وعن عائشة أُمِّ المؤمنين ﵂، أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرُّؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَق الصُّبْح) متفق عليه (١).
بالنَّظَرِ في المسوق من الأحاديث، يتجلَّى من جُمْلتها ما يلي:
أولًا: أن رؤيا الأنبياء وَحيٌ لا يَعْتَورها أَضغاث الأَحلام (٢).
ثانيًا: أنَّ المُدرك في المنام أمثلةٌ للمرئيات لا عين المرئيات. ثم قد تكون من قبيل التخييل الذي لا يطابق الحقيقة الخارجية مطلقًا، وإن كان قد يطابقها من بعض الوجوه فهذه حق من جهة أنَّ لها تعبيرًا صحيحا. وقد تكون مطابقة لها، فتظهر في الخارج على وفق ما أُدْرِكَتْ في المنام (٣).
ثالثًا: أنَّ ما يراه النَّائمُ لا يخلو إمَّا أن يكون نَوْعًا من الوحي، وإمّا لا يكون. فإن كان من قبيل الوحي = فهي الرُّؤيا الصالحة، وإلا فقد تكون رؤيا شيطانية مثّلها الشيطان في ذهن النائم، أَو تكون من حديث النَّفس. (٤)
رابعًا: الرُّؤيا الصالحة من الرَّجل الصالح نوع من الوحي. وهي جزء من أجزاء النبوة؛ تكون صادقةً، لا كاذبةً (٥)،ومعنى كونِها جزءًا من النُبوَّة =موافقتها النبوَّة في صدق الخبر عن الغيب؛ فهي إنباءٌ صادِقٌ
стр. 737
عن الله لا كذب فيه، كما أن معنى النبوَّة الإنباء الصادق من الله الَّذي لا يجوز عليه الكذب (١) .
خامسًا: أن قصارى ما يؤخذ من الرُّؤيا الصالحة من الرجل الصالح البشارة أو النذارة، والاستئناس بها إن وافقت حجة شرعية. (٢)
سادسًا: الشرع خصّ حرْف "الرُّؤيا" بما كان مُتلَقّى من الله تعالى، وخصَّ حرف "الحلم" بما كان مُتلَقّى من الشيطان. وهذا تَصَرُّفٌ في اللَّفْظِ بالحَقيقةِ الشرعية. وأمَّا باعتبار الاستعمال اللُّغوي فكلٌّ منهما يشمله لفظ "الرُّؤيا"وبالعكس (٣) . وقد دَلَّت الدلائل القرآنية، أيضًا، وما انبنى عليها وعلى السنة من إِجماع = على إثبات الرُّؤيا، وأنّها حقّ.
ومن تلك الدلائل:
قول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ يوسف. ثم قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ يوسف: ١٠٠
وقال تعالى مخبرًا عن رؤيا إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ الصافات.
وقال تعالى عن تحقق رؤيا الرسول ﷺ في دخوله المسجد الحرام: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ﴾ الفتح.
وقد نقل الاتفاق على ذلك الإمام الحافظ ابن عبد البر ﵀ فقال:
стр. 738
(الرُّؤيا الصَّادقةُ من الله، وأَنَّها من النُّبوَّة، وأَنَّ التصديق بها حقٌّ، وفيها من بديع حكمة الله ولطْفِه، مايزيد المؤمن في إيمانه =ولا أعلمُ خلافًا بين أهل الدِّين الحقِّ، من أهل الرأي والأَثَرِ، خلافًا فيما وصفتُ لك، ولا يُنكر الرُّؤيا إلَاّ أهل الإلحاد؛ وشرذمة من المعتزلة) (١) .
وبمقتضى هذه الدَّلائل أجرى أهل السنة والجماعة أَقلامهم عند تحريرهم لمسائل الاعتقاد بإثبات الرُّؤيا، وأَنَّها من الله تعالى؛ متى ما تميز صدقها وظهر. قال الإمام أحمد ﵀: (والرُّؤيا من الله ، وهي حَقٌ؛ إذا رأى صاحبُها شيئًا في منامِهِ ما ليس هو ضِغْثٌ، فقصَّها على عَالمٍ، وصَدَق فيها، وأوَّلها العالِمُ على أَصل تأويلها الصحيح، ولم يُحرِّف = فالرُّؤيا حينئذٍ حقٌّ. وقد كانت الرُّؤيا من الأنبياء وحيٌ = فأيُّ جاهلٍ أجهلُ ممن يطعن في الرُّؤيا، ويزعم أنَّها ليست بشيءٍ؟!) (٢) .
وقال أبو عمرو الدَّاني ﵀ (٣) مقرِّرًا أقوال أهل السنة في الاعتقاد: (ومن قولهم: إن التصديق بالرُّؤيا واجب، والقول بإثباتها لازم، وأنها جزء من أجزاء النبوة، كما ورد الخبر بذلك عن رسول الله ﷺ .. ) (٤) .
وقال الإمام الحافظ ابن منده ﵀: (ومن ينكر الرُّؤيا، ويزعم أَنَّها ليست بحقيقة = فهو من الجاحدين للنبوة. فنسأل الله تعالى الإيمان بالغيب، ونعوذ بالله من الشك والريب) (٥) .
стр. 739
وإنما عدَّ الإمام ابن منده إنكار أن يكون للرُّؤيا حقيقةٌ من الجحد للنبوة؛ لعلتين:
الأولى: أن الرُّؤيا نوع من الوحي الذي يتلقاه النبي عن الله تعالى؛ حقيقة قطعية لا يتطرق إليها الخطأ = فالطعن في هذا النوع طعن في النبوّة.
الثانية: أن إنكار أن يكون للرُّؤيا حقيقة لغير الأنبياء = تكذيب لخبر النبي الصادق ببقاء نوع من الوحي يقع لغير الأنبياء. وتكذيب خبر النبي يستلزم عدم صدقه، وهذا عين المناقضة للنبوّة.
ومع ثبوت هذه الحقيقة وقيام أَوضح البرهان عليها = إلا أنَّ هناك طوائف من أَهل البدع وغير المتشرعين - من أهل الطبِّ، وغيرهم- نازعوا في هذه الحقيقة. وهذه المنازعة تكمن في اختزالها في معنى واحدٍ؛ إمّا بنفْي الجانب الغيبي المدلول عليه شرعًا في تفسيرها للرؤيا، أو بمنحها بُعْدًا غيبيًا؛ لكنّه في حقيقة الأمر إمّا أنه يفتقر إلى البرهنة الشرعية التي تصحح هذا التفسير، أَو أَنَّه مصادم للبراهين الشرعيَّة - كما سيأتي بيان ذلك -
فأما الفريق الأوَّل: فيتجلى نفيه للجانب الغيبي من خلال مقولاته التي فسّر بها حقيقة الرُّؤيا؛ ومن ذلك: اختزال الرُّؤيا في كونها مجرد خواطر تخطر للنائم. وهذا ما نُقل عن النَّظَّام (١) .
- أو تعليل حدوثها بأنه فِعل الطبائع. كما نسب إلى "معمر" (٢) من المعتزلة وأهل الطب (٣) .
стр. 740
- وذهب طائفة من المعتزلة والأَشاعرة إلى أَنَّ الرُّؤيا خيالات باطلة (١) .
-وممن شكَّكَ من المعاصرين في صِحَّة أحاديث هذا الباب= الدُّكتور علي الوردي حيث قال: (تُروى عن النبيِّ محمد أَحاديث عديدة في الأحلام، وكُلُّها تُشيرُ إلى أنَّ الرُّؤيا الصادقة وحيٌ من الله ... ونحنُ لا نعلمُ على وجه اليقين مدى صحة هذه الأحاديث المروية عن النبي، فَمِن الممكن أن تكون مكذوبة عليه. وقد أكثر نقلة الحديث من الكذب على رسول الله كما هو معروف =ومهما يكن فقد شاعت تلك الأحاديثُ بين المُسلمين، وأَصبحت عند كثيرٍ منهم مُقدَّسةً لايجوزُ الشَّكُّ فيها. وذهب بعضهم من جرَّاء ذلك إلى أنَّ الاعتقاد بأنَّ الذي يكفرُ بالرُّؤيا يكفرُ بالنُّبوَّةِ؛ إذ أنَّ الرُّؤيا والنُّبوّة ينبعان في نظرهم من منبعٍ واحد) (٢) وذهب بعض علماء النَّفْس إلى أن الرُّؤيا خيالات ورموز تُركّب في نفس الحالم. مَردُّ هذه الخيالات إلى مثيرات؛ إمّا عضوية داخلية من داخل النفس الإنسانية، كأن يحلم المصاب بعسر الهضم -مثلًا- بِعَدُوٍّ يأخذ بخناقه = أو مثيرات خارجية؛ كتأثير أشعة الشَّمس الساقطة على عيني النائم في رؤيته لحريق يحدث له = أو إثارة الرغبات التي يُمْنَع من ممارستها أثناء اليقظة.
ومن أنصار هذا المذهب: الدكتور فاخر عاقل؛ حيث قرر ذلك بقوله: (إذا نام الإنسان هبطت فعالية دماغه إلى مستوى واطٍ. وقد تتوقف تمامًا خلال النوم العميق جدًّا ... والأحلام تشبه التخيل والإبداع في أنها عناصر ذكريات جمعها الحالم من هنا وهناك، ثمّ ركّبها بعضها مع بعض، وأنشأ منها حوادث لم تمرّ به قط. وكثيرًا ما تكون غريبةً، أو
стр. 741
مستحيلةً .. ثمَّ إن النفس النائمة ينقطع الاتصال بينها وبين العالم الخارجي، أو على الأقل يخفّ الاتصال بينها وبين العالم الخارجي إلى حد كبير أثناء النوم. وبسبب انقطاع هذا الاتصال - أو خِفّته على الأقل- فتأخذ الرسائل الواردة عن عضويتها ومن حياتنا الداخلية أهمية أكبر. ولذلك فقد تعبر النفس عن الرسائل الواردة من أَجهزتها الهضمية، أو التنفسيّة، أَو الدَّمويَّة، أو شعورنا بشكل أحلام .. ويمكننا أن نحصر أسباب أحلامنا في ثلاثة:
١ - المثيرات الخارجية.
٢ - المثيرات العضوية الداخلية.
رغباتنا التي لم ترضها حياة اليقظة .. ) (١)
ويعلل المذكور التنبؤ بالمستقبل من خلال الحلم بقوله: (لا غرابة في أنْ ينبئ الحلم عما قد يحدث في المستقبل. ونجد تحليل ذلك فيما شرحناه سابقًا عن الرسائل التي تصل النفس من العضوية واللاشعور ... وقد يقفز الحالم أو مَنْ حوله إلى استنتاجات يوصلون بها أنفسهم إلى مرتبة الولاية، أو النبوة) (٢) .
ويقول الدكتور رشاد علي عبد العزيز موسى مبينًا حقيقة الأحلام: (الحلم شكل فريد من السلوك. وهو يحدث بطريقة غير إرادية، وبدون تعمُّد. والحلم لا يظهر في صورة واضحة ذات معنى دائمًا؛ بل يظهر في صور خيالات هلوسية، يغلب عليها الطابع البصري، تشابه الصور الحقيقية في واقع الحياة إلى حدٍّ كبير) (٣) .
والأصل الذي تتمركز حوله مقولات علماء النفس المعاصرين في الأحلام هو = نظرية التحليل النَّفْسي التي ولّدَها "سيجموند فرويد". فالأحلام هي قطب
стр. 742
رَحَى هذه النظرية (١) . ويُقرُّ "فرويد" بتنوع بواعثها وميراثها؛ إلا أنه يجعل الباعثَ المهيمن لها هو الرغبات الجنسية المكبوتة، والبحث عن اللّذة؛ التي أطلق عليها اسم "اللبيدو" (٢) .
فهذه الرغبات هي التي تغذّي الأحلام وتفسرها. ويُعلَّل حصول ذلك بانفلات هذه الرغبات المكبوتة في "اللاشعور" من رقابة "الشعور"، فتتبدّى للنائم في حلمه على هيئة رموز ذات مدلول جنسي؛ لها معنى ظاهر، ومعنى كامن؛ هو في حقيقته المعبر عن اللاشعور الذي يقوم بتوجيه سلوك الفرد اليومي. هذا المعنى الكامن لا يتوصل إلى كُنْه الحالِم، وإنما الطبيب المفسر الذي يُخضِع هذه الرموز لأدواته.
فنشوء الأحلام عند أتباع مدرسة التحليل النفسي يعتمد على مثيراتٍ مادية، يختلف أصحابه في أعظمها أثرًا في تكوين الأحلام. واختزال تفسير الأحلام في هذا الأنموذج، يقضي على الجانب الغيبي المدلول عليه بالشرع؛ كما هو مبين.
وأما الفريق الذي مَنَح الرُّؤيا بُعدًا غيبيًا لم يرد به النص = فيمثله: الراغب الأصفهاني وابن خلدون، اللذان أرجعا حدوث الرُّؤيا إلى فعل النفس الناطقة. وفي تقرير ذلك يقول الراغب الأصفهاني: (والرُّؤيا هي فعل النفس الناطقة، ولو لم تكن لها حقيقة لم تكن لإيجاد هذه القوة في الإنسان فائدة. والله يتعالى عن الباطل) (٣) .
ويقول ابن خلدون (٤): (وأما الرُّؤيا فحقيقتها: مطالعة النفس الناطقة
стр. 743
لذاتها الروحانية لمحة من صورة الواقعات، فإنها عندما تكون روحانية تكون صور الواقعات فيها موجودة بالفعل كما هو شأن الذوات الروحانية كلها. وتصير روحانية بأن تتجرد عن المواد الجسمانية والمدارك البدنية، وقد يقع لها ذلك لمحةً بسبب النوم كما نذكر، فنقتبس بها علم ما تتشوّف إليه من الأمور المستقبليّة، وتعود بها إلى مداركها. فإنْ كان الاقتباس ضعيفًا وغير جليٍّ بالمحاكاة والمثال في الخيال لِتخلُّطِهِ؛ فيحتاج من هذه المحاكاة إلى التعبير. وقد يكون الاقتباس قويًا يُستغنى فيه عن المحاكاة؛ فلا يحتاج إلى تعبيرٍ لخلوصه من المثال والخيال .. ) (١) .
والمراد بالنفس الناطقة في كلام الراغب الأصفهاني وابن خلدون = النفس الإنسانية (٢) .
وممن فَسَّر الرُّؤيا تفسيرًا غيبيًا فيه مادة تناقض النصوص الشرعية = المازري ﵀؛ حيث فسر الرُّؤيا تفسيرًا ألغى فيه قانون السببية، اتساقًا مع المذهب الأشعري؛ الذي ينكر تأثير الأسباب في مسبباتها. وفي ذلك يقول: (والصحيحُ ما عليه أهل السنة: أنّ الله تعالى يخلق في النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، فإذا خلقها جعلها عَلَمًا على أمور أخرى خلقها، أو يخلقها في ثاني الحال، ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان، وقد يختلف. وتلك اعتقادات تقع تارةً بحضرة المَلَك، فيقع بعدَها ما يسرّه، وتارةً بحضرة الشّيطان فيقع بعدها ما يضرّه. والعلم عند الله) (٣) .
стр. 744
وقد غلا "صالح قُبَّة" من المعتزلة (١) في الرُّؤيا، فجعل ما يراه النائم في نومه صحيحًا؛ كما أنّ ما يراه الشيطانُ صحيحًا. فإذا رأى في بغداد أنه في إفريقيا، فقد اخترعه الله، وجعله في ذلك الوقت في إفريقيا (٢) .
وسيأتي بيانُ ما في هذه المقالات من أوجه الغلط، بعد بيان المُعارض العقلي الذي أورده من أنكر حقيقة الرُّؤيا.
стр. 745
المطلب الثاني: سَوْق دعوى المعارض العقلي على أحاديث الرُّؤيا:
ذهب طائفة من المتكلمين من المعتزلة وبعض الأشاعرة إلى أن الرُّؤيا خيالات باطلة؛ فأما المعتزلة فمستندهم في إنكار صحة الرُّؤيا = فَقْدُ شرائط الإدراك حال النوم. ويَعْنُون بهذه الشَّرائط: المقابلة، وانبعاث الشعاع، وتوسّط الهواء الشفاف .. إلى شرائط أُخَر عدّوها شرطًا لحصول الإدراك.
وأَمَّا من نَّفَاها من الأَشاعرة وغيرهم فمستندهم في نفي صحة الرُّؤيا = أمران:
الأول: دعوى الضرورة القاضية باستحالة اجتماع الضدين، ذلك أن الإدراك ضد النوم فلا يجامعه.
الثاني: أن حصول الإدراك أثناء النوم خلاف العادة التي أجراها الله.
وفي تقرير هذين المذهبين يقول صاحب المواقف: (أمّا الرُّؤيا فخيال باطل عند المتكلمين؛ أمّا عند المعتزلة؛ فَلِفَقْدِ شرائط الإدراك؛ من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسّط الهواء، والبنية المخصوصة. وأما عند الأصحاب إذا لم يشترطوا شيئًا من ذلك؛ فلأَنَّه خلاف العادة؛ ولأَنَّ النَّومَ ضدُ الإِدراك، فلا يجامعه، فلا تكون الرُّؤيا إدراكًا حقيقيًا؛ بل من قَبيل الخيال الباطل) (١).
стр. 746
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن أحاديث الرُّؤيا:
ما ذهب إليه جمهور المتكلمين من المعتزلة والأشاعرة = لا يصح؛ من جهتين:
الأولى: مناقضته للضرورة النقلية:
فقد تقدم أنّ برهان القول بصحة الرُّؤيا دلالةُ الكتاب والسُّنَّة، والإجماع عليها، والمقصود هنا بالرُّؤيا الصالحة -بلا ريب -؛ أي: الرُّؤيا بالعُرف الشَّرعي، لا الإطلاق الُّلغوي =بل إنَّ اتفاق العقلاء في كل ملّةٍ على صحّة الرُّؤيا، فليس هذا مخصوصًا بأهل الإسلام (١).
الثانية: مناقضة قولهم للضرورة العقلية الحسّيَّة.
فإن المشاهدة أوضح برهان على صدق الرُّؤيا لتحققها وحصولها، وخَطَلِ قول النافين، وبُعْدِهم عن الصواب.
قال القاضي ابن العربي ﵀: (وربَّما ظَنَّ الجاهلُ أَنَّ حالةَ النَّوم حالةُ تخيُّلٍ = وهذا جهل عظيم .. والمشاهَدةُ تدفع قَوْلَه؛ فإِنَّ المرء يرى الرُّؤيا نائمًا، ويرى تفسيرها يقظةً. وهذا ما يدركه التقيُّ. وتتأتَّى من الكافر كما تتأتَّى من المؤمن) (٢).
الجهة الثالثة: أَنَّه ليس مع المُنْكِر إلَّا النَّفي المَحْض.
والنَّفي ليس بعلمٍ -كما تقدم مرارًا-. فكيف إذا قام برهان المشاهدة على نقيضه؟! ثم إن منشأ الغلط عند هؤلاء النافين: أَنَّهم تَطلّبوا كُنْهَ إدراكِ النفس للرؤيا؛ وهذا لا يتأتّى؛ لأنّه (إذا كانت النفس قد
стр. 747
غُيِّب عنا علم حقيقتها، فبالأحْرَوِيّةِ ألاّ نعلم ما غُيّب عنا من إدراكاتها) (١) .
ثم إنَّ دعوى المعتزلة بانتفاء الإدراك لانتفاء شرطه = مُسلَّمٌ؛ متى كان ما اشترطوه يُعدّ شَرْطًا حقيقيًا لحصول الإدراك، أَمَّا إذا لم يكن كذلك، فدعوى لزوم توفر هذه الشروط = دعوى تفتقر إلى برهان يصدقها.
وزيادة في البيان: فإنَّ ما اشترطه المعتزلة من شروط لتحقق الإدراك لا يصلح كثير منها لتحقق الإدراك في حال اليقظة؛ فَضْلًا عن حَالِ النَّوم. فاشتراط المقابلة -مثلًا- ليس شرطًا لا يتحصل الإدراك مطلقًا إلا به، فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تستبقوني بالركوع، ولا بالسجود فإني أراكم من خلفي كما أراكم من بين يديّ) (٢) .
وكذلك ما اشترطوه من انبعاث الشعاع؛ فإنَّ هذا الشَّرْطَ مَبنيٌ في الأَصْلِ على اعتقادهم أَنَّ العين هي التي تبعث أَشعَّتها على المرئي، فيتحقق الإدراك. وهذا بحسب ما بلغت إليه معارفهم. والعلم الحديث يبرهن على خلاف ذلك؛ فالعين جهازٌ بصري، ليس مصدرًا لانبعاث الشعاع، وإنما مُسْتقبِلٌ للإثارة المضيئة (٣) . هذا إذا سُلّم لهم بأَنَّ الإدراك المُتَحَقِّق في الرُّؤيا لا سبيل إليه إلا بالعين الباصرة -وسيأتي بيان ذلك-.
وأما ما ذكره بعض الأشاعرة من امتناع الرُّؤيا بدعوى أَنَّ النَّوم والإِدراك لا يجتمعان، فيقال:
стр. 748
إِنَّ النَّوم وإنْ تسلَّط على الجوارح فأصابها بالرُّكود؛ فلا يلزم من ذلك أن يسري أثره إلى القلب والروح. فيتحصّل حينئذٍ الإدراك بجزءٍ لم يحلّه النوم، فيبطل بذلك دعوى مخالفة الضرورة.
وفي تقرير ذلك يقول ابن العربي ﵀: (خلق الله العبد حيًّا، دَرَّاكًا، مُفكّرًا، قادرًا في أحسن تقويم، ثم رَدّه أسفل سافلين، ثم سَلَّط عليه السّهو والغفلة؛ ليتبين قصور هذه الفضائل التي فيه، حتى لا يقول: أنا، أنا. وسلّط عليه النوم؛ وهذه آفة تُدْرِكُ الحواسَّ، وركودٌ يقوم بالجوارح؛ لا يلحق القلب، ولا الروح، ولا النفس منها شيءٌ. ولذلك؛ فإن الرُّؤيا حقيقةٌ، وعلمٌ صحيحٌ) (١) .
ويقول أبو العباس القرطبي ﵀: (إنْ قِيل: كيف يقال: إن الرُّؤيا إدْراكٌ مع أنّ النوم ضد الإدراك؛ فإنه من الأضداد العامة، كالموت، فلا يجتمع معه إدراكٌ؟
فالجواب: إن الجزء المُدْرَك من النائم لم يحلّه النوم، فلم يجتمع معه، فقد تكون العين نائمةً، والقلبُ يقظانَ) (٢) .
ومما يبرهن على ذلك قول النَّبي ﷺ : (إنَّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي) (٣)(٤) والمقصود بيان عدم مناقضة ما دلَّت عليه أحاديث الرُّؤيا لبرهان العقل.
وأَمَّا دعوى أَنَّ عادة الله لم تَجْرِ بحصول الإدراك في المنام = فمُكابرة تنقضها المشاهدة.
стр. 749
وبعد الفراغ من بيان أوجه الفساد في المعارضات العقلية المدّعاة على أحاديث الرُّؤيا؛ يتصدى النظر لإجمال القول في بطلان مسالك الخارجين عن الجادّة في حقيقة الرُّؤيا. فإنّ ما ذهب إليه القائلون بأنّ الرُّؤيا مجرد خواطر، أو أثر من فعل الطبائع، أو الأخلاط، أو حاصل بعض المثيرات الخارجية، أو العضوية الداخلية = فإنّ هذا -إنْ صَحَّ- في بعض ما يراه النائم، لا يقتضي ذلك نفْي أن تكون بعض الرؤى من الله؛ بِأَنْ يُطْلِعَ اللهُ النائم على بعض الغيب والأمور المستقبلية = وأن يكون بعضُها حُكمًا من تلاعب الشيطان بالنائم. فإن ذلك متحقق كما سبق.
يقول الإمام القرطبي ﵀: (من أراد فهْم أنَّ الرُّؤيا لا تكون إلا عن أَخلاط = فهو باطل؛ بما ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أن الرُّؤيا منها ما يكون من الله؛ وهي المُبشرة والمُحذِّرة .. وليس في قوَّةِ الطبيعة أن تُطْلِع على الغيب بالإخبار عن أمورٍ مستقبلةٍ تقعُ في المستقبل؛ على نحو ما اقتضته الرُّؤيا بالاتفاق بين العقلاء. ومن أراد فهم: أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات = فقد يُسلّم ذلك على ما قررناه. ثم يبقى نظرٌ آخر، وهو: أنه لو كان ما رتبوه صحيحًا للزم عليه ألاّ يرى من غلب خِلْطٌ من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه، ونحن نشاهد خلافه، فيرى البلغمي النيران، والصعود في الارتفاعات. وعكس ذلك الصفرواي = فبطل ما قالوه بالمُشاهدةِ. والله وليّ المعاضدة) (١) .
يبقى نظر ثالث يضاف إلى ما ذكره القرطبي ﵀؛وهو: أن قضية الأخلاط وما ينشأ عنها حسبما تقرر في الطب القديم؛ إنما كانت بحسب
стр. 750
ما بلغته معارفهم، فيبقى تصحيح وجودها مُرْتَهَنًا بما توصّل إليه الطب الحديث. وهو أمرٌ يحتاج إلى مزيد فَحص.
ثم إن ما ارتآه "فرويد" في تعليل نشوء الأَحلام = غير سديد؛ إذ عَدّ الدور الأكبر في نشوئها للرغبات الجنسية المكبوتة. وهذا ما لم يبرهن عليه أولًا.
ثانيًا: أن المشاهدة تخالف ذلك؛ إذ ليس كلّ الأحلام تدلّ بالضرورة على الرغبات الجنسية.
ثالثًا: أَن فرويد يُقِرّ أنّ من مثيرات الأَحلام ما هو ناشئ عن مصدر عضوي؛ كعسر الهضم مثلًا. وهذا ممّا يدلّ على عدم تماسُك تفسيره.
رابعًا: أنه لم ينكر أنّ من الأحلام ما ينشأ عن الشعور ذاته، ومِنْ ثَمّ لا علاقة له باللاشعور. وهذا أيضًا مما يوهن نظريته. لكن الإشكال يكمن في تمييز إمكانية النابع من كليهما (١) .
أما ما ذهب إليه الراغب الأَصفهاني وابن خلدون - رحمهما الله - من نسبة حدوث الرُّؤيا إلى فعل النّفْسِ الناطقة = فقول يفتقر إلى توقيف من الشارع. والسلامة في ترك الخوض فيما غُيِّبَت عنّا أسبابه.
وأما المازري فقد قَصَرَ نُبوع الرُّؤيا على خلق الله تعالى دون توسط أسباب في ذلك، وعلى قوله هذا تكون الرُّؤيا المُحزنة من الله أيضًا، وهذا ما تنفيه الأدلة؛ حيث أَضافت ذلك إلى الشيطان. والذي دعاه إلى هذا القولِ نَفْيُه أن يكون للأسباب أثرًا في مسبّباتِها، جَرْيًا على ما قرر الأشاعرة في ذلك.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: (وهذا موضعٌ اضطرب فيه الناس .. فمِن قائلٍ: إن هذه المرائي عُلوم علقها الله في النفس ابتداءً بلا سبب.
стр. 751
وهذا قول منكري الأسباب، والحِكم والقُوى (١) = وهو قول مخالف للشرع، والعقل، والفطرة) (٢) .
وبعد التعريج على هذه الأقوال يبقى بيان ما في قول الطَّرَفِ الغالي في إثبات الرُّؤيا من الخطأ، ويتمثل ذلك فيما تقلّده "صالح قبّة" من المعتزلة؛ حيث جَعل ما يراه الحالم هو عين الواقع، فمن رأى في المنام أنه في البصرة فهو في البصرة فيها حقيقة. وهذا القول -كما ترى- مخالف للضرورة الحِسِّيَّة؛ إذ نرى النائم في مَكَانِهِ لم يتزحزح عنه، بل إن النائم يرى في منامه من تلاعب الشيطان به أنه مقطوع الرأس وهو حي، وهذا ما يمتنع تحققه في الواقع؛ لأن قطع الرأس لا تتحقق بعده الحياة.
стр. 752
الفصل الرابع دَفْعُ دَعْوَى المُعَارِضِ العَقْلِيِّ عن بقية الأحاديث المتعلّقة بالغيبيات
وفيه مبحثان:
- المبحث الأول: دَفْعُ دَعْوَى المُعارِض العَقْليِّ عن الأحاديث الدالّة على أن شدّة الحرّ وشدّة البرد من النار.
- المبحث الثاني: دَفْعُ دَعْوى المُعَارِض العقلي عن الأحاديث المتعلّقة بسجود الشَّمس تحت العرش.
стр. 753
المبحث الأول دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن الأَحاديث الدالة عن: أنّ شدّة الحرّ وشدّة البرد من النار
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من النار.
المطلب الثاني: سَوْق المُعارِض العقلي على الأحاديث الدَّالة على أنّ شدّة الحرّ والبرد مِن النَّار.
المطلب الثالث: دفْع دعوى المعارض العقلي عن الأَحاديث الدَّالة على أَنَّ شدّة الحر والبرد من النَّار.
стр. 754
المطلب الأوَّل: سوق الأحاديث الدالة على أن شدة الحر والبرد من النار:
عن أَبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : (اشتكت النَّار إلى ربِّها، فقالت: يا ربِّ أكل بعضي بعضًا، فَأَذِن لها بِنَفَسينِ: نَفَس في الشتاء، ونفَس في الصَّيف؛ فهو أَشدُّ ما تجدون من الحرِّ، وأشدُّ ما تجدون من الزَّمهرير) متفق عليه (١).
وفي روايةٍ لمسلم: (فأَذِن لها في كلِّ عام بِنَفَسَين: نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف) (٢).
وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: أَذّن مُؤذنُ رَسُول الله ﷺ بالظُّهر. فقال النبي ﷺ : (أَبْرِدْ (٣) أَبْرِدْ). أو قال: (انْتظِر انْتظِرْ) وقال: (إنّ شِدَّة الحَرِّ من فيح (٤) جَهَنَّم؛ فإذا اشتد الحرُّ فأبردوا بالصلاة) متفق عليه (٥).
* * *
стр. 755
تمهيد:
تُدار المسائل التي انطوى عليها هذان الحديثان في قضيتين:
الأولى: بيان معنى كون شدة البرد والحر من جهنم.
الثانية: بيان معنى شكوى النار إلى ربِّها.
فأما القضية الأولى:
فقد اختلف أهل العِلْم في معنى كون شدة البر والحَرِّ من جهنم؛ من حيث حمل الحديث على الحقيقة أو المجاز = على قوليْن:
القول الأوَّل: أَن شدة البرد والحر الحاصلان في الأرض من جَهنَّم حقيقة.
القول الثاني: أن ذلك من مجاز التشبيه؛ أي: كأن الزمهرير وشدة الحر من جَهَنَّم.
والقول الأول: ذهب إليه جَمْهرةٌ من المحققين (١) .
قال القاضي عياض ﵀: «اختُلف في معنى قوله: (اشتكت النار إلى ربها .. ) الحديث، وقولِهِ: (فإن شدة الحرِّ من فيح جهنَّم) فحمله بعضهم على ظاهره. وقال: شكواها حقيقة [و] (٢) أن شدة الحر من وهج جهنم حقيقة؛ على ما جاء ما في الحديث، وأن الله أذن لها بنفَسين: نَفَسٍ في الصيف، ونَفَسٍ في الشتاء ... وقيل: إنه كلام خَرَج مخرج التشبيه والتقريب ... وكلا الوجهين (٣) ظاهر، والأول أَظهر، وحمْلُه على الحقيقة أولى) (٤) .
стр. 756
وقال الإمام النَّووي بعد نقله كلام القاضي عياض: (قلتُ: والصواب الأوَّل؛ لأنه ظاهر الحديث. ولا مانع من حمله على حقيقته = فوجب الحكم بأنه على ظاهره - والله أعلم -) (١) .
والقول الثاني: أن الحديث خرج مخرج التشبيه؛ أي: كأنه نار جهنم في الحرِّ، فاحذروه واجتنبوا ضرره. وكذا يقال في شدة البرد.
وهذا القول ذهب إليه الخَطَّابي، ونقله عنه ولم يتعقبه ابن الملك (٢) .
والَّذي يترجح - والله أعلم - ما ذهب إليه أَصحاب القول الأول من حَمْلِ الحديث على الحقيقة. والمصير إلى ذلك هو الأقوى من جهة النظر؛ خصوصًا شهادة الرِّوايات بعضها لبعض، وتعاضدها في نسبة شدة الحر والبرد إلى جهنَّم. وسيأتي بسط القرائن المرجحة لهذا القول حين التعرُّض للقضية الثانية.
القضية الثانية: بيان معنى اشتكاء النَّار إلى ربِّها وإذنه لها بنفَسين.
وهذه القضية أيضًا انسحب عليها خلاف أهل العلم؛ تبعًا للقضية الأولى على قولين:
الأول: وهو حَمل الحديث على حقيقته، وأنَّ شكوى النار بلسان مقالها لا بلسان حالها، وأَن النَفَسَ المضاف إليها هو تنفُّس حقيقي يناسب خِلْقتها.
والقائلون بهذا القول قد تقدم الإشارة إليهم، وسيأتي النقل عن بعضهم.
القول الثاني: أَنَّ شكوى النار وتنفسها = مجاز، لا حقيقة؛ فالشكوى بلسان حالها لا مقالها، على جهة التوسّع في الاستعمال، كما قال الشاعر:
стр. 757
شكا إليَّ جملي طول السُّرى ... صَبْرٌ جميل فكلانا مبتلى (١)
وكما قال عنترة:
*وشكا إليَّ بِعَبْرةٍ وتَحمْحُمِ*
وكقول العرب: قالت السماء فهطلت. (٢)
وأَما نَفَسُها فهو كناية عن الحرِّ والبرد في ابتدائِه، وامتِدادِه، وقوتِه، وضَعْفِهِ (٣) .
وممن قال بهذا القول: البيضاوي. حيث نقل عنه الحافظ ابن حجر قَولَه: «شكواها: مجازٌ عن غلَيانها. وأكْلُها بعضها بعضًا: مجازٌ عن ازدحام أَجزائها. وتنفُّسها: مجاز عن خروج ما يبرز منها) (٤) .
وممن ذهب إليه أيضًا: ابن الجوزي. حيث قال: (تشبيه الحرّ والبرد في ابتدائه، وامتداده، وقوته، وضعفه؛ بالنّفَسِ = من أَحسن التشبيه) (٥) .
والذي يَظْهر رجحانُه -من جهة النظر -: القول الأوَّل؛ للقرائن التالية:
القرينة الأولى: أن الأصل حمل الكلام على الحقيقة عند انتفاء القرائن الناقلة له عن هذا الأصل إلى المجاز؛ وخصوصًا أن الحديث خبَرٌ عن أَمر مُغيَّب لا يقع للحسِّ إدراكه؛ ليصح القول إن قرينة المعاينة تَصرف الخطاب من الحقيقة إلى المجاز عند من يُصحّحون القول بالمجاز. أو من حقيقة إلى أخرى عند من لا يصحّح ذلك.
стр. 758
القرينة الثانية: أنّ ورود ذكر الشكوى في الحديث وتفسيرها، والتعليل له، وقصْر النَّفَسِ على نَفَسَين اثنين فقط =كل ذلك حارسٌ مِن توهمِّ جريان الخبر على غير ظاهره الحقيقي؛ و كلّ ذلك مما يُضعف جانب القول بالمجاز؛ لخروجه عن المألوف في استعماله. (١)
القرينة الثالثة: أنه لا مانع يمنع من إجراء الحديث على ظاهره؛ لصلاحية قُدرة الرب لذلك.
وقد جاءت الأدلة بما يَشْهدُ لهذا المعنى؛ ومن ذلك: ما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يَخْرجُ عُنُقٌ من النَّار يوم القيامة، لها عينان تُبْصران، وأُذنان تسمعان، ولسان ينطق؛ يقول: إني وُكِّلت بثلاثةٍ: بكل جبارٍ عنيدٍ، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمُصوِّرين) (٢) .
وكذلك ما رواه أبو هريرة ﵁، قال: قال النبي ﷺ : (تحاجّت الجنة والنار، فقالت النَّار: أوثرتُ بالمتكبرين والمتجبّرين. وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسَقَطُهم؟ .. ) (٣) الحديث.
وغيرها من الدلائل المعضدة لهذا المعنى.
فلهذه القرائن كان القول بإجراء الحديث على ظاهره هو أَسعد القولين بالصواب. قال الإمام ابن عبد البر: (وأما قوله ﷺ : (اشتكت
стр. 759
النَّار .. ) فإن أَهل العلم اختلفوا في ذلك: فحمَله بعضهم على الحقيقة، وحمَله منهم جماعة على المجاز ... والقول الأول [أي: القول إنه على الحقيقة] يعضده عموم الخطاب، وظاهر الكتاب، وهو أولى بالصواب. والله أعلم) (١) .
لذا قال الحافظ ابن رجب ﵀: ( ... فالمحقّقون من العلماء على أنّ الله أَنطقها بذلك نطقًا حقيقيًا؛ كما يُنْطِق الأيدي، والأرجلَ، والجلودَ يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرها من الجمادات بالتسبيح، والسلام على رسول الله ﷺ ، وغير ذلك مما يُسمع نُطْقُه في الدنيا) (٢) .
стр. 760
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على الأَحاديث الدالة على أنّ شدة الحرِّ والبرد من جهنم:
مَدار شبهة الطاعنين في دلالة هذه الأَحاديث تدور على أمرين:
الأول: دعواهم أَنها - أي الأَحاديث - تناكد ما دلت عليه الحقيقة العلميَّة التي تقضي أن سبب الحرِّ وشدته وكذا البرد = يعود إلى أَنها من الظواهر الطبيعية التي تتعلق باقتراب أو ابتعاد الأَرض من الشَّمس، فلا علاقة للبرد والحر بسبب (غيبي / ما ورائي) لا يمكن إدراكه ولا تفسيره.
الأمر الثاني: أن حديث أبي هريرة يصور الأرض بأنها لا يجتمع فيها فَصْلان، فهي ذات جو واحد؛ إما صيف، أو شتاء. وهذا خلاف الضرورية الحسية.
الأمر الثالث: أَنّ قبول ما دلت عليه هذه الأحاديث = يلزم مخالفة الضرورة العقلية بامتناع اجتماع النقيضين، إذ كيف يصح أن يصور عن النار نَفَسٌ يخالف طبيعتها.
وفي تقرير الشبهتين الأوليين، يقول الدكتور القرضاوي: «حديث الشيخين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: (اشتكت النار إلى ربها ... ). فطلبة المدارس في عصرنا يدرسون في الجغرافيا أسبابَ تغير الفصول، وظهور الصيف والشتاء، والحر والبرد؛ وهي تقوم على سنن كونية، وأسباب معلومة للدارسين.
كما إنَّ من المعلوم المشاهَد أن بعض الكرة الأرضية يكون شتاءً قارس البرد، وبعضها حارًّا شديدة الحرارة .. فينبغيْ حَمْلُ الحديث على المجاز ـ والتصوير الفني، الذي يُصَوِّر شدة الحر على أنها نَفَسٌ من
стр. 761
أَنفاس جهنم، كما يصور الزمهرير على أنه نَفَس آخر من أنفاسها. وجهنم تحوي من ألوان العذاب أشد الحرارة وأشد الزمهرير!» (١).
ويقول إسماعيل الكردي: «هناك حديث يُروى عن عدةٍ من الصحابة، أنه ﷺ قال: (إذا اشتد الحرُّ فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم) وهذا سياق لا إشكال في معناه؛ إذْ يُحمل على أن شدة الحر من نَمَط، أو من جنس حَرِّ جهنم.
لكن حديث أبي هريرة الذي ذكرناه لا يتحمل هذا التفسير؛ بل هو صريح في نسبة حَرِّ الصيف وبرد الشتاء إلى نَفَسي جهنم - بالتحديد - ... = فهذا السياق مَعْلولٌ بمخالفته الصريحة للعلم، الذي أَثبت - بما أصبح الآن من البديهيات في علم الجغرافيا - أن سبب الحرِّ واشتداده وسبب البرد وشدته = إنَّما هو عوامل جغرافية وجوية؛ مثل: درجة عمودية أو ميل الشَّمس على المنطقة، وبُعْد وقُرْب المنطقة من سطح الأرض إلى قُرْصِ الشَّمس ...
ثم إنه لا يوجد جو واحد في الأرض؛ بل في كل وقت توجد على أَجزاء مختلفة من الأرض درجات حرارة متفاوتة، من أقصى البرودة لأقصى الحر؛ حسب الموقع الجغرافي للمنطقة.
فسياق رواية أبي هريرة للحديث = تتعارض مع العلم، وحتى مع المحسوس؛ لأن روايته تصوّر أن الأرض كلها ذات جَوٍّ واحد؛ إما صيف .. أو شتاء .. هذا في حين أن الأرض تشتمل على الفصلين معًا في الوقت نفسه. فعندما يكون نصف الكرة الشمالي في أشد برد الشتاء، يكون نصفها الجنوبي في أحرِّ الصيف. والعكس بالعكس) (٢).
стр. 762
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث الدالة على أنّ شدة الحر والبرد من جهنم:
أمّا الجواب عن الشبهة الأولى؛ وهي دعواهم: أَن هذه الأَحاديث تخالف الحقيقة العلمية .. إلخ.
فيقال: إن هذه الأَحاديث خَبَرٌ من النبي ﷺ [الموحى إليه] عن مالك الحقيقة وخالقها . وما ساقه الطاعنون مما تقرر في علوم الجغرافيا وغيرها = هو خَبَرٌ عمن يبحث عن الحقيقة؛ وقد يصيبها، وقد يخطئها. ومنهَج العقل يَقضي بتقديم خبر مالك الحقيقة وخالقها على خبر من يبحث عنها ولا يملكها. ... فالعقل المَهْدي يَعْلمُ يقينًا - بعد تحققه من صحة ثبوت الخبر إلى النبي ﷺ أنه لا يمكن أن يقع ما نطق به الوحي معارضًا للحقيقة الحسية؛ فإن الحقَّ لا يتناقض.
ويُعلَم أيضًا: أن في الحق ما قد يحار فيه؛ لِضَعْفِ مُدْركاته عن الإحاطة بكل حقيقة.
وطعْن الطاعن في هذا الحديث وغيره نابعٌ عن خطأَين مَنْهجيين:
الأوَّل: هو ظنه أنه يمكن أن يتناقض الحقُّ. أعني: أن يتناقض الخبر النبوي الذي يمثل في حقيقته وحيًا، والعقل بمداركه الفطرية. والتناقض مبني على تقدير الخصومة النكدة بينهما.
الثاني: ظنه أَنَّ المعارف البشرية عن الطبيعة تُمثِّل المَرجعيَّة النِّهائية عن الكون وما فيه؛ في حين أن الأمر بخلاف ذلك؛ فالتراكمية والنسبية تكتنفان كثيرًا من معارفِ البشر، التي ترتكز على وسائل تخضع للتجدد والتطور؛ الّلذين يُحيلان ما ظُنّ قَبلُ أنه حقائق أنها لا تعدو أن تكون نظريات، فضلًا عن أن تكون فرضيات!
стр. 763
فهاتان دائرتان - أعني دائرة افتعال الخصومة بين الوحي والعقل، ودائرة جعل المعارف البشرية حقيقة نهائية - من دوائر الوعي المنقوص، أَحَاطت بعقول أَصحابها، فحجبتهم عن الحقائق التي نطق بها الوحي عن هذا العَالَم.
بهذا يتبين: أَنّ دَعوى أن الحديث جاء مخالفًا للحقيقة العلميَّة = دعوى تفتقر هي أيضًا إلى مستند علمي يصحّحها؛ ذلك أن الحرارة والبرودة ليس سببهما - بالنظرة إلى أسبابهما الحسيَّة - قرب الأرض وبعدها من الشَّمس؛ إذ لو كان الأمر كذلك لكانت رؤوس الجبال المكسوّة بالثلوج تشتعل نارًا. والواقع خلاف ذلك = فعُلم أن هناك عوامل أُخرى تتحكم ببرودة وحرارة الأرض؛ كالاحتباس الحراري (١)، وغيره من العوامل.
ثم إن غايةَ ما يُقال؛ هو: إثبات أن الشَّمس سببٌ ظاهر لحصول مطلق الحرارة والبرودة على سطح الأرض، ولا يلزم من إثبات ذلك نَفْي أَن تُعلَّل ظاهرة شدة البرد والحر بالسبب الغيبي الذي أَخبر به المصطفى ﷺ ؛ لانتفاء التعارض بين السببين.
الجواب عن الشبهة الثانية: وهي دعواهم: بأن الحديث يصور الأرض أنها ذات جو واحد .. إلخ
فيقال: ليس ذلك ظاهر الحديث كما توهم المُدّعي، فالحديث دل على أن لجهنم نَفَسَين؛ أحدهما في الصيف، والآخر في الشتاء. وهذا ثابتٌ في نَفْسه.
стр. 764
ثم؛ ما يحصل من الاختلاف والتعاقب بين هذين الفصلين بالنسبة للكرة الأرضية لا يقدح في دلالة الحديث؛ لأن تنوُّع النِّسب والإضافات لا يقدح فيما هو ثابت في نفسه.
الجواب عن الشبهة الثالثة:
وأما دعواهم بأنه يستحيل صدور شدة البرد من النار؛ لكون ذلك مخالفًا لطبيعتها؛ وإلا للزم الوقوع في التناقض = فيقال:
إن ذلكَ يَصحّ لو أن النار الأخروية نَمَطًا وشكلًا واحدًا كنار الدنيا، أَما مع اختلافهما فلا. ومثار الغَلَط في هذه الدعوى يكمن في أَمرين:
الأول: قياسهم الفاسد الذي جعل من الواقع المشاهد معيارًا للحكم على الغائب، وأَصلًا يُردّ إليه؛ ولو مع تحقق الاختلاف بين الأصل والفرع.
فالنار الأُخروية: دار أَعدها الله تعالى للعقاب، قد حوت صنوفًا من العذاب الأليم، وهي دركات وطبقات؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ النساء: ١٤٥. وقال: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ الحجر: ٤٣ - ٤٤. وقال : ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾ الواقعة.
فشدة البرد على هذا تكون منبعثة من طبقةٍ زمهريريةٍ من طبقات جهنم (١)، فلا تناقض حينئذٍ.
[الأمر الثاني: أَنَّهم ظَنّوا أن الشيء الواحد لا يمكن أن يصدر عنه إلا شيء واحد = وهذا باطل نقلًا ونظرًا، فالشَّمس هذه يقرون بأن بسبب قرب الأرض منها ودورانها حولها يحدث البرد والحر، والصيف والشتاء. فكيف سوغوا حصول هذه المتضادات من الشَّمس مع كونها كتلة مُلْتهبة = ولم يقبلوا تسويغ ما أخبر به النبي ﷺ ؟!] [*].
стр. 765
المبحث الثاني دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث سجود الشَّمس تحت العرش
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: سوق حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
المطلب الثاني: سوق دعوى المعارض العقلي على حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
المطلب الثالث: دفع دعوى المعارض العقلي عن حديث سجود الشَّمس تحت العرش.
стр. 766
المطلب الأول: سوق حديث: (سجود الشَّمس تحت العرش)
عن أَبي ذرٍّ ﵁ قال: دَخلتُ المَسْجِدَ ورسول الله ﷺ جَالسٌ، فلما غربت الشَّمس، قال: (يا أبا ذر، هل تدري أَين تذهب هذه؟) قال: قلت: الله ورسوله أَعلم. قال: (فإِنها تذهب تستأذن في السجود فيُؤذَن لها، وكأنّها قد قيل لها: ارْجِعِي من حيثُ جئتِ، فتطْلُعُ من مَغْرِبها). ثم قرأ: ﴿ذَلِكَ مُستَقَرٌّ لَهَا﴾ يس: ٣٨ في قراءة عبد الله. متفق عليه (١).
وفي رواية لمسلم عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال يومًا: (أتدرون أَين تذهب هذه الشَّمس؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدةً. فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي. ارجعي من حيث جئتِ. فترجع، فتصبح من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخرّ ساجدةً، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي. ارجعي من حيث جئتِ. فترجع، فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا؛ حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك، تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي. أَصبحي من مَغْربكِ. فتصبح طالعةً من مغربها) فقال رسول الله ﷺ : (أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين لا ينفعُ نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إِيمانها خيرًا) (٢).
وفي رواية للبخاري عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال النبي ﷺ لأَبي ذرّ
стр. 767
حين غربت الشَّمس: (تَدْري أَين تذهب؟) قلتُ: الله ورسوله أَعلم. قال: (فإِنَّها تذهب حتى تسجدَ تحت العَرْشِ، فتستأذِنَ، فيؤذَن لها، ويُوشِك أَن تسْجدَ فلا يُقْبلُ منها، وتستأذن فلا يؤذُن لها؛ يقال لها: ارْجِعي من حيث جئتِ، فتطلعُ من ... مَغْرِبِها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ يس:٣٨) (١) .
стр. 768
المطلب الثاني: سوق المعارض العقلي على حديث: سجود الشَّمس تحت العرش
حاصل ما أورده الطاعنون أن الحديث مُنَاقِضٌ للضرورة الحسية من جهاتٍ:
الجهة الأولى: أن الشَّمس لها مسار تسير فيه فلا تغرب عن مكان إلا وتشرق على آخر فلا تغيب عن الأرض كما جاء في الحديث.
الجهة الثانية: أن الشَّمس لا عقل لها ولا إدْراك وعلى هذا فكيف تسجد سجود العاقل الواعي.
الجهة الثالثة: أَنَّ من البدهيات العلمية أَن الشَّمس مستقرة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية لا تذهب لعرشٍ، ولا لمكان آخر، وشروقها ومغيبها حاصل بسبب دوران الأرض حول نفسها.
وفي تقرير الجهتين الأوليين، يقول محمد رشيد رضا -في سياق الحديث عن الروايات المخالفة للواقع -: (ومنه ما كان يتعذّر عليهم العلم بموافقته أو مخالفته للواقع؛ كظاهر حديث أبي ذرٍّ عند الشيخين وغيرهما ... فقد كان المتبادَر منه للمتقدمين أن الشَّمس تغيب عن الأرض كلّها، وينقطع نورها عنها مدة الليل؛ إذ تكون تحت العرش تنتظر الإذن لها بالطلوع ثانية = وقد صار من المعلوم القطعي لمئات الملايين من البشر أن الشَّمس لا تغيب عن الأرض في أثناء الليل، وإنما تغيب عن بعض الأقطار، وتطلع على غيرها؛ فنهارنا ليلٌ عند غيرنا، وليلنا نهار عندهم .. فنحن - بعد العلم القطعي الثابت في مثل هذه المسألة- لا مندوحة لنا عن أحد أمرين:
إما الطعن في سند الحديث، وإن صَحَّحوه؛ لأنّ رواية ما يخالف القطعي من علامات الوضع عند المحدثين أنفسهم ...
стр. 769
وإما بتأويل الحديث بأنه مرويّ بالمعنى، وأن بعض رواته لم يفهم المراد منه فعبَّر عما فهمه؛ كعَدَم فهْم راوي هذا الحديث - الذي ذكرنا على سبيل المثال - المرادَ من قوله: (إن الشَّمس تكون ساجدة تحت العرش .. إلخ) = فعبّر عنه بما يدلّ على أنها تغيب عن الأرض كلّها. وقد يكون المراد من معنى سجودها: أنه من قبيل قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ الرحمن. كما أن توقف طلوعها على إذن الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ الأعراف: ٥٨ وهو إذن التكوين لا التكليف .... » (١) .
ويقول سامر إسلامبولي: «من الواضح من قراءة النَّصِّ أنه تركيبة غير مُوفَّقة صدرت من جهة جاهلة؛ وذلك من عدة أوجه:
أولًا: من المعلوم أن الشَّمس لها نظام ومسار تدور وتسير بموجبه، فهي ما إن تغرب عن مكان إلا وتكون بالوقت نفسه تشرق على آخر. ولا تغيب عن الأرض أبدًا، ولا تخرج عن مسارها ...
ثانيًا: إن الشَّمس من المخلوقات التي لا تملك عقلًا، ولا إرادة؛ وبالتالي فهي لا تسجد سجود العاقل الواعي، وهي غير مكلفة ومسؤولة حتى يُقبل منها السجود أو يُرفض) (٢) .
وفي بيان الجهة الثَّالثة للشُّبهة الأَصل التي ارتكزوا عليها، يقول إسماعيل الكردي: ( .. فإنه من المعلوم لكل طالب دَرَسَ الجغرافيا أن الشَّمس مستقرة في مكانها في مركز المجموعة الشَّمسية؛ لا تذهب لعرشٍ، ولا لمكان آخر، ولا تأتي منه، وأن شروقها ومغيبها ليس بسبب حركتها هي؛ بل سببه دوران الأرض حول نَفْسِها، وأن هذا الشروق
стр. 770
والمغيب مستمران على مدار الـ (٢٤) ساعة. وفي كل لحظة تكون في حالة شروق بالنسبة لمكان في الأرض، وفي الوقت نفسه في حالة غروب بالنسبة للمكان المقابل من الأرض. وهذا أصبح في علوم اليوم من البدهيات؛ بل من المشاهدات بالمحسوس!) (١) .
стр. 771
المطلب الثالث: دَفْع دَعوى المعارِض العقلي عن حديث سجود الشَّمس تحت العرش .
والإبانة عن فَسَادِ ما ادعوه من مناقضة الحديثِ للضرورة الحسِيَّة، يتأتَّى في مقامين، مجملٍ، ومفصَّل.
فأمَّا المقام المجمل: فدعوى مناقضة الحديث للضرورة الحِسيَّة: لا تُسلَّم إلا عند التحقُّق من تَضمّن الحديث النبوي لخَبَرٍ مُفصَّل عن واقع محسوس يناقض المستقر المشاهد ضرورة؛ بحيث ينتفي الجانب الغيبي في هذا الخبر. أمَّا إذا لم ينتفِ عن الخبر هذا الجانب = فالمناقضة منتفية؛ لكون الحسِّ لم يشهده كي تصحّ دعوى مخالفة الضرورة.
وأما المقام المفُصَّل: فبيانُه: أن الحديث تضمن إخبار النبي ﷺ عن ذهاب الشَّمس وسجودها تحت العرش. وهذا خبر عن ثلاثِ حقائق مُغيَّبة، ليس للعقل يقين بإدراكِ كنهِها؛ فضلًا عن نفيها. هذه الحقائق، هي: حقيقة العرش، وحقيقة حركة الشَّمس، وحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش (١).
فالعرشُ له حقيقةٌ لا يعلمها إلا الله الرب ﵎، والعقل لا يملك إلا تعقل معاني صفاته المخبَر عنها في الدلائل الشرعية. ومن تلك الأوصاف ما جاء في وصفه بأنه عظيم الخلق، والوزن، قال تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ التوبة: ١٢٩.
ثبت من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش
стр. 772
العظيم، لا إله الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم) (١) .
وعن ابن عباس عن جويرية﴾ أَنَّ النبيَّ ﷺ خرج من عندها بكرة حين صَلَّى الصبح وهي في مَسْجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: (ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟)، قالت: نعم، قال النبي ﷺ : (لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرَّات لو وُزِنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خَلْقِه، ورِضا نفسه، وزنة عَرْشه، ومِداد كلماتِهِ) (٢) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فهذا يبين أَن زِنَةَ العرش أَثقل الأوزان) (٣)
ومن صفته: أن له قوائمَ فعن أَبي سعيد الخدري ﵁ قال: (بينا رسول الله ﷺ جالس جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أَصحابك، فقال: (مَنْ؟) قال: رجل من الأنصار. قال: ادعوه. فقال: (أضربته؟) فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث! على محمد ﷺ ؟ فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ : (لا تخيروا بين الأنبياء، فإن النَّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمةٍ من قوائم العرش؛ فلا أدري أكان صُعق أم حُوسب بصعقته الأولى) (٤) .
стр. 773
وهذا العرش العظيم كالقبة على العالم (١) كما قال النبي ﷺ في الحديث الطويل: (إن عرشه على سماواته لهكذا) وقال بأصابعه مثل القبة (٢) .
والمقصود: أن هذه الحقيقة مع إبانةِ الوحي عن بعض أوصافها؛ إلا أن يقين العقل في إدراك كُنهها منتفٍ. وكذلك ما يتعلق بحقيقة حركة الشَّمس؛ فإنَّ العقل البشري إلى يومنا هذا يعجز عن الإحاطة بهذه الحركة؛ لأن هذا يتطلب الانبتات عن هذه المجموعة الشَّمسية والتمركز خارجها للوقوف على حقيقة هذه الحركة؛ وهذا ممتنع (٣) .
وبناءً على جهلنا بهاتين الحقيقتين؛ فإن مُحصّل ذلك =الجَهلُ بحقيقة سجود الشَّمس تحت العرش. وانتفاء هذا اليقين عن الإحاطة بتلك الحقائق لا ينفي وجودها؛ فإنَّ ما كان ثابتًا في نفسه لا ينفيه جهل الجاهلين به؛ وعليه فطعن الطاعن بأن الشَّمس لا تغرب عن مكان إلا وتشرق على آخر؛ فلا تغيب عن الأرض ... الخ لا يغير من تلك الحقائق شيئًا؛ لأنَّ صاحبه أسَّسَه على غَلطٍ في إدراك مرامي النَّص.
فظن أولًا: أن مَعْنى الغروب المذكور في الحديث هو: الغياب المطلق عن أهل الأرض جميعًا؛ ليتم السجود المنصوص عليه في الحديث. ومما يبين لك ذلك: أن النبي ﷺ قال مُفسرًا هذا الغروب بالذهاب فقال: (أتدري أين تذهب؟) والذهاب المقصود به هنا: حركتها؛ بحيث تغيب عن رأي العين، فهو غياب نسبي لا مطلق. لذا
стр. 774
قال الإمام ابن تيمية ﵀: (فإذا كان النبي ﷺ مذ أَخبر أنَّها تسجد كل ليلة تحت العرش، فقد عُلم اختلاف حالها بالليل والنّهار؛ مع كون سيرها في فلكها من جِنْس واحد، وأن كونها تحت العرش لا يختلف في نفسه، وإنما ذلك اختلاف بالنسبة والإضافة = عُلِم أنَّ تنوع النِسَبِ والإضافات لا يقدح فيما هو ثابتٌ في نفسه لا مختلف) (١) .
وقال العلامة عبد الرحمن المعلمي ﵀: (فلم يلزم مما في الرّواية الثَّالثة من الزيادة -يعني: رواية إبراهيم التميمي (حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدةً) = غيبوبة الشَّمس عن الأرض كلها، ولا استقرارها عن الحركة كل يوم بذلك الموضع الذي كتب عليها أن تستقر فيه متى شاء ربها سبحانه) (٢) .
فغروب الشَّمس المذكور في الحديث هو: سيرها، وجريانها الذي أخبر عنه النبي ﷺ . وإلا؛ فليس للشمس مغرب حقيقي ثابت. قال ابن عاشور ﵀: (والمراد بـ "مَغْرب الشَّمس" =مكان مغرب الشَّمس من حيث يَلُوحُ الغروب من جهات المعمور ... وذلك حيث يلوح أنه لا أرض وراءه؛ بحيث يبدو الأفق من جهة مستبحِرة؛ إذ ليس للشمس مَغْربٌ حقيقي إلا فيما يَلوح للتخيُّل) (٣) .
وتعليق الجريان بحصول انتهائها إلى مُسْتقرِّها، ليس المراد منه - والله أعلم - توقف سيرها المعتاد تَوقّفًا مَلْحوظًا، وإِنما هو بيان (عن انتهائها إلى أن تُسامِتَ جزءًا من العرش معلومًا؛ بحيث تخضع عنده وتذلّ، وهو المُعبَّر عنه بسجودها، وتستأذن في سيرها المعتاد من ذلك المحل متوقعة ألا يؤذن لها في ذلك .. ) (٤) .
وقد يعترض معترضٌ بأنَّه إذا كان العرشُ كالقبة على هذا العالم؛
стр. 775
فإن لازم ذلك أن تكون الشَّمس في جميع أَحوالها ساجدة، فيبطل بذلك مدلول "حتى" المفيدة للغاية.
والجواب عن ذلك يقال: كون الشَّمس تحت العرش في جميع أحوالها لا يلزم من ذلك حصول السجود المذكور في الحديث في كل وقت، وإنما يتحقق السجود عند مسامتتها لجزء معين من العرش لا نعلمه.
وعلى هذا؛ فلا تناقض بين ما قرّر في الدلائل بأن العرش كالقبة على هذا العالم، وبين الثابت في هذا الحديث.
وليس في حصول السجود منها والاستئذان من ربِّها ما يعيق دورانها وحركتها. قال الإمام الخطابي ﵀: (يحتمل أن يكون المُراد باستقرارها تحت العرش أَنها تستقر تحته استقرارًا لا نحيط به نحن ... وليس في سجودها كل ليلةٍ تحت العرش ما يعيق عن دورانها في سيرها) . (١) . وَهذا السجود والاستئذان واقع في جُزْءٍ من الوقت - لا يعلمه إلا الله -؛ لا يلزم منه - كما سبق - حصول توقفٍ في سيرها يستنكره الناس؛ كما دل على ذلك قوله ﷺ : (ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئا)
وأمَّا الشبهة الثانية، وهي دعوى المعترض: أن الشَّمس لا عقل لها، ولا إدراك. فكيف تسجد سجود العاقل .. إلخ.
فالجواب عنها: بأن يقال:
ليس هناك ما يمنع - لا نقلًا ولا عقلًا - أن يكون للشمس إدراكٌ يناسب حالها؛ ليتحصّل به السجود والاستئذان. فالسجود والاستئذان الواقع من الشَّمس هو سجود حقيقي كما هو ظاهر الحديث، وليس