فتبيّن بَعْدُ ما انطوى عليه حديث المحاجّة من الأصول العظيمة في هذا الباب التي قام الإجماع عليها؛ إلا أَنَّ هناك قَدْرًا من الحديث جالت فيه فهوم أهل العلم ﵏؛ وهو حقيقةُ ما وقع عليه لَوْم موسى، وحقيقةُ ما احتج به آدم ﵉. ومنشأ الخلافِ - والله أعلم - أَمران:
الأوَّل: أنَّ سائرَ الرِّوايات وقع فيها ذكر خطيئة آدم الواقع في سياق لوم موسى ﵇ له.
الآخر: أَنَّ في الرِّواية التي تفرّدَ بها مُسلمٌ، احتجاج آدم ﵇ بالقدر على الذنب.
وحاصل هذه الأنظار تتمحور في ثلاثة أنظار:
النظرُ الأوّل: أنّ موسى لامَ آدم ﵉ على الذّنْبِ. وأرباب هذا النظر تَشعّبت أقاويلهم في وجه غَلَبة آدم ﵇ بالحُجَّةِ، على أقوال:
القول الأوَّل: أَنَّ آدم احتج بالقدر على الخطيئة، وهذا خاص به؛ لأَنَّ اللومَ حاصلٌ بعد التَّوبةِ، وقبولِها =فحَسُن من آدم هذا الاحتجاج، ولا يصح من غيره؛ لأنه لا يعلم أقُبِلت توبته أم لا = وهذا القول، ذهب إليه الإمام القنازعي، وتلميذه ابن عبد البر -رحمهما الله تعالى-. وفي تقرير هذا القول، يقول القنازعي: (وإنما صَحّت الحُجّةُ في هذه المسألة لآدم على موسى؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم ذنبه، وأما غيره من النَّاس فلا يحتج على معصية؛ بأن يقول: إن الله قد قدّرها عَليَّ؛ إذ لا يدري كيف ينجو منها في الآخرة .. فكلُّ مَنْ لم يَعْلم هل غُفِرَ ذنْبُهُ أم لم يغفر؟ لم تقم له حجة؛ بأن يقول: إنّ الله قد قدَّره عليَّ) (١) .
فاللوم عند أصحاب هذا القول كان على نفس المعصية كما يبدو، فكان الاحتجاج بالقدر عليها.
стр. 597
القول الثاني: أَنَّ اللوم والمحاجّة كانا في غير دار التكليف، وهذا القول اختاره زكريا الأنصاري (١)، وأحد قَوْلَي ابن الملك (٢) .
القول الثالث: أنَّ آدمَ غلبَ بالحُجَّةِ موسى ﵉؛ لأَنَّه أَبٌ وموسى ابنٌ = وليس للابن أن يلوم أباه. وهذا القول حكاه القرطبي، ولم يُسمِّ قائله. ونقله عنه الحافظ ابن حجر (٣) .
القول الرَّابع: أنه إنما حَجَّه لأَنَّ الذَّنْبَ كان في شَريعةٍ واللوم في شريعة (٤) .
النَّظَرُ الثَّاني: أنَّ لوم موسى لأبيه آدم ﵉ كان على مصيبة الإخراج لا على الذنب. وهذا القول نَصَرَه أبو محمد ابن حزم (٥)، واختاره أيضًا ابن تيمية، وابن كثير-رحمهما الله- (٦) . يقول الإمام ابن تيمية ﵀ في بيان ذلك: (الصواب في قصة آدم وموسى ﵁: أن موسى لم يَلُمْ آدم إلا من جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لا لأجل أن تارك الأمر مذنبٌ عاصٍ) (٧) .
النَّظَر الثالث: تصحيح النَّظَرَين. أي = تصحيح جواز أن يكون لَوْمُ موسى ﵇ على المصيبة. ويمكن أن يكون اللوم متوجهًا على الذنب؛ لكونه سبب المصيبة. وهذا القول ذهب إليه ابن قيم الجوزية. فقد قال -بعد أن ساق جواب شيخ الإسلام-: (وقد يتوجّه جواب آخر؛ وهو: أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع، ويضرّ في موضع. فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه، وترك معاودته؛ كما
стр. 598
فعل آدم ﵇. فيكون في ذِكْر القدر إذْ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذَّاكرُ والسَّامِعُ؛ لأنَّه لا يدفع بالقدَر أمرًا ونهيًا، ولا يُبطل به شريعة؛ بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقُوَّةِ .. وأمَّا الموضعُ الذي يضرّ الاحتجاج به = ففي الحال، أو المستقبل؛ بأن يرتكب فِعْلًا مُحرَّمًا، أو يترك واجبًا، فيلومه عليه لائم، فيحتج بالقدر على إقامته وإصراره، فَيبْطل بالاحتجاج به حقًا، ويرتكب باطلًا = ونكتة المسألة: أنَّ اللومَ إذا ارتفع؛ صَحَّ الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعًا؛ فالاحتجاجُ بالقَدَرِ باطلٌ) (١) .
واختار هذا الجمع أيضًا الإمام ابن الوزير ﵀ (٢) .
ولوم موسى ﵇ على الذنب لكونه سببًا لإخراج آدم والذرية من الجنة؛ لا أنّه لَوْمٌ على الذنب لِذاتِه؛ كما ذهب إليه أصحاب النَّظرِ الأوَّل. وهذا هو الفارق بين النظرتين.
وخلاصة القول: أنّ النَّظر الثالث متضمن للنَّظرِ الثَّاني وزيادة، وكلاهما له ما يدل عليه.
وأَمَّا النظر الأول فَمرْجوحٌ؛ ذلك أن موسى ﵇ لم يَنُطْ لَوْمَه بالذنب، ولم ينطق بذلك. فإناطة اللوم بذلك مع سكوت النص عنه دعوى لا دليل عليها.
فإذا استبان لنا بطلان هذا الوجه من النظر = لزم من ذلك بطلان ما اندرج تحتها من أقوال. وزيادة في البيان، يقال:
أما القول الأول: فلا يصح؛ لثلاثة أوجهٍ:
стр. 599
الوجه الأول: أن آدم ﵇ لم يَجْرِ على لسانه ذِكْر الذنب والتوبة منه، ولا جعل ذلك حجة على موسى ﵇.
الوجه الثاني: عِلْمُ موسى ﵇ بالله وبدينه يحول دون لوم آدم ﵇ على ذنب قد أخبره الله تعالى أن فاعله تاب منه، وأنه اجتباه بعدُ، وهَداه.
الوجه الثالث: ما سبق ذكره من كون ذلك يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة، واعتبار ما ألغاه = وما كان كذلك؛ فيسقط الاعتداد به (١) .
وأما القول الثاني: وهو أن اللوم والمحاجة كانا في غير دار التكليف .. الخ = فلا يَصحُّ أيضًا؛ لأن آدم لم يتطرق لذكر دار التكليف، فالله يلوم من استحق اللوم في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت، ويلومهم يوم القيامة (٢) .
وأما القول الثالث: وهو أن آدم غلب بالحجة لكونه أبًا لموسى .. الخ فقول لا يصمد لسهام النقد، فإن حُجة الله يجب المصير إليها مع من كانت؛ سواءً مع الأب، أو الابن، أو غيره من الخلق (٣) .
وأما القول الرابع: وهو أن آدم غَلَبه؛ لأَنَّ في شريعته أَنَّ المُخَالف يجوز له أن يحتج بسابق القدر .. الخ =فدعوى لا دليل عليها؛ إذ العِلمُ باختلاف ذلك في الشريعتين موقوف على النقل، ولا نقل = فبطل هذا القول.
وبعد سَوْق أنظار أهل العلم في القدر المختلف فيه من الحديث = يتجلّى أنّهم مع اختلافهم في هذا القدر متفقون على أن حقيقة ظاهره لا تدل على تسويغ الاحتجاج بالقدر على المعايب، وإسقاط الملامة عمّن
стр. 600
أذنب؛ لأن ظاهره لا يدل على ذلك. في حين أن المخالفين لأهل السُّنة والجماعة من القدريَّة والجبرية فهموا من الحديث ما هو خلاف ظاهره الحقيقي، فتقاطعت فهومهم على أن الحديث يدل بظاهره على صحة الاحتجاج بالقدر على المعايب. وعلى هذا الاعتبار = يسقط اعتبار التكليف والمؤاخذة على الجُرْم.
ومع تحقق الاتفاق في هذا القدر = إلا أنّ كلتا الفرقتين التزمت نقيض ما التزمته الفرقة الأخرى:
فالتزمت المعتزلة ومن وافقها رَدّ الحديث والطعن في دلالته. وممن اشتهر عنه التصريح بالردِّ: أبو علي الجُبَّائي (١) .
وأما الجبرية فلم أَظفر بنصٍّ يُبيِّن استدلالهم بهذا الحديث على ما ذهبوا إليه من الاحتجاج بالقدر على فِعل المعاصي، وإسقاط الملامة. والذي نقله عنهم أصحاب المقالات وشرّاح الحديث؛ هو: نِسبةُ ذلك إلى عموم المذهب، لا إلى خصوص أعيانهم. وإن كان لازمًا لمذهبهم الاستدلال بهذا الحديث -كما سيتضح من خلال أطاريحهم-.
يقول الحَلَاّج (٢) مقررًا مذهب الجبر:
ما حيلةُ العبدِ، والأقدارُ جاريةٌ ... عليه في كُلّ حالٍ، أيّها الرائي
ألقاهُ في اليمّ مكتوفًا وقال له ... إيّاك إيّاك أنْ تبتلّ بالماء! (٣)
стр. 601
وممن انتحل هذا المذهب: ابنُ عربي الطائي (١)؛ حيث يقول: ( .. كل حُكْمٍ ينفذ اليوم في العالم أنه حكم الله ، وإن خالف الحكم المقرر في الظاهر المسمى شرعًا؛ إذ لا ينفذ حكم إلا لله في نفس الأمر؛ لأن الأمر الواقع في العالم إنما هو على حكم المشيئة الإلهية، لا على (٢) حكم الشرع المقرر؛ وإن كان تقريره من المشيئة. ولذلك نفذ تقريره خاصة، فإن المشيئة ليست لها فيه إلا التقرير، لا العمل بما جاء به. فالمشيئة سلطانها عظيم .. فإن الأمر الإلهي إذا خولف هنا بالمسمى معصية؛ فليس إلا الأمر بالواسطة، لا الأمر التكويني. فما خالف أحد قطّ في جميع ما يفعله من حيث أمر المشيئة؛ فوقعت المخالفة من حيث أمر الواسطة = فافهم. وعلى الحقيقة؛ فأمر المشيئة إنما يتوجه على إيجاد عين الفعل، لا على من ظهر على يديه، فيستحيل ألاّ يكون. ولكن في هذا المحل الخاص؛ فوقتًا يُسمّى به مخالفةً لأمر الله، ووقتًا يسمى موافقةً وطاعةً لأمر الله، ويتبعه لسان الحمد أو الذم على حسب ما يكون. ولما كان الأمر في نفسه على ما قررناه؛ لذلك كان مآل الخلق إلى السعادة على اختلاف أنواعها) (٣) .
فابن عربي -كما ترى- يُسقط الاعتداد بالإرادة الأمرية الشرعية؛ لأن صدور المخالفة وهذه المعصية هو في الحقيقة طاعة بالنّظَرِ إلى موافقة الإرادة التكوينية الخلقية. فصدورها عن مقتضى هذه الإرادة يلزم
стр. 602
منه عنده رضا الله عن هذه المخالفة. ولأن جميع الأفعال هي في الحقيقة خير في ذاتها لا توصف بالشر إلا بطريق العَرَض، وإذا كان الشَّرُّ بطريق العَرَض= فكذلك الغضب الإلهي من أجلها عرضي أيضًا (١) .
وجبريّة ابن عربي جبريَّةٌ وَحدويَّة تُلغي الفَرْقَ بين وجود الخالق ووجود المخلوق، وتَعْتبِر الوحدة بينهما، فهي قائمة في الأَساس على اعتقاده أَنَّ الأَعيان كانت ثابتة في العدم، فظهورها كان بإفاضة الحق عليها من وجوده الذاتي؛ كلُّ ماهية قَبِلت من هذا الوجود المطلق بحسب ما اقتضاه استعدادُها، فظهرت بعين وجود الحق. وهذا الظهور هو ظهور بحكم الأسماء، فليس لله اسم قبل إفاضته عليها من وجوده، وأنَّ وجوده كان وجودًا مطلقًا لا وجود له إلَّا وجودًا ذاتيًّا، لم يتحقق هذا الوجود في الخارج إلاّ بعد ظهور هذه الأعيان (٢) .
ومن ثَمَّ؛ فابن عربي بامتناعه عن التمييز بين الوجود الواجب للخالق، والوجود الممكن للمخلوق =يجعل الوجود وجودًا واحدًا؛ هو الوجود الإلهي فحسب، وما سواه فَمَظَاهِرٌ للتجلّي الإلهي.
وممن اعتبر القدر حُجّةً لسقوط الملامة والذم على المعاصي: أبو علي ابن سينا. فإنّه عَدَّ العارف حقيقةً هو: مَن أحجم عن الملامة، ولم يَسْتهْوِه الغَضب عند معاينة المنكر؛ لاستبصاره بسر الله في القدر. وفي بيان ذلك يقول: (العارفُ لا يعنيه التجسُّس والتحسُّس، ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر كما تعتريه الرحمة = فإنه مستبصرٌ بسِرِّ الله في القدَر) (٣) .
وسيأتي بيان فَسَاد ما ذهبت إليه كلتا الطائفتين.
стр. 603
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث: (احتج آدم وموسى ﵉ .
مما أورده الطاعنون للقدح في هذا الحديث، ما يلي:
الأول: أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذَمَّ آدم على الصغيرة، ويلزم من هذا نسبته في حق موسى ﵇، وأن الذم على ذلك غير جائز.
الثاني: أن الولد لا يحق له مشافهة والده بالقول الغليظ.
الثالث: أن في لوم موسى آدم ﵁ أنه كان سببًا في إخراج الذرية وشقاءها، غير سائغٍ، وقد عَلِمَ أن شقاءَ الخلق وإخراجَهم من الجنة لم يكن من جهة آدم؛ بل اللهُ أخرجه منها.
وهذه الاعتراضات نقلها عن المعتزلة: الرازي في تفسيره (١).
الرابع: أن آدم ﵇ احتج بما ليس بحجةٍ؛ إذْ لو كان حجةً، لكان لفرعون، وهامان، وسائر الكفار أن يحتجوا بها = ولمّا بطل ذلك عَلِمْنا فساد هذه الحجة.
وقد نُقل عن أبي علي الجبَّائي أنَّه سُئل: (ما تقول في حديث أبي الزناد عن الأَعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : ألا تُنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها؟ فقال أبو علي: هو صحيح. قال البركاني: فبهذا الإسناد نُقل حديث: حَجّ آدم موسى. فقال أَبو علي: هذا خَبَرٌ باطل. فقال البركاني: حديثان بإسناد واحد؛ صحّحت أحدهما وأبطلت الآخر! قال أبو علي: لأن القرآن يدل على بطلانه. وإجماع المسلمين، ودليل العقل. فقال: كيف ذلك؟ قال أبو علي: أليس في
стр. 604
الحديث: أن موسى لقي آدم في الجنة ..... ، قال أبو علي للبركاني: أليس هذا الحديث هكذا؟ قال: بلى. قال أبو علي: أليس إذا كان عذرًا لآدم يكون عذرًا لكل كافر وعاصٍ من ذريته، وأن يكون من لامهم محجوجًا؟ فسكت البركاني) (١) .
فأنت ترى أنَّ أبا علي الجُبَّائي لما استقر عنده ما هو نقيض الظاهر من الحديث؛ انبنى على ذلك اعتقاده مناقضة الحديث للضرورتين النَّقليَّة والعقلية = فردّ الحديث بناءً على فهمه المغلوط.
وتابعه على ذلك من المعاصرين: إسماعيل الكردي؛ حيث قال: (الإشكال الكبير في الحديث: أنه ينسب لآدم احتجاجه على معصيته لله، بأن الله تعالى قَدَّرها عليه من قبل. وبالتالي: فلا يجوز ملامته عليها! وهذا عين قول فرقة الجبرية. وعليه؛ لا يجوز لَوْم أحد من العصاة جميعِهم من البشر؛ لأن كلَّ ما فعلوه كان مقدرًا عليهم من الأزل!! إذن فلماذا الحدود، والقَصاص، والجنّة، والنار؟!
والأنكى من ذلك: أنه ينسب للرسول موافقته لكلام آدم، واعتباره أنه غلب موسى وحَجَّه؛ مكررًا ذلك أكثر من مرة! هذا مع أن القرآن أبطل هذا النوع من الاحتجاج بصريح العبارة حين قال: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾ الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩ ويستحيل أن يعلّمنا رسولُ الله أمرًا يخالف القرآن) (٢) .
стр. 605
ويقول سامر إسلامبولي: (فالنبي موسى يلوم آدمَ على إِخراجِ الذُّريَّةِ من الجَنَّة، وسببُ ذلك هو معصيةُ آدم، فاللَّوم هو على المعصيةِ التي نتج عنها الإخراج من الجنة، ولا علاقة هنا لكونِ آدمَ تاب من المعصية أو لم يَتُب؛ لأنَّ ذلك متعلِّقٌ به وبمغفرة الله له، والَّذي يهمنا ما ترتب على المعصية الذي هو الإخراجُ من الجَنَّةِ. أمَّا تبرير آدم فكان بالقدر، واحتج أنَّ ذلك الإخراجَ كان مكتوبًا عليه قبل خلْقه بأربعين سَنة. والجواب النبوي هو: أنَّ آدم حجَّ موسى.
لاشَكَّ هنا أَنَّ احتجاج آدم بالقدر على إخراجه من الجنَّة =يتضمَّن تبرير المعصية؛ لأنَّ الإخراجَ نتيجة المعصية، ولا مُبرِّر لأي تأويلٍ ولفٍّ ودوران لجعل النَّصَّ صحيحًا، وأنَّ الاحتجاج بالقدر كان على الإخراج فقط دون معصيةٍ، أو أنَّه يصحُّ الاحتجاج بالقدر على المعصية التي تاب منها الإنسان وهي في حكم الماضي =ذلك كله تأويل متهافت لنصٍّ باطل. فالنَّص صريحٌ في ترسيخ فكرة أنَّ المعاصي، وما يَنتُجُ عنها إنما هو بتقدير الله عزوجل وذلك مكتوب قبل الخلق، وذلك يُرسِّخُ فكرة الإجبار والإكراه على الأعمال!!) (١) .
стр. 606
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (احتجَّ آدم وموسى ﵉ .
قبل الإبانة عن تهافت ما استند إليه الطاعنون في هذا الحديث من المعتزلة وغيرهم ممن وافقهم؛ فإنه تجدر الإشارة إلى أن الفهم المغلوط لظاهر الحديث، والتأسيس لظاهرٍ ليس هو في الحقيقة الظاهر الحقيقي الذي قصد المتكلم بالنص الإفصاح عنه = هو الأساس الذي قاد المعتزلة إلى رده والطعن في دلالته، وحَمَل الجبرية على التقوّي به والاستناد إليه؛ لأن الدليل الشرعي عند كلا الطائفتين لا يُعَدُّ أصلًا يُتحاكم إليه؛ بل هو محكوم بالأساس البدعي الذي تحتكم إليه كلتا الطَّائفتين.
وعليه؛ فالظَّاهرُ الحقيقي من الحديث يفارق الظاهر الذي اشتركت الطائفتان في فهمه؛ ذلك لكون النص بسياقه يدل على أَحد أمرين: إمّا أن اللوم لا يتوجه في المصائب لجَرَيان القدر السَّابقِ بها = فيرتفع حينئذٍ اللوم. أَو أَنّ اللوم لا وجهَ له بعد التوبة من الذنب، لا قبله = وفي كلتا الدَّلالتين ما ينفي دلالة النَّصِ على تسويغ الاحتجاج بالقدر على غشيان الذنوب، وركوب المحارم؛ لِجَرَيان القدر بها. فالبَوْن مسافِرٌ بين الظاهر الحق المدلول عليه بهذا الحديث، وبين الظاهر المتوهَّم الذي استبطنته كلتاهما = فإذا تحرر لنا مَثَار الغلط في المسألة؛ تبيّن أن ما أثاره الطاعنون هي قضايا ليست ذات موضوع، وما ساقوه هو في الحقيقة طعن في الظاهر الذي فهموه، لا الظاهر الذي دَلّ عليه النص، وأراده المتكلم.
والمحاكمة التفصيلية لآحاد هذه الاعتراضات حينئذٍ هي من قبيل النفل.
فأمّا جواب الاعتراض الأول: وهو دعواهم أن موسى قد ذَمَّ آدم
стр. 607
على الصغيرة ... الخ =فدعوى لاحظّ لها من النَّظَرِ؛ لأنَّه قد سبقَ القَولُ أَنَّ نبيَّ الله موسى ﵇ لم ينطقْ بذلك، ولم يقعْ التصريحُ باللَّومِ في سياق حِواره لآدم ﵇ = فسقط حينئذٍ الركون إلى هذه الدعوى.
وأما جواب الاعتراض الثاني: أن الولد لا يحقّ له مشافهة والده بالقول الغليظ = فيقال: تحديد غِلْظة القول ولِيْنِه أمرٌ نِسْبيٌّ، ثم لو قُدِّر الاتفاق على أن في خطاب موسى ﵇ لأبيه آدم نوع من الغِلظة = فإن الحامل له على ذلك ﵇ أمران:
الأوَّل: ما جبل الله موسى ﵇ عليه من القوةِ في الحق والحَميَّة، اللّتين كانتا سِمَتين من سمات طبيعة هذا النبي الكريم ﵇. هذه القوة هي التي دفعته على أنْ يُلقِيَ الألواح التي كتبها الله لهُ، وأن يبطش بأخيه هارون؛ لِمَا رأى من جرأة قومه على الله لمّا استخفهم السامري، وحَسَّن لهم عبادة العجل. قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ... ﴾ الأعراف: ١٥٠.
والأمر الثاني: أن هول مُصيبة الإخراج قد تُذهل عن التلطُّف في العبارة إلى العِتَاب واللّوم. فمَن نظر إلى هذين الأمرين وأَعطى النَّصَفَةَ من نفسه؛ فإنه -بلا ريب- سيزول عنه العَجَبُ عما اكتنف خطاب نبي الله موسى لأبيه آدم ﵁، وسيعلم أيضًا أن هذا الاعتراض لا ينهض لإبطال الحديث.
وأما جواب الاعتراض الثالث: وهو دعواهم أنَّ في لوم موسى آدم أنه كان سببًا في إخراج الذرية .. الخ.
نعم، لما كان لَوْمُ موسى ﵇ على المصيبة غير واردٍ على آدم ﵇؛ كانت الحجة لآدم. قال الإمام ابن تيمية: ( .. إن آدم لم يظْلمْ أولاده. بل إِنما وُلدوا بعد هبوطه من الجنة. وإنما هبط آدم وحواء، ولم يكن معهما ولد؛ حتى يقال: إن ذنبهما تعدّى إلى
стр. 608
ولدهما. ثم بعد هبوطهما إلى الأرض جاءتْ الأولاد = فلم يكن آدم قد ظلم أولاده ظلمًا يستحقون به ملامةً. وكونهم صاروا في الدنيا دون الجنة = أمرٌ كان مقدرًا عليهم، لا يستحقون به لوم آدم) (١) . وهذا ما جاء الحديث بتقريره، فكيف يكون الحق الذي قرره النص ناقضًا ومبطلًا له؟!
وأما الجواب عن الاعتراض الرابع: فقد سَلَف القول في تفسيره، وبيان أنه لا يَرِد على الحديث.
وأَما استناد الجبرية على حديث المحاجة بالاحتجاج به على إسقاط الملامة عن العاصي، ولمعارضة الأمر والنهي بالقدر = فهو ناشئ عن أصلين فاسدين:
الأول: التسوية بين الوجودين: وجود الخالق تعالى، ووجود المخلوق. وهذا عند ابن عربي، ومن ينتحل مذهبه من متصوفة الجهمية.
الثاني: التسوية بين الإرادتين: الإرادة التكوينية، والإرادة الشرعية.
فأما بطلان الأصل الأوّل: فإنه من المُتقرِّر بداهةً شهود العبد للفرق بين وجوده الذي يحتاج فيه إلى ربٍّ يَسدُّ مَفَاقِرَه، ووجودِ خالقه الغني بنفسه. ولذا سمّى نفسه -جل وعز - بالقيوم؛ فهو القائم بنفسه، المستغني عن غيره، والمقيم لغيره؛ فلا قيام لغيره إلا به. المتصرف في خلقه بمشيئته وإرادته. وإذا كان الإنسان يعلم -ضرورةً- وَفْق قانون الهُويَّة الفرقَ بينه وبين غيره من بني الإنسان؛ فضلًا عن الفرق بين نفسه وبين سائر المخلوقات = فكيف لا يشهد الفرق بين وجود المخلوق المربوب المفتقر إلى ربه، ووجود خالقه الواجب، الممايز لخلقه؛ فأسماؤه ثابتة له في الأزل، لم يستفدها من مخلوقاته. والجَمْع بين
стр. 609
الوجودَين لا يتأتى إلا لمن لا يعرف عناصر الأشياء، فلا يقيم فرقًا بين الواجب، وبين الممكن والمستحيل.
وأما بطلان الأصل الثاني: أنّ حصول الاشتراك لجميع الخلق من جهة الربوبية والمشيئة ابتداءًا، لا يلزم منه حصول الاشتراك من جهة الحكمة، والأمر، والنهي، والعاقبة. فكما أنه معلوم بالضرورة النقلية التي تُثْبِتُ فرقًا بين حال المتقين وعاقبتهم، وبين حال المجرمين وعاقبتهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ القلم، وقال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ الجاثية: ٢١
= فكذلك؛ الفرق بينهما معلوم بالضَّرورةِ العقليَّة والنَّفسيّة، فإنَّ النَّفْسَ البشريَّةَ مركوزٌ فيها التمييز بين ما يلائمها وتعرفه وتلتذّ به، وبين ما ينافيها وتنكره وتتألم منه؛ فيقع لها التفريق بين اللذَّةِ وأَسبابِها، وبين العذاب وأَسبابِهِ. وتحصيل هذا الفرق ليس مختصًا ببني آدم فقط؛ بل حتى الحيوانات تجد الفرق بينهما، فتجهد لنيل ما تلتذّ به، والفِرار مما تتألم منه.
وباستقرار هذا الفرق في النفوس = جاءت الشريعة لتكميل هذه الفطرة المستقرّة، فأمرت بالمعروف الذي يؤول إلى النعيم في العاجل والآجل، ونهتْ عن المنكر الذي يؤول إلى العذاب في العَاجِل والآجِل (١) . وهذا التمييز الذي يقع له = هو حقيقة الإرادة الأمرية الشرعية الدِّينيَّة؛ فمن ادَّعى التسوية بين ما يلائمه ويلتذ به، وبين ما ينافره ويتعذب به = فقد افترى، أو عَرَض لعقله ما يمنعه من شهود الفرق بينهما.
стр. 610
قال الإمام ابن تيمية ﵀: (ولا يوجد أحدٌ يحتج بالقدر في ترْك واجبٍ وفعل مُحرّمٍ = إلا وهو متناقض، لا يجعله حجةً في مخالفة هواه؛ بل يعادي من آذاه وإن كان مُحِقًّا، ويُحبّ من وافقه على غَرَضِه وإن كان عَدوًّا لله؛ فيكون حُبُّه، وبغضُه، وموالاتُه، ومُعَاداتُه؛ بحسب هواهُ وغرضِهِ، وذَوق نَفْسِهِ وَوَجْدِه؛ لا بِحَسَبِ أَمْرِ الله ونَهْيِهِ، ومحبته وبغضه، وولايته وعداوته؛ إذ لا يمكنه أن يجعل القدَر حُجّةً لكل أحد، فإن هذا مستلزِمٌ للفساد، الذي لا صلاح معه، والشر، الذي لا خير فيه ... ) (١) .
فإذا تقرر فساد هذين الأَصلين = عُلم أن أهل السنة والجماعة ومن وافقهم يُجمِعون على أنه لا يصح الاحتجاج بالقدر لدفع شَرْعٍ، ولا لِرَفْعِ ملامة. وقد حكى الإجماعَ على ذلك غَيرُ واحدٍ.
قال ابن القطان ﵀: (وأجمعوا: أنَّهم يستحقون الذم بإعراضهم -أي: الكفار- وتشاغُلِهم بما نهوا عنه من التشاغُل) (٢) .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: (وقد أجمع العلماء على أنه غير جائز لأَحدٍ إذا أتى ما نهى الله عنه أو حَرَّمه عليه أنْ يحتج بمثل هذا، فيقول: أفتلومني على أنّي قتلتُ، وقد سبق في علم الله أن أَقْتُل؟! وتلومني على أن أسرق وأزني، وقد سبق في علم الله وقدره؟! = هذا ما لا يسوغ لأحدٍ أن يجعله حجة لنفسه.
والأمةُ مجتمعةٌ على أنه جائز لَوْمُ من أتى ما يلام عليه من معاصي الله، وذمُّه على ذلك. كما أنهم مُجْمِعون على حَمْدِ من أَطاع، وأتى من الأمور المحمودة ما يُحمَدُ عليه) (٣) .
стр. 611
وقال ابن بطّال: (أمّا من عَمِلَ الخطايا ولم تَأْتِهِ المغفرةُ؛ فإنّ العلماء مجمعون: أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم، فيقول: أتلومني على أن قتلت، أو زنيت، أو سرقت؛ وقد قدر الله عليَّ ذلك؟! والأمة مجمعة على جواز حمْد المحسن على إحسانه، ولَوْم المسيء على إساءته، وتعديد ذنوبه عليه) (١) .
стр. 612
المبحث الثَّاني دفْع دَعوى المُعارِض العقلي عن حديث: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) .
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق حديث (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى .. ).
المطلب الثاني: سوق دَعْوى المعارض العقلي على حديث (إنَّ الشيطان يَجْري مِن الإِنسان .. ).
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (إن الشيطان يجري من الإنسان .. ).
стр. 613
المطلب الأول: سوق حديث (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم):
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىٍّ قَالَتْ: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِىَ لِيَقْلِبَنِى (١) -وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِى دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ-، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِىَّ ﷺ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَىٍّ) فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ!! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِى قُلُوبِكُمَا شَرًّا) - أَوْ قَالَ: (شَيْئًا). متفق عليه (٢).
وفي لفظٍ للبخاري: (إنَّ الشيطان يجري منِ ابن آدم مبلغ الدَّم، وإنِّي خَشيتُ أن يقذفَ في قلوبكما). (٣)
стр. 614
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) .
أنكر بعض الزيدية أن يكون في السُّنَّةِ ما يدل على جريان الشيطان في الإنسان = وهذا الإنكار جارٍ على مذهب الزيدية، التي تنتحل جُملة من أصول المعتزلة؛ لا سيما فيما يتعلق بالعدْل ونفْيِ القدَر (١). لذا يقول أحمد بن يحيى العلوي (٢): (ومما احتجوا به: أن إبليس يجري من الإنسان مجرى الدم = وهذا خَبَرٌ لم يأت في كتابٍ ولا سنّة، ولا أجمعت عليه الأمة. وما ليس في الكتاب، ولا في السنة، ولا في الإجماع = فهو باطل؛ لأن الله يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأنعام: ٣٨). (٣)
وقد تلا تِلْوه "إمام حنفي" في إبطال دلالة الحديث، ومنع إجرائه على ظاهره. وفي تقرير ذلك تراه يقول -مُعقّبًا على قول الحافظ ابن حجر ﵀: (وقوله ﷺ (يبلغ) أو (يجري) قيل: هو على ظاهره، وإن الله تعالى أقدره على ذلك ... ).
قال إمام حنفي: (وهو ما نستبعده؛ لأن اللُّغة عرفت المجاز، وهو
стр. 615
كناية على سرعة وقوع الإنسان في الهوى والشهوات، ومنها إساءة الظن. وكل ذلك من أَفعال إبليس .. ) (١).
ونزوعهما إلى إبطال الحديث، يرجع إلى ما قام عندهما من دعوى معارضة العقل لدلالته. ومما أورداه لإبطال الحديث، ما يلي:
١ - أن الحديث يستلزم الجبر؛ لأنه من كان يجري منا مجرى الدم، فكيف نحذره ونتقيه؟! (٢).
٢ - أنَّ ذلك مناقض لمقتضى عدل الله ؛ إذ (كيف يخرج هذا في حق العادل الحكم الذي لا يجور على عباده؟! = وما نقض العدل ووافق الجبر = فقد صح فسادُه؛ بلا شك). (٣)
٣ - أن الشيطان ذليل حقير ضعيف منذ أخرجه الله من الجنة. ومَن أذلّه الله كيف يجعله قادرًا على التأثير في عباده، فيؤثر في قدراتهم، وإرادتهم في الطاعة؟! يقول إمام حنفي: (الشيطان منذ خرج من الجنة فهو ذليل حقير ضعيف .. ومن أذلّه الله كيف يُقْدِرُه على عباده، فيؤثر في قدراتهم، وإرادتهم الطاعة؟! .. وهو ظن سيئ في الله: أنْ يُحبّ عبادُه الإيمانَ به، فيسلِّطَ عليهم من يضلهم عنه! وقال تعالى في حقه: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ الأعراف: ١٨ .. ولا يعقل لمن هذا شأنه أن يقدر على ما قدر عليه ربه من الوصول إلى أسرار القلوب، فيتلاعب بها، ويوسوس فيها!) (٤).
стр. 616
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (إنَّ الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم) .
ما أورده الطاعنون في الحديث يدور في حقيقته=على كون الحديث مناقضًا للضرورة العقلية المُثْبِتَةِ أن للعبد اختيارًا يقع بها عَملُه دون أي تأثيرٍ؛ ليتم الجزاء على وفق ذلك.
والجواب عن الاعتراض الأول وهو دعواهم أن الحديث يستلزم الجبر؛ لأنه مَن كان يجري منّا مجرى الدم، فكيف نحذرُه ونتقّيه؟
فيقال: إخْبار النبي ﷺ عن جريان الشيطان لا يلزم منه نَقْلًا ولا عقلًا سَلْبُ اختيار المُكلَّف. وهذا معلوم ببداهة النظر؛ فمع جَرَيان الشيطان في العبد، إلا أنه يُدرك ضرورة الفرق بين حركته المقارنة لإرادته، وبين حركته الاضطرارية التي تصدر منه بلا إرادة وقصد = فإذا ثبت ذلك؛ فغاية ما يسلّط به الشيطان على العبد = الوسوسة، والتزيين، والإغواء. وقد أَبان الوحي غاية البيان عن العِصَمِ التي تعصم العبد من غوائله (١)، والتي من أعظمها الاستعاذة بالله تعالى، والالتجاء إليه في إبطال كيدِهِ، ودفع ضرره، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ فصلت: ٣٦.
فإذا تبين ذلك؛ علمت أن اسْتفهامه بقوله: (فكيف نحذره ونتقيه؟!) ضِغْثٌ يضاف إلى مغالطته السالفة.
وأما الجواب عن الاعتراض الثاني: التي ضمّنها دعواه بأن ذلك مناقضٌ لمقتضى عدل الله ﵎ ... الخ.
стр. 617
فيقال: هذه الدعوى مُخرَّجة على الأصل الأول، وقد انكشف فساده؛ فيلزم من ذلك فَسَادُ ما خُرِّج عليه.
وعَلَى جِهَةِ التّبرعِ، والاسْتِرسَالِ في نَقْضِ اعتراضه=يُقال: قد ثَبَتَ بالبُرهانِ القَطْعيِّ عدلُ الرَّبِّ ﵎؛ وهذا مورد اتفاق بين أهل السنة وجميع الطوائف ومنهم الزيدية. وكذلك ثبت بالبرهان اليقيني صِدقُ رسالة الرسول ﷺ فيما أخبر به عن ربِّه، وأنه لا ينطق عن الهوى. وقد أجمع أَهل العلم وفيهم أئمة الزيدية (١) على تلقّي ما رواه البخاري ومسلم بالقبول، سوى بعض الموارد التي كانت مَحلّ تردُّد بين الأئمة المهرة في هذا الفن؛ فيُستدلُّ بالمتفق عليه من هذه المقدمات على المُختلَف فيه = وهو: سلامة الحديث من الطعن، وصدق دلالته، وبطلان ما عارضه.
والذي يتبدَّى من خلال رَقْمِهِ: أَنه ينفي في الأصل قيام دليل التصحيح من الكتاب أو من السنة - كما سبق نقله -. فأما نفيه لوجود ذلك في الكتاب فَقد يسلَّم، وأمَّا نفْي ورود الخبر بذلك في دواوين السُّنة=فهو خَبَرٌ عن جَهْلِهِ بالوجود، لا عن انتفاء الوجود في نفس الأمر. وقد سبق سَوْق الحديث الثابت في أَصحّ كتابين بعد كتاب الله باتفاق أهل العلم.
وأما الجواب عن الاعتراض الثالث: الذي اعترض به إمام حنفي، وهو: دعواه بأن الشيطان ذليلٌ حقيرٌ .. الخ.
فيقال: ما ذكره من مقدمة لا توصله إلى النتيجة التي تغيَّاها؛ للانفكاك الذي بينهما. فضعف الشيطان الذي أضافه الله إليه؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ النساء. إنما هو في مقابل
стр. 618
كيد الله؛ لا مطلقًا (١) . فلا ينفي ذلك ما أَقْدره الله عليه من الوسوسة، والإجلاب على العباد بخيله ورَجِلِه، والإيعاد بالشر؛ ليحملهم على غير الجادة التي فطرهم الله عليها. فهذا القَدْرُ معلومٌ بدلائل الكتاب والسنة. قال الله : ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ النساء.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾ الأنفال: ٤٨.
وقال الله تعالى في الحديث القدسي: (إِنِّي خلقتُ عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أُنَزِّل به سلطانا) (٢) .
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ الأعراف: ١٨ فهو استدلال منقوص؛ لأنّه بَتَرَ الدليل، واستدلّ بجُزئهِ = وهذا غاية التلبيس. وإنما فَعل ذلك لأن جزء الآية المُتمّم لها حجةٌ عليه، والآية بتمامها: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ الأعراف: ١٨ فلما كان الجزء الذي أهمل ذِكْرَه يدل على نقيض مقصوده = أغفله ولم يذكُرْه. فتمامها يدل دلالة صريحةً أنّ الشيطانَ متبوع، وأنّ له أتباعًا. وهذه التبعية لا تتأتّى إلا بدعوته، وتزيينه، ووسوسته لهم، وطاعتهم له فيما دعاهم إليه؛ وإلا لما كان تابع، ولامتبوع. وكلُّ ذلك مما يَنقُض ما أصّله قبلُ.
стр. 619
قال ابن جرير ﵀: (وهذا قَسَمٌ من الله جل ثناؤه، أقسم أنّ مَنْ تبع من بني آدم عدوَّ الله إبليس، وأطاعه، وصدّق ظنّه عليه = أنْ يملأ من جميعهم - يعني: مِن كَفَرة بني آدم تُبّاع إبليس، ومن إبليسٍ، وذرّيته - جهنمَ. فرحم الله امرًا كذّب ظنَّ عدو الله في نفسه، وخيّب فيها أمله، وأمنيته .. ) (١) .
وأما قوله: (لا يُعقَل لمن هذا شأنه أن يقدر على ما قدر عليه ربه .. ) الخ
فقد ضمّن دعواه ثلاثة أغاليط:
الأول: عَدُّه إثبات ما ثبت في النصوص الشرعية من قدرة للشيطان على التزيين والوسوسة = مساواةً لقدرة الرب ﵎. وهذه التسوية ممتنعةٌ؛ للفرق بين الحقيقتين. فالله خالقٌ، والشيطان مخلوق؛ وبحسب هذا الفرق ينشأ الفرق بينهما؛ ذاتًا، وصفاتًا. فكما أَنَّ ذاتَ اللهِ لا يماثلها شيء من الذوات، فكذلك صفاته لا يماثلها شيء من الصفات. ومن تلك الصفات التي تتبع حقيقتُها حقيقةَ الذات: صفة القُدرة. فقُدرة الرب ﵎ لا حدَّ، ولا مُنتهى لها، ولا معاوق يحول دونها، يحقق ذلك قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ البقرة.
وأما قدرة الشيطان فمخلوقة محدودة، لا تنفذ قدرته إلا بمشيئة الله ، وهو الذي أقدره على الوسوسة، لا يستقل بقدرته عن الله تعالى.
الثاني: دعواه أن الذي دلّ عليه الخبر هو إسناد قدرةٍ للشيطان يرقى بها إلى معرفة أسرار القلوب. وهذه دعوى؛ إذْ لم ينطق النص
стр. 620
السابق بنفْيٍ أو إثباتٍ. وما دام الأمر كذلك؛ فلا يلزم جريانه في الإنسان، من اطلاعه على ما في قلبه، وإن كان علم ما في القلب، قد يقال: إنّه ليس من الغيب الذي اختص به الرب ﵎؛ بل قد يُطْلِع الله سبحانه الملائكةَ على بعض ما في قلب العبد، كما ثبت عن ابن عباس عن النبي ﷺ : (إذا همَّ العبد بحسنةٍ كتبت له حسنة، فإن عَملَها كتبت له عشر حسنات، وإذا همَّ بسيئةٍ لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، وإن تركها كتبت له حسنةً) (١) . وفي رواية لمسلم: ( .. قالتِ الملائكةُ: ربِّ ذاك عَبْدٌ يُريدُ أَن يعمل سيئةً -وهو أَبْصَرُ به- قال: ارقبوه، فإن عَملها، فاكتبوها بمثلها، وإِن تركها، فاكتُبوها حسَنَةً، إنَّما تَركها مِن جَرَّايَ) .
فإذا كان الله قد يُطْلِعُ بعض ملائكته على بعض ما يهمّ به العبد (٢) من حسنة أو سيئة؛ دلّ ذلك أنّ وقوع العلم ببعض ما في القلب =ليس من الغيب الذي يختص به الله . فأمْر إطْلاعِ الله الشيطان على ما بعض انطوت عليه القلوب =جائز عقلًا، ويبقى وقوعه مرتهنًا بتصحيح الشرع له = وبذا ينخرم أصل المنع المطلق، الذي ادّعاهُ، وهوَّل به.
الثالث: نَفْيُه قدرة الشيطان على الوسوسة = وهذا منتهى المراغمة لما صدع به القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ الناس.
ومن المعلوم أَنَّ الوسواسَ الخَنَّاسَ الذي يُوسْوس في صدور الناس
стр. 621
-كما في الآية- هما شيطان الإنس، وشيطان الجن (١) . وإثبات الوسوسة -كما ثبت في النص- = لا يلزم منه إثبات اطّلاع الشيطان على أسرار القلوب، ولا إثبات قدرته على جبر العبد، وسلب اختياره - كما توهّم المعترض-. وأمّا حَمْلُه لِما ثَبَت في الحديث من جريان الشيطان في الإنسان = على المجاز؛ فقولٌ مرجوحٌ، والحامل له على ذلك ما توهمه من كون إثبات الحقيقة يستلزم الجبر، وليس الأمر كما توهم -كما سبق-. ثم إن دعوى المجاز لا يُصار إليها إلا بقرينة؛ إذ الأصل في الكلام الحقيقة، ولا قرينة هنا؛ إلا ما توهَّم. وليس كل قرينة مُتَوَهَّمةٍ تصلح لصرف الخبر عن ظاهره إلى المجاز. وإبقاء الحديث على ظاهره هو قول المحققين من أهل العلم؛ كالإمام ابن حزم الظاهري، وابن تيمية، وتلميذه ابن القيم. قال أبو محمد ابن حزم ﵀: (صَحّ النصُّ بأنهم يوسوسون [أي الجن] في صدور الناس، وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم = فوجب التصديق بذلك حقيقةً) (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ( ... كما حَرَّم الدّم المسفوح؛ لأنه مَجْمَع قُوى النَّفس الشَّهَوِيّة الغَضَبِيّة، وزيادته توجب طغيان هذه القوى؛ وهو مجرى الشيطان من البدن، كما قال النبي ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) ... ) (٣) .
وقال ابن قيم الجوزية: (ولا ريب أنّ ذِكْر اسم الله على الذبيحة يُطيّبها، ويطرد الشيطان عن الذابح والمذبوح. فإذا أخلّ بذكر اسمه لابَسَ الشيطان الذابح والمذبوح، فأثّر ذلك خُبثًا في الحيوان. والشيطان
стр. 622
يجري في مجاري الدم من الحيوان. والدَّمُ مَرْكبُه وحامِلُه، وهو أخبث الخبائث ... وهذه أمور إنما يصدّق بها من أشرق فيه نور الشريعة وضياؤها، وباشر قلبَه بشاشةُ حكمها، وما اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقّاها صافيةً من مشكاة النبوة، وأحْكَمَ العقْد بينها وبين الأسماء والصفات، التي لم يطمس نورَ حقائقها ظُلمةُ التأويل والتحريف) (١) .
وبهذا يتبين: أنه ليس هناك ما يحيل إجراء الحديث على ظاهره. وكُلُّ ما اعتُرِض به على الحديث لا ينهض لإبطال دلالته. والله أعلم.
стр. 623
المبحث الثالث دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث: (لا يُدخل أحدًا الجنَّة عمله)
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأوَّل: سوق حديث: (لا يُدخل أحدًا الجَنَّةَ عملُهُ).
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث: (لا يُدخل أحدًا الجنَّة عملُهُ).
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (لا يُدْخِل أَحدًا الجنَّة عملُهُ).
стр. 624
المطلب الأول: سوق حديث: (لا يُدخل أَحدًا الجنَّة عَملُهُ) .
وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: (سدّدوا، وقارِبوا، وأَبْشِروا؛ فإنّه لا يُدخِل أحدًا الجنةَ عملُه) قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني اللهُ بمغفرةٍ ورحمةٍ) متفق عليه (١).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول ﷺ : (قارِبوا وسدّدوا، واعلموا أنّه لن ينجوَ أحدٌ منكم بعمله) قالوا: يا رسول الله، ولا أنت؟ قال: (ولا أنا؛ إلاّ أن يتغمّدني (٢) اللهُ برحمته) متفق عليه (٣).
وعن جابر ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (لا يُدخِلُ أحدًا منكم عملُه الجنةَ، ولا يُجيره من النار. ولا أنا؛ إلا برحمةٍ من الله) متفق عليه (٤).
تمهيد:
دلّت هذه الأحاديثُ على نفْي دخول الجنة بالعمل. وقد فهِمَ أهل السّنة والجماعة، ومن وافقَهم من شُرّاح الحديث، وغيرهم هذه الأحاديثَ من خلال المُحْكم من القواطع الشرعية المُثْبِتة لكون العمل سببًا للثواب، ولدخول الجنة.
стр. 625
ومن تلك الدلائل المثبتة:
قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ الأعراف.
وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ الحاقة.
وقوله تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ السجدة.
وقوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ الواقعة.
فالحديث جارٍ على مقتضى هذه الأُصُول، وليس مناقِضًا لها؛ للتبايُن بين الموردين: موردِ النّفْي - الواقع في الحديث - ومورد الإثبات. فالاتفاق حاصلٌ على هذا القدر؛ لكنهم اختلفوا في تحرير مناط النّفْي الوارد في هذه الأحاديث، والجمع بينها وبين تلك الأصول = على أقوال:
القول الأول: أنّ النفي في قوله ﷺ : (فإنَّه لا يُدْخل أَحدًا الجنَّة عملُهُ) هو =كون العمل عوضًا ومقابلًا لدخول الجنة؛ دون رحمة الله وتفضّله. (فالباء) الداخلة على (العمل) هي (باء) الثمن والعِوض. وأَمَّا المُثبت في الآيات المُتقدِّمة؛ فهو كون العمل سببًا لدخول الجنّة (فالباء) الداخلة على (العمل) في تلك المواطن هي (باء) السببية.
وفي بيان هذا القول؛ يقول الإمام ابن تيمية ﵀: «لا مُناقضة بين ما جاء به القرآن وما جاءت به السنّة؛ إذ المُثبت في القرآن ليس هو المنفي في السنّة. والتناقض إنما يكون إذا كان المثبت هو المنفي؛ وذلك أن الله تعالى قال: ﴿تِلْكُمُ الْجَنَّةُ .... ﴾ ... فبيّن بهذه النصوص أن (العمل) سببٌ للثواب، و (الباء) للسبب ... وأمّا قوله ﷺ : (لن يدخُل أحدٌ منكم الجنّةَ
стр. 626
بعمله) فنفى بهذا الحديث ما قد تتوهّمه النفوس من أنّ الجزاء من الله ؛ على سبيل المعاوضة والمقابلة؛ كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا. فإن الأجير يعمل لمن استأجره، فيعطيه أجره بقدر عملِه؛ على المعاوضة، إنْ زاد زادَ أجرتَه، وإنْ نقصَ نقَصَ أُجرته؛ يستحقّها كما يستحقّ البائع الثمن = فنفى ﷺ أن يكون جزاءُ الله وثوابه على سبيل المعاوَضة، والمقابلة، والمعادلة. و (الباء) هنا كالباء الداخلة في المعاوضات ... » (١) .
اختار هذا القولَ جمهرة من أهل العلم؛ كابن القَصَّاب (٢)، والقاضي عياض (٣)،والنَّووي (٤)،وابن القيّم (٥)، وابن الوزير (٦)، والمَقْريزي (٧)، والأمين الشنقيطي (٨)، وغيرهم.
القول الثاني: أنّ أصل دخول الجنّة والخلود فيها يكون برحمة الله تعالى؛ وهذا ما دلّت عليه تلك الأحاديث. وبالأعمال يقع التفاوت في المنازل؛ كما دلّت على ذلك الآيات.
وهذا القول هو ظاهر اختيار سفيان بن عيينة؛ حيث قال: «كانوا
стр. 627
يقولون: ينجون من النار بعفوه، ويدخلون الجنّة بالرحمة، ويتقاسمون المنازل بالأعمال» (١) وهو اختيار ابن بطّال (٢)، وابن الزاغوني (٣) .
وهذا القول لا يتماسك مع ما جاء من التصريح في الآيات؛ بجعل المُقتضي للدخول =العمل.
القول الثالث: أن العملَ من حيث هو عملٌ لا يستفيد به العامل دخولَ الجنّة؛ ما لم يكنْ مقبولًا. ومردّ القبول من الله؛ فإن حصل فبرحمةٍ منه إذا قَبِلَه.
وهذا القول هو اختيار الحافظ ابن حجر ﵀؛ حيث قال: (ويظهر لي في الجمع بين الآية والحديث جوابٌ آخر؛ وهو: أن مجمل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخولَ الجنّة ما لم يكن مقبولًا. وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى؛ إنما يحصل برحمة الله لمن يُقبل عملُه = وعلى هذا؛ فمعنى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ النحل: ٣٢ أي: تعملونه من العمل المقبول. ولا يضرّ بعد هذا أن تكون (الباء) للمصاحَبة، أو للإلصاق، أو المقابلة. ولا يلزم من ذلك أن تكون سببيّة) (٤) .
وممّا يُضعِف هذا الاختيار: أنْ ليس أمْرُ القبول وحده مرهونًا برحمة الله؛ بلْ يَسْبِق ذلك التوفيق إلى العمَل؛ فهو في حقيقة الأمر يرجع إلى رحمة الله وفضله أنْ أنهض العامل إليه، ويسّره له (٥) .
стр. 628
لذا كان القول الأوّل- والله أعلم - أسدُّ وأولى بالترجيح.
وبعد تجلية موقف أهل السنة والجماعة، ومن وافقهم في هذه المسألة؛ تَجْدُر الإشارة إلى موقف المخالفين لهم في تناول هذه الأحاديث. وهي لا تخرج عن موقفين:
الموقف الأول: من صحح الحديث من جهة الثبوت؛ لكن حمَله على غير ظاهره ومعناه المراد؛ بأنْ جعل النّفْي الواردَ للعمل هو نَفْيٌ لسَبَبِيَّتِه لدخول الجنّة؛ فلا ارتباط له بالجزاء. فالعمل-عندهم- لا يعْدو أن يكون علامةً وأمارة يحصُل عندها الثواب به.
وفي تقرير هذا المذهب يقول الرَّازي: «العملُ لا يوجب دخولَ الجنّة لذاته، وإنما يُوجّه لأجل أن الله تعالى - بِفَضْلهِ- جعله علامةً عليه، ومعرفةً له» (١) .
ويقول إبراهيم البيجوري: «فليست الطاعةُ مستلزمةً للثواب، وليست المعصية مستلزمة للعقاب؛ وإنما هما أمارتان: تدلّان على الثواب لمن أطاع، والعقاب لمن عصى» (٢) .
الموقف الثاني: من طعن في الحديث؛ بناءً على أنه لا يمكن دخول الجنّة إلا إذا كان على جهة الاستحقاق مجرّدًا. فالثواب والجزاء عِوضٌ عنِ الأَعمال، وعِدْلٌ لها.
والذاهبون إلى ذلك هم المعتزلة.
وفي بيان موقفهم يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا
стр. 629
أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ الأعراف: ٤٣: «بسبب أعمالكم؛ لا بالتفضّل؛ كما تقول المُبْطِلَةُ» (١) .
ويأتي في المطلب القادم -بحول الله- مَزِيدُ بسطٍ لأقوالهم في هذا الباب، مع بيان الأصول التي انطلق منها كلا الفريقين.
стр. 630
المطلب الثاني: سَوق دعوى المعارِض العقلِي على حديث: (لا يُدخل أَحدًا الجنَّة عَملُهُ)
احتجّت المعتزلة في إبطال دلالة الأحاديث المتقدمة بما يلي:
الأول: أن التكليف بالأمور الشاقَّةِ يجب أن يكون مقابل منفعة الثواب = وإلَّا كان حصول التكليف من الله بذلك قبيحًا؛ والله لا يختار القبيح.
وفي ذلك يقول القاضي عبد الجبّار: « .. فاعلم أنه تعالى إذا كلّفنا الأفعال الشاقّة؛ فلا بدّ من أن يكون في مقابلها من الثواب ما يقابله؛ بل لا يكفي هذا القدر حتى يبلغ في الكثرة حدًّا لا يجوز الابتداء بمثله، ولا التفضُّل به، وإلاّ كان لا يحسن التكليف لأجله» (١).
ويقول أيضًا في موطن آخر: «اعلم أنه تعالى قد ثبت أنّه لا يختار فِعْل القبيح؛ بكونه عالِمًا، غنيًّا. فيجب القطع على أنه لا يجوز أن يكلّف الأمور الشاقّة إلاّ على جهة التعريض للمنفعة = وإلاّ كان ذلك قبيحًا» (٢).
الثاني: أنّ نعيم الجنة خالصٌ لا يشوبه كدر؛ فلو كان دخولها على سبيل التفضُّل والرّحمة، لا على سبيل الجزاء والعمل = لأفضى ذلك إلى تحمُّل المِنّة. وتحمُّلُها ذِلّة عظيمةٌ، وكَدَرٌ في النّعمة. وهذا خلاف المتقرّر الثَّابتِ من أَنَّه لا كَدَر في الجنّة (٣).
стр. 631
وفي تقرير ذلك يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ القلم: ٣: « ... غير ممنونٍ عليك؛ لأنه ثوابٌ تستوجبه على عملك، وليس بتفضُّلٍ ابتداءً، وإنما ثمن الفواضل، لا الأجور على الأعمال» (١) .
стр. 632
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارِض العقلي عن حديث (لا يُدخِل أحدًا الجنَّة عملُه)
والجواب عمّا احتجّت به المعتزلة يتّضح فسادُه ببيان الأصل الذي ارتكزوا عليه في إيجابهم استحقاق الثواب جزاءً للعمل = هذا الأصل هو قولهم بالتحسين والتقبيح العقليَّيْن، والذي يراد بهما -عندهم- اتّصاف الأفعال بالحُسن والقُبح، وكون ذلك صفات ذاتية للفعل، لازمة له. وإنما وظيفة الشرع في الكشف عنها.
ثم؛ إنّ المعتزلة بعد رسمهم لمفهوم هذا التحسين والتقبيح جعلوه مرتبطًا ولازمًا لمسائل القدر، والتعديل والتجوير. قياسًا منهم للخالق على خلقه؛ إذْ أجروا أحكام هذا الباب -أعني التحسين والتقبيح العقليين- على الخالق تعالى والمخلوق. فإذا اشتمل الفعل على مصلحة خالصة أو راجحة؛ فإنه يجب على الله طلب تحصيله وإيجاده. وإذا اشتمل على مفسدة خالصةٍ أو راجحة؛ فإنه يجب على الله طلب تركه، والنهي عنه (١). ولمّا كان الله عدلًا حكيمًا؛ ومعنى ذلك = أن تكون أفعاله معلَّلة بالحكمة، وألاّ يفعل القبيح، أو يختاره، ولا يخلّ بواجب (٢) =لَزِم أن يتنزّه عن العبث - المناقض للحكمة - الذي من جملته تكليفُ العباد، دون حِكْمة مقصودة. وحُسْن التكليف إنّما يتحقّق بتعريضهم للثواب لعَمَل استحقّوا به ذلك؛ وإلاّ كان قبيحًا = فوجب أن يكون الثواب مترتّبًا على العمل.
والأصل الذي انطلقت منه هذه الطائفة؛ قدْرٌ منه يوافقهم عليه أهل
стр. 633
السنة والجماعة، لكن يبقى أن تحرير محلّ النزاع بينهم وبين أهل السنة والجماعة من أهم المقامات؛ لأن حصول الاشتراك في هذا القدْر من هذا الأصل قد يُوهِم بأنّ كلّ من التزم به؛ فإنه -بلا مثنوية - لا بدّ أن يلتزم بكل ما رتّبت المعتزلة عليه من أغاليط نسبتها للشرع.
وعليه؛ فإنّ مِن موارد النزاع بين أهل السنة والمعتزلة، ما يلي:
المورد الأول: أن أهل السنّة والجماعة؛ مع تقريرهم أن العقل يُدرِك حُسن الأفعال وقُبحها، وأنّ للأفعالِ صفاتٍ ذاتيّة تقتضي حُسنها وقُبحها = إلاّ أنهم في الوقت نفسه يقولون: إنّ العقل لا يستقلّ بإدراكٍ الحُسن والقُبح في جميع الأفعال والأحوال. وبناءً على ذلك؛ فإنهم لا يَقْصِرُون وظيفة الشرع على تأييد العقل، وتقرير ما دلّ عليه، بل كما أن الشرع يكون مقرِّرا، كاشفًا لما أدركه العقل؛ فإنه أيضًا يأتي مؤسِّسًا لحُسن بعض الأفعال وقُبحها. فالفعل تارةً يكونُ حُسْنه من جهة نفسه، وتارةً من جهة الأمْر به (١) .
المورد الثاني: أن التحسين والتقبيح لا يرتبط بهما الجزاء ثوابًا وعقابًا، خلافًا للمعتزلة الذين رتّبوا على هذا المبدأ الإيجاب والتحريم اللذين هما مُتعلَّق الثواب والعقاب (٢) .
المورد الثالث: أنه لا تلازُم بين مسألة التحسين والتقبيح، وبين باب القدر. والمعتزلة لمّا نصبوا التلازُم بينهما استولدوا مسائل هي ضلال في الشرع والعقل. ومن ذلك:
أولًا: قياسهم الفاسد بين الخالق والمخلوق؛ إذْ جعلوا باب التحسين والتقبيح واحدًا فيهما. فما حَسُن من المخلوق حَسُن من الخالق، والعكس
стр. 634
وهذا باطلٌ من وجهين:
الوجه الأول: أنّ هذا القياس لا يصحُّ إلاّ عند استواء الأصل والفرع في الرُّتبة. ومن المعلوم ضرورةً أن الربّ ﵎ متّصِفٌ بصفات الكمال التي لا نقْصَ فيها بوجهٍ من الوجوه. وهذا أمرٌ لا ينازِعُ أحدٌ من هذه الأمة فيه (١) .
وهو -سبحانه- أيضًا يُجَلُّ عن أن يكون له مثيل في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ وقال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ النحل: ٦٠
فكيف يتأتّى قياس مَن له الكمال المُطلق، والغِنى الذاتي على مَنْ صفته النقص، والفقر الذاتي؟!
الوجه الثاني: أَنَّ الفِعلَ يحسُنُ من العبد؛ لجلبه المنفعةَ، ويقبُح؛ لجلْبه المضرّة. ويحسُن؛ لأنّ العبد أُمِر به، ويقبُح؛ لأنّه نُهي عنه = وهذان الأمران منتفيان في حقّ الربّ ﵎ (٢) .
فإذا تبيّن فساد هذا الأصل = بانَ بُطلان ما تشعّب منه؛ وهو: القول بالإيجاب العقلي على الله تعالى. إذْ لازم هذا القولِ القدحُ في الرّبوبية؛ لأنّ حقيقته سلْبُ الاستعلاء والاختيار عنه (٣) . والله له الاختيار المطلق، والمشيئة النافذة؛ فهو ربُّ كلّ شيء ومليكه، ما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكن، لا موجب عليه؛ لأنّ حقيقة هذا الإيجاب لا تكون إلاّ بوجود آمِرٍ أو ناهٍ أعلى من الربّ ﵎. ولا أحدَ أعلى منه؛ فكلّ ما سواه مربوبٌ مخلوقٌ.
стр. 635
وما ورد من وجوب الرحمة والثواب والوعد في الدلائل الشرعية؛ كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الأنعام: ٥٤ وغيرها من الدلائل = فإنَّ وقوع ذلك واجب؛ بحُكم وعده الصادق، هو الموجِب على نفسه تفضُّلًا منه ﵎؛ لا أن العباد أوجبوا عليه. قال الإمام ابن تيمية ﵀: «وأما الإيجاب عليه ، والتحريم؛ بالقياس على خلقه = فهذا قول القدريّة. وهو قولٌ مبتدَع، يخالف الصحيح المنقول، وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنّه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأنّ ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب؛ قال: إنّه كتب على نفسه، وحرَّم على نفسه؛ لا أنّ العبدَ نفسَه يستحقّ على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق .. » (١) .
فإذا ظهر بطلان الإيجاب العقلي على الله سبحانه؛ لبطلان أصله، وبطلانه في نفسه = عُلِم أن الاستحقاق مبناه على فَضْل من الله ورحمة، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الروم: ٤٥
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ الأحزاب.
وقال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الحديد: ٢١.
ولهذا الفَضلِ الرَّبَّانيِ جهاتٌ:
الجهة الأولى: أن الهداية إلى العمل الصالح محْض فضْلٍ من الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ الحجرات: ١٧ وقال ﵎: