غالى في إثباتِه إلى حدٍّ جعَله كموازين الدنيا؛ كما تراه عند القاضي عبد الجبّار الهمداني - وهو من أساطين المعتزلة-؛ حيث قال: (أمّا وضع الموازين، فقد صرّح الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الأنبياء: ٤٧
إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى، ولم يُرِدِ اللهُ تعالى بالميزان إلاّ المعقولَ منه، المُتعارَف فيما بيننا، دون العدلِ وغيرِه؛ على ما يقولُه بعضُ الناس. لأنّ الميزان، وإنْ وردَ بمعنى العدل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ الحديد: ٢٥ فذلك على طريق التوسّع والمجاز، وكلامُ الله تعالى - مهما أمكن حَمْلُه على الحقيقةِ - لا يجوزُ أن يعدل به عنه إلى المجاز (١) .
يبيّن ذلك ويوضحه، أنه لو كان الميزانُ إنّما هو العدل لكان لا يثبت للثِّقَل والخِفّة معنى = فدلّ على أن المراد به: الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشملُ عليه الموازين فيما بيننا) (٢) .
نعم، لم يكن إثباتُ القاضي عبد الجبار للميزانِ إثباتًا مُبرَّءًا من كَدَر الابتداع، بل شابَ إثباتَه ما يكدّر على إثباتِه السابق، كما سيأتي ذِكْره - بحول الله تعالى -.
وأمّا الموقف الثاني: مَنْ ذهب إلى تأويل الميزان:
وقد استرْوَح إلى ذلك بعضُ الإِباضيّة. وسيأتي سَوْق أقوالهم -إن شاء الله-
وأمّا الموقف الثالث: مَنْ ذهب إلى إثبات الميزان، ونفْي وزْن الأعمال؛ بناءً على قيام الشبهة العقلية عندهم. وقد حكاه الأشعري عن
стр. 527
قومٍ لم يُسمّهم، فقال: (وقال قائلون بإثبات الميزان، وأحالوا أن تُوْزَن الأعراض في كِفّتين، ولكن إذا كانت حسناتُ الإنسان أعظمُ من سيّئاته: رجَحَتْ إحدى الكفّتين على الأخرى؛ فكان رُجحانُها دليلًا على أن الرجل من أهل الجنة. وكذلك إذا رجحت الأخرى السوداء: كان رُجحانُها دليلًا على أن الرجل من أهل النار) (١) .
وأمّا الموقف الرابع: مَنْ أثْبت الميزان، وتوقَّفَ في نعْتِه بما جاء به الكتابُ والسنة.
وإلى هذا القول ذهب ابنُ حزم ﵀؛ حيث قال: (وأمور الآخرة لا تُعلَم إلا بما جاء في القرآن الكريم، أو بما جاء عن رسول الله ﷺ . ولم يأْتِ عنه ﵇ في ذلك شيءٌ يصحّ في صفة الميزان، ولو صحّ عنه ﵇ في ذلك شيءٌ لقُلنا به؛ فإذْ لم يصحّ عنه ﵇ شيءٌ = فلا يحلُّ لأحدٍ أن يقولَ على الله ما لم يُخبِرْنا به، لكن نقول كما قال الله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الأنبياء: ٤٧ إلى قوله ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ الأنبياء: ٤٧ ....
وأما من قال بما لا يدري من أن ذلك الميزانَ ذو كفتين = فإنما قاله قياسًا على موازين الدنيا، وقد أخطأ في قياسِه؛ إذ في موازين الدنيا ما لا كفّة له؛ كالقرسطون (٢) . وأمّا نحنُ فإنّما اتبعنا النصوص الواردةَ في
стр. 528
ذلك فقط، ولا نقول إلاّ بما جاء به قرآنٌ، أو سُنّة صحيحة عن النبي ﷺ ، ولا ننكر إلاّ ما لم يأتِ فيهما، ولا تكذيبَ إلاّ بما فيهما إبطالُه. وبالله تعالى التوفيق) (١) .
والّذي يظهر: أَنّ مَناطَ توقُّف أبي محمد ابن حزم ﵀ عن إثبات بعضِ ما ورد في السُّنَن من إثبات الكفتين: إمّا عدَمُ صحّة تلك الأحاديث عنده. أو عدم وقوفه عليها. وإنْ كان الأخيرُ في حقِّه يبعُد جدًّا. على أنه لا مناصَ من إثبات الكِفَّتَيْنِ، وإثبات ما وُصِف به الميزان مما ورد في الدَّلائل الشرعية؛ كما صحّ به الخبر عن النبي ﷺ في الحديث الموسوم بـ " حديث البطاقة "، رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال:
قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا من أُمَّتِي على رؤوس الْخَلَائِقِ يومَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عليه تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يقولُ: أَتُنْكِرُ من هذا شيئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فيقول: لَا، يا رَبِّ. فيقول: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فيقولُ: لا، يا رَبِّ. فيقولُ: بَلَى إِنَّ لكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فإنه لا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ. فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فيها: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فيقول: أَحْضِرْ وَزْنَكَ. فيقول: يا رَبِّ، ما هذهِ الْبِطَاقَةُ مع هذه السِّجِلَاّتِ؟ فقال: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ. قال: فَتُوضَعُ السِّجِلَاّتُ في كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ في كِفّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَاّتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ؛ فلا يَثْقُلُ مع اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ) (٢) .
стр. 529
فقوله ﷺ : (فَتُوضَعُ السِّجِلَاّتُ في كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ في كِفّةٍ): برهانٌ بيّن المعالم على إثبات الكفتين للميزان.
والعجيب أنَّ الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ تلا تلو ابن حزم في المُمَانَعَةِ من إثبات ما دلّت عليه السُّنَّةُ من أوصاف الميزان، وكأنّما مَنْ أثبت تلك النعوت أتى بها من عِندِيّاتِه؛ حيث يقول: (وإذا لم يكن في الصحيحين، ولا في كتب السنن المعتمدة حديث صحيح مرفوع في صفة الميزان، ولا في أن له كفتين ولسانًا، فلا تغترّ بقول الزجّاج: إنّ هذا ممّا أجمعَ عليه أهل السنة. فإنّ كثيرًا من المصنفين يتساهلون بإطلاق كلمة الإجماع، ولاسيّما غير الحُفّاظ - والزّجّاجُ ليس منهم -، ويتساهلون في عزْوِ كلّ ما يوجد في كتب أهل السنة إلى جماعتهم، وإنْ لم يُعرَف له أصلٌ من ... السلف، ولا اتّفق عليه الخلَف منهم ... ) (١) .
وقد يكون الداعي للشيخَ محمد رشيد رضا إلى إغفال ما ورد في السنن من إثبات بعض صفات الميزان، مع عِلمه بحديث " البطاقة "، واطّلاعه عليه؛ بدليلِ ذِكرِه له = هو ما يراه من بعض المنتسبين للسنة والجماعة من التَّجَارِي في إطلاق الإجماعات التي لم تتحقق بشروطها المعتبَرة. وتمحيص هذه
стр. 530
الإجماعات المدّعاة، وعدم التسليم بها، متى ما لاحت الدَّلائل على عدم صحة ذلك الإجماع المزعوم = أمرٌ محمودٌ بلا مثنويّة. فإنّ المحقّقين من الأئمة ﵏ لم يكونوا يرضخون لمثل هذه الإجماعات التي يُطلِقها بعض أَهل العلم؛ بناءً على عدم العِلم بالمخالِف في خصوص مقالةٍ ما، أو طلبًا لشيوع قول المُطلِق على أقوال مخالفيه. ولذا، اشتدّ نكير الأئمة ﵏ على هؤلاء؛ حتى قال الإمام أحمد ﵀: (من ادّعى الإجماع فهو كاذبٌ، لعل النّاس قد اختلفوا) (١) .
وليس مقصودُه المنعَ من الاحتجاج بالإجماع، وإنما أراد ﵀ الزجْر عن ادّعاء الإجماع في حقّ من ليس له معرفة بخلاف السَّلف، و الاحتجاج بإِجماع المتأخرين بعد الصحابة وتابعيهم. كيف وقد احتجّ ﵀ بالإجماع في مواطن كثيرة!.
وهذا القدْر يُوافَقُ عليه الشيخ رشيد رضا؛ من منْعِه التساهُل في إطلاق الإجماعات غير المنضبطة. ولكن الذي لا يُوافَق عليه = منعُه من صحة إجماع السلف على ثبوت الميزان، وأنّ له كِفّتين. وكونُ الزجّاج ﵀ ليس من الحفّاظ المعروفين بتقصّي الروايات وتمحيصها = لا يعني عدم قبول نقله للإجماع؛ خصوصًا وقد نقله غيرُه من أهل العلم. ثم إنّ الحُفّاظ نقلوا قول الزجّاج ﵀ ولم يتعقّبوه، فدلّ ذلك على ارتضائهم لما تضمّنه هذا الإجماع. ومن هؤلاء الحفّاظ الذين لا يُشكُّ في جلالتهم، وسعة علمهم بمواقع إجماع الناس، ومواقع انفرادهم واختلافهم = الحافظ ابن حجر العسقلاني. فإنّه نقل عن الزجّاج حكايتَه للإجماع، ولم يتعقّبْهُ (٢) .
وطُرُوءُ المخالفة بعد انعقاد الإجماع أمر لا يُنكَر، وإنما الذي يُنكَر:
стр. 531
اتخاذُ هذه المخالفة من المتأخّرين مِعْولًا لهدْم ذلك الإجماع المنعقد. يقول الإمام ابن الوزير ﵀ في سياقٍ مُشابِهٍ لهذا السياق: (أَقْصى ما في الباب أَنَّك طَلبتَ فلم تجد، فليس عدم الوجدان يدلُّ على عدم الوجود، وأَنَّك وجَدْتَ في ذلك خلافًا، فليس ذلك يمنع من ثبوت الإجماع عند كثيرٍ من أهْل العلم، وذلك حيث يكون المخالف من أهلِ عصْرٍ، والمُجمِعون من أهل عصر آخَر؛ لا سيّما إذا كانوا متقدّمين، والمخالِف بعدهم، ويكون المخالفُ شاذًّا نادرًا، أو يكون ممن لا يعتدُّ بخلافه، أو ينعقد الإجماع على رأسه لأحد الأسباب المذكورة في كتب الأصول) (١)
ثم إنّ ذلكَ على جهة التسليم بانتفاء مَنْ نَقَلَ الإجماع غير الزجّاج في هذا الباب؛ وإلاّ فقد سلفَ نقْل إجماعات العلماء في هذه المسأَلة.
وبعد ذِكْر مواقف الناس تُجاه الميزان؛ فإنه من المناسب سَوْقُ الشبهات العقلية التي استندوا عليها في إنكار ما دلّت عليه هذه النصوص.
стр. 532
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي على أحاديث الميزان:
مما استند عليه المخالِفون في إنكار الميزان جملةً، أو إنكار وزْن الأعمال =معارضات عقليَّة، منها:
المعارض الأول: أنّ حَمْل الميزان على حقيقته الواردة في النصوص الشرعية مُحالٌ. ووجْهُ ذلك: أن أعمال الخليقة أعراضٌ (١)، ووزْنُ الأعراض مُحالٌ.
وفي تقرير هذا المُعارض يقول عبد الله السالمي الإباضي: (وإنما عَدَلْنا في تفسير الميزان عن حقيقته المشهورة إلى ما ذكرناه من العدل والإنصاف = لأنّ حَمْلَه على حقيقته المشهورة مُحالٌ. ووجْهُ ذلك: أن أعمال العباد أعراضٌ، ووزْنُ الأعراضِ مُحالٌ، ولذا تردّد الخصْم في حقيقة الموزون، حتى زعم بعضُهم أن الموزون هم الأشخاص، وبعضهم أن الله يخلق في إحدى الكفّتين ظُلْمةً وفي الأخرى نورًا، وبعضُهم أن الأعمال تتجسّد، فتُوْزَن الأجسادُ =والكلُّ باطلٌ، فوجبَ المصيرُ إلى التأويل) (٢).
والقاضي عبد الجبار مع ردِّه على المنكرين للميزان، والقائلين بتأويله بأنه العدلُ والإنصافُ؛ إلاّ أنه لم يستطع الانفكاك من أسْر المذْهب الذي درج عليه، فظلّ وفيًّا له، مستمسِكًا بأصوله. لذا، نصّ على استحالة وزن الأعراض؛ فقال: (وكذلك الميزانُ، يجوز أن يُجعَل
стр. 533
في إحدى الكفتين نورًا وفي الأخرى ظُلمةً، يتبيّن بهما حال المكلَّف، وأنه من أهل النار أو الجنّة، وإنما الذي لا نُجوِّزُه وزْنُ الأعمال؛ لأنها قد قُيِّدت، وليست بجسمٍ فيُوزَن) (١) ولم يُبِنْ القاضي عبد الجبار - وهو في غمرة استماتته في الدفاع عن قواعد المذهب - عن دليله في تعيين أن الموزون في كفتي الميزان هما النورُ والظُّلمة. ولا دليلَ عنده إلاّ تقديم قواعد وأصول مذهبه التي بُنيتْ على شفا جُرف من التناقض، والخروج عما دلَّت عليه الدلائل الشرعية.
وفاتَه أن النور والظلمة لا يخرجان عن حدّ العَرَضِ، فيحْتاج إلى تعيين آخر غير ما ذكر ليتمّ له مقصوده؛ وإلاّ وقع في التناقض.
ومتكلّمو الأشاعرة مع إثباتهم للميزان، وتشنيعهم على المعتزلة لإنكارهم وزن الأعمال = إلاّ أن كلا الفريقين يتفق في أصل الشبهة؛ وهي: استحالة وزْن الأعمال نفسها؛ لكونها عرض، والعرض لا يُوزَن، ولا يُوصف بالخفة والثّقَل. ومع اتفاقهم هذا؛ إلا أنّ لوازم أتباع المدرستين اختلفت، فالأشاعرة أخذوا يبحثون في النصوص علّهم يظفرون بما يستطيعون به التوفيقَ بين الدلائل المتكاثرة على ثبوت وزن الأعمال، وبين الأصل الذي اتفقت فيه مع المعتزلة على إثباته؛ إضافةً إلى محاولتهم الفرار من مَعرّة التثريب، والإنكار المتضافرين من أئمة السلف - رحمهم الله تعالى -.
فوجدوا في بعض الأدلّة ما يدلّ على وزن صحائف الأعمال، فعضّوا على هذا القول بالنواجذ، ووجدوا فيه خَلاصًا من مأزق الوقوع في التناقض.
يقول الآمدي - رادًّا على المعتزلة في منعهم وزْنَ الأعمال لكونها
стр. 534
أعراضًا -: (الجواب: أما ما ذكروه في بيان تعذُّر وزْن الأعمال، فمنْدفِعٌ بقول النبي ﷺ لمّا سُئل عن وزن الأعمال: (إنّما تُوْزَن الصّحفُ) . ) (١) .
والحديث بهذا اللفظ لم أقف عليه، ويغلِب على الظنّ، أحد أمرين:
الأول: إمّا أنَّه ينقل بالمعنى ما ورد في النصوص من وزْن السجلات يوم القيامة، فصاغه، أو نقل عمّن صاغه، على هيئة حديث يرفعه للنبي ﷺ . وهذا قد يقع للمتكلمين؛ فإنه لا خبرة لهم بِمُفصَّل السُّنَّة؛ لقلّة الاشتغال بها. لأنَّها لا تفيد إلاّ الظنّ عندهم فحرِيٌّ بمثل مَنْ يعتقد هذا الاعتقاد أن يقلّ اطّلاعه على السُّنن، وأَن يُقلِّد غيره في نسبة أحاديث لا تصح إلى النبي ﷺ .
الآخَر: أن يكون أراد ما نُسِب إلى ابن عمر ﵄، أنه قال: (تُوْزَن صحائف الأعمال) فأخطأ وعزاه للنبي ﷺ ، مع لَحْظِ أنّ أثر ابن عمر ﵁ ذَكَره القرطبي ﵀ بلا إسنادٍ (٢) يُعرف به مدى صحته؛ ليتم الاحتجاج به، أو ضعفه ليُترَك.
وعلى كلٍّ؛ فإن الأشاعرة رأوا أن في هذا القول خروجًا من لوازمَ باطلةٍ؛ سَتَرِد عليهم. بل إنّ الفرار من هاجس موافقة المعتزلة في اللازم الذي طردوه بناءً على أصلهم؛ حَمَل بعض محقّقيهم على إيراد كلّ ما حصّله من الأجوبة لدفْع شُبهة المعتزلة؛ حتى لو كان بعض هذه الجوابات الموردة لا دليلَ يُحصَّل عليها.
شاهِدُ ذلك =ما ساقه الجلال الدواني في حاشتيه على " العقائد العضدية " في الجواب عن شبهة الأعراض؛ حيث قال: (وليس علينا البحث عن كيفيته؛ بل نؤمن به، ونفوِّض كيفيته إلى الله تعالى.
стр. 535
وقيل: تُوْزَن به صحائف الأعمال.
وقيل: تُجعل الحسنات أجسامًا نورانية، والسيئات أجسامًا ظُلمانية.
وعلى هذا تندفع شبهة المعتزلة) (١) .
وحقيقة هذه الأجوبةِ كلِّها = امتناع وزْن الأعمال نفسها، و أن الله قادرٌ على خلْق أجسام من هذه الأعراض لتُوْزَن، فإنّ خلْق الحسناتِ أجسامًا ليس هو عند التحقيق وزنٌ لذات العمل، وإنما لثوابه. وهذا مخالِف لما دلّت عليه النصوص (٢) .
وأمّا المعارض الآخر الذي أدّى إلى إنكار الميزانِ جُملةً، فهو =أنّ الوزن لا فائدة فيه: (إذ المقصود إنما هو العلمُ بتفاوُت الأعمال. والله تعالى عالمٌ بذلك، فلا فائدة في نصب الميزان، وما لا فائدة فيه، ففِعْلُه يكون قبيحًا، والربُّ تعالى مُنزَّهٌ عن فعل القبيح) (٣) .
стр. 536
المطلب الثالث: دفع دعْوى المعارض العقلي عن أحاديث الميزان:
أمّا المعارض الأول: فَمَدَارُها على أصلين فاسدين:
- الأصل الأول: استنادهم إلى طريقة الأعراض.
- الأصل الثاني: قياسُهم الغائب على الشاهد.
فأمّا الأصل الأول:
فإن القول بمنْع وزن الأعمال؛ لكونها أعراضًا أثرٌ من آثار بدعة " دليل الحدوث " الذي تمسَّك به المتكلمون في تقرير إثبات وجود الله: وحدوث العالَم. وقد اسْتولَد هذا الدليلُ الباطلُ بِدَعًا شنيعة أدّت إلى مُجالدة الدلائل الشرعية، و ردِّها، أو تأويلها وتحريفها.
وقد التزموا لأجل " دليل الحدوث " لوازم معلومة الفساد؛ كالقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين، واستحالة انتقال الأعراض، ومنع قيام الأعراض بالأعراض .. إلى غير تلك اللوازم الباطلة شرعًا وعقلًا؛ كَنَفْي الصفات الإلهية، وإنكار الرؤية، وإنكار وزْن الأعمال، وغيرها من أمور الآخرة. فالقول بمنع وزن الأعمال؛ لكونها أعراضًا قولٌ باطلٌ، ودلائل ذلك ما يلي:
أولًا: أنّ هذا القول قولٌ مُحْدَث لا بُرهان عليه من الشرع. والخالِق لم يَكِلْنا لمعرفة ديننا إلى معرفة الأعراض ولا الجواهر، ولا غيرها من الألفاظ المجملة المُحْدَثة. وقد مضى الجيلُ الأول الذي نزل بين أظهرهم الوحيُ، ولم يعرفوا طريقة الأعراض، ولا لوازمَها، مع كمال عقلهم، وموفور دينهم، وحِرْصِهم على كلّ خير. لذا يقول ابن عقيل الحنبلي: (أنا أقطعُ أن الصحابة ماتوا، وما عرفوا الجواهر والعرَض،
стр. 537
فإن رضيتَ أن تكون مثلهم فَكُنْ، وإن رأيت أن طريقة المتكلمين أَولى من طريقة أبي بكر وعمر = فبئس ما رأيتَ) (١) .
وقال نوحٌ الجامع: قلتُ لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناسُ من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالاتُ الفلاسفة، عليك بالأثر، وطريقة السلف، وإياك كلّ محدثة، فإنها بِدعَة) (٢) .
فدليلُ الأعراض دليلٌ بِدْعيٌّ لا يُعوَّل عليه في مِثْل هذه المطالب. وبدعية هذا الدليل لا لكونه اشتمل على ألفاظٍ مُحدثةٍ فحسْب؛ (بل لأن المعاني التي يعبّرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة والأحكام ما يجبُ النهي عنه؛ لاشتمال هذه الألفاظ على معاني مجملة في النفي والإثبات ... فإنه لا يوجد في كلام النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أحد من الأئمة المتبوعين أنّه علّق بمسمّى لفظ " الجوهر " و ... " العَرَض "، ونحو ذلك شيئًا من أصول الدين؛ لا الدّلائل، ولا المسائل) (٣) .
فدليلُ الأعراض دليل مركّب من أغاليط ومشتبهات لا يُوصِل المستدِل به إلى طِلَبتِه؛ إلاّ بعد مضائق ومسالكَ ينقطع دونها الأذكياء، فضلًا عن غيرهم.
فإذا استبان بطلان هذا الدليل = استبان لنا أيضًا بُطلان لوازمه؛ ومنها:
ثانيًا: قولهم: إن الأعراضَ لا تُوْزَن؛ لأن ذلك يستلزم - عندهم - أن تقوم بنفْسها، وهذا عند طوائف المتكلمين ممتنع؛ حتى قال التفتازاني: (الضرورة قاضية بأن العرض لا يقوم بنفسه) (٤) .
стр. 538
وسبب هذه الإحالة أنّ العرض لو كان قائمًا بنفسه لجاز قبولُه العرض = وقيام العرض بالعرض مُحالٌ.
فيقال: أمّا قيام العرض بالعرض فليس مُحالًا بإطلاق؛ فالسّرعة والبطء عَرَضانِ قائمان بالحركة، والحركة عَرَضٌ = فدلّ على جواز قيام العرض بالعرض في الجُمْلة. ولذا خالف الرازي جمهور أصحابه، وقال بصحة قيام العرض بالعرض؛ لقوّة البرهان الدالّ على ذلك (١) .
فإذا كان عِلّة المنْع من قيام العرض بنفسه =إحالةَ قيام العَرَض بالعَرَض، فقد تبيَّن بُطلان الملزوم، فبطل بذلك لوازمه من منْع قيام العَرَض بنفسه، ومنع جواز وزن الأعراض.
وقد اختار بعض أهل العلم كابن قيِّم الجوزيَّة، وابن رجب الحنبلي؛ أنَّ الله يقلب الأعمال أجسامًا لِتوزن (٢) وقد نَصَر هذا القولَ الإمامُ جلال الدِّين السيوطي ﵀؛ بل أَرْبَى على ذلك بأنْ رأى أنّ حقيقة الأعراض في هذه الدنيا - وإنْ كانتْ في نظر العبادِ أعراضًا - مُجسّمة مُشَخَّصَةٌ عند الله تعالى. وفي تقرير ذلك يقول: (التحقيق الشامل لذلك، ولغيره: أنّ جميع المعاني المعقولة عندنا مُصوّرةٌ عند الله بصورة الأجسام، ومُشخّصة بصورة الأشخاص، وإنْ كنّا لا نحس ذلك؛ لكوننا محجوبين عنه .. ) (٣) .
وجنح إلى هذا القول أيضًا الإمامُ الصنعاني ﵀ (٤) .
стр. 539
والقول بتجسيد الأعمال لتُوْزَن - مع معقوليّته - إلاّ أنّ الأدلّة لا تُسعِف أصحابَها للقطع بأنّ مااختاروه هو مدلول هذه النُّصوص؛ وذلك لأمرين:
الأمر الأول: أن القول بتجسيد الأعراض فيه تسليم ضمني-وإن لم يُقصد- من القائلين به بصحة بدعة امتناع قيام العرض بنفسه. ولا ريب أن البدعة لا تُردّ ببدعة أخرى.
الأمر الآخَر: أن المانعين من وزْن الأعمال لكونها أعراضًا: قاسوا الغائب - وهو: ما أخبرتْ به النصوص من وزْن الأعمال يوم القيامة - على الشَّاهدِ؛ حيث إنَّ الشاهدَ يمتنع فيه قيامُ العرض بِنفْسِه؛ فكذلك يجري الامتناع فيما أخبر به الكتاب والسُّنَّة، ممّا سيقع في اليوم الآخرِ من وزْن الأعمال. وهذا هو الأَصل الثَّاني الَّذي تفرَّعت عنه شُبهة استحالة وزن الأَعمال.
[بطلان الأَصل الثَّاني]
والقائلون بتجسيد الأعمال حقيقة قولهم موافَقَةُ المانعين في مادة هذا القياس وهذا القياس فاسدٌ من وجْهَين:
الأول: أنّهُ لا يُسلَّم بامتناع وزن الأعراض في الشاهد، فإنّ المنْع قد بُني بالنِّسبة لماتحصَّل لديهم في تلك الحِقبة من المعارف والعلوم. ولا ريبَ أن المعارف تلك لم تعد على حالها؛ بل اتّسعت اتساعًا لم تعْهدْ البشرية مثلَه من قبلُ، وفيما بلغت إليه هذه العلوم= ما يشهدُ بصحة ما أخبرتْ به النصوص، ونطق به الوحي. فهذه العلوم من أعظم الدلائل على ما جاءت به الشرائع. وإنّ مما جادت به قرائح البشر: أنْ وضعوا الموازين التي يقيسون بها الحرارة، والبرودة، وغير ذلك من الأعراض التي لم تكن البشرية تتصوّر من قبلُ إمكان وزنها؛ لكونها أعراضًا، والأعراضُ لا تقوم بنفسها!! فإذا كان المخلوق مع ما جُبِل عليه من
стр. 540
النقص، والجهل، وضعف القدرة = استطاع أن يزن الأعراض، أفليس الخالق القادرُ قادرًا على وزن ذلك من باب أَوْلَى؟!
الوجه الآخر: أنّه على فرْض تحقُّق استحالة وزْن الأعراض في الشاهد؛ فإنّ الذي لا ينطق عن الهوى أخبرَ بذلك، وقبوله متحتّم، وأمور الآخرة أحكامُها تختلف عن أحكام الدنيا، فهو من الغيب الذي يجبُ الإيمانُ به، وعدم إطلاق العقْل في مَسَارِحه؛ لعدم قدرته على شهود كيفيات هذه الأمور المُخبر بحصولها في الآخرة.
وممن جوّز وزن الأعراض وأنكر على المانعين والقائلين بتجَسُّدها= الشيخ محمد رشيد رضا فقال: (فإن الخَلَفَ المنتمين إلى مذاهب السنة خاضوا فيما خاض فيه غيرهم من تحكيم الرأي في أمور الغيب، فالمعتزلة أخطأوا في قياس عالَم الغيب على عالَم الشهادة، وإنكار وزن الأعمال بحجة أنّها أعراض لا تُوْزَن، وأنّ علمَ الله بها يغني عن وزنها. وردّ عليهم بعض المنتمين إلى السنة ردًّا مبنيًّا على أساس مذهبهم في قياس عالَم الغيب على عالَم الشهادة، وتطبيق أخبار الآخرة على المعهود المألوف في الدنيا، فزعموا أن الأعمال تتجسّد وتُوْزَن، أو توضع في صورة مجسّمة، أو أن الصحائف التي تُكتب فيها الأعمال هي التي تُوْزَن؛ بناءً على أنها كصحائف الدنيا؛ إمّا رَقٌّ - جِلْد -، أو وَرَقٌ.
والأصل الذي عليه سلف الأمة في الإيمان بعالَم الغيب = أن كلّ ما يثبت من أخباره في الكتاب والسنة فهو حقٌّ لا ريب فيه؛ نؤمن به، ولا نحكّم رأينا في صفته وكيفيته. فنؤمن إذًا بأن في الآخرة وزنًا للأعمال فقط، ونرجّح أنّه بميزان يليق بذلك العالم؛ يوزن به الإيمان، والأخلاق، والأعمال. لا نبحث عن صورته وكيفيته .. وإذا كان البشر قد اخترعوا موازين للأعراض؛ كالحرّ، والبرد، أفيعجزُ الخالق البارئ القادر على كلّ شيءٍ عن وضْع ميزانٍ للأعمال النفسية والبدنية المعبَّر
стр. 541
عنها بالحسنات والسيئات؟) (١) .
=أمّا جواب المعارض الآخر: الذي يتضمّن إنكار فائدة الوزن مع تحقُّقِ علم الله.
فيقال: جهْلُ المخاطب بالحكمة من ذلك، لا يعني انتفاء الحكمة؛ فعدمُ العلم ليس علمًا بالعدم. فإن الله متّصِف بكمالِ الحكمة والعلمِ. ومُحالٌ أن تكون أفعالُه خاليةً من الحكمة؛ فإنّ ذلك عبَثٌ يُنَزَّه عنه الباري ﵎. فوجبَ الإيمانُ بما نطقت به النصوص، والتسليم لها.
فإن ظهرَ لبعض المكلَّفين وجوه من الحِكَم والمصالِح؛ فَبِها ونِعْمتْ، وإلاّ أُجريَ الأصْلُ المعقودُ سابقًا على بابه. فما وزن الأعمال مع علم الله تعالى بمقاديرها قبل كونها = إلَاّ نظير إِثباته إيَّاها في أُمِّ الكتابِ واسْتنساخه ذلك في الكتاب من غير افتقار به إليه، ولا خوف من نِسْيانه، وهو العالم بكلِّ ذلك في كُلِّ حالٍ (٢) .
وقد تلمّس بعض أهل العلم، الحِكَمَ من وزْن الأعمال مع علم الربّ ﵎ بها؛ فمن تلك الحِكَم:
١ - إظْهار كمال عدل الربّ ﵎، وأنّه لم يظلمْ مثقال ذرّة من خير أو شرّ. قال الإمام مرعي الكرمي ﵀: (الحكمة منه: إظهارُ العدل، وبيان الفضل؛ حيث إنه تعالى يَزِنُ مثاقيل الذّرّ من الأعمال: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ النساء) (٣) .
٢ - تعجيل مَسرّة المؤمن، وغمِّ الكافر. وهذا يوم القيامة.
٣ - أنَّ في علم العبد أن أعمالَه ستُوْزَن يوم القيامة = فائدةً في
стр. 542
التكليفِ؛ وهي: أنّه إذا علِم حصول الوزن على رؤوس الملأ دفعَه العلمُ بذلك إلى أداء الواجبات، واجتناب الموبقات. وفي هاتين الفائدتين يقول القاضي عبد الجبار: (وأمّا فائدتُه - أي: الوزن - فهو تعجيل مسرّة المؤمن، وغمّ الكافر؛ هذا في القيامة. وفيه فائدةٌ أخرى تتعلق بالتكليف = وهي أن المرءَ مع علمه أن أعماله تُوْزَن على الملأ؛ كان ذلك أقرب إلى أداء الواجبات، واجتناب المقبحات. وهذه فائدةٌ عظيمة) (١) .
стр. 543
المبحث الثالث دفع دَعوى المعارِض العقلي عن أحاديث الصِّراطِ
وفيه ثلاثة مطالب:
- المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدَّالة على الصراط.
- المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الصِّراط.
- المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الصّراط.
стр. 544
المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدَّالة على الصراط:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ويُضْرَبُ جَسْرُ جهنَّم) قال رسول الله ﷺ : (قال رسول اللَّهِ ﷺ فَأَكُونُ أَوَّلَ من يُجِيزُ. وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ (١) مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ (٢) , أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟) قالوا: بَلَى يا رَسُولَ اللَّهِ. قال: (فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غير أنها لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إلا الله. فَتَخْطَفُ الناس بِأَعْمَالِهِمْ؛ منهم الْمُوبَقُ (٣) بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ (٤).
ثُمَّ يَنْجُو) (٥) متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري قال: قلنا يا رسول الله , هل نَرَى رَبَّنَا يوم الْقِيَامَةِ؟ .. الحديث , وفيه: (ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بين ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ). قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما الْجَسْرُ قال: (مَدْحَضَةٌ مَزلَّةٌ (٦) عليه خَطَاطِيفُ، وَكَلَالِيبُ، وَحَسَكَةٌ (٧) مُفَلْطَحَةٌ (٨) لَهَا شَوْكَةٌ عُقَيْفَاءُ تَكُونُ
стр. 545
بِنَجْدٍ يُقَالُ لها السَّعْدَانُ الْمُؤْمِنُ عليها كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ في نَارِ جَهَنَّمَ حتى يَمُرَّ آخِرُهُمْ يُسْحَبُ سَحْبًا) (١) متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: بَلَغَني أَن الجسر أَدقُّ من الشَّعرةِ , وأَحدُّ من السَّيْفِ (٢) .
* * *
تمهيد:
دلّت الأحاديث المتقدمة على إثبات الصراط يوم القيامة. والصراط في جاري لسان العرب: على زِنَة فِعَال؛ وهو: الطريق المستقيم. ومنه قول الشاعر:
أكرُّ على الحَرورييّن مُهْري ... وأَحْملُهم على وَضَحِ الصِّراطِ
والسراط في الأصل: هو البلْع. ومنه سمي صراطًا؛ لأنه يسرُط المارة فيه بكثرة سلوكهم به: أي يبتلعهم (٣) .
وأما في موارد الشَّرع: فهو الجَسْرُ المنصوب على متن جهنَّم لعبور الخلائق إلى الجنة.
стр. 546
قال الإمام النووي ﵀: (جسر على متن جهنم يمرّ عليه النَّاس كلّهم) (١) .
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني ﵀: (الجَسْرُ المنصوب على جهنم , لعبور المسلمين عليه إلى الجنة) (٢) .
وقد تضمنت النصوص المتقدمة صفات ذلك الصراط. وحاصل تلك الصفات:
- أنه أَدق من الشعرة وأَحدُّ من السّيف.
- أنه مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، لا تثبت عليه الأقدام؛ إلاّ مَنْ ثبّته الله تعالى.
- أنّ عليه كَلالِيبَ وخطَاطيفَ، وحَسَكًا مِثل شَوْك السّعدان، تخطِف مَن أُمِرت بخطفه.
- أن الرسل على جانبيه يقفون، دعواهم يومئذٍ: (اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ) .
وبمضمون هذه الأدلة قال أهل السنة والجماعة , وعَدّوا ذلك من جُمَلِ عقائدهم , وقد نقل الإجماع على ذلك جِلّةٌ من الأئمة:
قال أبو الحسن الأشعري ﵀: (وأَجمعوا على أَنّ الصراط جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أَعمالهم , وأَنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء بقدر ذلك) (٣) .
وقال ابن القطان ﵀: (وقد أَجمع السَّلفُ على إِثباته وهو جسر على متن جهنم ... ) (٤) .
وقد ذهب شرذمة من أهل البدع إلى مخالفة ما دلت عليه تلك
стр. 547
النُّصوصِ من إثبات الصراط , وما اتصف به من الصفات , واختلفت مواقفهم تجاه تلك الأدلة.
وهي لا تخرج في جُمْلتها عن أحد موقِفين
- إمَّا: ردّ تلك الدلائل مطلقًا , وإنكار الصراط رأسًا.
- وإمَّا: تأويل الصراط أو تأويل صفاته الواردة في الأحاديث الصحيحة.
مَن رَدَّ تلك الدلائل مطلقًا:
وممن ذهب إلى إنكار الصراط رأسًا: الجهم بن صفوان (١) رأس الجهمية وإمامهم , ونُسِب إلى بعض أَعيان وشيوخ المعتزلة، كواصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأَبي الهذيل، وبِشر بن المعتمر (٢)،وبشرٍ المريسي (٣).
ومما ينبغي أن يُلخط أن في نسبة " إنكار الصراط " إلى جُملة المعتزلة = نظرًا؛ لأنَّه قد وجد من أَئمة المعتزلة من يُثبت أَصل الصراط , كإِثبات القاضي عبد الجبار , وإن كان إثباته له إِثباتًا منقوصًا , لِنفْيه صفاتِه التي وردت بها السُنّة. - كما سيأتي بحول الله - ولذلك تراه ينكر على مشايخه تأويلهم للصراط بأنه: (الأدلة الدالة على الطاعات، التي من تمسك بها نجا وأفضى إلى الجنة، والأدلة الدالة على المعاصي التي من ركبها هَلَك واستحق من الله تعالى النار) (٤).
بأنّ: (ذلك مما لا وجه له؛ لأنَّ فيه حَمْلًا لكلام الله تعالى على ما ليس يقتضيه ظاهره. وقد كرّرنا القول في أن كلام الله تعالى مهما أمكن حمله على حقيقته فذلك هو الواجب، دون أَن يصرف عنه إلى المجاز) (٥).
стр. 548
وأمَّا تأويل الصراط، فقد جنح إليه:
- بعض الإباضية، وذلك بتفسيرهم الصراط بأنَّه " الحقّ ". وفي ذلك يقول عبد الله بن حميد السالمي: (قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ الملك: ٢٢ هو عبارة عن الحق ... وعلى هذا يحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط؛ لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق , وبيان ما فيها من الحق العظيم , وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موبق ومخذول) (١)،وقد ذهب السَّالمي في موطن آخر إلى تفويض ما دلت تلك الأحاديث من إثبات الجسرية وغير ذلك=إلى الله، فتراه يقول: ( ... والّذي يظهر لي ابقاء الأحاديثِ على أَصلها [يعني أحاديث الصِّراط] من غير تعرُّضٍ لردِّها على راويها، وتفويض أَمره إلى الله، فمن صَدَّقها من غير قطع بفكر من خالفه فيها =فقد أَحسن ظنّه بالرَّاوي، و لا بأس عليه إِن شاء الله) (٢).
أما من أنكر ما اتصف به الصراط:
- فكإنكار القاضي عبد الجبار , حيث أنكر كون الصراط أَدقّ من الشعرة , وأحدّ من السيف , مع وصَفْه من عندياته بصفةٍ لم تنعته به الأدلة الصحيحة الواردة في هذا الباب.
قال القاضي: (ومن جملة ما يجبُ الإقرار به واعتقاده: الصراط. وهو: طرق بين الجنة والنار، يتّسع على أهل الجنة، ويضيق على أهل النار إذا راموا المرور عليه , وقد دَلَّ القرآن عليه , قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ الفاتحة: ٦ - ٧ فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية , من أنَّ ذلك أدقّ من الشعر وأَحدّ من السيف، وأن المكلفين يُكلَّفون اجتيازه، والمرور به؛ فمن اجتازه فهو من أهل الجنة , ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النار ... ) (٣).
стр. 549
-[وقد نُسب إلى جماعة؛ كالإمام ((البيهقي))، و ((العزّ بن عبد السلام)) وتلميذه ((القرافي)) ﵏ (١) =إنكارهم أن يكون الصراط أَدقَّ من الشَّعَر , وأَحدَّ من السيف , فتأوَّل بعضهم ذلك بأنه عبارة عن مَثَلٍ ضُرب لِعُسْرِ ويُسْرِ الجواز على الصراط بقدر ما أصابه العبد من المعاصي والطاعات , وأن وَصْفه بأنه (أحدّ من السيف) مَثَلٌ للإبانة عن إسراع الملائكة في المضي لامتثال أَمر الله، وإِجازة الناس عليه.
وقد نقل السفَّاريني ﵀ عن ((القرافي)) أنه قال تبعًا ((للبيهقي)): (كون الصراط أَدقّ من الشّعَر وأحدّ من السيف: لم أَجده في الرِّوايات الصحيحة , وإنما يروى عن بعض الصحابة، فيُؤوّل بأن أمره أدقّ من الشَّعَر؛ فإن يُسر الجواز عليه وعسرَهُ على قدر الطاعات والمعاصي , ولا يعلم حدود ذلك إلا الله. وقد جرت العادة بضرب دِقة الشعر مثلًا للغامض الخفيّ، وضَرب حد السيف؛ لإسراع الملائكة في المضي لامتثال أمر الله، وإجازة الناس عليه) (٢).
والبيهقي نَقل عن الحُليمي تأويله ما جاء من أنَّ الصراط أدقُ من الشَّعَرِ، ثم أعقب نقله بنفي وجدانه هذا الوصف في الروايات الصحيحة، حيث قال: (قال الحليمي ﵀ قوله: في الصراط إنه أدقُّ من الشَّعَرَةِ معناه= أنَّ أَمْرَ الصِّراط والجواز عليه أَدقُّ من الشَّعَرِ أي: يكون عُسْرَه ويُسْرَهُ على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدودَ ذلك إلا الله لخفائها وغموضها، وقد جرت العادة بتسمية الغامض الخفي دقيقًا وضَرَب المثل له بِدقَّة الشَّعَرَةِ، وقوله: إنَّه أحدُّ مِن السَّيفِ فقد يكون معناه- والله أعلم- أن الأمر الدقيق الذي يصدر من عند الله إلى الملائكة في إجازة الناس على الصراط يكون في نَفَاذِ حَدِّ السَّيفِ ومُضيِّه منهم إلى طاعته وامتثاله، ولا يكون له مرد، كما أنَّ السيفَ إذا نَفَذَ بِحَدِّهِ وقوةِ ضَارِبِهِ في شيءٍ لم يكن له بعد ذلك مرد (٣). قال البيهقي ﵀: وهذا اللَّفْظُ من الحديث لم أَجِدْهُ في الرِّوايَاتِ الصَّحيحةِ) (٤)] [*].
- وتأوَّل القاضي أَبو بكر بن العربي (الكلاليب) الواردة في الحديث بأنَّها الشهوات الواردة في قول النبي ﷺ : (حفت النَّار بالشهوات) (٥)، فقال: (فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم شهوةً سقط في النّار؛ لأنَّها خَطَاطِيفُها) (٦).
وكلُّ ما تم سَوْقُه من هذه التأويلات، لا تجد لها في الثبوت قَدَمًا , فليس لها أصل تَنْزِعُ إليه ولا مَأخذٌ من نُورِ الحق تأوي إليه؛ وإنّما مَردّ ذلك= الشَّغفُ بتأويل ما عَجَزَت عقولهم عن إدراكه.
стр. 550
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الصراط:
ومما أَورده المخالفون لهذه الأحاديث من المعارضات العقلية على هذه الأحاديث الصريحة في إثبات الصراط , والتي أَجمعت الأُمّة على معناها:
١ - أنَّ الدار الآخرة ليست بدار تكليف؛ حتى يَصحّ إيلام المؤمنين وتكليفهم بالمرور على هذا الصراط، الذي من صفته أنه أدق من الشعر، وأحدّ من السَّيف.
وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبار: (فلسنا نقول في الصراط ما يقوله الحشوية , من أنّ ذلك أَدق من الشعر , وأحدُّ من السَّيف , وأن المكلفين يكلفون اجتيازه والمرور به؛ فمن اجتازه فهو من أهل الجنة , ومن لم يمكنه ذلك فهو من أهل النَّار. فإن تلك الدار ليست هي بدار تكليف؛ حتى يصح إيلام المؤمن، وتكليفه المرور عليه، على ما هذا سبيله في الدِّقّة والحِدّة) (١)
٢ - [استحالة الجمع بين كونه أدق من الشّعَر وأحدّ من السَّيف، وبين (أنّ الملائكة يقومون بجنبيه , وأن فيه كلاليبَ وحسكًا , وأنّ من يمرّ عليه يقع على بطنه , ومنهم من يزل ثم يقوم. وفيه: أنّ مِن الذين يمرون عليه من يعطى النور بقدر موضع قدميه؛ وفي ذلك إشارة: أنّ للمارّين عليه مواطئ الأقدام = ومعلوم أن دِقّة الشّعَر لا يحتملُ هذا كلّه) (٢)
فهذان الاعتراضان هما مجمل الاعتراضات العقلية المَسُوقَة على أحاديث الصراط.] [*]
стр. 551
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الصراط:
دفع المعارض الأوّلِ:
أما دعواهم أنَّ المرور على الصراط بنعته الثابت في السُّنة= مستحيلٌ؛ لأن هذا الأمر بالمرور تكليف والتكليف منتفٍ في الآخرة.
فالجواب: أن المنع مَبْنيٌ عند المخالف على امتناع التكليف في الآخرة. وحرف "التكليف" هنا مُجْمَل يفتقر إلى استفصال؛ فإن أُريد بالتكليف ما يترتب عليه الثواب والعقاب , فلا ريب أَنَّ جميع الطوائف يوافقون على تحقّق ذلك في الدنيا؛ لكونها دار ابتلاء وامتحان , وأيضًا الاتفاق قائم على امتناع ذلك في دار الجزاء , فلا تكليف فيها بهذا المعنى , فيبقى النَّظر فيما قبل دخول الجنة والنار. وعلى هذا؛ يتحرر أن الدّور بالنسبة للتكليف المبين معناه - بحسب موارد الشرع - تنقسم إلى ثلاثة أقسام. وهذه الأقسام هي من جهة تحقق التكليف فيها من عدمه:
القسم الأول: دار تكليفٍ؛ وهي الدنيا. وهذا بلا خلاف بين أحد من المتشرعين (١).
القسم الثاني: دارٌ لا تكليف فيها بلا خلاف أيضًا , وهي دار الجزاء.
القسم الثالث: دارٌ التكليف فيها ممكن؛ كالبرزخ , وعرصات القيامة , وذلك قبل دخول دار الجزاء.
стр. 552
فالمحققون من أهل السنة وغيرهم (١) ينازعون في امتناع التكليف فيها , والدلائل الشرعية على ثبوت ذلك كثيرة، والنّاظر فيها يَرَى أنَّ التكليف الواقع في هذه المواطن ليس المراد منه - فيما يظهر - ترتب الثواب والعقاب عليه على جهة الاطّراد؛ بل قد يُراد به - والله أعلم - في بعض المواطن غير ذلك.
ومجمل متعلقات التكليف-فيما يظهر والعلم عند الله- تدور على:
١ - إظهار الحال: كامتحان المقبورين في قبورهم , بسؤال الملكين لهم، وتكليفهم الجواب على ذلك (٢). وكأمر الله للمؤمنين والمنافقين بالسجود له حين يكشف الربُّ ﵎ عن ساقه، كما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري، وفيه قوله ﷺ : (فيسجد له كل مؤمن , ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعة , فيذهب كيما يسجد , فيعود ظهره طبقًا واحدًا) (٣)، وكامتحان مَن لم تقم عليهم الحُجَّةُ في الدُّنيا في عَرَصَات القيامة, كما هو ثابت من حديث الأسود بن سريع (٤)، وغيره.
стр. 553
٢ - وقد يراد بالتكليف العقوبة: كما يحصل لبعض العصاة على الصراط؛ مِن تخطُّف الكلاليب لهم , وتعثُّر بعضهم عليه , كما في الأحاديث التي سيقت في أوائل هذا المبحث.
وبذا يتبيَّن غَلطُ القاضي عبد الجبار في مَنْعِهِ من وقوع التكليف باجتياز الصراط؛ ظنًّا منه أن في الأمر باجتيازه عقوبةً لمن كان متحققًا بكمال الإيمان. وهذا غَلطٌ بيِّن؛ لأنَّ الأمر باجتياز الصراط هنا مع وجود المشقة فيه , ليس المراد به إنزال العقوبة؛ فإن الله ﵎ اقتضت حكمته ورحمته أَلا يُعذّب من لا ذنب له , بل يتعالى ﷻ عن ذلك؛ فإن ذلك نقيض عدله وحكمته = وإنما الأمر بهذا الاجتياز - مع مشقته - لكونه موصلًا إلى دار النجاة والخلاص , وهذا عين الحكمة والرحمة.
وليس مع المنكرين له أصل يرتكزون عليه من نقل أو عقل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وقد زعم بعضهم أن هذا (١) يخالف دين المسلمين؛ فإن الآخرة لا تكليف فيها. وليس كما قال , وإنما ينقطع التكليف إذا دخلوا دار الجزاء: الجنة، أو النار , وإلَاّ فهم في قبورهم مُمْتَحَنون ومَفتونون؛ يقال لأَحدهم: من ربّك؟ وما دينك؟ وكذلك في عرصات القيامة ... فدل ذلك على أن المحنة إنما تنقطع إذا دخلوا دار الجزاء , وأما قبل دار الجزاء امتحان وبلاء) (٢).
وممَّا يدلُّ كذلك على عدم انقطاع التكليف قبل دخول دار الجزاء:
- ما وَرَدَ في حديث أبي سعيد الخُدْري المتقدم ذكره من دعوة الله تعالى في عرصات القيامة للمؤمنين والمنافقين للسجود وفيه (فيأتيهم
стр. 554
الجبّار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة , فيقول: أنا ربكم , فيقولون: أنت ربنا. فلا يكلّمه إلا الأنبياء , فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه؟ فيقولون: السَّاق. فيكشف عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن , ويبقى من كان يسجد لله رياءً وسمعةً , فيذهب كيما يسجد فيعود ظهره طَبَقًا واحدًا .. ) (١).
فهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على وقوع التكليف في غير دار القرار؛ إِمَّا إظهارًا للحال، كامتحان المقبورين , والأمر بالسجود حين يكشف الله ساقه جل وعلا. وإمَّا عقوبةً، كما يحصل لبعض العصاة على الصراط من تناول الكلاليب لهم, ووقوعهم في النار , وإمَّا لغير ذلك. يقول الإمام ابن القيم ﵀:
(فإن قيل: فالآخرة دار جزاءٍ , وليست دار تكليفٍ؛ فكيف يمتحنون في غير دار التكليف؟
فالجواب: أن التكليف إنما ينقطع بعد دخول دار القرار , وأمَّا في البرزخ وعرصة القيامة فلا ينقطع , وهذا معلوم بالضرورة من الدِّين) (٢).
وأما من نقل الإجماع على خلاف ذلك؛ كالآمدي (٣) وغيره، بأن الآخرة ليست دار تكليف.
فهذا الإجماع يمكن أن ينزّل في موطن واحد؛ وهو دار القرار. وأما فيما دون ذلك، ففي صحة شمول هذا الإجماع لتلك المواطن نظر , والأدلة المتقدمة ترده؛ ولذلك قال الإمام الزركشي ﵀: (وقول الرَّازي بعدم التكليف في الآخرة ليس على إطلاقه؛ فإن التكليف بالمَعْرِفَةِ باقٍ فيها , وقد جاء أَنَّه تُؤجَّج نار، ويؤمرون بالدخول فيها , فمن أقبل على ذلك صُرِف عنها. وهذا تكليف) (٤).
стр. 555
فإن سُلِّم بحصول الألم للمؤمنين في هذا الاجتياز؛ فإن الألم يكفر الله به من خطاياهم ,كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: (ما يصيب المؤمن من وَصَبٍ ولا نَصَبٍ , ولا هَمٍّ ولا حَزَن , ولا أذىً؛ حتى الشوكة يُشاكها , إلا كفر الله بها من خطاياه) (١).
يقول القاضي عبد الوهاب المالكي ﵀ ردًّا على من منع المرور على الصِّراط استنادًا منه على هذه الشّبهة: (واعتلَّ مُحيل ذلك، بأن قال: إنّه قد ثَبَتَ أَنَّ المؤمنين من أَهل الثَّواب لا يجوز أَن يلحقهم غمٌّ، ولا كرب، ولا أَلَمٌ ...
والجواب: أَنَّ هذا ردٌّ للأَخبار، ومُعاندةٌ للآثار، فيجبُ سُقوطه، وهو على أَنّ كونهم مِن أَهل الثَّواب، لا يمتنعُ لحوق بهم (٢)، كما لَحِقَهم .. في الحَشْر والنَّفخ في الصُّور =ويكون ذلك امتحانًا لا عقوبة) (٣).
وأما دعوى استحالة الجمع بين كون الصراط أدقّ من الشعر , وأحدّ من السيف، وبين ما وَرَدَ من وقوف الملائكة على جنبي الصراط , وكون العباد يمرون على هذا الصراط مع صفته المذكورة.
فالجواب: ليس فيما وردت به الدلائل من خَبر الصراط ما يحيله العقل , وأما كون الحسّ والعادة يقضيان بامتناع ذلك , فهذا قد يُسلّم؛ لكن المُنبغي لَحْظُه هنا - وقد تقدم مرارًا - أن مُوجبَ خطأ المنكرين لهذه الدلائل أَمران: الأول: عدم تحقيقهم الإيمان بكمال قدرة الربِّ ﵎ ,
стр. 556
وأنه على كل شيء قدير. وقد عاب الله على الكافرين شكّهم في ذلك، فقال ﵎
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر]: وإِلَاّ فمن استقر في قلبه ذلك، وعَلِم تمام العلم مَن رَبّه , فإنّه من المحال أن يقع لديه تشكيك لما دلّت عليه تلك الأخبار الصحيحة. فإن (القادر على إمساك الطير في الهواء، قادر على أن يُمْسِك عليه المؤمن، فيُجْرِيه , أو يُمْشِيه) (١).
الثاني: أنَّ مما أوقع هؤلاء في الغلط: أَنهم جعلوا كل ما يَعزُب عن الحس يلزم منه استحالة ذلك عقلًا؛ فالقاعدة عند هؤلاء: أنّ كلّ ما لا يدرك بالحسّ؛ فليس بمعقول , وكلّ ما خرج عن المَعْهودِ المُشاهَد عند المُنْكِر؛ فلا بُدَّ أن يكون مستحيلًا .. ولا شك أن هذه القاعدة هي أصلُ ضلالِ مَن ضَلّ وأنكر هذه الأحاديث. وهذا الخَلْط من أعظم الدلائل على بُعد المنكِرين عن حياض العِلْم والعقل , وهو مَيْسمٌ بيِّن على انحسار أفهام هؤلاء عن دَرْك ما اشتملت عليه الأدلة الشرعية. وقد اعترف بهذا الخطأ أحد المنتسبين للفلسفة وهو "مسكويه" فقال مُبيِّنًا الفرق بين ما يأباه العقل وبين ما يأباه الحسّ والعادة: (ليس يجوز أن تَرِدَ الشريعة من قِبَل الله تعالى بما يَأباه العقل , لكنّ الشاكّ في هذه المواضع لا يعرف شرائط العقل وما يأباه؛ فهو - أبدًا - يخْلِطه بالعادات , ويَظنُّ أن تأبِّي الطباع من شيءٍ؛ هو مخالفةُ العقل. وقد سمعتُ كثيرًا من الناس يتشكّكون بهذه الشكوك , وحضرتُ خصوماتهم وجدالهم، فلم يتعدّوا ما ذكرته ... إنَّ العقل إذا أبى شيئًا فهو أبديُّ الإباء له , لا يجوز أن يتغيّر في وقت , ولا يصير بغير تلك الحال ,
стр. 557
وهكذا جميع ما يستحسنه العقل أو يستقبحه. وبالجملة؛ فإن جميع قضايا العقل هي أبديّةٌ واجبةٌ على حال واحدةٍ أزليّة، لا يجوز أن يتغير عن حاله , وهذا أمرٌ مُسَلّمٌ غير مدفوع , ولا مشكوك فيه.
فأمَّا أَمْرُ الطبع والعادة؛ فقد يتغيّر بتغيّر الأحوال، والأسباب، والزمان، والعادات ... ) (١) .
فتقرر من ذلك كُلِّه: أنّ خروج أخبار الصراط عن المعهود في نظر المنكر لا يوجب خروجها عن شرائط العقل , والأدلة الشرعية قد دلت على ذلك، فيجب التسليم بما دلت عليه؛ وذلك مقتض العَقْل المَهْدى.
الأمر الثالث: أن محصل الأدلة الشرعية المتعلقة باليوم الآخر: أن الأحوال والعادات يوم القيامة لا تبقى على اطِّرادها في الدُّنيا؛ ولذا قرّر غير واحدٍ من أئمة الإسلام أن اليوم الآخر تخرق به العادات (٢) . وعليه؛ فإنّ قياس أحوال الدُّنيا بأحوال الآخرة من الخروج عن مَنْهج الحق والصواب؛ لِلْبَوْن بينهما.
وأمَّا حَمْل تلك الأحاديث على أنَّها صادرة من المعصوم ﷺ على جهة التمثيل والتشبيه , وقلب الحقائق إلى معانٍ؛ كل ذلك متى ما لاحَ لهم أدنى شُبهةٍ عقلية =فهو مَسْلكٌ باطل، ويستلزم لوازم شنيعة للغاية.
وقعّد لذلك القاضي ابن العربي حيث يُؤثِّلُ قانونًا بدعيًّا للأحاديث التي
стр. 558
يوهم ظاهرها أنها مخالفة للعقل؛ ولا تكون متعلقة بالباري، ولا صفاته فيقول: (أحاديث يعارض ظاهرها مقتضى العقل، لا تتعلق بالباري ولا صفاته , ولكنها تتعلق بما أَخبر عنه من المعاني .. فإذا جاء ما ينفي العقل ظاهرُه فلا بُدّ أيضًا من تأويله؛ لأن حمْله على ظاهره , فيكون غير مفهوم والشرع لا يأتي به فلا بُدّ من تأويله) (١) .
ومع ذا؛ فما جَرَى به قَلَمُ ابن العربي في تفسير الكلاليب -كماسبق نقله- بقوله: (فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم شهوةً سقط في النّار؛ لأنَّها خَطَاطِيفُها) يمكن حَمْلُه على معنى لا ينتفي به حقيقةً ما دلّ عليه اللفظ , فيكون مراده أنَّ من تقحمّ الشهوات في الدُّنيا , كانت هذه الشهوات سببًا لِتَخطُّفِ كلاليب الصراط له يوم القيامة. وعبارته تساعد على ذلك، مع حمل بعض الباحثين لكلامه على أنه جارٍ مجرى التأويل. والذي دعاني إلى ذلك أمران:
الأوَّل: أن عبارته يمكن أن تحمل على محمل صحيح , وحمله على ذلك أولى.
الثاني: أن ابن العربي قد أثبت الصراط ودقته وحدّته ومرور الخلق عليه (٢) , وهي أمور أبعد في العادة من الكلاليب وتخطفها , فيبعد أن يثبت تلك وينفي حقيقة هذه.
стр. 559
المبحث الرابع دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن الأحاديث الدالّة على وجود الجنّة والنّار
وفيه ثلاثة مَطَالب:
المطلب الأوَّل: سوق الأحاديث الدَّالة على وجود الجنَّة والنَّار.
المطلب الثَّاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدَّالة على وجود الجنَّة والنَّار.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدَّالةِ على وجود الجنَّة والنَّار.
стр. 560
المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدالة على وجود الجنة والنار:
عن عبد الله بن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: (إنَّ أحدكم إذا مات عُرضَ عليه مقعدُهُ بالغداة والعشيّ؛ إنْ كان من أهل الجنة , فمِنْ أهل الجنّة , وإنْ كان من أهل النَّار فمِنْ أهل النَّار. يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة) متفق عليه (١).
وعن عائشة ﵂ , قالت: خسفت الشمس في حياة رسول الله ﷺ فَذَكَرت الحديث , وفيه: وقال رسول الله ﷺ : (لقد رأيتُ في مقامي هذا كل شيء وُعِدتهُ؛ حتى لقد رأَيتُ أُريدُ أن آخُذ قِطفًا من الجنة حين رأيتموني جعلتُ أتقدمُ، ولقد رأيت جَهنّمَ يحطِمُ بعضُها بعضًا حين رأيتموني تأخّرت) متفق عليه (٢).
وعن عبد الله بن عباس﴾، قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فذكَر الحديثَ، وفيه: فقالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولتَ شيئًا في مقامك , ثمَّ رأيناكَ تكَعْكَعْتَ؟ فقال: (إنِّي رأيتُ الجَنَّةَ، فتناولتُ عَنْقودًا، ولو أصبْتُهُ لأكلتُمْ منهُ ما بقيتْ الدُّنيا. ورأيت النَّارَ , فلمْ أرَ مَنْظَرًا كاليوم قط أفظعُ , ورأيتُ أكثرَ أهلها النساء ... ) متفق عليه (٣).
стр. 561
وعن أنس ﵁ في قصة الإسراء , وفي آخره -: (ثم انطلق بي جبريل حتى سدرة المنتهى , فغشيها ألوان لا أدري ما هي , قال: ثم دخلت الجنة , فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ , وإذا ترابها المسك) (١) .
* * *
تمهيد:
الدلائل المتقدمة في مجموعها تدل دلالة قاطعة على أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان الآن. وقد انعقد الإجماع على ذلك.
قال الإمام ابن عبد البر ﵀: (والذي عليه جماعة أهل السنة والأثر: أن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان. وبالله التوفيق) (٢) .
قال الإِمام أَبو زكريا السَّلماسي ﵀: (وأَجمعوا أَنَّ الجنَّة والنَّار حقٌّ وهما مخلوقتان؛ وقد رآهما النبي ﷺ ليلة المعراج .. ) (٣) .
قال الإمام ابن القطان الفاسي ﵀: (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان بعدُ، وعلى أن الله قد أعدهما لأهلهما , وعلى أن علمه قد أحاط بمن يسكنها) (٤) .
ومستند هذا الإجماع: الدَّلائلُ المتكاثرةُ المَبْثوثة في الكتاب والسُّنَّة , وقد تقدم ذكر بعض ما دلت عليه السُّنَّة في ذلك. وأما الكتابُ؛ فمن ذلك:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ النجم.
стр. 562
وقال : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ آل عمران. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾ النبأ
إلى غير تلك الآيات التي تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن (١) .
والأمر كما قال الإمام أحمد ﵀: (الجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا؛ كما جاء الخبر ... فمن زَعَمَ أنهما لم تُخلقا , فهو مُكذّب برسول الله ﷺ ، وبالقرآن, كافرٌ بالجنة والنار , يستتاب , فإن تاب وإلا قُتِل) (٢) .
стр. 563
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدالة على وجود الجنة والنار:
ومع وضوح تلك الدلائل؛ أَبَتْ طوائف من المعتزلة - فيما حكى عنهم أهل المقالات والتَرَاجم، وقد نسبوا ذلك على جهة الخصوص لِـ "بشر المريسي" (١)، و"ضرار بن عمرو" (٢) - القبولَ بما تضمَّنته تلك النُّصوص. فأنكروا وجود الجنة والنار في الخارج وأنهما مخلوقتان الآن , و" زعموا " أن وجودها في العِلم لا أنَّه متحقق في الخارج , وإنما ينشئهما الله تعالى يوم القيامة.
والباعث لهم على هذه المُنَابذه الصريحة لمجموع تلك البراهين: توظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة؛ حيث قاسوا الله على خلقه , فأوجبوا ... عليه ﵎ أُمورًا , وحَظَروا عليه - تعالى - أُخرى. ولذلك نُعتوا بأنهم "مشبهة في الأفعال "؛ لتشبيهم الله تعالى بخلقه. فجمعوا بين النقيضين: التشبيه، والتعطيل.
ومستندهم في إنكار أن تكون الجنة والنار مُتَحَقِّقتَي الوجود في الخارج لا في العلم؛ أنهم قالوا: إن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة , فوجودهما قبل تلك الحاجة عبثٌ؛ لأنهما ستبقيان مُعطِّلتين مُددًا طويلة!!
وفي تقرير مذهبهم يقول الجويني ﵀: (وقد أنكرت طوائف من المعتزلة خلق الجنة والنار، وزعموا أن لا فائدة في خلقهما قبل يوم
стр. 564
الثواب والعقاب, وحملوا ما نصّت الآية (١) عليه في قصة آدم ﵇ على بساتين من بساتين الدُّنيا، وهذا تلاعُب بالدين , وانسلالٌ عن إجماع المسلمين) (٢) .
ويقول الإمام ابن القيِّم ﵀ أيضًا: (لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة , وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته [أي وجود الجنة] ... إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة , فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة، وقالت: بل الله يُنشئها يوم المعاد. وحمَلهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله تعالى , وأنَّه ينبغي له أن يفعل كذا , ولا ينبغي له أن يفعل كذا , وقاسوه على خلقه في أفعاله. فهم مشبهة في الأفعال , ودخل التجهم فيهم , فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات) (٣) .
وقد نَسَب البغداديُّ هذا القولَ أيضًا إلى الجهميَّة (٤) .
стр. 565
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على وجود الجنة والنار:
وأما نقض دعواهم فيتلخص في الآتي:
أولًا: أن الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على خلاف ما قرّروه , وانضاف إلى تلك الدلائل الإجماع الذي سبق سَوْقُه. وقد جرى السَّلف ﵏ -على زَبْر ذلك في مصنفاتهم (١)، والتنصيص عليه؛ فالخروج عن إجماعهم هلكه قاصمة , وشذوذ يوجب لصاحبه الهلاك.
ثانيًا: أن الاعتراض على وجودهما، وعدُّ ذلك من العبث الذي يجب على الله التنزه عنه: حَجْرٌ على الرب ﵎ في أفعاله , وسوء أدب يُنبئ عن قلةٍ في الدِّيانة , وذهول عن الفارق بين الخالق الحكيم , والمخلوق المتطبع بالجهل والظلم؛ فالله تعالى له الحكمة البالغة في أفعاله وأحكامه , وما عِلْمُ المخلوقِ إلا نزرٌ ضئيل مما وهبه الله إيَّاه من علمه الذي أحاط بكل شيء , فأنّى يصح القياس حينئذٍ؟ وكيف تجري أحكام العبيد على ربِّ العبيد؟
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الزمر: ٦٧ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ نوح.
ثالثًا: أن العقل لا يُحيل تحقق وجود الجنة والنار , وأنهما مخلوقتان الآن. وما زعموا من أنَّ وجودهما الآن، وتعطيلهما من