لمّا أتى إلى النبي ﷺ في صورة رجل يكلّمه ويسمعه (١) -. وكذلك حديث موسى ﵇ لمّا جاءه مَلَك الموت، فقال له: أَجِب ربّك. فلطم موسى ﵇ عينَ مَلَكِ الموتِ، ففقأَها .. ) (٢)
قال أبو العباس القرطبي ﵀: (قد تقدّم القولُ في تَمثُّل الملائكة في الصور المختلفة، وأنّ لهم في أنفسهم صورًا خلقهم الله تعالى عليها، وأنّ الإيمان بذلك كُلِّه واجبٌ؛ لما دَلّ عليه السمع الصادق .. ) (٣) .
وبهذا يتضح شَغَفُ " بسّام الجمل" وأضرابِهِ (٤) بالمغالطات، ومجابَهة الحقائق بمِعْول التشكيك. ولا ريب أنّ التشكيك صَنْعةُ مَنْ أفلسَ عن إقامة البراهين على بُطلان حقيقةٍ ما.
والدَّافع لأمثال هؤلاء في الوقوع في حمْأة المغالطات، وإنْكار البدهيّات وقوعهم في التبعيَّةِ العمياء لمنهج المدرسة الاستشراقية التي اتّخذت من التشكيك وتثوير المغالَطات أداةً لتقويض ما ثبت بالدلائل الشرعيّة، ولو أدّى ذلك إلى الخروج إلى مخالفة العقل نفسِه.
وفي مثل هؤلاء المقلّدين يقول ابن تيمية ﵀: ( ... وأقوامٌ يدّعون أنهم يعرفون العلوم العقلية، وأنها قد تخالف الشريعة. وهم من أجهل الناس بالعقليات والشرعيات. وأكثر ما عندهم من العقليّات أمورٌ قلّدوا مَنْ قالها؛ لو سُئلوا عن دليل عقليٍّ يدلّ عليها لعجزوا عن بيانه، والجواب عمّا يعارضه.
стр. 667
ثمّ؛ من العجائب: أنّهم يتركون اتّباع الرسل المعصومين، الذين لا يقولون إلا الحقّ، ويُعرِضون عن تقليدهم، ثم يقلّدون في مخالفة ما جاءوا به: مَنْ يعلمون أنه ليس بمعصوم، وأنه قد يُخطئ تارةً، ويصيبُ أخرى) (١) .
ولا يصلح في باب تقريب المسائل العلمية إلاّ أن تُقام الحقائق على سُوق الدليل، وحَيْثُ عُدِم، فلا التفات إلى مجرّد الاستبعاد، والإحالة.
وممّن نازَع أيضًا في إثبات الملائكة = الفلاسفة. حيث عدّوها "رَوْحانيات"، أو "قوى نفسانية" أو "عقولًا". أي: أنها أعراضٌ ليست بأجسام؛ كما نطقت بذلك الأدلّة. وهذا -كما تراه- بيِّنٌ في "رسائل إخوان الصفا". وفي ذلك يقولون: (الملائكة الموصوفون بهذه الصفات، المنسوبون إلى هذه الدرجات ... منهم تُشرِق القوة النفسانية، وبهم تضيء القوة العقلية. فهم إذن أشخاصهم نفسانية، وأرواحهم عقلية، وموادّهم إلهية. فهم لا يضيق بهم المكان، ولا يغيّرهم طول الزمان عن أفعالهم، والمكان عن كيانهم) (٢) .
وقالو أيضًا: (واعلم أيها الأخ؛ أنه ينحطّ من دائرة الشَّمس إلى عالَم الأرض دائرة لموضع ملائكة تسميها الحكماء: روحانيّات .. ) (٣) .
وهذه الروحانيات هي المعبَّر عنها بـ"العقول العشرة". وهي ليست أَجسامًا، ولا في أجسام.
قال " الفارابي": (المبادئ التي بها قوام هذه الأجسام والأعراض ... لها ستّ مراتب عظمى؛ كلّ مرتبة منها تحوزُ صنفًا منها: السبب الأول في المرتبة الأولى، الأسباب الثواني في المرتبة الثانية،
стр. 668
العقل الفعّال في المرتبة الثالثة .. فثلاثة منها ليست أجسامًا؛ وهي: السبب الأول، والثواني، والعقل الفعّال ... فالأوّل هو: الذي ينبغي أن يُعتقَد فيه أنه هو الإله. وهو السبب القريب لوجود الثواني، ولوجود العقل الفَعَّال. والثواني هي: أسبابُ وجود الأجسام السماويّة، وعنها حصلت ظواهر هذه الأجسام. والثواني؛ هي: التي ينبغي أن يقال فيها الروحانيون، والملائكة، وأشباه ذلك .. والعقل الفعّال ذاته واحدةٌ أيضًا ... [و] هو الذي ينبغي أن يُقال: إنه الروح الأمين، وروح القُدُس، ويُسمّى بأشباه هذين من الأسماء) (١) .
والعقل الفعّال هو الذي يعبر عنه ابن سينا أحيانا بجبريل، أو الروح الأمين؛ الذي يتلقى عنه النبي الوحي بالفيض الصادر عن العقل الأول (الله) مرورًا بعقول التسعة إلى العقل الفعّال (العقل العاشر) المكلّف بما تحت فلك القمر، والذي يفيض على عقل النبي المُنْفعل، ثم إلى قوّته المتخيّلة.
وفي بيان ذلك يقول "ابن سينا": (فإذًا: النبي يسود ويرؤس جميع الأجناس التي فَضَلَها، والوحْي هذه الإفاضة، والمَلَك هو هذه القوة المقبولة المفيضة؛ كأنها عليه إفاضة متصلة بإفاضة العقل الكُلّي، مُجْراة عنه؛ لا لذاته، بل بالعرض .. ) (٢) . ونعت ابن سينا ما يسميه بـ"العقل الفعَّال"بجبريل أو الروح الأمين إنّما هو تلبيس وإيهام منه بأنّ التلقي من العقل الفعال والاتصال لا يكون إلاّ للأنبياء، في حين أنّه يقرر في موطن آخر بأنّ ذلك حاصل لنفوس البشر جميعا، فتراه يقول: (والذي عليه المشرقيُّون أنَّ الاستكمال التَّام بالعلم إنّما يكون بالاتصال بالفعل بالعقل
стр. 669
الفعَّال. نحن إذا حصَّلنا الملكة ولم يكن عائق =كان لنا أن نتصل به متى شئنا، فإنَّ العقل الفعال ليس مما يغيب ويحضر، بل هو حاضرٌ بنفسه، وإنّما نغيب نحن عنه بالإقبال على الأمور الأخرى، فمتى شئنا حضرناه) (١)
وقد ذهب قريبًا مما ذهب إليه الفلاسفةُ =الشيخ محمد عبده حيث جعل مدلول "الملائكة" نوازع الخير، وأنكر أن تتمثل بالتماثيل الجسمانية، وفي ذلك يقول: (إنَّ إلهام الخير والوسوسة بالشَّر مما جاء في لسان صاحب الوحي [ ﷺ ] وقد أُسندا إلى هذه العوالم الغيبيَّة وخواطر الخير التي تُسمَّى إلهامًا، وخواطر الشَّرِّ التي وسوسة كل منهما محلُّه الرُّوح، فالملائكة .. إذن أرواح تتصل بأرواح النَّاس فلا يَصحُّ أن تتمثَّل الملائكة بالتماثيل الجسمانية المعروفة لنا) (٢)
والحامل لهؤلاء الفلاسفة على جعْل الملائكة "عُقُولًا"،و"قُوىً"،و"روحانيات" .. إلخ. هو إرادتهم التوفيق بين ما تلقّوه عن أسلافهم من فلاسفة حرَّان الصابئة عَبَدَة الكواكب ومن غيرهم، القائلين بـ"العقول العشرة" وأنها قديمةٌ أزليّة، وبين ما دلّ عليه الكتاب والسنّة من إثبات وجود الملائكة، وأن لها وظائفَ ومقاماتٍ = فلم يحالفهم التوفيق في هذا التلفيق!!
وأمَّا محمد عبده فإنَّ معضلته التي ساقته إلى هذه المَزَالقِ =افتتانُه بالحضارة الغربيّة التي عاين بعض معطياتها مما أحدث عنده حالة من الانهزامية والاستلاب أمام هذا المُنجز الغربي، فراح يطوع دلائل الشَّرع لتتوافق مع العقليَّة الغربيَّة الماديَّة.
стр. 670
وقد ثبت بالضَّرورة الشرعية أن الملائكة المُخْبَر عنها في الشَّرع، تخالف في حقيقتها المعاني التي يقصدها هؤلاء الفلاسفة؛ من وجوه:
فمنها: أنه قد ثبت بالنَّصِّ والإجماع أنهم مخلوقون مرْبوبون. والمتفلسفة يزعمون أن العقل الأوّل ربُّ كل ما سوى الربّ عندهم (١) . وأن العقل العاشر المسمّى بـ" العقل الفعّال" هو ربٌّ ومُبدِع كلّ ما تحت فلك القمر (٢) . ومعلومٌ كُفْر هذا القول الذي لم يقل به أحدٌ من اليهود والنصارى ومشركي العرب (٣) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والملائكة من الأعيان، لا من الأعراض؛ فهي من المخلوقات باتفاق المسلمين، وليس بين أهل الملل خلاف في أن الملائكة جميعهم مخلوقون، ولم يجعل أحد منهم المصنوعات نوعين: عالمَ خلْق، وعالَم أمْر = بالجميع عندهم مخلوق. ومن قال: إن قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الأعراف: ٥٤ أريد به هذا التقسيم الذي ذكره = فقد خالف إجماع المسلمين) (٤) .
الوجه الثاني: أنّ ما زعموه من الجواهر الروحانية، والعقول والنفوس=لا يخرج عن كونه وجودا ذاتيًا لا موضوعيًا، والملائكة المُخبَر عنها في الشرع لها وجودٌ في الخارج، وقد أخبر الله عن مجيئهم إلى إبراهيم ﵇، وخطابهم له في صورة البشر أحيانًا، فقال جلّ وعلا: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ هود.
стр. 671
وقد ثبت أيضًا مجيء جبريل إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي (١)، وفي صورة أعرابي -كما تقدّم -.
وأثبتت السنّة لهم صفات:
منها: الحياء، كما صحّ الخبر عن النبي ﷺ أنه قال في وصْف عثمان ﵁: (ألا أَسْتَحِي من رَجُلٍ تَسْتَحِي منه الْمَلَائِكَةُ) (٢).
وكذلك: المحبة للصالحين من عباد الله. كما قال ﷺ : (إذا أَحَبَّ الله العبد نَادَى جِبْرِيلَ أن اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ في أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ) (٣).
وقد أخبر النبي ﷺ عن رؤيته لجبريل ﵇ في صورته التي خُلق عليها مرتين، وأنه رآه وله ستمائة جناح (٤).
فقول الفلاسفة بأن العقل الفعّال هو جبريل؛ مخالفٌ لهذه الأدلة، فإن العقل الفعّال ليس له جناح، ولا جناحان؛ فضلًا عن أن يكون له تحقّق في الأعيان. والعقل الفعّال لا يتصور في صورة دحية الكلبي، ولا في صورة الأعرابي (٥).
стр. 672
فكلّ هذه الأدلّة، وغيرها مما لم يّذكر تدلّ على أن الملائكة الكرام لها تحقّق في الخارج، وأن حقيقتها تخالف دعوى الفلاسفة في الملائكة.
قال ابن تيمية ﵀: (فإنّ الله وصف الملائكة بصفات تقتضي أنهم أحياء، ناطقون، خارجون عن قوى البشر، وعن العقول، والنفوس التي تثبتها الفلاسفة =فعُلِم أن الملائكة التي أخبرت عنها الأنبياء ليسوا مطابقين لما يقوله هؤلاء) (١). وقال: (الموجودات العقلية التي يثبتها هؤلاء من واجب الوجود؛ كالعقول العشرة = هي عند التحقيق لا توجد إلا في الأذهان؛ لا في الأعيان ... ) (٢).
وبهذا يتحصّل: بطلان من أنكر وجود الملائكة الكرام، أو أثبت لهم حقيقة تخالف ما استقرّت به الدلائل الشرعية، والدلائل العقلية؛ حيث إن العقل يستدل على وجودهم بواسطة آثارهم المحسوسة، كما ثبت من رؤية الصحابة لهم في صُورٍ غير الصورة التي خُلقوا عليها. وكذلك ما ثبت من قِتالها مع المؤمنين؛ كما ثبت في الصحيح من حديث سعد ابن أبي وقّاص ﵁ أنه قال: (رأيتُ عن يَمِينِ رسول اللَّه ﷺ وَعَنْ شِمَالِهِ يوم أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابُ بَيَاضٍ ما رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ ولا بَعْدُ. يَعْنِي: جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ ﵉ (٣). وقد قرر هذه الحقيقة القرآن كما في سورة الأَنفال وغيرها، وقد سبق سوق الآيات المتعلِّقة بذلك في أوائل المبحث.
لذا قال الإمام القرطبي ﵀: (وتظاهرت الرِّوايات بأَنَّ الملائكةَ عملت يوم بدرٍ، وقاتلت) (٤).
[وليس هذا مختصًّا بعصر النبي ﷺ ؛ بل قد تواترت الأخبار على وقوع ذلك بعد عصره في معارك عديدة، تحقّق فيها للمجاهدين معاينة أشخاص لا يعرفونهم، يقاتلون معهم = فاجتمعت بذلك الضرورتان: العقليّة، والنقلية؛ على إثبات وجود الملائكة الكرام ﵈.] [*]
стр. 673
المبحث الثاني دَفْع دَعْوى المُعارِض العقلي عن الأحاديث الدالة على وجود الجن والشياطين
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأوّل: سوق الأحاديث الدالة على وجود الجن والشياطين.
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدالة على وجود الجن والشياطين.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض عن الأحاديث الدَّالة على وجود الجِنِّ والشياطين.
стр. 674
المطلب الأول: سوق الأحاديث الدَّالة على وجود الجن والشَّياطين:
عن عبد الله بن عباس ﵂، أن النبي ﷺ ، كان يقول: (أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ الذي لَا إِلَهَ إلا أنت الذي لَا يَمُوتُ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ) متفق عليه (١).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ عِفْرِيتًا من الْجِنِّ تَفَلَّتَ عليَّ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي الله منه) متفق عليه (٢).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ نَفَرًا من الْجِنِّ قد أَسْلَمُوا فَمَنْ رَأَى شيئا من هذه الْعَوَامِرِ فَلْيُؤْذِنْهُ ثَلَاثًا فَإِنْ بَدَا له بَعْدُ فَلْيَقْتُلْهُ فإنه شَيْطَانٌ) أخرجه مسلم (٣).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (ما مِنْكُمْ من أَحَدٍ إلا وقد وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ من الْجِنِّ قالوا وَإِيَّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ قال وَإِيَّايَ إلا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عليه فَأَسْلَمَ فلا يَأْمُرُنِي إلا بِخَيْرٍ) أخرجه مسلم (٤).
стр. 675
وعن جابر ﵁: (إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كل شَيْءٍ من شَأْنِهِ حتى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ) أخرجه مسلم (١) .
وفي البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (إنّه لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إِنْسٌ ولا شَيْءٌ إلا شَهِدَ له يوم الْقِيَامَةِ) (٢) .
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ على قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذا هو نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ) (٣)
وعن أبي هريرة ﵁، قال رسول الله ﷺ : (إذا أُذِّنَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ له ضُرَاطٌ حتى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فإذا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ أَقْبَلَ فإذا ثُوِّبَ أَدْبَرَ فإذا سَكَتَ أَقْبَلَ فلا يَزَالُ بِالْمَرْءِ يقول له اذْكُرْ ما لم يَكُنْ يَذْكُرُ حتى لَا يَدْرِيَ كَمْ صلّى) أخرجه البخاريُّ (٤) .
وعن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمس فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتى تَبْرُزَ، وإذا غَابَ حَاجِبُ الشَّمس فَدَعُوا الصَّلَاةَ حتى تَغِيبَ ولا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمس ولا غُرُوبَهَا فَإِنَّهَا تَطْلُعُ
стр. 676
بين قَرْنَيْ شَيْطَانٍ - أو: الشَّيْطَانِ -) أخرجه البخاري (١) .
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فيقول من خَلَقَ كَذَا من خَلَقَ كَذَا حتى يَقُولَ من خَلَقَ رَبَّكَ فإذا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) أخرجه البخاريُّ (٢) .
بالنَّظَرِ في أَعْطَافِ تلك الأحاديث؛ فإنّها تدلُّ على مسائل؛ منها:
- المسألة الأولى: تقرير وجود الجن والشياطين، وأن لهم تحقّقًا موضوعيًّا.
- المسألة الثانية: بيان المادة التي خُلقوا منها؛ وهي النَّار.
- المسألة الثالثة: بيان قدرتهم على التشكّل في صور الإنس، والبهائم، واستراق السمع.
- المسألة الرابعة: إمكان رؤيتهم في الصورة التي تشكّلوا بها.
- المسألة الخامسة: ثبوت تكليفهم.
- المسألة السادسة: أَنَّ لهم قدرةً على النفوذ إلى باطن الإنسان.
- المسألة السابعة: أَنَّهم يأكلون، ويشربون.
وجملة هذه المسائل، وغيرها قد جرى الكتاب العزيز بتقريرها وبيانها في أكثر من ثلاثين موضعًا؛ منها:
- قول الرب ﵎: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ الرحمن.
стр. 677
- وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ الأعراف: ٢٧
- وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ الذاريات.
- وقال : ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ النمل: ١٧
- وقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ سبأ: ١٢
- وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ الجن: ١ - ٢. الآيات ..
وغيرها من الأدلة.
وقد انعقد إجماعُ المسلمين على ذلك؛ بل وأقرّ بذلك طوائف المشركين، واليهود، والنصارى، والمتفلسفة. واعتنى أهل العلم بنقل هذا الإجماع في أسفارهم. ومن أولئك: أبو محمد ابن حزم ﵀؛ قال: (قد جاء النّصّ بذلك - أي: بإثبات وجودهم -، وبأنهم أُمّة عاقلة، مميّزة، متعبّدة، موعودة، متوعّدة، متناسلة، يموتون. وأجمع المسلمون كلُّهم على ذلك، نعم؛ والنصارى، والمجوس، والصابئون، وأكثر اليهود؛ حاشى السامرة فقط) (١) .
- والقاضي أبو طالب عقيل بن أحمد القضاعي ﵀؛ قال: (والإجماع أيضًا متقرّر في وجود الجنّ في العالَم. فقد أصفق على ذلك أهل الإسلام قاطبةً؛ إلاّ من لا يُعتدّ بخلافه من المبتدعة؛ نعم، وقد كان أهل الجاهلية يعترفون بوجود الجنّ؛ حتى إنهم إذا وصفوا كاهنا؛ قالوا: كان له رييٌّ من الجنّ. وكانوا يسمّون التابع من الجنّ رئيًّا؛ حسبما هو مذكور في السِّيَر، وغيره) (٢) .
стр. 678
- قال ابن القطان ﵀: (وأجمع المسلمون من أهل السّنة على الإيمان بالجنّ، وعلى أنّ لهم ثوابًا وعقابًا، وعلى أنهم مأمورون، مكلَّفون. أجمعوا على أن الجنّ يأكلون، ويشربون، ويجامعون، ويُولَد لهم. وأجمعوا على أن لإبليس ذرّيّة. وأجمعوا على أن الشياطين أمكنهم الله تعالى من أن يتجوّل أحدهم وينتقل من حالٍ إلى حال، فيتمثّل مرّة في صورة، ثم مرة في أخرى، ومرّة يصل إلى السماء فيسترق السمع، ومرة يصل إلى قلب ابن آدم فيوسوس له، ومرة يجري من ابن آدم مجرى الدم. وأجمعوا على أن الإيمان بأن الشياطين تتخبّط مِن بني آدم مَن سلّطها الله عليه، وأمْكنها منه كما شاء، وكيف شاء) (١) .
وقال شيخ الإسلام ﵀: (هذا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عليه بين الصَّحابة والتَّابعين لهم بإحسان، وأَئمَّةِ المسلمين، وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة، وغيرهم = لم يخالف أحدٌ من طوائف المسلمين في وجود الجنّ، ولا في أنّ الله أرسل محمّدًا ﷺ إليهم. وجمهور طوائف الكفّار على إثبات الجنّ. أمّا أهل الكتاب من اليهود والنصارى فهم مقرّون بهم كإقرار المسلمين، وإنْ وُجد فيهم من ينكر ذلك) (٢) .
فالعلمُ القَطْعيُّ حاصلٌ بوجودِ الجنِّ، وبتكليفِهِم. وهذه القطعيَّة هي مُحصَّلُ ضرورتين: الضرورة السمعيَّة. كما سبق إيراده من دلائل الكتاب والسنة، وما ترتب عليهما من الإجماع؛ بل قد تواترت أخبار الأنبياء بذلك (٣) . فالعِلمُ بوجودهم من هذه الحيثية هو من العلم العام، الذي لا يختصُّ بمعرفته طائفة من الناس، دون أخرى.
стр. 679
وأَمَّا الضَّرورة الأُخرى؛ فهي: الضَّرورة العقليَّة الحسِّيَّة، التي تَقْضي بوجود الجنِّ. ذلك أَنَّ العقلَ يستدلُّ بآثارهم المَحْسوسة في الوجُودِ على تحقُّقِ وجودهم؛ جَرْيًا على وَفق قانون السببيَّة، فما من إنسان إلا ويجد من أثر وسْوستهم. ومن أثرهم أيضًا: ما يتسلّطون به على بعض الخلق بالصّرع، فيتكلّم الجنّي على لسان المصروع بكلام يقطعُ سامعُه بأنه ليس من كلام المصروع .. إلى غير ذلك من الآثار الدالّة على وجودهم.
فليس صحيحًا إذًا زعمُ القاضي عبد الجبار بأن ليس هناك طريق لإثبات وجودهم سوى السمع، وفي ذلك يقول: (اعلم أنَّ الدليل على إِثبات وجود الجن=السَّمع دون العقل، وذلك أنّه لا طريق للعقل إلى إثبات أجسام غائبة؛ لأنَّ الشيء لا يدل على غيره من غير أن يكون بينهما تعلق كتعلُّق الفعل بالفاعل .. ولا يُعلم إثبات الجن باضطرار، ألا ترى أنَّ العقلاء المُكلَّفين قد اختلفوا، فمنهم من يُصدِّق بوجود الجن ومنهم مكذِّب ... =ولو عُلم بالاضطرار لما جاز أن يختلفوا في ذلك ... والأمر على ماهو عليه، دلالةٌ على أنّه لا يجوز أن يُعلمَ إثباتُ الجنِّ ضرورةً) (١) .
وقد يقال: إنَّ مرادَ القاضي عبد الجبار بـ"العقل" في هذا الموضع= الاستدلال العقلي المَحضْ، لا الاستدلال العقلي الذي تتوسط فيه الحواس.
والجواب: إنّ قصْره طرق الإثبات على السمع فقط يقضي على كل طريق أخرى. وما استدلّ به القاضي عبد الجبار ﵀ على نفْي الضرورة لا يصلح دليلًا على نفْيها عند التحقيق؛ إذْ ليس من شرط الضرورة ألاّ يُنازَع فيها. فوجود الله تعالى، واتصافه بصفات الكمال والجلال ضرورة شرعيَّة؛ سمعيّة وعقلية، ومع ذلك نازَع في أصلها مَن نازَع من
стр. 680
الملاحدة، وغيرهم، ونازع في آحادها من نازع من المِلّيّين المقرِّين في الأَصل بالكمال المطلق لله . مع كون بعضِ آحاد الصفات مدلولًا عليه بدلالة العقلِ أيضًا؛ كصفة العلوّ.
وامتناع اجتماع النقيضين ضرورة عقليَّة، ومع ذا نازع فيها مَن نازع من المنتسبين للفلسفة والكلام. فعُلم بذا بُعد ما ذهب إليه القاضي من سدّ طُرق الاستدلال على وجود الجن؛ إلا من طريق السمع، مع كون استفاضة السمع بذلك يُعدّ ضرورة مستقلة؛ فكيف إذا تعاضد برهان السمع مع العقل؟
فهاتان ضرورتان ينضاف إليهما = انتفاء الدليل المعارض لهما , ومع توافر هذه الضرورات على إثبات وجود الجنّ؛ إلاّ أَنَّ طوائف من الملاحدة المتفلْسِفة، وغيرهم؛ كالوضْعيين، والمنتسبين للقاديانية، وبعض طوائف أهل القبلة = خالفوا مقتضى الضَّرورة، فأنكروا وجود الجنّ رأْسًا؛ لعدم شهود الحِسّ لهم.
قال إمام الحرمين: (اعلموا -رحمكم الله - أن كثيرًا من الفلاسفة، وجماهير القدرية أنكروا الشياطين والجنّ رأْسًا، ولا يبعد لو أنكر ذلك من لا يتدبّر، ولا يتثبت بالشريعة = وإنما العجب من إنكار القدرية، مع نصوص القرآن، وتواتُر الأخبار، واستفاضة الآثار) (١) .
و"القدرية" مصطلح ليس مختصًّا بالمعتزلة؛ بل أوسع مدلولًا من ذلك. فالمعتزلة من القدرية، وليسوا كل القدريّة؛ لدخول طوائف أخرى تحت هذا المصطلح، مع تميّز المعتزلة بأصولها المختصة بها. فلا أدري هل كان يعني الجويني بـ"جماهير القدرية" المعتزلةَ، أم غيرهم؟ والَّذي يظهر أَن مقصده هو الأوَّل؛ ذلك لعزوه في موطن آخر الإنكارَ إلى معظم
стр. 681
المعتزلة، فقال: (وقد أنكرهم معظم المعتزلة، ودلّ إنكارهم إيّاهم على قلّة مبالاتهم، وركاكة ديانتهم؛ فليس في إثباتهم مستحيل عقليّ. وقد نصّت نصوص الكتاب والسنة على إثباتهم، وحُق على اللبيب المعتصم بحبل الدين أن يثبت ما قضى العقل بجوازه، ونصّ الشّرع على ثبوته) (١) .
وأئمة المعتزلة على إثبات وجودهم؛ كما هو ظاهر من كلام القاضي عبد الجبار الآنف ذِكره. ومما يدل على إثباتهم - أعني: أئمتهم - للجن: ما حكاه عنهم أبو الحسن الأشعري في "مقالاته" من إقرارهم بتكليف الجنّ (٢) . وقد حَكَى أيضًا عن النَّظَّام وأكثرِ المعتزلة منعَهم أن تخدم الجنُّ الناسَ بشيء، أو تخبرَهم بما لا يعلمون؛ لأن في ذلك فساد دلائل الأنبياء (٣) . ولا شكّ أن منعهم لا يتأتّى إلا بإثبات وجودهم.
ومما يوطّد ذلك أيضًا: أن " الجاحظ" - وهو من رؤوس المعتزلة الكبار - أثبت وجود الجنّ والشياطين، وردّ على مَن أنكرهم وأنكر استراقهم للسمع (٤) . وهو وإن كان قد يقع له في بعض الموارد الإنكار لبعض ما يزعمه العرب في جاهليتهم، ولبعض أحوالهم - أي: الجن - = إلاّ أنه مُقرّ في الجملة بوجود هذا الخلق؛ كما هو لائحٌ لمن طالع كُتبه.
ولذلك كله بيَّن شيخُ الإسلام ﵀ أَنَّ طوائف المعتزلة الثابت عنهم الإقرار بوجود الجن، وإن كان يقع لهم في بعض المقامات إنكار بعض أحوالهم. وفي تقرير ذلك يقول:
(وأنكر طائفة من المعتزلة؛ كالجبائي، وأبي بكر الرازي، وغيرهما دخولَ الجنّ في بدن المصروع، ولم ينكروا وجود الجنّ؛ إذ لم يكن
стр. 682
ظهور هذا من المنقول عن الرسول [ ﷺ ] كظهور هذا، وإنْ كانوا مخطئين في ذلك ... ) (١) .
وأمّا الفلاسفة فقد ذكر الرَّازي أنّ ظاهر النَّقل عن أكثرهم إنكارُه (٢) . وذهبوا إلى تفسيرها بـ"قوى النفس الخبيثة"، كما جعلوا الملائكة هي "قوى النفس الصالحة".قال شيخ الإسلام ﵀؛ مبيّنًا مقالة الفلاسفة: (ولهذا يؤول بهم الأمر إلى أنْ يجعلوا الملائكة والشياطين أعراضًا تقوم بالنفس، ليست أعيانًا قائمةً بنفسها، حيّةً، ناطقةً. ومعلوم بالاضطرار أنّ هذا خلافُ ما أخبرت به الرّسل، واتّفق عليه المسلمون) (٣) .
وممّن فُهِم منه تقلّد هذا القول على وجه الاختصاص من الفلاسفة المنتسبين للإسلام = أبو عليّ ابن سينا؛ حيث قال في حدّ الجنّ: (حيوانٌ هوائيٌّ، ناطقٌ، مشفّ الجرم، من شأنه أن يتشكّل بأشكال مختلفة) ثم قال: (وليس هذا رسْمُه؛ بل هو معنى اسمه) (٤) .
ففُهِم من قوله: (وليس هذا رَسْمَه؛ بل هو معنى اسمِهِ) = أَنَّه أراد بيان مدلول اللّفظ من حيث هو، بقطع النَّظَرِ عن تحقّق وجودٍ موضوعيٍّ له. والتعريف الاسمي ليس له وجود إلاّ في الأذهان.
قال " أبو البقاء الكَفَوي" مُبِيْنًا عن مقاصدِ ابن سينا في حدّه المرسوم آنفًا: (أي: هذا بيان لمدْلول هذا اللفظ، مع قطْع النّظر عن انطباقه على حقيقةٍ خارجيّةٍ؛ سواءً كان معدومًا في الخارج، أو مَوْجودًا، ولم يُعلم وجودُه فيه. فإنّ التعريف الاسمي لا يكون إلاّ كذلك؛ بخلاف
стр. 683
التعريف الحقيقي؛ فإنه عبارة عن تصوّر ما له حقيقةٌ خارجيّة في الذهن) (١) .
وحمَل الرازي مقالة ابن سينا هذه على أنّه قصد منها إنكارَ الجنّ؛ لذا تراه يقول: (والنّقل الظاهر عن أكثر الفلاسفة إنكارُه؛ وذلك لأن أبا علي ابن سينا قال: " الجنّ حيوان متشكّل .... ثم قال: وهذا شرْح للاسم" فقوله: "وهذا شرحٌ للاسم" يدلّ على أن هذا الحدّ شرحٌ للمراد من هذا اللّفظ، وليس لهذه الحقيقة وجودٌ في الخارج) (٢) .
وأيًّا ما كان؛ فإنّ العبارة مُجمَلة، وليست نصًّا في الإنكار. وأمّا دفاع بعض الباحثين (٣) عن ابن سينا في نفْي أن تكون هذه المقالة دالّةً على ما فهم منها الرازي؛ بنقلهم عن الأوَّل-أعني ابن سينا- قوله: (واعلم أنه قد يغلب على أوهام النّاس أن الموجود هو المحسوس، وأن ما لا يناله الحسّ بجوهره، ففرْض وجوده مُحال، وأن ما لا يتخصّص بمكان، أو وضْعٍ بذاته؛ كالجسم، أو بسبب ما هو فيه؛ كأحوال الجسم = فلا حظَّ له من الوجود، وأنّك يتأتّى لك أن تتأمل نفس المحسوس؛ فتعلم منه بطلان قول هؤلاء) (٤) .
والحقيقة أن الاعتضاد بهذا النصِّ لا يصلح أن يكون شاهدًا على تبرئة ابن سينا؛ مما قد يسبق إلى الذهن من مقالته الآنفة الذكر أنه نفْي للجن؛ ذلك أنه لا يلزم مِن رَدِّه على من أنكر وجود موجود غير
стр. 684
محسوس- هذا على تقدير: أنه أراد بغير المحسوس هنا ما من شأنه أن يُحسّ في حالٍ دون حالٍ -=أنه بذلك يُثبت وجود الجنّ؛ لأنه قد يكون الحاملُ له على إنكار الجنّ شبهةً تفارق شبهة من أنكرهم بناءً على عدم شهود حِسّ بعض الخلق بهم. هذا على جهة التسليم بأن مراده بقوله السابق: (أنه قد يغلب على أوهام النّاس أن الموجود هو المحسوس): وجود موجودٍ لا يقع الإحساس به لعموم الناس، أو الإحساس به في حالٍ دون حالٍ. وإلَّا فإن مراد ابن سينا من التقرير السابق كما يظهر من سياق كلامه =هو الاستماتة في برهنة ما ذهب إليه آرسطو من وجود الكُليَّات العقليَّة في الخارج مع انتفاء اختصاصها بمكان أَو وضع؛ مع كون ذلك ممَّا يُناقض الضرورة القاضيَّة بامتناع وجود موجود في الخارج ليس مُختصًّا مُتعيّنًا لذا قال الإمام ابن تيمية: (وليس في الخارج كليٌّ مع كونه كُليًّا، وإنَّما يكون كُليًّا في الذِّهن، وإذا قُدِّر في الخارج كلي؛ فهو جزء من المُعيَّنات وقائم بها، ليس هو متميِّزًا قائمًا بنَفْسِهِ .. ) (١) .
فاعتضاد مَن أراد دفْع شبهة القول بإنكار الجنّ عن ابن سينا؛ بما ذكره في كتابه "الإشارات" = ليس سديدًا؛ لانفكاك ما بين المثالَين. هذا في أحسن الأحوال، إن لم نقل: إنه دالٌّ على نقيض ما ساقوا لأجله نَصّ كلامه. فيبقى أن موقفه من إثبات الجن، أو نفْيه لهم؛ محل تردد حتى يثبت نصّ صريح يرجّح أحد الأمرين.
وقد ذهب بعض الإسلاميين المعاصرين إلى إنكار الجنّ والشياطين صراحةً، وتأويلهما تأويلًا يعود على النصّ بالإبطال؛ إما بتأويلهما بأنهما أرواح الناس؛ فإنْ أُلهِمت بخواطر خيرٍ فهي الملائكة، وإلاّ فمصدرُها أرواح الشر - الشياطين -.
стр. 685
وفي ذلك يقول الشيخ "محمد عبده": (إنّ إلهام الخير، والوسوسة بالشرّ، مما جاء في لسان صاحب الوحي ﷺ . وقد أُسنِدا إلى هذه العوامل الغيبية، وخواطر الخير التي تُسمّى إلهاما، وخواطر الشرّ التي تُسمّى وسوسة؛ كلٌّ منهما محلّه الروح. فالملائكة والشياطين إذنْ أرواح تتصل بأرواح الناس، فلا يصحّ أن تمثَّل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا؛ لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا، فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا، ونحن لا نحس بشيء يتصل بأبداننا؛ لا عند الوسوسة .... فإذن؛ هي من عالمٍ غير عالَم الأبدان قطعًا) (١) .
وتقلَّد الدكتور "محمّد البهي" (٢) مذهبًا في الجنّ يتّسم بالتناقض؛ أنكى وأشدّ مباينةً ومفارَقةً للدلائل الشرعيّة؛ حيث لم يجعل في بعض الموارد للجنّ حقيقةً تُمايِز حقيقة الإنس؛ بلْ هم - فيما زعم - طائفة من البَشَر. وقد قرّر ذلك بقوله: (وقد يطلق الجنّ على فريقٍ خيِّرٍ من الناس، غريبٍ وغير معْهودٍ. ولأنّه غريبٌ وغيرُ معْهودٍ كان بمثابة المحسوس وغير المرئيّ. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾ الأحقاف: ٢٩ - ٣٢ فهذا النفر من
стр. 686
الجن الذي أنصت للقرآن الكريم بمكة؛ يقال: إنّه قدِم إليها من يثرب قبل الهجرة، وبعد إيمانه أخذ على عاتقه الدعوة إلى دين الله بين قومه، بعد أن عاد من الحج إلى يثرب ثانيةً ...
وأطلق على هذا النفر اسم الجنّ؛ لأنه كان غير معروف بين المكيّين، وكان غريبًا عن مجلس رسول الله ﷺ ، وهو بمكة. ومن هذا التفسير يقال: إنّه تكوّنت نواة الأنصار بالمدينة. والرسول ﵊ عندما هاجر إلى يثرب بعد ذلك بسنتين لم يهاجر إذن إليها في فراغ، وإنما هاجر إلى أحبّاء آمنوا به من قبلُ، وبرسالته، وبشّروا بها، ودعوا إليها جادّين قبل أن يهاجر هو، وصاحبه.
وإذا لم يُرِدْ باسم الجن هنا هذا الفريق الخيِّر الغريب غير المعهود من أهل يثرب؛ فإنه يقال: كيف يكون إيمانُهم بالقرآن؟ وكيف تكون معرفتهم بالتوراة قبله؟ ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ الأحقاف.؟ إنهم عرفوا ما لموسى من جوار اليهود بالمدينة من أهل خيبر، أو من بني النضير، وأنهم لو كانوا ملائكة من القوى النَّارية، أو النُّوريَّة: كيف يأخذون على عاتقهم التبشير بالإسلام بين قومهم؟ ... ) (١) .
وفي بعض الموارد يجعل "الجن" العالَم غير المرئي في مقابل "العالَم المرئي" الذي يخصُّهُ بالإنس؛ فنراه يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ الإسراء: ٨٨: (أي: العالَم المرئي، والعالم غير المرئيّ من مخلوقات الله) (٢) . الخ التناقضات التي يقررها الدكتور " البهيّ".
وعَدَّ "محمد عجينة" الجن والشياطين من الأساطير الإسلامية.
стр. 687
ومما قاله في ذلك: (ولا ينبغي أن تُنسينا الأساطير الإسلامية عن الجن والشياطين والملائكة ... الجانب التاريخي التطوري من المسألة؛ بل ينبغي لنا أن نقرأها قراءة أشبه بقراءة عالِم الآثار المُنقِّب من خبايا الأرض لطبقاتٍ من مصادر مختلفة، أو من عهود مختلفة؛ لمعرفة ما قد يكون منها امتدادًا لتصوّرات الجاهليين، أو لَبِنةً من لَبِنات بناء "رؤية الكون" في ظلّ الإسلام. ونحن ننطلق مبدئيًّا من أنها لم تنبثق من عَدَم، وإنّما تشكّلت في كل شروطها التاريخية. فلْنَمْضِ في وصْف علم الجنّ بكائنات لامرئية، وتختلف أشكالها، ومطاياها، ومواطنها ... حتى إذا نزعنا من استعراض تلك المادة الأسطورية ... أعدنا فيها النظر ضمن قراءة تأليفية ثانية، تجمع وتوحِّد، وتُقيِّم مختلف شبكات الدلالات الرّمزية، والأسطورية الكامنة، والتي لا تظهر من الجزء، وإنما من إدراجه ضمن الكل) (١) .
стр. 688
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث الدَّالة على وجود الجن والشياطين:
احتج المنكرون لوجود الجن والشياطين بعدد من المعارضات العقليَّة. وضَبْط القول فيها: أَنَّها ترجع عند التحقيق إلى شُبْهةِ عَدَم شهود الحسّ لهاتين الحقيقتين. وهذه الاعتراضات كالآتي:
الاعتراض الأول: إن الجنّ لو كانوا موجودين يلزم؛ إمّا أن يكونوا أجسامًا كثيفة، أو لطيفة. والقسمان باطلان = فبطل القول بوجودهم؛ وذلك أنه يمتنع أن يكونوا أجسامًا كثيفة، ثم لا يقع تسليم الحس بإدراكهم. وكذلك يمتنع أن يكونوا أجسامًا لطيفةً؛ إذ لو كانت كذلك لوجب أن تتمزّق، أو تتفرّق عند هبوب الرياح العاصفة القويّة، ويلزم أيضًا: أن لا يكون لها قوة وقدرة على الأعمال الشاقّة (١).
الاعتراض الثاني: أن هذه الأشخاص المسمّاة " الجنّ" إن كانوا حاضرين في هذا العالَم مُخَالِطين للبشر فالظَّاهر الغالب أن يحصل لهم بسبب طول المُخالَطةِ أحدُ أمرين: إما صداقةٌ، أو عداوة. فإن حصلت الأولى وَجَب ظهور المنافع بسبب تلك الصداقة. وإن كانت الأخرى وجب ظهور المضار، بسبب تلك العداوة = والواقع أنه لا يُرى أثر؛ لا من تلك الصداقة، ولا من تلك العداوة. وانتفاءُ الأثر يدلّ على انتفاء المؤثّر (٢).
الاعتراض الثالث: أَنَّ طريقَ إثبات وجود الجنّ؛ إمَّا أن يكون الحسّ، وإمَّا الخبرُ:
стр. 689
فالأول: لم يدل على وجودهم؛ لأَنَّ وجودهم إمّا بالصورة، أو الصوت. فإذا كُنّا لا نرى صورةً ولا سمعنا صوتًا؛ فكيف يمكننا أن ندّعي الإحساس بها.
والثاني: وهو ثبوت وجودهم بأخبار الأنبياء والرسل = فباطل؛ لأَنَّ هذه الأشياء لو ثبتت لبطلت نبوة الأنبياء؛ فإن على تقدير ثبوتها يجوز أن يقال: إن كلّ ما تأتي به الأنبياء من المعجزات، إنما حَصَل بإعانة الجن والشياطين = وكلُّ فرْعٍ أدّى إلى إبطال الأصْل كان باطلًا (١) .
الاعتراض الرابع: إذا كان الجن موجودين حقًّا فلِمَ لم ينصروا رسول الله ﷺ وأصحابَه في جهادهم في الذود عن دين الله؟!
وفي تقرير هذا الاعتراض، يقول "محمد منير أدلبي" القادياني: (والإشكال هنا هو: على فَرْض أَنَّ الجنَّ الذين آمنوا بالإسلام بعد أن استمعوا للقرآن كانوا يملكون - كغيرهم من الجنّ - القُوى الجِنيَّة الخارقة = فلماذا لم يهبّوا بقدراتهم الخارقة الخفيّة لنصر محمد ﷺ ؛ طاعةً لأمر الله تعالى؟ ... ) (٢) .
стр. 690
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدَّالة على وجود الجن والشياطين:
أمّا الجواب عن الاعتراض الأول؛ فيقال: قد ثبت وجود الجن ثبوتًا ضروريًّا، لا ينكره إلا مكابر. وقد سبق الكشف عن وجه هذه الضرورة. وكيفيَّةُ الجنِّ حقيقةٌ مغيَّبة عن شهود حواسّنا لها، لكن دلّ السمع الذي شهد العقل بصدقه على أن للجنّ أَجسامًا لطيفةً. والإقرار بذلك لا يبطله زعم المنكرين أنّه لو كانوا أجسامًا لطيفة؛ يلزم من ذلك أمران: أن يتمزّقوا عند هبوب الرياح القوية، وألَّا يكون لهم قدرة على الأعمال الشَّاقة = لأَنَّ هذا الزّعم معارَض بمثله. وبيان ذلك أن هؤلاء يقرّون أن الرّياح العاصفة القوية ليست أجسامًا كثيفةً، ومع لَطافَتِها إلا أنّه ثبت بالضَّرورة الحسّية تَدميرها للقرى والمساكن، وإهلاكها للحرث والنَّسل. وقد أضاف الله ﵎ إليها شيئا من ذلك في كتابه، فقال : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ الأحقاف.
فإذا كانت هذه القدرة حاصلة للريح -بإذن الله-، مع لطافتها؛ فما وجْه المنع من حصولها للجنّ مع تحقُّق ذلك لها بالأدلة الشرعية؟
وها هم الفلاسفة يثبِتون أنّ النار التي تنفصل عن الصواعق تنفُذ في اللّمحة اللّطيفة إلى بواطن الأشجار والحديد، وتخرج من الجانب الآخر (١). فلم تكن لَطَافةُ النَّارِ حائلةً دون نفوذها في الأجسام الكثيفة،
стр. 691
ولا سببًا في تمزّقها وتبدُّدها. فإذا ثبت ذلك للنار؛ فلِمَ يُمنع أن يقع ذلك للجن، مع لحْظ أن مادة خلقها منها؟
وأمّا الجواب عن الاعتراض الثاني، فيقال: إنه لا يُسلّم لزوم حصول العداوة، أوالصداقة، بمجرّد المخالطة. فإنّ العداوة والصداقة ليستا من قبيل السَّلب والإيجاب اللّذَيْن يمتنعُ ارتفاعُهما معًا، واجتماعهما معًا؛ بل هما ضدّانِ.
والأدلة الشرعية النَّقليَّة والحسيَّة تقضي بحصول أحوالٍ من الإلف أو العداوة والتسلط بالإيذاء من قِبَل الجنّ على الإنس. وهذا أمرٌ مستقرّ معلومٌ. وقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي السائب، أنه دخل على أبي سعيد الخدري ﵁ في بيته، قال: (فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَجَلَسْتُ أَنْتَظِرُهُ حتى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ، فَسَمِعْتُ تَحْرِيكًا في عَرَاجِينَ في نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَالْتَفَتُّ فإذا حَيَّةٌ، فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا، فَأَشَارَ إليّ أَنْ اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ. فلمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إلى بَيْتٍ في الدَّارِ فقال: أَتَرَى هذا الْبَيْتَ؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. قال: فَخَرَجْنَا مع رسول اللَّهِ ﷺ إلى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذلك الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنْصَافِ النَّهَارِ، فَيَرْجِعُ إلى أَهْلِهِ. فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا، فقال له رسول اللَّهِ ﷺ : (خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ، فَإِنِّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ) فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ؛ فإذا امْرَأَتُهُ بين الْبَابَيْنِ قَائِمَةً، فَأَهْوَى إِلَيْهَا الرُّمْحَ لِيَطْعنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فقالت له: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُل الْبَيْتَ حتى تَنْظُرَ ما الذي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فإذا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ على الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ، فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ في الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عليه، فما يُدْرَى أَيُّهُمَا كان أَسْرَعَ مَوْتًا: الْحَيَّةُ، أَمْ الْفَتَى؟ قال: فَجِئْنَا إلى رسول اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرْنَا ذلك له، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لنا.
فقال:
стр. 692
(اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ) ثُمَّ قال: (إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قد أَسْلَمُوا، فإذا رَأَيْتُمْ منهم شيئًا فَآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذلك فَاقْتُلُوهُ، فَإِنَّمَا هو شَيْطَانٌ) (١) .
فتبيّن من هذا الحديث أن الجنّ قد يبلغ أذاها إلى القتل. والبراهين على وقوع الأذى أو النفع من الجنّ للإنس كثيرة، والمنصف يقنع بما سبق ذِكره.
والجواب عن الاعتراض الثالث؛ وهو دعواهم: أن طريق إثبات وجود الجنّ إما الحِسّ، وإما الخبر ... إلخ.
فيقال: صِدْق النتيجة مرهون بصدق المقدّمات، والمقدمة لم تصدق = فالنتيجة إذن باطلةٌ. وبيان ذلك: أنّه لا يُسلّم لهم بأن الحِسّ لم يدلّ على وجودهم؛ لأن الضَّرورةَ الحسيَّة تقْضي بوجودهم؛ إمّا من جهة معاينة آثارهم، أو من شهود الحسّ لهم مباشرةً، بسماع أصواتهم. والوقائع في ذلك قد استفاضت استفاضةً أغنتْ عن كلّ إسناد؛ فهي من العلم العامّ الذي يقطع العاقل بصدقها.
وكذلك رؤيتهم، فقد صحّ أن النبي ﷺ رآهم. ورآهم أيضًا بعض أصحابه ﵃؛ كأبي هريرة ﵁ عندما وكّله النبي ﷺ على الصدقة (٢) . سواءً كانت الرؤية بصورهم التي خلقهم الله عليها - وهذا جائز أن يقع للنبي ﷺ ، أو كانت الرؤية لهم في حال تمثُّلِهم. وأيًّا ما كان؛ فالرؤية ليست منتفيةً عن جميع الخلق؛ كما جاء في الدعوى.
стр. 693
فإن قيل: لو كانت الرُّؤية متحقّقة في بعض الأَحوال؛ فلِمَ لا تكون كذلك في جميع الأحوال؟
والجواب: أَنَّ من حكمة الحكيم العليم أن يبتلي عباده بأمر الجنّ، ليتحقّق الجزاء على الإيمان بهذا الواقع المغيّب، أو عدمه. وانتفاء الرُّؤيةِ في كل حال لا يلزم منه انتفاء الوجود؛ فإنَّ للبصر خاصيَّتَه التي ركّبها الله فيه؛ مِن أنّه لا يُدرك إلا الألوان، وما ليس له لون فلا يُدرِكه. فليس عجْزُه عن إدراك ما لا يتّصف باللَّونيَّة بقاضٍ على انتفاءِ وجوده. فالهواء مثلًا حقيقةٌ موجودةٌ، لا يشكُّ العقلاءُ في وجوده، ومع ذلك فإنّه لا يقع للبصر إدراكه؛ لانتفاء اللونيَّةِ عنه = فعُلِم بذلك أن وجود الأشياء ليس تابعًا لإدراك البصر لها، فضلًا عن إدراك الحسّ لها (١) .
وأمّا دعواهم أنّ ثبوت وجود الجنّ بخبر الأنبياء والرسل باطل؛ لأن ثبوت ذلك - بزعمهم- يستدعي الشكّ في معجزاتهم ... إلخ
فيقال: كذلك التكذيب بوجودهم - أي: الجنّ - باطل؛ لأنَّ ذلك يستلزم الطعن في نبوة الأنبياء الذين أخبروا بوجودهم (٢) . هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن جنس معجزات الأنبياء خارجةٌ عن قُدَر الجنّ والإنس جميعًا، فلا يقع الالتباس بين ما يقع للأنبياء من آيات، وبين ما تستطيعه الجنّ.
وأمّا الجواب عن الاعتراض الرابع: إذا كان الجنُّ موجودين ... إلخ.
فيقال: النظر في هذه الدعوى من جهتين:
الجهة الأولى: أن يقال: لا تلازُم بين وجود الجن، وثبوت جهادهم مع رسول الله ﷺ أَو أَصحابه ﵃، أَو مع المؤمنين. والرَّابط
стр. 694
بينهما بيِّنُ الفساد؛ إذ من الممكن أن يكونوا غير مخاطَبين بالجهاد مع مؤمني الإنس، وقد يكون خطابهم مختصٌّ بقتال مَن كان من جنسهم من الكفّار. وقد ثبت ما يؤيّد ذلك؛ فقد روى أبو نضرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: (أَنَّ رجلًا من الأَنصار خَرَجَ يُصلِّي مع قومه العشاء، فَسَبَتْهُ الجنّ، فَفُقِد، فانطلقَتْ امرأتُه إلى عمر بن الخطّاب ﵁ فقصّت عليه القصّة، فسأل عنه عمر قومَه، فقالوا: نعم، خرج يصلّي ففُقِد. فأمرها أن تتربّص أربع سنين، فلمّا مضت الأربع سنين أتته فأخبرتْه، فسأل قومها، فقالوا: نعم. فأمرها أن تتزوج، فتزوّجت، فجاء زوجُها يخاصم في ذلك إلى عمر بن الخطّاب ﵁، فقال عمر بن الخطاب ﵁: يغيب أحدكم الزمان الطويل، لا يعلم أهله حياته. فقال له: إنّ لي عذرًا يا أمير المؤمنين، فقال: وما عندك؟ قال خرجتُ أصلّي العشاء، فسَبَتْني الجنّ، فلبثت فيهم زمانًا طويلًا، فغزاهم جنٌّ مؤمنون - أو قال: مسلمون- فقاتلوهم، فظهروا عليهم، فسبوا منهم سبايا، فسبوني فيما سَبَوا منهم، فقالوا: نراك رجلًا مسلما، ولا يحلّ لنا أن نسبيَك. فخيّروني بين المقام، وبين القفول إلى أهلي، فاخترت القفول إلى أهلي ... ) (١) .
فهذا الأثر إذا تأمّلته فإنّه يقوّي ما سلف ذِكْرُه من كون الجن مخاطَبين بجنس الجهاد؛ سواءً كان جهاد مشركي الجنّ - والأثر السابق يقوّي ذلك - أو جهاد مشركي الإنس، وقد استُدل لذلك بما جرى لعمر بن الخطاب ﵁؛ حين وجّه جيشًا ورأس عليه سارية بن زنيم لفتح بلاد فارس ... وفيه: (فبينما عمر يخطب، فجعل ينادي: يا سارية الجبل. قال عمر: فإنّ لله جندًا تبلّغهم صوتي. فجاء البشير بالفتح، وشاع الخبر في الناس، فسألهم عمر: من أين لكم هذا؟ فقالوا: رأينا
стр. 695
راكبًا أخبر بذلك. فقال: هذا أبو الهيثم من الجن؛ بريد المؤمنين، وسيأتي بريد الإنس، فأتاهم بريد الإنس بعد أيَّام) (١) .
فخبر أبي الهيثم - إنْ صحّ - فإنّه يدلّ على مشاركة مؤمني الجن في الجهاد. لذا قال ابن تيمية معقّبًا على هذا الخبر: (فهؤلاء الجن كانوا مؤمنين مجاهدين في سبيل الله) (٢) وقال في موطن آخر: (والدلائل الدالّة على هذا الأصل - أي: تكليف الجنّ -، وما في الحديث، والآثار من كون الجنِّ يحجُّون، ويصلُّون، ويجاهدون، وأنهم يعاقَبون على الذَّنْبِ = كثيرة جدًّا) (٣) .
ولو قدّر انتفاء حصول الجهاد منهم؛ فإن ذلك لا يلزم منه انتفاء وجودهم؛ لانفكاك ما بين المسألتين.
الجهة الثانية في النظر في هذه الدعوى: أَنَّ الأدلَّةَ لا تنهض على إثبات جهاد الجنّ مع رسول الله ﷺ ، أو مع المؤمنين عمومًا؛ لكنها أيضًا لا تنفي ذلك. فعدم العلم بها ليس علمًا بالعدم، فليس مع الجاحد إلاّ النفي، والنّفي المجرّد خبرٌ عن جهْل الإنسان بالدَّلائل، والواجب فيما لم ينتصب للناظر في قضية دليل نفي أو إثبات =أن يُسرِّحها إلى بُقْعةِ
стр. 696
الإمكان إلى أن يتحصَّل له فيه مرجِّح أو مُوجِب، هذا على تقدير انتفاء دليل الإثبات، وإلَاّ فالضَّرورةُ العقليَّةُ تُحتِّم لزوم اليقين بوجودهم؛ لتضافُر الدلائل على ذلك. وترْكُ اليقين الثابت لطروء الشكّ خروجٌ عن سبيل العقلاء.
وبعد بيان ما في تلك المعارضات من وَهَن يبْتَعِد بها عن مُزاحَمة البراهين الشرعية يُشرع في بيان بطلان مَنْ تأوّل الجنّ تأويلًا ليس له حظٌّ من النَّظَر؛ فإِنَّ التأويلَ - كما تقدّم مرارًا - فرعٌ عن الاستحالة في بعض المقامات؛ ولا استحالة في حمل تلك الأدلّة على ما دلَّت عليه.
وما ذهب إليه "محمد عبده" بأنّ الشياطين هي أرْواحٌ تتّصل بأرواح الناس = من زعماته الكبار التي لا يشهد لها دليلٌ؛ بل إن الأخذ بما ذهب إليه أبعد في النقل والعقل. وبيان ذلك؛ أن يقال: إنّ علّة نَفْيه أن يكون للجنّ تمثُّلٌ جسمانيٌّ؛ هو: أنّ الحِسّ يقضي بامتناع ذلك = فلأنْ يكون امتناع أن يكون للجنّ أرواحٌ أَوْلى؛ لعدم تصديق النقل والحسّ لذلك.
وما لم يشهد له النقل والحسّ أَولى بالإبطال مما لم يشهد له الحسّ فقط. وبيان أن الحِسّ لا يشهدُ لهذا التأويل ظاهر، لا يفتقر إلى بيان. وأمّا عدم دلالة النقل على هذا القول؛ فبيانه: أن تلك الدلائل النقلية نعتت الشياطين والجنّ بنعوتٍ يقضي الناظر فيها أن هذه النعوت لا تصلح أن تضاف إلى مجرّد أرواحٍ. فكيف يحمل سماع الأذان الوارد في قوله ﷺ : (إنّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جِنٌّ ولا إنسٌ إلاّ شهد له يوم القيامة) (١) على أنّه سماعٌ صادرٌ من أرواح؟ فهل من طبيعة الأرواح السماع؟!!.
стр. 697
وكيف يحمل ما وجده المصطفى ﷺ من أَثَرِ لُعاب ذلك الجنِّي الذي اعترضه في صلاته = على أنّه لُعابٌ صادرٌ من تلك الأرواح؟!
وما تقدم ينبئك أن أرباب هذه المدرسة يخالفون النصوص؛ بدعوى مخالفتها للعقل، ثم تراهم يقعون في معاطِبَ أشنع في العقول ممّا زعموا الفرار منه.
وحاصل موقف الدكتور "محمد البهي" من الجنّ مضطربٌ، وهذا الاضطراب ناشئ عن مخالفة الضرورة الشرعية؛ فإنّ كلّ من خالفها فلا بدّ أن يقع له شيءٌ من هذا الاضطراب. فحمْله للجن في بعض الموارد على فريق خيِّرٍ من الإنس غريبٍ، وغير معهودٍ = مخالف للحقيقة الشرعية اللغوية العرفية. فإنّ هذا الاستعمال من كِيسِه، لا يُعرف له شاهد في جميع الحقائق الثلاث. فالاستعمال الشرعي لهذا اللفظ يُطلق ويراد به ما هو قسيمٌ للإنس والملائكة. ولم يجْرِ إطلاقه في عامّة ما ورد - بحسب النظر القاصر - على الإنس، ولا على الملائكة؛ إلَّا في موطن واحدٍ في القرآن، قد أشار إليه بعض أهل التفسير، في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ الصافات: ١٥٨ فقد حمله بعضهم الجِنّة في هذا الموضع =على " الملائكة" (١) . فإنَّ صحَّ هذا الحمل، فيبقى أَنَّ الغالب في إطلاق اسم "الجن" على الخَلْق المعروف، ومن المتقرر في الأصول أن الشارع يطلق ألفاظه على عُرْفِه؛ وهو العرف الشرعي، لا على العرف الخاص للمخاطَب. والتقييد بالخاص هنا؛ لأَنَّ هذا العُرفَ تفرّد به - فيما أعلم - "البهيّ" عمّا هو معروف لدى عامَّة الناطقين بالعربية. فأنت ترى الإمام الجوهري ﵀ حين أراد بيان حقيقة الجنّ العُرفية، قال: (الجنّ: خلافُ الإنس،
стр. 698
الواحد جِنِّي. سُمّيت بذلك؛ لأنّها تَخفى، ولا تُرى) (١) . ووهم مخالفته للحقيقة اللغوية: أنّ مادة "جَنَنَ" تدور على ما استتر عن الأبصار. والغَرابة، وحصول الشيء غير المعهود أمران لا تتناولهما هذه المادة. فما علاقة الشيء الغريب وغير المعهود = وهذه المادة؟!
ومحصَّل القول أن الاسترسال في بيان بطلان هذا القول خروجٌ عن حدّ الاعتدال إلى التكلُّف؛ لظهور فساده. ففساده يُغني عن إفساده. وأمّا ذَهابه في بعض المواطن إلى حمْل ما ورد في الشرع من ذِكر الجن على "عالَم غير المرئي" فهو كسابقه. وبطلانه من الوجوه التالية:
١ - أنه قول لا سلف له فيه، وهو يفتقر إلى دليل يعضده. ولا دليل.
٢ - أنه قصر لفظ "الإنس" على العالَم المرئي، ولفظَ الجن على "العالَم غير المرئي" ومن المعلوم في بدائه الحس أن العالَم المرئي غير مقصور على الإنس؛ بل يعجّ بأصناف المخلوقات. وكذا العالَم غير المرئي، غير مقصور على الجنّ.
стр. 699
الفصل الثاني دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن بقيَّة الأحاديث المتعلّقة بالشيطان
وفيه ثلاثة مباحث:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن حديث: (ما من مولودٍ يولد إلاّ نخسه الشيطان ... ).
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن حديث: (بال الشيطان في أذنه).
- المبحث الثالث: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن حديث: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان .. ) وحديث: (إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضراط، حتى لا يسمع التأذين .. )
стр. 700
المبحث الأول دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث: (ما من مولود يولد إلاّ نخسه الشيطان ... )
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سَوْق حديث (ما من مولود يولد إلَّا نخسه الشيطان .. ).
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارِض العقلي على حديث (ما من مولود يولد إلَّا نخسه الشيطان .. ).
المطلب الثالث: دفع دعوى المُعارِض العقلي عن حديث (ما من مولود يولد إلَّا نخسه الشيطان .. ).
стр. 701
المطلب الأول: سَوْق حديث (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان .. ):
عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا نَخَسَهُ (١) الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ (٢) صَارِخًا من نخسة الشَّيْطَانِ إلا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) قال أبو هُرَيْرَةَ: (اقرؤوا إن شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ آل عمران: ٣٦) أخرجه مسلم (٣).
وفي رواية له: (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إلا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) (٤).
بإجالة النظر في الحديث السالف؛ يمكن إجمال القول في الآتي:
الفقرة الأولى: بيان مدلول الحديث عند أهل العلم.
الفقرة الثانية: نفْي التلازُم بين النخس والمسّ للمولود، وبين إضلاله وإغوائه.
الفقرة الثالثة: بيان أن اختصاص عيسى ﵇ وأمه بهذه الخصيصة لا يلزم منه الرُّجحان بالأفضلية على النبي ﷺ .
أَمَّا الفِقْرة الأُولى: فقد أفاد الحديث المتقدم أن الشيطان يتسلّط بالنَّخس على جميع وَلَد آدم؛ بما فيهم الأنبياء، والأولياء، وغيرهم. ويستثنى من ذلك: عيسى، وأمه مريم ﵉.
وهذا العموم دليله أمران:
стр. 702
الأول: أن قوله ﷺ : (ما من مولود) نكرة في سياق النفي؛ وهي من صيغ العموم، فتستغرق كلّ ما يقع في حيزها، إلاّ ما استثني منها. ويؤيد ذلك الرواية الأخرى: (كل ابن آدم) .
الأمر الثاني: الاستثناء الحاصل لعيسى وأمه ﵉. ومن المُقرّر في الأصول: أنّ صحَّة الاستثناء معيار العموم (١) .
ووقوع "من" في الرواية الأولى قبل النَّكرة في سياق النَّفي = تجعلها نصًّا في العموم.
لذا قال أبو العباس القرطبي ﵀ مقرّرًا ذلك: (وقوله ﷺ : "كل مولود"، و " ما من مولود" ظاهر قويّ في العموم والإحاطة. ولمّا استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص؛ لا سيّما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا = أنّ الشيطان ينخس جميع ولد آدم؛ حتى الأنبياء، والأولياء، إلاّ مريم وابنها. وإنْ لم يكن كذا = بَطَلَتْ الخصوصية بهما) (٢) .
أمّا الفقرة الثانية: فإنّه لا تلازُم بين تحقّق النخس المشار إليه في الحديث، وبين حصول الإغواء والإضلال للمنخوس، فغاية الأمر: أن هذا النّخس مُقدَّر بزمن مخصوص؛ وهو حال الولادة، ولا يلزم منه استمراره وبقاؤه. وإلَّا؛ فكم قد تعرّض الشيطان لأنبياء الله تعالى وأوليائه بأنواع من الإفساد والإغواء = فحفظهم الله تعالى ووقاهم من إضلاله وإغوائه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الحجر: ٤٢ وعليه؛ فمن فهِمَ أنَّ حصولَ النَّخسِ من الشَّيطانِ لُكلِّ مولود عنه بمن فيهم الأنبياء؛ يلزم منه وقوع الإضلال والإغواء = ففَهْمه فاسدٌ بالمرّة، وليس هذا هو مقتضى مدلول الحديث بلا ريب-كما سيأتي-. فمَنْ سوّى بينهما فقد اختلط عليه الخَاثِرُ بالزّبادِ.
стр. 703
الفقرة الثالثة: أن امتياز نبي الله عيسى وأمه ﵉ بهذه الخصيصة لا يستلزم تفضيلهما على رسول الله ﷺ ؛ لأنه ثبت في الصحيحين: (أنّه ما من أحد إلاّ وُكل به قرينه من الشياطين) (١) وعلى هذا؛ فمريم وابنها ﵉ وإنْ عُصما من نخْسه؛ فإنّهما لم يُعصما (من ملازمته لهما، ومقارنته. وقد خَصّ الله تعالى نبينا ﷺ بخاصّية كَمُل بها إنعامُه؛ بأنْ أعانه على شيطانه حتّى صحّ إسلامُه؛ فلا يكون عنده شرّ، ولا يأمره إلاّ بخير = وهذه خاصّة لم يُؤْتَها أحدٌ غيرُه، لا عيسى، ولا أمّه) (٢) .
ثمّ؛ إنَّ ذِكر الفضيلة لا يستلزم الرُّجحان بالأَفضليَّة (٣)، وذلك للقطع بأَنَّه ﷺ سيد ولد آدم -كما ثبت عنه ﷺ (٤) - بما فيهم الرُّسل ﵈. والقطع بفضيلته ﷺ وتقْدُمِهِ على جميع الأنبياء أمرٌ معلوم، ودلائله قد سبق ذِكرها.
ومع جلاء الحديث، وجلاء دلالته، وعدم مناقضته للعقل؛ إلاّ أنه قد طعن فيه طوائف من المتقدّمين والمتأخّرين. وانقسمت مواقفهم تجاه الحديث إلى موقفين:
الموقف الأول: مَنْ ردّ الحديث صراحةً.
الموقف الثاني: مَنْ أعمل فيه التأويل، دون ردٍّ صريح.
وممّن يُمثّل الموقف الأول: "القاضي عبد الجبّار الهمداني" (٥) و"محمود أبو رية" الّذي نعت الحديث بأن فيه نفَسًا من أثر المسيحية؛ أي أنَّ الرُّواة المتأثرين بالمسيحية هم الذين اختلقوا هذا الحديث،
стр. 704
ورفعوه للمصطفى ﷺ . وفي ذلك ... يقول: (ومن المسيحيات في الحديث: ما رواه البخاري ... وفقه هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجليل من الرسول ﷺ : أن الشيطان يطعن كل ابن آدم، أو ينخسه؛ إلاّ عيسى بن مريم وأمّه. وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان أحدٌ غيرهما من بني آدم أجمعين، حتى الرسل: نوح وإبراهيم، وموسى، وغيرهم. وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين = فانظر، واعجب!) (١) .
وممّن تبنّى الموقف الثاني - أعني: موقفَ تأويل الحديث -: أبو القاسم الزمخشري؛ حيث تأوَّل "النّخس" الوارد في الحديث بأنه مجرّد طمع الشيطان في كل مولود سوى مريم وابنها ﵉، ومن كان متصفا بصفتهما. وفي ذلك يقول: ( .. وما يُروى من الحديث: (ما من مولود يلد إلا والشيطان يمسّه ... ) فالله أعلم بصحّته؛ فإنْ صَحّ فمعناه: أنّ كل مولود يطمع الشيطانُ في إغوائه؛ إلاّ مريم وابنها، فإنّهما كانا معصومَيْن. وكذلك كلُّ مَن في صفتهما ... واستهلالُه صارخًا من مَسّه: تخييل وتصويرٌ لطمعه فيه؛ كأنّه يمسّه، ويضرب بيديه عليه، ويقول: هذا ممّن أُغويه. ونحوه من التخييل ... وأمّا حقيقة المسّ والنّخس - كما يتوهّم أهل الحشوِ؛ فكلاّ) (٢) .
وارتضى قولَه، ونقله عنه:"ابن الملك" (٣)، ومن المعاصرين "إمام حنفي" (٤) .
стр. 705
المطلب الثاني: سَوق دعوى المعارض العقلي على حديث (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان):
ومما أورده المخالفون من المعارضات العقلية على هذا الحديث؛ ما يلي:
أولًا: أنّ إبليس لو تسلّط على النّاس لينخسهم لامتلأت الدنيا صراخًا وعياطًا من نخْسِه:
وقد أبدى هذا الاعتراض: "أبو القاسم الزمخشري"، فقال: (أمّا حقيقة المَسّ والنّخس كما يتوهّم أهل الحشو = فَكَلَّا. ولو سُلِّط إبليس على النّاس لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا مما يبلونا به مِنْ نَخْسِه) (١).
وتابَعه على هذا الاعتراض: "ابن الملك"؛ حيث مَنَع حمْل النخس على المسّ الحسّي، وأوَّله على أن المراد به هنا: الإغواء - كما تقدّم عند الزمخشري- وعِلّة منْعه: أن الحمْل على الحقيقة ممتنع عقلًا. وفي تقرير ذلك يقول: (ذهب الشارحون إلى أن المراد به: المسّ الحسّي ... وفيه نظر؛ لأن استعاذتها تجوز أن تكون من الإغواء، لا من المسّ؛ ولأن الاستعاذة كانت بعد وضْعها، والمسُّ إنما كان بحال الولادة. على أنّ العقل يأبى مما قالوا؛ لأن الشيطان لو سُلِّط على النّاس بنخْسهم لامتلأت الدنيا صراخًا. والأوْجَهُ: أن المراد من المسّ الطمعُ في الإغواء، لا حقيقة المسّ.
فإن قيل: لو كانت كذلك لما اختصّ مريم وعيسى بالاستثناء؛ لأنّ المخلصين كلهم كذلك.