انخرقت فيه عوائد؛ فليكن هذا منها. وقد فُهم ذلك مما جاء في بعض طرقه: (يقرؤه كل مؤمن؛ كاتبٍ وغير كاتب) وقراءة غير الكاتب خارقة للعادة. وثانيهما: أن المؤمن إنّما يُدركه؛ لتثبُّتِه، ويقظتِه، ولسوء ظنّه بالدّجال، وتخوُّفه من فتنته. فهو في كل حال يستعيد النظر في أمره، ويسْتزيد بصيرةً في كذبه؛ فينظر في تفاصيل أحواله، فيقرأ سطور كفره وضلاله، ويتبيّن عين محاله.

стр. 432

وأما الكافر فَمَصْروف عن ذلك كله؛ بغفلته، وجهْله. وكما انصرف عن إدراك نقص عوره، وشواهد عجزه؛ كذلك يُصرَف عن فهْم قراءة سطور كفره ورَمْزِه) (١) . قال الإمام النووي ﵀: (الصحيح الذي عليه المحققون: أنّ الكتابة المذكورة حقيقة، جعلها الله علامة قاطعة يكذب بها الدجال، فيُظهِر الله المؤمنين عليها، ويخفيها على من أراد شقاوته. وحكى عياضٌ خلافًا، وأن بعضهم قال: هي مجازٌ عن سمة الحدوث عليه = وهو مذْهب ضعيف، ولا يلزم من قوله: (يقرؤه كل مؤمن؛ كاتبٍ وغير كاتب) أن لا تكون الكتابة حقيقة؛ بل يقدر الله على غير الكاتب علم الإدراك، فيقرأ ذلك، وإنْ لم يكن سبق له معرفةٌ بالكتابة؛ وكأنّ السرّ الطيف في أن الكاتب وغير الكاتب يقرأ ذلك؛ لمناسبة أن كونه أعور، يدركه كلُّ من رآه. فالله أعلم) (٢) . وأمّا من ذهب إلى تأويل الأحاديث الدالّة على الوجود العيني للدجّال بحملها على الرمز والإشارة؛ وأنّها ترمز إلى الخرافة والدجل، التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها - كما ذهب " محمد عبده " -. أو رمز على الشرّ واستعلائه - كما تأوله "محمد أَسد"وارتضاه "مصطفى محمود " - = فكلّ هذه التأويلات لا تثبت على قدم، وبطلانها بيِّنٌ من وجوه: الأول: أن هذه التأويلات مؤسَّسة -فيما يظهر-على الإحالة. ولا إحالة تمنع من قبول أحاديث الدجّال والتسليم بها؛ بل هي جارية على سنن العقْل، والشرعُ مُثْبت لها. وما أثبته الشرعُ فهو - يقينًا - موافقٌ

стр. 433

للعقل. ومن تأمّل هذا في جميع ما أخبر به الرسول ﷺ فمحالٌ أن تزل قدمه عند ورود بعض ما يُشكِل على هذا الأصل. الثاني: أنّ هذه التأويلات قدْحٌ في جَناب المصطفى ﷺ ؛ لأنه من المتقرر شرعا وعقلًا: أنّ من أراد النُّصح والبيان لأحدٍ من الخلق؛ فإنّه لابد أن يَعْمَدَ إلى أقرب الطرق للإفهام، ويتخيّر من الألفاظ ما تحصل به الإبانة، وتقع به النصيحة. فإن تحاشى مريد النصيحة هذا السبيل؛ بأنْ عمد إلى الإبهام مع الحاجة إلى البيان؛ استدلّ الناظر في حال هذا المتنكّب عن هذا السبيل على أحد أمرين: الأول: إمّا أن يكون جاهلًا، عاجزًا عن الإبانة. الوجه الآخر: أن يكون أراد تضليل المخاطَب، وإيقاعه في الحيرة. ولا ريب أن المتأولين لهذه الأحاديث، وحمْلهم لها على خلاف الظاهر المتبادر منها؛ يلزمهم في وصف الرسول ﷺ أحد هذين الأمرين، وكلاهما شرّ. أمّا الأول: فلأنّه من المعلوم أن النبي ﷺ أفصح الخلقِ لسانًا، وأكملهم بيانًا؛ فمُحال عليه ﷺ أن تتواتر عنه الأحاديث بالتحذير من الدجال وفتنته، ويتناقلها أصحابه رضوان الله عليهم؛ على ظاهرها المتبادر، ويرويها دواوين العلم وحُفّاظ السنة، وفقهاء الملة = مع كونهم غُفْلا عن معرفة معناها، والإحاطة بمدلولها. ويكون هؤلاء المخالفون هم أعرفَ النَّاس بمراده ﷺ ، وأدْرى بمقصوده = فإنّ هذه سفسطةٌ لا يقرّها عاقل. وأما الأمر الثاني: فلمصادمته للقطعيات الدالّة على تبليغ المصطفى ﷺ للدين الذي بُعِث به، وأدائه للأمانة المُناطة به؛ قال جلّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ

стр. 434

رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ المائدة: ٦٧ ولقوله جلّ وعلا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ النحل: ٤٤ وإيقاع البلاغ لا يتم إلا بأمرين: الأول: إيضاح الخطاب من المبلِّغ بأقرب طريقٍ يُوصِل إليه. والأمر الثاني: استبانة المخاطبين قصده من الخطاب. فحصول الأول دون الثاني يمنع وصف المبلِّغ بأنه بلّغ ما أُنزِل إليه. وهذا محال في حقّ نبينا ﷺ ؛ فإنّه قد شهدت له بذلك أمته، واستُنطقت بذلك في أعظم مجْمَع لها؛ في خطبته في حجّة الوداع، وكان الصحابة رضوان الله عليهم زهاء أربعين ألفًا. كما في الحديث الذي أخرجه مسلم بسنده عن جابر: (وأنتم تُسألون عنّي. فما أنتم قائلون؟) قالوا: نشهد أنك قد بلّغتَ وأدّيتَ، ونصحْتَ. فقال بأصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: (اللهم اشهد، اللهم اشهد) ثلاث مرات) (١). فتقرّر من ذلك: أنّ أصحابه رضوان الله عليهم عقِلوا عنه ما بلّغهم إيّاه، وأنّه لم يُقبض ﵊ حتى نصح الأمة أتمّ النصح وأجلاه، وبيّن لها دينها أبلغ بيان. الوجه الثالث: أنّ حمْل هذه الأحاديث الدالة على تشخص الدجال، وعلى تعيّن وجوده، وخروجه على الرّمز والتخييل بلا قرينة يفهم منها ذلك = عدولٌ عن الظاهر المتبادَر بلا برهان. [الوجه الرابع: أنّ طرْق باب التأويل لأدنى إشكال ينقدح في عقل الناظر في هذه الأحاديث؛ يبعثُ على فتح الباب على مصراعيه لتأويل أحرف الشريعة كلها؛ فلا يُوثَق بعدُ بخبر، ولا ينعقد القلب على دين = وهذا هو الانحلال بعينه، وهدْم للشريعة، وتَقْويضها] [*]. وأمّا ما فهمه العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ من الأحاديث المتكاثرة في الدجال؛ من أنّه تارةً يقصد بها الإنجليز، وأن

стр. 435

الخوارق التي معه عبارة عن تمثيل يقصد ﷺ به العلوم العصرية، والمخترعات الحادثة التي استعان بها أولئك الإنجليز لنصرة اليهود لإقامة دولتهم = فهذا الفهم بعيدٌ جدًّا؛ و منشأ الخطأ الذي وقع هذا الإمام فيه: هو من جهة تحقيق مناط هذه الأحاديث؛ لا من جهة إحالة عقله لها قطعا، لأنَّه ممَّا لا ريب فيه أَن العلاّمة السعدي-﵀ إمامٌ سلفيٌّ مُتَّبع للدَّلائل، والقادح في هذا التخريج الذي أعمله الشيخ ﵀ =هو أنّ النصوص تردّه، وتدلّ على خلافه. إذْ كيف يُحمل قوله ﷺ : (ما بُعث نبيٍّ إِلَاّ وقد أنذر أُمّته الأَعورَ الكذَّاب. ألا إنَّه أَعور. وإنَّ ربكم ليس بأعور وإنَّ بين عينيه مكتوب "كافر") (١) = على التمثيل، ويُحْمل هذا الإبداء والإعادة في شأن شخص بعينه على شعْب، أو أمّة من الأمم؟!. ولو كان ﷺ مرامه بالدجال خلاف ما دلّ عليه لفظه؛ لوقع الخُلف في ... قوله ﷺ : (فإنّي سأصفه لكم صفة لم يصفْها إياه نبيّ قبلي) لأن مقتضى قوله ﵊ هذا: أنّه سيكشف عن حال الدجال، ونعته؛ بما معه من خوارق، وبما فيه؛ كشفًا يُغني عن وصف كل نبي ممّن قبله، فضلًا عن وصف غيرهم ممن يقصرون عن رتبة النبوة، ومنزلة الرسالة. وفهْم الشيخ عبد الرحمن السعدي - برّد الله مضجعَه - يعود بالإبطال على وصفه ﷺ الذي هو أتمّ الوصف وأعلاه، وأدلَّهُ، وأجلاهُ = وكلّ تأويل يعودُ على ما دلّ عليه النصّ بالإبطال؛ فهو حقيقٌ بألاّ يُلتفَت إليه. ثم يقال: إنّه لو كان غرض النبي ﷺ الكشف عن فتنة هؤلاء الإنجليز؛ لأبان عن ذلك بأوضح إشارة، وأدلّ عبارة.

стр. 436

وممّا يدلّ على قلق هذا التأويل في نفس الشيخ السعدي ﵀ عدم اطمئنانه إليه؛ لكونه يعارض الأحاديث الدالّة على الوجود العيني للدجال = أنّه عاد ليقرّر ذلك بقوله: (ولا بدّ أن تتوسّع سيطرة اليهود، ولا بدّ لهم من التضييق على جيرانهم من الحكومات العربية، ولا بدّ أن يتبيّن مَنْ الشخص منهم الذي هو المسيح الدجّال المعيّن بذاته، وتجري بقيّة ما ذكره الرسول ﷺ على يده؛ حتى ينزل عيسى ابن مريم ... ). إلخ ويبقى القول إنّ تأكيده على تأويل خوارق الدجّال بأنها المخترعات الحديثة التي ظهرت عند الإنجليز = قولٌ يفتقرُ إلى برهان يعضده، وحجّة تسنده؛ وليس شيءٌ من ذلك؛ بل الأدلة على خلافه. لأنّ هذه المخترعات مهما قيل في غرابتها؛ إلاّ أنها عند التحقيق لا تبلغ مبلغ الخوارق التي تجري على خلاف السنن الكونية؛ التي أودعها الله تعالى في الكون. ومردّ هذا التفسير عند الشيخ ﵀: ارتكازُه على ما ورد في حديث المغيرة بن شعبة ﵁، الذي فيه: (هو أهون على الله من ذلك) (١). وقد سَلَف بيان ضعف الارتكاز على هذا الحديث في تحقيق هذا المعنى. والله أعلم.

стр. 437

المبحث الثالث دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث الجسّاسة وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سوق حديث الجسّاسة. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض على حديث الجَسَّاسة. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث الجساسة.

стр. 438

المطلب الأول: سوق حديث الجساسة: عن عَامِرُ بن شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ -أُخْتَ الضَّحَّاكِ بن قَيْسٍ - وَكَانَتْ من الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ. فقال: حَدِّثِينِي حَدِيثًا سَمِعْتِهِ من رسول اللَّهِ ﷺ لا تُسْنِدِيهِ إلى أَحَدٍ غَيْرِهِ. فقالت: لَئِنْ شِئْتَ لأَفْعَلَنَّ. فقال لها: أَجَلْ؛ حَدِّثِينِي. - فذَكرتْ قصَّةَ تأَيُّمِها من زوجِها، واعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثم قالت: - فلما انْقَضَتْ عِدَّتِي سمعت نِدَاءَ الْمُنَادِي مُنَادِي رسول اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فَخَرَجْتُ إلى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مع رسول اللَّهِ ﷺ ، فَكُنْتُ في صَفِّ النِّسَاءِ التي تَلِي ظُهُورَ الْقَوْمِ، فلما قَضَى رسول اللَّهِ ﷺ صَلاتَهُ جَلَسَ على الْمِنْبَرِ وهو يَضْحَكُ، فقال: (لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ) ثُمَّ قال: (أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟) قالوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قال: (إني والله ما جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كان رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ فَبَايَعَ، وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الذي كنت أُحَدِّثُكُمْ عن مَسِيحِ الدَّجَّالِ: حدثني أَنَّهُ رَكِبَ في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مع ثَلاثِينَ رَجُلًا من لَخْمٍ وَجُذَامَ، فَلَعِبَ بِهِمْ الْمَوْجُ شَهْرًا في الْبَحْرِ، ثُمَّ أرفؤوا (١) إلى جَزِيرَةٍ في الْبَحْرِ حتى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا في أَقْرُبْ (٢) السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا

стр. 439

الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ (١) كَثِيرُ الشَّعَرِ، لا يَدْرُونَ ما قُبُلُهُ من دُبُرِهِ من كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ. قالوا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: أَيُّهَا الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ؛ فإنه إلى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ. قال: لَمَّا سَمَّتْ لنا رَجُلًا؛ فَرِقْنَا منها أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. قال: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حتى دَخَلْنَا الدَّيْرَ؛ فإذا فيه أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلى عُنُقِهِ ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ. قُلْنَا: وَيْلَكَ! ما أنت؟ قال: قد قَدَرْتُمْ على خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي: ما أَنْتُمْ؟ قالوا: نَحْنُ أُنَاسٌ من الْعَرَبِ رَكِبْنَا في سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حين اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيرَتِكَ هذه، فَجَلَسْنَا في أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ لا يُدرَى ما قُبُلُهُ من دُبُرِهِ من كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! ما أَنْتِ؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ. قُلْنَا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: اعْمِدُوا إلى هذا الرَّجُلِ في الدَّيْرِ (٢)؛ فإنه إلى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ.

стр. 440

فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا منها، ولم نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. فقال: أَخْبِرُونِي عن نَخْلِ بَيْسَانَ (١). قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: أَسْأَلُكُمْ عن نَخْلِهَا: هل يُثْمِرُ؟ قُلْنَا له: نعم. قال: أَمَا إنه يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ. قال: أَخْبِرُونِي عن بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ. قُلْنَا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها مَاءٌ؟ قالوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ. قال: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ. قال: أَخْبِرُونِي عن عَيْنِ زُغَرَ (٢). قالوا: عن أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل في الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا له: نعم، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ من مَائِهَا. قال: أَخْبِرُونِي عن نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ؛ ما فَعَلَ؟ قالوا: قد خَرَجَ من مَكَّةَ، وَنَزَلَ يَثْرِبَ. قال: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نعم. قال: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟

стр. 441

فَأَخْبَرْنَاهُ: أَنَّهُ قد ظَهَرَ على من يَلِيهِ من الْعَرَبِ، وَأَطَاعُوهُ. قال لهم: قد كان ذلك؟ قُلْنَا: نعم. قال: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لهم أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عنّي: إني أنا الْمَسِيحُ، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لي في الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ، فَأَسِيرَ في الأرض، فلا أَدَعَ قَرْيَةً إلا هَبَطْتُهَا؛ في أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غير مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً أو وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بيده السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عنها، وَإِنَّ على كل نَقْبٍ منها مَلائِكَةً يَحْرُسُونَهَا). قالت - أي: فاطمة بنت قيس -: قال رسول اللَّهِ ﷺ وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (١) في الْمِنْبَرِ -: (هذه طَيْبَةُ، هذه طَيْبَةُ، هذه طَيْبَةُ - يَعْنِي: الْمَدِينَةَ - ألا هل كنت حَدَّثْتُكُمْ ذلك؟) فقال الناس: نعم. (فإنّه أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الذي كنتُ أُحَدِّثُكُمْ عنه وَعَنْ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، ألا إنّه في بَحْرِ الشام، أو بَحْرِ الْيَمَنِ؛ لا، بَلْ مِن قِبَلِ الْمَشْرِقِ، ما هو (٢) من قِبَلِ الْمَشْرِقِ، ما هو من قِبَلِ الْمَشْرِقِ، ما هو - وَأَوْمَأَ بيده إلى الْمَشْرِقِ). قالت: فَحَفِظْتُ هذا من رسول اللَّهِ ﷺ ". (٣)

стр. 442

تمهيد: تنقسم مواقف المخالفين لما دلّ عليه هذا الحديث إلى موقفين: الموقف الأول: مَن ذهب إلى ردّ الحديث ضِمنًا؛ لا صراحةً. الموقف الثاني: من رَدَّهُ تصريحًا. أما أصحاب الموقف الأول فيتمثل في: كلّ من ردَّ الأحاديث الدالّة على خروج الدجال، وطعن فيها؛ فردُّ تلك الأحاديث يلحق بها من باب أولى " حديث الجسّاسة ". وعلى هذا؛ فكلٌّ من طوائف الجهمية والخوارج، وجماعات من المعتزلة، وطوائف من أهل الأهواء المعاصرين = هم ممن يأبى القبول بدلالة حديث الجسّاسة. وأما أصحاب الموقف الثاني: فأوّل من تولّى ردّ هذه الحديث صراحةً - فيما يظهر - هو الشيخ محمد رشيد رضا؛ حيث أجلب عليه بأوقارٍ من الشبهات؛ سواءً كانت من جهة الرواية، أو من جهة الدّراية. ومما قاله في ذلك: ( ... ثم إنّ روايةَ الرسول ﷺ عن تميم الداري إنْ سَلِم سندُها من العِلل هل تجعل الحديثَ ملحَقًا بما حدّث به النبي ﷺ من تلقاء نفسه، فيُجْزَمُ بصدق أصله، قياسًا على إجازته ﷺ ، أو تقريره للعمل إذ يدلُّ حلّه وجوازه (١)؟ والظاهر لنا أنّ هذا القياس لا محلّ له هنا، والنبي ﷺ ما كان يعلم الغيب؛ فهو كسائر البشر يحْمِل كلامَ النّاس على الصدق؛ إذا لم تحف به شبهة. وكثيرًا ما صدّق المنافقين والكفّار في أحاديثهم، وحديث

стр. 443

العرنيين (١)، وأصحاب بئر معونة (٢)؛ ممّا يدلّ على ذلك. وإنما كان يعرف كذِب بعض الكاذبين بالوحي، أو بعض طرق الاختبار، أو أخبار الثقات، ونحو ذلك من طرق العلم البشري. وإنّما يمتاز عن غيرهم بالوحي، والعصمة من الكذب، وما كان الوحي ينزل إلاّ في أمر الدين، وما يتعلق بدعوته، وحفظه، وحفظ ما جاء به. وتصديق الكاذب ليس كذبًا ... ) (٣). وممّا قاله أيضًا: ( ... هل يجب أن تكون حكايته ﷺ لما حدّث به تميم تصديقًا له؟ وهل كان ﷺ معصومًا من تصديق كل كاذبٍ في خبر؛ فيُعد تصديقه لحكاية تميم دليلًا على صدقه فيها؟ ويُعد ما يردُ عليها من إشكال واردًا على حديث له حكم المرفوع؟ وفي معناه: إقراره ﷺ لعمر على حلفه بأن ابن صيّاد هو الدجّال؛ كما تقدّم = إنّ ما قالوه في العصمة لا يدخل فيه هذا، فالمُجمَع عليه هو العصمة في التبليغ عن الله تعالى، وعن تعمُّد عصيانه بعد النبوة ... وتصديقُ الكاذب لا يُعدّ ذنبًا .. وقال المحقّق ابن دقيق العيد في مسألة تقريره ﷺ من أوائل شرح الإلمام: " إذا أخبر في حضرة النبي ﷺ عن أمرٍ ليس فيه حكم شرعي؛ فهل يكون سكوته ﷺ دليلًا على مطابقته ما في الواقع؛ كما وقع لعمر في حلفه على ابن الصّيّاد: هو الدجّال؟ فهل يدل عدم إنكاره على أن ابن الصياد هو الدجال كما فهمه جابر؛ حتى صار يحلف عليه، ويستند

стр. 444

إلى حلف عمر، أو لا يدلّ؟ فيه نظر. والأقربُ عندي: أنه لا يدلّ؛ لأنّ مأخذ المسألة، ومناطَها هو العصمة من التقرير على باطل؛ وذلك يتوقّف على تحقُّق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقُّق الصحة ... الخ ". نقله عنه الحافظ في الفتح ملخّصًا (١)) (٢). وممن نسج على منوال محمد رشيد رضا: محمد أبو ريّة، وسيأتي نصّ كلامه - قريبًا -. وكذلك: أبو الأعلى المودودي؛ فإنه رَمَى حديث الجسّاسة بأنّه "أسطورة ووهم ". وفي ذلك يقول: (إن الأمر الذي تحقّقتُ فيه: أنّه " أسطورة " هو ذلك الوهم الذي يؤكّد أنّ الدجّال محبوسٌ في مكانٍ ما) (٣).

стр. 445

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث الجسّاسة: مما أورده الطاعنون في هذا الحديث من المعارضات؛ لردّه = ما يلي: الأول: أن الحسّ يقضي بعدم صحة هذا الحديث. وبيان ذلك: أن الجزيرة التي رفأ إليها تميم ﵁ وأصحابه بسفينتهم؛ إمّا أنها في بحر الشام، أو بحر اليمن؛ كما في اللفظ المرفوع - إنْ صحّ الحديث -. وكلٌّ من البحرين قد مسَحَه علماء البحار في هذه الأزمنة مسحًا = فلو صحّ وجود هذه الجزيرة، ووجود الدجّال فيها = لتوافرت هممهم على نقل ذلك، ولعرفه الناس. وفي تقرير هذا المعارض؛ يقول محمد رشيد رضا؛ مستفهمًا: (أين هذه الجزيرة التي رفأ إليها تميم وأصحابه في سفينتهم؟ إنها في بحر الشام، أو بحر اليمن؛ كما في اللفظ المرفوع - إنْ صحّ الحديث -؛ أي: في الجهة المقابلة لسواحل سورية من البحر المتوسط، أو الجهة المجاورة لشواطئ اليمن من البحر الأحمر = وكلٌّ من البحرين قد مَسَحه البحّارة في هذه الأزمنة مسْحًا، وجابوا سطحهما طولًا وعرضا، وقاسوا مياههما عُمقًا عُمقًا، وعرفوا جزائرهما فردًا فردًا؛ فلو كان في أحدهما جزيرةٌ فيها دير، أو قصرٌ حُبس فيه الدجال، وله جسّاسة فيها تقابل الناس، وتنقل إليه الأخبار = لعرف ذلك كلَّه كلُّ الناس) (١). ويقول أبو ريّة: (لعلّ علماء الجغرافيا يبحثون عن هذه الجزيرة، ويعرفون أين مكانها من البحر! ثم يخبروننا؛ حتى نرى ما فيها من

стр. 446

غرائب التي حدّثنا بها - سيّدنا - تميم الداري ﵁) (١). أمّا الشيخ محمد الغزالي ﵀ فقد ردّد الشبهة نفسَها: (وهاكم موقفًا آخر من واعظٍ يحب الحكايات، ويستنصت الناس بما تحوي من العجائب! قال: إنّ الدجّال موجود الآن في إحدى الجزر ببحر الشام، أو بحر اليمن، مشدود الوثاق، وقد رآه تميم الداري بعدما غرق في السفينة التي كان يركبها هو وصحبُه، وتحادثوا معه، وهو على وشك الخروج! وقد حدَّثتْ بذلك فاطمة بنت قيس في سياق طويل! قال لي طالب يسمع الدرس: هل يمكن أن نذهب في رحلة إلى هذه الجزيرة؛ لنرى الدجال؟ قلتُ له: وماذا تفعل برؤيته؟ الدجالون كثيرون، وإذا تحصّنت بالحق نجوتَ منهم، ومن كبيرهم عندما يخرج! قال: ألم يزُر أحدٌ هذه الجزيرة بعد تميم الداري؟ فآثرتُ السكوتَ، وحرفْتُ الطالبَ عن الموضوع بلباقة. إنّ أساطيل الرومان، والعرب، والترك، والصليبيين؛ تجوب البحر الأبيض المتوسط، والأحمر من بضعة عشر قرنًا، ولم ترَ هذه الجزيرة. وفي عصرنا هذا طُرِق كلّ شبرٍ في البرّ والبحر، والتُقِطت صورٌ لأعماق المحيطات عن طريق الأقمار الصناعية! فأين تقع هذه الجزيرة؟ ... ) (٢). الثاني: إنّ عدمَ ظهور الدجّال إلى اليوم كافٍ في وهْن هذه الرواية.

стр. 447

وفي تقرير هذه الشبهة يقول أبو الأعلى المودودي - عفا الله عنه -: (إنّ النبي ﷺ استصوب بيان تميم الداري تقريبًا في ذلك الحين. ولكن؛ ألا يكفي عدم ظهور هذا الشخص الذي رآه تميم الداري محبوسًا في الجزيرة قبل ثلاثة عشر قرنًا ونصف قرن = ألا يكفي عدم صحّة إخباره بأنه الدجّال؟) (١).

стр. 448

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث الجساسة: من المتحقَّق علمُه بين نُقّاد الحديث: صحّة إسناد حديث فاطمة بنت قيس، وبراءة متنه ممّا يُستنكر. ولا أعلم حتى ساعتي هذه - بحسب قاصر نظري - مَنْ ردّه وطعَن فيه من الأئمة المعتبَرين؛ بل إن الإمام البخاري ﵀ مع إعراضه عن إخراج الحديث، واكتفائه بإخراج حديث جابر عن عمر (١)﴾ الوارد في ابن الصّيّاد؛ سالكًا في ذلك مسْلك الترجيح (٢) = إلاّ أنه مع ذا نطق بتصحيح حديث فاطمة بنت قيس ﵂؛ كما نقله عنه تلميذه الإمام الترمذي ﵀؛ حيث قال: (سألتُ محمدًا عن هذا الحديث [يعني: حديث الجسّاسة] فقال: يرويه الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس. قال محمد: وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجّال = هو حديث صحيح) (٣). فلم يحملْه ﵀ رجحان حديث جابر ﵁ عنده على الطعن في حديثنا هذا. وعلى هذا؛ ينبغي النظر فيما ثوَّره الشيخ محمد رشيد رضا وغيرُه على متن الحديث من الاعتراضات العقلية، فيقال: أما دعوى المعترضين: أنّ كُلًا من البحرين قد مَسَحَهُ البحّارة في هذه الأزمنة مسحًا ... الخ ما قالوا.

стр. 449

فالجواب عن ذلك يتحصّل بالنظر في أحد أمرين: الأوّل: أن العلم الحديث مع بلوغه في الاتساع والتطوُّر شأوًا عظيمًا؛ إلاّ أنّه مع هذا الترقّي في العلوم ما زال الحس يقضي بقصور منجزاته عن الإحاطة بكل شيء. وما مَثَل هؤلاء البحّارة، وما حصلوه من أَسباب العلوم؛ إلا كمثل شخصٍ حلَّ في فِناءٍ قد أضاءَ له بعض أرجائه، وجرَّ الظلامُ أذيالَه على ما أكَنَّه الجانب المظلم من أصناف الموجودات التي حالت الظلمة دون اكتشافها في الجانب الآخر من هذا الفناء؛ فأخبر - لقصور مداركه - أنه لا يوجد شيءٌ ألبتّة سوى ما رأى. فهذا أخبر بما علم، وليس عدمُ علمه بما غُبِّي عليه بقاضٍ لأن ينفي ما لم يعلم؛ لأن عدم العِلم بالشيءِ لا يسْلِبُه حقيقة الوجوديّة؛ إن كان كذلك. فقبول أحاديث المصطفى ﷺ ليس مرهونًا بتصحيح علوم البشر القاصرة لها؛ بل علوم البشر مرهونٌ قبولها بألاّ تخالف ما صحّ عن النبي ﷺ ، ولا يُترك المقطوع بصحّته لأمرٍ تعتوره الظنون، وتحيط به من كل جانب. والمتأمل في أحوال العلوم - مع تطوّرها نسبيًّا - يجدُ أنّها في طور المَهْد بالنسبة لما يخْفى علينا. وبرهان ذلك: ما نراه من اكتشافات للكهوف، ومعالم، وآثار كانت في حيّز المجهول عجزت التكنولوجيا من قبل عن اكتشافها؛ مع وقوع هذه المكتشفات في دائرة أراضي هؤلاء المكتشفين (١). فلأن يخفى عليها ما هو خارجٌ عن أرضها أَوْلى. وقد نشرت بعض الصحف خبرًا يتضمّن اكتشاف جزيرة مغمورة تحت البحر، وهذا نصّ الخبر:

стр. 450

(تم اكتشاف جزيرة جديدة في الشواطئ السياحية الواقعة بمحافظة أبْيَن (١) من قِبَل أحد صيّادي المحافظة. وتقع تلك الجزيرة التي اكتُشِفت مؤخَّرًا عن طريق الصدفة في المنطقة الواقعة إلى الشرق من مدينة أصور (٢)، وأمام وادي البرك. وهي من أودية باكازم. وقد أُطلِق على تلك الجزيرة المغمورة تحت مياه البحر اسم: " جزيرة الحوت " نسبةً إلى مكتشفها، واسمه " الحوت "، وهو من ساكني مدينة أصور) (٣). فانظر؛ كيف قاد الله هذا الصيّاد لاكتشاف هذه الجزيرة، وأعمى عنها التكنولوجيا التي تتبجّح بأنها أحاطت بكل شيء خُبْرًا! ولا يظنّنّ عَجِلٌ أن الشرع يأمر المكلَّف بالإيمان بأمرٍ لا واقع له؛ فإن هذا مُنتَفٍ في تضاعيف الأدلة الشرعية، لكن الشرع يأمر امتحانًا و ابتلاءً بالإيمان لواقع مُغيَّب غير مشهود. والمغالطة تنشأ حين يخلط بين البابين. هذا أمرٌ .. وأمرٌ آخر؛ أن يقال: إن الربّ ﵎ إذا أراد شيئًا هيّأ أسبابه. فالله جلّ وعلا من حكمته أن أطلع تميمًا الداري ﵁، ومَن معه على أمر الدجّال؛ ليكون ذلك توكيدًا لما كان يُحدِّث به النبي ﷺ أصحابه من شأن الدجّال، فالذي قدر على إطلاع تميم ﵁ على هذه الجزيرة قادرٌ على أن يُضِلّ الناس عنها؛ ليجري قدرُه على وِفق ما قضى وأراد، لا معقّب لحكمه .

стр. 451

الجواب عن المعارض الثاني: أمّا ما اعترض به الشيخ أبو الأعلى المودودي، فدون النّاظر إنعام الفكر فيه: هل يصلح لأن يكون علة للقدح في الحديث، أو لا؟ وإنّي لأعجب من استرواح المودودي - عفا الله عنه - إلى هذه الشبهة المتهافتة، وارتكازه عليها. فليس في تأخُّر خروج المسيح الدجال إلى ساعتنا هذه ما يكون باعثًا للطعن في خبر النبي ﷺ . فليس بمثل هذه المعارضات تُبطل الأخبار. نعم؛ ينقدح الاستشكال، لا الإبطال: لو أنه جاء في الحديث تعيين وقت خروجه، ثمّ لم يخرج في الوقت المخبَر به = فحينئذ يتّجه النظر لحلّ هذا المشكل. وبعد نقض هذين الاعتراضين، ينصرف الحديث إلى تعقُّب بعض ما جاء في كلام الشيخ محمد رشيد رضا في إبطال بعض ما تضمّنه كلامه ﵀ من الحيدة عن الصواب. يغني ذلك عن تعقُّب كلام محمود أبي رية؛ لأنه لا يخرج في كلامه عمّا قرّره محمد رشيد رضا. فأمّا الشيخ محمد رشيد رضا؛ فإنّه جعل حكاية النبي ﷺ لما قصّه عليه ... تميم ﵁ لا يعدُّ تقريرًا لخبره، ولا تصديقًا لقوله. واعتضد ﵀ بما نقله الحافظ ابن حجر عن ابن دقيق العيد - رحمهما الله تعالى - في تحريره مسألة: ما لو أُخبِر بحضرة النبي ﷺ بأمرٍ ليس فيه حكم شرعي؛ هل يُعدّ سكوتُه من قبيل التقرير لما أخبر، أو لا؟ وقبل مناقشته ﵀ في قوله، وفيما اعتضد به؛ فإنّه يَحسن ابتداءً سوقُ كلام ابن دقيق العيد من مصدره، دون الاقتصار على ما نقله الحافظ ابن حجر، الذي نقله عنه الشيخ محمد رشيد رضا. يقول ابن دقيق العيد ﵀: ( ... الثالثة: في قاعدة التقرير والسكوت. ذكر في فن الأصول من ذلك: أن الرسول ﷺ إذا سُئل عن واقعةٍ، فسكت عن جوابها، فيدلّ

стр. 452

ذلك على أنه لا حُكم لله تعالى فيها. فأمّا إنْ فُعل فِعْلٌ عنده، أو في عصره، وعَلِم به - قادرًا على الإنكار (١) - فلم ينكره؛ فإن كان مُعتَقَدًا لكافرٍ؛ كالمصلّي إلى الكنيسة، فلا أثر للسكوت إجماعًا. وإلاّ دلّ على الجواز إن لم يسبق تحريم، وعلى النسخ إن سبق؛ لأنّ تقريره - مع تحريمه - ارتكاب محرَّم، وأيضًا فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، لإيهام الجواز والنسخ. وقد تصدّى النظرُ، ورأى ذلك في صور: ... رابعُها: أن يُخبَر بحضرته عن أمرٍ ليس بحكم شرعي، يحتمل أن يكون مطابقًا، ويحتمل أن لا يكون؛ فهل يكون سكوته دليلًا على مطابقته؟ مثاله: حلف عمر بحضرته ﷺ أنّ ابن صيّادٍ الدّجالُ، ولم ينكر عليه ذلك؛ فهل يدلّ ذلك على كونه هو أم لا؟ وفي ترجمة بعض أهل الحديث ما يُشعِر أنه ذهب إلى ذلك. والأقرب عندي: أنه لا يدلّ؛ لأن مأخذ المسألة ومناطها - أعني: كون التقرير حجة - هو العصمة من التقرير على باطل، وذلك يتوقّف على تحقق البطلان، ولا يكفي فيه عدم تحقق الصحّة؛ إلاّ أن يدّعي مُدّعٍ أنّه يكفي في وجوب البيان عدم الصحّة؛ فيحتاج إلى بيان ذلك، وهو عاجزٌ عنه. نعم التقرير يدلّ على جواز اليمين على حَسَب الظنّ، وأنه لا يتوقف على العلم؛ لأن عمر ﵁ حلَف على حسب ظنّه، وأُقرَّ عليه) (٢).

стр. 453

فالمتأمل في سياق ما حرّره الإمام ابن دقيق العيد ﵀ يجده لا يُسْعِف الشيخ محمد رشيد رضا فيما توخّاه من الاعتضاد؛ بل هو دالٌّ على نقيض مقصوده. وبيان ذلك: إن الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ ساوى بين أمرين مختلفين = سكوتُه ﷺ عن حلف عمر ﵁ على أن ابن الصياد هو الدجّال، وبين تحديث النبي ﷺ بخبر تميم ﵁. والأمران مختلفان قطعًا لمن تأمّل هاتين الحادثتين، فقول الشيخ محمد رشيد رضا: " هل يجب أن تكون حكايته ﷺ لما حدَّث به تميم تصديقًا له؟ ... وفي معناه: إقراره ﷺ لعمر على حلفه بأن ابن الصيّاد هو الدجّال ... ) (١) = قولٌ غير سديد؛ ذلك أن سكوته ﷺ هو لعدم تحقُّقه من بطلان ما حلف عليه عمر ﵁، فلا يُعد هذا السكوت في هذه الحالة تقريرًا خصوصًا إذا علمت أَنّ من شرْط العمل بالتقرير: ألَّا يعارضه تصريحٌ يخالفه؛ كما هو بيّنٌ في تحديثه ﷺ . وأمّا تحديث النبي ﷺ بخبر تميم ﵁ فهو وإن كان تقريرًا إلَاّ أنّه في أعلى مراتبه؛ لكونه نُطْقٌ لا مجرّد سكوت، هذا النَّطقُ خْرج مخرج الرِّضا والموافقة لِمَا كان يُخبر به النبي ﷺ أصحابَه، بعد تجلِّي أمر ابن الصيّاد له ﵊ = فكيف يُجعل هذان الأمران المتباينان بمنزلة واحدة؟ ثم؛ إنّ عدّه لخبر تميم من قبيل الأخبار التي لا يتعلق بها مسائل شرعية = ليس بجيّد؛ لأنه إذا لم تكن أشراط السَّاعة منها؛ فما هي الأمور الشرعية إذنْ؟ وأمّا قوله ﵀: (وهل كان [يعني: الرسول ﷺ ] معصومًا من تصديق كلّ كاذبٍ في خبره، فيُعد تصديقه لحكاية تميم [﵁] دليلًا على صدقه فيها؟).

стр. 454

وقوله: (ثم إنّ رواية الرسول ﷺ له عن تميم الداري - إنْ سلم سندُها من العِلل -: هل تجعل الحديثَ مُلحقًا بما حدّث به النبي ﷺ من تلقاء نفسه، فيُجزم بصدق أصله؟ ... والظاهر لنا: أنّ هذا القياس لا محلّ له هنا. والنبي ﷺ ما كان يعلم الغيب؛ فهو كسائر البشر يحمل كلام الناس على الصدق .. ). الخ ما سبق نقلُه. فيقال: قد انطوى كلامُه ﵀ على مآخذ، منها:: أنّ انتفاء علم الغيب عن النبي ﷺ ليس مُطلَقًا؛ كما يظهر من كلام الشيخ وإن كان هذا خلاف مقصوده - قطعًا -؛ بل هو مقصور على ما لم يعلّمه الله جلّ وعلا. هذا أوَّلًا. ثانيًا: أنّه لا يلزم من كونه ﷺ لا يعلم الغيب - إلاّ ما علّمه الله إيّاه - = أن يصدّق خبرَ كلّ أحدٍ؛ فإن هذا لا يليق بآحاد العقلاء من الناس؛ فضلًا عن أكمل الخلق ﷺ . فـ (لم يكن - بأبي وأمي - مغفّلا، ولم يصدّق المنافقين؛ أي: يعتقد صِدْقهم، بل ولا ظنَّه، وإنما كان الأمر عنده على الاحتمال. ولهذا عاتبه الله على الإذن لهم. وهذا واضح بحمد الله. والعُرَنيون لم يتحقق منهم كذبٌ؛ فلعلّهم كانوا صادقين في إسلامهم، وإنما بدا لهم أن يرتدّوا لمّا وجدوا أنفسهم مُنْفردين بالإبل والراعي؛ بعيدًا عن المدينة. وقصّة بئر معونة اختُلِف فيها؛ فلم يتحقّق فيها شاهدٌ على ما نحنُ فيه) (١). الثالث: على فرْض أنه ﷺ يحْمل كلام كلٍّ أحدٍ على الصدق = فإنّ ذلك لا يدوم؛ لنزول الوحي بتكذيب مَنْ كذبَ عليه في حديثه. وقد

стр. 455

كان هذا معلومًا لدى صحابة رسول الله ﷺ ؛ حتى قال كعب بن مالك ﵁ حين تخلّف عن تبوك: (والله، ما أنعم الله عليّ من نعمةٍ بعد إذْ هداني أعظَمَ من صِدقِي رسولَ الله ﷺ ، أنْ لا أكون كَذَبْتُه فأهلَك؛ كما هلك الذين كذبوا حين أُنزِل الوحي: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ .. ﴾ ... التوبة: ٩٥ (الآية (١)

стр. 456

المبحث الرابع دفع المعارض العقلي عن أَحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ - وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على نزول عيسى ﵇. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض على أحاديث نزول عيسى ﵇. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث نزول عيسى ﵇.

стр. 457

المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ - عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا (١): فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ (٢)، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (٣)، وَيَفِيضَ الْمَالُ (٤) حتى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ؛ حتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا من الدُّنْيَا وما فيها). ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء:١٥٩) متفق عليه (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (كَيْفَ أَنْتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟) متفق عليه (٦).

стр. 458

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قال: (فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﷺ فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لنا. فيقول: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هذهِ الْأُمَّةَ) (١) . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرُّوحاءِ (٢)؛ حَاجًّا، أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (٣) . وعن النَّواس بن سمعان ﵁ قال: ذَكَرَ رسول الله ﷺ الدَّجَّالَ ذاتَ غَدَاةٍ ... الحديث. وفيه: (فبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ [أي بينما الشاب الذي ضربه الدجال بالسيف فقطعه جَزْلَتَيْن، ثمّ دَعَاهُ، فأقبلَ ووجهُه يتهلّل من الضحك سُخْريةً بالدجال] إِذْ بَعَثَ الله الْمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ؛ إذا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ. فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قد عَصَمَهُمْ الله منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الْجَنَّةِ ... ) (٤) الحديث.

стр. 459

تمهيد: تضمّنتْ الأحاديثُ المُسَاقةُ آنفًا إثباتَ نزول نبيِّ الله عيسى ابن مريم ﵇. وهذه الأحاديث قد بلغت في ذلك مبلغ التواتر , وصَدَعَ أَهل العلم ببيان ذلك. ومن أولئكم: ١ - الإمام محمد بن جرير الطبري ـ ﵀ ـ؛ حيث صَرَّح بتواتر أحاديث نزول عيسى ﵇ ـ وسيأتي النقل عنه في موضعه ـ. ٢ - الإمام أَبو الحسين محمد بن الحسين الآبُرِيّ (١) ـ ﵀ ـ كما نقله عنه غير واحد (٢)؛ حين قال في كتابه " مناقب الشافعي ": (قد تواترت الأَخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ ـ يعني في المهدي ـ , وأنه من أهل بيته , وأنه يملك سبع سنين , ويملأ الأَرض عدلًا , وأنه يخرج عيسى ابن مريم فيساعده على قتل الدّجال بباب لُدّ بأرض فلسطين , وأنه يؤم هذه الأمة [أي المهدي] وعيسى ـ صلوات الله عليه ـ يُصلِّي خَلْفَه) وممن حَكَمَ بتواتر أحاديث نزول عيسى ﵇:

стр. 460

٣ - أَبو الوليد بن رشد؛ كما نقله عنه الأُبِّي في «إِكمال إكمال المُعلم» (١)؛ حيث قال: ( .. لا بُدَّ من نزوله؛ لتواتر الأَحاديث). ٤ - الإمام ابن كثير ـ ﵀ ـ؛ حيث ساق الأَحاديث المُثْبِتَةَ لنزوله ـ ﵍. واستقصى بعضًا منها. ثم قال (فهذه أحاديثُ متواترةٌ عن رسول الله ﷺ ... ) (٢) وقال في موطن آخر: (وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵍ قبل يوم القيامة ... ) (٣). ٥ - أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: (ولا يقدحُ في ذلك [أي: في ختم رسالة النبي ﷺ ] ما أَجمعت الأمةُ عليه , واشتهرت فيه الأخبار , ولعلّها بلغت مبلغ التواتر المعنوي , ونطق به الكتاب ـ على قَولٍ ـ ووجب الإيمان به ... وأكفرهُ مُنكِرُه ـ كالفلاسفة ـ مِنْ نزول عيسى ﵍ آخر الزمان) (٤). ولثبوت أحاديث النزول وبلوغها مقام القطع في دلالتها، جرت أَقاويل الأئمةِ على نَظم مضمون تلك الأحاديث في أحرف الاعتقاد: قال الإمام أحمد ـ ﵀ ـ: «والدَّجالُ خارجٌ في هذه الأمة لا محالة , وينزل عيسى ابن مريم ﵍ , ويقتله ببابِ لُدٍّ») (٥). قال الإمام أبو القاسم إسماعيل الأَصبهاني ـ ﵀ ـ: «وأَهل السُّنة يؤمنون بنزول عيسى ﵍» (٦). وقال القاضي عياض: «ونزول عيسى المسيح وقتله الدّجَّالَ حقٌّ صحيح عند أهل السنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنه لم يَرِدْ ما يُبطِلُه ويضعِّفُه» (٧). ونظمهم لهذه المقولة في أحرف الاعتقاد وتضافرهم
следующие страницы →