← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وعن أنس ﵁ في قصة الإسراء , وفي آخره -: (ثم انطلق بي جبريل حتى سدرة المنتهى , فغشيها ألوان لا أدري ما هي , قال: ثم دخلت الجنة , فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ , وإذا ترابها المسك) (١) . * * * تمهيد: الدلائل المتقدمة في مجموعها تدل دلالة قاطعة على أن الجنة والنار مخلوقتان، موجودتان الآن. وقد انعقد الإجماع على ذلك. قال الإمام ابن عبد البر ﵀: (والذي عليه جماعة أهل السنة والأثر: أن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان. وبالله التوفيق) (٢) . قال الإِمام أَبو زكريا السَّلماسي ﵀: (وأَجمعوا أَنَّ الجنَّة والنَّار حقٌّ وهما مخلوقتان؛ وقد رآهما النبي ﷺ ليلة المعراج .. ) (٣) . قال الإمام ابن القطان الفاسي ﵀: (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان بعدُ، وعلى أن الله قد أعدهما لأهلهما , وعلى أن علمه قد أحاط بمن يسكنها) (٤) . ومستند هذا الإجماع: الدَّلائلُ المتكاثرةُ المَبْثوثة في الكتاب والسُّنَّة , وقد تقدم ذكر بعض ما دلت عليه السُّنَّة في ذلك. وأما الكتابُ؛ فمن ذلك: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ النجم.

стр. 562

وقال : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ آل عمران. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢)﴾ النبأ إلى غير تلك الآيات التي تدل على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن (١) . والأمر كما قال الإمام أحمد ﵀: (الجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا؛ كما جاء الخبر ... فمن زَعَمَ أنهما لم تُخلقا , فهو مُكذّب برسول الله ﷺ ، وبالقرآن, كافرٌ بالجنة والنار , يستتاب , فإن تاب وإلا قُتِل) (٢) .

стр. 563

المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدالة على وجود الجنة والنار: ومع وضوح تلك الدلائل؛ أَبَتْ طوائف من المعتزلة - فيما حكى عنهم أهل المقالات والتَرَاجم، وقد نسبوا ذلك على جهة الخصوص لِـ "بشر المريسي" (١)، و"ضرار بن عمرو" (٢) - القبولَ بما تضمَّنته تلك النُّصوص. فأنكروا وجود الجنة والنار في الخارج وأنهما مخلوقتان الآن , و" زعموا " أن وجودها في العِلم لا أنَّه متحقق في الخارج , وإنما ينشئهما الله تعالى يوم القيامة. والباعث لهم على هذه المُنَابذه الصريحة لمجموع تلك البراهين: توظيفهم الأقيسة الفاسدة في مقابل تلك الأدلة؛ حيث قاسوا الله على خلقه , فأوجبوا ... عليه ﵎ أُمورًا , وحَظَروا عليه - تعالى - أُخرى. ولذلك نُعتوا بأنهم "مشبهة في الأفعال "؛ لتشبيهم الله تعالى بخلقه. فجمعوا بين النقيضين: التشبيه، والتعطيل. ومستندهم في إنكار أن تكون الجنة والنار مُتَحَقِّقتَي الوجود في الخارج لا في العلم؛ أنهم قالوا: إن الحاجة إليهما إنما هي في الآخرة , فوجودهما قبل تلك الحاجة عبثٌ؛ لأنهما ستبقيان مُعطِّلتين مُددًا طويلة!! وفي تقرير مذهبهم يقول الجويني ﵀: (وقد أنكرت طوائف من المعتزلة خلق الجنة والنار، وزعموا أن لا فائدة في خلقهما قبل يوم

стр. 564

الثواب والعقاب, وحملوا ما نصّت الآية (١) عليه في قصة آدم ﵇ على بساتين من بساتين الدُّنيا، وهذا تلاعُب بالدين , وانسلالٌ عن إجماع المسلمين) (٢) . ويقول الإمام ابن القيِّم ﵀ أيضًا: (لم يزل أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وأهل السنة والحديث قاطبة , وفقهاء الإسلام، وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته [أي وجود الجنة] ... إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة , فأنكرت أن تكون الآن مخلوقة، وقالت: بل الله يُنشئها يوم المعاد. وحمَلهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة لما يفعله الله تعالى , وأنَّه ينبغي له أن يفعل كذا , ولا ينبغي له أن يفعل كذا , وقاسوه على خلقه في أفعاله. فهم مشبهة في الأفعال , ودخل التجهم فيهم , فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات) (٣) . وقد نَسَب البغداديُّ هذا القولَ أيضًا إلى الجهميَّة (٤) .

стр. 565

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على وجود الجنة والنار: وأما نقض دعواهم فيتلخص في الآتي: أولًا: أن الدلائل الشرعية من الكتاب والسنة قد دلت على خلاف ما قرّروه , وانضاف إلى تلك الدلائل الإجماع الذي سبق سَوْقُه. وقد جرى السَّلف ﵏ -على زَبْر ذلك في مصنفاتهم (١)، والتنصيص عليه؛ فالخروج عن إجماعهم هلكه قاصمة , وشذوذ يوجب لصاحبه الهلاك. ثانيًا: أن الاعتراض على وجودهما، وعدُّ ذلك من العبث الذي يجب على الله التنزه عنه: حَجْرٌ على الرب ﵎ في أفعاله , وسوء أدب يُنبئ عن قلةٍ في الدِّيانة , وذهول عن الفارق بين الخالق الحكيم , والمخلوق المتطبع بالجهل والظلم؛ فالله تعالى له الحكمة البالغة في أفعاله وأحكامه , وما عِلْمُ المخلوقِ إلا نزرٌ ضئيل مما وهبه الله إيَّاه من علمه الذي أحاط بكل شيء , فأنّى يصح القياس حينئذٍ؟ وكيف تجري أحكام العبيد على ربِّ العبيد؟ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ الزمر: ٦٧ ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ نوح. ثالثًا: أن العقل لا يُحيل تحقق وجود الجنة والنار , وأنهما مخلوقتان الآن. وما زعموا من أنَّ وجودهما الآن، وتعطيلهما من

стр. 566

الناس، وعدم تمكينهم من دخولهما مُددًا متطاولة؛ ينافي الحكمة = غَلَطٌ ودعوى. بل يقال: إن وجودهما الآن جارٍ على مقتضى الحكمة , ففي خلقهما ووجودهما قبل يوم القيامة = ترغيبٌ وترهيب؛ بمنزلة ما يُعِدُّه ملوكُ الدُّنيا وسلاطينُها من آلات العقوبة؛ تنفيرًا للنَّاسِ من مُقَارَفَةِ ما يستوجب حلولها عليهم، وآلاتِ الثواب والإنعام؛ تحفيزًا للأَبرار , وتَرْغيبًا للأَخيار على شَدِّ السّير؛ لنيل الإكرام في دار القَرار (١) .

стр. 567

المبحث الخامس دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدَّالة على بقاء الجنة والنَّار وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سَوْق الأحاديث الدالة على بقاء الجنة والنار. المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدَّالة على بقاء الجنَّة والنَّار. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدَّالة على بقاء الجنَّة والنَّار.

стр. 568

المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على بقاء الجنة والنار: عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (يُؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أَملح , فيُنادي منادٍ: يا أهل الجنة , فيشْرئبّون وينظرون. فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم , هذا الموت. وكُلّهم قد رآه. ثُمَّ يُنادي: يأهل النَّار. فيشرئبُّون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم , هذا الموت. وكُلُّهم قد رآه. فيُذبح , ثُمَّ يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت , ويا أهل النَّار خلود فلا موت. ثُمَّ قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ مريم). متفق عليه (١). وعن أبي سعيد الخُدري وأبي هريرة﴾ عن النبي ﷺ قال: (يُنَادِي مُنَادٍ: إنَّ لكم أَنْ تَصِحُّوا فَلا تَسْقَمُوا أَبدًا، وإنَّ لَكُم أَنْ تَحْيَوا فَلا تَمُوتوا أَبَدًا، وإنَّ لكم أَن تَشِبُّوا فَلا تَهْرموا أَبدًا، وإنَّ لكم أن تَنْعَمُوا فَلا تَبْأَسُوا أَبَدًا =فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ الأعراف.) (٢)

стр. 569

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدالة على بقاء الجنة والنار فيما تقدم إيراده من الأحاديث براهين ظاهرة على بقاء الجنة والنار، وأبديتهما؛ وعلى ذلك مضى اتفاق الأُمَّة، إلا من شَذَّ ممّن لا يُعوَّل على خلافة؛ كالجهم بن صفوان , وأبي الهذيل العَلَاّف. يقول الإمام ابن حزم ﵀: (اتفقت الأمة كُلّها بَرُّها وفاجرُها؛ حاشا جهم بن صفوان السمرقندي , وأبي الهذيل محمد بن الهذيل العَلاّف العبدي البصري؛ على أن الجنة لا فناء لنعيمها، والنار لا فناء لعذابها، وأن أهلها خالدون أبدَ الأبد فيها لا إلى نهاية) (١). وقال الإمام أَبو زكريا السَّلماسي ﵀: (وأَجمعوا أَنَّ نعيم الجَنَّة لا يبيد ولا يفنى، وأَهلها لا يموتون، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ التوبة: ١٠٠) (٢). وقال ابن القطان: (وأجمعوا على أنهما لا يبيدان، ولا يفنيان وأجمعوا على أن أهل الجنة خالدون فيها أبدًا، خلودًا لا انقطاع له، ولا انقضاء) (٣).

стр. 570

وهذا الاتفاق مُقَامٌ على دلائل من الكتاب والسنة , فأمَّا السُّنة فقد تقدم إيراد بعضها , وأما الكتاب , فمن ذلك: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ هود. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (٥٧)﴾ النساء. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ النساء وقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩)﴾ النساء. وقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الرعد: ٣٥ وقوله ﵎: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ ص. وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ النحل: ٩٦ وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ النساء: ٥٦. وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ الإسراء: ٩٧ وقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ فاطر: ٣٦ وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ البقرة. وقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ السجدة: ٢٠ وقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ المائدة.

стр. 571

إلى غير هذه الآيات الدالة على أَبديَّة الخلود في الدَّارين لأهلها، وعدم فنائهما (١)؛ إمّا بمنطوقها، أو بمفهومها. وأمَّا مَن منَع بقاء الجنة والنار ودوامهما , فقد اعترض بما يلي: الأول: امتناع ما لا يتناهى من الحوادث: وقد ذهب إلى ذلك الجهم بن صفوان؛ حيث قال بفناء الجنة والنار , واستحالة بقائهما. ومنشأ هذه الإحالة لِما استقرّ عند الجهم ومن جاء بعده من المتكلمين امتناع حوادثَ لا أوّل لها؛ لتثبيت القول بحدوث الأجسام، وأنّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث , وإبطال القول بقدم العالم = طَرَد الجهم بن صفوان الدليل , فقال بامتناع ما لا يتناهى من الحوادث. وهذا الدَّليلُ البدعي اسْتَولَدَ صنوفًا من التعطيل لما تدل عليه كثير من النصوص , وكذا التعطيل لأفعال الرب تعالى. وليس الغَرضُ في هذا المبحث الاسترسال في شرح دليل الحدوث، ومقدماته ولوازمه؛ إذْ باب الأسماء والصفات أَلْيَقُ بمثل ذلك , وإنّما الغَرضُ ضبْطُ أصل الجهم في نَفْيهِ لأبديّةِ الجنةِ والنَّار. فالجهم بن صفوان طَرَد دليلَه في امتناع ما لا يتناهى من الحوادث في الماضي والمستقبل؛ فكما أنه يستحيل عند الجهم ومن وافقه - من متكلمي المعتزلة الكلابية والأشاعرة والماتريدية - وجود حوادث لا أوّل لها في الماضي؛ كذلك يمتنع عنده وجود حوادث لا آخر لها في المستقبل. فالله - تعالى عما يقول الظالمون - كان معطَّلًا عن الفعل وعن الكلام بمشيئته وقدرته؛ إذ كان ممتنعًا في الماضي ثم صار ممكّنًا , وكذا فيما يتعلق بالمستقبل، فالفعل منه يصبح ممتنعًا. وكذا نعيم الجنة وعذاب

стр. 572

النار يصيران إلى الفناء. ووجه ذلك: أنّ كُلًا من نعيم الجنة وعذاب النار مخلوق , وكل مخلوق - على أصله - له بداية , وكل ما له بداية فله نهاية = فنتيجة تلك المقدمات أن الجنة والنَّار لهما نهاية تفنيان بعدها. ثم جاء أبو الهذيل العَلَاّف (١) فوافق «الجهم» على أصله؛ إلا أنه لم يوافقه في جميع لوازمه؛ بل كان هذا الأصل وهو امتناع ما لا يتناهى من الحوادث - يقتضي عنده فناء الحركات لكونها متعاقبة - شيئا بعد شيء. وعلى هذا؛ فحركاتُ أَهل الجنة والنار آيلة إلى الفناء حتى يصيروا في سكون دائم (٢) . وفي تقرير مذهب أبي الهذيل , يقول ابن الخياط: (وأبو الهذيل كان يزعم أَن أكلَ أهل الجنة وشربَهم، وجِماعَهم , وتزاوُرَهم , وجميعَ لَذَّاتِهم باقية مجتمعة فيهم؛ لا تفنى ولا تنقضي , ولا تزول ولا تبيد. وإنما هذا الذي حكاه صاحب الكتاب [يعني ابن الراوندي] قولُ جهم؛ لأنَّ جهمًا كان يزعم أن الله يُفني الجنة والنار وما فيهما، ويبقى وحده ... ) (٣) . وقول أبي الهذيل: (إنّ أكلَ أهل الجنة وشربَهم و ... باقية مجتمعه فيهم) مؤدَّاه: نفي حركات أهل الخُلد. ثم يُورد ابن الخياط عن ابن الرواندي عمدةَ كلٍّ من الجهم وأبي الهذيل فيما ذهبوا إليه، فيقول: (قال الماجن. فقيل له: ولِمَ قلت ذلك؟ وما برهانك عليه؟ قال: فأجابَ بأنَّه لو جاز أن يستأنف شيئًا بعد شيء لا إلى آخر؛

стр. 573

لم يمتنع مُضيّ شيء قبل شيء؛ لا إلى أوَّل =ولو جاز هذا لم يكن لنا فيما زعم سبيل إلى تثبيت حدوث الجسم، ويلزمنا نَفْي مُحْدِثِهِ بِنَفْيِنَا حَدَثَه إذ كان لا يعرف حِسًّا , وإنما يُعرف بأفعاله) (١) . وقد اضطرب موقف بعض المتكلمين في هذه المسألة؛ فمع موافقتهم للأصل الذي انطلق منه الجهم، وهو امتناع حوادث لا نهاية لها؛ إلَاّ أنهم منعوا من طرد الدليل في المستقبل، ولهم في هذه المسألة موقفان: الموقف الأَوَّل: من رأى أنَّ القياس يقتضي عدم التفريق بين منع تسلسل الحوادث في الماضي، وتسلسلها في المستقبل؛ إلَاّ أن ورود السَّمع بجوازه في المستقبل يوجب الامتناع عن طرد مقتضى هذا القياس!! وممَّن قال بهذا القول: «ابن الزَّاغوني» من متكلمة الحنابلة؛ حيث يقول: (والجواب [أي على شبهة الجهم: أنّ كل مخلوق لا محالة له بداية ونهاية]: أن القياس يقتضي ذلك؛ لكن تركناه بالنصوص المقطوع بصحتها الواردة في القرآن) (٢) . الموقفُ الثَّاني: وهو ما عليه جماهير المُتكلِّمين =فقد تناقضوا في هذه القضيَّة؛ فمع تسليمهم لأصل الدليل؛ إلا أنّهم فرّقوا بين الماضي والمستقبل بتفريق عليل , فقالوا: إن الماضي دخل في الوجود بخلاف المستقبل، والذي يمتنع هو دخول ما لا يتناهى في الوجود , لا تقدير دخوله شيئًا بعد شيء (٣) .

стр. 574

وفي بيان قولهم يقول الإسكافي (١): (في إيجاب أن حركةً قبل حركةٍ لا إلى أوَّل إيجابٌ: أن الفاعل لم يسبق فعله، ولم يكن قبله؛ وهذا مُحالٌ , وليس في إيجاب أن فِعْلَ بعد فعلٍ لا إلى آخر، إيجابٌ أن الفاعل لم يتقدم فِعْله، ولم يكن قبله) (٢) . أي: أن في القول بحوادث لا أوَّل لها؛ يلزم منه قِدَمُ العالم مع الله ﵎، بخلاف القول بحوادث لا آخر لها. ويقول الجويني؛ إجابةً على اعتراض من اعترض بأنَّه: إذا لم يبعُد إثبات حوادث لا آخر لها كما ثبت ذلك في نعيم الجنة، لم يبعد إثبات حوادث لا أوَّل لها: (قلنا: المستحيلُ أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادًا على التوالي , وليس في توقّع الوجود في الاستقبال والمآل قضاءٌ بوجود ما لا يتناهى ... وضرب المُحصّلون مثالين في الوجهين , فقالوا: مثال إثبات حوادث لا أوَّل لها: قول القائل لمن يخاطبه: لا أُعطيك درهمًا إلا وأعطيك قبله دينارًا , ولا أُعطيك دينارًا إلَاّ وأعطيك قبله درهمًا. فلا يتصور أن يُعطى على حكم شرطه دينارًا، ولا درهمًا. ومثال ما ألزمونا: أن يقول قائل: لا أعطيك دينارًا إلا وأعطيك بعده درهمًا , ولا أعطيك درهمًا إلَاّ وأعطيك بعده دينارًا. فيتصور منه أن يجري على حكم ... الشرط) (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيميه ﵀ في تحرير قول المتكلمين: (والأكثرون الذين وافقوا جَهْمًا , وأبا الهذيل على أصلهما , فرّقوا بين

стр. 575

الماضي والمستقبل من جهة العقل؛ بأنَّ الماضي قد دخل في الوجود بخلاف المستقبل. والممتنع إنما هو أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى) (١) . ومما أورده المخالفون على بقاء عذاب النار خصوصًا =أن دوام الإحراق مع بقاء الحياة خروج عن مناهج العقل. وقد أورد هذا الاعتراض صاحبُ المواقف , ولم يُسمِّ صاحبه (٢) وممَّا أوردوه على خصوص حديث ذبح الموت، أنّ الموت عَرَضٌ، فكيف يُذبح؟ وفي تقرير ذلك يقول القرطبي ﵀ في تَوْجيه الحديث: (ومُحالٌ أن الموتَ ينقلِبُ كبشًا؛ لأن الموت عَرَضٌ، وإنّما المعنى: أن الله يخلق شخصًا يسمّيه الموت، فيُذبَح بين الجنة والنار) (٣) . ولم يقف التحريف عند هذا الحديث فحسب؛ إذْ لو كان كذلك لهان الأمر، ولَعُدّت " سَقْطَةً " تُطوَى ولا تُذْكَر؛ بل إن القرطبي في هذا الموضع يؤسس قانونًا كُلِّيًا لكلّ ما يَرِدُ من النصوص التي تدل بأنّ العرض يمكن أن يُعامَل في الآخرة معاملة الجواهر والأجسام؛ فيقول بعد ذلك: (وهكذا كلّما (٤) ورد عليك في هذا الباب: التأويلُ فيه ما ذكرتُ لك. والله أعلم!!) (٥) . ومن قبله يقول الغزاليّ - بعد أن رَسم للناظر في النصوص درجاتٍ للتأويل، وما يسوغ فيه التأويل، وما لا يسوغ -: (وأمّا الوجود الحسّي فأمثلته في التأويلاتِ كثيرةٌ. واقْنَعْ منها بمثالَيْنِ:

стр. 576

أحدُهما: قول رسول الله ﷺ : (يُؤْتى بالموت يوم القيامة في صورة كبش ... ) فإنّ مَنْ قام عنده البرهان على أن الموت عَرَضٌ أو عدم عَرَضٍ، وأن قلب العرض جسمًا مستحيل غير مقدورٍ = يُنزَّلُ الخبرُ (١) على أن أهل القيامة يشاهدون ذلك، ويعتقدون أنّه الموت، ويكون ذلك موجودًا في حسّهم، لافي الخارج، ويكون سببًا لحصول اليقين باليأس عن الموت بعد ذلك؛ إذْ المذبوح ميئوسٌ منه .. (٢) ومن يقم عنده هذا البرهان، فعساه يعتقد أن نفس الموت ينقلب كبشًا في ذاته ويُذبَح) (٣) . ويقول المَازِري: (الموتُ عندنا عَرَضٌ من الأعراض، وعند المعتزلة عَدَمٌ مَحْضٌ. وعلى المذهبين لا يصحّ أن يكون كبشًا ولا جسمًا: والمراد التمثيل، ... والتشبيه) (٤) . وقد نحا هذا المنحى في الاستبعاد والإحالة من المعاصرين: الدكتور يوسف القرضاوي؛ فبعد أن نقل إنكار العلاّمة أحمد شاكر ﵀ على ابن العربي في تأويل الحديث، وأن القضايا الغيبية لا تدركها العقول؛ لعجزها، وقصورها، وأن مسْلك الشيخ أحمد شاكر يقوم على " منطق قوي ومقنِع " (٥) =حاد - هداه الله - عن الجادّة، وعاد إلى نُصرة طريقة المؤولين لهذه النصوص فقال: (وكلام الشيخ ﵀[يعني: أحمد شاكر] قويّ ومُقنِعٌ = ولكنه في هذا المقام خاصّةً غير مُسَلَّم، والفرار من التأويل هنا لا مبرّر له، فمن المعلوم المتيقّن الذي اتفق عليه العقل

стр. 577

والنقل: أنّ الموت الذي هو مفارقة الإنسان للحياة ليس كبشًا، ولا ثورًا، ولا حيوانًا من الحيوانات؛ بل هو معنىً من المعاني، أو كما عبّر القدماء عرَضٌ من الأعراض. والمعاني لا تنقلِبُ أجسامًا ولا حيواناتٍ؛ إلاّ من باب التمثيل والتصوّر الذي يجسّم المعاني والمعقولات. وهذا هو الأليق بمخاطبة العقل المعاصر. والله أعلم) (١) .

стр. 578

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على بقاء الجنة والنار: ومجمل القول في نقض دعوى الجهم، وأبي الهذيل في دعواهما: بامتناع وجود حوادث لا تتناهى في المستقبل؛ بأن يقال: ١ - إنّ هذه الدعوى قول مبتدَع، لم يشهد له نَصٌّ من كتاب أو سنة , ولم يُعرف القول به عند الصحابة رضوان الله عليهم , ولا عند التابعين (١). فكيف تُجعَل المحدثات ميزانًا توزن به الحقائق الشرعية؟!. ٢ - إنَّ هذا القول الذي نَصَرهُ الجهم تشبّث به من جاء بعدُ؛ إنما جاء ليكون دعامة لتوطيد أصلهم بأن: " ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث "؛ إذْ الدليل هو الطريق الوحيد عند المتكلمين للبرهنة على حَدَثِ العالم؛ ومِنْ ثَمَّ إثبات قِدَمِ الصانع. وهذا الدليل مع خفاء مقدماته، وصعوبته ووعورته على كثير من النظّار؛ فضلًا عن غيرهم = لا حاجة لأهل الإيمان إليه؛ لأنّ الضرورة تدرك أن أعيان المحدثات لا بُدَّ لها من مُحْدِث , وأن هذه المحدثات تفتقر إلى ربٍّ غني لذاته، مستغنٍ عن غيره , متّصِفٍ بالكمال (٢). فإذا انضاف إلى هذه الضرورة، الدلائل الشرعية المتضمنة للبراهين العقلية والتي تُبِينُ أنَّ كلَّ ما سوى الله حادث = أغنت تلك البراهين عن مثل هذه الطريقة البدعية، التي تخلو عن البرهان، ولا تُفْضي في الوقت نفسه إلى يقين. ٣ - أنه لا يلزم من القول بوجود ما لا يتناهى من الحوادث أن يكون كل فردٍ من تلك الحوادث قديمًا؛ فإن الغَلَط دخل على هؤلاء

стр. 579

المتكلمين حين ظنوا التسوية بين حكم المجموع وحكم الفرد، وأن الحكم المعطى للفرد يلزم منه إعطاؤه للجملة؛ في حين أنه لا يلزم مطلقًا أن الحكم الذي يوصف به الفرد يوصف به الجملة , فإذا وصف كل فَرْدٍ من الأفراد المتعاقبة بفناءٍ أو حدوث = لم يلزم أن يكون هذا الوصف منطبقًا على المجموع والنوع؛ بأن يلحقه فناء أو حدوث. حاصل هذا: أنَّ (النص والعقل دلّ على أن كل ما سوى الله تعالى مخلوق حادث؛ كائن بعد أن لم يكن. ولكن لا يلزم من حدوث كل فردٍ فرد، مع كون الحوادث متعاقبة = حدوثُ النوع. فلا يلزم من ذلك أنّه لم يزل الفاعل المتكلم معطّلًا عن الفعل والكلام، ثم حدث ذلك بلا سبب. كما لم يلزم مثل ذلك في المستقبل؛ فإن كل فردٍ فرد من المستقبلات المنقضية فانٍ , وليس النوع فانيًا؛ كما قال تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ الرعد: ٣٥ وقال: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ ص: ٥٤. فالدائم الذي لا ينفد - أي: لا ينقضي - هو النوع؛ وإلاّ فكلُّ فردٍ من أفراده نافدٌ مُنْقَضٍ، ليس بدائم) (١). ٤ - أن القول بامتناع حوادث لا تتناهى = يلزم منه لوازم باطلة؛ من أَعظمها تعجيز الرَّبِّ ﵎. فإن الجهم بن صفوان يرى أن الفعل كان ممتنعًا على الله تعالى، ثم صار ممكنًا. وفساد هذا اللازم يدل على فساد ملزومه - بلا شكّ -؛ لذا فإن الجهم بن صفوان ومن تابعه على أصله من المتكلمين أرادوا بتقريرهم لامتناع حوادث لا تتناهى الردَّ على الفلاسفة القائلين بقِدَمِ العالم؛ في حين أن الفلاسفة اتخذوا من فساد قول هؤلاء ذريعة للشَّغَب عليهم , والتمسك بقولهم في قِدَم العالم؛ ذلك أنّه من المُحال أن يكون الشيءُ ممتنعًا لذاته في وقت ثم يكون

стр. 580

ممكنًا لذاته في وقتٍ آخر؛ دون سبب حادثٍ تعلق به فجعله ممكنًا. لذا يقول الفيلسوف ابن رشد الحفيد - مُفوِّقًا سهامه لهذا القول -: (إذا فرضنا أن العالم مُحْدَثٌ لزم - كما يقولون - أن يكون له - ولا بُدَّ - فاعل مُحْدِث. ولكن يَعْرضُ في وجود هذا المحدث شكٌّ؛ ليس في قوة صناعة الكلام الانفصال عنه , وذلك أن هذا المُحْدِث لسنا نقدر أن نجعله أزليًا , ولا محدثًا. أما كونه محدثًا؛ فلأنه يفتقر إلى مُحْدِث , وذلك المُحدِث إلى محدث، ويمر الأمر إلى غير نهاية , وذلك مستحيل. وأمَّا كونه أزليًا؛ فإنه يجب أن يكون فعله بالمفعولات أزليًا , فتكون المفعولات أزلية , والحادث يجب أن يكون وجوده متعلقًا بفعل حادث. اللهم إلَاّ لو سلموا أنه يوجد فعل حادث عن فاعل قديم , فإن المفعول لا بد أن يتعلق به فعل الفاعل , وهم لا يسلمون ذلك؛ فإن من أُصولهم أنّ المقارن للحوادث حادث. وأيضًا: إن كان الفاعِلُ حينًا يفعل، وحينًا لا يفعل = وجب أن تكون هنالك علة صيَّرته بإحدى الحالتين أولى منه بالأخرى , فَيُسأل أيضًا في تلك العلة مثلُ هذا السؤال, وفي عِلّة العِلّة , فيمر الأمر إلى غير نهاية. وما يقوله المتكلمون في جواب هذا , من أن الفعل الحادث كان بإرادة قديمة , ليس بمُنجٍ و مُخلِّص من هذا الشك؛ لأن الإرادة غير الفعل المتعلق بالمفعول , وإذا كان المفعول حادثًا فواجب أن يكون الفعل المتعلق بإيجاده حادثًا ... ) (١) . وما ذكره ابن رشد مُلزِمٌ للمُتكلمين , وإن كان ما يَرْمي إليه ابن رشد من إلزامه أشنع مما يقصده المتكلمون؛ فإنَّ ابن رشد يتوخَّى إثبات قِدَم

стр. 581

العالم , والمتكلمون مع خطأ دليلهم؛ إلَاّ إنّهم راموا من دليلهم هذا حقًا. ومع هذا؛ فإنّه يُقال للقائلين بأن الفعل كان ممتنعًا على الله لذاته ثم صار ممكنًا لذاته: لا يخلو الحال في الوقت الذي انقلب فيه الفِعلُ من الامتناع الذاتي إلى الإمكان الذاتي من أمرين: - إمّا أن يَصحّ أن يُفْرَض قبل هذا الوقت وقتٌ يُمْكن فيه الفعل، أو لا. فإن منعوا؛ فهذا تحكُّمٌ بلا برهان. وإن أجازوا = لزمهم أن يطردوا هذا الإمكان في الوقت الذي قبله أيضًا لا إلى نهاية (١) . فإذا صَحَّ جواز حوادث لا نهاية لها = بطل المنع من وجود حوادث لا نهاية لها في المستقبل. - وإمَّا تفريق كثير من أهل الكلام بين الماضي والمستقبل؛ بأنّ الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل. ففاسد، ذلك أن الماضي والمستقبل أمران إضافيان نِسبيّان؛ فما من مستقبل إلا سيفنى ويصير ماضيًا، وما من ماضٍ إلا كان مستقبلًا. فليس ما ذكروه من الفرق يعود إلى صفات كُلٍّ منهما حتى يمكن القول بأن أحدهما ممكن والآخر ممتنع. فما يقع في الوجود من الحركات هو المتناهي، ثم يعدم فيصير ماضيًا؛ كما أنه كان معدومًا لما كان مستقبلًا (فوجوده بين عدمين , وكلما انقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى , فالذي صار ماضيًا هو بعينه الذي كان مستقبلًا , فإن دَلَّ الدليل على امتناع ما لا يتناهى شيئًا قبل شيء = فهو بعينه دالٌّ على امتناعه شيئًا بعد شيء) (٢) . وما ضربه الجويني وغيره من النُّظَّار من المثال، للتفريق بين

стр. 582

الماضي والمستقبل = ليس عندالتحقيق بمطابق لما يقع من التسلسل؛ إذ قول القائل: " لا أعطيك درهمًا إلا وأعطيك قبله درهمًا " ليس بمثالٍ صالحٍ لما قرره السلف من جواز وجود حوادث لا أوَّل لها. وبيان ذلك: أن قول القائل: لا أُعطيك إلا وأعطيك نَفْيٌ للمستقبل؛ حتى يحصل مثله في المستقبل، ويكون قبله , وهذا ممتنع. هذا من جهة. ومن جهة أخرى؛ إنّ العطاء المُسْتقبل، ابتداءوه من المعطي , والمستقبل الذي له ابتداء وانتهاء = مُحَالٌ أن يكون لا نهاية له؛ إذْ كيف يصح وجود ما لا يتناهى فيما يتناهى؟ (١). لذا كانت الموازنة العادلة أن يقال - تمثيلًا لما لا يتناهى في الماضي -: لا أعطيك درهماً إلا أعطيتك قبله درهمًا. فيكون ماضيًا قبله ماضٍ؛ وهذا ممكن ليس بممتنع , كما أنه لا يمتنع وجود مستقبل بعد مستقبل إلى ما لا نهاية. وأمًّا زعم ابن الزغواني أن القياس والعقل يصحح منع وجود حوادث لا تتناهى في المستقبل - كما هو الشأن في الماضي -؛ فهو زَعمٌ فاسد مبني على اعتقادهم جواز أنْ يَرِدَ السمع بخلاف ما تُقرّره الضرورة العقلية. وفساد ما زَعَم قد تَجلَّى فيما سبق بيانه من فساد الأصل الذي قاس عليه من جهة الدلائل النقلية والعقلية. نقض دعوى أن دوام الإحراق مع بقاء الحياة فهو خروج عن مناهج العقول: يقال: قد تقدم مِرارًا أَن الآخرة وأحوالها وكيفياتها تَجْرى على خلاف ما يشهده العباد في الدَّنيا = غيب يجب الإيمان به. وذا يحتمه

стр. 583

العقل المهْدي، الذي يعلم قصوره عن الإحاطة بكل شيء. ثم لا يخلو حال هذا المعترض من حالتين: - إِمَّا أن يكون مؤمنًا بقدرة الرب ﵎ على كل شيءٍ. أو لا. فإن كان مقرًّا مؤمنًا؛ فلن يعجز عن تصور وقوع الإحراق لأَجساد المعذبين مع بقاء الحياة وعدم انتفائها؛ فالذي خلق الأجساد في الدنيا، وجعل حياة تلك الأجساد تزول بانعدام البنية = قادر على أن يبقي حياتها في تلك الدار مع استمرار العذاب والإحراق وبقائه. ونظير هذا الاعتراض: ما سئل عنه المصطفى ﷺ ؛ حيث قال له رجل: يا رسول الله , كيف يُحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال: (أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا على أن يُمشيه على وجهه يوم القيامة؟!) (١) . ولست مندفعًا إلى ذكر أمثلة هي من هذه القبيل؛ فكثير من أحوال الآخرة الإيمان بها مُناط بالإيمان بكمال قدرة الرب تعالى. ومن ضاقت حوصلته عن ذلك؛ فالحديث معه يتجه إلى تقرير دلائل كمال قدرة الرب ﵎ , ثم في متعلقاتها. ثُمَّ يُقال: إنَّ الحياةَ معنىً، والأَلَم والعذاب والإحراق مَعَانٍ غيره =فبقاءُ هذه المعاني مع انتفاء الحياة ليس مناقضًا لمقتضى العقل، كما أنَّ انتفاء هذه المعاني مع بقاء الحياة ليس خارجًا أيضًا عن ضرورة العقل، ذلك أنَّ كُلَّ غَيْرَين لابد أن يصحَّ من بعض الوجوه وجود أحدهما مع عدم الآخر؛ وإلَاّ انتفت الغيرية والَّتبس حالُهما بحال المعنى الواحد.

стр. 584

يقول الإمام ابن جرير ﵀: ( .. ذلك أنَّ الحياة معنى، والآلام واللَّذاتِ والمعلوم (١) معانٍ غيره. وغيرُ مُسْتحِيلٍ وجود الحياةِ مع فَقْدِ هذه المَعاني، و وجُودُ هذه المَعاني مع فَقدِ الحياة =لافرقَ بين ذلكَ) (٢) . وأَمَّا الجواب عن دعوى استحالة ذبح الموت لكونه عرَضًا فقد سَبَق في مبحث الميزان بيان فساد القول بامتناع وزن الأعراض أو ذبحها وأنّ التسليم بدلالة هذه النصوص وفهْمها على وفق سنن المعهود من الخطاب في زمن التشريع = هو عند التحقيق المسلكُ المأمون الموافق للعقل، المهْدِي بهداية الوحي. وما ذهب إليه عددٌ من أهل السُّنّة كالإمام ابن القيّم ﵀: أنّ الله يقلب الموت كبشًا ليُذبح، وأنّ الله قادرٌ على ذلك بإنشائه من العرض جسمًا في صورة الكبش لا أن الذبح واقع على الموت نفسه. مُقرِّرًا ذلك بقوله ﵀: (وهذا الكبشُ، والإضجاعُ، والذبحُ، ومعاينةُ الفريقين ذلك = حقيقةٌ لا خيال، ولا تمثيل؛ كما أخطأ فيه بعضُ الناس خطًا قبيحا، وقال: الموتُ عرض، والعرض لا يتجسَّمُ؛ فضلًا عنْ أنْ يُذْبَحَ. وهذا لا يصحّ؛ فإنّ الله سبحانه ينشئ من الموتِ صورةَ كبشٍ يُذْبَحُ، كما يُنْشِئُ من الأعمال صُورًا مُعايَنَةً؛ يُثابُ بها، ويُعاقَب. والله تعالى ينشئُ من الأعراض أجسامًا تكونُ الأعراضُ مادّةً لها، وينشئُ من الأجسام أعراضا، كما يُنشئ من الأعراض أعراضًا، ومن الأجسام أجسامًا. فالأقسام الأربعة ممكنةٌ مقدورَةٌ للرب تعالى، ولا يستلزمُ جمعًا بين النقيضين، ولا شيئًا من المُحال. ولا حاجةَ إلى تَكَلُّفِ مَنْ قال: إنّ الذبح لملك الموت = فهذا كلُّه من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله،

стр. 585

والتأويلِ الباطل الذي لا يوجبه عقلٌ، و لا نقْلٌ. وسببُه: قِلّةُ الفهْم لمراد الرسول ﷺ مِن كلامِه. فَظَنّ هذا القائلُ: أنّ لفظ الحديث يدلّ على أنّ نَفسَ العرض يُذْبَحُ. وظنّ غالِطٌ آخَرُ: أنّ العرض يُعْدَمُ، ويزولُ، ويصيرُ مكانَهُ جِسْمٌ يُذْبَحُ. ولم يَهْتدِ الفريقانِ إلى هذا القولِ الذي ذكرناه، وأنّ الله ينشئُ من الأعراض أجسامًا، ويجعلُها مادّةً لها .. ) (١) . فيُقال: ما ذهب إليه ابن القيم ومن وافقه من الأئمّة قائم على اعتقاد دخول ذلك -أعني الذبح للموت - في حيِّز الممتنع لذاته، ودعوى الامتناع تفتقِر إلى سَنَدٍ علميٍّ يصحّحها. وقد تقدَّم أنَّه لا امتناع، والوقوف على مَورد النَّصِ أَسلم وأحكم.

стр. 586

الباب الرابع دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأَحاديث المُتعلِّقة بالقدَر وفيه فَصل واحد: - وهو: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بالقدَر.

стр. 587

فصل دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقة بالقدر وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث: (احتجّ آدم وموسى ﵉. - المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم). - المبحث الثالث: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث: (لا يُدخل أحدًا الجنَّة عملُه).

стр. 588

المبحث الأوَّل دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (احتج آدم وموسى) وفيه ثلاثة مطالب: المطلب لأول: سوق حديث (احتج آدم وموسى ﵉ المدعى معارضة العقل له. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث (احتجَّ آدم وموسى ﵉. المطلب الثَّالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (احتجَّ آدم وموسى ﵉.

стр. 589

المطلب الأوَّل: سوق حديث (احتج آدم وموسى) عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (احتجّ آدم وموسى. فقال موسى: يا آدمُ، أنت أبونا، خيّبتنا (١)، وأخرجتنا من الجنة. قال له آدم: يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخَطَّ لك بيده: أتلومني على أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللهُ عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة (٢)؟! فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى -ثلاثًا-) متفق عليه (٣)

стр. 590

وفي لفظٍ لمسلم (١) تفرّد به: قال رسول الله ﷺ : (احتج آدم وموسى ﵉ عند ربهما. فحج آدم موسى، قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأَسْجَد لك ملائكته، وأسكنك في جنّتِهِ = ثُمَّ أَهبطت النَّاسَ بخطيئتك إلى الأرض. فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيًا، فبكم وجدتَ اللهَ كَتبَ التوراة قبل أن أُخلَق؟ قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ طه: ١٢١؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أنْ عملت عملًا كتبه الله عليَّ أن أَعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنةً) قال رسول الله ﷺ : (فحَجَّ آدمُ موسى) . * ** تمهيد: يتحرّر القول في هذا الحديث في نَظَرين: النَّظَر الأول: في صحّة الحديث، وبلوغه حد التواتر. النظر الثَّاني: في جريان ظاهره على مقتضى الأصول، وعدم مخالفته لها. وضبطُ القولِ في النَّظرِ الأولِ، بأن يقال: اتفق أَهل السنة والجماعة على صحة الحديث، وأنه لا مطعن فيه؛ لا من جهة إسناده، ولا من جهة متنه. وبارتقائه إلى درجة التواتر وإِفادةِ العلم= ينحسم الخوض في صحته. وفي تقرير الصحّة يقول الإمام الدارمي ﵀: ( .. وهذه أَحاديث صِحَاح ثابتةٌ لا مَدْفع لها، ولهذا الحديث طُرُقٌ عن أبي هريرة.) (٢) .

стр. 591

وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: (وهذا حديث صحيح ثابت من جهة الإسناد، لا يختلف في ثبوته جماعةٌ من التابعين، وروي عن النبي ﷺ من وجوه أخرى من رواية الثقات الأئمة الأثبات) (١) . وممن نصَّ على بلوغه مبلغ التواتر الإمامُ ابن كثير ﵀، فقال: (ومن كذَّب بهذا الحديث فمعانِد؛ لأنه متواتر عن أبي هريرة ﵁. وناهيك به عدالةً، وحفظًا، وإتقانًا. ثم هو مرويٌّ عن غيره من الصحابة .. ) (٢) . وأَمَّا النَّظرُ الثَّاني: فإنَّ الحديثَ جارٍ على مقتضى الأُصُول الشرعية، ليس مخالفًا لشيءٍ منها؛ حتى قال الإمام ابن عبد البر ﵀: (هذا الحديث من أَوضح ما رُوِيَ عن النبي ﷺ في إثبات القدر ودفع قول القدرية) (٣) . ووجه ما ذكره الحافظ ابن عبد البر ﵀: أنّ هذا الحديثَ قد انتظم معاقد الإيمان بالقدر، بدلالة المنطوق، والمفهوم. فأما دلالته على هذه المعاقد بالمنطوق: فمن جهة أنه وقع التنصيص في الحديث على كتابة الله السابقة لمعصية آدم ﵇، ولِمَا ترتّب عليها من مصيبة الإخراج. والمدلول عليه من هذه الأصول بدلالة المفهوم: تحقُّق العلمِ السَّابِق للكتابة. وأيضًا؛ فإن في لَوْم موسى لآدم ﵉ ما يُشعِر بدلالة المفهوم على الأمور التالية: الأول: خلْقُ الله لهذه المعصية، ولِما انبنى عليها بعد ذلك من الإخراج. ولازم هذا الخلق، هو:

стр. 592

الثاني: سبْق المشيئة له؛ إذ المشيئة تَسْبق الخلقَ، ولا خلق بلا مشيئة تستلزمها. وكما أن الخلق يستلزم المشيئة، فإن المشيئة تستلزم: الثالث: سبْق العلم بها؛ إذ يستحيل إيجاده -جل وعلا- للأشياء مع الجهل؛ لأن إيجاد الأشياء بإرادة الرب ﵎. وهذه الإرادة تستلزم تصوُّر المراد، فالإرادة مستلزمة للعلم قطعًا. الأمر الرابع: إثبات أن للعبد فعلًا اختياريًا ينسب إليه، ووجه هذا اللزوم، أنه لا معنى من لوم موسى لآدم ﵉ على عَمَلٍ لا اختيار له فيه، ولم يَجْرِ احتجاجه ﵇ بالقدَر لينفي اختياره؛ إذ لو كان كذلك للزم أيضًا أن يكون احتجاجه هو أيضًا لا اختيار له فيه؛ فلا تقوم الحجة إذَنْ. وسيأتي بيان فساد من فَهِم هذا الحديث على خلاف ظاهره. والمقصود: أنَّ هذا الحديث، هو كما قال الإمام ابن عبد البر ﵀. متضمِّنٌ لمراتب الإيمان بالقدر التي انعقد إجماع أهل السنة عليه. وخلاصتها: المرتبة الأولى: إثباتُ عِلمِ الله تعالى المُحيطِ بكل شيء، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الملك: ١٤. وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩) وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ الأنعام: ٥٩ - ٦٠. المرتبة الثانية: إثبات أن الله كَتب كلّ ما يكون من حين خلق القلم حتى قيام الساعة وأحصاه؛ فلا يخرج شيء عما كتبه. ومن الدلائل القرآنية على إثبات هذا الأصل: قول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ الحديد: ٢٢.

стр. 593

فهذان الأصلان لم ينازع فيهما أحدٌ من أهل القبلة؛ إلَّا طائفتان القدَرية الغلاة والفلاسفة، فأما القدرية الغلاة فإنهم أنكروه وزعموا أنَّ الأمر أُنُف - أي: مستأنف لم يجر به قَدَر سابق من الله ؛ لذا تبرأ منهم ابن عمر ﵁، كما ثبت ذلك عنه في الصحيح (١) . وقد نَصّ الأئمة كالشافعي وأحمد على تكفير من أنكرهما (٢) . وأَمَّا الفلاسفةُ فقد ذهب طائفة منهم كـ"ابن سينا" إلى أنَّ الله تعالى لا يعلم الكُليَّات والجُزئيات، إلاّ على وجه كُلِّيٍّ يتقدَّس عن الزَّمان والدهر (٣) . المرتبة الثالثة: إِثبات المشيئة النافذة في خلقه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وجميع ما يقع من الحوادث فقد شاءه وأراده الله تعالى قدَرًا، ولم يُرِدْه شرعًا؛ لأن الإرادة الخَلْقية الكونية لا تستلزم رضا الرب ومحبته. ومن دلائل هذا الأصل: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ المائدة: ٤٨،وقوله ﵎: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ الكهف: ٢٣ - ٢٤،وقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ آل عمران: ٦ وقال ﵎: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ هود: ١٠٧ المرتبة الرابعة: إثبات خلق الرب ﵎، فهو الخالق وما سواه مخلوق. قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ الزمر: ٦٢ وقال ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ الفرقان: ٢

стр. 594

وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ القمر: ٤٩ (١) . وقد نازع في هذه المرتبة من القدريةِ؛ المعتزلة، فأنكروا عموم مشيئته وخلقه -كما سيأتي تحريره بإذن الله-. الأصل الخامس: إثبات أن للعبد مَشيئةً، وقُدرةً، وفعلًا تُنسب إليه حقيقتُه. وكل ذلك ليس خارجًا عن إرادة الله الكونية ومشيئته. ويتجلَّى هذا الأصل في أنواع الدلائل التي تضمنها القرآن الكريم. ومن تلك الأنواع: ١ - إسناد الفعل إليه. ومن أفراد هذا النوع: قول الرب ﵎: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ النحل. ٢ - إسناد العَمَل إليه. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)﴾ البقرة. ٣ - إسناد الإيمان إليه. ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾ الأعراف: ٥٢ وقال سبحانه ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ النحل. ٤ - إسناد الكفر إليه. ومن ذلك: قول الرب تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ آل عمران، وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ الفرقان.

стр. 595

٥ - إِسناد التقوى إليه. قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)﴾ الأنعام. ٦ - إسناد الصنع إليه. قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ المائدة: ٦٣ وأنواع الدَّلائل المثبِتة لهذا الأصل كثيرة، يَصْعُب تقصِّيها في هذا المقام؛ فضلًا عن الإلمام بآحادها. وبهذه الأصول نطق أهل السنة والجماعة، وانعقد إجماعهم. قال أبو الحسن الأشعري ﵀: (قد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهميَّة والمعتزلة والحرورية على أن لله علمًا لم يزَلْ .. وعِلْم الله سابق في الأشياء ... = فمن جَحَدَ أن لله علمًا؛ فقد خالف المسلمين، وخرج عن اتفاقهم) (١) . وقال ابن القطان: (وأجمعوا على أن الإقرار بالقدر مع الإيمان به واجب .. وأجمع المسلمون على قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وعلى قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ... وأجمعوا على أنه تعالى قدّر أفعال جميع الخلق، وآجالهم، وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثْبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم. وأجمعوا على أنه الخالق لجميع أفعال العباد، وأرزاقهم، والمنشئ لجميع الحوادث وحده؛ لا خالق لشيءٍ منها سواه) (٢) . وقال الإمام ابن تيمية ﵀: (وممّا اتفق عليه سَلَفُ الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر .. أن العباد لهم مشيئة وقُدرةٌ، يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله) (٣) .

стр. 596

فتبيّن بَعْدُ ما انطوى عليه حديث المحاجّة من الأصول العظيمة في هذا الباب التي قام الإجماع عليها؛ إلا أَنَّ هناك قَدْرًا من الحديث جالت فيه فهوم أهل العلم ﵏؛ وهو حقيقةُ ما وقع عليه لَوْم موسى، وحقيقةُ ما احتج به آدم ﵉. ومنشأ الخلافِ - والله أعلم - أَمران: الأوَّل: أنَّ سائرَ الرِّوايات وقع فيها ذكر خطيئة آدم الواقع في سياق لوم موسى ﵇ له. الآخر: أَنَّ في الرِّواية التي تفرّدَ بها مُسلمٌ، احتجاج آدم ﵇ بالقدر على الذنب. وحاصل هذه الأنظار تتمحور في ثلاثة أنظار: النظرُ الأوّل: أنّ موسى لامَ آدم ﵉ على الذّنْبِ. وأرباب هذا النظر تَشعّبت أقاويلهم في وجه غَلَبة آدم ﵇ بالحُجَّةِ، على أقوال: القول الأوَّل: أَنَّ آدم احتج بالقدر على الخطيئة، وهذا خاص به؛ لأَنَّ اللومَ حاصلٌ بعد التَّوبةِ، وقبولِها =فحَسُن من آدم هذا الاحتجاج، ولا يصح من غيره؛ لأنه لا يعلم أقُبِلت توبته أم لا = وهذا القول، ذهب إليه الإمام القنازعي، وتلميذه ابن عبد البر -رحمهما الله تعالى-. وفي تقرير هذا القول، يقول القنازعي: (وإنما صَحّت الحُجّةُ في هذه المسألة لآدم على موسى؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم ذنبه، وأما غيره من النَّاس فلا يحتج على معصية؛ بأن يقول: إن الله قد قدّرها عَليَّ؛ إذ لا يدري كيف ينجو منها في الآخرة .. فكلُّ مَنْ لم يَعْلم هل غُفِرَ ذنْبُهُ أم لم يغفر؟ لم تقم له حجة؛ بأن يقول: إنّ الله قد قدَّره عليَّ) (١) . فاللوم عند أصحاب هذا القول كان على نفس المعصية كما يبدو، فكان الاحتجاج بالقدر عليها.

стр. 597

القول الثاني: أَنَّ اللوم والمحاجّة كانا في غير دار التكليف، وهذا القول اختاره زكريا الأنصاري (١)، وأحد قَوْلَي ابن الملك (٢) . القول الثالث: أنَّ آدمَ غلبَ بالحُجَّةِ موسى ﵉؛ لأَنَّه أَبٌ وموسى ابنٌ = وليس للابن أن يلوم أباه. وهذا القول حكاه القرطبي، ولم يُسمِّ قائله. ونقله عنه الحافظ ابن حجر (٣) . القول الرَّابع: أنه إنما حَجَّه لأَنَّ الذَّنْبَ كان في شَريعةٍ واللوم في شريعة (٤) . النَّظَرُ الثَّاني: أنَّ لوم موسى لأبيه آدم ﵉ كان على مصيبة الإخراج لا على الذنب. وهذا القول نَصَرَه أبو محمد ابن حزم (٥)، واختاره أيضًا ابن تيمية، وابن كثير-رحمهما الله- (٦) . يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان ذلك: (الصواب في قصة آدم وموسى ﵁: أن موسى لم يَلُمْ آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ) (٧) . النَّظَر الثالث: تصحيح النَّظَرَين. أي = تصحيح جواز أن يكون لَوْمُ موسى ﵇ على المصيبة. ويمكن أن يكون اللوم متوجهًا على الذنب؛ لكونه سبب المصيبة. وهذا القول ذهب إليه ابن قيم الجوزية. فقد قال -بعد أن ساق جواب شيخ الإسلام-: (وقد يتوجّه جواب آخر؛ وهو: أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضرّ في موضع. فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته؛ كما

стр. 598

فعل آدم ﵇. فيكون في ذِكْر القدر إذْ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذَّاكرُ والسَّامِعُ؛ لأنَّه لا يدفع بالقدَر أمرًا ونهيًا، ولا يُبطل به شريعة؛ بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقُوَّةِ .. وأمَّا الموضعُ الذي يضرّ الاحتجاج به = ففي الحال، أو المستقبل؛ بأن يرتكب فِعْلًا مُحرَّمًا، أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته وإصراره، فَيبْطل بالاحتجاج به حقًا، ويرتكب باطلًا = ونكتة المسألة: أنَّ اللومَ إذا ارتفع؛ صَحَّ الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا؛ فالاحتجاجُ بالقَدَرِ باطلٌ) (١) . واختار هذا الجمع أيضًا الإمام ابن الوزير ﵀ (٢) . ولوم موسى ﵇ على الذنب لكونه سببًا لإخراج آدم والذرية من الجنة؛ لا أنّه لَوْمٌ على الذنب لِذاتِه؛ كما ذهب إليه أصحاب النَّظرِ الأوَّل. وهذا هو الفارق بين النظرتين. وخلاصة القول: أنّ النَّظر الثالث متضمن للنَّظرِ الثَّاني وزيادة، وكلاهما له ما يدل عليه. وأَمَّا النظر الأول فَمرْجوحٌ؛ ذلك أن موسى ﵇ لم يَنُطْ لَوْمَه بالذنب، ولم ينطق بذلك. فإناطة اللوم بذلك مع سكوت النص عنه دعوى لا دليل عليها. فإذا استبان لنا بطلان هذا الوجه من النظر = لزم من ذلك بطلان ما اندرج تحتها من أقوال. وزيادة في البيان، يقال: أما القول الأول: فلا يصح؛ لثلاثة أوجهٍ:

стр. 599

الوجه الأول: أن آدم ﵇ لم يَجْرِ على لسانه ذِكْر الذنب والتوبة منه، ولا جعل ذلك حجة على موسى ﵇. الوجه الثاني: عِلْمُ موسى ﵇ بالله وبدينه يحول دون لوم آدم ﵇ على ذنب قد أخبره الله تعالى أن فاعله تاب منه، وأنه اجتباه بعدُ، وهَداه. الوجه الثالث: ما سبق ذكره من كون ذلك يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه = وما كان كذلك؛ فيسقط الاعتداد به (١) . وأما القول الثاني: وهو أن اللوم والمحاجة كانا في غير دار التكليف .. الخ = فلا يَصحُّ أيضًا؛ لأن آدم لم يتطرق لذكر دار التكليف، فالله يلوم من استحق اللوم في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة (٢) . وأما القول الثالث: وهو أن آدم غلب بالحجة لكونه أبًا لموسى .. الخ فقول لا يصمد لسهام النقد، فإن حُجة الله يجب المصير إليها مع من كانت؛ سواءً مع الأب، أو الابن، أو غيره من الخلق (٣) . وأما القول الرابع: وهو أن آدم غَلَبه؛ لأَنَّ في شريعته أَنَّ المُخَالف يجوز له أن يحتج بسابق القدر .. الخ =فدعوى لا دليل عليها؛ إذ العِلمُ باختلاف ذلك في الشريعتين موقوف على النقل، ولا نقل = فبطل هذا القول. وبعد سَوْق أنظار أهل العلم في القدر المختلف فيه من الحديث = يتجلّى أنّهم مع اختلافهم في هذا القدر متفقون على أن حقيقة ظاهره لا تدل على تسويغ الاحتجاج بالقدر على المعايب، وإسقاط الملامة عمّن

стр. 600

أذنب؛ لأن ظاهره لا يدل على ذلك. في حين أن المخالفين لأهل السُّنة والجماعة من القدريَّة والجبرية فهموا من الحديث ما هو خلاف ظاهره الحقيقي، فتقاطعت فهومهم على أن الحديث يدل بظاهره على صحة الاحتجاج بالقدر على المعايب. وعلى هذا الاعتبار = يسقط اعتبار التكليف والمؤاخذة على الجُرْم. ومع تحقق الاتفاق في هذا القدر = إلا أنّ كلتا الفرقتين التزمت نقيض ما التزمته الفرقة الأخرى: فالتزمت المعتزلة ومن وافقها رَدّ الحديث والطعن في دلالته. وممن اشتهر عنه التصريح بالردِّ: أبو علي الجُبَّائي (١) . وأما الجبرية فلم أَظفر بنصٍّ يُبيِّن استدلالهم بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه من الاحتجاج بالقدر على فِعل المعاصي، وإسقاط الملامة. والذي نقله عنهم أصحاب المقالات وشرّاح الحديث؛ هو: نِسبةُ ذلك إلى عموم المذهب، لا إلى خصوص أعيانهم. وإن كان لازمًا لمذهبهم الاستدلال بهذا الحديث -كما سيتضح من خلال أطاريحهم-. يقول الحَلَاّج (٢) مقررًا مذهب الجبر: ما حيلةُ العبدِ، والأقدارُ جاريةٌ ... عليه في كُلّ حالٍ، أيّها الرائي ألقاهُ في اليمّ مكتوفًا وقال له ... إيّاك إيّاك أنْ تبتلّ بالماء! (٣)
следующие страницы →