← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفي تقرير ذلك يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾ القلم: ٣: « ... غير ممنونٍ عليك؛ لأنه ثوابٌ تستوجبه على عملك، وليس بتفضُّلٍ ابتداءً، وإنما ثمن الفواضل، لا الأجور على الأعمال» (١) .

стр. 632

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارِض العقلي عن حديث (لا يُدخِل أحدًا الجنَّة عملُه) والجواب عمّا احتجّت به المعتزلة يتّضح فسادُه ببيان الأصل الذي ارتكزوا عليه في إيجابهم استحقاق الثواب جزاءً للعمل = هذا الأصل هو قولهم بالتحسين والتقبيح العقليَّيْن، والذي يراد بهما -عندهم- اتّصاف الأفعال بالحُسن والقُبح، وكون ذلك صفات ذاتية للفعل، لازمة له. وإنما وظيفة الشرع في الكشف عنها. ثم؛ إنّ المعتزلة بعد رسمهم لمفهوم هذا التحسين والتقبيح جعلوه مرتبطًا ولازمًا لمسائل القدر، والتعديل والتجوير. قياسًا منهم للخالق على خلقه؛ إذْ أجروا أحكام هذا الباب -أعني التحسين والتقبيح العقليين- على الخالق تعالى والمخلوق. فإذا اشتمل الفعل على مصلحة خالصة أو راجحة؛ فإنه يجب على الله طلب تحصيله وإيجاده. وإذا اشتمل على مفسدة خالصةٍ أو راجحة؛ فإنه يجب على الله طلب تركه، والنهي عنه (١). ولمّا كان الله عدلًا حكيمًا؛ ومعنى ذلك = أن تكون أفعاله معلَّلة بالحكمة، وألاّ يفعل القبيح، أو يختاره، ولا يخلّ بواجب (٢) =لَزِم أن يتنزّه عن العبث - المناقض للحكمة - الذي من جملته تكليفُ العباد، دون حِكْمة مقصودة. وحُسْن التكليف إنّما يتحقّق بتعريضهم للثواب لعَمَل استحقّوا به ذلك؛ وإلاّ كان قبيحًا = فوجب أن يكون الثواب مترتّبًا على العمل. والأصل الذي انطلقت منه هذه الطائفة؛ قدْرٌ منه يوافقهم عليه أهل

стр. 633

السنة والجماعة، لكن يبقى أن تحرير محلّ النزاع بينهم وبين أهل السنة والجماعة من أهم المقامات؛ لأن حصول الاشتراك في هذا القدْر من هذا الأصل قد يُوهِم بأنّ كلّ من التزم به؛ فإنه -بلا مثنوية - لا بدّ أن يلتزم بكل ما رتّبت المعتزلة عليه من أغاليط نسبتها للشرع. وعليه؛ فإنّ مِن موارد النزاع بين أهل السنة والمعتزلة، ما يلي: المورد الأول: أن أهل السنّة والجماعة؛ مع تقريرهم أن العقل يُدرِك حُسن الأفعال وقُبحها، وأنّ للأفعالِ صفاتٍ ذاتيّة تقتضي حُسنها وقُبحها = إلاّ أنهم في الوقت نفسه يقولون: إنّ العقل لا يستقلّ بإدراكٍ الحُسن والقُبح في جميع الأفعال والأحوال. وبناءً على ذلك؛ فإنهم لا يَقْصِرُون وظيفة الشرع على تأييد العقل، وتقرير ما دلّ عليه، بل كما أن الشرع يكون مقرِّرا، كاشفًا لما أدركه العقل؛ فإنه أيضًا يأتي مؤسِّسًا لحُسن بعض الأفعال وقُبحها. فالفعل تارةً يكونُ حُسْنه من جهة نفسه، وتارةً من جهة الأمْر به (١) . المورد الثاني: أن التحسين والتقبيح لا يرتبط بهما الجزاء ثوابًا وعقابًا، خلافًا للمعتزلة الذين رتّبوا على هذا المبدأ الإيجاب والتحريم اللذين هما مُتعلَّق الثواب والعقاب (٢) . المورد الثالث: أنه لا تلازُم بين مسألة التحسين والتقبيح، وبين باب القدر. والمعتزلة لمّا نصبوا التلازُم بينهما استولدوا مسائل هي ضلال في الشرع والعقل. ومن ذلك: أولًا: قياسهم الفاسد بين الخالق والمخلوق؛ إذْ جعلوا باب التحسين والتقبيح واحدًا فيهما. فما حَسُن من المخلوق حَسُن من الخالق، والعكس

стр. 634

وهذا باطلٌ من وجهين: الوجه الأول: أنّ هذا القياس لا يصحُّ إلاّ عند استواء الأصل والفرع في الرُّتبة. ومن المعلوم ضرورةً أن الربّ ﵎ متّصِفٌ بصفات الكمال التي لا نقْصَ فيها بوجهٍ من الوجوه. وهذا أمرٌ لا ينازِعُ أحدٌ من هذه الأمة فيه (١) . وهو -سبحانه- أيضًا يُجَلُّ عن أن يكون له مثيل في ذاته، أو صفاته، أو أفعاله. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ الشورى: ١١ وقال ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾ النحل: ٦٠ فكيف يتأتّى قياس مَن له الكمال المُطلق، والغِنى الذاتي على مَنْ صفته النقص، والفقر الذاتي؟! الوجه الثاني: أَنَّ الفِعلَ يحسُنُ من العبد؛ لجلبه المنفعةَ، ويقبُح؛ لجلْبه المضرّة. ويحسُن؛ لأنّ العبد أُمِر به، ويقبُح؛ لأنّه نُهي عنه = وهذان الأمران منتفيان في حقّ الربّ ﵎ (٢) . فإذا تبيّن فساد هذا الأصل = بانَ بُطلان ما تشعّب منه؛ وهو: القول بالإيجاب العقلي على الله تعالى. إذْ لازم هذا القولِ القدحُ في الرّبوبية؛ لأنّ حقيقته سلْبُ الاستعلاء والاختيار عنه (٣) . والله له الاختيار المطلق، والمشيئة النافذة؛ فهو ربُّ كلّ شيء ومليكه، ما شاء كان، وما لم يشأْ لم يكن، لا موجب عليه؛ لأنّ حقيقة هذا الإيجاب لا تكون إلاّ بوجود آمِرٍ أو ناهٍ أعلى من الربّ ﵎. ولا أحدَ أعلى منه؛ فكلّ ما سواه مربوبٌ مخلوقٌ.

стр. 635

وما ورد من وجوب الرحمة والثواب والوعد في الدلائل الشرعية؛ كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الأنعام: ٥٤ وغيرها من الدلائل = فإنَّ وقوع ذلك واجب؛ بحُكم وعده الصادق، هو الموجِب على نفسه تفضُّلًا منه ﵎؛ لا أن العباد أوجبوا عليه. قال الإمام ابن تيمية ﵀: «وأما الإيجاب عليه ، والتحريم؛ بالقياس على خلقه = فهذا قول القدريّة. وهو قولٌ مبتدَع، يخالف الصحيح المنقول، وصريح المعقول. وأهل السنة متفقون على أنّه سبحانه خالق كل شيء ومليكه، وأنّ ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن العباد لا يوجبون عليه شيئًا. ولهذا كان من قال من أهل السنة بالوجوب؛ قال: إنّه كتب على نفسه، وحرَّم على نفسه؛ لا أنّ العبدَ نفسَه يستحقّ على الله شيئًا كما يكون للمخلوق على المخلوق .. » (١) . فإذا ظهر بطلان الإيجاب العقلي على الله سبحانه؛ لبطلان أصله، وبطلانه في نفسه = عُلِم أن الاستحقاق مبناه على فَضْل من الله ورحمة، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الروم: ٤٥ وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ الأحزاب. وقال تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الحديد: ٢١. ولهذا الفَضلِ الرَّبَّانيِ جهاتٌ: الجهة الأولى: أن الهداية إلى العمل الصالح محْض فضْلٍ من الله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ الحجرات: ١٧ وقال ﵎:

стр. 636

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ الحجرات: ٧ - ٨. الجهة الثانية: أنّ الأعمال الصالحة إنما صلحت برحمة الله تعالى وفضله. الجهة الثالثة: أنّ العاملَ وعملَه داخلان في عموم خلق الرب ﵎؛ فهو المُنْعِم في الابتداء والانتهاء. والمعتزلة أناطوا مسألة إيجاب الاستحقاق على ما انتهوا إليه في مذهبهم من استقلال العبد في إيجاد فعله. ولا رَيْب أن نظريتهم في أفعال العباد تناقض حقيقة الإيمان، بالقدر الذي ينتظم عموم خلق الله ﵎ كما سبق بيانه-. الجهة الرابعة: أنه لو استوجب العبد بمقتضى العقل الثوابَ الأبدي على فعل الواجب؛ لاستوجب الربّ تعالى كذلك الشكر الأبديّ على العبد بنعمه السابقة؛ بل أولى=واللازم ... ممتنع؛ لما فيه من لزوم التكليف في دار الخلود. وهذا خلاف المتقرّر شرعًا (١) . الجهة الخامسة: أن مقدار الأجر المستحقّ - على تقدير وجوبه- غير معروف عقلًا، وقد يكون صغيرًا. ومع ذا فقد جعل الربّ ﵎ الجنّةَ جزاءً للعمل الحقير؛ كرمًا، وفضلًا (٢) . الجهة السادسة: أن العمل لا يصلح بمفرده أن يكون عدلًا ومقابلًا للجنة؛ لأنّ العمل لو قيس ببعض نعم الله المُنعَم بها على العبد لاستفْرغتْها (٣) . الجهة السابعة: أن دخول الجنة كما أنه يكون بالعمل؛ فإنّه لا بدّ

стр. 637

من إضافة قَيْد؛ وهو: تكفير السيئات التي لا ينفك عنها العبد. وتكفيرها تفضُّلٌ من الله جل وعلا. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ التغابن: ٩ وينبغي لحْظ أن أهل السنة لا ينكرون أن الجنة تُدخَل بعمل؛ كما نطقت بذلك البراهين الشرعية، وإنما الإنكار لما لم يدلّ عليه الدليل من أن الجنّة تُستَحقّ على الله بالعمل؛ على جهة الثمنية والعوض. وأَمَّا الجواب عن الشُّبهةِ الثَّانية؛ وهي: دعواهم أنّ نعيم الجنة خالص لا يشوبه كَدَرٌ ... الخ. فيقال: إن الامتنان إنما يصحّ أن يكون ذِلّة وكدرًا إذا كان من جهة النظير والمماثِل، أمّا إذا كان من المالك المتفرّد بالعطاء، الذي لا يدانيه مُعْطٍ، ولا يُماثلُه منعم (١)؛ فلا مكان للكدر، ولا محلّ للذّلّة. وأمّا المِنّة فليست منتفيةً. فالعبد لا يزال يتقلّب في منن الرب ﵎؛ لذا كان من أسمائه ﵎ (المنّان) ومنّته على عبده ليست تكديرًا؛ بل شرفٌ للعبد بأن أنعم عليه، ووفّقه، وهداه، وقَبِل منه، ثمّ أدْخلَه جنّته. وبعد انقضاء الحديث عن وجه ما طعنتْ به المعتزلة، وظهور فساد ما ذهبت إليه = لزمت الإبانة عن الأصول التي بنتْ عليها الأشاعرة موقفها في فهم الحديث، والعدول به عن ظاهره. فتفسيرهم للنفي الوارد على العمل في الحديث بنفْي سببيّته، وأثره في دخول الجنة؛ أدّاهم إليه حاصل أصلين: الأول: اعتقادهم أنه لا يمكن تحقيق توحيد الربوبية إلاّ بإفراد الرَّبِّ بالخَلْقِ والتَّأثير. وهذا لا يتحصّل إلاّ بنفْي أيّ مؤثّرٍ مع الربّ ﵎.

стр. 638

وفي تقرير هذا الأصل يقول السنوسي (١): «وقد أطبق العقل والشرع على انفراد المولى جل وعزّ باختراع جميع الكائنات عمومًا، وأنه لا أثر لكلّ ما سواه تعالى في أثرٍ ما جملةً وتفصيلًا. وقد غلط قومٌ في تلك الأحكام العادية فجعلوها عقلية، وأسندا وجود كل أثرٍ منها لما جرت العادة أنه يوجد معه؛ إمّا بطبعه، أو بقوة أُودِعت فيه؛ فأصبحوا وقد باءوا بِهَوَسٍ ذميم، وبدعةٍ شنيعة في أصول الدين، وشركٍ عظيم .. » (٢) . الأصل الثاني: أنّ إثبات كمال الملك والاختيار لله لا يتحققُّ إلَاّ بتجويزِ فِعلِ كُلِّ ممكنٍ عليه. فجوّزوا بناءً على ذلك: تعذيب أوليائه، وإثابة أعدائه. ولا يكون ذلك ظُلمًا منه؛ لأن حقيقة الظُّلم التصرُّف في ملك الغير، وهذا لا يتصوّر في حق الله؛ لأن كلّ ما في الوجود مُلك له. ويكون الظلم غير مقدور له. وفي تقرير هذا الأصل يقول الغزالي: «الظلم مَنْفيٌّ عنه بطريق السّلْب المحْض؛ كما تسلب الغفلةُ عن الجدار، والعبث عن الريح؛ فإنّ الظُّلم إنّما يُتصوَّر ممن يمكن أن يصادف فعلُه مُلكَ غيره. ولا يُتصوَّر ذلك في حق الله تعالى. أو يمكن أن يكون عليه أمرٌ فيخالف فعلُه أمرَ غيره. ولا يُتصوَّر من الإنسان أن يكون ظالمًا في ملك نفسه بكل ما يفعله؛ إلاّ إذا خالَف أمرَ الشرع؛ فيكون ظالمًا. فمن لا يتصوَّر منه أن يتصرف في ملك غيره، ولا يتصوَّر منه أن يكون تحت أمر غيره = كان

стр. 639

الظلم مسلوبًا عنه؛ لفَقْدِ شرْطه المُصحِّح له، لا لفقْده في نفسه» (١) . وحقيقة الأمر: أنّ ما ذهب إليه الأشاعرة من نفْي سببيَّة العمل في حصول الثواب؛ بناءً على هذين الأصلين = باطل. فأمّا بطلان الأصل الأول؛ فإنّ حرْف "التأثير" فيه إجمال واشتراك. فالنَّفي والإثبات بإطلاق يستلزم الغلط على الشرع فإنّهم إنْ عَنَوا بـ" التأثير" تأثير السبب في مسببه تأثيرَ اختراعٍ، وإبداع؛ بحيث يستقل السَّببُ بالأَثر من غير مُشَارِكٍ مُعَاوِن، ولا مُعَاوِقٍ مُمَانعٍ = فهذا عينُ الإشراك مع الله؛ الذي ينفي مفهومَه أهلُ السنة والجماعة «بل الله وحده خالق كل شيء، لا شريك له، ولا ندّ له. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فاطر: ٢ (﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ سبأ: ٢٢ - ٢٣ ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ الزمر: ٣٨» (٢) . وإنْ عَنَوْا بـ"التأثير" عدم استقلال السبب في حصول المسبّب؛ الذي لا بدّ له من شروط تنضمّ إليه، وموانع تنتفي عنه - وكلّ ذلك مخلوق لله ، خاضع لمشيئته -؛ فهذا إثبات سبب، لا على جهة الاستقلال = ونفْي التأثير بهذا الوجه ركوبٌ للمُحال، ومناقَضة للضرورة النقلية والعقلية. فالباري سبحانه قد أثبت تأثير السبب؛ لطبيعته الشرعية،

стр. 640

والجَزَائيَّة. بل قد قال ابن القيم ﵀: «ولو تتبّعْنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة؛ لزاد على عشرة آلاف موضع» (١) . كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الأعراف: ٥٧ وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ الحاقة: ٢٤ وغيرها من الدلائل. وإنكار الأشاعرة تأثير الأسباب في مسبباتها؛ راموا به تحقيق الربوبية، في حين أنّه في حقيقة الأمر يعود على ما قصدوه بالإبطال؛ فإنه أقرب إلى نفْي الخالق من أن يدلّ على وجوده وكمال ربوبيّته. وبهذه الثغرة استطالت عليهم الفَلاسِفةُ، فهذا أبو الوليد ابن رُشْد يشغب عليهم بما قرروه بقوله: «وبالجملة؛ فكما أن من أنكر وجود المسبّبات مُرَتَّبةً على الأسبْابِ في الأُمور الصناعية، أو لم يدركها فهْمُه؛ فليس عنده علم بالصناعة، ولا الصانع = كذلك من جحد وجود ترتيب المسببات على الأسباب في هذا العالَم؛ فقد جحد الصانع الحكيم -تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا- ... [و] متى رفعْنا الأسباب والمسببات؛ لم يكن ها هنا شيءٌ يُردّ به على القائلين بالاتفاق - أعني: الذين يقولون: لا صانع ها هنا-، وأن جميع ما حدث في هذا العالَم إنما هو من الأسباب المادية؛ لأن أحد الجائزَيْن هو أحقّ أن يقع عنه الاتفاق منه أن يقع عن فاعلٍ مختار ... » (٢) . وأما بطلان الأصل الثاني: فإنّ ما ذكروه من جواز فعل كلّ مقدور

стр. 641

عليه = تعطيل لعدْل الربّ ﵎. والأشاعرة جعلوا الظلم من قبيل الممتنع لذاته؛ فلا تتعلّق به القُدْرة، فيبقى أنّ كلّ ممكن إذا قُدِّر وجودُه فهو عدلٌ، وليس ظُلمًا. وفسّروا الظلم بأنه: التصرّف في ملك الغير - وكلّ ما سواه ملكه -؛ في حين أن هذا التفسير مخالف لمقتضى اللسان والشرع؛ فإن الظلم في لسان العرب: وضْع الشيء في غير موضعه. قال الأصمعي: «وأصل الظلم: وضْع الشيء في غير موضعه» (١) . وأمّا دلالة الشرع على هذا المعنى فإن قول الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ النحل: ١١٨ وقوله الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرّمتُ الظلمَ على نفسي وجعلْتُه بينكم مُحرَّمًا؛ فلا تظالَموا) (٢) =تمدُّحٌ منه سبحانه بتنزُّهِه عن الظلم؛ بكونه ممكنًا مقدورًا عليه، لكن الربّ تعالى لا يفعله؛ لكمال عدله ورحمته، لا لأنه ممتنع عليه (٣)؛ إذ التنزُّه مما لا يقع تحت القدرة لا يتضمّن مدْحًا، ولا كمالًا. ومن عدله وحكمته: ألاّ يعاقِب أولياءه، وألاّ يسوّي بينهم وبين أعدائه، كما قال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ القلم: ٣٥ - ٣٦ وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الجاثية: ٢١ ثم؛ إنّه لو كان الظلم ممتنعًا على الله تعالى لما أمّن أهلَ الإيمان من وقوع الظلم عليهم؛ فإن التأمين يكون ممن الممكن لا من الممتنع؛

стр. 642

لذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ طه. وبهذا يتبيّن فساد ما ذهبتْ إليه كلتا الطائفتين: الاعتزالية، والأشعرية. في فهمهما للأحاديث السابقة. وأنّ ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة هو أسعد القولين بالصواب.

стр. 643

الباب الخامس دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقةِ بالغيبيّات وفيه أَربعة فصول: - الفصل الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلّقة بالملائكة والجن والشياطين. - الفصل الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن بقيَّة الأحاديث المتعلّقة بالشيطان. - الفصل الثالث: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بالرُّؤيا. - الفصل الرَّابع: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة ببقيّة أحاديث الغيبيّات.

стр. 644

الفصل الأول دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقة بالملائكة والجن والشياطين . وفيه تمهيد، ومبحثان: - المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلّقة بالملائكة. - المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث الدالة على وجود الجن والشياطين.

стр. 645

تمهيد: الغيب؛ هو: ما غاب عن الحواس (١). والإيمان بالغيب أصل الإيمان وأُسُّه، وثبوتُه ضرورةٌ شرعيةٌ دلّ عليها الشرع. ومن أنعم النظر في دلائل القرآن والسنة؛ وجد أنهما قد شُحنا بذكرها، وبيانها، وترتيب الجزاء على مَن آمن بها؛ لكونها مدار الابتلاء، والامتحان. ومما يدخل دخولًا أوّليًّا في هذا الغيب: الإيمان بالله تعالى، وبأسمائه وصفاته، وملائكته، والجنة والنار، وغير ذلك مما ثبتت به الدّلائل الشرعية؛ من السّمع، والعقل. وقد رتّب المولى جلّ وعلا على هذا المَطْلب نتائج جليلة؛ منها: - أن حصول الاهتداء التامّ بالوحي هو لمن آمن بالغيب. قال سبحانه: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ البقرة. - تحقُّق الانتفاع بِنُذُر القرآن ومواعظه، قال ﵎: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾ فاطر: ١٨ وقال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ

стр. 646

الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ يس. - حصول المغفرة من الذنوب، وحصول الأجر الكبير. قال ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ الملك. - الوعد بتحقق أغلى المطالب؛ وهو: دخول جنات عدن. قال تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾ مريم. وقال: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ ق. وكذلك؛ فإن الإيمان بالغيب هو مقتضى الضرورة النَّفسيَّة؛ ذلك لأنَّه لا يوجد إنسان يستطيع الانفكاك عن حاجته للتفكير في الغيب، ونزوع نفسه إلى التأمل في قضايا تخرج من محيط الشهادة إلى دائرة الغيب. ولذا؛ فإن من طبيعة النفس البشرية الإيلاع بالبحث عن علل الأشياء، وتَطَلُّب أسْبابها المغيَّبة عن شهود الحِسّ لها. لذا؛ كان الإيمان بالغيب من أخصِّ خصائص المؤمنين التي امتازوا بها عن الكافرين. يقول العلاّمة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، مجلِّيًا هذه الخصيصة: (حقيقة الإيمان؛ هو التصديق التّام بما أَخبرت به الرُّسل، المتضمّن لانقياد الجوارح. وليس الشّأنُ في الإيمان بالأشياء المشاهدةَ بالحسّ؛ فإنّه لا يتميّز بها المسلم من الكافر = إنما الشّأنُ في الإيمان بالغيب، الذي لم نَرَهُ، ولم نُشاهدْهُ، وإنّما نؤمن به لخبر الله ورسوله ﷺ ؛ فهذا الإيمان الذي يُميَّز به المسلمُ من الكافر؛ لأنه تصديقٌ مجرَّدٌ لله ولرسله، فالمؤمن يؤمنُ بُكلِّ ما أخبر الله به، أو أخبر به رسوله سواء شاهده أو لم يُشاهده؛ وسواء، فَهِمَه وعَقِلَه، أو لم يهتدِ إليه عقلُه وفهْمُه. بخلاف الزنادقة المكذبين للأمور الغيبية؛ لأن عقولهم القاصرة المقصّرة لم تهتدِ إليها، فكذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه؛ ففسدت عقولهم، ومرجتْ أحلامُهم. وزَكَتْ عقولُ المؤمنين المصدّقين، المهتدين

стр. 647

بهدي الله) (١) . ومرادُه ﵀ بالتصديق المجرّد = التصديق الجازم بما أخبر الله ورسوله ﷺ من غيبيات وكونه ليس موقوفًا على دفْع معارض عقلي، أو عقل كيفية وكُنه هذا الغيب. فهو ﵀ لا يريد بالتصديق المجرّد هنا تصديقًا خاليًا عن تعقّل معاني هذا الغيب، أو الاستدلال عليه بالأدلة الشرعية العقلية التي نبّه عليها الوحي = فإنّ هذا مناقض لمقصود الشارع من جهتين: الجهة الأولى: أَنَّ حقيقةَ التصديق الجازمِ =هو ما بُني على إقرارٍ وتعقُّل لما خوطِب به المصدق. وإلاّ؛ فكيف وقع الجزمُ إذن؟ فلا يقع الجزم إلَّا على أمر معقول انعقد القلبُ عليه. والجهة الثانية: أَنَّ الشَّارع لم يخاطبنا بتلك الغيبيات، ويبيّن أدلّتها العقلية؛ إلاّ لِنفْهَمَ ذلك الغيب، ونوظّف تلك البراهين العقلية في إثباته، والاستدلال على ما يمكن الاستدلال عليه؛ وهو الغيبُ المتعقل. =بل إِنَّ الإيمانَ بالغيبِ أَيضًا كما أنّه الفارق بين المسلم والكافر، هو أيضًا ممّا يميّز الإنسان المكرّم عن سائر مخلوقات الله. فإذا انسلخ عن هذا المَيْسَم الذي اختُصّ به = انحطّ إلى رُتبة الأنعام، وساواها فيما تشترك فيه. يقول سيّد قطب ﵀: (الإيمان بالغيب؛ هو: العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يُدرِك إلا ما تُدرِكُه حواسُّه؛ إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجودَ أكبرُ وأشملُ من ذلك الحيّز الصغير المحدود الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس -؛ وهي نقلةٌ بعيدةُ الأثر في تصوُّر الإنسان لحقيقة الوجود كلِّه، ولحقيقة

стр. 648

وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطوية في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون، وما وراء الكون مِنْ قُدرةٍ وتدبيرٍ. كما أنّها بعيد الأثر في حياته على الأرض؛ فليس مَن يعيش في الحيّز الصغير الذي تدركه حواسّه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تُدركُه بديهتُه وبصيرتُه، ويتلقّى أصداءَه وإيحاءَاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أنّ مداهُ أوسعُ في الزمان والمكان من كلّ ما يدرِكُه وعْيُه في عمره القصير المحدود، وأن وراء الكون ظاهرِه وخافِيهِ حقيقةٌ أكبر من الكون؛ هي التي صدر عنها، واستمدّ من وجودِها وجودَه = حقيقة الذات الإلهيّة التي لا تُدركها الأبصار، ولا تحيط بها العقول) (١) . والإيمان بالغيب مقتضى الضرورة الخُلُقيّة؛ فالدّنيا يسعى فيها البَرُّ والفاجر، والصالح والطالح. واختلافُ السعي يتطلّب المجازاةَ وإثابة المحسن، وعقوبةَ المسيء؛ ضرورة أن الخلق لم يُتركوا هملًا. والدُّنيا ليست موضوعةً لهذا الغَرَضِ = فعُلِم يقينًا، أَنَّ هناك دارًا أُخرى مُغيَّبة عنّا تتمّ فيها هذه المجازاة؛ كلٌّ بحسَبِ سعْيِه (٢) . وقضايا الاعتقاد الغيبيّة تنقسم من جهة دلالة العقل عليها إلى قسمين: الأول: معقول. يكون مستند استدلال العقل عليه؛ بتوسّط أثر موضوعي يحكم العقل بضرورة التسبب والتلازم بين المسبَّب المشهود، وبين سببه الغيبيّ. ووجه هذه الضَّرورة العقليَّة: أَنَّ العقلَ بمدركاته الفطريَّة يحكم بامتناع وجود أثر ومسبّب؛ هكذا بعفوية، ثم لا يكون لوجوده سببٌ اقتضى ترجيح إمكانية وجوده على عدمه. وليست هذه الضَّرورةُ العقليَّةُ

стр. 649

مقتصرةً على إثبات القضايا الاعتقادية المغيّبة عنّا فحسب = بل هذه الضرورة هي الأساس الذي قامت عليه العلوم التجريبية. وفي تقرير هذه الحقيقة العلمية يقول "كورنو" (١): (ما من ظاهرة، أو حادثٍ يحدث إلا وله سبب. ذلك هو المبدأ الموجِّه للعقل البشري، والمنظِّم لعملياته خلال البحث عن الحوادث الواقعيّة. قد يحدث أحيانًا أن يغيب عنّا سبب ظاهرةٍ، أو نتّخذ سببًا ما ليس بسببٍ؛ ولكن لا عجزنا عن تطبيق مبدأ السببية، ولا الأخطاء التي نقع فيها عند تطبيقه = بِقادِرَيْنِ على زعزعة إيماننا بهذا المبدأ الذي نعتبره قاعدةً مُطلقة ضروريةً) (٢) . فوجود بعض الظواهر يكشف عن أسبابها؛ بالكشف عن هذا التلازم بين الظاهرة وسببها، ليتم صياغة القوانين التي من خلالها يمكن ضبط هذه الظواهر، وفهم الطريقة التي حدثت بها. فسقوط الأجسام نحو الأرضِ بتسارُعٍ واحدٍ - مثلًا - ظاهرة وأثر، سببه ما أودعه الله في الأرض من جاذبية تجذبُ الأشياء إليها. أَمَّا حقيقةُ هذه الجاذبيَّة وكُنهها فأمْرٌ غيبيّ لا يدخل تحت سرادق البحث التجريبي. وهذا مطّردٌ في كافَّة القوى الطبيعية المكتَشَفة؛ كالقوى الكهربائية، والمغناطيسية، والنووية (٣) . وأمّا القسم الثاني، فهو: الغيب المحض (=المتعقَّل): وهذا القسم لا يَتأتَّى للعقل الاستدلال على قضاياه مباشرة، إذ العلم به متوقفٌ على خبر الصادق، وإّنما لم يمكن الاستدلال العقلي

стр. 650

على هذا النوع من الغيوب =لكون الواسطة المحسوسة منتفية بين العقل وبين هذا النوع من الغيب، والتي من خلالها يحكم العقل بضرورة التلازم بينها وبين سببها الغيبي كما تقدم بيان ذلك. وتعذر الاستدلال عليه ابتداء لايمنع من إثباته وإمكان الاستدلال على أَصله، وذلك بإقامة الدلائل القطعية على صدق المُخْبرِ به، وكذا أَيضًا لا يمنع من تعقُّلِ هذا الغيب فَهمًا وإِدراكًا لمعانيه. فاستبان بهذا التقرير قيامُ البرهان على إثبات العقائد الغيبية؛ وجودًا، ومعنىً. فأمّا كون الإثبات متعلّقًا بالوجود فقط، لا بِكُنْه تلك العقائد؛ فلأنَّ العلمَ لو تعلَّق بإدراك كيفية تلك العقائد المغيّبة عنّا = لخرجت عن حيّز الغيب إلى نطاق الشَّهادة، ولانتفت بذا حكمة الابتلاء والاختبار. وأما المراد بالمعنى المُثْبَتِ بهذه العقائد الغيبيَّة؛ فهو المفهوم اللُّغوي؛ لوجود وصفات هذا الغيب، بإثبات القدر المشترك بين معاني ما نعقله من هذا الوجود المشهود، وبين معاني تلك العقائد المغيّبة عنّا، التي قام الدليل على إثباتها. وفي تقرير هذا المعنى يقول ابن تيمية ﵀: (إنّك تعلم: أنّا لا نعلم ما غاب عنّا إلاّ بمعرفة ما شهدنا. فنحن نعرف أشياء بحسّنا الظاهر أو الباطن، وتلك معرفة معينة مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامّة كلّية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنّا لم نفهم ما قيل لنا إلاّ بمعرفة المشهود لنا. فلولا أنّا نشهد من أنفسنا جوعًا، وعطشًا، وشِبعًا، وريًّا، وحبًّا، وبُغضًا، ولَذَّةً، وألمًا، ورِضىً، وسُخطًا = لم نعرفْ حقيقةَ ما نُخَاطَب به؛ إذا وُصِف لنا ذلك، وأُخبِرْنا به عن غيرنا ... فلا بدّ فيما شهدنا، وما غاب عنّا من قدرٍ مُشترك؛ هو: مسمّى اللفظ المتواطئ. فبهذه

стр. 651

الموافقة والمشارَكة، والمشابَهة، والمُواطَأة؛ نفهم الغائب، ونُثْبِته، وهذا خاصة العقل. ولولا ذلك لمن نعلم إلاّ ما نُحِسُّه، ولم نعلمْ أمورًا عامّةً، ولا أمورًا غائبةً عن أحاسيسنا الظاهرة، والباطنة ... ) (١) . ومع انْبِساط وانتشار الدّلائل السَّمعيَّة على إثبات العقائد الغيبيَّة، وإمكان الاستدلال العقلي عليها = إلاّ أن هناك طوائفَ من الناس خالفوا مقتضى الضرورة السابقة، وأنكروا وجود حقائق غيبيّة لا تقع في فلك مُدركاتهم. والأساس الذي انبنى عليه غلطُهم أنَّهم حصروا الوجود وأسبابَه فيما له تحقُّقٌ موضوعي مُدْرَك، وما لم يكن حكموا بنفْيه؛ لتجاوُزه الواقع المادّيّ. ثم إنّهم تفريعًا على هذا الأَصلِ جعلوا الحقائق الغيبية قَسِيمَةً للمعرفة العقليَّة؛ لزعمهم أن هذه الحقائق لا يمكن البَرْهنة عليها؛ وذلك لكونها ليس لها تحقُّقٌ خارج الذات العارفة، فهي شأن ذاتيّ يمتنع فحصه وإمكان الاستدلال العقلي عليه. يقول "عادل ضاهر" منظّرًا لهذا الأصل الفاسد: (الكلام على "حقائق" تتخطّى مجال المعرفة العقلية -كما رأينا- هو كلام على "حقائق" من النوع الميتافيزيقي، أو اللاّهوتي. إذن فهو ينطوي على موقف ثنائي من الوجود يفترضُ أنّ الواقع الماديّ المحسوس (عالَم الظواهر) لايستنفد كل ما هو موجود، وما يمكن أن يوجد، وأن هناك واقعًا آخر لا مادّيًّا يتجاوزه. إنّ الفصْل الإبستمولجي بين المعرفة العقلية وغير العقلية، بناءً على الموقف الذي يُشكّل مدار نقاشنا؛ هو في نفس الوقت فصْلٌ أنطولجي مطلق بين واقعين: واحدٌ مادّي، وآخر لا مادّي.

стр. 652

ولكن من الواضح هنا أن هذا الموقف الأنطولجي الثنائي مثيرٌ للجدل جدًّا؛ بل إنه يفتقر إلى القابلية للفهم؛ فليس واضحًا ... إن الفحوى الأساس لما سبق؛ هو: أنه لا يمكننا أن نخطو الخطوة الأولى في اتجاه التسليم بصدق افتراض وجود طرق غير عقلية للمعرفة؛ إلاّ إذا افترضنا على الأقل = إمكان وجود حقائق ميتافيزيقية متخطية لحدود المعرفة العقلية. ولكن الافتراض الأخير هو افتراض فلسفي في الصميم، ولا يستقيم بدون سند عقلي ... ) (١) . وقد سبقه إلى هذه الدعوى - أي: كون العقائد الغيبية لا تستند إلى سند عقلي - "زكي نجيب محمود"؛ حيث فرَّق أَوَّلًا بين العقائد الغيبية، وبين الفلسفة العلمية المُقَامَةِ على بناء " ميتافيزيقي" لا يمكن التحقق منه؛ بأنْ أظْهَر التسليم بالأولى، وجعل مدار التسليم بها = هو الإيمان غير المُبرهن. وأبى القبول بالأخرى؛ بناءً على "مبدأ التحقُّق" الذي التزم به أصحاب الوضعية المنطقية، والذي يقضي بأن كل جملة لا يتأتى إمكان التحقُّق العملي من صدقها؛ فهي جملة بغير معنى؛ وإذا كانت بغير معنى = فهي "خرافة" (٢) . وفي بيان موقفه من العقائد الدينية يقول "زكي نجيب محمود": (أمّا العقيدة الدينية فأثرها مختلف كلّ الاختلاف؛ لأن صاحب الرسالة الدينيّة لا يقول للناس: إنّني أقدم لكم فكرةً رأيتها ببصيرتي. بل يقول لهم: إنني أقدم رسالةً أُوحِي بها إليّ من عند ربّي لأبلّغها. وها هنا لا يكون مدار التسليم بالرسالة برهانًا عقليًّا على صدق الفكرة، ونتائجها المستدلة منها؛

стр. 653

بل يكون مدار التسليم هو تصديق صاحب الرسالة فيما يرويه من ربّه = أي أن مدار التسليم هو الإيمان) (١) . وليس من حظّ هذه المباحث بيان المفارقة العجيبة في هذا التفريق الذي انشقّ به زكي نجيب محمود عن أصول مدرسته التي ينتمي إليها، والتي تطرد موقفها من "الميتافيزيقيا" دون تفريقٍ بين ما هو ديني وبين ما هو فلّسفي؛ كما هو مرسوم في بيان "حلقة فيينا" (٢) = فليس من حظ هذه المباحث التعرُّض لذلك (٣)، ولا الكشف عن الرؤيةِ الفلسفيَّة التي ينطلق منها الدكتور "زكي نجيب" والتي لا تعترف بإمكان معرفةٍ قبْليّةٍ؛ بل أساس المعرفة لديها هو ما كان نابعًا عن مُعطًى حسّي. وإِنَّما المقصود من مناقشة دعوى كُلٍّ من "زكي نجيب محمود"، و "عادل ضاهر" في: أن التسليم بالعقائد الدينية إيمانيُّ لا برهانيُّ. والحقيقة: أنّ ما ذهبا إليه؛ من انتفاء السّند العقلي الكاشف عن وجود حقائق غيبية = لا يعدو أن يكون مجرّد دعوى؛ لأن النفي ليس بعلم، والعجز عن الاستدلال العقلي على تحقّق معرفة تتخطّى الواقع المادي؛ لا يلزم منه امتناع الاستدلال مطلقًا في واقع الأمر، ولا سلْب معقولية هذه المعرفة المتجاوِزة للحسّ البشري. ذلك لأن هذه المعرفة المتخطية للحواس ليست قسيمة للمعرفة العقلية؛ لتحقّق إمكان الاستدلال العقلي عليها؛ إمّا بتوسّط الأثر المحسوس الذي يحكم العقل بضرورة التلازم بين هذا الأثر ومؤثره؛ وَفْقًا لقانون السّببيَّة، وإمّا بطريقة غير

стр. 654

مباشرة، وذلك بأن يتوقف العِلْم بهذا الغيب على خَبَر الصادق الذي انتصبت البراهين العقلية على صدقه فيما أخبر به عن هذه الغيبيَّات. فليس الأمر مجرّد شأنٍ ذاتيّ يتعلّق بالذات العارفة؛ بل وجود هذه الحقائق الغيبيّة متحقق في الخارج، والآثار دالّة عليه. فإذا تبيّنَ فسادُ هذا الأصل؛ عُلِم أنّ عقْد التلازم بين عدم العلم بِكُنْه وكيفيّة هذه الحقائق، وبين انتفاء وجودها = باطلٌ؛ لأَنَّ البدهيَّات العقلية، والخبرة الحسيَّة تأبى هذا التلازم. فالجهل بالكيفية لا يلزم منه الجهل بالوجود؛ فضلًا عن انتفائه؛ لإمكان العلم بوجود شيءٍ دون التحقق من كيفيته = وإلاّ للزمهم التناقُض من جهتين: الأولى: أن إثبات المحسوس - وهو المثبت الُمسبّب - دون سببه الغيبي تناقض؛ للضرورة العقلية القاضية بالتلازم المطّرد بين السبب ومسبّبه (١)، وإنْ خالف في ذلك أصحاب الوضعية في قصر مصادر المعرفة على الواقع المحسوس. الجهة الثانية: أن إثباتهم التلازم بين الأثر المحسوس وسببه الغيبي في باب المكتَشَفات العلمية، دن ما يتّصل بالعقائد الغيبيّة = مَحْضُ تحكُّم يقضي العقلُ بتناقُض أصحابه. وقد حاول بعضهم التنصّل من مأزق الوقوع في مناقضة الحقائق بإخفائه الباعث الحقيقي له على إنكار الغيبيّات، وأناط سبب إنكاره لما ورد به الوحي من غيبيّات؛ بكون قسم ممّا وردت به هذه الأحاديث طافحًا بالقَصَص التَّوراتي وبالإسرائيليّات، وقسمٌ آخر بالاتجاهات المذهبيّة والطائفيَّة التي سادت المجتمع العربي الإسلامي منذ وفاة

стр. 655

النبي ﷺ حتى أواخر العصر العباسي، وقسم ثالث منها يمثّل في حقيقته ضربًا من التواصُل واستيعابٍ للموروث الأسطوري الجاهلي. وفي بيان القسمين الأولين، يقول "محمد شحرور": ( ... من هنا نقرّر جازمين أن كلّ أحاديث الغيبيّات - وهي أحاديث تعليم وأخبار، وليست أحاديث أحكام، المنسوبة إلى [النبي ﷺ ] فيها ما يريب؛ سواءً ما يحكي منها عن ملكوت الله في السموات العلى، وما يحكي منها عن غيب المستقبل من الزمن، وما سيحدث فيه من أحداث = فالقسم الأول يطفح بالقصص التوراتي وبالإسرائيليات، والقسم الثاني يطفح بالاتجاهات المذهبيّة والطائفية التي سادت المجتمع العربي الإسلامي منذ أن توفي النبي [ ﷺ ] حتى أواخر العصر العباسي، وما زالت عقابيلها مؤثرةً إلى يومنا هذا) (١) . وأمّا القسم الثالث، فيبيّنه "محمد عجينة" بقوله: ( .. هل يمكن القول بوجود قطيعةٍ ما بشأن موقف العرب من أساطير الكائنات اللاّ مرئية بين الجاهلية والإسلام؟ إنّ ما استعرضناه من المادّة الأسطورية يبين العكسَ؛ بل يبيّن ضرْبًا من التواصُل والاستيعاب للموروث الأسطوري الجاهلي، مع تطويعه بما يتلاءم والفكر الجديد) (٢) . ووجود هذه الأساطير عن الكائنات الخرافية لها وظيفتها المعرفية عند "عجينة" ورفاقه (فلقد اضطلعت أساطير الكائنات الخرافية في المَعيش والمكتوب [كذا]؛ سواءً نظرنا إليها على مستوى الفرد، أو مستوى الجماعة، أو مستوى الكليّات البشرية = بوظائف شتّى؛ معرفية، أبستمولجيّة. كتشكيل خطاب معرفية، واعتماد الخرافة وما يجري مجراها لغايات تعليمية، أو لردّ المجتمع إلى الصواب بواسطة

стр. 656

الخرافة ... [فـ]ـدخول أساطير الكائنات اللاّ مرئية مجالات شتى من مستويات حياة البشر = هو بالذات ما يبين أهميتها على الصعيد النفسي، والثقافي، والأنثروبولجي. وهو ما يفسّر دخولها فضاءات في الكتابة عديدة؛ هي: كتب قصص الأنبياء .. وكتب العقائد؛ مسْهمة في تشكيل بعض ملامح الفكر العربي الإسلامي ... ) (١) . ودعوى "تسرب" القصص التوراتي، والموروث الأسطوري الجاهلي=تفتقر إلى سند علمي يُثبتها. والذي يُجَابه به أَرباب دعوى "التسريب" هو: أنهم لا يخلو حالهم: إمّا أن يكونوا مقرّين بأن هذه الحقائق الغيبيّة قد ثبتت صحّتها، وأخبر بها الرسول ﷺ .وإمّا أن يكونوا غير مقرّين بإخبار رسول الله ﷺ بها. فإن كان الأمر الأول؛ فإنّه يلزمهم بمقتضى هذا الإقرار: أن يلتزموا أيضًا التصديق بتحقُّق هذه الحقائق، وأنّ لها وجودًا موضوعيًّا؛ وذلك ضرورة أنّ خبر الرسول ﷺ لا يكون إلاّ عن أمرٍ مُطابقٍ متحقّق ثبوته في الخارج في الحال- وإنْ لم يتحصَّل إدراكه الآن - أَو المآل، وهذا هو الوجود الثابت. بخلاف "الأساطير" و "الخرافة" فإنّها أمور ذهنية لا تحقّق لها في الخارج. وعلى هذا؛ فإقرارهم بالأمر الأول دون الإقرار بلازمه = عين التناقض. = وإن ادّعوا أنّ هذه الغيبيات لا تصح عن رسول الله ﷺ ، فيلزمهم إقامة الدلائل على مُختَلِق هذه المرْويّات. هذا أوّلًا.

стр. 657

وثانيًا: أن يضعوا أيدينا على مواطن هذا "التسرب الأجنبي"، مع الإِبانة عن أصوله المدّعاة. فإن لم يفعلوا - ولن يفعلوا - عُلِم زيفُ دعواهم، وخَوْضهم الباطل في هذا الباب. وبهذا يتحصّل: أنّ رفض ما تضمّنته الأدلّة الشرعية من الغيبيّات بدعوى أنها معرفة غير عقلية = لا يقوم على أَساس علميّ. وممَّا يُكذِّب تلك الدعوى ما عُلِم- بداهةً - من هدْم الشريعة منذ أن بزغَ نورُها، وسطع فجْرُها لكلّ ما تعلَّق به العربُ من أَوهامٍ، وخرافات عدّوها لأنفسهم علومًا؛ كالطِيرة، والعيافة، والزجر. وغير ذلك مما افترعوه ونشروه كذبًا؛ كدعواهم خروج طائر من دم القتيل يسمّى: الهامة. ودعوى تعرّض الغُول لهم في أسفارهم (١) . بل إنَّ الله تعالى وصف الاعتقاد الباطل بأنّه اعتقاد الجاهلية، فقال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ آل عمران: ١٥٤ فكيف يُدّعَى بعدُ أنّ ما أخبر به الشارع من حقائق يمثّل ضرْبًا من التواصل والاستيعاب للموروث الأسطوري الجاهلي؟!! غاية ما عند النافي=هو جهله بإمكان الاستدلال العقلي على تلك العقائد، فنَصَب جَهلَه بالإمكان مقياسًا لردّ كلّ حقيقةٍ جهِل دليلَها. ولا ريب أن ذلك ضرب من ضروب السفسطة. والذي ينبغي لحْظُه في هذه الموارد؛ هو: أن أهل السنة والجماعة مع قولهم بإمكان الاستدلال العقلي على الحقائق الغيبية، إلاّ أنهم مع هذا يقرّرون أنَّ الأدلة النقلية قد نبّهت على الأدلة العقلية التي تُثبِت تلك

стр. 658

الحقائق. فما أمكن الاستدلال العقلي عليه من الغيبيّات فلا بد أن يكون دليله العقليّ قد دلّ عليه الوحْي؛ ضرورة أن الله قد أكمل دينه. وهذا الكمال لا يتأتّى مع القول بإمكان أن يستقل العقل على إثبات أمرٍ غيبيّ يُعَدّ من دين الله، وتكون الدلالة السمعية قد قصُرت عن بيان ذلك؛ فإنّ هذا ممتنع، بل لا بد أن يكون في مطاوي الأدلة النقلية ما ينبّه على الدلائل العقلية؛ ما يُغنِي في إثبات هذه العقائد؛ سواءً كان ذلك بدلالة المطابقة، أو التضمُّن، أو اللّزوم. وبهذا يتبيّن خطأُ مَنْ ظَنّ أنّ الأدلّة الشرعية أخبارٌ محْضةٌ لا تتضمّن الأدلة العقلية التي تثبت بها المطالب الإلهية، وأمور الغيب. قال ابن تيمية ﵀: (وكثير من أهل الكلام يظنّ أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلاّن إلا من هذا الوجْه. ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: العقليّات، والسمعيّات. ويجعلون القسم الأول مما لا يُعلَم بالكتاب والسنة = وهذا غلَطٌ منهم. بل القرآن دلّ على الأدلة العقلية، وبيّنها، ونبّه عليها؛ وإن كان من الأدلّة العقلية ما يُعلَم بالعيان، ولوازمه) (١) .

стр. 659

المبحث الأول دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالملائكة وفيه عدة مطالب: المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على وجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأَحاديث الدَّالة على وجود الملائكة. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على وجود الملائكة.

стр. 660

المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالّة على وجود الملائكة ووجوب الإيمان بهم: عن عمر بن الخطاب ﵁ في حديث جبريل المشهور -، وفيه: (قال فَأَخْبِرْنِي عن الْإِيمَانِ قال أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ) متفق عليه (١) وعن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : (خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ من نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ من مَارِجٍ من نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ) أخرجه مسلم. (٢) وعنها ﵂ أنه سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ في الْعَنَانِ وهو السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الْأَمْرَ قُضِيَ في السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إلى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ من عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) أخرجه البخاري. (٣) عن أبي هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وهو أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ). أخرجه البخاري. (٤)

стр. 661

وعن سَمُرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (رأيت اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي قالا الذي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ وأنا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ) أخرجه البخاري. (١) باستقطاب النَّظَر في الأَحاديث المتقدمة يتقرّر من جُمْلتها أُمورٌ: الأمر الأول: إثبات وجود الملائكة الكرام، وجودًا موضوعيًّا. الأمر الثاني: أَنَّ الإيمان بهم يُعدُّ من مباني الإيمان العظام. ومعنى ذلك: أنَّ الكفر بهم هو في حقيقة الأمر كفْر بالله، ورسله، وكتبه. الأمر الثالث: أَنَّهم مَرْبوبون، مخلوقون، منقادون لطاعة الله تعالى ولازم هذه الطاعة: أنهم أحياءُ ناطقون. الأمر الرابع: أَنَّ النَّور مادّةٌ خلقهم الله منها. الأمر الخامس: أنَّ الله تعالى رتّب لهم وظائف يقومون بها؛ فمنهم الموكّل بالوحي، ومنهم الموكّل بجهنَّم، ومنهم الموكّل بالقَطْر، ومنهم الموكّل بكتابة أفعال العباد .. إلخ هذه الوظائف، والأعمال التي نيطت بهم. وبهذه الأمور نطق الكتاب العزيز، وانعقد إجماع المسلمين. فأمّا الدلائل من القرآن الكريم، فدونك نُبَذًا يتقرر بها ما سلف: قال تعالى - ذاكرًا مباني الإيمان -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ البقرة. وقال جل وعلا - مبيّنًا كُفْر من أنكر وجود الملائكة: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ النساء.

стр. 662

وفي استسلامهم لربهم، وخضوعهم له، وعبادتهم إيّاه، وخوفهم منه، يقول تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ الأنبياء، وقال تبارك وتقدّس: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ الأنبياء، وقال جل وعلا: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ النحل. وأخبر - سبحانه - أنها تنزل إلى الأرض ثم تصعد إلى السماء، وأنّ من أجلّ الأعمال الموكَلة إليهم: تبليغ وحْيه -سبحانه- إلى أنبيائه ورسله. قال : ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ الشعراء. ومن أعمالهم: نُصْرة المؤمنين، وقتال الكافرين، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ الأنفال. وقال: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ الأنفال. وقال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ التوبة. ومما أوكله الله تعالى إليهم: كتابة أعمال العباد. قال - سبحانه -: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ الزخرف، وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ الانفطار. ونَعَتَهُم ﵎ بأنهم على الطاعة مُجْبولون، فلا تقع منهم المعصية؛ لأنهم مجرّدون عن سببيْها: الشهوة، والغضب. قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ التحريم. والآيات في هذا الباب كثيرة، ليس المقامُ مقام استيفاءٍ لها.

стр. 663

وأمّا الإجماع: فقد نقله غيرُ واحدٍ؛ منهم الإمام ابن القطّان ﵀ حيث قال: (واتفقوا أنَّ الملائكةَ حقٌّ، واتفقوا أنَّ جبريلَ وميكائيل ملكان رسولان لله مُقرَّبان عظيمان عند الله تعالى، واتفقوا أنَّ الملائكة كلَّهم مؤمنون فضلاء.،وأجمع المسلمون أنَّ الملائكة مجبولون على طاعة الله معصومون من الغَلَطِ، والخلافِ على الله .. ) (١) وقال الطُّوفي: (قوله : ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ البقرة. الآيتان فيهما إثبات الملائكة، وهم أحد أركان أصول الدّين. ومتعلّقات الاعتقاد .. ونصوص الكتب الإلهية، وإجماع الرُّسل = على إثبات الملائكة .. ) (٢) .

стр. 664

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدالّة على وجود الملائكة: وقد نازَع في ثبوت هذه الحقيقة -أعني: الملائكة- الباطنية؛ حيث ينكرون الملائكة، ويتأولون الملائكة بأنهم دعاتهم إلى نحلتهم. قال البغدادي: (والباطنية ... ينكرون نزول الملائكة من السماء بالوحي، والأمر، والنهي. بل ينكرون أن يكون في السماء مَلَك، وإنما يتأولون الملائكة على دعاتهم إلى بِدعتهم .. ) (١). ويدخل فيمن خالف في هذا الأصل =كلُّ من أنكر وجود حقائق غيبية؛ بناءً على أصلهم الباطل في ردِّ كلِّ معرفة تتخطى الواقع المادّيّ، و"الملائكة" يطالها هذا النفي الكلّيّ لِزامًا؛ لكونها حقيقة مغيّبة عنّا. وقد وقع التصريح منهم أيضًا بذلك. وفي بيان موقفهم يقول "بسّام الجمَل": (قد عَمِل المُتخيَّل الإسلامي على تجاوز سكوت القرآن عن حقيقة الملائكة، وعن وصف ملامحها، وهيئتها؛ فاعتبرها كائنات نورانية، لها أجسام لطيفة قادرة على أن تتشكّل الأشكال المختلفة، ولها أجنحة تطير بها. وقد جعل هذا المتخيّل بعضَ الملائكة من حملة العرش ... المتخيّل الإسلامي جعل للمَلاك جناحًا لم تقتصر وظيفته على الطيران، والانتقال بين السماء والأرض؛ وإنما اتُّخِذ أداةً للضرب. ومعلوم أن صورة المَلَك ذي الجناحين - أو أكثر- لا أصل لها في القرآن. ولكن المتخيّل الجَمْعيّ استعار هذه الصورة من ثقافات أخرى، وأضاف إليها من العناصر، وألحق بها من الوظائف ما جعلها مُعبِّرةً عن أحلام الجماعة الإسلامية، وعن تمثّلها لطَوْر متميّز من تاريخ الإسلام؛ حين كان لهذه "الكائنات اللاّمرئية" حضورٌ مباشر ومحسوس وقتئذٍ. ولذلك لا تستغرب أن يجعل المسلمون للملائكة أجنحة) (٢).

стр. 665

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على وجود الملائكة: ومَن أنعم النظر في أعطاف هذا النص = تبيَّن له صنوفٌ من المغالطات. فإسناده وصْف الملائكة في كونها كائنات نورانية لها أجسام لطيفة ... = إلى المتخيّل الإسلاميّ تلبيس ظاهر، لا يُسْنده أثارةٌ من علم حتّى نصير إليه؛ بل هو ذاهب مع التخرّص. إذ ليس معه إلاّ التشكيك. والذي يعلمه عوامّ المسلمين - ناهيك عن علمائهم - أن تلك النعوت المذكورة هي حصيلة استقراءٍ لما تضمّنه الوحيُ؛ كتابًا وسُنّةً. فليس للخيال في مَسارِح العقائد مدْخل؛ بل هو الوقوف عند موارد النصوص. ودعوى أنها من توليد المخيال الإسلامي لم يُقِم عليها برهانًا ليُنظَر فيه. والعجب كل العجب أن يتمادى "بسّام الجمل" في سفسطته، فينكر ورود وصف الملائكة بأن لهم أجنحةً مثنى وثلاث ورباعَ، وأنهم يتشكّلون في صُورٍ كريمةٍ. ويعزو ذلك إلى المتخيّل الإسلامي بزعمه!! وأنّ القرآن غفل عن ذلك؛ مع ورود ذلك في القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ فاطر: ١ وأثبت - سبحانه - تشكّل المَلَك في سياقِ ذكره لقصّة إرساله إلى مريم، فقال ﵎: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ مريم. وقد ثبتت السنة بذلك - كما سبق إيراده في حديث جبريل ﵇،

стр. 666

لمّا أتى إلى النبي ﷺ في صورة رجل يكلّمه ويسمعه (١) -. وكذلك حديث موسى ﵇ لمّا جاءه مَلَك الموت، فقال له: أَجِب ربّك. فلطم موسى ﵇ عينَ مَلَكِ الموتِ، ففقأَها .. ) (٢) قال أبو العباس القرطبي ﵀: (قد تقدّم القولُ في تَمثُّل الملائكة في الصور المختلفة، وأنّ لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها، وأنّ الإيمان بذلك كُلِّه واجبٌ؛ لما دَلّ عليه السمع الصادق .. ) (٣) . وبهذا يتضح شَغَفُ " بسّام الجمل" وأضرابِهِ (٤) بالمغالطات، ومجابَهة الحقائق بمِعْول التشكيك. ولا ريب أنّ التشكيك صَنْعةُ مَنْ أفلسَ عن إقامة البراهين على بُطلان حقيقةٍ ما. والدَّافع لأمثال هؤلاء في الوقوع في حمْأة المغالطات، وإنْكار البدهيّات وقوعهم في التبعيَّةِ العمياء لمنهج المدرسة الاستشراقية التي اتّخذت من التشكيك وتثوير المغالَطات أداةً لتقويض ما ثبت بالدلائل الشرعيّة، ولو أدّى ذلك إلى الخروج إلى مخالفة العقل نفسِه. وفي مثل هؤلاء المقلّدين يقول ابن تيمية ﵀: ( ... وأقوامٌ يدّعون أنهم يعرفون العلوم العقلية، وأنها قد تخالف الشريعة. وهم من أجهل الناس بالعقليات والشرعيات. وأكثر ما عندهم من العقليّات أمورٌ قلّدوا مَنْ قالها؛ لو سُئلوا عن دليل عقليٍّ يدلّ عليها لعجزوا عن بيانه، والجواب عمّا يعارضه.

стр. 667

ثمّ؛ من العجائب: أنّهم يتركون اتّباع الرسل المعصومين، الذين لا يقولون إلا الحقّ، ويُعرِضون عن تقليدهم، ثم يقلّدون في مخالفة ما جاءوا به: مَنْ يعلمون أنه ليس بمعصوم، وأنه قد يُخطئ تارةً، ويصيبُ أخرى) (١) . ولا يصلح في باب تقريب المسائل العلمية إلاّ أن تُقام الحقائق على سُوق الدليل، وحَيْثُ عُدِم، فلا التفات إلى مجرّد الاستبعاد، والإحالة. وممّن نازَع أيضًا في إثبات الملائكة = الفلاسفة. حيث عدّوها "رَوْحانيات"، أو "قوى نفسانية" أو "عقولًا". أي: أنها أعراضٌ ليست بأجسام؛ كما نطقت بذلك الأدلّة. وهذا -كما تراه- بيِّنٌ في "رسائل إخوان الصفا". وفي ذلك يقولون: (الملائكة الموصوفون بهذه الصفات، المنسوبون إلى هذه الدرجات ... منهم تُشرِق القوة النفسانية، وبهم تضيء القوة العقلية. فهم إذن أشخاصهم نفسانية، وأرواحهم عقلية، وموادّهم إلهية. فهم لا يضيق بهم المكان، ولا يغيّرهم طول الزمان عن أفعالهم، والمكان عن كيانهم) (٢) . وقالو أيضًا: (واعلم أيها الأخ؛ أنه ينحطّ من دائرة الشَّمس إلى عالَم الأرض دائرة لموضع ملائكة تسميها الحكماء: روحانيّات .. ) (٣) . وهذه الروحانيات هي المعبَّر عنها بـ"العقول العشرة". وهي ليست أَجسامًا، ولا في أجسام. قال " الفارابي": (المبادئ التي بها قوام هذه الأجسام والأعراض ... لها ستّ مراتب عظمى؛ كلّ مرتبة منها تحوزُ صنفًا منها: السبب الأول في المرتبة الأولى، الأسباب الثواني في المرتبة الثانية،

стр. 668

العقل الفعّال في المرتبة الثالثة .. فثلاثة منها ليست أجسامًا؛ وهي: السبب الأول، والثواني، والعقل الفعّال ... فالأوّل هو: الذي ينبغي أن يُعتقَد فيه أنه هو الإله. وهو السبب القريب لوجود الثواني، ولوجود العقل الفَعَّال. والثواني هي: أسبابُ وجود الأجسام السماويّة، وعنها حصلت ظواهر هذه الأجسام. والثواني؛ هي: التي ينبغي أن يقال فيها الروحانيون، والملائكة، وأشباه ذلك .. والعقل الفعّال ذاته واحدةٌ أيضًا ... [و] هو الذي ينبغي أن يُقال: إنه الروح الأمين، وروح القُدُس، ويُسمّى بأشباه هذين من الأسماء) (١) . والعقل الفعّال هو الذي يعبر عنه ابن سينا أحيانا بجبريل، أو الروح الأمين؛ الذي يتلقى عنه النبي الوحي بالفيض الصادر عن العقل الأول (الله) مرورًا بعقول التسعة إلى العقل الفعّال (العقل العاشر) المكلّف بما تحت فلك القمر، والذي يفيض على عقل النبي المُنْفعل، ثم إلى قوّته المتخيّلة. وفي بيان ذلك يقول "ابن سينا": (فإذًا: النبي يسود ويرؤس جميع الأجناس التي فَضَلَها، والوحْي هذه الإفاضة، والمَلَك هو هذه القوة المقبولة المفيضة؛ كأنها عليه إفاضة متصلة بإفاضة العقل الكُلّي، مُجْراة عنه؛ لا لذاته، بل بالعرض .. ) (٢) . ونعت ابن سينا ما يسميه بـ"العقل الفعَّال"بجبريل أو الروح الأمين إنّما هو تلبيس وإيهام منه بأنّ التلقي من العقل الفعال والاتصال لا يكون إلاّ للأنبياء، في حين أنّه يقرر في موطن آخر بأنّ ذلك حاصل لنفوس البشر جميعا، فتراه يقول: (والذي عليه المشرقيُّون أنَّ الاستكمال التَّام بالعلم إنّما يكون بالاتصال بالفعل بالعقل

стр. 669

الفعَّال. نحن إذا حصَّلنا الملكة ولم يكن عائق =كان لنا أن نتصل به متى شئنا، فإنَّ العقل الفعال ليس مما يغيب ويحضر، بل هو حاضرٌ بنفسه، وإنّما نغيب نحن عنه بالإقبال على الأمور الأخرى، فمتى شئنا حضرناه) (١) وقد ذهب قريبًا مما ذهب إليه الفلاسفةُ =الشيخ محمد عبده حيث جعل مدلول "الملائكة" نوازع الخير، وأنكر أن تتمثل بالتماثيل الجسمانية، وفي ذلك يقول: (إنَّ إلهام الخير والوسوسة بالشَّر مما جاء في لسان صاحب الوحي [ ﷺ ] وقد أُسندا إلى هذه العوالم الغيبيَّة وخواطر الخير التي تُسمَّى إلهامًا، وخواطر الشَّرِّ التي وسوسة كل منهما محلُّه الرُّوح، فالملائكة .. إذن أرواح تتصل بأرواح النَّاس فلا يَصحُّ أن تتمثَّل الملائكة بالتماثيل الجسمانية المعروفة لنا) (٢) والحامل لهؤلاء الفلاسفة على جعْل الملائكة "عُقُولًا"،و"قُوىً"،و"روحانيات" .. إلخ. هو إرادتهم التوفيق بين ما تلقّوه عن أسلافهم من فلاسفة حرَّان الصابئة عَبَدَة الكواكب ومن غيرهم، القائلين بـ"العقول العشرة" وأنها قديمةٌ أزليّة، وبين ما دلّ عليه الكتاب والسنّة من إثبات وجود الملائكة، وأن لها وظائفَ ومقاماتٍ = فلم يحالفهم التوفيق في هذا التلفيق!! وأمَّا محمد عبده فإنَّ معضلته التي ساقته إلى هذه المَزَالقِ =افتتانُه بالحضارة الغربيّة التي عاين بعض معطياتها مما أحدث عنده حالة من الانهزامية والاستلاب أمام هذا المُنجز الغربي، فراح يطوع دلائل الشَّرع لتتوافق مع العقليَّة الغربيَّة الماديَّة.

стр. 670

وقد ثبت بالضَّرورة الشرعية أن الملائكة المُخْبَر عنها في الشَّرع، تخالف في حقيقتها المعاني التي يقصدها هؤلاء الفلاسفة؛ من وجوه: فمنها: أنه قد ثبت بالنَّصِّ والإجماع أنهم مخلوقون مرْبوبون. والمتفلسفة يزعمون أن العقل الأوّل ربُّ كل ما سوى الربّ عندهم (١) . وأن العقل العاشر المسمّى بـ" العقل الفعّال" هو ربٌّ ومُبدِع كلّ ما تحت فلك القمر (٢) . ومعلومٌ كُفْر هذا القول الذي لم يقل به أحدٌ من اليهود والنصارى ومشركي العرب (٣) . قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والملائكة من الأعيان، لا من الأعراض؛ فهي من المخلوقات باتفاق المسلمين، وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون، ولم يجعل أحد منهم المصنوعات نوعين: عالمَ خلْق، وعالَم أمْر = بالجميع عندهم مخلوق. ومن قال: إن قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤ أريد به هذا التقسيم الذي ذكره = فقد خالف إجماع المسلمين) (٤) . الوجه الثاني: أنّ ما زعموه من الجواهر الروحانية، والعقول والنفوس=لا يخرج عن كونه وجودا ذاتيًا لا موضوعيًا، والملائكة المُخبَر عنها في الشرع لها وجودٌ في الخارج، وقد أخبر الله عن مجيئهم إلى إبراهيم ﵇، وخطابهم له في صورة البشر أحيانًا، فقال جلّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ هود.
следующие страницы →