← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 275

دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد

عيسى النعمي

Полный текст (833 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المطلب الأول: سَوْق حديث (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان .. ): عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ما من مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا نَخَسَهُ (١) الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ (٢) صَارِخًا من نخسة الشَّيْطَانِ إلا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ) قال أبو هُرَيْرَةَ: (اقرؤوا إن شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ آل عمران: ٣٦) أخرجه مسلم (٣). وفي رواية له: (كُلُّ بَنِي آدَمَ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ يوم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ إلا مَرْيَمَ وَابْنَهَا) (٤). بإجالة النظر في الحديث السالف؛ يمكن إجمال القول في الآتي: الفقرة الأولى: بيان مدلول الحديث عند أهل العلم. الفقرة الثانية: نفْي التلازُم بين النخس والمسّ للمولود، وبين إضلاله وإغوائه. الفقرة الثالثة: بيان أن اختصاص عيسى ﵇ وأمه بهذه الخصيصة لا يلزم منه الرُّجحان بالأفضلية على النبي ﷺ . أَمَّا الفِقْرة الأُولى: فقد أفاد الحديث المتقدم أن الشيطان يتسلّط بالنَّخس على جميع وَلَد آدم؛ بما فيهم الأنبياء، والأولياء، وغيرهم. ويستثنى من ذلك: عيسى، وأمه مريم ﵉. وهذا العموم دليله أمران:

стр. 702

الأول: أن قوله ﷺ : (ما من مولود) نكرة في سياق النفي؛ وهي من صيغ العموم، فتستغرق كلّ ما يقع في حيزها، إلاّ ما استثني منها. ويؤيد ذلك الرواية الأخرى: (كل ابن آدم) . الأمر الثاني: الاستثناء الحاصل لعيسى وأمه ﵉. ومن المُقرّر في الأصول: أنّ صحَّة الاستثناء معيار العموم (١) . ووقوع "من" في الرواية الأولى قبل النَّكرة في سياق النَّفي = تجعلها نصًّا في العموم. لذا قال أبو العباس القرطبي ﵀ مقرّرًا ذلك: (وقوله ﷺ : "كل مولود"، و " ما من مولود" ظاهر قويّ في العموم والإحاطة. ولمّا استثنى منه مريم وابنها التحق بالنصوص؛ لا سيّما مع النظر الذي أبديناه، فأفاد هذا = أنّ الشيطان ينخس جميع ولد آدم؛ حتى الأنبياء، والأولياء، إلاّ مريم وابنها. وإنْ لم يكن كذا = بَطَلَتْ الخصوصية بهما) (٢) . أمّا الفقرة الثانية: فإنّه لا تلازُم بين تحقّق النخس المشار إليه في الحديث، وبين حصول الإغواء والإضلال للمنخوس، فغاية الأمر: أن هذا النّخس مُقدَّر بزمن مخصوص؛ وهو حال الولادة، ولا يلزم منه استمراره وبقاؤه. وإلَّا؛ فكم قد تعرّض الشيطان لأنبياء الله تعالى وأوليائه بأنواع من الإفساد والإغواء = فحفظهم الله تعالى ووقاهم من إضلاله وإغوائه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الحجر: ٤٢ وعليه؛ فمن فهِمَ أنَّ حصولَ النَّخسِ من الشَّيطانِ لُكلِّ مولود عنه بمن فيهم الأنبياء؛ يلزم منه وقوع الإضلال والإغواء = ففَهْمه فاسدٌ بالمرّة، وليس هذا هو مقتضى مدلول الحديث بلا ريب-كما سيأتي-. فمَنْ سوّى بينهما فقد اختلط عليه الخَاثِرُ بالزّبادِ.

стр. 703

الفقرة الثالثة: أن امتياز نبي الله عيسى وأمه ﵉ بهذه الخصيصة لا يستلزم تفضيلهما على رسول الله ﷺ ؛ لأنه ثبت في الصحيحين: (أنّه ما من أحد إلاّ وُكل به قرينه من الشياطين) (١) وعلى هذا؛ فمريم وابنها ﵉ وإنْ عُصما من نخْسه؛ فإنّهما لم يُعصما (من ملازمته لهما، ومقارنته. وقد خَصّ الله تعالى نبينا ﷺ بخاصّية كَمُل بها إنعامُه؛ بأنْ أعانه على شيطانه حتّى صحّ إسلامُه؛ فلا يكون عنده شرّ، ولا يأمره إلاّ بخير = وهذه خاصّة لم يُؤْتَها أحدٌ غيرُه، لا عيسى، ولا أمّه) (٢) . ثمّ؛ إنَّ ذِكر الفضيلة لا يستلزم الرُّجحان بالأَفضليَّة (٣)، وذلك للقطع بأَنَّه ﷺ سيد ولد آدم -كما ثبت عنه ﷺ (٤) - بما فيهم الرُّسل ﵈. والقطع بفضيلته ﷺ وتقْدُمِهِ على جميع الأنبياء أمرٌ معلوم، ودلائله قد سبق ذِكرها. ومع جلاء الحديث، وجلاء دلالته، وعدم مناقضته للعقل؛ إلاّ أنه قد طعن فيه طوائف من المتقدّمين والمتأخّرين. وانقسمت مواقفهم تجاه الحديث إلى موقفين: الموقف الأول: مَنْ ردّ الحديث صراحةً. الموقف الثاني: مَنْ أعمل فيه التأويل، دون ردٍّ صريح. وممّن يُمثّل الموقف الأول: "القاضي عبد الجبّار الهمداني" (٥) و"محمود أبو رية" الّذي نعت الحديث بأن فيه نفَسًا من أثر المسيحية؛ أي أنَّ الرُّواة المتأثرين بالمسيحية هم الذين اختلقوا هذا الحديث،

стр. 704

ورفعوه للمصطفى ﷺ . وفي ذلك ... يقول: (ومن المسيحيات في الحديث: ما رواه البخاري ... وفقه هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجليل من الرسول ﷺ : أن الشيطان يطعن كل ابن آدم، أو ينخسه؛ إلاّ عيسى بن مريم وأمّه. وبذلك لم يسلم من طعن الشيطان أحدٌ غيرهما من بني آدم أجمعين، حتى الرسل: نوح وإبراهيم، وموسى، وغيرهم. وخاتمهم محمد صلوات الله عليه وعلى جميع النبيين = فانظر، واعجب!) (١) . وممّن تبنّى الموقف الثاني - أعني: موقفَ تأويل الحديث -: أبو القاسم الزمخشري؛ حيث تأوَّل "النّخس" الوارد في الحديث بأنه مجرّد طمع الشيطان في كل مولود سوى مريم وابنها ﵉، ومن كان متصفا بصفتهما. وفي ذلك يقول: ( .. وما يُروى من الحديث: (ما من مولود يلد إلا والشيطان يمسّه ... ) فالله أعلم بصحّته؛ فإنْ صَحّ فمعناه: أنّ كل مولود يطمع الشيطانُ في إغوائه؛ إلاّ مريم وابنها، فإنّهما كانا معصومَيْن. وكذلك كلُّ مَن في صفتهما ... واستهلالُه صارخًا من مَسّه: تخييل وتصويرٌ لطمعه فيه؛ كأنّه يمسّه، ويضرب بيديه عليه، ويقول: هذا ممّن أُغويه. ونحوه من التخييل ... وأمّا حقيقة المسّ والنّخس - كما يتوهّم أهل الحشوِ؛ فكلاّ) (٢) . وارتضى قولَه، ونقله عنه:"ابن الملك" (٣)، ومن المعاصرين "إمام حنفي" (٤) .

стр. 705

المطلب الثاني: سَوق دعوى المعارض العقلي على حديث (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان): ومما أورده المخالفون من المعارضات العقلية على هذا الحديث؛ ما يلي: أولًا: أنّ إبليس لو تسلّط على النّاس لينخسهم لامتلأت الدنيا صراخًا وعياطًا من نخْسِه: وقد أبدى هذا الاعتراض: "أبو القاسم الزمخشري"، فقال: (أمّا حقيقة المَسّ والنّخس كما يتوهّم أهل الحشو = فَكَلَّا. ولو سُلِّط إبليس على النّاس لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا مما يبلونا به مِنْ نَخْسِه) (١). وتابَعه على هذا الاعتراض: "ابن الملك"؛ حيث مَنَع حمْل النخس على المسّ الحسّي، وأوَّله على أن المراد به هنا: الإغواء - كما تقدّم عند الزمخشري- وعِلّة منْعه: أن الحمْل على الحقيقة ممتنع عقلًا. وفي تقرير ذلك يقول: (ذهب الشارحون إلى أن المراد به: المسّ الحسّي ... وفيه نظر؛ لأن استعاذتها تجوز أن تكون من الإغواء، لا من المسّ؛ ولأن الاستعاذة كانت بعد وضْعها، والمسُّ إنما كان بحال الولادة. على أنّ العقل يأبى مما قالوا؛ لأن الشيطان لو سُلِّط على النّاس بنخْسهم لامتلأت الدنيا صراخًا. والأوْجَهُ: أن المراد من المسّ الطمعُ في الإغواء، لا حقيقة المسّ. فإن قيل: لو كانت كذلك لما اختصّ مريم وعيسى بالاستثناء؛ لأنّ المخلصين كلهم كذلك.

стр. 706

أجيب: بأن المعنى - والله أعلم -: إلاّ مريم، وابنها، ومَن في معناهما. وإليه أشار القاضي عياض. أقول: هذا الجواب على تقدير أن يكون عدم مسِّ الشيطان من الفضائل؛ فإذا كان نبينا ﵊ أفضل وأعلى = كان الاتصاف به أولى. وأمّا إذا كان من خصائصهما فلا يلزم أن يوجد في نبينا ﵇؛ إذْ كم من مفضول موصوف بخاصّية لا توجد إلاّ في الفاضل منه! فإنْ قلتَ: لو لم تثبت حقيقة المسّ لم يترتّب عليه استهلال الطفل = ... أُجيب: بأن استهلاله تخييل لطمع الشيطان؛ كأنْ يمسّه بيده، ويقول: هذا ممن أُغْويه ... ) (١) . فأنت ترى أن "ابن الملك" ما هو إلاّ مُشَقِّقٌ لاعتراض الزمخشري، ومفصّل لجوابه. وقد ارتضى اعتراض الزمخشري من المعاصرين: "إمام حنفي"؛ حيث نقل كلام الزمخشري بمعناه، وأشار إليه (٢)، وحمَل على ابن المنيِّر في نقده للزَّمَخْشري؛ كما سيأتي -إن شاء اللهُ- بيان غلطه في ذلك. ثانيًا: أنّ الحديث مناقض لما ثبت في الطب؛ من أنّ سبب صُراخ كلّ مولود حين ولادته هو: دخول الهواء لأول مرة لرئته. ثالثًا: أن زوجة عمران (أم مريم) ليست الوحيدة في الدنيا التي أعاذت وليدها وذرّيته من الشيطان الرجيم؛ بل كل مسلم تقيّ يفعل ذلك! وفي تقرير هاتين الشبهتين يقول "إسماعيل الكردي": (لقد ثبت في

стр. 707

الطبّ أن سبب صراخ كل مولود حين ولادته هو: دخول الهواء لأوّل مرة لرئتيه، بعد أن كان يتلقى الأوكسجين من دَم أمّه عبر الحبل السّري. ولو لم يبكِ لاختنق. ثم؛ هل زوجة ابن عمران (أم مريم) هي الوحيدة في الدنيا التي أعاذت وليدها وذريته من الشيطان الرجيم؟؟ أليس كلّ مسلم تقي يقول حين الجماع: (اللهم جنّبنا الشيطان، وجنّب الشيطان ما رزقتنا)؟ فلماذا لا يعيذُ الله مولوده -حسب الحديث- مِن نَخْسة الشيطان؟ وهل دعاء المسلمين جميعهم غير مقبول) (١) . رابعًا: أن الشيطان إنما يدعو إلى الشرّ مَنْ له تمييز، والمولود لا تمييز له، ولأنه لو تمكّن من هذا الفعل لجاز أن يُهلِك الصالحين. المُدلي بهذه الشبهة؛ هو: " القاضي عبد الجبّار". وقد نسبها إليه الآلوسي في تفسيره (٢) .

стр. 708

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان): أَمَّا الجواب عن الاعتراض الأوّل، فيقال: إنه لا موجب للعدول عما دل عليه الحديث. ودعوى الامتناع غفلةٌ عن الحقائق. وبيان ذلك: أنه لا يخلو أن يكون مراد الزمخشري ومَن تابَعه بـ"امتلاء الدنيا صراخًا وعياطًا من أثر النّخس" = أن يكون ذلك على جهة الدوام والاستمرار لكل مولود، أو يُخص ذلك بزمن مخصوص. فإن كان الأول، فالتلازُم تخييل انقدح عند الزمخشري، لا واقع له على التحقيق؛ وذلك أن الحديث أخبر عن استهلال المولود صارخًا في زمن خاص، وهو زمن الولادة، ولم يَرِدْ مطلقًا ليصحّ الاعتراض. والواقع يشهد بخلاف ذلك أيضًا. قال الإمام الرَّسعَني ﵀ (١) ردًا على الزَّمخشري: (لستُ أعجب من قوله (٢) عن حديثٍ اتَّفق أئمة الإسلام على تصحيحه وتدوينه، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري ومسلم في صحيحهما:"إن صحَّ"؛لأنَّ الرَّجل كان جاهلًا بهذا العلم الجليل =ولكن من صفاقة وجهه في ردِّ الحديث على تقدير التصحيح، والتَّمحُّل لتعطيل اللفظ الصّريح؛ مع أنّه لامُنافاة في ذلك بين النَّقل والعقل؛ لأَنَّ العقل لا يُحيل

стр. 709

ذلك لذاته، ولا يلزم منه مُحال على تقدير إثباته، وأمَّا قوله "لو سُلِّط إبليس على الّناس ينخسهم لامتلأت الدُّنيا صُراخًا وعياطًا"= فكلامٌ يُشمتُ به الأعداء، لا، بل يُحزنهم عليه .. لأنّ نَبينا ﷺ لم يُخبر بتسليط الشيطان على الإنسان بالنَّخسِ إلَاّ حالة الولادة، فكيف يتوجه منه هذا الإلحاد؟ ومن أين يلزم أن تمتلئ الدُّنيا صُراخًا وعياطًا؟ ولعلَّه إذا استقرئ البلد العظيم، وتصفَّح مَن وُلد فيه في يوم، لا يَبلغ عددًا يوجب أضعاف أضعافه بعض ما توهمه من امتلاء الدُّنيا صُراخًا .. ) (١) . وإن كان مرامه هو المعنى الثاني = فيقال: هذا هو الواقع، فالدنيا لا تخلو من استهلال مولود صارخًا في كل وقت (٢)، فيستحيل اعتراض الزمخشري حينئذ إلى مخالفة الواقع. وبه يُعلم أن المخالف ناقَض ضرورتين: الضرورة الشرعية، والضرورة الحسية. فكان امتناع ما اعترض به أحرى من امتناع إجراء الحديث على معناه الظاهر. والذي يتحرر: أن مقصود الزمخشري هو الأمر الأول، والذي يعضد ذلك: أن الآلوسي ﵀ نقل عن القاضي عبد الجبار ما يفيد ذلك (٣) . وأما الجواب عن الاعتراض الثاني، فيقال: على تقدير أنّ ما يثبت في الطب بلغ إلى حدّ الحقيقة العلمية المقطوع بها؛ فإن قُصاراهُ: أن يكون كشْفًا عن السبب القريب المحسوس لاستهلال المولود صارخًا. وهذا التفسير العلمي لا يقضي بامتناع أسباب أخرى عَزُب الخلْق عن دركها؛ لقصور مداركهم عن الإحاطة بكل حقيقة. ومن هنا فليس هناك ما يمنع من تعليل هذه الظاهرة بسببين: أحدهما مُدرَك بالحس، والآخر غيبيّ دلّ عليه الوحي.

стр. 710

على أنه ينبغي أن يُعلم أنَّ هذا التقرير هو على تقدير صحة ما وصل إليه الطب، وبلوغه مبلغ القطعيات؛ وإلاّ فيبقى النظر متجها إلى التحقّق من هذا البلوغ وصحّته. بل لو وقع التعارُض بين السببين لوجب حينئذ تحرير النظر في كلا المدلولين، لا أن يُقضى على الخبر بالإلغاء لاحتمال تطرُّق الوهم إلى النتائج التي توصل إليها الطب، وأن الأمر لا يعدو أن يكون فرْضا، لا حقيقةً علميّةً. وأما الجواب عن الاعتراض الثَّالث، فيقال: إن سبب انقداح هذه الاعتراض عند إسماعيل كردي أمران: الأول: هو ظنه أنّ مقتضى نفوذ أثر الدعاء -عند توفر شروطه وانتفاء موانعه- بتجنيب المولود الشيطان؛ هو = ألاّ يحصل النخس والطعن له. الأمر الثاني: ظنّه أن الطعن هو الضرر الذي يُجنَّبه المولود. فأمّا الأمر الأول فهو ناتج عن غلطه في فهم الحديث -في أحسن أحواله-؛ ذلك أنه لا يلزم من نفوذ أثر الدعاء ألاّ يحصل ما أخبر به النبي ﷺ من حصول الطعن؛ لأن المراد من الدعاء في الخبر النبوي أن تتحقق الحيلولة بين الإضلال والإغواء الذي سببهما الشيطان = والمولود. فإن ادّعى مُدَّعٍ أنَّ لفظ الإغواء والإضلال ليسا واردَين في الحديث، فتقديرهما محْض تقوّل لما لم ينطق به الحديث. فيقال: وكذلك تقدير لفظ الطعن وأنه هو الذي يجنّبه المولود وأنه هو الذي يجنّبه المولود = ليس واردًا في الخبر؛ فهو أيضًا محض تقوّل لا دليل عليه. هذا من جهة. ومن جهة أخرى: أنّ المُقتضي لهذا التقدير: ما ثبت في حديث الباب من وقوع النخس لكلّ مولود-سوى ما استثناه الخبر-. وهذا التقدير لازمٌ؛ لاستقامة الحديث، وجريانه على السداد، دون تضارُب

стр. 711

بين الخبرين. فتقدير الإضلال أصدق من تقدير الطعن؛ لدلالة الأدلة عليه. وأما الأمر الثاني: فإن الطعن ليس بِضَررٍ؛ إذ لو كان كذلك لسلِم منه الأنبياء، والأولياء؛ إذْ هم أولى بهذا المعنى. يقول الإمام أبو العباس القرطبي ﵀ في بيان معنى قول النبي ﷺ (لم يضرّه شيطان أبدًا): (قيل معناه: لم يضرّه: لم يصْرعْه الشيطان. وقيل: لا يطعن فيه الشيطان عند ولادته، ويطعن في خاصرة من لا يقال له ذلك. قال القاضي: لم يحْملْه أحدٌ على العموم في جميع الضرر، والإغواء، والوسوسة. قلت - القائل: القرطبي-: أمّا قصرُه على الصرع وحده فليس بشيء؛ لأنه تحكُّمٌ بغير دليل، مع صلاحيّة اللفظ له ولغيره. وأما القول الثاني: ففاسدٌ؛ بدليل قوله ﷺ : (كل مولود يطعن الشيطان في خاصرته إلا ابن مريم ... ) هذا يدلّ على أنّ الناجي من هذا الطعن إنما هو عيسى وحده ﵇؛ وذلك مخصوص دعوة أم مريم؛ حيث قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ آل عمران: ٣٦، ثم إنّ طعنه ليس بضرر. ألا ترى أنه قد طعن في كثير من الأولياء، والأنبياء، ولم يضرهم بذلك. ومقصود هذا الحديث - والله تعالى أعلم -: أن الولد الذي يقال له ذلك يُحفَظ من إضلال الشيطان، وإغوائه، ولا يكون للشيطان عليه سلطان؛ لأنه يكون من جملة العباد المحفوظين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الحجر: ٤٢ وذلك ببركة نية الأبوين الصالحَين، وبركة اسم الله تعالى، والتعوّذ به، والالتجاء إليه. وكأن هذا شَوبٌ من قول أم مريم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ آل عمران: ٣٦ ولا يُفهم من هذا نفْي وسوسته، وتشعيثه، وصرعه = فقد

стр. 712

يكون كل ذلك، ويحفظ الله تعالى ذلك الولد من ضرره في قلبه، ودينه، وعاقبة أمره. والله تعالى أعلم) (١) . وأما الجواب عن الاعتراض الرابع - وهو: دعوى أن الشيطان إنما يدعو من له تمييز، والمولود لا تمييز له ... الخ -؛ فيقال: هذا الاعتراض لا محل له هنا؛ لأنه قد سبق بيان أن النخْس ليس المقصود به الإغواء والتضليل؛ ليصح إيراد هذا الاعتراض. وإنّما هو: طعْنٌ يترتّب عليه استهلال الطفل صارخًا، كما هو مبيّن في الحديث. وعليه؛ فهذا الاعتراض، وما سَبَقه من اعتراضات لا يتحصّل من أفرادها، ولا من مجموعها ما يقوى على إبطال ما دلّ عليه الحديث. فالحديث قد أبان عن أمر غيبي، فوجب الإذعان، والتسليم لما دلّ عليه. والعقل لا يُحيل ما دلّ عليه. وأمّا تأويل الزمخشري للنخس بأنه: طمَعُ الشيطان في إغواء كلّ مولودٍ سوى مريم وابنها ﵉، وكذلك كلّ من كان في صفتهما = فتأويلٌ متهافتٌ. وبيان ذلك من وجوه: الوجه الأول: التأويل فرع عن الامتناع، ولا مانع يمنع من إجراء الحديث على معناه المتبادر منه. وإذا بطل الأصل - وهو: الامتناع - بطل الفرعُ؛ ولا بدّ. الوجه الثاني: أنّ طمع الشيطان في الإغواء لا يوجب استهلال الطفل صارخًا؛ لكون الطمع في حقيقته أمرٌ وجداني لا يسري أثره إلى الغير. الوجه الثالث: أن الحديثَ صرّح بالنّخْس والطّعْن المُوجِب لصُراخ الطّفل. وترتيب الاستهلال على النّخس بـ"فاء" السببية يُؤْذِن بأن علّة

стр. 713

الصراخ هو الطعن، لا مجرّد الطمع في الإغواء. والتعليل بالأوّل مقبول في مدارك العقل، بخلاف التعليل الثاني = وما كان موافقًا للظاهر اللُّغوي والعقلي؛ أولى بالقبول مما كان بخلاف ذلك الوجه الرابع: أن تعميم الاستثناء يشمل كلَّ من كان متّصفًا بصفة مريم وابنها ﵉ = تعميمٌ يفتقر إلى برهان؛ ولا برهان. فَعُلم بطلانه. وأمّا دعوى "ابن الملك" بأنّ "استهلال المولود" هو في واقع الأمر: "تخييل لطمع الشيطان؛ كأنه يمسّه بيده ... الخ" فدعوى لا برهان عليها. والأصل: أن النّخس على حقيقته - كما ثبت بالنّصّ-.

стр. 714

المبحث الثاني دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث: (بال الشيطان في أُذنه) وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأوَّل: سوق حديث (بال الشيطان في أُذُنه). المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث (بال الشيطان في أُذُنه). المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث (بال الشيطان في أُذُنه).

стр. 715

المطلب الأوَّل: سوق حديث: (بال الشيطان في أُذنه) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ذُكر عند النبي ﷺ رجل فقيل: مازال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة. فقال: (بَالَ الشّيطان في أُذنِه) قال ابن مسعود ﵁: «وايم الله لقد بال في أُذُن صاحبكم الليلة» ــ يعني ... نفسه ــ متفق عليه (١). تمهيد: تَباينت أنظارُ أَهلِ العلم في حقيقةِ البوْلِ المضاف في هذا الحديث إلى الشيطان، وانقسمت مواقفهم إلى ثلاثة مواقف: الموقفِ الأوّلِ: مَنْ رأى أَن اللّفظ يحتمل الحقيقة والمجاز. الموقف الثاني: مَنْ أجرى اللفظ على المَجَاز. الموقف الثالث: مَنْ أجرى الحديث على ظاهره. وممن تبنى الموقف الأول: جَمْهرةٌ من شرَّاح الحديث وغيرهم، كالقاضي عياض (٢)، والنووي (٣)، وابن حجر العسقلاني (٤)، وزكريا الأنصاري (٥)، وغيرهم.

стр. 716

وأما الموقف الثاني؛ فذهب إليه: ابن قتيبة (١)، وأبو جعفر الطحاوي (٢)، والخطابي (٣) . ونُسب إلى إبراهيم الحربي؛ حيث ذكروا عنه في تفسير هذا الحديث قوله: (معناه: ظهر عليه - أي الشيطان - وسخر منه) (٤) . وأَمَّا الموقف الثالث؛ فهو ظاهر اختيار الإمام ابن قيم الجوزية ﵀؛ حيث قال مُبينًا الشرور التي يتسلط بها الشيطان على الإنسان: (ومن شرّه: أنه يبول في أُذن العبد حتى ينام إلى الصباح، كما ثبت عن النبي ﷺ .. ) (٥) . والذي يترجَّحُ - والله أعلم - أَنَّ ما ذهب إليه الإمام ابنُ قيِّم الجوزيَّة ﵀ والذي يمثل الموقف الثالث = هو ما ينبغي حَمْل الحديث عليه، وذلك للأسباب التالية: السبب الأول: أن حَمْل بول الشيطان على الحقيقة هو الظاهر، ولا يصح العدول عن الظاهر إلا بدليل مانع يمنع من إجرائه على ذلك. السبب الثاني: أنه ليس هناك ما يُحيل أن يكون بول الشيطان على حقيقته؛ فالأمر كما قال أبو العباس القرطبي ﵀: (يَصحُّ إبقاؤه على ظاهره؛ إذ لا إحالة فيه، ويفعل ذلك استهانةً به) (٦) وقد ثبت أن الشيطان يأكل، ويشرب، وينكح = إذا كان ذلك على الحقيقة، فكذلك البول. ومنع الطحاوي ﵀ وغيره، حمل ذلك على الحقيقة، وإجرائه له على

стр. 717

التوسع في اللُّغة؛ حيث قال: ( .. وذكر فيه بول الشيطان في أُذنه؛ أي: فَعَل به أقبح ما يُفعل بالنُّوّام = وليس ذلك على حقيقة البول منه في أُذُنه، ولكن على المَثَل والاستعارة في المعنى .. ) (١) = لم ينصب عليه برهانًا، وليس في السِّياق ما يعضده هذا من جهة. ومن جهة أخرى؛ فإن حمْل ﵀ للبول المضاف إلى الشيطان على الاستعارة، والمَثَل؛ دون ذِكْر القرينة التي تكشف عن مُرادِ المُتكلِّم = يلزم منه أَن طْرد ذلك في الدلائل الأخرى التي أَضافت إلى الشيطان الضحك، والأكل، .. الخ فإن التزمه ﵀ ولا إخاله كان يَفْعل - فلا رَيْب في بطلان ذلك الالتزام. وإلا فيلزم في هذا الحديث حمله على ظاهره كما التزمه ﵀ هو في غيره. ولو ادّعى مُدّعٍ قيام قرينةٍ عند الإمام الطحاوي لم يُبْدها أَثناء تقريره = للزم من ذلك تصحيح كل تأويلٍ لم يُقِم صاحبُه عليه دليلًا؛ لإمكان قيامها عنده مع عدم كشفه عنها؛ وهذا قول لا أحد يُعظِّم الأدلة ويقدر لها قدرها يلفظ به. فإن قيل: هذا عين الجمود على الظاهر؛ لاحتمال جريان الخطاب الشرعي على سنن العَرَب في التَوسّع في الاستعمال. الجواب عن هذا الإيراد، أن يقال: إِنما يصح إطلاق الجمود في حال ما لو أَقام الشارعُ قرينةً في خطابه تُبيْنُ عن مراده، وتكشف عن مقصوده = ثم لم يَرْعها الناظر في كلامه. أَمَّا مع تخلية المقام من القرائن التي توجب الانتقال من هذا الظاهر إلى غيره = فلا جمود حينئذٍ؛ بل صيانةٌ لكلام الشارع.

стр. 718

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث: «بال الشيطان في أُذُنه» محصل ما أورد على هذا الحديث من المعارضات = معارضان: المعارض الأوَّل: أَن هذا الحديث مخالف للضرورة الحسية. المعارض الثاني: أَن في إسنادِ هذا الفِعل إلى الشيطان إثباتًا لقدرةٍ تفُوق قدرة الملائكة، وأولياء الله، وأنبيائه. وممن انتحل كِبَر هاتين الشبهتين " إمام حنفي ". وفي تقريرهما يقول: «وفي طبيعة ما يفعله الشيطان؛ اختلف العلماء: هل يفعله على الحقيقة أم على المجاز؟ فمن قال: إنه على حقيقته؛ لم ير في ذلك مانعًا؛ إذ لا إحالة فيه؛ لأنه ثبت أن الشيطان، يأكل، ويشرب، وينكح؛ فلا مانع أن يبول = وهذا الرأي مردود على صاحبه - وهو القرطبي - بأنه: من أَين لك أن الشيطان، يأكل، ويشرب؟ وإذا ثبت لك ذلك بنص قرآن، أو رواية حديث = فهل يصحُّ القياس عليهما في البول؟! .. أوَلا يجوز على من وصفتموه بخوارق العادات أن لا يبول أو ينكح؟ .. وبوله ونكاحه من الأمور الحسّية؛ فهل وجدت أحدًا جاءك ببول شيطان، أو شاهد نكاحه؟ .. ومن ينكح؟! .. إنّ مَن ذهب إلى حقيقة هذا الفعل أَغربَ وأبعدَ، ونسب للشيطان قدراتٍ تفوق قدراتِ الملائكة الحفَظَة والمقرّبين، وأولياءِ الله، وأنبيائه. وكلّ من أَطاعه، وعدا قدْره؛ فنسب له قدراتٍ على الفعل هي لله الواحد القادر، ودخل في حساب عويصٍ من الشرك، والجبْر، وقدح في توحيده. ومن يؤمن بهذا الكلام على حقيقته؛ يؤمن بكل شيءٍ. ولا دين له أصلًا ولا عقيدة ... » (١).

стр. 719

المطلب الثالث: دفع المعارض العقلي عن حديث: (بال الشيطان في أُذُنه) والجواب عن الشبهة الأُولى يتحصّل في مقامين: الأول: مقامٌ مُجْمَل. الثاني: مقامٌ مفصّل. فأما المقام الأول: فيقال: إن البول المضاف إلى الشيطان حقيقة غيبية أَخبر بها الصادق ﷺ . والعقل دل على صدق نبوته ورسالته = فوجب الإذعان لكل ما يخبر به؛ وإلا لوقع التناقض بين تصديق نبوته، وبين تكذيب خبره. وأما المقام المفصّل، فيقال: إنه كما أنَّ الشيطان غيبٌ يؤمن به المعترض - كما هو ظاهر -. وهذا الغيب لا يملك الحس نفيه ولا إثباته في ذاته، وإنما يحكم العقل بتوسّط الحس على وجوده بأثره المشهود في الواقع = فكذلك بوله غيب، يلزمُه التصديق بخبر الصادق فيه، كما التزمه في أصله؛ وإلا فالإقرار بالأول دون الثاني مع أن كليهما داخلٌ في مفهوم الغيب = هو عين التناقض. فقول إمام حنفي: «فهل وجدت أحدًا جاءك ببول الشيطان، أو شاهد نكاحه؟ .. » إلخ بَناهُ على غلطين: الأول: أنه قاس بول الشيطان على بول الآدمي؛ في كون الآخر معلومًا لديه في خبرته الحسية، فَظَنَّ أن يكون الثَّاني مثله ليُعَاينه، وهذا قياس فاسد؛ لاختلاف حقيقة كل منهما. الثاني: أنه فاته أن حقيقة البول تابعة لحقيقة مَنْ أُضيف إليه هذا الأمر؛ فكما أن الشيطان لا يُشهَد بالحسّ، فبوله آخذٌ حُكْم أصله. واعْجَبْ لقوله: «من أين لك أن الشيطان يأكل ويشرب؟ وإذا ثبت

стр. 720

لك ذلك بنص القرآن، أو رواية حديث = فهل يَصِحّ القياس عليهما في البول؟!». فغفل أنه مع ورود النص بإثبات أن للشيطان بولًا يناسب طبيعة خلقه = فلا قياس حينئذٍ؛ لأن القياس إنما يصح عند انتفاء الدليل الدّالّ على الفرع المَقيس؛ أَمَّا مع وجوده فلا قياس! والحقيقة: أن هذا الاعتراض - فيما يظهر - إنما نشأ للشبهة الثانية؛ وهي: ظنّه أن في ثبوت فعل الشيطان بالنائم هذا الفعل يلزم منه قدرةٌ تضاهي قدرة الله تعالى؛ فضلًا عن قدرة الملائكة، والأنبياء .. إلخ = فيلزم من ذلك: اعتقاد شريكٍ مع الله فيما يختص به الله. ويلزم منه أيضًا: أن يكون العبد مجبورًا على التفريط؛ لفعل الشيطان المعطَل له. والجواب عن الشبهة الثانية، أن يقال: الناظر يعلم بأنه لا يلزم من إسناد هذا الفعل إلى الشيطان أن تكون له قدرةٌ تضاهي قدرة الله ؛ فالشيطان مخلوقٌ، والله خالق؛ والمخلوق له فعل يناسبه لا يتجاوز قدرته المحدودة التي تلائم ضعفه وافتقاره، وكلاهما - أي الشيطان وفعله - مَخْلوقٌ لله ، تنفذ فيهما مشيئته جل وعلا. فأنى للمضاهاةِ أن تقع حينئذٍ؟ .. هذا أمر والأمر الثاني: أنّ نعْت الشيطان بأن له قدرة تفوق قدرة الملائكة؛ فيه من صنوف التهويل والمبالغة ما يعجب له القارئ. والمقام العلمي يتوجب الاعتدال حين سَوق الأدلة؛ وهذا لم يتأتَّ للمُدّعي. فليس في إسناد هذا الفعل للشيطان تخصيصه بقدرة تفوق قدرة الملائكة. وأما الأنبياء، والأولياء؛ فلا شك أن للشيطان قدراتٍ تناسب طبيعته قد لا تكون للأنبياء والأولياء بأصل الخِلْقة؛ ومن ذلك: القدرة على التشكُّل، وسرعة الانتقال، والاستتار = كل ذلك ثابتٌ لهم بالدَّلائل

стр. 721

الشرعية. ولا يلزم من ذلك الحطُّ من رتبة الأنبياء والأولياء؛ لأن الرتبة والمنزلة ليستا تبعًا للقدرة ثبوتًا وعدمًا، إلا عند من كابر وأنكر البدهيات. وبول الشيطان في أُذُن العبد هو في الحقيقة أَثَرٌ عن تفريط العبد نَفْسِهِ في الأَخذ بالأسباب المُعِينة على دفعه؛ فالعبد في هذه الحالة مختار لا مجبور. فلما وقع التفريط باختياره تَسلّط الشيطان عليه؛ بأنْ بال في أُذنه، وزيّن له النوم حتى أصبح. فليس للشيطان إلا التزيين والإغواء. ومن استعان بالله والتجأ إليه وقاه تزيين الشيطان وإغواءَه، ومن أطاعه وتولاّه تسلّط عليه الشيطان. والطاعة اختيار -بلا شك-. ومما يفسِّر لك ما سَلَف: ما جاء في حديث أَبي هريرة ﵁ (يَعْقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عقد -إذا هو نام-، ثلاث عقد، يضرب على كل عُقْدةٍ مكانها: عليك ليل طويل فارقُدْ، فإذا استيقظ فذكر الله انْحلَّت عُقْدة، وإذا توضأ انحلَّت عنه عقدة، فإن صلّى انحلَّت عُقَده، فأصبح نشيطًا طيّب النَّفْسِ؛ وإلاّ أَصبح خبيثَ النَّفْسِ كَسْلانَ) (١) . فهذا الحديث يُبطِل دعوى الجبر من أصلها؛ فالعقْد الذي هو فعل الشيطان يحصل لصنفين من الناس: فأما الصنف الأول: فلا يضرّه عقد الشيطان على قافيته، ولا ينفذ أثره؛ لاعتصام هذا الصنف والتجائه إلى الرب ﵎ بالصلاة والذكر، فيبطل كيد الشيطان. والاعتصام والالتجاء سببان يبذلهما العبد، وهما فرعان عن ثبوت الاختيار.

стр. 722

وأما الصنف الثاني: من نَفَذ أثرُ عمل الشيطان فيه؛ بشؤم تفريطه في الأخذ بالأسباب. والتفريط أيضًا فرعٌ عن ثبوت الاختيار. ولو كان الجَبْر واقعًا وانتفاء اختيار العبد متحقّقًا = لتحصَّل من ذلك وقوع النوم إلى الصبح من جميع الناس؛ لأنه لا اختيار لهم = وهذا يبطله الشرع، والحسّ -كما ترى-.

стр. 723

المبحث الثالث دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله ... وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان .. ) وحديث: (إذا نُودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط ... ) وفيه ثلاثة مطالب: - المطلب الأول: سَوْق حديث (إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله .. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان) وحديث: (إذا نودي للصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط .. ). - المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على الحديثين. - المطلب الثالث: دفْع دعوى المعارض العقلي عن الحديثين.

стр. 724

المطلب الأوّل: سَوْق حديث: (إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله .. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان) وحديث: (إذا نودي للصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط .. ). عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ ، قال: (إذا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وإذا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ من الشَّيْطَانِ فإنه رَأَى شَيْطَانًا) متفق عليه (١). وعنه ﵁، أنّ النبيَّ قال: (إذا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حتى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فإذا قضي النِّدَاءُ أَقْبَلَ حتى إذا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حتى إذا قضي التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حتى يَخْطِرَ بين الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يقول اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لم يَكُنْ يَذْكُرُ حتى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صلّى) متفق عليه (٢).

стр. 725

المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي عن الحديثين المعارض الأوَّل: أن تعليل صياح الديك بكونها رأت مَلَكًا، مع تقرر أن لكل ابن آدم ملائكةً حفظة وملكين يكتبان أعماله = يلزم منه: أن تصيح الديكة ليل نهار كلما رأت إنسانًا؛ لرؤيتها الملائكة مع كل إنسان، وهذا لم يحدث = فالحديث كذِبٌ على رسول الله ﷺ ؛ لتكذيب الواقع المحسوس له. هذا ما يتعلق بتعليل صياح الديك. وكذا تعليل نهيق الحمار برؤيته الشيطان؛ فإنه يشكل عليه أن المتقرر شرعًا أن لكل إنسان شيطانًا موكلًا به، وأن الشيطان كثير الوسوسة لبني آدم؛ فلو كانت العلة كما ذكر في الحديث = لوجب أن تنهق الحمر في الأوقات كلها، ولدى رؤيتها للناس. بل إذا وضعنا الحديث بجانب حديث: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان" مع كثرة ما يصادف وجود حمار -أو حمير- عند المسجد، مع انتفاء سماع نهيق الحمار حينئذ = يلزم منه حسب حديث المناداة =خروج الشيطان له ضراط. وحسب الحديث الثاني: أن الحمار يرى الشيطان، وينهق عند رؤيته! المعارض الثاني: كيف يدرك الحمار والديك مالا يدركه الإنسان، مع كونهما أقل إدراكًا ومَلَكةً من الإنسان؟ وفي تقرير هاذين المعارضين اللَّذين تفرّد بهما "إسماعيل الكردي" يقول: (ورد في الحديث استحباب الدعاء عند سماع صوت الديك، خاصة أن الديك يصيح عند الفجر، فيوقظ الناس لصلاة الفجر. وورد أن صياح الديك تسبيحه، أما كون صياح الديك سببه أنه يرى ملاكًا = فهذا من غرائب المرويات عن أبي هريرة [﵁] ويبدو لي أنه إضافة مدرجة

стр. 726

من حديث أبي هريرة، ظن الرُّواة أنها مرفوعة، ذلك؛ لأَنَّ التعليل لسبب صياح الديك يُشكِل عليه: أن القرآن الكريم والحديث نصّا على أن لكل ابن آدم ملائكةً حفَظَةً، وملكين يكتبان أعماله. وعليه؛ فالمفروض أن تصيح الديكة ليل نهار كلما رأت إنسانًا؛ لأجل أنها ترى معه أولئك الملائكة، مع أن شيئًا من هذا لا يحدث! وقديمًا قال علماء الحديث: أكذبُ الحديث ماكذّبته المشاهدة، والواقع المحسوس. وكذلك تعليل نهيق الحمار برؤيته لشيطان؛ فإنه يشكل عليه: ما ورد في صحيح الحديث أن لكل إنسان شيطانًا موكلًا به، ومثله ما جاء في القرآن الكريم من وجود القرين للإنسان: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾ فصلت. وقد بين لنا الحق تعالى أن الشيطان كثير الوسوسة للإنسان، وعلّمنا أن نستعيذ بالله من شَر الوسواس الخناس ... إلخ والحاصل أن الناس في غالب أحوالهم مُعرَّضون لمحاولات الإضلال من قبل الشيطان، ولوساوسه. فلو كان نهيق الحمار سببه رؤية الشيطان = لوجب أن تنهق الحمير في الأوقات كلها، ولدى رؤيتها للناس! ويلزم: أنه إذا كان الإنسان راكبًا حمارًا، فكلما وسوس له الشيطان بشيء وجب أن ينهق الحمار من تحته لرؤيته الشيطان! وكذلك يُشْكِلُ متن الحديث إذا وضعناه بجانب الحديث الأخير؛ حيث كثيرًا ما يكون حمار أو حمير - في القرى - على باب مَسْجد أو قريبًا منه، ثم نرى أن المؤذن يؤذن ولكن لا نسمع نهيق الحمار! مع أنه من المفروض حسب الحديث الأول: أن الشيطان خرج من المسجد له

стр. 727

ضراط، وحسب الحديث الثاني: أن الحمار يرى الشيطان، وينهق عند رؤيته!. هذا عدا عن التساؤل: كيف يكون للحمار والديك - وهما أدنى مستوى وأقل بكثير عقلًا ومَلَكة واستعدادًا من الإنسان - أن يريا مالا يراه الإنسان، ويدركا مالا يدركه؟! مع أن القرآن إذا أراد أن يضرب مثلًا لجهالة الإنسان بكافر، وتعطّل حواسه عند رؤية الحق شبّهه بالحيوان، فقال عن الكفار مثلًا: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ الفرقان: ٤٤ .... ) (١) .

стр. 728

المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث: (إذا سمعتم صياح الدِّيكة فاسألوا الله من فضله .. وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوَّذوا بالله من الشيطان) . وحديث: (إذا نودي للصَّلاة أدبر الشيطان وله ضراط .. ). الجواب عن المعارض الأول؛ وهو: دعوى أن الحديث يكذبه الحسّ إلخ ... في الوجوه التالية: الوجه الأول: أن الحديث قد رواه الأئمة، واستهم الشراح في بيانه، فلم يقع لواحد الإدلاء بهذا الاعتراض الذي اعترض به المعترض، مع سداد فهومهم، وذكاء عقولهم. فتفرُّده بهذا الاعتراض على الحديث ينبئك عن مقدار فهمه في جنب فهوم أولئك الأعلام. الوجه الثاني: أن الحديث بتمامه من قول رسول الله ﷺ ، ودعوى أن تعليل صياح الديكة في الحديث هو من إدراج أبي هريرة ﵁ = دعوى يُعوزها البرهان، ولم أر أحدًا من نقّاد الحديث صرح بذلك، مع كونهم أعلى عينًا بما تصح نسبته لرسول الله ﷺ ومالا تصح، والمعترض إنما نصب هذه الدعوى - فيما يظهر - لئلا يستوحش الناظر من طعنه في الحديث، وتكذيبه له؛ بدعوى مخالفته الواقع. الوجه الثالث: أن الحديث أخبر عن أمر غيبي لا يقع للعقل إدراك كُنْهِهِ؛ لعجزه، ولقصور الواسطة الناقلة للعقل - وهي: الحواس - عن تحصّل هذا الإدراك. فإذا تحقق ذلك فلا طريق إلى معرفة هذا الغيب إلا عن طريق الوحي، وحينئذ يجب الإيمان بما أخبر به الصادق ﷺ ؛ وذلك من مقتضيات الإيمان بالرسول ﷺ . وبناءً على ما قُرِّر يتبين لك أن دعوى المعترض أنه لو كانت الدّيكة تصيح عند رؤيتها للملائكة، مع كون كل إنسان محاطًا بملائكة يحفظونه،

стр. 729

وملكين يكتبان أعماله؛ للزم من ذلك أن تصيح كل وقت = دعوى باطلة، ذلك أن حصول صياح الديكة عند رؤية الملك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية الشيطان؛ لا يلزم منهما أن يكونا عند رؤية الديكة لكل مَلَك، وكذا نهيق الحمار عند رؤية الحمار لكل شيطان؛ لأن الذي أشهد كُلًا منهما لرؤية مالا يراه البشر = قادرٌ أن يحجب عن الديكة رؤيةَ الملائكة الحفظة، والملكين الموكلين بكتابة الأعمال. وعن الحمار: قرين الإنسان، والشيطان حين إدباره بسماعه الأذان. وقوله: (وقديمًا قال علماء الحديث: أكذب الحديث ما كذّبته المشاهدة والواقع المحسوس) لا مستمسك له فيه؛ بل هو حجة عليه. وذلك أننا لمَّا لم نسمع صياح الديكة في كل وقت، مع رؤيتها للإنسان الذي لا يخلو من اقتران الملائكة به = عَلِمنا بدلالة الواقع عدم شهود الديكة رؤية الملائكة في كل حين. وما يقال في صياح الديك ينسحب حكمه لنهيق الحمار. هذه واحدة. والثانية: أن غاية ما دل عليه الحديث: أن وقوع الصياح من الدِّيَكة هو دليل على رؤيتها للمَلَك، فانتفاء الصياح دليل على انتفاء الرؤية؛ لأنَّ انتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم، لكن لا تلازم بين انتفاء صياحها لانتفاء الرؤية=وانتفاء وجود الملائكة =لأنَّ النصوص قد أبانت عن شهود الملائكة للإنس، وكتابة بعضهم لأعمالهم؛ وهذا مقطوع به. والثالثة: أن تحريرَ مقاصد أئمة الحديث فيما قعّدوه من أن كل خبر كذّبه الحسّ فهو باطل (١) =أمر متحتّم؛ وذلك ليُفهم مواقع كلامهم، فلا يستروح إلى طعن النصوص بمجرد ما ينشأ في وَهْم الطاعن أنه مخالفة

стр. 730

للحس. فما قرّره الأئمةُ النُّقَّاد من اشتراط عدم مناقضة الحسِّ للخبر =حقٌّ، فما قطع العقل بواسطة الحس باستحالة مَضمونه فإنَّه يستحيل بناء على تلك المُقدِّمةِ أَن يحصل اليقين لدى الناظر، أو غَلَبة الظَّنِّ بصدقه؛ إذ معنى ذلك الجمع بين النقيضين؛ لكن شَرطُ هذا القطع هو التحقق من حصول مخالفة الحديث للحس وللواقع المشاهَد؛ فإن الحس قد يعتريه الغَلَط والوهْم، وما يُقَدَّر ورودُه على النقل يُقدَّر ما هو أبلغ منه على الحسّ؛ لأنّ هذا النقل إن كان ثابتًا فإنه ينتظمه الوعد بحفظ الذكر وإن كان ليس كذلك فإن الله يقيض له من أهل الصَّنْعة من يكشف عن وجوه العلل فيه. وأمّا الحسّ فليست سلامته من الخطأ وطروء الوهم عليه بمستحيل؛ خصوصًا إذا وُجِدت الموانع التي قد تحمل صاحبها على دعوى مخالفة الحديث للواقع المشاهَد؛ كالهوى، وانطواء القلب على شبهةٍ مانعةٍ من قبول ما خالفها، ومما يكشف لك عن خطأ هذه الدعوى=وجود المخالف لها. في حين أنَّ مخالفة الحِس للأحاديث الثابتة ليس لها في الواقع ما يُصدِّقه، فإنه يمتنع أن يخالف الحسُّ حديثًا ثم لا يوجد ما يُعارضه من الأحاديث النبوية الأخرى =والأمرُ كما قال الإمام ابن تيمية ﵀: (والواقع أنَّه ليس في الأخبار الصحيحة التي لا معارض لها من جِنسْها ما يُخالفُ القرآن و لا العقل) (١) أما الجواب عن المعارض الثاني وهو قوله (كيف يكون للحمار والديك - وهما أدنى وأقل بكثير عقلًا = أنْ يريا مالا يراه الإنسان .. ) إلخ فيقال: إن اختصاص بعض المخلوقات ببعض ما يميزها عن الإنسان أمرٌ غير منكور؛ نقلًا، ولا عقلًا. فأما النقل: فلم يأت فيه ما يمنع من ذلك؛ بل قد ثبت ما يؤيد اختصاص بعض المخلوقات بما

стр. 731

لا يقع مثله للإنسان. ومن ذلك: أن لله أسْمَع الحيواناتِ عذابَ أهل القبور، كما صح بذلك الخبر. فعن زيد بن ثابت ﵁ قال: بَيْنَمَا النبي ﷺ في حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ على بَغْلَةٍ له وَنَحْنُ معه؛ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وإذا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أو خَمْسَةٌ أو أَرْبَعَةٌ ... فقال: (من يَعْرِفُ أَصْحَابَ هذه الْأَقْبُرِ؟) فقال رَجُلٌ: أنا. قال (فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ) قال: مَاتُوا في الْإِشْرَاكِ. فقال (إِنَّ هذه الْأُمَّةَ تُبْتَلَى في قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ من عَذَابِ الْقَبْرِ الذي أَسْمَعُ منه ... ) (١) . فهذه البغلة مع كونها حيوانًا أقل مستوى وعقلا! من الإنسان؛ إلا أن الله خلق لها إدراكًا سمعت به أصوات المعذَّبين حتى كادت أن تلقي بالنبي ﷺ . وهذا ما قصرت حواس الإنسان عن إصابته. وأما عقلًا: فإنه لايحيل ذلك؛ بل يحكم بواسطة الحس اختصاص بعض الحيوانات بما لم يوهبه الإنسان. والأمثلة على ذلك كثيرة؛ ومن ذلك: أن ((الهدهد)) من أهدى الحيوانات وأبصرهم بمواطن الماء تحت الأرض؛ حيث لايراه غيره (٢) . وقد اكتُشِف أَنَّ ((الوطواط/الخفاش)) لا تمثل عيناه دورًا مُهمًّا في توجيه حركته، بخلاف الأذن فإنَّها تُمثِّل دورًا كبيرًا في توجيه مَساره، وتفادي العوائق، واقتناص الحشرات؛ وذلك أَنَّه يُصدرُ أَصواتًا فوق سمعيَّة يتعذَّر لإذن الإنسان المُجرَّدة سماعها، فتصطدم هذه الأصوات بالعوائق ثم يلتقط الوطواط الصدى ووَفْقًا لذلك يُغيِّر اتجاهه، بل ثبت قُدرة ((الوطواط/الخفاش)) على استبانة الصدى الخاص به في مُحيط يعجُّ بمئات الخفافيش التي هي الأُخرى

стр. 732

تُصدر أَصواتًا مختلفة داخل الكهف (١) . وهذا من عَجيب خلق الله ﵎. والمقصود أنَّ تفرُّد بعض الحيوانات ببعض الخصائص لا يُزيل تكريم الله للإنسان وتفضيله على كثير من مخلوقات الله. وكذلك تشريف الله الإنسان بالعقل لا يسلب ما امتازت به المخلوقات عن الإنسان. ومن أنعم النَّظَر في هذه الدَّعوى = تبيَّن له عُروّها عن العلم.

стр. 733

الفصل الثالث دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن الأحاديث المتعلّقة بالرُّؤيا وفيه مبحث واحد: - وهو: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث المتعلقة بالرُّؤيا.

стр. 734

مبحث دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بالرُّؤيا وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: سوق الأحاديث المتعلِّقة بالرُّؤيا. المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأحاديث المُتعلِّقة بالرُّؤيا. المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المُتعلِّقة بالرُّؤيا.

стр. 735

المطلب الأوَّل: سوق الأَحاديث المُتعلِّقة بالرُّؤيا: عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ (١) لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ. وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ. وَالرُّؤيا ثَلَاثَةٌ: فَالرُّؤيا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ. فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ .. ) متفق عليه (٢). وعن أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الرُّؤيا الصَّادِقةُ مِن اللّهِ، والحلْم مِن الشَّيطانِ) متفق عليه (٣). وعن جابر ﵁، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! رأيت في المنام كأن رأسي ضُرب فتدحرج، فاشتددتُ على أَثَرِه. فقال رسول الله ﷺ للأعرابي: (لا تحدِّث الناس بِتَلَعُّبِ الشَّيطانِ بكَ في منامك) وقال: سمعت النبي ﷺ بعدُ، خطب، فقال: (لا يحدِّثَنّ أحدُكم بِتَلَعُّبِ الشَّيطانِ به في منامه) رواه مسلم (٤).

стр. 736

وعن عائشة أُمِّ المؤمنين ﵂، أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرُّؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصُّبْح) متفق عليه (١). بالنَّظَرِ في المسوق من الأحاديث، يتجلَّى من جُمْلتها ما يلي: أولًا: أن رؤيا الأنبياء وَحيٌ لا يَعْتَورها أَضغاث الأَحلام (٢). ثانيًا: أنَّ المُدرك في المنام أمثلةٌ للمرئيات لا عين المرئيات. ثم قد تكون من قبيل التخييل الذي لا يطابق الحقيقة الخارجية مطلقًا، وإن كان قد يطابقها من بعض الوجوه فهذه حق من جهة أنَّ لها تعبيرًا صحيحا. وقد تكون مطابقة لها، فتظهر في الخارج على وفق ما أُدْرِكَتْ في المنام (٣). ثالثًا: أنَّ ما يراه النَّائمُ لا يخلو إمَّا أن يكون نَوْعًا من الوحي، وإمّا لا يكون. فإن كان من قبيل الوحي = فهي الرُّؤيا الصالحة، وإلا فقد تكون رؤيا شيطانية مثّلها الشيطان في ذهن النائم، أَو تكون من حديث النَّفس. (٤) رابعًا: الرُّؤيا الصالحة من الرَّجل الصالح نوع من الوحي. وهي جزء من أجزاء النبوة؛ تكون صادقةً، لا كاذبةً (٥)،ومعنى كونِها جزءًا من النُبوَّة =موافقتها النبوَّة في صدق الخبر عن الغيب؛ فهي إنباءٌ صادِقٌ

стр. 737

عن الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوَّة الإنباء الصادق من الله الَّذي لا يجوز عليه الكذب (١) . خامسًا: أن قصارى ما يؤخذ من الرُّؤيا الصالحة من الرجل الصالح البشارة أو النذارة، والاستئناس بها إن وافقت حجة شرعية. (٢) سادسًا: الشرع خصّ حرْف "الرُّؤيا" بما كان مُتلَقّى من الله تعالى، وخصَّ حرف "الحلم" بما كان مُتلَقّى من الشيطان. وهذا تَصَرُّفٌ في اللَّفْظِ بالحَقيقةِ الشرعية. وأمَّا باعتبار الاستعمال اللُّغوي فكلٌّ منهما يشمله لفظ "الرُّؤيا"وبالعكس (٣) . وقد دَلَّت الدلائل القرآنية، أيضًا، وما انبنى عليها وعلى السنة من إِجماع = على إثبات الرُّؤيا، وأنّها حقّ. ومن تلك الدلائل: قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ يوسف. ثم قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ يوسف: ١٠٠ وقال تعالى مخبرًا عن رؤيا إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ الصافات. وقال تعالى عن تحقق رؤيا الرسول ﷺ في دخوله المسجد الحرام: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ الفتح. وقد نقل الاتفاق على ذلك الإمام الحافظ ابن عبد البر ﵀ فقال:

стр. 738

(الرُّؤيا الصَّادقةُ من الله، وأَنَّها من النُّبوَّة، وأَنَّ التصديق بها حقٌّ، وفيها من بديع حكمة الله ولطْفِه، مايزيد المؤمن في إيمانه =ولا أعلمُ خلافًا بين أهل الدِّين الحقِّ، من أهل الرأي والأَثَرِ، خلافًا فيما وصفتُ لك، ولا يُنكر الرُّؤيا إلَاّ أهل الإلحاد؛ وشرذمة من المعتزلة) (١) . وبمقتضى هذه الدَّلائل أجرى أهل السنة والجماعة أَقلامهم عند تحريرهم لمسائل الاعتقاد بإثبات الرُّؤيا، وأَنَّها من الله تعالى؛ متى ما تميز صدقها وظهر. قال الإمام أحمد ﵀: (والرُّؤيا من الله ، وهي حَقٌ؛ إذا رأى صاحبُها شيئًا في منامِهِ ما ليس هو ضِغْثٌ، فقصَّها على عَالمٍ، وصَدَق فيها، وأوَّلها العالِمُ على أَصل تأويلها الصحيح، ولم يُحرِّف = فالرُّؤيا حينئذٍ حقٌّ. وقد كانت الرُّؤيا من الأنبياء وحيٌ = فأيُّ جاهلٍ أجهلُ ممن يطعن في الرُّؤيا، ويزعم أنَّها ليست بشيءٍ؟!) (٢) . وقال أبو عمرو الدَّاني ﵀ (٣) مقرِّرًا أقوال أهل السنة في الاعتقاد: (ومن قولهم: إن التصديق بالرُّؤيا واجب، والقول بإثباتها لازم، وأنها جزء من أجزاء النبوة، كما ورد الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ .. ) (٤) . وقال الإمام الحافظ ابن منده ﵀: (ومن ينكر الرُّؤيا، ويزعم أَنَّها ليست بحقيقة = فهو من الجاحدين للنبوة. فنسأل الله تعالى الإيمان بالغيب، ونعوذ بالله من الشك والريب) (٥) .

стр. 739

وإنما عدَّ الإمام ابن منده إنكار أن يكون للرُّؤيا حقيقةٌ من الجحد للنبوة؛ لعلتين: الأولى: أن الرُّؤيا نوع من الوحي الذي يتلقاه النبي عن الله تعالى؛ حقيقة قطعية لا يتطرق إليها الخطأ = فالطعن في هذا النوع طعن في النبوّة. الثانية: أن إنكار أن يكون للرُّؤيا حقيقة لغير الأنبياء = تكذيب لخبر النبي الصادق ببقاء نوع من الوحي يقع لغير الأنبياء. وتكذيب خبر النبي يستلزم عدم صدقه، وهذا عين المناقضة للنبوّة. ومع ثبوت هذه الحقيقة وقيام أَوضح البرهان عليها = إلا أنَّ هناك طوائف من أَهل البدع وغير المتشرعين - من أهل الطبِّ، وغيرهم- نازعوا في هذه الحقيقة. وهذه المنازعة تكمن في اختزالها في معنى واحدٍ؛ إمّا بنفْي الجانب الغيبي المدلول عليه شرعًا في تفسيرها للرؤيا، أو بمنحها بُعْدًا غيبيًا؛ لكنّه في حقيقة الأمر إمّا أنه يفتقر إلى البرهنة الشرعية التي تصحح هذا التفسير، أَو أَنَّه مصادم للبراهين الشرعيَّة - كما سيأتي بيان ذلك - فأما الفريق الأوَّل: فيتجلى نفيه للجانب الغيبي من خلال مقولاته التي فسّر بها حقيقة الرُّؤيا؛ ومن ذلك: اختزال الرُّؤيا في كونها مجرد خواطر تخطر للنائم. وهذا ما نُقل عن النَّظَّام (١) . - أو تعليل حدوثها بأنه فِعل الطبائع. كما نسب إلى "معمر" (٢) من المعتزلة وأهل الطب (٣) .

стр. 740

- وذهب طائفة من المعتزلة والأَشاعرة إلى أَنَّ الرُّؤيا خيالات باطلة (١) . -وممن شكَّكَ من المعاصرين في صِحَّة أحاديث هذا الباب= الدُّكتور علي الوردي حيث قال: (تُروى عن النبيِّ محمد أَحاديث عديدة في الأحلام، وكُلُّها تُشيرُ إلى أنَّ الرُّؤيا الصادقة وحيٌ من الله ... ونحنُ لا نعلمُ على وجه اليقين مدى صحة هذه الأحاديث المروية عن النبي، فَمِن الممكن أن تكون مكذوبة عليه. وقد أكثر نقلة الحديث من الكذب على رسول الله كما هو معروف =ومهما يكن فقد شاعت تلك الأحاديثُ بين المُسلمين، وأَصبحت عند كثيرٍ منهم مُقدَّسةً لايجوزُ الشَّكُّ فيها. وذهب بعضهم من جرَّاء ذلك إلى أنَّ الاعتقاد بأنَّ الذي يكفرُ بالرُّؤيا يكفرُ بالنُّبوَّةِ؛ إذ أنَّ الرُّؤيا والنُّبوّة ينبعان في نظرهم من منبعٍ واحد) (٢) وذهب بعض علماء النَّفْس إلى أن الرُّؤيا خيالات ورموز تُركّب في نفس الحالم. مَردُّ هذه الخيالات إلى مثيرات؛ إمّا عضوية داخلية من داخل النفس الإنسانية، كأن يحلم المصاب بعسر الهضم -مثلًا- بِعَدُوٍّ يأخذ بخناقه = أو مثيرات خارجية؛ كتأثير أشعة الشَّمس الساقطة على عيني النائم في رؤيته لحريق يحدث له = أو إثارة الرغبات التي يُمْنَع من ممارستها أثناء اليقظة. ومن أنصار هذا المذهب: الدكتور فاخر عاقل؛ حيث قرر ذلك بقوله: (إذا نام الإنسان هبطت فعالية دماغه إلى مستوى واطٍ. وقد تتوقف تمامًا خلال النوم العميق جدًّا ... والأحلام تشبه التخيل والإبداع في أنها عناصر ذكريات جمعها الحالم من هنا وهناك، ثمّ ركّبها بعضها مع بعض، وأنشأ منها حوادث لم تمرّ به قط. وكثيرًا ما تكون غريبةً، أو
следующие страницы →