← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

المبحث الرابع دفع المعارض العقلي عن أَحاديث نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ - وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على نزول عيسى ﵇. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض على أحاديث نزول عيسى ﵇. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث نزول عيسى ﵇.

стр. 457

المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على نزول المسيح عيسى ابن مريم ﵇ - عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا (١): فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ (٢)، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ (٣)، وَيَفِيضَ الْمَالُ (٤) حتى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ؛ حتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا من الدُّنْيَا وما فيها). ثم يقول أبو هريرة ﵁: واقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء:١٥٩) متفق عليه (٥). وعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: (كَيْفَ أَنْتُمْ إذا نَزَلَ ابن مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟) متفق عليه (٦).

стр. 458

وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ من أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ على الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) قال: (فَيَنْزِلُ عِيسَى بن مَرْيَمَ ﷺ فيقول أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لنا. فيقول: لَا؛ إِنَّ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ هذهِ الْأُمَّةَ) (١) . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (وَالَّذِي نَفْسِي بيده؛ لَيُهِلَّنَّ ابنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرُّوحاءِ (٢)؛ حَاجًّا، أو مُعْتَمِرًا، أو لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (٣) . وعن النَّواس بن سمعان ﵁ قال: ذَكَرَ رسول الله ﷺ الدَّجَّالَ ذاتَ غَدَاةٍ ... الحديث. وفيه: (فبَيْنَما هُمْ كَذلِكَ [أي بينما الشاب الذي ضربه الدجال بالسيف فقطعه جَزْلَتَيْن، ثمّ دَعَاهُ، فأقبلَ ووجهُه يتهلّل من الضحك سُخْريةً بالدجال] إِذْ بَعَثَ الله الْمَسِيحَ ابنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بين مَهْرُودَتَيْنِ، وَاضِعًا كَفَّيْهِ على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْنِ؛ إذا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤِ. فلا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدُ رِيحَ نَفَسِهِ إلا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ، فَيَقْتُلُهُ. ثُمَّ يَأْتِي عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ قَوْمٌ قد عَصَمَهُمْ الله منه، فَيَمْسَحُ عن وُجُوهِهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ في الْجَنَّةِ ... ) (٤) الحديث.

стр. 459

تمهيد: تضمّنتْ الأحاديثُ المُسَاقةُ آنفًا إثباتَ نزول نبيِّ الله عيسى ابن مريم ﵇. وهذه الأحاديث قد بلغت في ذلك مبلغ التواتر , وصَدَعَ أَهل العلم ببيان ذلك. ومن أولئكم: ١ - الإمام محمد بن جرير الطبري ـ ﵀ ـ؛ حيث صَرَّح بتواتر أحاديث نزول عيسى ﵇ ـ وسيأتي النقل عنه في موضعه ـ. ٢ - الإمام أَبو الحسين محمد بن الحسين الآبُرِيّ (١) ـ ﵀ ـ كما نقله عنه غير واحد (٢)؛ حين قال في كتابه " مناقب الشافعي ": (قد تواترت الأَخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ ـ يعني في المهدي ـ , وأنه من أهل بيته , وأنه يملك سبع سنين , ويملأ الأَرض عدلًا , وأنه يخرج عيسى ابن مريم فيساعده على قتل الدّجال بباب لُدّ بأرض فلسطين , وأنه يؤم هذه الأمة [أي المهدي] وعيسى ـ صلوات الله عليه ـ يُصلِّي خَلْفَه) وممن حَكَمَ بتواتر أحاديث نزول عيسى ﵇:

стр. 460

٣ - أَبو الوليد بن رشد؛ كما نقله عنه الأُبِّي في «إِكمال إكمال المُعلم» (١)؛ حيث قال: ( .. لا بُدَّ من نزوله؛ لتواتر الأَحاديث). ٤ - الإمام ابن كثير ـ ﵀ ـ؛ حيث ساق الأَحاديث المُثْبِتَةَ لنزوله ـ ﵍. واستقصى بعضًا منها. ثم قال (فهذه أحاديثُ متواترةٌ عن رسول الله ﷺ ... ) (٢) وقال في موطن آخر: (وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى ﵍ قبل يوم القيامة ... ) (٣). ٥ - أبو الفضل شهاب الدين محمود الآلوسي ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: (ولا يقدحُ في ذلك [أي: في ختم رسالة النبي ﷺ ] ما أَجمعت الأمةُ عليه , واشتهرت فيه الأخبار , ولعلّها بلغت مبلغ التواتر المعنوي , ونطق به الكتاب ـ على قَولٍ ـ ووجب الإيمان به ... وأكفرهُ مُنكِرُه ـ كالفلاسفة ـ مِنْ نزول عيسى ﵍ آخر الزمان) (٤). ولثبوت أحاديث النزول وبلوغها مقام القطع في دلالتها، جرت أَقاويل الأئمةِ على نَظم مضمون تلك الأحاديث في أحرف الاعتقاد: قال الإمام أحمد ـ ﵀ ـ: «والدَّجالُ خارجٌ في هذه الأمة لا محالة , وينزل عيسى ابن مريم ﵍ , ويقتله ببابِ لُدٍّ») (٥). قال الإمام أبو القاسم إسماعيل الأَصبهاني ـ ﵀ ـ: «وأَهل السُّنة يؤمنون بنزول عيسى ﵍» (٦). وقال القاضي عياض: «ونزول عيسى المسيح وقتله الدّجَّالَ حقٌّ صحيح عند أهل السنة؛ لصحيح الآثار الواردة في ذلك؛ ولأنه لم يَرِدْ ما يُبطِلُه ويضعِّفُه» (٧). ونظمهم لهذه المقولة في أحرف الاعتقاد وتضافرهم

стр. 461

على ذلك هو مُحصَّل الأدلة الشرعية مما سبق ذكره من دلائل الكتاب والسُّنّة، وما تركَّب منهما من الإجماع الثَّابت نزوله ﵍. وقد نصَّ على ذلك غيرُ واحدٍ من الأئمة. وممّن قرّر ذلك: - أبو محمد عبد الحق بن عطية ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: «وأجْمَعَت الأمة على ما تضمّنه الحديث المتواتر؛ من أَن عيسى ﵍ في السماء حَيٌّ , وأنّه ينزل في آخر الزمان , فيقتل الخنزير , ويكسر الصليب , ويقتل الدجال , ويُظْهِر هذه الملة؛ ملة محمد ﷺ , ويحج البيت، ويعتمر , ويبقى في الأرض أربعًا وعشرين سنة. وقيل: أربعين سنة , ثم يميته الله تعالى» (١) . - الإمام الثعالبي ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: «أجْمَعَت الأمة على ما تضمَّنه الحديث المتواتر؛ من أَن عيسى ﵍ في السماء حَيٌّ , وأَنه ينزل في آخر الزمان , فيقتل الخنزير , ويكسر الصليب , ويقتل الدجال , ويفيض العدل , ويُظهِر هذه الملة ملة محمد ﷺ » (٢) . وكذلك: شيخ الإسلام ابن تيمية ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: «وأَجْمعت الأمةُ على أن الله رفع عيسى إليه إلى السماء» (٣) . ومن المتأخرين: - العلامة السفَّاريني ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: « .. وأما الإجماع , فقد أَجْمعت الأمّة على نزوله , ولم يخالف فِيْه أحدٌ من أهل الشريعة. وإنما أنكر ذلك الفلاسفةُ والملاحدة» (٤) .

стр. 462

وغيرهم كثيرٌ من أَهل العلم؛ الَّذين نقلوا الإجماع على ذلك. فإِن قيل: يُنَاكِدُ هذا الإجماعَ المنقولَ = حكايةُ أبي محمد بن حزم ـ ﵀ ـ الخلافَ في هذه المسألة. فكيف تصحّ دعوى الإجماع حينئذٍ؟ فيقال: أَمَّا حكاية ابن حزم ـ ﵀ ـ الخلاف في نزول عيسى ﵍: وذلك بقوله: «اتّفقوا ... أنه لا نبيَّ مع محمد ﷺ ولا بعده أبدًا. إلاّ أنَّهم اختلفوا في عيسى ﵍: أَيأتي قبل يوم القيامة أم لا؟ وهو عيسى بن مريم المبعوث إلى بني إسرائيل قبل مبعث محمد ﵍» (١) =فَوهْمٌ منه ـ ﵀ ـ خَالفَ فيه أَهل العلم الذين حكَوْا الإجماعَ , ولم يخالف ذلك إلاّ من لا يُعْتَدّ بخلافه من الملاحدة والمبتدعة ـ وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله ـ. ولذا قال "الأُبيّ " متعقّبًا ابنَ حزم: «فما ذَكر ابنُ حزمٍ من الخلاف في نزوله = لا يصحُّ» (٢) . وممّا يدلك على أَنَّ حكايته للخلاف وَهْمٌ منه ـ ﵀ ـ أمران: الأول: أنه حكى الخلاف ولم يُسَمِّ المخالف. وتسمية المخالف أمرٌ له شأنه. الثاني: أنه نَقَل الإجماعَ على نزوله ﵍ في كتابه الموسوم بـ " الدُّرَّة "؛ حيث قال: «وقد صَحّ النَّصُّ، وإجماعُ القائلين بنزوله ـ وهم أهل الحقِّ ـ أنّه إذا نزل لم يبقَ نصرانيٌّ أَصلًا إلا أسلموا» (٣) . فَعُلِم بذلك خطؤُه فيما ذكر من الخلاف. وعندئذٍ يتحصل للمتأمل: أنَّ الإجماع على بَابِهِ لا يُعرَف له مخالف , ومُحالٌ أن تُجمِع الأمة على ضلالة. ومستند هذا الإجماع - بالإضافةِ إلى ما تقدم ذكره من الأحاديث الصحيحة الصريحة في رفع عيسى ﵍ ونزوله- = دلائل الكتاب العزيز. وهي كالآتي:

стр. 463

- قوله تعالى ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء. فقوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ آل عمران:٥٥ وقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ نَصٌّ على إثبات رفعه ﵍ , رفعًا حِسّيًا. فإن قيل: لِمَ لا يُحمَل الرّفعُ هنا على رفع المكانة والحظوة , والقرآن قد أتى بهذا، فقد قال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ المجادلة: ١١؟ وعلى هذا فدعوى النصيَّة والقطْع على أن المراد بالرفع هنا الرفع الحسِّي =فيها نظر. فالجواب: إنّ احتمالَ تأرجُحِ (الرفع) في كتاب الله بين رفع المكانة والمنزلة, وبين الرفع الحسي لا يُنكَر بالنظر إلى الوضع؛ فتُلتَمَس حينئذٍ القرائن التي تُبِيْنُ عن المراد " بالرفع " في الآية. وبالنّظر إلى مجموع هذه القرائن نجد أَنها تحسِم الاحتمالَ، وتقود إلى القطع بالمراد بـ " الرفع " وأنه الرفع الحسّي لا غير. وجُملة هذه القرائن تنقسم إلى قسمين: -القسم الأول: قرائن خارجيّة. -القسم الثاني: قرائن داخلية (=دلالة السياق). فأما القسم الأوّل: وهي القرائن الخارجيَّة , فتدور حول جملةٍ من الدلالات: الدلالة الأولى: ما تواتر عن النبي ﷺ تواترًا معنويًا من أَنَّ عيسى ﵍ ينزل في آخر الزمان. ولا معنى للنزول إلاّ كونه كان مستقرًا في السماء.

стр. 464

الدَّلالة الثانية: دلالة الآثار الواردة عن أصحاب رسول الله ﷺ . ومن ذلك: ما صَحَّ عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ـ ﵂ ـ فيما رواه عنه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄، قال: (لما أَراد اللهُ أن يرفع عيسى ﵍ إلى السماء .. ) وفيه: (ورُفِعَ عِيْسَى من رَوْزنَةٍ (١) كانت في البيتِ إلى السماءِ .. ) (٢) . ومِثْل هذا الأثر الثابت عن ابن عباس ـ ﵁ ـ لا يكون من قبيل الرأي المُجرّد , وما كان كذلك فهو إذنْ في حكم المرفوع ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾ (٣) . الدلالة الثالثة: دَلالةُ الإجماع المُتَيَقَّن؛ الذي سبق بيانه = فهذه قرائن من خارج النص , فلو لم يكن في المسألة لبيان معنى الرَّفع في الآية إلا واحدة من تلك الدلالات = لَكَفَتْ في نَفْي الاحتمال. فكيف إذا تضافرت؟ بل كيف إذا اعتضدت بالقرينة الأخرى؟ وهي: القسم الثاني: دلالة السياق: فالسياق بمفرده قد ينقل الدلالة من الاحتمال الذي يكتنفها إلى النصيَّة , فهو كاشفٌ عن المُجْمَلات , ومُرجّحٌ للمحْتَمَلات (٤) , وإنَّ مِنْ خلْف القول وفساد الرأي إغفالُ هذه الدلالة؛ لتمهيد الطريق للادعاء بعدُ بأن الآية ليست نَصًّا في إثبات رفع عيسى ﵍ (٥) . وهذا القول مَبْنيٌّ على

стр. 465

النظر في وَضْع الصيغ المجرّدة، مقطوعةً عن سياقاتها. وهذه ليست نهج المتحققين بالأصول. قال إمام الحرمين ـ ﵀ ـ: «ثم اعتقد كثير من الخائضين في الأُصول عزة النصوص , حتى قالوا: إن النَّصَّ في الكتاب قَولُ الله : ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ الإخلاص: ١ , وقولُه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ الفتح: ٢٩ وما يظهر ظهورهما. ولا يكاد هؤلاء يسمحون بالاعتراف بنص في كتاب الله تعالى؛ وهو مرتبط بحكم شرعي (١) , وقضوا بِنُدُور النصوص في السُّنة , حتى عدُّوا أَمثلةً معدودة ومحدودة ... = وهذا قولُ من لم يُحط بالغَرض من ذلك. والمقصود من النصوص: الاستفادةُ بإِفادة المعاني على قَطْع , مع انحسَام جهات التأويلات، وانقطاع مسلك الاحتمالات؛ وإنْ كان بعيدًا حُصُولُه بوضع الصيغ ردًّا إلى اللُّغة. فما أكثر هذا الغَرَض مع القرائن الحالية والمقالية! وإذا نحن خُضنا في باب التأويلات , وإبانة بطلان معظم مسالك المؤوّلين ... = استبانَ للطالب الفَطِنِ أَنّ جُلّ ما يحسبه الناسُ ظواهرَ معرّضة للتأويلات = هو نصوص» (٢) . سياق الآيتين دَالٌّ على ثبوت رفع عيسى ﵍ رَفْعًا حسيًا؛ لا مَعْدى عن ذلك لمن أَنصف. وذلك من وجوه: الوجه الأوَّل: أنّ سياق الآيات في بيان بُطْلانِ ما افتراه اليهود مِنْ قَتْلِهِ ﵍؛ بأنّ القتلَ إنّما وقع على شَبيهِه. لذا عقّب الرّبُّ جلَّ وعلا قولَه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ بقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾

стр. 466

وهذا نَصٌّ في الرَّفْعِ الحِسِّيّ؛ لأن الإيقاف ... بـ (بل) هنا التي تفيد الإضراب والإبطال، لنفي ما ظنّ اليهود من تسلطهم على نبي الله بالقتل: فيكون ما بعد " بل " منافيًا لما قبلها، بتكرير عدم تمكين الله لهم من التسلط على نبيه؛ وذلك برفعه رفعًا حِسِّيًا. ولو كان المرادُ رَفْعَ المكانةِ لاختلّ بذلك النّظْمُ القرآنيُّ؛ لأمرين: الأول: أنَّ رَفْعَ المكانة ليس مختصًّا بعيسى ﵍ في هذا الموقف، فلا وجه لتخصيصه به هنا؛ إلا لتضمُّنه معنىً زائدًا ناسب ذلك إضافته إليه. الثاني: أن القتل لا ينافي رَفْعَ المكانةَ. إذ رفعة المكانة حاصلة حتى مع تقدير قتلهِ - ﵇ -. فلا معنى حينئذٍ لدخول " بل " بينهما؛ لانتفاء التضادّ بينهما. الوجه الثاني: أَنَّ وصْلَ ﴿رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ بـ " إلى " يقضي على احتمال كون المقصُود بـ " الرفع " هنا رفع المكانة. وعِلَّةُ ذلك: أن رَفْع المكانة لا مُنْتَهى له؛ بخلاف الرفع الحسي. وهذا ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ حيث أُضيفت "إلى"إلى ضمير المتكلّم. فإن قيل: المقصود بالرفع هنا: رفع (روحه) لا غير. فالجواب: إنّ هذا التأويل ليس على السَّنَن المحمود. وبيان ذلك: أن تعيين الرفع هنا بأنه بالرُّوح , لا يُزيل شبهة قتْل عيسى ﵍ الذي سيقت لأجله الآيات؛ لبقاء الشبهة بأن ارتفاع الرُّوح إنما وقع بعد القتل , فلا معنى للإتيان بـ ﴿بَلْ﴾ النَّافية لما قبلها مِنْ ظَنِّ تسلُّطِهم عليه. هذا من جهة. ومن جهة أخرى: أن تعيين الرفع (بالرُّوح) زيادةٌ لم ينطق بها النّص , وتَقْديرٌ لم يدلّ عليه المَقَامُ فالأَصْلُ في كلام المُتَكلِّم أَنّ ألفاظَه

стр. 467

تامّةٌ. والقول بأنَّ الكلام يفتقر إلى تقدير شيء ما = هو في الحقيقة استدراكٌ على المُتكلِّم , ودعوى لا يُصار إليها إلاّ ببرهان. فلم يبق إلاّ أن يكون الرفع لشخصه ﵍ روحًا وبدنًا؛ لا معنى إلَاّ ذلك (١) . وأما معنى قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضٌ روحَك وبدنك. ... وهذا اختيار أئمة التفسير؛ كالحسن البصري (٢) , وزيد بن مسلم (٣) , وابن ... جريج (٤) , والإمام ابن جرير الطبري (٥) , وأبي عبد الله القرطبي (٦) , وأبي العباس ابن تيميَّة (٧) , والشوكاني (٨) , وغيرهم- رحمهم الله تعالى-. وفي بيان ذلك يقول الإمام ابن جرير ـ ﵀ ـ: «وأَوْلى هذه الأَقوال بالصحة عندنا = قولُ من قال: معنى ذلك: إنّي قابضك من الأرض، ورافعك إليّ. لتواتُر الأَخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: (يَنْزِلُ عيسى ابنُ مريم فيقتل الدَّجَّالَ، ثم يَمْكُث في الأرض مُدّةً) - ذَكَرَها. واختلفت الرواية في مَبْلَغِها - ثم يموتُ فيصلِّي عليه المسلمون , ويدفنونه)» (٩) . وقال ابن عبد البر: ( ... والصحيح عندي في ذلك = قول من

стр. 468

قال: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾: قابضك من الأرض. لِمَا صح عن النبي ﷺ من نزوله) (١) . وقال القرطبي ـ ﵀ ـ: «والصحيح أنَّ الله تعالى رَفَعَهُ إلى السماء؛ من غير وفاةٍ، ولا نوم. كما قال الحسن، وابن زيد , وهو اختيار الطبري، وهو الصحيح عند ابن عباس , وقاله الضَّحاك .. » (٢) . واختيارُ هؤلاء الأئمة لهذا المعنى ـ أعني: القبضَ ـ مَعَ دَوَرَانِه في كتاب الله على معنيين آخرين؛ هما: قبض الرُّوح، وقبض حِسِّ الإنسان بالنوم (٣) = لم يكن اعتباطًا؛ بل لاعتبارات سَبَقَ بيانها , ومن أَبْرَزِها: دلالة السِّياق. إذْ لو كان المراد بقوله ﵎: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ الموتَ؛ لَمَا كان في إضافة " التوفِّي " إليه مَعْنى يختص به عن غيره من الرسل؛ فضلًا عن بقية الخلق. فالمؤمنون يعلمون أنّ الله يقبض أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء = فاستبان أنّ في إضافة التوفي إلى عيسى ﵍، وعطف الرفع الموصول بـ " إلى " على قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ ليس له معنىً إلا القَبْضُ؛ الرُّوح، والبدن جميعًا. لوجود القرينة الدالة على ذلك. قال الإمام ابن تيمية ـ ﵀ ـ مقررًا ذلك: «وأمّا قوله تعالى: ﴿يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فهذا دليل على أنه لم يعنِ بذلك الموتَ؛ إذ لو أراد بذلك الموتَ لكان عيسى [﵍] في ذلك كسائر المؤمنين؛ فإن الله يقبضُ أرواحهم، ويعرج بها إلى السماء. فَعُلِمَ: أنْ ليس في ذلك خاصيّة. وكذلك قوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولو كان قد فارقتْ روحُه جسدَه = لكان بدنُه في

стр. 469

الأرض كبدن سائر الأنبياء , أو غيره من الأنبياء ... ولهذا قال من قال من العلماء: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: أي قابضك. أي قابض روحك وبدنك , يقال: توفيت الحساب واستوفيته , ولفظ التوفّي لا يقتضي توفي الرُّوح دون البدن , ولا توفيهما جميعًا؛ إلَاّ بقرنية منفصلةٍ) (١) . وقد يقال: قد ورد عن ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ تَفْسير الوفاة في الآية بالموت؛ فيكون ذلك حجة لمن قال بأن الرفع إنما كان لروحه دون بدنه. والجواب عن ذلك يتحصَّل بتقرير ثلاثة أمور: الأَوَّل: النَّظر في صِحَّةِ الوارد عن ابن عباس ﵄ والمتأمل في هذا المروي يجد أنَّ ابن جرير أخرجه من طريق معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة. ومعاوية بن صالح قال عنه الحافظ ابن حجر ـ ﵀ ـ: «صَدوقٌ. له أوهام من السابعة. مات سنة (١٥٨ هـ) وقيل: بعد (١٧٠ هـ) ... » (٢) . وعلي بن أبي طلحة؛ وإنْ طعن بعض الحفاظ في روايته للحديث؛ كيعقوب بن سفيان؛ حيث قال: «وروى شعبة، وحماد بن زيد، عن بُديل بن ميسرة، عن علي بن أَبي طلحة. شامي، وهو يكنى أبا طلحة. وهو ضعيف الحديث، مُنْكَر , ليس بمحمودِ المذهب» (٣) . وكالإمام أَحمد؛ حيث قال: «له أشياء منكرات» (٤) . = فلا يلزم من ذلك ـ فيما يظهر ـ أَنهم يطّرِدون هذا الطعن ليشمل ما يرويه في التفسير. وليس قولُ أَبي يعلي الخليلي ـ ﵀ ـ «وتفسير معاوية بن صالح قاضي الأندلس عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: رواهُ الكبار عن

стр. 470

أَبي صالح - كاتب اللَّيْث - , عن معاوية. وأَجمعَ الحُفَّاظُ على أَنَّ ابنَ أَبي طلحة لم يَسْمعه من ابن عباس» (١) = طعنًا في صحَّة المرويِّ عن ابن عباس؛ وإنما هو بيانٌ منه عن سقوط الواسطة بين علي بن أَبي طلحة وبين ابن عباس؛ لأنه لم يسمع من ابن عباس. وسقوط الواسطة بينه وبين ابن عباس ـ ﵂ ـ لا يقتضي الطعن في مُرْويّه لعدم الجهل بها؛ لأَنّ الحُفّاظ سَبَروا مرويّاتِه عن ابن عباس في التفسير , فوجدوا أنه إنما يرويها عن ثقات أصحاب ابن عباس؛ كمجاهد بن جبر , وعكرمة مولاه. قال الذهبي ـ ﵀ ـ: «أخذ تفسيرَ ابن عباس عن مجاهد , فلم يذكر مجاهد؛ بل أرسله عن ابن عباس» (٢) . وقد أبان أبو جعفر النَّحاس ـ ﵀ ـ عن مَأْخذ مَنْ طعَن في هذا الإسناد بقوله: « ... والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يَسْمع عن ابن عَبّاس , وإنما أَخذ التفسير عن مُجَاهد وعكرمة = وهذا القول لا يوجبُ طعنًا؛ لأنَّه أَخذه عن رجلين ثقتين. وهو في نفسه ثقةٌ، صدوق» (٣) . فإذا استبان لنا أَن مَأْخذ مَنْ طَعَن في هذا الإسناد هو إرسال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس = عُلِمَ أن هذا الطعن لا مُوجب له؛ للعِلْم بحالِ مَنْ أسقطه ابن أبي طلحة , وكونهم من ثقات أصحاب ابن عباس. لذا احتمل الأئمة منه هذا الإرسال , ولم يسووا بين روايته للحديث , وبين روايته عن ابن عباس. ولذا تجد الإمام أَحمد يقول: «إِنّ بمصر صحيفة في التفسير رواها عليّ بن أبي طلحة , لو رَحَل رجُلٌ فيها إلى مِصْر قاصدًا = ما كان كثيرًا» (٤) . وقال الحافظ ابن حجر ـ ﵀ ـ:

стр. 471

«وعليُّ [أي ابن أبي طلحة] صدوقٌ، لم يلق ابن عباس؛ لكنه حَمَلَ عن ثقات أصحابه؛ فلذلك كان البخاري، وابن أَبي حاتم، وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة» (١) . وزبدة القول: إنّ ارتضاء الأئمة لصحيفة علي بن أَبي طلحة في التفسير في الجُمْلة , لا يلزم منه الرضا بآحاد ما رَوى. ولعل هذا ما جَعَل الإمام أَحمد ـ ﵀ ـ يقول: «له أشياء منكرات» فإن حُكم بأنَّ هذه الرواية من مُنكر ما يرويه علي بن أَبي طلحة=انتفى الإشكال، وإن صُححت؛ أَخْذًا بثناء الأئمة على هذه الصحيفة من حيث الجملة , بقي النَّظَرُ حينئذٍ في أمرين: الأمر الأوّل: مُعَارَضة هذه الرواية لما صح عنه أيضًا: «أن عيسى رُفع من رَوْزنةٍ في البيت» (٢) . الأمر الثاني: أنَّ التسليم بمقتضى هذه الرِّواية يَسْتلزم مخالفة صريح القرآن؛ ذلك بأَن الله أخبر أنّ وقوع الموت على العباد يكون مرة واحدة , ثم يحييهم. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الروم: ٤٠ قال الإمام ابن جرير: «ومَعْلومٌ أنه لو كان قد أَماته الله , لم يكن بالذي يميته ميتةً أُخرى , فيجمع عليه ميتتين؛ لأن اللهَ إنما أَخبر عبادَه أنَّه يخلقهم، ثم يميتهم، ثم يحييهم. كما قال جَلَّ ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الروم: ٤٠) (٣) . والذي يظهر -والله أَعلم-: أنّه لا تعارُض بين رواية علي بن

стр. 472

أَبي طلحة، وبين ما دلّ عليه القرآن، والرواية الأخرى عن ابن عباس. وبيان ذلك: أن قول ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾: إني مُمِيتُك. ليس فيه بيان وقت الإماتة. والآية لا تدل على ذلك؛ لأن (الواو) في قول الله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ لا تقتضي الترتيب؛ فيكون مُرادُ ابن عباس ... ﵂ والله أعلم -: إنّي مُميتك بعد نزولك من السماء في آخر الزمان. كما صحّت بذلك الأَخبار؛ ويكون هذا الوَجْهُ بناءً على أَن في الآية تقديمًا وتأخيرًا؛ أي: إِذْ قال الله يا عيسى إني رافعك إليَّ .. ومطهرك من الذين كفروا. ومتوفيك بعد إنزالي إيّاك إلى الدنيا. وقد ذهب إلى هذا الجَمْع والتوفيق الإمامُ ابن عبد البر ـ ﵀ ـ؛ حيث قال: «والصحيح عندي ـ في ذلك ـ: قول من قال: متوفيك، وقابضك من الأَرضِ. لما صَحَّ عن النبي ﷺ من نزوله. وإذا حُمِلت رواية علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس , على التقديم والتأخير؛ أي: رافعُك، ومُمِيتُك = لم يكن بخلاف ما ذكرناه» (١) . ومن الأدلَّة أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ النساء. الضَمير في الموضعين في هذه الآية يعود على عيسى ﵍ , ودلالة السياق تدل على هذا الاختيار. لأمرين: الأول: أنّ سياق الآيات قبلها جاء في تقرير بطلان دعوى اليهود في زعمهم قتل عيسى ﵍ , وبيان ضَلَال النّصارى في تسليمهم لليهود فيما ادّعَوْهُ = بأنَّ الله نجَّى نبيَّه، وطَهَّره من كيد أعدائه؛ برفعه حيًّا إلى السماء، وحصول القتل على شبيهه, وأنّه سينزل في آخر الزمان، فيكسر

стр. 473

الصليب , ويضع الجزية , ولا يقبل إلاّ الإسلام. وحينئذٍ يؤمن به جميع أهل الكتاب، ولا يتخلّف عن التصديق به أحد منهم. الثاني: أن عَوْد الضميرين في ﴿بِهِ﴾ و ﴿مَوْتِهِ﴾ إلى عيسى ﵍ هو الأَليق بالسياق والنَّظم؛ لأن «عَوْد أحدهما على غير ما يعود عليه الآخَر فيه تشتيتٌ للضمائر. وهذا مما يُنَزَّه عنه الكتاب الكريم» (١) . قال أَبو حيان: «والظاهر: أنّ الضميرين في ﴿بِهِ﴾ , و ﴿مَوْتِهِ﴾ عائدانِ على عيسى , وهو سياق الكلام. والمَعْنِيّ "من أَهل الكتاب " = الذين يكونون في زمان نزوله» (٢) . وهذا ظاهر اختيار أبي هريرة ـ ﵁ ـ؛ حيث ربَط بين حديث نزوله ﵍، وبين الآية ـ كما سبق سَوْقُه ـ. وهو اختيار ابن عباس ـ ﵂ ـ (٣)، وابن جرير (٤) , وأَبي حَيَّان ـ كما سبق ـ , وابن كثير (٥) . قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ ... ﴾ الزخرف: ٦١ والضمير في ﴿وَإِنَّهُ﴾ عائد على " عيسى ﵍ ". فيكون مقصود الآية ـ والله تعالى أعلم ـ: إن نزول عيسى ﵍ إشْعَارٌ بقُرب السَّاعة , وأَنَّ مجيئَه في آخر الزمان شَرطٌ من أشراط القيامة. ومما يؤيد عَوْد الضمير إلى عيسى ﵍ أُمورٌ: الأمر الأوّل: أَن سياق الآيات قبل هذه الآية في شأن عيسى ﵍. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ

стр. 474

هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ الزخرف: ٥٧ - ٦١. الأمر الثاني: أن قراءة ﴿وَإِنَّهُ لَعَلم لِلسَّاعَةِ ... ﴾ الزخرف: ٦١ بفتح اللام والعين توطِّد هذا الاختيار. وهي قراءة ابن عباس , وأبي هريرة وقتادة , ومجاهد , والأعمش. (١) الثالث: أن هذا الاختيار يشهد له ظاهر القرآن , وبه تتسق الضمائر، وتنسجم بعضها مع بَعْضٍ؛ ليس في هذا الموطن فقط , بل في جميع المواطن التي ذُكِر فيها عيسى ﵍. بيان ذلك: أن الباري ﷻ قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ثم قال ﷻ : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي: عيسى. ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي: عيسى. ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي: عيسى. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: عيسى. ﴿فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي: عيسى. ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: عيسى. ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أي: عيسى. ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أي: عيسى. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي: عيسى ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: عيسى. ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أي: يكون عيسى ﵍ شهيدًا (٢) . الأمر الرابع: أَنّ هذا الاختيار تشهدُ له الأحاديث المتقدم ذكرها. الأمر الخامس: أَن هذا القول احتفَل به جِلّة من أئمة التفسير من السَّلفِ والخَلَفِ؛ كابنِ عبّاسٍ، وأَبي هريرة , ومجاهد , وعكرمة , وأبي العالية , والحسن البصري , والضحاك (٣) , وابن كثير (٤) , والأَمين الشنقيطي (٥) .

стр. 475

= ومن الدلائل القرآنية الدالة على نزوله ﵍: قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ آل عمران: ٤٦ وقال جل وعلا: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ المائدة: ١١٠ ووجه الدلالة من هاتين الآيتين: أنَّ تخصيصَ وقوعِ التكليم من عيسى ﵍ بِحالَيْ المَهد والكهولة؛ مع كونه متكلمًا فيما بين ذلك = دلالةٌ ظاهرة على أن لِتيْنِكَ الحالين مزيد اختصاصٍ، ومزيّةٍ؛ فَارقَا بهما جميع كلامه الحاصل بين تَيْنِكَ الحالين. توضيح ذلك: أَنّ الكلام في المَهْد خارقٌ للعادة , خارجٌ عن السُّنن. وهذا بَيِّنٌ. فكذلك قوله تعالى: ﴿وَكَهْلًا﴾ هو عطف على مُتعلق الظرف قبله، آخِذٌ حكمَه؛ أي: يُكلِّم الناس في حال المَهد , ويُكلّمهم في حال الكهولة. «وإذا كان كلامه في حالة الطفولة عقب الولادة مباشرة = آية؛ فلا بُدّ أن المعطوف عليه؛ وهو: كلامه في حال الكهولة كذلك؛ وإلا لم يُحْتجْ إلى التنصيص عليه؛ لأنَّ الكلام من الكهل أَمرٌ مألوف معتاد , فلا يحسُن الإخبار به؛ لا سيما في مقام البشارة» (١) . لذا قال ابن زيد: «قد كلّمهم عيسى في المهد , وسيكلّمهم إذا قَتَل الدجال» (٢) . وقال الحُسين بن الفضل البجلي: المراد بقوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ أن يكون كهلًا بعد أَن ينزل من السماء في آخر الزمان , ويُكلِّم الناس , ويقتل الدجال = وفي هذه الآية نصٌّ في أنه ﵍ سينزل إلى الأرض (٣)».

стр. 476

مع صراحة ما دلت عليه الأدلة من نزول عيسى ﵍، وتضافرها على ذلك , وبلوغها مَبْلغ القطْع = إلَاّ أَنَّ طوائف من المخالفين لأَهل السُّنّة جالَدوا الدلائل , وناقضوا البراهين؛ إمَّا ردًّا للأدلة صراحةً , أو التلفُّع بمُرُط التّأْويل؛ تلطُّفًا في رَدِّها. وممن نُقل عنه الرَّدُّ من متقدمي الخلَف: بعض الخوارج , وبعض المعتزلة (١) . ومن متأخريهم - أعني: متأخري الخلف-: الشيخ محمد عبده؛ حيث نقل عنه تلميذُه "محمد رشيد رضا" موقفَه من أحاديث نزول عيسى ﵍. وهو ـ أعني: محمد عبده ـ وإن لم يُصَرِّح بأنَّ هذا موقفه؛ لأنه يعزو ذلك للعلماء، إلاّ أن ظاهرَ طريقته يُفْهَم منها ذلك؛ حيث قال: «ولصاحب هذه الطريقة ـ أي: مَنْ يقول أن رفع عيسى كان بروحه ـ في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان: أحدهما: أنَّه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي؛ لأنه من أمور الغيب. والأمور الإعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي ... وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه في الأرض بغلَبَة روحه , وسِرّ رسالته على النّاس. وهو ما غَلَب في تعليمه؛ من الأمر بالرحمة , والمحبة , والسِّلم , والأَخْذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها , والتمسك بقشورها دون لُبابها ... ولما كان أصحاب الشريعة الأخيرة [يعني: المسلمين] قد جمدوا على ظواهر أَلفاظها؛ بل وأَلفاظ مَنْ كتَب فيها معبرًا عن رأيه وفَهْمِهِ , وكان ذلك مُزهقًا لروحها، ذاهبًا بحكمتها = كان لا بُدَّ من إصلاحٍ عيسوي؛ يبيّن لهم أَسرارَ الشريعة , وروحَ الدِّين، وأدبَه الحقيقي. وكل ذلك مطويٌّ في القرآن الذي حُجبوا عنه بالتقليد؛ الَّذي

стр. 477

هو آفة الحقِّ , وعدوّ الدِّين في كلِّ زَمَان = فزمان عيسى على هذا التأويل: هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية؛ لإصلاح السرائر، من غير تَقيُّدٍ بالرّسُوم والظواهر» (١) . وقد وافق الشيخُ رشيد رضا أستاذَه في إبطال معاني تلك الأحاديث؛ إلا أنه لم يسلك مسلك شيخه في التأويل ـ كما سيأتي ـ بل اكتفى بتفويض معاني تلك الأحاديث إلى الله (٢) . فكلاهما -في الواقع- يتفقان على تعطيل مدلول تلك الأَحاديث؛ إلا أن الشيخ " محمد عبده " لم يتركْ تلك الأحاديث معطّلةً من المعنى الحق؛ بل اختار أَن يلتمس غريب المعاني ليملأ هذا الفراغ. وممن ذهب إلى إنكارِ رفع ونزول عيسى ﵍: الشيخ محمد شلتوت. حيث غَالَطَ الحقائق , وأنكر البَدَهِيّات من دين المسلمين؛ فزَعَمَ أنه ليس في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة «مستند يَصْلح لتكوين عقيدة يطمئن إليها القلب؛ بأن عيسى رُفع بجسمه إلى السماء , وأنّه حي إلى الآن فيها , وأنه سينزل منها آخر الزمان إلى الأرض»!! (٣) وإذا انتفى المُستند الذي يُثبِت هذه العقيدة؛ فإنّ فُشُوَّها في المحيط الإسلامي ـ بزعمهم ـ هو من أثر أحد العوامل الأجنبية التي رسّخت هذه العقيدة بينهم؛ ألا وهو: عامل الإسرائيليات؛ التي تأثر بها المسلمون نتيجة للانحطاط الديني الذي يعايشونه , فتعلّقت آمالهم في الإصلاح والتجديد على مُخلّصٍ يَردُّ أمر الدين إلى حالته المثلى! وفي تقرير ذلك يقول "حسن الترابي": «وفي بعض التقاليد الدينيَّة تَصَوُّر عقديٌّ؛ بأن خطّ التاريخ الديني بعد عهد التأسيس الأوَّل ينحدر

стр. 478

بأمر الدين؛ انحطاطًا مطّرِدًا، لا يرسم نمطًا دوريًا. وفي ظل هذا الاعتقاد ستتركز آمال الإصلاحِ أو التجديدِ نحو حَدَثٍ أَو عَهد واحد بعينه , مرجُوٍّ في المستقبل، يَردُّ أَمر الدِّين إلى حالته المُثْلى من جديد = وهذه عقيدةٌ نشأتْ عند اليهود , واعْتَرت النصارى. وقوامها: انتظارُ المسيح يأتي ـ أو: يعود عندما يبلغ الانحطاطُ ذِرْوتَه بعهد الدجال؛ قبل أن ينقلب الحال صاعدًا بذلك الظهور ... وقد انتقلت العقيدة بأثر مَن دَفَع الإسرائيليات إلى المسلمين، وما يزال جمهور من عامة المسلمين يعوّلون عليها في تجديد دينهم .. » (١). ويَسِمُ الدكتور مُصْطفى بو هندي تلك الأَحاديث الصحيحة الصريحة التي وقع الإجماع على مَدْلولها = بكونها «مشبّعةً بالمفاهيم الكتابية؛ التي سبق أَن أَشرنا إليها عن المسيح المنتظر. وهو ما يكشف عن مصدريّتها اليهودية والمسيحية، المخالفة لما في الإسلام» (٢).

стр. 479

المطلب الثاني: سوق المعارضات العقلية المدعاة على أحاديث نزول عيسى ﵍ - أورد الطاعنون في تلك الدلائل عددًا من المعارضات العقليَّة؛ التي تعود في جُمْلتها إلى اعتقاد أن إِثبات مدلول تلك الأَحاديث يلزم منه التناقض ـ بزعمهم ـ. وهذه المعارضات كالآتي: المعارض الأول: إنّ أَصحاب تلك المرويات يزعمون أَن عيسى ﵍ إنما ينزل في آخر الزمان متّبعًا للشريعة المحمدية. ومن كان متبعًا لغيره؛ كيف يحمِل الناسَ على الإيمان به ـ حسبما جاء في تلك الروايات ـ؟! وكيف تكون عاقبة مَن لم يؤمن به القتلُ؟! وفي تقرير هذه الشُّبهة يقول الدكتور مصطفى بو هندي: « .. أَصحاب الروايات يَدّعون أَن المسيح عندما يجيء في آخر الزمان لن يكون نبيًا؛ وذلك تهرُّبًا من التناقض مع ختْمِ النبوة بمحمد. ولكن الروايات تقول: إنّ من لم يؤمن به يُقتل = فهل يؤمن الناس إلا بالأنبياء والمرسلين؟ وهل يَحقّ لأَحد من أتباعِ النبي محمد يقول: " آمن بي فلانٌ "؟ .. إنما الإيمان بالله وملائكته وكتبه , ورسله , واليوم الآخر. وليس باتباع الأَنبياء، وعموم الناس» (١). الثاني: أن المسيح عيسى ﵍ إذا كان يَنْزِلُ في آخر الزمان متبعًا لمحمد ﷺ «فعليه أن لا يغيّر في شريعته شيئًا. فما الإكراه في الدِّين، وقَتْل من لا يؤمن به , وتخريب البِيَع والكنائس , وإزالة الجزية والصدقة والقلاص , وترْك الحرب؛ بمعنى:

стр. 480

إزالة الجهاد = إلا مخالفات صريحةٌ، وتغيير جذْرِيٌّ في الدِّين» (١) . الثالث: كيف يملأ المَسيحُ الدُّنيا عدلًا بعد أن ملئت جورًا؟ وهل هذا من سنة الله في الحياة الإنسانيَّة؟ وكيف يفيض المال عند رجعة المسيح فلا يقبله ... أَحد؟ (٢)

стр. 481

المطلب الثالث: نقض دعوى المعارض العقلي على أحاديث نزول عيسى ﵍ - والجواب عما اعترض به الطاعنون على تلك الأَحاديث , بأن يقال: أولًا: أمّا دعواهم: بأن القول بنزول عيسى ﵍ متّبعًا ـ هروبًا من الوقوع في مصادمة دلائل ختم النبوة ـ لا مُشرعًا = يُلْزِم القائلين به الوقوعَ في التناقض؛ لأنّ مَن كان متّبعًا لا يأمر الناس أن يؤمنوا به، ثم يجعل عقوبة من امتنع من ذلك القتل! هذا حصيلة ما اعترض به المعترض , وقد تقدم سوق كلامه بحروفه. والجواب عن ذلك: أنّ من أُصول النّظر في الدَّلائل الشرعية: النّظرَ إليها «كالصورة الواحدة؛ بحَسَبِ ما ثبت من كُليّاتِها، وجزئياتها المرتبة عليها , وعامِّها المُرتب على خاصها , ومُطْلَقِها المحمول على مُقيِّدها , ومُجْمَلها المفسَّر بمبينها. إلى ما سوى ذلك من مَنَاحيها. فإذا حَصَل للنَّاظر مِن جُمْلتها حُكْمٌ من الأحكام = فذلك هو الذي نطقت به حين اسْتُنْطِقَت» (١). وبمقتضى هذه الأُصول فَهِمَ السلفُ أَحاديث نزول عيسى ﵍ في ضوء فهمهم للأحاديث الدالة على ختم النبوة , ولم يكن القولُ بأن المسيح ﵍ ينزل تابعًا لشريعة النبي ﷺ = مِن عندياتهم , بل هو حاصل النظر في جُمْلة الأَخبار الواردة في ذلك. فأَخبار المصطفى ﷺ لا تتناقض؛ لأنها حق وصدق: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ يونس: ٣٢. وعلى هذا؛ فالذي يتقرر هنا أمور:

стр. 482

الأوّل: أَن القول بنزول عيسى ﵍ متبعًا لا مشرعًا؛ ليس من محض اختراع من أَصحاب الروايات ـ كما افتراه بو هندي في زَعَمَاتِهِ ـ، بل هو مقتضى ما دلت عليه النصوص. وبرهان ذلك قول النبي ﷺ كما في حديث أبي هريرة: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم. وإمامكم منكم؟) (١) . ورَفْضُ عيسى ﵍ التقدُّم للإمامة، وقبولُه أن يكون مقتديًا برجل من هذه الأمة = فيه اجتثاثٌ لإشكالٍ يمكن أَن يقع في النفس؛ من كونه نزل مبتدئًا شرعًا لا متبعًا. الأَمر الثاني: أَنَّ معنى كونه ﵍ متبعًا , لا ينزع عنه سِمَةَ النبوة. فإن قيل: يُشْكِلُ عليه قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الأحزاب: ٤٠ وقوله ﵊ (لا نبي بعدي) (٢) . فالجواب: إنما يصح التناقض إذا كان المدلول المراد نفيه في هذه الدلالة هو ذاتُه المُثبت في الأَحاديث الدالة على نزول عيسى ﵍ في آخر الزمان؛ ولكن عند اختلاف المدلولين فلا تناقض. بيان ذلك: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وبقوله ﷺ : (لا نبيَّ بعدي) ـ والله أعلم ـ: امتناع حدوث وصف النُّبوة في أحد من الخلق بعد النبي محمد ﷺ ينسخُ بشريعته شريعةَ نبينا ﷺ ؛ لقيام القَواطِع امتناع ذلك. وعيسى ﵇ لم يحدث له هذا الوصف، لأنّه لم يزل مُتصفًا به منذ أن تحلّى به، ولم يسلب منه برفعه إلى السماء. يقول الإمام الآلوسي ﵀: (والمراد بكونه ﵊ خاتمهم: انقطاع

стр. 483

حدوث وصف النبوة في أحد من الثقلين بعد تحليه ﵊ بها في هذه النشأة. ولا يقدح في ذلك ما أجمعت الأمة عليه واشتهرت فيه الأخبار، ولعلها بلغت مبلغ التواتر المعنوي، ونطق به الكتاب على قول، ووجب الإيمان به، وأكفر منكره؛ كالفلاسفة من نزول عيسى ﵇ آخر الزمان؛ لأنه كان نبيا قبل تحلِّي نبينا -صلى الله تعالى عليه وسلم- بالنبوة في هذه النشأة ... ثم أنه ﵇ حين نزوله باقٍ على نبوته السابقة لم يعزل عنها. قال: لكنه لا يتعبد بها لنسخها في حقه وحق غيره، وتكليفه بأحكام هذه الشريعة أصلًا وفرعًا. فلا يكون إليه ﵇ وحي ولا نصب أحكام بل يكون خليفة لرسول الله -صلى الله تعالى عليه وسلم- وحاكما من حكام ملته) . (١) وعلى هذا؛ فقول (بو هندي) أنّ «أَصحاب الروايات يدّعون أن المسيح عندما يجيء في آخر الزمان لن يكون نبيًا» لم يُسمّ قائلَه. , والأدلة لا تسعفه. وإلا فيبقى الشَّكُّ في تقوُّل هذا المدعي. الأمر الثالث: زَعْمه أن الروايات تقول: من لم يؤمن به ـ أي بعيسى ﵍ ـ يُقْتَلْ ... إلخ. الجواب أن يقال: أين في الروايات الصحيحة ما يفيد أن عيسى ﵍ يقتل الناس حتى يؤمنوا به؟! بل قتالُه للكفرة من أهل الكتاب وغيرهم؛ لتكون الدعوى واحدة، وهي دعوى الإسلام. فعيسى ﵍ إِنما يدعو إلى دين الإسلام، لا إلى ذاته. وقد دل على ذلك ما رواه أَبو هريرة ﵁ مرفوعًا: (ليس بيني

стр. 484

وبينه نبي -يعني عيسى ﵇-وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحُمرة والبياض، بين ممصّرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب , ويَقْتُل الخنزيرَ , ويضع الجزية , ويُهلكُ الله في زَمَانِهِ المِلَل كُلَّها إلَاّ الإسلام ... ) (١) الحديث. فقوله ﷺ : (فيقاتل الناسَ على الإسلام) صَريحٌ في نقض دعوى المعترض. جواب الاعتراض الثاني؛ وهو: دعوى المعترض: أن عيسى ﵍ لو كان ينزل في آخر الزمان متبعًا لمحمد ﷺ فعليه أن لا يغير في شريعته شيئًا .. الخ فيقال: قد سبق الكشف عن معنى قول النبي ﷺ : (لا نبي بعدي) وأمَّا وضْعُ الجزية، ودق الصليب الخ .. في زمن وجود عيسى ﵍ في آخر الزمان؛ مع كون المقرّر في الشرع أخْذ الجزية، وتخيير أهل الكتاب بين أدائها وبقائهم على دينهم، وبين القتال = فليس ذلك على معنى الإنشاء والنسخ للشريعة المحمدية؛ ابتداءً لتشريع آخر من قبل المسيح ﵍ ـ كما توهَّمه المعترض ـ وإنما المقصود: أن مشروعية أخذ الجزية , وتخيير أَهل الذمة بين الإيمان , وبين أداء الجزية أو القتال = كلُّ ذلك على التأقيت. أَي أنَّها مُقيَّدةٌ بزمنٍ، هذا الزَّمَنُ هو زمنُ ما قبل نزول عيسى ﵍. والتقييد جاء من قِبَل النبي ﷺ ـ كما دلت عليه هذه الأحاديث؛ لا من قِبَل عيسى ﵍. فلن يقع من عيسى ﵍ نَسْخٌ، ولا تغييرٌ ولا تبديل في شريعة الإسلام.

стр. 485

وفي تقرير هذه الحقيقة , يقول الإمام النووي ـ ﵀ ـ: «ومعنى وضع عيسى الجزية؛ مع أنها مشروعة في هذه الشريعة = أَنّ مشروعيّتها مقيدة بنزول عيسى؛ لما دَلّ عليه هذا الخبر. وليس عيسى بناسخٍ لحكم الجزية، بل نبينا ﷺ ، وهو المُبيّن للنّسخ بقوله هذا» (١) . وأَما الجواب عن الاعتراض الثالث , وهو: قول المعترض: كيف يملأ المسيح الدُّنيا عدلًا بعد أن ملئت جورًا؟ إلخ .. فيقال: ليس ذلك بمنكور في بَدَائِهِ العقول. وفي التأريخِ ما يشهد لهذه الحقيقة، ويؤيدها. فإن النبيّ ﷺ وخلفاءَه من بعْده قد خَطّوا خُطّة العَدْل , وحرّروا البلاد والعباد من رق العبودية للخلق إلى العبودية لرب الخلق وخالقهم. فما الذي يَمْنع نبي الله عيسى ﵍ أن يملأَها ـ أي الدنيا ـ عدْلًا من بعد ما مُلِئَتْ جورًا؟! فالله تعالى قادرٌ على تمكينه من ذلك. وبراهين الشرع، والحس، والعقل دالة على صحة ذلك. بقي أَنْ يُنظر في تلك الدّعاوى التي انطوت في أقوال الطاعنين المساقة سالفًا. فأَمّا دعوى الشيخ " محمد عبده " والشيخ " محمد شلتوت ": بأن أحاديث نزول عيسى ﵍ أحاديث آحاد، لا يُرْكن إلى مثلها في تقرير العقائد = فقولٌ خَشِيبٌ؛ لأَنه على فرض كون تلك الأحاديث آحاد , فإن خبر الآحاد متى صحّ فهوحُجّةٌ في العقائد والأَحكام، يَجِبُ المصير إليه. وهذا ما انعقد عليه إجماع أهل السُّنة. فإن قيل: قد ذكرتَ آنفًا أن هذا التقرير لحجيّة أخبار الآحاد

стр. 486

عمومًا , وحجّيّة الأَحاديث الدالة على نزول عيسى ﵍ على جهة التعيين؛ هو على جهة الفَرْض. فإن كان هذا التقرير على جهة الفَرْض، فلم يبقَ إلَاّ أن تكون أَحاديث نزوله ﵍ بلغت مبلغ التواتر. وهذا ما رددته سابقًا , وهذا عين التناقض! والجواب: أَنّ أَحاديث النزول؛ وإن كانت لا تدخل في حَدِّ التواتر اللفظي المشار سَلَفًا عن نُدْرتِه، أو تعسُّرِ الظَّفَر به = إلَاّ أنها ـ بيقينٍ قد استفاضت و تواترت تواترًا معنويًّا. وهذا ما سبق أنْ سِيقتَ أَقوال الأَئمة في بيانه، في أَوائل المبحث. فلا تناقض حينئذٍ. وبذا؛ يتبين خطأ الشيخ "محمد عبده" ومَن جَرَى في مَهْيَعِه في ردّهم لهذه الأحاديث بكونها خبر آحاد = على كلا الاعتبارين. وأَما تأويل نزوله ﵍ وحكمه في الأرضِ؛ بغَلَبة روحه، وسِرّ رسالته على الناس إلخ .. = فتأويلٌ بَاردٌ , وتحكيمٌ للتلاعُب والعبث في تفسير الأدلة. وبيان ذلك في الوجوه التالية: الأوّل: أَن هذا التأويل مُعرّىً عما يعضده من الأدلة التي تشهد له. الثاني: أنه يرجع على ما تضمنته الأحاديث من معاني بالبطلان. ذلك أنه لو صَحَّ هذا التأويل لكانت الأَحاديث حينئذٍ مبشرة بانتشار روح المسيح , وذيوع تعاليمها. وهذا المعنى الفاسد هو نقيض ما صرّحت به أَحاديث النزول؛ من أن عيسى ﵍ لا يقبل إلاّ الإسلام , وأنه يُهْلِك المِلَل كلَّها إلَاّ الإسلام. الثالث: أَنَّ تأويل نزوله ﵍ وحكمه في الأرض؛ بما غلب في تعليمه من الأمر بالرحمة، والمحبة، والسِّلْم = باطلٌ. لأنه يوهم أن الشريعة المحمدية غُفْلٌ عن ذلك. وهذه الأمور - الرّحمة، والمحبّة، -

стр. 487

مُقرَّرةٌ في الشريعة بضوابطها المتضمنة للحكمة والعدل، جاء الأَمر بها، وتوطيدها. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ الأنبياء: ١٠٧ وقد قال ﷺ : (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتى تُؤْمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحَابُّوا. أَوَلَا أَدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) (١). وأمرَ اللهُ عبادَه بالدخول في الإسلام فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ البقرة: ٢٠٨ الرابع: أن دعوى جمود اليهود على ظواهر ألفاظ التوراة دعوى ينقضها البرهان؛ بل من المعلوم شرعًا: أن اليهود عُرفوا بالتحايُل على أَلفاظ التوراة , والتنصُّل من أَحكامها. وقد أخبر الله بذلك في كتابه , قال جل وعلا: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ المائدة: ١٣ الخامس: أن الأَحاديث تضافرت أن المسيحَ ﵍ يقتُل مسيح الضلالة. وروحُ عيسى ﵍ وسِرُّ رسالته ليس فيها قتلٌ، ولا قتال. السادس: أَنه لو صَحَّ هذا التأويل؛ لما امتنع طَرْدُه في بقية الأشراط، بل في بقية الأَخبار التي تضمنتها نصوص الكتاب والسُّنة. وبمثل هذا التأويل فتحَ الشيخ " محمد عبده " الباب على مِصْراعَيه لمن جاء بعده من الباطنيين الجُدُدِ ليجروا بدلالات الأدلة في أودية العبثيَّة المُغْرِقة في الضَلَال؛ التي دارت في فَلَكٍ مُباينٍ لِمَا يدل عليه النظمُ من

стр. 488

جهة المواضعة ومن جهة قصد المتكلِّم بدعوى: «حُريّة التعدديّة القرائية»، أو «التعددية الدلاليّة»! فلم يعد التأويل مقصورًا على ما يدعى أنّه مخالفٌ لمقتضى الدلالة العقلية فقط، بل أَصبح ضرورةً عند هؤلاء الباطنيين في كُلِّ نصٍ سواء وجدت المعارضة المُدَّعاة أم لم توجد، حتى قال أحدُ دعاة هذه المدرسة الباطنية المُحْدَثة: «النصُّ المقدَّسُ ما إنِ انتقل من فضائه الإلهي إلى الفضاء الإنساني , حتَّى أَخذ يعيش حالةً من التشظيِّ الدَّلالي المُعْنمي عبْر البشر الفرادى , والمجتمعين المتشظِّين؛ وفق مواقعهم المتجمعيَّة - فئات، وشرائح، وطبقات، ونقابات، وشعوب، وأمم .. إلخ - , والمعرفية - المستوى العلمي الطبيعي , والاجتماعي , والإنساني - , إضافةً إلى الأيديولوجيَّة - السياسية , والدِّينية , والأَخلاقية , والجمالية ... إلخ - والإثنيَّة - الانتماء الأَقوامي العرقي. والحقَّ؛ إِنه ليس في ذلك غرابة؛ بل الغرابة ألَاّ يتمّ الأَمرُ وفق ذلك. فالتَّعددية البشرية هي من طبائع الأمور. إذْ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ هود: ١١٨ ومن هناك كان الوهم والاعتقاد بأنَّ خطابًا «دينيًا أو أدبيًّا، أو اجتماعيًا .. إلخ؛ يلقى أصداءً متماثلة لدى مجموعات بشرية متمايزة على النحو المحدد آنفًا» (١). فالتأويل عند أَذناب هذه النِّحلة: «ضرورةٌ للنَّصِ , ولا يوجد نَصٌ إلاّ ويمكن تأويلُه؛ من أَجل إيجاد الواقع الخاص به ... حتى النُّصوص الجليّة الواضحة التي لا تحتاج في فهمها إلى التَأويل ... حتى هذه النصوص؛ لفهمها حدسًا تحتاج إلى مضمون معاصر، يكون أَساس الحدس» (٢).

стр. 489

ولا ريب أَنّ مَنْ طَرقَ جانب التأويل في أي باب من أبواب الشرع دون قرينة شرعيّة توجب ذلك = فإنه يلزمه أَنْ يطرد هذا التأويل في أَبواب الشريعة كلِّها؛ شاء، أم أَبى. ولا خَلَاص للشيخ محمد عبده وأَتباعه ممن بقي فيهم أَصلُ التسليم والتعظيم للأدلة الشرعيّة =من ورطة هذا اللازم إلاّ بالرجوع إلى هَدْيِ السّلف في تعظيم النص الشرعي، وفهمِه وفق ما فَهِمه الرعيل الأوَّل , وفْق أُصول الدلالات التي وظّفوها في فهم النصوص. وأَمّا من رَدّ هذه الأَحاديث بزعم أَنّها نَتَاج عُقْدة الانتظار، التي نَبَعَتْ في أول أمرها ـ أي: هذه العقدة ـ عند اليهود، ثم انتقلت إلى النصارى، ثم تَسَرَّبت إلى المسلمين = فخطأ؛ لأَنّ هذه الأَحاديث قد تحقَّق أهل الصنعة ـ وهم المحدِّثون ـ من كون أَسانيدها متصلة إلى قائلها؛ وهو رسول الله ﷺ . فلا يمكن ـ عقلًا وشرعًا ـ أن يُطْبِق المسلمون على نسبة هذه الأحاديث إلى رسول الله ﷺ ، ثم يكون حقيقة الحال أَنها مجرد أَثَر سلبي لواقعٍ يعايشه المسلمون. ثم إن هذه الأحاديث قد كان أصحاب رسول الله ﷺ يَبُثّونها في الأمة؛ مع كون عصرهم عصر انتصاراتٍ، وعزٍّ، وتمكين. وكذا عصر التابعين، ومَن بَعدَهُم. فأي انحطاط كان يعيشه هؤلاء السادة القادة؟!. وأما وقوع الاتفاق بين أهل الإسلام وبين أَهل الكتاب في قضيَّة عقدية كهذه فأمرٌ لا يُستغرَب؛ فإن هذا من بقايا إرث الأَنبياء. ولكن يبقى أن هذا الموروث عند أَهل الكتاب مُرْتهَنٌ بتصحيح الدين المهيمن على كل كتاب ودين سبقه؛ فإنّه الدِّين المحفوظ إلى قيام السَّاعة , وكتابَه الكتابُ الناسخ لكل الكتب، والمهيمن عليها.

стр. 490

قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ المائدة: ٤٨.

стр. 491

الفصل الثاني دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقة باليوم الآخر وفيه خَمسة مباحث: - المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن أحاديث عذاب القبر ونعيمه. - المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث الميزان. - المبحث الثالث: نقْض دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الصّراط. - المبحث الرابع: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث الدَّالة على وجود الجنة والنار. - المبحث الخامس: دَفْعُ دعوى المعارضِ العقلي عن الأَحاديثِ الدَّالَّةِ على بقاء الجَنَّةِ والنَّار.

стр. 492

المبحث الأوَّل دَفْعُ المُعارِضِ العقلِيّ عن أحاديثِ عَذَابِ القَبْر ونَعيمِهِ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سوق أحاديث عذاب القبر ونعيمه. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث عذاب القبر ونعيمه. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث عذاب القبر ونعيمه.

стр. 493

المطلب الأوَّل: سوق أحاديث عذاب القبر و نعيمه: عن البراء بن عازب عن أبي أيوب ﷺ ، قال: خَرَجَ النبيُّ ﷺ وقد وَجَبَتِ (١) الشَّمسُ فَسَمِع صوتًا، فقال: (يَهُودُ تُعذَّبُ في قُبورها) متفق عليه، وفي رواية مسلم: (بعد ما غربت الشَّمسُ) (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّه حَدَّثَهم أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: (إنَّ العبدَ إِذَا وُضِعَ في قَبرِهِ، وتَولَّى عنه أَصْحَابُهُ، وإنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهم =أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ لمحمد ﷺ ؟ فأمَّا المؤمنُ فَيقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فيُقالُ له: انْظُرْ إِلى مَقْعَدِكَ مِن النَّارِ قَد أَبْدَلَكَ اللهُ بهِ مَقْعَدًا مِن الجَنَّةِ. فيراهما جميعًا) قال قتادةُ: وذُكِرَ لنا أَنَّه يُفْسَحُ في قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَع إلى حديث أنس قال: (وأَمَّا المنافقُ والكَافِرُ فَيُقال له: ما كنتَ تَقولُ في هذا الرَّجُلِ =فيقولُ: لا أَدْري، كُنتُ أَقولُ ما يقولُ النَّاسُ. فيُقال: لا دَرَيتَ ولا تَليتَ (٣) ويُضْرَبُ بِمَطَارقَ مِن حَديدٍ ضَرْبَةً فَيصيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها مَن يَليهِ غَيرَ الثَّقَلينِ) متفق عليه (٤).

стр. 494

وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بِقَبْرينِ فقال: (إنَّهُما لَيُعذَّبَانِ، ومَا يُعذَّبَان في كبيرٍ (١)) ثُمَّ قال: (بلى، أمَّا أَحدُهُما فكانَ يَسْعَى بالنَّمِيمَةِ. وأما الآخر لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِهِ) ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فكسَرَه باثْنتين ثُمَّ غَرَزَ كُلّ واحد منهما على قَبْرٍ، ثُمَّ قال: (لَعَلَّهُ يُخفَّفُ عَنْهُما مَا لم يَيْبِسا) متفق عليه (٢) . عن أبي هريرة ﵁ قال: كان الرَّسولُ ﷺ يدْعو: (اللَّهمّ إنِّي أعُوذُّ بك مِن عَذاب القَبْر، ومن عَذابِ النَّارِ، ومن فِتْنَةِ المَحيا والممات (٣)، ومن فتنة المسيح الدَّجال) متفق عليه (٤) . وعن عائشةَ ﵁ أَنَّ يهوديةً دَخَلت عَليها فَذَكَرَتْ عَذابَ القَبرِ، فَقَالتْ لها: أَعاذَكِ اللهُ مِنْ عذابِ القَبْرِ. فَسَأْلَت عائشةُ رسولَ الله ﷺ عَن عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نعم عذاب القبر حق»،قالت عائشة ﵂: (فما رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلاةً إلَاّ تعوَّذَ مِن عَذَابِ القَبر) (٥) .

стр. 495

تمهيد: دلَّت الأحاديثُ المُساقةُ على ثبوت فتنة البَرْزَخ، وأنّ في القَبْر عذابًا ونعيمًا للميت؛ بِحَسَبِ عملِه. وذلك مقتضى عدل المولى ﵎، وموجبِ أسمائه وكماله، أنْ يُنعِّم أرواحَ وأبدَانَ أوليائه، ويُعذِّبَ أرواحَ وأبدان أعدائه؛ فيُذيقَ بدَنَ المطيع له وروحَه من أنواع النعيم ما يليق به، ويُذيقَ بدنَ الفاجِر والعاصي له، وروحَه ما يستحقُّه (١). والبَرْزَخ: في اللِّسان: الحاجزُ والحدُّ بين الشيئَيْنِ (٢). ومنه: قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ الرحمن: ٢٠ وأمّا عند أهل الاصطلاحِ: فاسمُ ما بينَ الدنيا والآخرة؛ من وقْتِ الموتِ إلى البعث (٣). فإِنْ قِيل: هل ثَمَّةَ فَرْقٌ بين " البَرْزَخ " و " القَبْر "؟ فيُقال: عذابُ القَبْر ونعيمه هو: عذابُ البَرْزَخ ونعيمُه؛ وإنّما أُضيفَ إلى القَبْر لكونه هو الغالب. فتحصَّل من ذلك: أنَّ لفظ البَرْزَخ أَعمُّ من لفظ القَبْر (٤)؛ إذْ قد يموت إنسانٌ ولا يُدفَن في المقابر؛ بِأَنْ تأكلَه السباعُ، أو الطيرُ، أو يُصلَب .. الخ. فهذا له من عذابِ البَرْزَخ ونعيمه حظُّه؛ بِحَسَبِ أعمالِه. وقد نصّ الأئمةُ على تواتر الأحاديث في إثبات عذاب القَبْرِ
следующие страницы →