← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الفصل الثاني دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقة باليوم الآخر وفيه خَمسة مباحث: - المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن أحاديث عذاب القبر ونعيمه. - المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن أحاديث الميزان. - المبحث الثالث: نقْض دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الصّراط. - المبحث الرابع: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث الدَّالة على وجود الجنة والنار. - المبحث الخامس: دَفْعُ دعوى المعارضِ العقلي عن الأَحاديثِ الدَّالَّةِ على بقاء الجَنَّةِ والنَّار.

стр. 492

المبحث الأوَّل دَفْعُ المُعارِضِ العقلِيّ عن أحاديثِ عَذَابِ القَبْر ونَعيمِهِ وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سوق أحاديث عذاب القبر ونعيمه. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث عذاب القبر ونعيمه. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث عذاب القبر ونعيمه.

стр. 493

المطلب الأوَّل: سوق أحاديث عذاب القبر و نعيمه: عن البراء بن عازب عن أبي أيوب ﷺ ، قال: خَرَجَ النبيُّ ﷺ وقد وَجَبَتِ (١) الشَّمسُ فَسَمِع صوتًا، فقال: (يَهُودُ تُعذَّبُ في قُبورها) متفق عليه، وفي رواية مسلم: (بعد ما غربت الشَّمسُ) (٢). وعن أنس بن مالك ﵁ أَنَّه حَدَّثَهم أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: (إنَّ العبدَ إِذَا وُضِعَ في قَبرِهِ، وتَولَّى عنه أَصْحَابُهُ، وإنَّه لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهم =أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فيقولانِ: ما كُنتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ لمحمد ﷺ ؟ فأمَّا المؤمنُ فَيقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. فيُقالُ له: انْظُرْ إِلى مَقْعَدِكَ مِن النَّارِ قَد أَبْدَلَكَ اللهُ بهِ مَقْعَدًا مِن الجَنَّةِ. فيراهما جميعًا) قال قتادةُ: وذُكِرَ لنا أَنَّه يُفْسَحُ في قَبْرِهِ. ثُمَّ رَجَع إلى حديث أنس قال: (وأَمَّا المنافقُ والكَافِرُ فَيُقال له: ما كنتَ تَقولُ في هذا الرَّجُلِ =فيقولُ: لا أَدْري، كُنتُ أَقولُ ما يقولُ النَّاسُ. فيُقال: لا دَرَيتَ ولا تَليتَ (٣) ويُضْرَبُ بِمَطَارقَ مِن حَديدٍ ضَرْبَةً فَيصيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُها مَن يَليهِ غَيرَ الثَّقَلينِ) متفق عليه (٤).

стр. 494

وعن ابن عبَّاس ﵁ قال: مَرَّ النبيُّ ﷺ بِقَبْرينِ فقال: (إنَّهُما لَيُعذَّبَانِ، ومَا يُعذَّبَان في كبيرٍ (١)) ثُمَّ قال: (بلى، أمَّا أَحدُهُما فكانَ يَسْعَى بالنَّمِيمَةِ. وأما الآخر لا يَسْتَتِرُ من بَوْلِهِ) ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فكسَرَه باثْنتين ثُمَّ غَرَزَ كُلّ واحد منهما على قَبْرٍ، ثُمَّ قال: (لَعَلَّهُ يُخفَّفُ عَنْهُما مَا لم يَيْبِسا) متفق عليه (٢) . عن أبي هريرة ﵁ قال: كان الرَّسولُ ﷺ يدْعو: (اللَّهمّ إنِّي أعُوذُّ بك مِن عَذاب القَبْر، ومن عَذابِ النَّارِ، ومن فِتْنَةِ المَحيا والممات (٣)، ومن فتنة المسيح الدَّجال) متفق عليه (٤) . وعن عائشةَ ﵁ أَنَّ يهوديةً دَخَلت عَليها فَذَكَرَتْ عَذابَ القَبرِ، فَقَالتْ لها: أَعاذَكِ اللهُ مِنْ عذابِ القَبْرِ. فَسَأْلَت عائشةُ رسولَ الله ﷺ عَن عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نعم عذاب القبر حق»،قالت عائشة ﵂: (فما رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلاةً إلَاّ تعوَّذَ مِن عَذَابِ القَبر) (٥) .

стр. 495

تمهيد: دلَّت الأحاديثُ المُساقةُ على ثبوت فتنة البَرْزَخ، وأنّ في القَبْر عذابًا ونعيمًا للميت؛ بِحَسَبِ عملِه. وذلك مقتضى عدل المولى ﵎، وموجبِ أسمائه وكماله، أنْ يُنعِّم أرواحَ وأبدَانَ أوليائه، ويُعذِّبَ أرواحَ وأبدان أعدائه؛ فيُذيقَ بدَنَ المطيع له وروحَه من أنواع النعيم ما يليق به، ويُذيقَ بدنَ الفاجِر والعاصي له، وروحَه ما يستحقُّه (١). والبَرْزَخ: في اللِّسان: الحاجزُ والحدُّ بين الشيئَيْنِ (٢). ومنه: قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ الرحمن: ٢٠ وأمّا عند أهل الاصطلاحِ: فاسمُ ما بينَ الدنيا والآخرة؛ من وقْتِ الموتِ إلى البعث (٣). فإِنْ قِيل: هل ثَمَّةَ فَرْقٌ بين " البَرْزَخ " و " القَبْر "؟ فيُقال: عذابُ القَبْر ونعيمه هو: عذابُ البَرْزَخ ونعيمُه؛ وإنّما أُضيفَ إلى القَبْر لكونه هو الغالب. فتحصَّل من ذلك: أنَّ لفظ البَرْزَخ أَعمُّ من لفظ القَبْر (٤)؛ إذْ قد يموت إنسانٌ ولا يُدفَن في المقابر؛ بِأَنْ تأكلَه السباعُ، أو الطيرُ، أو يُصلَب .. الخ. فهذا له من عذابِ البَرْزَخ ونعيمه حظُّه؛ بِحَسَبِ أعمالِه. وقد نصّ الأئمةُ على تواتر الأحاديث في إثبات عذاب القَبْرِ

стр. 496

ونعيمِه، ومُساءَلةِ مُنكَر ونكير ,وتظاهرها عنه ﷺ (١). و ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنّ الآيات الدّالّة على ثبوت عذابِ القَبْر ونعيمه تدورُ على ثلاث آيات؛ كما هو صنيعُ الإمام البخاري (٢). وبَلَغَ بها ابنُ القيّم ﵀ خَمْسَ آياتٍ (٣)، وابنُ رجب سِتَّ آياتٍ (٤). وبذلك يتقرر أنَّ هذه المسأَلةَ - أعني: عذابَ القَبْر ونعيمَه - وإنْ نصَّتْ الأحاديثُ عليها، وجَلَّتْها؛ فلا يعني ذلك خُلُوّ القرآن من الإشارة إليها. ومن الدَّلائل التي أشارتْ إليها: - قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ غافر: ٤٥ - ٤٦ قال الإمام ابن كثير ﵀ في هذه الآية: (وهذه الآيةُ أصْلٌ كبيرٌ في استدلال أهل السُّنَّة على عذاب البَرْزَخ في القبور؛ وهي قوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) (٥). - قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾ الطور: ٤٥ - ٤٧ فهذه الآية ارتأى بعضُ أهلِ العلم ظُهورَها في الدّلالةِ على عذابِ البَرْزَخ. قال الإمام ابنُ أبي العِزّ: (وهذا يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ به عذابُهم بالقَتْل

стр. 497

وغيرِه في الدنيا، وأن يُرادَ به عذابُهم في البَرْزَخ؛ وهو أَظْهَرُ؛ لأنّ كثيرًا منهم ماتَ ولم يُعَذَّبْ في الدنيا. أو المُرادُ بهِ: أعَمُّ من ذلك) (١) . ومِنْ تلك الأدلّة القرآنية التي ألْمحَتْ إلى مسألتنا=قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ الأنعام: ٩٣ قال الإمام ابنُ قَيِّم الجوزيّةِ: (وهذا خطابٌ لهم عند الموت. وقد أَخْبَرت الملائكةُ - وهم الصادقون - أنهم حينئِذٍ يُجزَون عذابَ الهون. ولو تأخّر عنهم ذلك إلى انقِضاءِ الدنيا لَمَا صحَّ أن يُقالَ لهم: الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ) (٢) . ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾ السجدة: ٢١ وقد قال مجاهد ﵀ في تفسير (الْعَذَابِ الْأَدْنَى): إنّه عذابُ القَبْر (٣)،ونُسب هذا القول إلى ابن عباس والبراء بن عازب﴾ (٤) . ووجه الاستلال بها =أنَّ الله تعالى قد ذكر في الآية أنّ للكافرين عذابَيْنِ: أدْنى، وأكْبَر. فأخبَرَ أنّه يُذيقُهم بعضَ العذاب الأدنى؛ ليَرْجعوا فَفُهم أنّه قد بقيَ لهم من العذاب الأدنى بقيةٌ يُعذَّبون بها بعد عذاب الدنيا. ولهذا قال: (مِنَ الْعَذَابِ) ولم يقل: (ولنذيقنّهم العذابَ الأدنى) (٥)

стр. 498

وانعقد الإجماعُ عندَ أهلِ الإسلام على ثبوتِ عذابِ القَبْر ونعيمِه، وأنّ الناسَ يُفْتَنُون في قبورهم. وقد نقلَ غيرُ واحدٍ الإجماعَ على ذلك: قال الإمام ابنُ عبد البَرّ ﵀: (وليس من أئمة المسلمين وفقهائهم، وحمَلَة الآثار منهم؛ من الصحابة، والتابعين، ومَنْ بعدهم = أحدٌ يُنكِرُ فتنةَ القَبْر. فلا وجْهَ للاشتغالِ بأقاويلِ أهل البِدَع والأهواءِ المُضِلَّةِ) (١) . وقال الإمامُ ابنُ القطّانِ: (وأجْمَع أهل الإسلام من أهل السُّنّة على أن عذاب القَبْر حقٌّ، وعلى أنّ مُنْكَرًا ونكِيرًا مَلَكَي القَبْر حقٌّ، وعلى أنّ النّاسَ يُفتَنُونَ في قبورهم بعدما يُحْيَون فيها؛ فيُقالُ له: مَنْ ربُّك؟ وما دينُك؟ ومَنْ نبيُّك؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾ إبراهيم: ٢٧) (٢) . وقال الإمام ابن العطَّار ﵀: ( .. إثبات عذاب القبْرِ، .. هو مذهب أهل السُّنَّةِ، وهو ممَّا يجبُ اعتقادُ حقيقتهِ، وهو ممَّا نقلته الأُمَّة مُتواترًا =فمن أنكر عذاب القبرِ، أو نعيمَهُ =فهو كافرٌ؛ لأنَّه كذَّب اللهَ تعالى، ورسولَه في خَبَرِهما) (٣) . والعذابُ أو النعيم عند أهل السُّنّةِ على روح الميت وبدَنِه. فالرُّوح

стр. 499

تبقى بعد فراق البَدَن مُنَعَّمَةً، أو مُعَذَّبَةً. وأنّها تتّصل بالبدنِ أحيانًا، فيحصُل للبَدَنِ معها النعيمُ، أو العذابُ (١) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (العذابُ على النَّفْسِ والبدن جميعًا؛ باتِّفَاقِ أهلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَةِ. تُنَعَّمُ النفسُ وَتُعذَّبُ منفردةً عن البدن، وتُعَذَّبُ متّصِلةً بالبدن، والبدنُ مُتّصل بها؛ فيكون النعيمُ والعذابُ عليهِما في الحال مجتَمِعَيْنِ، كما يكونُ للروح منفردةً عن البدن) (٢) . وقد اختلفت مواقف المخالفين لأَهل السُّنَّة من عذاب القبر، على النَّحو التَّالي: القول الأوَّل: من ذهب إلى نَفْيِ (عذابِ القَبْر) مُطلقًا: كطوائف من الخوارِج (٣)، وبشر المريسي (٤) وبعضُ المعتزلة. ومِمّن اشتهر عنه ذلك: ضرار بن عمرو (٥) . وأمّا بقية المعتزلة؛ فالذي يظهرُ: أنهم يُثْبِتُون ما دلّت عليه النصوص في الجُمْلة. وقد قال القاضي عبد الجبّار: (سألتُ أبا

стр. 500

عليٍّ عن عذاب القَبْر، فقال: سألتُ الشّحَّامَ (١)، فقال: ما مِنّا أحدٌ أنْكَره، وإنّما يُحكَى ذلك عن ضرار) (٢) . وقال القاضي أيضًا: (وجُمْلةُ ذلكَ - أي: عذابُ القَبْر -: لا خِلافَ فيه بين الأمة، إلا شيءٌ يُحْكَى عن ضرار بن عمرو؛ وكان من أصحاب المعتزلة، ثم التحق بالمُجْبِرة. ولهذا ترى ابنَ الرّاوَنْدي يُشنّع علينا، ويقول: إنّ المعتزلة يُنكِرون عذاب القَبْر، ولا يُقِرّون به) (٣) . وأمّا بِشْر المريسي؛ فقد ساق الخطيبُ البغدادي بسنده عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: (دخل حميد الطوسي على أمير المؤمنين - وعنده بشر المريسي -، فقال أميرُ المؤمنين لحميد: أتدري من هذا يا أبا غانم؟ قال: لا. قال: هذا بشر المريسي. فقال حميد: يا أمير المؤمنين! هذا سيد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القَبْر، ومسألة منكر ونكير، والميزان، والصراط. انظر: هل يقدرُ أن يرفعَ الموت؟ ثم نظر إلى بشر، فقال: لو رفعت الموتَ كنتَ سيّدَ الفقهاء حقًّا) (٤) . ومِن هنا يتحصّل أنّ في نِسبة نفْيَ (عذاب القَبْر) إلى عموم المعتزلة = نظرًا. والإنصاف يقتضي عدم التشنيعِ على المذاهب بشذوذات أفرادِها؛ مما يتبرّأ جُلُّهم منها (٥) .

стр. 501

القول الثاني: من ذهب إلى إنكار النعيم والعذاب على البدَنِ. وقَصر ذلك على الرُّوح؛ كالفلاسفة بناءً على أصْلهم في إنكار المَعادِ الجسمانيّ (١) . قال شيخ الإسلام ﵀: ( ... قولُ من يقول: إنّ النعيمَ والعذابَ لا يكون إلا على الرُّوح، وأنّ البدن لا يُنَعَّمُ ولا يُعذَّبُ. وهذا يقولُه الفلاسفةُ المنْكِرون لِمَعادِ الأبدان. وهؤلاء كُفّارٌ بإجماع المسلمين) (٢) . وقد وافَقَهُم - فيما ذهبوا إليه - مِنْ أهل العلم: ابنُ عقيلٍ الحنبلي، وابنُ الجَوزيّ (٣)، وابنُ حزْم ﵏؛ فأنكروا أن يكون العذاب والنعيم لبدنِ الميت مع روحه. وقال ابنُ حزْمٍ بإِثباتِ تلك الأمور على " الرُّوح " فقط. قال: (فتنة القَبْر وعذابه، والمُساءَلة: إنَّما هي للروح فقط، بعد فراقه للجسد إِثْر ذلك؛ قُبِر، أو لم يُقبَر) (٤) . وقال أيضًا: (" فصْلٌ " وأنّ عذابَ القَبْر حقٌّ، تلقّاهُ الأرواحُ بعد فراقها للأجساد، وهي المسئولة المُجِيبَةُ) (٥) . وسيأتي - بحول الله - بيانُ شُبهتِهم التي دعتهم إلى هذه الأقوال المخالِفة لدلالة الأخبار على ثبوت العذاب والنعيم، للروح والبدن. والذي ينبغي توجيهُ النظر إليه: أن ابنَ حزْمٍ ﵀ وإنْ وافقَ الفلاسفةَ في إنكار حصول العذاب والنعيم، ووافقهم في أصل الشبهة - التي سيأتي ذِكرُها - للبدن = إلاّ أنه ﵀ لم يوافقهم في أصلهم الباطل؛ وهو: إنكار المعاد للأبدان، الذي ساقهم إلى إنكار العذاب والنعيم للبدن مع الرُّوح = فإنّه يخالفهم في ذلك تمام المخالَفة؛ بل إنّه

стр. 502

أطلق القول بتكفير من أنكر البعث الجُسمانيّ. وفي تقرير ذلك يقول: (اتفق جميعُ أهل القبلة - على تنابُذِ فِرَقِهم - على القول بالبعث في القيامة (١)، وعلى تكفير من أنكر ذلك. ومعنى هذا القول: أنّ لمكث الناس وتناسلهم في دار الابتلاء - التي هي الدّنيا - أمَدًا يعلمُه الله تعالى؛ فإذا انتهى ذلك الأمدُ ماتَ كلُّ مَنْ في الأرضِ، ثم يُحيِي الله كلَّ من مات مُذْ خلق الله الحيوان إلى انقضاءِ الأمد المذكور، وردّ أرواحَهم التي كانت بأعيانِها إلى أجسادها، وجمَعَهم في موقف واحدٍ، وحاسبهم عن جميع أعمالهم، ووفّاهم جزاءهم؛ ففريقٌ من الجنّ والإنس في الجنّة، وفريقٌ في السعير. وبهذا جاءَ ... القرآنُ، والسُّنَنُ ... ) (٢) . القول الثالث: قولُ من يقول: إنّ البَرْزَخ ليس فيه نعيمٌ ولا عذابٌ؛ بل لا يحصل ذلك حتى تقوم القيامة الكبرى، وأنّ حالَ الميت كحال النائم والمَغْشِيّ عليه؛ لا يُحسّ بالضرب، ولا بغيره؛ إلا بعد الإفاقة) (٣) . القول الرابع: قولُ من يقول: إن العذاب والنعيم إنّما يقعان على الجسد فقط، وأن الله قادرٌ على خلق الإحساس فيه، دون افتقارٍ إلى الرُّوح. وهذا القول: نُسِب إلى ابن جرير الطبري ﵀، وجماعة من الكرّاميّة (٤) . ولعلّ من نَسب هذا القولَ إلى الإمام ابن جرير=فَهِمَه من مساق ردّ ابن جرير على مَنْ أنكر عذاب القَبْر، وذلك في قوله: ( .. فإنْ زعموا (٥) أنه - تعالى ذِكْرُه- أخبَرَ من ذلك بما تصدّقه العقول = قيل لهم: فإذا كان خبره بذلك خبرًا يُصدِّقه العقل - وإن لم تكونوا عاينتم مثله

стр. 503

= فأجيزوا كذلك أنّ في عذاب الله - تعالى ذِكْرُه - ألمًا ولذّةً، وعلمًا في جسمٍ لا حياةَ فيه؛ وإنْ لم تكونوا عاينتم مثله فيما شاهدتُم) (١) . وهذا القول من ابن جرير ﵀ أراد به -والله أعلم - إلزامَ المُحيلين لوقوع العذاب أَو النَّعيمِ على بدن المقبور لِمُفارقةِ الحياةِ البدنَ؛ أنَّه كما أجزتم بقاء الحياة في الجسم الَّذي تَحْرِقُه النَّارُ في حال إحراقه تصديقًا منكم لخبر الله؛ ولأنَّ العقل لا يُحيله مع أنَّكم لم تُعاينوه في الشاهد=فيلزمكم كذلك التصديق بحصول الألم أو اللَّذة لبدن المقبور مع مفارقة الحياة المعهودةفي الدُّنيا له؛ فإن منعتم فأقيموا الفرق بين ما أجزتموه ومنعتموه=ولافرقَ. وحتَّى يستبين لك أنَّ ما ذكره الإِمام ابنُ جرير إنَّما كان على سبيل الإلزام لا التقرير =يحْسُن سوق كلامه ليتحرّر مرادُهُ ﵀: (قيل لهم: أَو كلُّ مالم تُشاهِدوه، أو تُعاينوه، أَو مثله =فغيرُ جائزٍ كَونُهُ عندكم؟. فإن قالوا: نعم قيل لهم: أَفشاهدتم جِسْمًا حيًّا لا تُفارِقُهُ الحياةُ بالاحتراقِ بالنَّارِ؟ فإن زعَمَوا أَنَّهم قد شاهدوا ذلك وعاينوه =أَكذبتهم المُشاهدةُ مع ادِّعائهم ما لايخفى كذبُهم فيه. وإن زعموا أَنَّهم لم يُعايُنوا ذلك ولم يُشاهدوه =قيل لهم: أَفتُقرُّون بأنَّ ذلك كائنٌ، أَم تُنْكِرونه؟ فإن زَعَمُوا أَنَّهم يُنْكِرونَه؛ خرجوا مِنْ مِلَّة الإِسلامِ بِتْكذيبهم مُحكم القرآن. وذلك أنَّ الله تعالى ذِكره قال فيه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ فاطر: ٣٦. فإن قالوا: بل نُقِرُّ بأنَّ ذلك كائنٌ =قيل لهم: فما أنكرتم من وجود العلم وحِسِّ الأَلَمِ واللَّذةِ مع فَقْدِ الحياةِ؟ وإن لم تكونوا شاهدتم

стр. 504

ولا عاينتم عالِمًا، ولا حاسًّا إلَاّ حيًّا له حياةٌ، كما جاز عندكم وجود الحياة في جِسْمٍ تُحْرِقُه النَّارُ، وإن لم تكونوا عاينتم جِسْمًا تتعاقبه الحياةُ مع احتراقهِ بالنَّار. فإن قالوا: إنَّما أَجزنا ما أجزنا من بقاء الحياة في الجِسمِ الَّذي تحرقه النار في حال إحراقه النار، تصديقًا مِنَّا بخبر الله جلَّ ثناؤه. قيل لهم: فصدَّقتم بخبر الله -جلَّ ثناؤه -بما هو ممكنٌ في العقول كونُه=أو بما هو غيرُ ممكن فيها كونه؟ فإن زعموا أنَّهم أجازوا ما هو غير ممكن في العقول كونه =زعموا أنَّ خبر الله بذلك تُكذِّب به العقولُ وترفع صحته، وذلك كُفْرٌ عندنا وعندهم. ولا إخالهم يقولون ذلك. فإن زعموا أنّه تعالى ذكره أخبر من ذلك بما تصدقه العقول .. ) . ثم ساق كلامه الذي تقدم نقله عنه. ومما سبق يُعلَم أنّ البَوْنَ لائح بين مقام الردّ والحِجاج الذي يَسْتدعي نصب الحديث فيما هو محل النزاع، وإمْطَار المُخالف بصنوف القوادح والإلزامات التي تكْشِف له فساد مذهبه، وكل ذلك يلزم منه عدم استيفاء العبارة فيما خرج عن أَصل الخلاف =وبين مقام التقرير الذي تُبسط فيه الدَّلائل، وتُحرَّرُ فيه المَسَائِلُ= وعلى هذا؛ فلا يمكن القطْع بنَحْلِ الإمام ابن جرير ﵀ هذا القولَ، وأنّه عقَدَ قلبَه عليه. لانتفاء البرهان على ذلك. والله أعلم.

стр. 505

المطلب الثاني: سَوْقُ دَعْوَى المعارِض العقليّ على أحاديث عذاب القبر ونعيمه: مما استندَ إليه المُنكِرون لعذاب القَبْر ونعيمه جُملَةً = أنّ ذلك الإنكار نابعٌ عن مجموع ضرورتين، لا يمكن دفعُهما: الضرورة الأولى: الضرورة العقلية. الضرورة الثانية: الضرورة الحسيّة التجريبية. أما الضرورة الأولى: أنَّه مِن المُحال عقلًا بعد موتِ الإنسان وتوسيدِه الثرى، وصيرورته إلى جثة هامدة لا حياة فيها = أن يشعر بالعذاب أو النعيم في قبره، أو أن تقع المساءلة والخطاب له؛ إذْ شرْطُ ذلك الحياةُ، والحياةُ زالت، والبنْيةُ قد انتقضت = فامتنع عقلًا ما ذُكِر في تلك الأحاديث (١). أما الضرورة الأخرى: أننا - بعد طول التجارب - نكشفُ عن القَبْر، فلا نجدُ ملائكةً يضربون بمطارق من حديد، ولا نرى فيه حيّاتٍ، ولا ثعابينَ، ولا نيرانًا. بل نرى أجسادًا باليةً، أو عِظامًا نَخِرَةً. بل لو كشفنا عنه في كل حالةٍ لوجدْناه فيه، لم يذهبْ، ولم يتغيّرْ. فكيف يصحّ بعد ذلك الزّعمُ بأنّ الميت يُقْعَدُ في قبره؟ مع كوننا لو وضعْنا زِئْبَقًا بين عينيه، أو دُخنًا على صدره، وأتيناه بعد برهة من الزمن؛ لَمَا تَغيّر زِئْبَقٌ، ولا دُخْنٌ عن وضْعِهما. ثم إنّا نفتح القَبْر فنجدُ لحْدًا ضيّقًا على قدْر ما حفرْناهُ؛ فكيف تزعمون أنّ القَبْر يتّسع له وللملكين السائلين له؟.

стр. 506

فعُلِم من ذلك أنّ ما ورد في الأحاديث إنّما هو إشارة إلى حالاتٍ تَرِدُ على الرُّوح من العذاب الرُّوحاني؛ لأنها حقائق تثبت بمقتضى مدلولاتها اللغوية (١) .

стр. 507

المطلب الثالث: نَقْضُ دعْوَى المعارِض العقلي: والجواب عمّا ادّعَوْهُ من الضرورة العقلية؛ فيما يأتي: أوّلًا: أهل الإيمان يوقنون بصدْقِ ما أخبر به الشارِع، وأنّه على حقيقته، وأنّه مُحالٌ طروء الكَذِبِ في أخباره. والدلائل العقلية قد انعقدت على صِدْق ما أخبروا به = فوجبَ حَمْلُ ما تضافرتْ عليه النصوص، ودلّت عليه الأخبار من عذاب القَبْر ونعيمه، وحصول السؤال للميت من المَلَكَيْنِ = على الحقيقة. والإيمان بذلك هو من الإيمان بالغيب؛ الذي هو من أخصّ خصائص أهل الإيمان، وهو الفيصل بينهم وبين الكافرين، وهو مدار الابتلاء. فأهل السُّنَّة ومَن تبعهُم في ذلك: أقَرّوا بهذه الأخبار، وصدّقوها، وأَجْرَوْها على حقائقها، وآمنوا بأنّ لله الحكمة البالغة في ذلك، يفعل ما يشاء، من عقابٍ، ونعيمٍ = فقاعدةُ أهل السنة والجماعة التي فارقوا بها شراذم المبتدعة والضُّلاّل، والتي طردوها في جميع أبواب الدين أصولهِ وفروعِهِ = أنه لا تقوم قدَمُ الإسلام إلاّ على ظَهْرِ التسليم والاستسلام. ثانيًا: أنه ليس هناك ما يُحيلُ ذلك؛ لا من جهة الدَّلائل النَّقلية، ولا من جهة الدَّلائل العقلية. فعذاب القَبْر ونعيمه ثابتٌ في الأَخْبَارِ، وليس في بدايه العقل ما يدفعه. بل تلك الأخبارُ موافقة لأحكامِه أتمّ الموافقة. ثالثًا: أنّ دعواهم استحالة حصول العذاب للمقبور، وقد صار جثة هامدةً، أو في حال انتقاض بِنْيَتِه، مع انتفاء الحياة عنه = دعوى لا تخلو إمّا أن يُقصد بها استحالة حصول العذاب للمقبور، ووقوع المساءلة والخطاب؛ في حين أن الحياةَ منتفيةٌ عنه؛ فهذا قد يُسلَّم لهم لدلالة الشَّرعِ على تعلُّق العذاب والنعيم بالرُّوح والبدن.

стр. 508

وإمّا أَن يُراد بها منعُهم حصولَ هذه الحياة للمقبور؛ ليجري عليه العذاب والنعيم، والمساءلة والخطاب =فهذا باطل؛ لأنّ النصوص قد أبانتْ أن الرُّوح تُعاد إلى الميت، فيلزم من ذلك التصديقُ بما وراء ذلك من السؤال والخطابِ، والعذاب والنعيم للمقبور. والبراهين على حصول هذه الحياة كثيرةٌ: منها: ما جاء في الصحيحين من حديث أنس عن أبي طلحة، أن النبي ﷺ أمرَ يوم بدرٍ بأربعةٍ وعشرين رجلًا من صناديد قُريشٍ، فقُذِفوا في طَوِيِّ من أطواءِ بدرٍ خبيثٍ مُخْبِثٍ. وكان إذا ظهر على قومٍ أقامَ بالعَرصة ثلاثَ ليالٍ، فلمّا كان يوم بدرٍ اليومُ الثالثُ أمرَ براحلتِهِ، فشُدَّ عليها رحلُها، ثم مشى وتبعه أصحابُه، وقالوا: ما نُرى ينطلِق إلاّ لبعض حاجتِه، حتّى قام على شَفَةِ الرَّكيِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: (يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيَسُرّكم أنكم أطعتم الله ورسولَه؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقًّا، فهل وجدتم ما وعد ربُّكم حقًّا؟) قال: فقال عُمَرُ: يا رسول الله، ما تُكلِّم من أجْسادٍ لا أرواح لها؟ فقال: رسول الله ﷺ : (والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسْمَعَ لما أقولُ منهم) قال قتادةُ: أحياهم الله حتى أسْمَعَهم قولَه؛ توبيخًا، وتصغيرًا، ونَقِيمَةً، وحسْرةً، وندمًا) (١) . فقول قتادة راوي الحديث: (أحياهم الله حتى أسمعَهم قولَه ... ) فيه دليلٌ على حصول السماع لأهل القليب، وأنّ ذلك بعد عودة الرُّوح للبدن. فإن قيل: هذه دعوى منكم يُبْطِلُها استشكالُ عُمَرَ ﵁، حين قال:

стр. 509

يا رسول الله، ما تُكلِّمُ من أجسادٍ لا أرواح لها؟ وانصراف النبي ﷺ عن الجواب عن سؤاله إلى قوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) = حجّة واضحة على إقراره لعُمَرَ على أن هذه الأجساد لا حياة فيها. فيقال: إنّ جواب النبي ﷺ لعُمَرَ حين استشكل سماع أهل القليب؛ لظنّه أن تلك الأجساد لا حياة فيها = بقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) يتحصّل منه أمران: الأول: الردّ على عمر ﵁ فيما توهّمه من عدم عودة الرُّوح لتلك الأجساد. الثاني: بيان أنّهم أسمَعُ للخطاب من الأحياء؛ لكون تلك الحياة تختلف عن الحياة في الدنيا. سَلَّمْنا أنّ الأمر محتملٌ، والحديث لا يدلّ دلالةً قاطعةً على المراد، وأن هذا مُؤَدَّى اجتهادٍ وفَهْمٍ فَهِمَه الرَّاوي = لكن لا يمنع أنّ اجتهادَه مؤسَّس على النصّ الذي هو قاطعٌ في دلالته على المقصود؛ وهو حديث البراء بن عازب ﵁، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازةِ رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القَبْر ولَمَّا يُلحَد، فجلس رسول الله ﷺ ، وجلسْنا حولَه وكأنّ على رءوسنا الطيرَ، وفي يدِه عودٌ ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: (استعيذوا بالله من عذاب القَبْر - مرّتين أو ثلاثًا -) ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بيضُ الوجوه ... ) الحديث. والشاهد فيه قوله بعد ذلك: (فتُعادُ روحه في جسده، فيأتيه ملَكَان، فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربك؟ ... ) الحديث (١)

стр. 510

قال الإمام ابن القيم ﵀ معلِّقًا على هذا الحديث: (فقد كفانا رسول الله ﷺ أمر هذه المسألة، وأغنانا عن أقوال الناس؛ حيث صرّح بإعادة الرُّوح إليه) (١) . ومَنْعُ أبي محمد ابن حزمٍ ﵀ من عودة الرُّوح إلى جسد الميت، يحتمِلُ حقًّا وباطلًا. فأمّا الحقُّ: فامتناعُ عودة الحياة المعهودة في الدنيا إلى البدن، تلك العودة التي تُدبِّرُ فيها الرُّوح البدنَ، وتحتاج معها إلى طعامٍ وشراب = فالعودةُ بهذا المعنى خطأٌ، كما قال. وأمّا المعنى الباطل الذي يحتمله كلامه =فمنْعُه من إعادة الرُّوح إلى البدن إعادةً غير الإعادة المألوفة في الدنيا؛ ليجري للميت السؤال والامتحان. = فهذه الإعادة حقّ. والدليل أَبانَ عن ذلك، والعقلُ لا يُحِيلُه. ومنْعُ ابنِ حزْم لها خطأٌ، ولا رَيْب (٢) . وقد أورد الإمام ابنُ رجب ﵀ آثارًا كثيرةً عن السَّلف، تشهدُ لحديث البراء بن عازب ﵁، وأعقَب ذلك بقوله: (فهؤلاء السلف كلهم صرّحوا بأن الرُّوح تُعاد إلى البدن عند السؤال، وصرّح بمثل ذلك طوائفُ من الفقهاء والمتكلّمين من أصحابنا وغيرهم؛ كالقاضي أبي يعلى، وغيره. وأنكر ذلك طائفةٌ؛ منهم: ابن حزم، وغيره. وذكر أن السؤال للروح خاصّة، وكذلك سماع الخطاب، وأنكر أن تعاد الرُّوح للجسد في القَبْر؛ للعذاب، وغيره. وقالوا: لو كان ذلك حقًّا لَلَزِم أن يموت الإنسان ثلاث مرات، ويحيا ثلاث مرات، والقُرآن دلّ على أنهما موتتان وحياتان (٣) = وهذا

стр. 511

ضعيفٌ جِدًّا؛ فإن حياة الرُّوح ليست حياة تامّةً مستقلّة كالحياة الدنيا، كالحياة الآخرة بعد البعث، وإنّما فيها نوع اتصالٍ بالبَدَنِ، بحيث يحصل شعور للبدن، وإحساس بالنعيم والعذاب، وغيرهما. وليس هو حياة تامّةً؛ حتى يكون انفصالُ الرُّوح به موتًا تامًّا، وإنما هو شبيهٌ بانفصال روح النائم عنه، ورجوعها إليه؛ فإن ذلك يُسمّى موتًا وحياةً) (١) . وأما اشتراط سلامة البِنْيَةِ وعدم انتقاضها، ليصح حلول الرُّوح فيها = فهذا مدفوعٌ، ولا يُسلَّم لهم. من وجهين: الأول: أنّ البِنْيَةَ لا تنتقض بالموت نفسه، فقد يبقى بعضُ الموتى في قبورهم على بِنْيتِهم زمانًا، ولا يتغير حالهم. وقد ثبتَ النصّ بتخصيص بعضهم بذلك؛ كالأنبياء ﵈، للحديث الثابت من حديث أَوْس بن أَوس ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثِروا عليّ من الصلاة فيه، فإنّ صلاتكم معروضةٌ عليّ) قال: فقالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرَضُ صلاتُنا عليكَ وقد أَرمْتَ؟ قال: يقولون: بَلِيْتَ. قال: (إنّ الله ﵎ حرّم على الأرضِ أجسادَ الأنبياء) (٢) . والشهداءُ؛ على قولٍ لبعض أهل العلم (٣) . الثاني: إنّه وإن انتقضت بعض البنية؛ فلا يمنع هذا الانتقاض من

стр. 512

حلول الرُّوح بالباقي من بدن الميت، ولهذا فإِنَّه من المشاهَد قطع يدي الحيوان ورجليه، وهو حيّ (١) . وقد عقد الإمام البيهقي ﵀ بابًا في كتابه «إثبات عذاب القبر» وَسَمَه بِـ "باب جواز الحياة في جزءٍ منفرد، وأن البنية ليست من شرط الحياة، كما أنها ليست من شرط الحيّ، وفي ذلك جواز تعذيب الأجزاء المتفرقة " (٢) . فالله قادرٌ على كلّ شيء ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس: ٨٢ فمَنْ منع من ذلك فيتجه النظر معه إلى إقامة الدَّلائل على كمال قُدرة الرب ﵎، فإنّ مَنْ خلق الإنسان، ونفخ فيه الرُّوح، قادرٌ على إعادة الرُّوح إلى جميع البدن، وإلى بعض أجزائه، وكلاهما في متعلق قدرة الرب سواء. [بطلان دعوى أحالة الضرورة الحسية] وأما البرهان على بُطلان استنادِهم إلى ما ادّعوا أنّه من الضرورة الحسية = فيُجمَل في القضايا التالية: القضيَّة الأولى: أن إنكار المنكِر باستناده إلى هذه الدعوى = نابعٌ عن جهْله بحقيقة نفسه، وحقيقة الدَّلائل الشرعية. فأمّا جهله بحقيقة نفسه = فوجْهُه أن ما وهبه الله تعالى له من نعمة الحواس مناسبٌ لضعفه، وعجزه، فكانت حواسّه على قدْره في الخَلق، ومهما جاهد الإنسانُ للبلوغ بها إلى حدٍّ يفوق طبيعتها البشرية المتّصفة بالنقص والعجز = فَلنْ يُفْلح. لأن هذا قَسْمُه الذي اختاره الله له. وهذا القَسْم والخلقة جارية على مقتضى حكمة الله ﵎، العالِم بوجوه المصالح، وأَفنان الخيور. فكم من أمرٍ محسوسٍ يجري بين يدي العبد، وحواسّه تعجزُ عن دركه والإحاطة بِكُنْهِهِ.

стр. 513

فإن قيل: كيف يكون محسوسًا، وحواسُّنا تعجزُ عن إدراكِه؟ فإن ذلك تناقضٌ؛ إذْ نتيجةُ ذلك = أن تلك الأمور محسوسة، وهي غير محسوسة!! فالجواب: ليس ثَمَّة تناقض؛ لأن كونَها محسوسة مبنيٌّ على كونها موجودة، وكل موجود محسوس. والمراد بقولنا: أنّ كلّ موجودٍ محسوسٌ = أي: من شأنِه أن يُحَسّ، فالإمكانُ غير متعذّر، مادام هو موجودٌ؛ لا أنَّ الإحساس به يتحصّل الآن أو في كل وقت. وأمّا برهان وجود تلك الأمور التي يعجز المرء عن الإحساس بها، إدْراكُنا لآثارها، وإحساسُنا بها، والعقل يتجه إلى تطلُّب المؤثر، والمسبّب، والعلّة؛ وهذا هو مقتضى البدهيّات العقلية. وأمّا جَهْلُه بالحقائق الشرعية؛ فإن الحقيقة الشرعية دلّت على أن الإنسان مركّب من نفسٍ وبدن، وانقسام الدُّورِ إلى ثلاثٍ: دار الدنيا، ودار البَرْزَخ، ودار القرار. ولكل واحدةٍ من هذا الدور لها أحكامها التي تختصّ بها عن غيرها. فالله تعالى جعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواحُ تبع لها؛ ولذا أناط الأحكام الشرعية على ما يظهر من اللسان والجوارح، وإنْ أضْمرت النفوسُ خلافَه. وجعل أحكام البَرْزَخ على الأرواح، والأبدانُ تبع لها، وتجري أحكامُه على الأرواح، فتسري على الأبدان؛ نعيمًا، أو عذابًا بحسَب تعلُّقها به (١) . وجعل أحكام دار القرار على الأرواح والأبدان معًا. فمَنْ مَاثَل بين هذه الدُّور في الأحكام، وساوى بينها، فقدْ خالَف

стр. 514

مقتضى البراهين الشرعية، والدلائل العقلية؛ إذْ العقل - المنوّرُ بنور الله - يمنعُ من الجمع بين المُختلفات، كما أنّه يأبى التفريق بين المتماثلات. فإذا عُلِم اختلافُ الدُّور، واختلافُ أحكامها = زالَ الإشكال، وانقشعت حُجُب الحيرة، واستبان له (أنّ النار التي في القَبْر، والخُضرةَ؛ ليست من نار الدنيا، ولا زرع الدنيا، وإنّما هي من نار الآخرة، وخُضْرتِها. وهي أشدّ من نار الدنيا، فلا يحس بها أهل الدنيا؛ فإن الله يحمي عليه ذلك التراب والحجارة من تحته، حتى تكون أعظم حَرًّا من جمر الدُّنيا، ولو مَسَّها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك. وقُدرة الرب تعالى أوسعُ وأعجبُ من ذلك، وقد أرانا الله من آيات قُدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير) (١) . ومن قدرة الله ﵎ أنْ صرَفَ أبصارنا وأسماعنا عن إدراك ما يحصل للمدفونين؛ رحمةً بعباده، لعلمه ﵎ أن قُدَرَهم لا تثبت على رؤية العذاب وسماعه، واختبارًا لهم؛ إذْ لو كان الغيبُ شهادةً لآمَن كل الناس، ولزال أصل الجزاء، ولما حصل التمايُز بين المؤمنين والكافرين. وإذا كان في مقدور الإنسان أن يضع بين عيني الميت الزئبقَ، وعلى صدره الدخن، ثم يُضجعُه، ويردّ الزئبق والدُّخن إلى مكانهما. وكان في مقدوره كذلك: أن يعمّق القَبْر، ويوسعه؛ حتى يُقام الميتُ فيه قيامًا، فضلًا عن القعود = فإنَّ الربّ ﵎ (أبْسَط منّا قُدرةً، وأوسعُ منّا قوّةً، وأسْرع فعلًا، وأحصى حسابًا ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ يس. ولا ربَّ لمن يدّعي الإسلامَ إلاّ مَنْ هذه صفتُه. فإذا كشفنا عن ذلك ردّ الله سبحانه الأمرَ على ما كان) (٢) .

стр. 515

وليس من المُحال أيضًا أن يحصُل العذابُ والنعيم للميت الذي لم يُوَارَ في رَمْسِهِ، وأن يأتيه الملكان فيسألانِه، من غير أن يسمع أو يشاهدَ مَنْ بِحضْرته سؤالهما وجوابَه. فهذا جبريل كان ينزل على رسول الله ﷺ بالوحي، والصحابة حوله، وبجواره، فلا يسمعون، ولا يرون من ذلك شيئًا. ومَثَلُ ما يحصل للميتِ مثلُ يحصُل للنائم في منامِه؛ من العذاب، أو النعيم الذي يشعر به، ولا يشعر به مَن حوله. مع لَحْظِ البون الشاسع الذي بينهما. والذي ينعقد القلبُ عليه: أنّ ما يجري للميت من صنوف العذاب والنعيم؛ ليس من جنس المعهود في هذا العالَم. يقول الإمام ابن القيم ﵀: (وسرّ المسألة: أنّ الضيق، والإضاءة، والخُضرة، والنار؛ ليس من جنس المعهود في هذا العالَم. والله سبحانه إنَّما أشْهد بني آدم في هذه الدّار ما كان فيها ومنها، فأمّا ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليهم الغطاء؛ ليكون الإقرارُ به، والإيمان به سببًا لسعادتهم) (١) .

стр. 516

المبحث الثاني دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الميزان وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سَوْقُ أحاديث الميزان. المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الميزان. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الميزان.

стр. 517

المطلب الأول: سَوْقُ أحايث الميزان: عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ ، قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جَناح بعوضة، وقال: اقرءوا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ الكهف: ١٠٥ ... ) متفق عليه (١). وعن أبي مالك الأشعري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (الطّهورُ شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو: تملأ - ما بين السموات والأرض) أخرجه مسلم (٢). وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : (يدُ الله ملآى، لا تغيضها نفقةٌ، سحّاء الليل والنهار) وقال: (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض؛ فإنّه لم يُغِضْ ما في يده، وكان عرشه على الماء، وبيده الميزان؛ يَخْفِضُ ويرفَعُ) متفق عليه (٣). وعن أبي هريرة ﵁، قال، قال رسول الله ﷺ : (من احتبس فرسًا في سبيل الله إيمانًا بالله وتصديقًا بوعده؛ فإنّ شبعَهُ، وريّهُ، وبولَه في

стр. 518

ميزانه يوم القيامة) . أخرجه البخاريُّ (١) . * * * تمهيد: الميزان في اللسان: مأخوذٌ من الوَزْن؛ وهو: مَعْرِفَةُ قدْر الشيء، يقال: وَزَنْتُهُ وَزْنًا وَزِنَةً (٢) . قال أبو منصور: ورأيتُ العرب يسمّون الأوزان التي يوزن بها التمر وغيره المُسَوَّاة من الحجارة والحديد = الموازين، واحدها: ميزان. وهي المثاقيل، واحدها: مِثقال. ويقال: للآلة التي توزن بها الأشياءُ: ميزانٌ، أيضًا. قال الجوهري: أصلهُ: مِوْزَانٌ. انقلبتْ الواو ياءً لِكَسْر ما قبلها. وجمعُه: مَوازين. والميزان: المِقْدارُ، والعَدل ... (٣) وأما معناهُ فيما يحصل من خطاب الشارع: آلة ينصبُها الله تعالى لِوَزْن أعمال العباد يوم القيامة، لها كِفّتان حِسّيتان حقيقيَّتان. والحكمة من ذلك - والله أعلم -: إظْهارُ كمال عدْل الله ﵎. ودلَّ القرآن على ثبوت الميزان في آيات كثيرةٍ؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ الأنبياء.

стр. 519

وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ المؤمنون. وقال جلّ وعلا: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾ القارعة. إلى غير هذه الآيات الدالّة على ثبوته. وقد أجمع أهل السنة والجماعة على ثبوت الميزان، وأنّ له كفتين محسوستين، وأنّ ذلك من الغَيْب الذي يجب الإيمانُ به؛ لِصحّة الدَّلائل من الكتاب والسنة عليه. وقد نَقل الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ من أهل العلم. ومِن أولئك: -أبو إسحاق الزّجّاج ﵀ حيث قال: (أَجْمَع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأنّ أعمال العبادِ تُوْزَن يوم القيامة ... ) (١) . - الإمام ابن القطّان ﵀ حيث قرَّر ذلك: (وأَجْمعوا على الإيمان والإقرارِ، والتصديق بالميزان الذي تُوْزَن به أعمال العباد. فمَن ثَقُلت موازينه أفلح ونجا، ومن خفّت موازينُه خاب وخسر. وأجمعوا أن كفّة السيئات تهوي إلى جهنم، وأنّ كفة الحسنات تهوي عند زيادتها إلى الجنة) (٢) . - الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي ﵀؛ إذ بعد أن ساق الأدلة على ثبوت الميزان، قال: (والأخبار في ذلك معروفة مشهورة، والآثار

стр. 520

فيه مُدَوَّنةٌ مسطورة. وقد أجمع على معناها الأمة، وهي مما يُوجِب العلم بين الأئمة) (١) . - الإمام السفاريني ﵀ حيث قال: (وأمّا الإجْماعُ: فأجْمعَ أكابرُ محقّقي الأمة من أهل السُّنة بأن الإيمان بثبوت الوزن، والميزان = حقٌّ واجبٌ، وفَرْضٌ لازِبٌ؛ لثبوته بالسماع، وعدم استحالة ذلك عقلًا) (٢) . فإِن قيل: يَخْدِشُ هذا الإجماعَ أمرانِ: أحدُهما: متعلِّقٌ بثبوت أصل الميزان. والآخر: متعلِّق بثبوت وزن الأعمال في الميزان. أما الأوّل: ما ورد عن مجاهد (٣)، وحُكْي الضحّاك (٤)،؛ من تفسير الميزان بأنه: العدلُ، والقضاء. فالجوابُ من وجهين: الأول: أنّ تفسيرهم "الميزان"بالعدل، لا يلزم منه نفي الميزان الحسِّي.؛ إذ ليس هناك مُنافاة بين المعنيين توجب أنّ الأخذ بأحدهما اطِّراح للآخر، وإنمت يكون التثبت أمارةً على النَّفي، فيما يمتنع اجتماعه من المعاني، للتنافي الحاصللا بينهما؛ كقولك: فلان موجود وغير

стр. 521

موجود، وأما ما أَمكنَ اجتماعه فهو خارج عن هذا المعنى، وبه يعلم فيُعلم من ذلك أنَّ تفسيرهم إيّاه بـ"العدل" تفسيرٌ بالَّلازم، وذلك بالنَّظر إلى أنَّه أَثرٌ وناتج عن الميزان الحسِّي. ومهما يكن فالقول بأن مقصودهم بـ"الميزان"العدل يلزم منه نفي الميزان الحسِّي =احتمال ضعيف، والاحتمالات لا يُرفَع بها اليقينُ الثابتُ. الوجه الثاني: لوسُلِّم بحصول هذه المخالفة، فإنَّ مخالَفة الَّلاحق لا تنقُض إجماعَ السابق. فإجماع الصحابة رضوان الله عليهم متحقّق قبل نشوء هؤلاء الأعلام، فخروجُهم عن مقتضى الإجماع خطأٌ ولا شكّ - إنْ صحّ أن مرادَهم نفي تحقق الوجود الحسِّي للميزان الذي يُنصُب يوم القيامة -. وهذه المخالفة - على تقدير التسليم بصحتها - = ليست ناشئةً عن استبعادٍ عقلي؛ بل باعثُها الحَمْل على مقتضى اللغة. وقد قال الإمام الزّجّاجُ ﵀: (اختلف الناس في ذِكر الميزان .. وقال بعضُهم: الميزانُ: العدْلُ. وذهب إلى قولك: هذا في وزن هذا، وإن لم يكن مما يُوزَن. وتأويله: أنّه قد قام في النفس مساويًا لغيره، كما يقوم الوزن في مرآة العين. وقال بعضهم: الميزان: الكتاب الذي فيه أعمال الخلق. وهذا كله في باب اللغة، والاحتجاج سائغ؛ إلا أن الأَوْلى من هذا أن يُتَّبَع ما جاء بالأسانيد الصحاح. فإن جاء في الخبر أنه ميزانٌ له كفتان من حيث ينقل أهل الثقة = فينبغي أن يُقْبل ذلك .. ) (١) . فإن صح حمل ما ورد عن هؤلاء الأَعلام على أَنّه مَنعٌ من تحقق الميزان الحسِّي لوزن الأعمال=فذلك خطأٌ ومخالفة لمقتضى النصوص؛ لكن يبقى الجزم بذلك مُتعذّرًا.

стр. 522

وأمّا ما يَخْدِشُ هذا الإجماعَ من جهة النَّظر إلى تضمُّنهِ وزن الأعمال؛ أنَّه قد يقال: يعكر على هذا الإجماع ما ذهبَ إليه بعض أهل العلم ﵏ من أنّ الموزون هي صحائف الأعمال؛ فيكون هذا القول مصادمًا للإجماع، أو نقْضًا له. فيقال: هنا مقامٌ يتأكد فيه تحرير الجُمَل التي انعقد عليها الإجماع. بيان ذلك: أن الإجماعَ منعقد على أمرين: الأول: ثبوت الميزان ثبوتًا حِسّيًّا لا معنويًا، كما دلّت عليه الدَّلائل. الآخر: ثبوت الوزن للأعمال حقيقةً؛ سواءً كان هذا الوزن للأعمال مباشرةً، أو لصحائف الأعمال، أو للعامل. ولكلٍّ من هذه الثلاثة الصُّورِ =دليلها الذي يدلّ عليها. فأما القول الأول؛ وهو: أن الأعمال تُوْزَن بنفسها. فقد رجّحه جماعةٌ من أهل العلم؛ كابن حزم (١)، والحافظ ابن حجر العسقلاني؛ حيث قال: (والصحيح: أن الأعمال هي التي تُوْزَن) (٢)، وتلميذه الإمام شمس الدين السخاوي (٣) . وأما القول الثاني: فقد ذهب إليه أيضًا جمهرةٌ مِن أهل العلم؛ كالإمام القرطبي ﵀؛ حيث قال - بعدَ أن أورَد أثر ابن عمر ﵁: " تُوْزَن صحائفُ الأعمال" (٤) -: (وهذا هو الصحيح، وهو الذي ورد به الخبر على ما يأتي) (٥) .

стр. 523

وقال الإمام ناصر الدين الدمشقي: (والمشهور أنه تُوْزَن الصحف التي كُتبت فيها أعمالُ العباد، وأقوالُهم) (١) . وكذا الإمام مَرْعِي الكَرْمِي (٢)، والشوكاني (٣)، والسّفَّاريني (٤) . والقول الثالث: لم أرَ من اختارَه من أهل العلم على جهة الانفراد = وهو: وزنُ العامل. والقول الرابع: وزنُ العَامل وصحائفَ عَمَلِهِ=وهذا اختيار الإمام ابنِ جرير ﵀ وفي تقريره يقول: (فكذلك وزنُ الله أَعمالَ خَلْقهِ بأنْ يُوضَعَ العَبْدُ وكُتب حسناتِه في كِفةٍ من كِفتيّ الميزانِ، وكُتب سيَّئاتِهِ في الكفة الأخرى، ويُحدِث الله ﵎ ثِقَلًا وخِفَّةً في الكفة التي الموزون بها) (٥) . ولكلٍّ أدلّته التي سُقنا بعضَها في المبحث الأول. وقد ذهب المحققون من أهل العلم إلى الجمع بين هذه الأقوال؛ إذْ من المعلوم أنّ الجمع - متى ما أمْكَن - أَوْلى من الترجيح. إذْ الترجيحُ يقتضي إهدارَ بعض الأدلة، وفي الجمْعِ إعمالُها دون اطِّراح. وهذه طريقة المحققين من أهل العلم (٦) وإلى هذا ذهب الحافظ ابن كثير ﵀؛ حيث قال: (وقد يمكن الجمع بين هذه الآثار؛ فإنّ ذلك كلّه صحيح،

стр. 524

فتارةً تُوْزَن الأعمال، وتارةً تُوْزَن صحيفةُ الأعمال، وتارةً يُوزَن فاعلُها. والله أعلم) (١) . وإلى مِثْل قول الحافظ ابن كثير، ذهب الإمام ابن أبي العزّ الحنفي ﵀؛ حيث قال: (فثبت وزنُ الأعمال، والعامل، وصحائف الأعمال، وثبت أنّ الميزان له كفتان. والله أعلم بما وراء ذلك من الكيفيّات) (٢) فجميعُ أهل السنة متفقون على وقوع الوزن حقيقةً للأعمال؛ سواءً وُزِنت هي، أو الصحائف التي رُقمت فيها، أو وُزِن عاملُها، دون تأويل لها. ولكلِّ قولٍ من تلك الأقوال دليلُه الذي استمسك به من استمسك من أهل العلم؛ فتنوع الدَّلائل في حقيقة الموزون كان سببًا لاختلاف أَقاويلهم في تعيين صورة هذا الموزون فَعُلِمَ بذلك أَن مأخذ الاختلاف من جهة النّظر في الأدلة الشَّرعيَّة، لا لاعتبارٍ آخر، وهذا خلاف مَنْ ذهب إلى أنّ الموزونَ صحائفُ الأعمالِ، أو العامل، أو قول غير ذلك = إحالة منه لنوع الوزن للأعمال نفسِها، ولم يكن وجه اختياره مبنيًا على أصل شرعي، وإنما قيام الشبهة العقلية هي التي حمَلَتْه على القول بِأحدِ تلك الأقوال. فلا شكّ في خطأ هذا السَّبيل؛ لكونه تجويزًا لصحة أن يعارض الدليل العقلي ما ثبت في الشَّرع. وسيأتي بيان أصل شُبهة المانعين لوزن الأعمال حقيقةً -إن شاء الله-. فَيْصَلُ المسألةِ إذًا بين ما قام عليه الإجماعُ، وبين وجود ما يُشكِل من وقوع المخالفة في ماهية الموزون = أنّ القدر المشترك الذي وقع عليه الإجماع: ثبوت الميزان، وأنّ له كفتين حسيَّتين. وأما ما يوزن فيه؛

стр. 525

فهو الذي وقع فيه الاختلاف. فالدلائل الشرعية قد دلّت على كلٍّ من: وزن الأعمال، والصحائف، والعامل. فمن رجّح بعض هذه الأدلّة على بعض وَفْق القواعد الشرعية، ولم يكن اجتهادُه هذا مبنيًّا على أصل بِدعيّ؛ من تقديم الشبهة العقلية على النص الشرعي؛ بل كان منطلقا من أصل شرعي = فهذا لا تثريب عليه؛ وإن كان اجتهادُه قد يكون خاطئًا. وأمّا مواقف المخالفين تجاه الميزان، فقد انقسمت إلى الأقسام التالية: الأول: مَن ذهب إلى إنكار الميزان جُملةً. الثاني: من ذهب إلى تأويل ما جاء في إثباته. الثالث: من ذهب إلى إثبات الميزان، ونفْي وزن الأعمال. الرابع: من أثبت الميزان، مع المنْع من نَعْتِه بما جاء في النصوص (١) فأمّا الموقف الأول: فقد نُسِبَ إلى طائفة من المعتزلة يقال لها " الوَزْنِيّة ". قال البغدادي: (وزعم قومٌ يقال لهم الوزنيّة: أنْ لا حسابَ، ولا ميزانَ) (٢) . ونسبه إلى عموم المعتزلة ابن فورَك؛ حيث قال: (وقد أنكرت المعتزلة الميزان ... ) (٣) . وصاحب المواقف - الإيجي -؛ حيث قال: (وأمّا الميزان، فأنْكَره المعتزلةُ عن آخرهم) (٤) . والتحقيق أنّ في نِسْبة الإنكار الكلي للميزان إلى عموم المعتزلة نوعًا من الغلط في العزو، فإنّ مِن المعتزلة مَن أثبتَ الميزانَ حقيقةً؛ بل

стр. 526

غالى في إثباتِه إلى حدٍّ جعَله كموازين الدنيا؛ كما تراه عند القاضي عبد الجبّار الهمداني - وهو من أساطين المعتزلة-؛ حيث قال: (أمّا وضع الموازين، فقد صرّح الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الأنبياء: ٤٧ إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى، ولم يُرِدِ اللهُ تعالى بالميزان إلاّ المعقولَ منه، المُتعارَف فيما بيننا، دون العدلِ وغيرِه؛ على ما يقولُه بعضُ الناس. لأنّ الميزان، وإنْ وردَ بمعنى العدل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ الحديد: ٢٥ فذلك على طريق التوسّع والمجاز، وكلامُ الله تعالى - مهما أمكن حَمْلُه على الحقيقةِ - لا يجوزُ أن يعدل به عنه إلى المجاز (١) . يبيّن ذلك ويوضحه، أنه لو كان الميزانُ إنّما هو العدل لكان لا يثبت للثِّقَل والخِفّة معنى = فدلّ على أن المراد به: الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشملُ عليه الموازين فيما بيننا) (٢) . نعم، لم يكن إثباتُ القاضي عبد الجبار للميزانِ إثباتًا مُبرَّءًا من كَدَر الابتداع، بل شابَ إثباتَه ما يكدّر على إثباتِه السابق، كما سيأتي ذِكْره - بحول الله تعالى -. وأمّا الموقف الثاني: مَنْ ذهب إلى تأويل الميزان: وقد استرْوَح إلى ذلك بعضُ الإِباضيّة. وسيأتي سَوْق أقوالهم -إن شاء الله- وأمّا الموقف الثالث: مَنْ ذهب إلى إثبات الميزان، ونفْي وزْن الأعمال؛ بناءً على قيام الشبهة العقلية عندهم. وقد حكاه الأشعري عن

стр. 527

قومٍ لم يُسمّهم، فقال: (وقال قائلون بإثبات الميزان، وأحالوا أن تُوْزَن الأعراض في كِفّتين، ولكن إذا كانت حسناتُ الإنسان أعظمُ من سيّئاته: رجَحَتْ إحدى الكفّتين على الأخرى؛ فكان رُجحانُها دليلًا على أن الرجل من أهل الجنة. وكذلك إذا رجحت الأخرى السوداء: كان رُجحانُها دليلًا على أن الرجل من أهل النار) (١) . وأمّا الموقف الرابع: مَنْ أثْبت الميزان، وتوقَّفَ في نعْتِه بما جاء به الكتابُ والسنة. وإلى هذا القول ذهب ابنُ حزم ﵀؛ حيث قال: (وأمور الآخرة لا تُعلَم إلا بما جاء في القرآن الكريم، أو بما جاء عن رسول الله ﷺ . ولم يأْتِ عنه ﵇ في ذلك شيءٌ يصحّ في صفة الميزان، ولو صحّ عنه ﵇ في ذلك شيءٌ لقُلنا به؛ فإذْ لم يصحّ عنه ﵇ شيءٌ = فلا يحلُّ لأحدٍ أن يقولَ على الله ما لم يُخبِرْنا به، لكن نقول كما قال الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الأنبياء: ٤٧ إلى قوله ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء: ٤٧ .... وأما من قال بما لا يدري من أن ذلك الميزانَ ذو كفتين = فإنما قاله قياسًا على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسِه؛ إذ في موازين الدنيا ما لا كفّة له؛ كالقرسطون (٢) . وأمّا نحنُ فإنّما اتبعنا النصوص الواردةَ في

стр. 528

ذلك فقط، ولا نقول إلاّ بما جاء به قرآنٌ، أو سُنّة صحيحة عن النبي ﷺ ، ولا ننكر إلاّ ما لم يأتِ فيهما، ولا تكذيبَ إلاّ بما فيهما إبطالُه. وبالله تعالى التوفيق) (١) . والّذي يظهر: أَنّ مَناطَ توقُّف أبي محمد ابن حزم ﵀ عن إثبات بعضِ ما ورد في السُّنَن من إثبات الكفتين: إمّا عدَمُ صحّة تلك الأحاديث عنده. أو عدم وقوفه عليها. وإنْ كان الأخيرُ في حقِّه يبعُد جدًّا. على أنه لا مناصَ من إثبات الكِفَّتَيْنِ، وإثبات ما وُصِف به الميزان مما ورد في الدَّلائل الشرعية؛ كما صحّ به الخبر عن النبي ﷺ في الحديث الموسوم بـ " حديث البطاقة "، رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا من أُمَّتِي على رؤوس الْخَلَائِقِ يومَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عليه تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أَتُنْكِرُ من هذا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فيقول: لَا، يا رَبِّ. فيقول: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فيقولُ: لا، يا رَبِّ. فيقولُ: بَلَى إِنَّ لكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فإنه لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فيها: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فيقول: أَحْضِرْ وَزْنَكَ. فيقول: يا رَبِّ، ما هذهِ الْبِطَاقَةُ مع هذه السِّجِلَاّتِ؟ فقال: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. قال: فَتُوضَعُ السِّجِلَاّتُ في كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ في كِفّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَاّتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ؛ فلا يَثْقُلُ مع اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ) (٢) .

стр. 529

فقوله ﷺ : (فَتُوضَعُ السِّجِلَاّتُ في كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ في كِفّةٍ): برهانٌ بيّن المعالم على إثبات الكفتين للميزان. والعجيب أنَّ الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ تلا تلو ابن حزم في المُمَانَعَةِ من إثبات ما دلّت عليه السُّنَّةُ من أوصاف الميزان، وكأنّما مَنْ أثبت تلك النعوت أتى بها من عِندِيّاتِه؛ حيث يقول: (وإذا لم يكن في الصحيحين، ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغترّ بقول الزجّاج: إنّ هذا ممّا أجمعَ عليه أهل السنة. فإنّ كثيرًا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع، ولاسيّما غير الحُفّاظ - والزّجّاجُ ليس منهم -، ويتساهلون في عزْوِ كلّ ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإنْ لم يُعرَف له أصلٌ من ... السلف، ولا اتّفق عليه الخلَف منهم ... ) (١) . وقد يكون الداعي للشيخَ محمد رشيد رضا إلى إغفال ما ورد في السنن من إثبات بعض صفات الميزان، مع عِلمه بحديث " البطاقة "، واطّلاعه عليه؛ بدليلِ ذِكرِه له = هو ما يراه من بعض المنتسبين للسنة والجماعة من التَّجَارِي في إطلاق الإجماعات التي لم تتحقق بشروطها المعتبَرة. وتمحيص هذه

стр. 530

الإجماعات المدّعاة، وعدم التسليم بها، متى ما لاحت الدَّلائل على عدم صحة ذلك الإجماع المزعوم = أمرٌ محمودٌ بلا مثنويّة. فإنّ المحقّقين من الأئمة ﵏ لم يكونوا يرضخون لمثل هذه الإجماعات التي يُطلِقها بعض أَهل العلم؛ بناءً على عدم العِلم بالمخالِف في خصوص مقالةٍ ما، أو طلبًا لشيوع قول المُطلِق على أقوال مخالفيه. ولذا، اشتدّ نكير الأئمة ﵏ على هؤلاء؛ حتى قال الإمام أحمد ﵀: (من ادّعى الإجماع فهو كاذبٌ، لعل النّاس قد اختلفوا) (١) . وليس مقصودُه المنعَ من الاحتجاج بالإجماع، وإنما أراد ﵀ الزجْر عن ادّعاء الإجماع في حقّ من ليس له معرفة بخلاف السَّلف، و الاحتجاج بإِجماع المتأخرين بعد الصحابة وتابعيهم. كيف وقد احتجّ ﵀ بالإجماع في مواطن كثيرة!. وهذا القدْر يُوافَقُ عليه الشيخ رشيد رضا؛ من منْعِه التساهُل في إطلاق الإجماعات غير المنضبطة. ولكن الذي لا يُوافَق عليه = منعُه من صحة إجماع السلف على ثبوت الميزان، وأنّ له كِفّتين. وكونُ الزجّاج ﵀ ليس من الحفّاظ المعروفين بتقصّي الروايات وتمحيصها = لا يعني عدم قبول نقله للإجماع؛ خصوصًا وقد نقله غيرُه من أهل العلم. ثم إنّ الحُفّاظ نقلوا قول الزجّاج ﵀ ولم يتعقّبوه، فدلّ ذلك على ارتضائهم لما تضمّنه هذا الإجماع. ومن هؤلاء الحفّاظ الذين لا يُشكُّ في جلالتهم، وسعة علمهم بمواقع إجماع الناس، ومواقع انفرادهم واختلافهم = الحافظ ابن حجر العسقلاني. فإنّه نقل عن الزجّاج حكايتَه للإجماع، ولم يتعقّبْهُ (٢) . وطُرُوءُ المخالفة بعد انعقاد الإجماع أمر لا يُنكَر، وإنما الذي يُنكَر:
следующие страницы →