"والأَوْلى وضع يديه على ما يضع عليه جبهته ".
وأما قوله في الجنائز: " إذا اجتمع الولي والوالي، فالوالي الأصل لا الفرع أَوْلى "،
ليس من هذا الباب بل هو بمعنى واحد.
وأما " الأشبه ": فمعناه الأَسَدُّ، من السداد، والاستقامة في القياس، لكونه أشبه بالأصول من القول المعارِض له، إن كان ثم قول، كقوله في الوصايا:
" وبغلاتها أشبه ".
والقول بالأشبه من باب القول بالاستحسان.
وأما " المختار ": كقوله في الوضوء: " فالمختار بناؤه على أن الدوام كالابتداء أولًا "،
فالمختار يطلق على ما اختاره بعض الأئمة لدليل رجّحه به، وقد يكون ذلك المختار خلاف المشهور.
وأما الصواب: فمقابله الخطأ، قاله ابن عبد السلام في الرد بالعيب في قوله:
" بخلاف العبد والدابة على المشهور "، وصرح ابن الحاجب بذلك في قوله في الأوقات:
" وقال أصبغ: سألت ابن القاسم آخر مسألة فقال: أصبت، وأخطأ ابن عبد الحكم.
وقد يشير بالصواب إلى اختيار بعض المتأخرين كقوله في خيار الأمة:
" وقال اللخمي: الصواب ألا خيار لها ".
وأما " أصوب ": فيطلق في مقابلة الصواب، كقوله في متابعة الإمام:
" إن أحرم معه أجزأه، وبعده أصوب ".
وأما لفظة " الحق ": فيطلقها قائلها من المتأخرين على تحقيق صواب ما ذهب إليه من أقوال المسألة، أو تقييدها، ومقابل الحق: الوهم.
وأما الاستحسان: فذكره المؤلف - يعني ابن الحاجب - في آخر الديات في قوله:
" إنه لشيء استحسناه، وما سمعت فيه شيئًا ".
وقد قال مالك ﵀: " الاستحسان تسعة أعشار العلم ".
وقال ابن خويز منداد في كتابه الجامع لأصول الفقه: وقد عول مالك على القول بالاستحسان، وبنى عليه أبوابًا ومسائل من مذهبه، قال: ومعنى الاستحسان عندنا القول بأقوى الدليلين، وذلك أن تكون الحادثة مترددة بين أصلين، وأحد الأصلين أقوى بها شبهًا وأقرب، والأصل الآخر أبعد إلا مع القياس الظاهر، أو عرفٍ جارٍ، أو ضربٍ من المصلحة، أو خوفِ مفسدةٍ، أو ضربٍ من الضرر والعذر، فيعدل عن القياس على
стр. 177
الأصل القريب إلى القياس على ذلك الأصل البعيد، وهذا من جنس وجوه الاعتبار.
وليس المراد بالاستحسان اتباع شهوات النفوس، أو الاستحسان بغير دليل، لكن ما حسن في الشريعة، ولم ينافها، والدليل على صحة القول به قوله: " ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللَّه حسن ".
وقال القاضي إياس بن معاوية: " قيسوا القضاء ما صلح الناس، فإذا أفسدوا فاستحسنوا "، وإياس هذا هو قاضي عمر بن عبد العزيز.
وأنكر بعض الشافعية القول بالاستحسان وشنعوا على القائلين به.
"الروايات والأقوال ": قاعدة المؤلف وغيره أنه إذا أطلق الروايات فهي أقوال مالك ﵀،
وإذا أطلق الأقوال، فالمراد قول أصحاب مالك وغيرهم من المتأخرين.
وقد انخرم هذا فأطلق المؤلف الروايات على منصوصات المذهب، وقد يطلق
الروايات في مقابلة أقوال الأصحاب.
وأما اصطلاحه في الأقوال: ما ذكره الإمام أبو محمد الحسن بن محمد الزعفراني الشافعي قال: " القول إن كان صادرًا من صاحب المذهب، كان معناه: اعتقاده ورأيه، كقولك: فلان يقول بقول فلان، أي يعتقد ما كان هاه، ويرى رأيه، ويقول به.
وإن كان صادرًا عن أصحابه، فهو ما نقلوه عنه، واستنبطوه من الكتاب والسنة وأصول المذهب ".
قال: " ووجه تجويزهم في تسميتهم الآراء والاعتقادات أقوالًا: أن الاعتقاد يخفى، فلا يظهر، ولا يعرف إلا بالقول، أو ما يقوم مقامه من شاهد الحال، فلما كانت لا تظهر، ولا تعرف إلا بالقول سميت قولًا ".
وفي التقريب في شرح التهذيب قال:
" اعلم أنه إذا وقع في المذهب الرواية فهي عن
مالك لا عن غيره، وإن وقع ذكر القول فقد يكون عن مالك، وقد يكون عن غيره".
وقد يطلق المؤلف القولين على الروايتين.
وإذا أطلق المؤلف لا قال "، ولم يضف ذلك لقائل، ولم يكن معطوفًا على ما يفهم منه اسم القائل: فالقول منسوب لمالك.
стр. 178
وقال بعضهم حيث يقول المؤلف: " وقال مالك " فهو إشارة إلى قول مالك في العتبية، وقد يأتي بها لما كان فيه مغمز: من كونه لا يجري على أصوله، وهذه طريقة ابن أبي زيد في الرسالة.
وقد يأتي بها على وجه الاستشكال والتبري من عهدتها، كما يفعله غيره يتبرأون من المسائل، وينسبونها لأهل المذهب بقولهم: " قالوا "، وينسبونها لمالك إشارة إلى أنه ليس لهم حظ فيها إلا النقل.
ومن قاعدته في القولين أنه إذا ذكر قائليهما، فإن الأمر المحكوم به أولًا، أو النفى لمن سماه أولًا، ومقابله القول الثاني.
ومن قاعدته: أنه إذا ذكر أقوالًا وقائلين، فإنه يجعل الأول من الأقوال للأول من القائلين، والقول الثاني للثاني، والثالث للثالث، وهذا كثير في كتابه، وإنما يفعله غالبًا إذا كانت الأقوال إذا جمعت لا تفهم فيفرقها، ويبين القائلين.
ومن قاعدته: أنه إذا كان صَدَّرَ كلامه في المنع والجواز، ثم ذكر بعد ذلك قسمًا.
وحكى فيه قولين لقائلين، ولم يعين ما لكل قائل، فإن للقائل الأول حكم ما صَدَّر به كلامه، والثانى ما يقابله.
ومن قاعدته: أنه إذا جمع يين مسألتين في الحكم، وكان في كل مسألة قولان، فالغالب أنه يجمعها في المشهور، ثم يعقب ذلك ب: " قيل "، لئلا يُتَوَفم أن الخلاف
راجع إلى المسألة الثانية، دون الأولى.
وقد يذكر صورتين، ويجيب عنهما بجواب واحد، ثم يذكر الخلاف، ويكون
الخلاف عائدًا إلى الثانية خاصة.
وقاعدته في حكاية الأقوال لم تطرد، فقد يطلق القولين وهما منصوصان، وقد
يطلقهما وهما مخرجان، وقد يحكى لازم القول قولًا، وقد يحكى تأويلات الشيوخ للمدونة أقوالًا، وهذا مما تُعُقِّبَ فيه.
وكان يجب تمييز كل نوع من هذه الأنواع عن الآخر؛ لأن الأقوال المخرجة لا يحكم بها ولا يفتى، وكذلك لازم القول، وتأويلات الشيوخ.
ومن قاعدة المؤلف: أنه إذا أطلق القولين فهما بالجواز والمنع، ولم يطرد في ذلك، فقد يكونان بالجواز والكراهة.
стр. 179
واعلم أنه قد يذكر أقوالًا في المسألة ليس فيها شيءٌ بالمنع، وإنما يذكرها لتعيين الأولى والأفضل.
وقد يتوهَّم من إطلاق المؤلف القولين من غير تشهير لأحدهما أنهما مستويان في القوة، أو الضعف، وأن المشهور فيهما غير موجود.
وليس كذلك، بل جرت عادته في كثير من المسائل أنه يترك تعيين المشهور من القولين، وهو منصوص عليه في الأصول التي ينقل منها، كالجواهر لابن شاس، وابن بشير، وغيرهما.
ومن قاعدته: أنه يجمع بين مسألتين فأكثر، ويأتي في الجميع بقولين، فيوهم ذلك أن الخلاف في تلك المسائل للقائلين من أهل المذهب، وليس كذلك.
" قالوا ": ومن قاعدة المؤلف أنه حيث يقول؟ " قالوا "، فإنه يأتي بها للتبري من عهدة دليل ذلك وصحته، أو لكونه مستضعفًا لوجه ذلك الحكم.
قال ابن عبد السلام في التيمم: " إنما يذكر المؤلف (قالوا) فيما لا يرتضيه ".
وقال في باب الغصب: " جرت عادة المؤلف إنما يأتي بصيغة (قالوا) إذا كانت
المسألة منصوصًا عليها للمتقدمين، ثم يستشكلها، وقد يأتي بها فيما لم ينص عليه المتقدمون.
وقد يعدل عن حكاية الأقوال إلى ذكر الخلاف لكونها ليست أقوالًا منصوصة.
" جماء - وقع - عن ": وما يلحق بالكلام في الأقوال: ألفاظ ذكرها المؤلف، فمنها: جاء، ومن قاعدته: أنه إذا أشكل عليه إلحاق فرع بقاعدة، أو نسبة قول إلى من نسب إليه.
ورأى غيره من الشيوخ إلحالتى ذلك الفرع بتلك القاعدة، فإنه يقول: " وجاء ".
ومن ذلك قوله: " ووقع ": أصل هذه اللفظة أنها تذكر لاستشكال محلها،
كقوله: " ووقع لابن القابسي غير طهور ".
والمؤلف تبع فيها ابن شاس، واختلف في معناها، هل هي قول لابن القابسي، أو إلزام ألزمه إياه غيره أن يقول بذلك.
وقد يأتي بها لغير هذا المعنى كقوله في الأذان: " فوقع لا يؤذنون، ووقع إن أذنوا
стр. 180
فحسن ".
والمعنى هنا: أنه وقع لمالك في غير المدونة: " لا يؤذنون "، ووقع له في
المدونة: " إن أذنوا فحسن "، فقيل: هو اختلاف قول من مالك.
وقيل: ليس هو اختلاف قول.
ومن ذلك قوله: " وعن "، ومن قاعدته: أنه حيث يقول: " فعن "، فهو كالمتبرئ من صحة نسبة القول إلى قائله، كقوله في التيمم: " فعن ابن قاسم إن كانتا مشتركتي الوقت أعاد الثانية في الوقت، وإلا أعادها أبدا "، وليس هو لابن القاسم، وإنما قاله أصبغ.
وقد يأتي بها لاستشكالها كقوله في المزارعة: " وعن ابن القاسم: والحصاد
والدراس "، وهذه الرواية وقعت في العتبية من رواية حسين بن عاصم، واستشكلت.
وقد يأتي بها إذا كان ذلك عن ابن القاسم على وجه التأويل لقول لمالك.
* * *
طرق المذهب المالكي:
ويتصل بهذا الكلام في " الطرق ".
والطرق: اختلاف الشيوخ في حكاية المذهب،
وهي مختصة بالأصحاب والشيوخ.
قال في التوضيح: الطريق عبارة عن شيخ، أو شيوخ يرون المذهب كله على ما نقلوه، فهي عبارة عن اختلاف الشيوخ في كيفية نقل المذهب، هل هو قول واحد، أو على قولين فأكثر.
والأولى الجمع بين الطرق ما أمكن، والطريق التي فيها زيادة راجحة على غيرها؛ لأن الجميع ثقات.
وحاصل دعوى النافي شهادة على نفي.
" ثالثها ": من قاعدة المؤلف - يعني ابن الحاجب - أنه ينبه على الأقوال الثلاثة، أو الروايات الثلاثة بقوله: " ثالثها ".
وذلك إذا كانت الأقوال إذا جمعت فهمت بالطريق
التي قررها، فإن كانت لا تفهم إذا جُمِعَت فإنه يبينها، كقوله في مصرف الزكاة:
" فإن كانوا قرابة لا تلزمه، وليسوا في عياله فثلاثة: الجواز، والكراهة والاستحباب ".
وطريقة استخراج القولين الأولين أنه إذا قال: " ثالثها "، فإنه يجعل القول الثالث
стр. 181
دليلًا على القولين الأولين، فيجعل صدره دليلًا على القول الأول، وعجزه دليلًا على القول الثاني فإذا صَدَّره بإثبات فالقول الأول هو: الجواز مثلًا، أو الوجوب، وإن صَدَّره بالمنع فالأول عدم الجواز، والثاني مقابل الأول، والثالث مفهوم من كلامه.
ومن قاعدته: أن ثالث الأقوال إذا كان مشهورًا، فإنه يقول: ثالثها المشهور، وإن كان المشهور غير الثالث بدأ بذكره.
وقد يجمع المؤلف مسألتين، ويحكى ثلاثة أقوال، ويكون في الأول قولين، وفىِ الثانية ثلاثة أقوال.
" ورابعها ": من قاعدة المؤلف أنه إذا ذكر قسمة رباعية، فإنه يُصَدِّر القول الرابع بإثباتين، ويقابله بنفيين، ثم بإثبات الجزء الأول من الإثباتين الأولين، ونفي الجزء الثاني
وهو القول الثاني، ثم بإثبات الجزء الثاني من الإثباتين الأولين، ونفي الجزء الأول وهو القول الثالث.
واعلم أن هذا غير مطرد في كل موقع يذكر فيه: ورابعها، فقد يكون القول الأول بالجواز، والثاني بالمنع، والثالث بالكراهة، والرابع ما ينص عليه.
فالقول بالكراهة لا يفهم من قاعدته، وإنما يفهم بالتوقيف عليه، وقد لا يذكر صَدْر القول الرابع ولا يبينه.
ومن قاعدته: أنه إذا كان في المسألة أربعة أقوال، وفي مسألة أخرى ثلاثة منها: ذكر المسألة التي فيها الثلاثة الأقوال، وذكر في المسألة الأخرى القول الرابع خاصة.
" وفيها ": من قاعدة المؤلف أنه يكنى عن المدونة بقوله: وفيها، وإن لم يتقدم لها ذكر، وذلك لاستحضارها في الذهن، وكثرة تداولها بين أهل المذهب.
وقد قيل: المدونة بالنسبة إلى كتب المذهب كالفاتحة في الصلاة، تغني عن غيرها ولا يغني عنها غيرها.
واعلم أن المؤلف لم يتقيد في قوله: " وفيها "، بالمدونة الكبرى، ولا بالتهذيب،
فتارة ينقل من المدونة، وتارة ينقل من التهذيب، ولعل ذلك لكون التهذيب قصد به البراذعي اتباع ترتيبها، والمحافظة على كثير من ألفاظها، فصار عنده بمنزلة المدونة.
стр. 182
ومن قاعدته: أنه إنما ينمشا المسألة إلى المدونة لأمر زائد على كونها من مسائل المدونة، وذلك أنواع:
الأول: كونها محتملة للقولين، أو ظاهرة في أحدهما بحيث يكون ترجيحا له،
فيذكره على لفظه في الأصل، أو قريبا من لفظه، ليتم ما أراد أخذه من المدونة.
الثاني: أن ينسب المسألة إليها لإشكالها في تصورها عند الشيوخ حتى ترددوا في فهمها، وقد يكون إشكالها من جهة التصديق.
الثالث: قد يذكرها ليستشهد بما فيها على ما ذكره.
الرابع: قد يذكرها لكونها تخالف ما شَهَّرَه من القولين، فيورده ليجيب عنه، لئلا يعترض به على ما شَهّرَه من القولين.
الخامس: قد يذكرها خشية النقض بما فيها على ما نقله.
السادس: قد يذكرها لخروجها عن أصل المذهب.
السابع: قد يأتي بلفظ المدونة لا لشيء من المعاني المتقدمة، بل لوَجَازَته،
وعموم فائدته.
وقد يعدل المؤلف عن الكتابة عن المدونة بقوله " فيها " إلى التصريح بالمدونة.
وقد يقول المؤلف: " وفيها " وذلك اللفظ ليس في المدونة، ولا في مختصراتها، فالمؤلف - يعني ابن الحاجب - لم يتقيد بالمحافظة - على لفظ المدونة، ولا مختصرها للبراذعي، بل ينمسب للمدونة ما هو ظاهر لفظها، كما ينسحب إليها صريح لفظها.
" في التشبيهات ": من قاعدة المؤلف ﵀: أنه إذا ذكر مسألة، وذكر ما فيها من الأقوال، وعَين المشهور، ثم ذكر مسألة أخرى، وشَبَّهها بها فإنما يشبهها بها في القول المشهور خاصة، ولا يلزمه أن يجري في المسألة المشبّهة ما في المسألة المشبه بها من الأقوال.
وهكذا ينبغي أن يُفْهَم كلام المؤلف فيما لا يمكن أن تجري فيه الأقوال التي في المسألة المشُبَّه بها.
قال ابن عبد السلام في باب الردة: " تشبيهات المؤلف في هذا الكتاب تقع تارة في أصل الحكم الذي بنيَت عليه المسألة بدون خصوصية من وفاق وخلاف، وتارة يقع في
стр. 183
ذلك الحكم، مع وصف من خلاف، أو وفاق.
ومن قاعدته: أنه إذا ذَكَرَ فرعًا مختلَفًا فيه، ثم شَبَّهَه بفرعٍ آخر، ولم يذكَّر في المشُبَّه به خلافًا، وذلك الخلاف في المشبَّه، كان مراده أن المشُبَّه به فيه من الخلاف ما في المشُبَّه، وأنه إنما ترك ذِكْره في الشُبَّه به اختصارًا.
ومن قاعدته: أنه يشبه بما سيأتي مما لم يتقدم له ذكر.
وقال ابن راشد: ومن قاعدة المؤلف أنه إذا رَتَّبَ شيئين على شيئين، فإنه يجعل الأول للأول، والثاني للثاني.
" السُّنَّة - العمل - أمر الناس - الخلاف - لا بأس - واسح - رجوت ": في بيان معاني ألفاظ وقعت في هذا الكتاب، وهي أنواع:
الأول، قوله: السنة: كقوله " والسُّنَّة التكبير حين الشروع ".
ومراده بالسّنَّة: عمل أهل المدينة.
وقال ابن عبد السلام: " مراده عمل أهل العلم، وهذه اللفظة وقعت في الموطأ كثيرًا ".
قال البوني في شرح الموطأ عن أحمد بن المعدل: " إن المراد عنده بالسنَّة ما جرى عليه أمر بلدهم في القديم والحديث ".
الثاني: قوله: " للعمل ": المراد به عمل أهل المدينة، قاله ابن راشد، وإليه أشار الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد.
ويحتمل أن يريد به عمل الصحابة ﵃ قاله ابن عبد السلام.
وقد يشير بالعمل إلى ما اتفق عليه الفقهاء السبعة.
وقوله: " والنضح من أمر الناس ": هي بمعنى قوله للعمل.
الثالث: قوله " للخلاف ": قال ابن عبد السلام: " كثيرًا ما يجري على ألسنة الفقهاء من أهل المذهب: الحكم كذا مراعاة للخلاف، ويقولون: هل يراعى كل خلاف أو لا؟ قولان.
والذي ينبغي أن يعتقد أن الإمام ﵀ إنما يراعى من الخلاف ما قوى دليله.
стр. 184
الرابع: قوله " لا بأس ": هذه اللفظة تكررت في الأمهات.
قال بعضهم: والظاهر أنها دالة على رفع الإثم المُقَيَّد بقَيد عدم الطلب، وهو: القَدْر المشترَك بين الجواز والكراهة، لأنها ترد مرة بمعنى الجواز السالم عن الكراهة، وقد ترد بمعنى الكراهة، وقد
ترد لما تركه أحسن من فعله.
وقد ترد لما فعله أرجح من تركه.
ويلحق بهذه اللفظة ألفا تقاربها في المعنى، فمن ذلك: قوله " واسعٌ ": هذه اللفظة ترد لا تركه وفعله سواء.
وقوله: " رجوت ": هذه اللفظة قربت من معنى واسع.
ومنه قوله: " استخف ": وهي أيضًا بمعنى واسع.
* * *
الأسماء المبهمة في مختصر ابن الحاجب:
ولا بد من بيان أسماء مبهمة وقعت في هذا الكتاب:
القاضيان - القضاة الثلاثة: فمن ذلك القاضيان كقوله في البيوع: " وخَصَّصَه القاضيان بالحي الذي لا يراد إلا للذبح "، فمراده القاضي أبو الحسن بن القصار، والقاضي عبد الوهاب.
وإذا أطلق أهل المذهب القضاة الثلاثة فهم القاضيان، والثالث أبو الوليد الباجي.
أبو إسحاق - أبو الفرج - أبو الحسن: وأبو إسحاق: هو ابن شعبان.
وأبو الفرج: هو القاضي أبو الفرج البغدادي مؤلف كتاب الحاوي.
وأبو الحسن: هو أبو الحسن بن القصار البغدادي.
محمد: وحيث أطلق محمد، هو ابن المواز.
الأستاذ: والأستاذ هو الشيخ أبو بكر الطرطوشي.
الفقهاء السبعة: وأمما الفقهاء السبعة: فالمراد بهم: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزيير، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ﵃، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار.
وفي السابع ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، نقله الحاكم عن أكثر علماء الحديث.
والثانى: أنه سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ﵁، قاله ابن المبارك.
стр. 185
الثالث: أنه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قاله أبو الزناد.
علماء المدينة: وأما علماء المدينة، فالإشارة بهم إلى ما هو أعم من الفقهاء السبعة؛ لأن ذكر الفقهاء السبعة، لا ينفي أن غيرهم خالفهم.
وأما علماء المدينة، فيدل على انتفاء الخلاف بينهم.
المدنيون: وأما المدنيون: فالإشارة بهم إلى: ابن كنانة، وابن الماجشون، ومطرف، وابن نافع، وابن مسلمة، ونظرائهم.
المصريون: وأما المصريون: فيشار بهم إلى: ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ بن الفرج، وابن عبد الحكم، ونظرائهم.
العراقيون: وأما العراقيون: فيشار بهم إلى: القاضي إسماعيل، والقاضي أبي
الحسن بن القصار، وابن الجلاب، والقاضي عبد الوهاب، والقاضي أبي الفرج، والشيخ أبي بكر الأبهري، ونظرائهم.
العلماء: وأما العلماء: يشير إلى علماء المدينة في زمان مالك ﵀.
* * *
стр. 186
الفصل الخامس
مذهبب الحنابلة
ترجمة الإمام أحمد:
هو: الإمام البارع المجمع على جلالته، وإمامته، وورعه، وزهادته، وحفظه، ووفور علمه، وسيادته: أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس ابن عبد اللَّه بن حيان (بالمثناة) بن عبد اللَّه بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان ابن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب (بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة) بن أفصى (بالفاء والصاد المهملة) بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني المروزي ثم البغدادي.
أصله من مرو، خرج به أبوه من مرو حملًا، وولد ببغداد، ونشأ بها إلى أن توفي بها.
ولد ﵀ في شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة (١٦٤ هـ) ، وتوفي ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين (٢٤١ هـ) .
وله رحلة واسعة في طلب الحديث والعلم، فدخل مكة، والمدينة، والشام،
واليمن، والكوفة، والبصرة، والجزيرة.
وفي مشايخه كثرة بالغة، فمنهم: سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن سعد، ويحيى
القطان، وهشيم، ووكيع، وابن علية، وابن مهدي، وعبد الرزاق، وخلائق.
روى عنه: شيخه عبد الرزاق، ويحيى بن آدم، وأبو الوليد، وابن مهدي، ويزيد ابن هارون، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والذهلي، وأبو زرعة الرازي، والدمشقي، وإبراهيم الحربي.
وعن أبي مسهر قال: ما أعلم أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها إلا شابا بالمشرق يعني أحمد بن حنبل.
وعن علي بن المديني قال: قال لي سيدي أحمد بن حنبل: لا تحدث إلا من كتاب.
وعن أبي عبيد قال: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل، وهو أفقههم فيه،
стр. 187
وعلي بن المديني وهو أعلمهم به، ويحيى بن معين وهو أكتبهم له، وأبي بكر بن أبي شيبة وهو أحفظهم له.
وقال أبو زرعة: ما رأيت أحدا أجمع من أحمد بن حنبل، وما رأيت أحدًا أكمل منه، اجتمع فيه زهدٌ، وفقه، وفضلٌ، وأشياء كثيرة.
وقال قتيبة: أحمد إمام الدنيا.
وقال الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي.
وقال أبو حاتم: كان أحمد بن حنبل بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه.
وقيل لبشر الحافي حين ضُرِب أحمد بن حنبل في المحنة: لو قمت، وتكلمت كما تكلم.
فقال: لا أقوى عليه، إن أحمد قام مقام الأنبياء.
وفي أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن، ومات قبل أن يناظر أحمد بن حنبل،
وتولى المعتصم فسجن ابن حنبل ثمانية وعشرين شهرًا لامتناعه عن القول بخلق القرآن،
وأطلق سنة (٢٢٠ هـ) ، ولم يصبه شر في زمن الواثق باللَّه بعد المعتصم، ولما تولى المتوكل ابن المعتصم أكرم الإمام أحمد، وقدمه، ومكث مدة لا يولى أحدًا إلا بمشورته، وتوفي الإمام أحمد وهو على تقدمه عند المتوكل.
* * *
مصنفاته:
صنف الإمام أحمد ﵀ المسند (طبع مرارًا) ، والتاريخ، والناسخ والمنسوخ، والرد على الزنادقة فيما ادعت من متشابه القرآن طبع، والتفسير، وفضائل الصحابة،
والمناسك، والزهد طبع، والأشربة، والمسائل (طبع بعض روايات منها) ، والعلل والرجال (طبع بعض روايات منها أيضًا) .
* * *
رواة المذهب:
يقول ابن القيم: " كان الإمام أحمد شديد الكراهة لتصنيف الكتب، وكان يحب تجريد الحديث، ويكره أن يكتب كلامه، ويشتد عليه جدّا، فعلم اللَّه حسن نيته، وقصده، فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرًا ...
وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرًا أو أكثر، ورويت فتاويه ومسائله، وحدث بها قرنا بعد قرن ".
стр. 188
وقد روى عن الإمام أحمد مذهبه: ابنه صالح (ت ٢٦٦ هـ) ، وابنه عبد اللَّه
(ت.٢٩ هـ) ، وأحمد بن هانئ الأثرم (ت ٢٧٣ هـ) ، وأبو بكر المروذي
(ت ٢٧٥ هـ) ، وحرب بن إسماعيل الكرماني (ت ٢٨٠ هـ) ، وإبراهيم بن إسحاق الحري (ت ٢٨٥ هـ) .
ومن أهم جامعي فقه الإمام أحمد: أبو بكر أحمد الخلال (ت ٣١١ هـ) ، وعمر بن الحسين الخرقي (ت ٣٣٤ هـ) ، وعبد العزيز بن جعفر غلام الخلال (ت ٣٦٣ هـ) .
* *
ومن أجوبته ومسائله المجموعة:
١ - مسائل عبد اللَّه بن أحمد لوالده أحمد وجواباتها.
٢ - كتاب المسائل عن أحمد والحنظلي، رواه عنهما إسحاق بن منصور المروزي.
٣ - مسائل أحمد بن حنبل لإسحاق بن منصور الكوسجي المروزي.
٤ - المسائل التي حلف عليها الإمام أحمد (مطبوع) .
٥ - مسائل الإمام أحمد، رواية السجستاني.
* * *
أسس المذهب الحنبلى:
يقول ابن القيم: " وكانت فتاويه مبنية على خمسة أصول:
الأصل الأول: النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا من خالفه كائنًا ما كان.
الأصل الثاني: ما أفتى به الصحابة، فإذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم لم يعدها إلى غيرها.
الأصل الثالث: إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة.
الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن
стр. 189
وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف.
الأصل الخامس: القياس للضرورة، فإذا لم يكن عند الإمام أحمد في المسألة نص، ولا قول الصحابة أو واحد منهم، ولا أثر مرسل، أو ضعيف عدل إلى الأصل الخامس وهو القياس، فاستعمله للضرورة.
فهذه الأصول الخمسة من أصول فتاويه، وعليها مدارها، وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين، وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام، كان
يسوغ استفتاء فقهاء الحديث، وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث، ولا يبني مذهبه عليه، ولا يسوغ العمل بفتياه ".
ونستطيع أن نفصل الكلام على أسس المذهب الحنبلي فيما يلي:
١ - منزلة النصوص:
للنصوص المكانة الأولى في الاستدلال عند الإمام أحمد،
واشتهر بوقوفه عندها.
ولهذا فمن أصول المذهب الحنبلي: أن النصوص وافية بجمهور
أحكام أفعال العباد.
ويرى الإمام أحمد أن مرتبة نصوص الكتاب والسنة واحدة ما دامت الأحاديث ثابتة وصحيحة، فلا يقدم بعضها على بعض.
ويرى الحنابلة أن السنة بيانًا للقرآن الكريم، فحيثما كان ظاهر القرآن مخالفًا للسنة لا يردون السنة، ولا يقدمون نصوص القرآن على نصوص السنة في البيان للأحكام، وإن كانت مقدمة في الاعتبار، لأن حجية السنة ثبتت بطريق الكتاب.
ولهذا فالإمام أحمد لا يفرض أن يقع تعارض بين ظاهر الكتاب والسنة، لأن ظاهر القرآن يحمل على ما جاءت به السنة، إذ هي المبينة له.
٢ - الوقوف عند النص عامه وظاهره: أما العام: فيرى جمهور العلماء أنه يمتنع العمل بالعام قبل البحث عن مخصص، يينما يرى الصيرفي أنه يجب اعتقاد عمومه في الحال عند سماعه والعمل بموجبه، ووافقه عليه ابن بَرْهان والإمام فخر الدين الرازي وأتباعه.
стр. 190
وهو إحدى الراويتين عن أحمد، واختاره من أئمة المذهب: ابن عقيل، والمقدسي، والقاضي أبو يعلي، وأبو بكر الخلال.
والرواية الثانية: عن أحمد موافقة للجمهور أنه لا يجب اعتقاده ولا العمل به في الحال حتى يبحث وينظر: هل هناك دليل مخصص، فإذا بحث ونظر فلم يجده تعين العمل به حينئذ، واختارها من أئمة المذهب: أبو الخطاب، والحلواني.
قال في المسودة: " وألفاظ أحمد كالصريحة بالرواية التي نصرها أبو الخطاب، لكن إنما هو فيمن لم يسمعه من النبي ﷺ .
قال القاضي: ...
وفيه روايتان: إحداهما: يجب العمل بموجبه في الحال، وهذا
ظاهر كلام أحمد في راوية عبد الله لما سأله عن الآية إذا كانت عامة، وفيه رواية أخرى لا يحمل على العموم في الحال حتى نطلب دليل التخصيص ...
وهذا ظاهر كلام أحمد في رواية صالح، وأبي الحارث وغيره، قال في رواية صالح: إذا كان للآية ظاهر
ينظر ما عملت السنة، فهو دليل على ظاهرها، ومنه قوله تعالى
(يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) ،
فلو كانت على ظاهرها لزم من قال بالظاهر أن يورث
كل من وقع عليه اسم ولد وإن كان قاتلا ويهوديا ".
أما الظاهر: فهو دليل شرعي يجب اتباعه والعمل به بدليل إجماع الصحابة على العمل بظواهر الألفاظ، وهو ضروري في الشرع.
قال في المسودة: " وكلام أحمد إنما هو في مطلق الظاهر من غير فرق بين العموم وغيره ".
وقال فيها أيضا: " وهذا عام في الظواهر كلها من العموم، والمطق، والأمر
والنهي، والحقائق، وهو نص ".
ومن أصول الإمام أحمد المقررة: الوقوف عند ظاهر النص، وعدم صرفه عن مقتضاه إلا بدليل يوجب الصرف سواء كان قرينة، أو ظاهرًا آخر، أو قياسًا، وهو في ذلك موافق لغيره من العلماء.
стр. 191
٣ - ويتفق الحنابلة مع جمهور العلماء في القول بحجية مفهوم الموافقة:
أما مفهوم المخالفة: فجمهور الحنابلة على القول بحجيته وهو الذي دل عليه ظاهر الروايات عند أحمد.
٤ - وورى الإمام أحمد كغيره من أئمة أهل السنة وجوب المتشابه إلى المحكم، وإن المنصوص يوافق بعضها بعضًا، وألا يؤخذ المتشابه على ظاهره دون نظر واعتبار في جميع الأدلة.
٥ - منزلة السنة عند الإمام أحمد: يرى الإمام أحمد وجوب النظر في السنة عند تفسير القرآن الكريم، ويقدمونها على ظاهر الآيات.
فالسنة عند الإمام أحمد مبينة للقرآن، تقييدًا لمطلقه، وتخصيصًا لعامه، وييانًا لمجمله، وأن ظواهر الكتاب إذا لم توجد سن تعين احتمالا من احتمالاتها عمل بها على ظاهرها.
وطريقة الإمام أحمد قبول كل سنة صحيحة، وعدم عرضها على الكتاب قبل
قبولها، بل يؤخذ بها، وتعتبر مفسرة للقرآن، إن كان يحتاج إلى تفسير، ومؤولة له إذا كانت معارضة له في الظاهر.
ففيصل التفرقة يين الفقهاء الذين غلب عليهم الرأي، والفقهاء الذين غلب عليهم الأثر، أن الأولين لا يأخذون بأخبار الآحاد في مقام تعرض له القرآن، ولو بصيغة العموم، وليس لخبر الآحاد مرتبة تخصيصها، أما أهل الحديث فيخصصون القرآن بالخبر الصحيح مطلقًا.
فالسنة حاكمة باعتبار قيامها مقام التفسير، وإن كانت في الاعتبار تالية للقرآن الكريم.
٦ - ويرى الإمام أحمد وجوب الرجوع إلى تفسير الصحابة عند الكلام في معاني القرآن، بشرط ألا يرد نص صريح عن رسول اللَّه ﷺ ، وألا يخالف أحد من الصحابة ذلك التفسير.
أما تفسير التابعين فيما لم يرد عن النبي ﷺ والصحابة: فالمرء فيه مخير،
قال الإمام أحمد - في رواية أبي داود -: الاتباع أن يتبع ما جاء عن النبي ﷺ وعن الصحابة،
стр. 192
ثم هو بعد في التابعين مخير، والوجه فيه أن قول آحادهم ليس بحجة، ويفارق آحاد الصحابة لأنه حجة.
إلا إذا كان إجماع من التابعين، وعليه تحمل رواية المروزي عن الإمام أحمد: " ينظر ما كان عن النبي ﷺ ، فإن لم يكن فعن الصحابة، فإن لم يكن فعن التابعين ".
٧ - والحنابلة يوافقون الجمهور في أن الخبر المتواتر لا يولد العلم بنفسة، بل يقع العلم عنده بفعل اللَّه .
٨ - أما خبر الآحاد فعن أحمد روايتان: إحداهما: أنه يفيد العلم، والأخرى: لا يفيده.
وقد اختلف الحنابلة في الترجيح، ومال أكثر المصنفين في الأصول منهم إلى أنه لا يفيد العلم لذاته، وأنه يحمل ما روى عن أحمد من أنه يفيد العلم على انضمام القرائن له.
٩ - والإمام أحمد والحنابلة جميعًا مع جمهور الأمة في وجوب العمل بالخبر الواحد:
حتى إن الإمام أحمد يوجب ذلك سمعًا وعقلًا، لاحتياج الناس إلى معرفة الأشياء من جهة الخبر عن الواحد.
١٥ - أما الحديث الضعيف فعن الإمام أحمد في العمل به ثلاث روايات:
الأولى: العمل به، وتقديمه على الرأي بشرط ألا يوجد في الباب غيره، ولو فتوى صحابي ثابتة عنه، فالضعيف في رتبة تالية لفتاوى الصحابة، وهذه الرواية يرجحها أكثر أصحاب أحمد.
الرواية الثانية: الأخذ بالضعيف في فضائل الأعمال دون الأحكام.
الرواية الثالثة: أنه لا يعمل بالحديث الضعيف مطلقا ولا في فضائل الأعمال، ولهذا لم يستحب أحمد صلاة التساييح، ولا التيمم بضربتين وغيرها من الفروع.
١١ - ويرى الحنابلة أن أخبار الآحاد المتلقاة بالقبول تصلح لإثبات أصول الديانات.
стр. 193
١٢ - ويوافق الحنابلة الجمهور - خلافا لاممز اظنفية - في العمل بخبر الواحد في الحدود.
١٣ - أما الإجماع: فهو حجة عند الإمام أحمد وأصحابه، وما روى عنه من قوله:
" من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، ولكن لا أعلم الناس اختلفوا، ولم ييلغه "،
وفي رواية: "ولكن يقول: لا أعلم اختلافا، فهو أحسن من
قوله إجماع الناس ".
فالإمام أحمد إنما قال هذا على طريق الورع، قال أبو الخطاب:
"أراد به في حق من لا معرفة له بأحوال الناس، ولا عناية له بالاستخبار عن المذاهب إذا قال ذلك فهو
كذب، ولهذا نص على صحة الإجماع في رواية عبد اللَّه، وأبي الحارث ".
١٤ - ويجري كلام الحنابلة في الاستصحاب وأنواعه مجرى كلام سائر العلماء، ولا يتميزون برأي خاص تجاهه.
١٥ - أما قول الصحابي: فيروي الأصوليون عن أحمد روايتين: أنه حجة، والثانية أنه ليس بحجة، ويرى المتأخرون من الحنابلة - خاصة ابن تيمية وابن القيم - أن الاحتجاج به هو مذهب أحمد على التحقيق.
ولا يخفى شدة تمسك الإمام أحمد بما كان عليه الصحابة، وشدة اتباعه لهم، ومما يروى عنه في هذا الشأن: " أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ ، والاقتداء بهم، وترك البدع ".
١٦ - أما المصالح المرسلة: فيقول الإمام ابن دقيق العيد:
" الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحا على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد يخلو غيرهما من اعتباره في الجملة،
ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال على غيرهما ".
١٧ - وقد قال الحنابلة بسد الذرائع.
٩٨ - أما الاستحسان: فقد أطلق الإمام أحمد القول بالاستحسان في مسائل،
стр. 194
ولهذا يعد الإمام أحمد من القائلين الاستحسان.
١٩ - والحنابلة - كغيرهم من العلماء - يلاحظون العرف في يمنر من أحكامهم، وخاصة باب المعاملات؛ لأنهم يتوسعون فيها، ويعتبرون المعاني والمقاصد، ولا يقفون عند ألفاظ العقود، وينظرون فيها إلى ما تعارف الناس عليه.
٢٥ - أما القياس: فالإمام أحمد يرى الاحتجاج بالقياس، وأنه أصل من أصول الشريعة، وقد استعمله في أكثر من موضع، وما نقل عنه في اجتنابه محمول على استعمال القياس في معارضة السنة.
* * *
أقوال الإمام أحمد:
لم تكن المصطلحات الأصولية في عهد الإمام أحمد قد استقرت بصورة نهائية،
ولهذا يستعمل الألفاظ في التعبير بصورة أقرب إلى الاستعمال اللغوي منها إلى
الاستعمال الاصطلاحي، كما وردت الروايات عن أحمد بعضها صريح، وبعضها بخلاف ذلك، وقد قسم ابن حمدان أقواله أربعة أقسام:
منها: ما هو صريح لا يحتمل تأويلًا ولا معارض له، فما كان من هذا لا شك أنه مذهبه، إلا إن رجع عنه إلى قول آخر.
ومنها: ما هو ظاهر يجوز تأويله بدليل أقوى منه، فإذا لم يعارضه أقوى منه، ولم يكن مانعٌ شرعي، أو لغوي، أو عرفي فهو مذهبه.
ومنها: المجمل الذي يحتاج إلى بيان.
ومنها: ما دلَّ سياق كلامه عليه وقوته وإيماؤه وتنبيهه.
فمن ألفاظه ما يدل على المنع والتحريم أو الكراهة: كقوله " أخشى - لا ينبغي - لا يصلح - أكره - لا يعجبني - هذا أشنع - أخاف ".
ومن الحنابلة من حمل قوله: " أخشى - أخاف - أجبن عنه " على التوقف، ولكن الأكثرية يحملونه على ظاهره في المنع، وذهب صاحب الرعاية في قوله " أجبن عنه "
стр. 195
إلى الجواز، ومنهم من يرى أنه للكراهة.
وأما " أكره " فيقصد بها تارة كراهة التنزيه، وتارة التحريم.
وإذا قال: " لا ينبغي - لا يصلح - أستقبحه - لا أراه شيئًا " وما شابهه، فالأكثر يحملونه على التحريم، وقيل: للكراهة.
قال متأخرو الحنابلة: والأولى النظر إلى القرائن في الكل، فإن دلت على وجوب، أو ندب، أو تحريم، أو كراهة، أو إباحة حمل قوله عليه.
قالوا: وهو الصواب.
والمتتبع لأقوال أحمد يرى أنه يستعمل هذه الألفاظ في التحريم وغيره، ولكن المراد يفهم بالنظر في الأدلة وبالقرائن.
ما يدل على الوجوب والندب: هناك للإمام أحمد ألفاظ تدل على الوجوب،
وأخرى تدل على الندب، وأخرى قد تكون محتملة للأمرين، والقرائن تعين المراد، فمن ذلك قوله " أحب إليَّ - ولا أحب - يعجبني - أعجب إليَّ " ونحوها، فعن الأكثرين يحمل على الندب.
ما يدل على الإباحة والاختيار: وذلك كقوله: لا بأس - أرجو أن لا بأس ".
وإذا أجاب في شيء، ثم قال في نحوه: " أهون، أو أشد، أو أشنع "، فقيل: هما سواء، وقيل: بالفرق.
ومن جهة أخرى يمكن تقسيم الأقوال والفتاوى والآراء في المذهب الحنبلي إلى ثلاثة أقسام:
١ - الروايات: وهي الأقوال المنسوبة إلى الإمام أحمد سواء اتفقت أم اختلفت، ما دام القول منسوبا إليه.
ويعبر عنها الأصحاب في مختصراتهم بقولهم: " وعنه "، فالمراد بها
الروايات الصريحة.
٢ - التنبيهات: وهي الأقوال التي لم تنسب إليه عبارة صريحة دالة عليها، بل فهم من أقوال الإمام، مما تومئ العبارة إليه، كسياق حديث يدل على حكم يسوقه، أو يحسنه، أو يقويه، وهي في حكم المنصوص عليه.
ويعبر عنه الأصحاب في مختصراتهم بقولهم: " أومأ إليه أحمد - أشار إليه - دل عليه كلامه "، ونحوه من العبارات التي تفيد أن كلامه لم يكن صريحا.
٣ - الأوجه: وهي ليست أقوال الإمام بالنص، بل أقوال المجتهدين والمخرجين في المذهب على مثلها المنصوص عليه.
стр. 196
فالأوجه: أقوال الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد، أو إيمائه، أو دليله، أو تعليله، أو سياق كلامه وقوته.
* * *
أشهر المجتهدين في المذهب:
من أول ما ألف الحنابلة في الفقه مختصر الخرقي أبي القاسم عمر بن الحسين المتوفى (سنة ٣٣٤ هـ) ، فقد اجتهد في ترجيح الروايات، وتوالى على هذا المختصر كثير من العلماء.
ومن أوائل من جمع ورجح بين الروايات: أبو بكر بن عبد العزيز بن جعفر غلام خليل، (ت ٣٦٣ هـ) .
ثم قام القاضي أبو يعلي محمد بن الفراء، (ت ٤٥٨ هـ) بشرح مختصر الخرقي، وهو أشهر مجتهدي المذهب، وشيخ الحنابلة.
ومن مجتهدي المذهب: ابن أبي يعلي: الشهيد أبو الحسين صاحب طبقات
الحنا بلة، (ت ٥٢٦ هـ) .
وأبو يعلي الصغير محمد بن محمد، صاحب التصانيف، (ت ٥٦٠ هـ) .
وابن الجوزي تلميذ أبي يعلي الصغير، (ت ٥٩٧ هـ) .
وأبو الخطاب الكلوذاني صاحب التمهيد في الأصول، والهداية في الفقه، (ت ٥١٠ هـ) .
وأبو الوفاء بن عقيل شيخ المذهب، صاحب الواضح في الأصول، والفنون، (ت ٥١٣ هـ) .
والموفق بن قدامة شيخ المذهب، صاحب المغني، وروضة الناظر، (ت ٦٢٠ هـ) .
ومجد الدين بن تيمية، (ت ٦٥٢ هـ) ، وتقي الدين بن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ، وغيرهم.
أما مداخل المذهب الحنبلي، فنورد ما ذكره ابن بدران:
* * *
ألقاب العلماء عند الحنابلة:
يقول ابن بدران في كتابه المدخل:
قد غلب على الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنهم
يكتفون في الألقاب بالنسبة إلى: صناعة، أو محلة، أو قبيلة، أو قرية فيقولون مثلا:
" الخرقي " نسبة إلى بيع الخرق، و " الخلال "، و " الطيالسي "، و " الحربي " نسبة إلى باب
стр. 197
حرب محلة في بغداد، وكـ: الزهري، والتميمي، وكـ: اليونيني، والبعلي، والصاغاني، والحراني، وأمثال ذلك، فيطلقون تلك الأسماء بلا تعظيم، وكانت هذه عادة المتقدمين.
ثم جاء من بعدهم، فأكثروا الغلو في الألقاب التي تقتضي التزكية والثناء، فقالوا:
علم الدين، ومحيي الدين، ومجد الدين، وشهاب الدين، إلى غير ذلك من الألقاب الضخمة، وعَمّ ذلك بلاد العرب والعجم.
ولم يرتضِ هذا غالب العلماء، فقد نقل في الفروع عن القاضي أبي يعلى أنه قال:
" وتكره التسمية بكل اسم فيه تفخيم، أو تعظيم "، واحتج بهذا على معنى التسمي ب " الملَك "، لقوله: (لَهُ الملك) ، وأجاب بأن اللَّه إنما ذكره إخبارًا عن الغير، وللتعريف، فإنه كان معروفًا عندهم به، ولأن " الملَك " من الأسماء المختصة، بخلاف " حاكم الحكام " و " قاضي القضاة "، لعدم التوقيف، وبخلاف " الأوحد "، فإنه
يكون في الخير والشر، ولأن الملَك هو: المستحِق للمُلْك، وحقيقته: إما التصرف التام، وإما التصرف الدائم، ولا يصحان إلا للَّه، وفي الصحيحين وأبي داود: " أخنا الأسماء يوم القيامة وأخبثه رجل كان سُمَّي ملك الأملاك، لا ملك إلا للَّه ".
وروى الإمام أحمد: " اشتد غضب اللَّه على رجل تسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا للَّه ".
وأفتى أبو عبد اللَّه الصيمري الحنفي، وأبو الطيب الطبري الشافعي، والتميمي الحنبلي بالجواز، والماوردي الشافعي بعدمه،
وجزم به (يعني النووي الشافعي) في شرح مسلم.
قال ابن الجوزي في تاريخه: " قول الأكثر هو القياس، إذا أريد ملوك الدنيا، وقوله الماوردي أولى بالخير "، وأنكر بعض الحنابلة على بعضهم في الخطبة قوله: والملك العادل ابن أيوب، فاحتج القائل بقوله ﷺ : " ولدت في زمن الملك العادل ".
وقد قال الحاكم في تاريخه: الحديث الذي روته العامة
" ولدت في زمن الملك العادل "
باطل ليس له أصل بإسناد صحيح ولا سقيم.
قال ابن بدران: أورد في الفروع هذه الحكاية مبهمة، وهي إنما كانت بين الشيخ أبي عمر المقدسي، فإنه هو الذي قال: " وانصر الملك العادل "، فرد عليه اليونيني، فاحتج أبو عمر بالحديث، فأنكره اليونيني ويين بطلانه،
قال في الفروع: " ولم يمنع جماعة التسمية بالملك ".
ومنع أبو عبد اللَّه القرطبي في كتابه " شرح الأسماء الحسنى " من النعوت التي
تقتضي التزكية، والثناء، كـ: زكي الدين، ومحيي الدين، وعلم الدين، وشبه ذلك.
стр. 198
وقال أحمد بن النحاس الدمياطي الحنفي، ثم الشافعي في كتابه " تنبيه الغافلين " عند ذكر المنكرات: " فمنها ما عمت به البلوى في الدين من الكذب الجاري على الألسن، وهو ما ابتدعوه من الألقاب كـ: محيي الدين، ونور الدين، وعضد الدين، وغياث الدين، ومعين الدين، وناصر الدين، ونحوها من الكذب الذي يتكرر على الألسنة حال النداء، والتعريف، والحكاية، وكل هذا بدعة في الدين ومنكر ".
وقال ابن القيم: " وقد كان جماعة من أهل الدين يتورعون عن إطلاق قاضي
القضاة، وحاكم الحكام ".
قال: " وكذلك تحرم التسمية بسيد الناس، وسيد الكل، كما يحرم بسيد ولد آدم "، أي: أنه لا يليق إلا به ﷺ .
وقد توسط الحجاوي في إقناعه، فقال: " ومن لُقبَ بما يصدق فعله للقبه جاز، ويحرم ما لم يقع على مخرج صحيح، على أن التأويل في كمال الدين، وشرف الدين: إن الدين كمله، وشرفه، قاله ابن هبيرة ".
* * *
شيخ الإسلام:
ومن اصطلاح الفقهاء التسمية ب " شيخ الإسلام "، وكان العرف فيما سلف أن هذا اللفظ يطلق على من تصدَّر للإفتاء، وحل المشكلات فيما شجر بين الناس من النزاع والخصام من الفقهاء، والعظام، والفضلاء الفخام كشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية الحراني، وصاحب المغنى، وغيرهما.
وقال السخاوي في كتابٍ له سماه الجواهر: " كان السلف يطلقون شيخ الإسلام على المتِّبع لكتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ مع التبحر في العلوم من المعقول والمنقول ".
قال: " وقد يوصف به من طال عمره في الإسلام فدخل في عداد
" من شاب في الإسلام كانت له نورًا "، ولم تكن هذه اللفظة مشهورة بين القدماء بعد الشيخين:
الصديق والفاروق، فإنه ورد وصفهما بذلك، ثم اشتهر به جماعة من علماء السلف حتى ابتذلت على رأس المائة الثامنة، فوصف بها من لا يحصى، وصارت لقبًا لمن ولي القضاء الأكبر، ولو عرى عن العلم والسن ".
ثم صار الآن لقبًا لمن تولى منصب الفتوى وإن عرى عن الدين والتقوى، بل صارت الألقاب الضخمة باللباس، والزي، والعمام الكبار، والأكمام الواسعة.
стр. 199
أعلام الحنابلة:
ثم اعلم أن الأصحاب في مصنفاتهم كثيرًا ما يستعملون المبهمات في الأسماء
والكتب، فيبقى ذلك مغلقًا على من لا اطلاع له على كتب الطبقات والتاريخ، فلنذكر بعض ذلك:
الآجُرِّى: بمد الهمزة، وضم الجيم، وتشديد الراء المهملة: محمد بن الحسن بن عبد اللَّه، له مصنفات منها: كتاب النصيحة في الفقه، وعادته فيه أنه لا يذكر إلا اختيارات الأصحاب، توفي سنة ستين وثلاثمائة.
أبو الحطاب: محفوظ بن أحمد بن الحسن بن أحمد الكلوذاني البغدادي، أحد
المجتهدين في المذهب، له في الفقه: الهداية، والانتصار، وهو الخلاف الكبير، وله الخلاف الصغير سماه رؤوس المسائل، وله كتاب التمهيد في أصول الفقه (وهو مطبوع في أربعة مجلدات) ، توفي سنة عشر وخمسمائة.
أبو بكر النجار: أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس المحدث، توفي سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة.
أبو يعلى: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد الفراء، علامة الزمان، قاضي القضاة مجتهد المذهب، بل المجتهد المطلَق، له الخلاف الكبير، والأحكام السلطانية، وشرح الخرقي توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة.
أبو يعلى الصغير: محمد بن محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن
الفراء، هو ابن أبي يعلى المتقدم، توفي سنة ستين وخمسمائة.
الأثرم: أحمد بن محمد بن هانى الطائي، الإمام الجليل الحافظ، مات بعد
الستين ومائتين، وكان عنده تيقظ عجيب، أثنى عليه يحيى بن معين، وقال
إبراهيم ابن الأصفهاني: " هو أحفظ من أبي زرعة الرازي وأتقن "،
روى عنه النسائي وجماعة.
وقال في تهذيب الكمال: " أبو بكر الأثرم الخراساني البغدادي الإسكاف الفقيه الحافظ، أحد الأعلام، صاحب السبق عن: أحمد بن حنبل، وابن نعيم، وعفان،
стр. 200
والقعنبي، وخلق، روى عنه النسائي، قال ابن حبان: كان من خيار عباد اللَّه " اهـ.
وهو أحد الناقلين روايات الإمام أحمد، وأكثر أصحابنا المتقدمين يقولون عن
أحاديث رواه الأثرم.
الأزجي: يحيى بن يحيى الأزجي، الفقيه، صاحب " نهاية المطلب في علم
المذهب ".
قال برهان الدين بن مفلح في المقصد الأرشد: "هو كتاب كبير جدًّا، حذا فيه حذو نهاية المطلب لإمام الحرمين، وأكثر استمداده من المجرد للقاضي أبي يعلى، والفصول لابن عقيل، وفيه أشياء ساقطة لا تحقيق فيها.
قال ابن رجب: ويغلب على ظني أنه توفي بعد الستمائة بقليل.
ابن أبي موسى: محمد بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي، صاحب الإرشاد، توفي
سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
ابن البنا: الحسن بن أحمد بن عبد اللَّه بن البنا البغدادي، الإمام الفقيه المقري
المحدث الواعظ له نحو من خمسمائة مصنف، وهو صاحب كتاب المجرد في الفقه، وشرح الخرقي، توفي سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
ابن الزاغوني: علي بن عبد اللَّه بن نصر بن السري الزاغوني البغدادي، الفقيه المحدث الواعظ، أحد أعيان المذهب، صنف الإمتاع، والواضح، والخلاف الكبير، والمفردات، والتلخيص في الفرائض، توفي سنة سبع وعشرين وخمسمائة.
ابن الصيرفي: يحيى بن أبي منصور بن أبي الفتح بن رافع بن علي الحراني
الفقيه، المحدث المعمَّر، بفتح الميم المشددة، أحد مشايخ شيخ الإسلام ابن تيمية،
نقل عنه صاحب الفروع في كتاب الجنائز في باب عيادة المريض، توفي سنة ثمان وسبعين وستمائة.
ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية، مكثر من التصانيف، وقد طبع الكثير منها، (ت ٧٥١ هـ) .
ابن المنادي: هو أحمد بن جعفر بن محمد بن عبد اللَّه توفي سنة ثلاث وثلاثين
وثلائمائة.
ابن المنجا: منجا بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي الفقيه الأصولي، المفسر
стр. 201
النحوي، له: الممتع شرح المقنع، توفي سنة خمس وتسعين وستمائة.
ابن تميم: محمد بن تميم الحراني الفقيه، له المختصر المشهور في الفقه، وصل فيه إلى أثناء كتاب الزكاة، توفي قريبًا من سنة خمس وسبعين وستمائة.
ابن تيمية: تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، معدود في المجتهدين، له مصنفات كثيرة مشهورة طبع العديد منها، (ت ٧٢٨ هـ) .
ابن حامد: الحسن بن حامد بن علي بن مروان، البغدادي، إمام الحنابلة في زمنه، ومؤدبهم، ومعلمهم، وأستاذ القاضي أبي يعلى، له الجامع في المذهب، وشرح الخرقي، توفي سنة ثلاث وأربعمائة.
ابن حمدان: أحمد بن حمدان بن شيب بن حمدان بن شيب بن حمدان النميري،
الحراني الفقيه الأصولي، له الرعاية الصغرى والكبرى، وفيها نقول كثيرة جدًّا، وبعضها غير محرر، توفي سنة خمس وتسعين وستمائة.
ابن رجب: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد البغدادي، صاحب
القواعد الفقهية، وجامع العلوم والحكم، وشرح البخاري، طبعت جميعها وغيرها، (ت ٧٩٥ هـ) .
ابن رزين: عبد الرحمن بن رزين بن عبد اللَّه بن نصر بن عبيد الغساني الحوراني، ثم الدمشقي، كان فقيهًا فاضلًا، اختصر المغني في مجلدين، وسمى ما اختصره التهذيب، توفي سنة ست وخمسين وستمائة.
ابن شاقلا: بسكون القاف وفتح اللام، هو إبراهيم بن أحمد بن عمر بن حمدان ابن شاقلا الفقيه الأصولي توفي سنة تسع وستين وثلاثمائة.
ابن شيخ السلامية: حمزة بن موسى بن أحمد بن الحسين بن بدران، شرح بعض الأحكام لمجد الدين ابن تيمية، وهو من المنتصرين لشيخ الإسلام ابن تيمية، والعارفين بفتاواه، توفي سنة تسع وستين وسبعمائة.
ابن عبدوس: علي بن عمر بن أحمد بن عمار بن أحمد بن علي بن عبدوس الحراني الفقيه الواعظ، له كتاب المُذَهَّب في المَذْهَب، وله تفسير كبير، توفي سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
ابن قاضي الجبل: أحمد بن الحسن بن عبد الله بن أبي عمر المقدسي من بني قدامة،
стр. 202
من تلامذة شيخ الإسلام ابن تيمية صاحب كتاب الفائق، توفي سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، وله اختيارات في المذهب.
ابن قندس: أبو بكر بن إبراهيم بن قندس، تقي الدين البعلي صاحب حواشي الفروع، وحواشي المحرر، توفي سنة إحدى وستين وثمانمائة.
ابن نصر اللَّه: أحمد بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن عمر شيخ المذهب،
ومفتي الديار المصرية البغدادي الأصل، ثم المصري، صاحب حواشي المحرر والفروع،
توفي سنة أربع وأربعين وثمانمائة.
ابن هبيرة: يحيى بن محمد بن هبيرة الدوري، ثم البغدادي الوزير، عون الدين، شرح الصحيحين في عدة مجلدات، وسماه: الإفصاح عن معاني الصحاح، ولما بلغ فيه إلى شرح: " من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين " شرح الحديث، وتكلم على الفقه، وذكر المسائل المتفق عليها، والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة، وقد أفرده الناس من الكتاب، وجعلوه مستقلًا في مجلد لطيف،
قال ابن بدران: ولقد اطلعت عليه فوجدته كتابًا نافعًا.
وهذا الشرح صنفه في ولايته الوزارة، وجمع الناس عليه من المذاهب حتى قدموا من البلاد الشاسعة، وأنفق عليه نحو مائة دينار وثلاثة عشر ألفا، وحدث به واجتمع الخلق العظيم لسماعه عليه توفي سنة ستين وخمسمائة.
البهوتي: منصور بن يونس بن صلاح الدين، شيخ الحنابلة بمصر، صاحب
التصانيف المشهورة كروض المربع، وكشاف القناع، وشرح منتهى الإرادات، طبعت جميعها، (ت ١٠٥١ هـ) .
البوشنجي: محمد بن إبراهيم بن سعيد بن موسى، أحد الناقلين للروايات عن الإمام أحمد، توفي سنة تسعين ومائتين.
حرب الكرماني: حرب بن إسماعيل بن خلف الحنظلي الكرماني، ممن روى مسائل عن الإمام أحمد.
الحربي: اسمه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم، صاحب غريب الحديث، ودلائل النبوة، توفي سنة خمس وثمانين ومائتين، وهو أحد الناقلين مذهب أحمد عنه، قاله في المطلع، وقال: هكذا قيدناه عن بعض شيوخنا، وكذا سمعته من غير واحد منهم.
стр. 203
الحلواني: محمد بن علي بن محمد بن عثمان بن مراق الحلواني، له كفاية المبتدي في الفقه مجلد، وكتاب في أصول الفقه مجلدان، توفي سنة خمس وخمسمائة.
حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني: ابن عم الإمام أحمد، كان ثقة ثبتًا، وثقه الدارقطي.
قال حنبل: جمعنا عمي وأولاده، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه - يعني تامًّا - غيرنا.
وقال لنا: " إن هذا الكتاب قد جمعته، وانتقيته من أكثر من سبعمائة ألف وخمسين ألفًا، فما اختلف الناس فيه من حديث رسول اللَّه فأرجعوه إليه، فإن وجدتموه فيه، وإلا فليس بحجة، توفي سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
الخِرَقى: عمر بن الحسين بن عبد اللَّه بن أحمد الخرَقي بكسر الخاء المعجمة، وفتح الراء المهملة نسبة إلى بيع الخِرَق، ذكره السمعاني، هو صاحب المختصر المشهور، توفي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة.
الخلال: أحمد بن محمد بن هارون أبو بكر، سمع الحديث من ابن عرفة وغيره، صاحب الجامع، والعلل، والسنة، والطبقات، وتفسير الغريب، والأدب، وهو الذي جمع في كتابه الروايات عن الإمام أحمد، توفي سنة إحدى عشرة وثلائمائة.
الرستغتى: عبد الرازق بن رزق الله بن أبي بكر بن خلف بن أبي الهيجاء الفقيه
المحدث المفسر، لم أر له ذكرًا في كتب الفقهاء، على أني وجدت بخط محمد بن كنان الصالحي أنه رأى له شرحًا على الخرقي مزجًا في مجلدين.
قلت: ورأيت له تفسيرًا للقرآن سماه رموز الكنوز، وهو تفسير جليل في أربعة مجلدات، يذكر فيها أحاديث يرويها بالسند، ويناقش الزمخشري في كشافه، ويذكر فروع الفقه على الخلاف بدون دليل، وبالجملة هو تفسير مفيد جدًّا لمن طالعه، توفي سنة ستين وستمائة.
الزركشي: محمد بن عبد اللَّه الزركشي المصري، شرح الخرقي شرحًا لم يسبق إلى مثله (وهو مطبوع) ، وكلامه فيه يدل على فقهٍ نفيسٍ، وتصرف في كلام الأصحاب، وله شرح على الخرقي مختصر، وصل فيه إلى أثناء باب الأضاحي، وله غير ذلك مما لم يكمل، توفي سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
الشريف أبو جعفر: الهاشمي العباسي، له ذكر في كتب أصحابنا، وهو عبد الخالق
стр. 204
ابن عيسى، يتصل نسبه بالعباس بن عبد المطلب ﵁، كان مختصر الكلام، مليح التدريس، جيد الكلام في المناظرة، عالماً بالفرائض، وأحكام القرآن والأصول، له مقامات في منع البدع عند الخلفاء، توفي سنة سبعين وأربعمائة.
صاحب البُلْغَة في الفقه: الحسين بن المبارك بن محمد بن يحيى بن مسلم الربعي
البغدادي، توفي سنة إحدى وثلاثين وستمائة.
صاحب الوجيز: الحسن بن يوسف بن محمد بن أبي السري الدجيلي، ثم البغدادي،
الإمام الفقيه المفنن، ألف الوجيز في الفقه، وكتابًا في أصول الدين، ونزهة الناظرين، وتنبيه الغافلين، وله قصيدة لامية في الفرائض، توفي سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة.
صالح ابن الإمام أحمد: كان أكبر أولاده، وكان أبوه يحبه ويكرمه، ونقل عن أبيه مسائل كثيرة، توفي سنة ست وستين ومائتين.
الطوفي: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم بن سعيد الطوفي، ثم البغدادي،
الفقيه الأصولي المفنن، صاحب مختصر الروضة الأصولية، وشرحها شرحًا متقنًا عجيبًا، وشرح الخرقي، توفي سنة عشر وسبعمائة.
عبد اللَّه بن الإمام أحمد: كان ثبتًا فهمًا ثقة حافظًا، وثقه ابن الخطب وغيره، توفي سنة تسعين ومائتين.
غلام الخلال: عبد العزيز بن جعفر بن أحمد بن دارا، الإمام المحدث الفقيه، يكنى بأبي بكر، له الشافي، والتنبيه، والمقنع، وزاد المسافر في الفقه.
وكثيرًا ما يقول أصحابنا: " قاله أبو بكر عبد العزيز في الشافي "، ونحو هذه
العبارة، توفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة.
المجد: عبد السلام بن عبد اللَّه بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي ابن تيمية الحراني، الفقيه، المفنن، المقري، الملقب بمجد الدين، جد شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، صاحب المنتقى، والمحرر في الفقه، ومسودة منتهى الغاية في شرح الهداية بيض بعض الشرح، وله مسودة في أصول الفقه،.
زاد فيها ولده عبد الحليم، ثم حفيده شيخ الإسلام، وله كتاب أحاديث التفسير، توفي سنة اثنين وخمسين وستمائة.
المرداوي: علي بن سليمان بن أحمد الدمشقي، شيخ المذهب، صاحب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (مطبوع) ، ومختصره، " والتنقيح المشبع في تحرير
стр. 205
أحكام المقنع " (مطبوع) ، وتحرير المنقول في الأصول، وشرحه سماه " التحبير شرح التحرير "، و " الدر المنتقى المجموع في تصحيح الخلاف في الفروع "، (ت ٨٨٥ هـ) .
المروزي: هيدام بن قتيبة، أحد الناقلين مذهب أحمد عنه، توفي سنة أربع وسبعين ومائتين.
موفق الدين: عبد اللَّه بن محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الأصل، ثم الدمشقي، الصالحي.
قال ابن غنيمة: " ما أعرف أحدًا في زمننا أدرك درجة الاجتهاد إلا الموفق ".
وهو مؤلف: المغني، والكافي، والمقنع، والعمدة، ومختصر الهداية في الفقه، توفي سنة عشرين وستمائة.
الناظم: محمد بن القوي بن بدران المقدسي الفقيه المحدث، له منظومة الآداب
صغرى وكبرى، والفرائد تبلغ خمسة آلاف بيت، وكتاب النعمة، جزءان، ونظم المفردات، وكلها على رويِّ الدال، توفي ممنة تسع وتسعين وتسعمائة.
* * *
ومن اصطلاحات الحنابلة:
أهل الرأي: اعلم أن أصحاب الرأي عند الفقهاء هم أهل القياس والتأويل كأصحاب أبي حنيفة النعمان، وأبي الحسن الأشعري.
والتأويل علم ما يؤول إليه الكلام من الخطأ والصواب.
ويقابلهم أهل الظاهر وهم مثل: داود الظاهري وابن حزم ومن نحوهم.
أهل السلف - أهل السنة: المراد بمذهب السلف: ما كان عليه الصحابة الكرام، وأعيان التابعين، وأتباعهم، وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة دون من رمى ببدعة، أو شُهِّرَ بلقب غير مرضي كـ: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية ونحوهم.
ثم غلب ذلك اللقب (أهل السنة) على الإمام أحمد، وأتباعه على اعتقاده من أي مذهب (فقهي) كانوا، فقيل لهم في فن التوحيد: علماء السلف، هذا ما اصطلح عليه أصحابنا والمحدثون.
وقال ابن حجر الفقيه في رسالته " شن الغارة ": الصدر الأول لا يقال إلا على السلف، وهم أهل القرون الثلاثة الأول الذي شهد لهم النبي ﷺ بأنهم خير القرون،
стр. 206
وأما من بعدهم فلا يقال في حقهم ذلك.
الشارح - الشرح: إذا قيل الشارح، فهو الشيخ شمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبي عمر محمد ابن أحمد بن قدامة المقدسي ثم الصالحي الإمام الفقيه الزاهد.
وهو ابن أخي موفق الدين وتلميذه، شرح المقنع في عشر مجلدات، مستمَدا من المغنى، وسماه بالشافي.
ومتى قال الأصحاب: قال في الشرح: كان المراد هذا الكتاب.
ومتى قالوا الشارح: أرادوا مؤلفه ابن أبي عمر المتقدم توفي سنة اثنتين وثمانين
وستمائة.
وهذا اصطلاح خاص، وإلا فالقاعدة أن شارح متن متى أطلق الشرح، أو
الشارح أراد به أول شارح لذلك المتن، لكن لما كان كتاب المقنع أصلًا لمتون
المتأخرين، وكان شمس الدين أول شرح له - لا جرم - استعملوا هذا الاصطلاح، ولا مشاحة فيه.
الشيخ - الشيخان: وقال الشيخ منصور البهوتي الحنبلي في شرح الإقناع: إذا أطلق المتأخرون - كصاحب الفروع والفائق والاختيارات وغيرهم - الشيخ: أرادوا به الشيخ العلامة موفق الدين أبا محمد عبد الله بن تدامة المقدسي.
وإذا قيل: " الشيخان "، فالموفق، والمجد، يعني مجد الدين عبد السلام ابن تيمية.
وكثيرًا ما يطق المتأخرون " الشيخ "، ويريدون به شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم ابن قندس في حواشي الفروع -
وإذا أطلق الإمام علي بن عقيل وأبو الخطاب: شيخنا، أرادوا به القاضي أبا يعلى.
وإذا أطلقه ابن القيم وابن مفلح صاحب الفروع أرادوا به شيخ الإسلام.
وقال صاحب الإقناع: " ومرادي بالشيخ - يعني حيث أطلق - شيخ الإسلام بحر العلوم أبو العباس أحمد ابن تيمية ". اهـ.
وقد سلك طريقته من جاء بعده.
القاضي - أبو يعلى - المنقح: إن أصحابنا منذ عصر القاضي أبي يعلى إلى أثناء المائة الثامنة يطلقون لفظا القاضي "، ويريدون به علامة زمانه: محمد بن الحسين بن محمد
стр. 207
ابن خلف بن أحمد ابن الفراء الملقب بأبي يعلى.
وكذا إذا قالوا: " أبو يعلى "، وأطلقوه.
وإذا قالوا: " أبو يعلى الصغير " فالمراد به ولده محمد صاحب الطبقات.
وأما المتأخرون كأصحاب الإقناع والمنتهى ومن بعدهما، فيطلقون لفظ " القاضي "
ويريدون به: القاضي علاء الدين علي بن سليمان السعدي المرداوي، ثم الصالحي،
وكذلك يلقبونه بالمنُقِّح، لأنه نقح " المقنِع " في كتابه: " التنقيح المشبع ".
وكانت وفاته سنة خمس وثمانين وثمانمائة، ويسمونه المجتهد في تصحيح المذهب.
نصًّا: وقولهم: " نصًّا "، معناه نسبته إلى الإمام أحمد أيضًا.
وعنه: إذا قيل: " وعنه "، يعني: عن الإمام أحمد ﵀.
ولو كان كذا: متى قال فقهاؤنا: " ولو كان كذا "، ونحوه، كالن إشارة إلى الخلاف..
وذلك كقول صاحب الإقناع وغيره في باب الأذان: " ويكرهان - يعني
الأذان والإقامة - للنساء، ولو بلا رفع صوت "، فإنهم أشاروا ب " لو " إلى الخلاف في المسألة.
ففي الفروع: " وفي كراهتهما - يعني: الأذان والإقامة - للنساء بلا رفع صوت - وقيل: مطلقًا - روايتان، وعنه - يسن لهن الإقامة، وفاقًا للشافعي، لا الأذان خلافا لمالك ".. انتهى.
فقوله: " ولو بلا رفع صوت " إشارة إلى الرواية الثانية.
وقالوا أيضًا: " ولا يكره ماء الحمام، ولو سخن بنجس "، وفي هذه المسألة خلاف أيضًا، فقد قال في الفروع: " وعنه يكره ماء الحمام لعدم تحزى من يدخله ".
فاحفظ هذه القاعدة فإنها مهمة جدًّا.
الروايات - التنبيهات - الأوجه: تقدم تعريفها عند بحث " أقوال الإمام أحمد ".
الاحتمال - التخريج - التوقف - القول - النقل: أها الاحتمال: فقد يكون لدليل مرجوح بالنسبة إلى ما خالفه، أو لدليل مساو له.
وأما التخريج: فهو نقل حكم المسألة إلى ما يشبهها، والتسوية بينهما فيه.
стр. 208
وأما التوقف: فهو ترك العمل بالأول والثاني، والنفي والإثبات إن لم يكن فيها قول، لتعارض الأدلة وتعادلها عنده.
قال المرداوي: فالتخريج في معنى الاحتمال، والاحتمال في معنى الوجه، إلا أن الوجه مجزوم بالفتيا به.
والقول: قال المرداوي: القول يشمل الوجه، والاحتمال، والتخريج، وقد يشمل الرواية، وهو كثير في كلام المتقدمين.
والفرق بين القول والتخريج: أن القول يكون منسوبًا إلى الإمام على أنه قول له.
وأما التخريج فإن الحكم يستخرج من الأصول الكلية.
فإذا أخذ الحكم من أصل كلي فهو مخرج قولًا واحدًا، وإذا نص الإمام على حكم، أو عرف من أفعاله فهو له قولًا واحدًا.
والفرق بين " التخريج والنقل " و " النقل والتخريج ": أن " التخريج والنقل " حاصله بناء فرع على أصل من القواعد الكلية، كتخريج فروع كثيرة على قاعدة تكليف ما لا يطاق مثلا، وكما فعل ابن رجب، وابن اللحام في قواعدهما.
أما " النقل والتخريج ": فهو أن ينقل نص الإمام، ثم يخرج عليه فروعا، وهذا مختص بنصوص الإمام، فالنقل أخص من التخريج.
* * *
من كتب الحنابلة
هناك الكثير من الكتب المشهورة في المذهب، كما يوجد العديد من أسماء الكتب التي يجري إطلاق أسمائها في كلام الحنابلة ولا بد من بيانها، وبيان طريقة بعضها وما عليه من التعليقات والحواشي حسب الإمكان، فمنها:
الإقناع لطالب الانمفاع: كثير الفوائد جم المنافع، للعلامة المحقق موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن عيسى بن سالم الحجاوي المقدسي، ثم الدمشقي الصالحي، بقية المجتهدين، والمعول عليه في مذهب أحمد في الديار الشامية.
ترجمه الكمال الغزي في النعت الأكمل، ولم يذكر سنة وفاته، ونجم الدين الغزي
стр. 209
في الكواكب السائرة.
وبالجملة فهو من أساطين العلماء وأجلهم، توفي سنة ثمان وستين وتسعمائة.
وقد شرح كتابه الإقناع: الشيخ منصور البهوتي شرحًا مفيدًا.
وكتب الشيخ محمد الخلوتي عليه تعليقات جردت بعد موته، فبلغت اثنى عشر كراسا بالخط الدقيق.
وللشيخ منصور عليه حاشية، ولصاحبه كتاب في شرح غريب لغاته.
وسيأتي مزيد فائدة عن الإقناع في ثنايا الكلام عن المقنع.
الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: من مهمات كتب المذهب، وسيأتي الكلام عليه، وبيان مؤلفه، وبيان ما له ولكتابه هذا من مكانة في ثنايا الكلام على المقنع للموفق ابن قدامة.
وقد طبع، بمطبعة السنة المحمدية بمصر.
البُلْغَة: تصنيف محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني الفقيه المفسر، فخر الدين، له في الفقه: الترغيب، والتلخيص، والبلغة، وهو أصغرها، وشرح الهداية لأبي الخطاب ولم يتمه، وهو ابن عم مجد الدين.
توفي سنة اثنين وعشرين وسبعمائة.
التذْكِرَة: للإمام أبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي، جعلها على قول واحد في المذهب مما صححه واختاره.
وهي وإن كانت متنًا متوسطًا لا تخلو من سَرد الأدلة في
بعض الأحايين كما هي طريقة المتقدمين من أصحابنا.
التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع: من مهمات كتب المذهب، وسيأتي الكلام عليه، وبيان مؤلِّفه، وبيان ما له ولكتابه هذا من مكانة في ثنايا الكلام على المقنع للموفق ابن قدامة.
الحاوي: تصنيف الفقيه عبد الرحمن بن عمر بن أبي القاسم بن علي الضرير
البصري، حفظ كتاب الهداية لأبي الخطاب.
توفي سنة أربع وثمانين وستمائة.
دليل الطالب: متن مختصر مشهور، تأليف العلامة بقية المجتهدءش: مرعي بن يوسف
стр. 210
ابن أبي بكر بن يوسف بن أحمد الكرمي، نسبة لطور كرم قرية بقرب نابلس، ثم الدمشقي، أحد علماء هذا المذهب بمصر، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وألف، وكتابه هذا أشهر من أن يذكر.
وللعلامة أحمد بن عوض بن الرداوي المقدسي تلميذ الشيخ عثمان النجدي، - وكان موجودًا سنة إحدى ومائة وألف - حاشية عليه.
وقرأت في بعض المجاميع: أن العلامة الفاضل الشيخ مصطفى الدومي، المعروف بالدرماني، ثم الصالحي، ثم مفتي رواق الحنابلة في مصر له حاشية لطفة على دليل الطالب.
ورأيت له كتابا سماه: ضوء النيرين لفهم تفسير الجلالين، وشرحًا على الكافي في العروض والقوافي، ولم أعلم سنة وفاته غير أن مترجمه قال: " رحل إلى القسططينية وتوفي بها في خلافة السلطان عبد الحميد "، يعني: عبد الحميد الأول، وكانت سلطته من سنة ثمان وسبعين ومائة وألف إلى سنة ثلاث ومائتين وألف.
وشرح هذا الكتاب الشيخ عبد القادر بن عمر بن أبي تغلب بن سالم التغلبي الشيباني الصوفي الدمشقي، ورأيت في بعض المجاميع نسبته إلى دور دمشق، الفقيه الفرضي المتوفى سنة خمس وثلاثين ومائة وألف، وشرحه هذا متداول مطبوع، لكنه غير محرر، وليس بواف بمقصود المتن.
وشرحه العلامة إسماعيل بن عبد الكريم بن محصي الدين الدمشقي الشهير بالجراعي، وكانت وفاته سنة اثنين ومائتين وألف، ولم يتم الكتاب.
ورأيت في ترجمة الشيخ محمد بن أحمد السفاريني أن له شرحًا على دليل الطابى، ولم نره، ولم نجد من أخبرنا أنه رآه.
وقد طبع كتاب دليل الطالب مرات.
رؤوس المسائل: للشريف الإمام الأوحد عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن أبي موسى الهاشمي المتقدم.
وطريقته فيه أن يذكر المسائل التي خالف فيها الإمام أحمد واحدًا من الأئمة أو
أكثر، ثم يذكر الأدلة منتصرًا للإمام، ويذكر الموافق له في تلك المسألة، بحيث إن مَنْ تأمل كتابه وجده مصحِّحا للمذهب، وذاهبًا من أقوالها للمذهب المختار، فجزاه الله خيرا.
стр. 211
الرعايتان: كلاهما لابن حمدان، قال في كشف الظون: " الرعاية في فروع
الحنبلية " للشيخ نجم الدين بن حمدان الحراني، المتوفى سنة خمس وتسعين وستمائة، كبرى وصغرى، وحشاهما بالروايات الغريية التي لا تكاد توجد في الكتب الكثيرة،
أولها: " الحمد للَّه قبل كل مقال وأمام كل رغبة وسؤال ...
" إلخ، شرحها شمس الدين محمد بن الإمام شرف الدين هبة اللَّه بن عبد الرحيم البازري، المتوفى سنة ثمان
وثلاثين وسبعمائة، وسمى شرحه: " الدراية لأحكام الرعاية ".
ومختصر الرعاية للشيخ عز الدين عبد السلام.. اهـ.
وقال ابن مفلح في باب زكاة الثمر والزروع من كتاب الفروع عند الكلام على زكاة الزرع والثمرات: " ولا يستقر الوجوب إلا بجعله في الجرين والبيدر، وعنه بتمكنه من الأداء، كما سبق في كتاب الزكاة للزوم الإخراج إذنًا وفاقًا، فإنه يلزم إخراج زكاة الحب مصفى، والتمر يابسًا وفاقًا.
وفي الرعاية: وقيل: يجزي رطبه، وقيل: فيما لا يتمر، ولا يزبب كذا قال، وهذا وأمثاله لا عبرة به، وإنما يؤخذ منهما - أي من الرعايتين - بما انفرد به التصريح.
وكذا يقدم - يعني ابن حمدان - في مواضع الإطلاق، ويطلق في موضع التقديم، ويسوي بين شيئين المعروف التفرقة بينهما وعكسه، فلهذا وأمثاله حصل الخوف من كتابيه، وعدم الاعتماد عليهما ".
وبالجملة فهذان الكتابان غير محررين.
العمدة: كتاب مختصر في الفقه لصاحب المغني، جرى فيه على قول واحد مما
اختاره، وهو سهل العبارة يصلح للمبتدئين.
وطريقته فيه أن يُصَدِّر الباب بحديث من الصحاح، ثم يذكر من الفروع ما إذا دققت النظر وجدتها مستنبطة من ذلك الحديث، فترتقى همة مطالعه إلى طلب الحديث، ثم يرتقي إلى مرتبة الاستنباط والاجتهاد في الأحكام.
ولنفاسته ولطف مسلكه شرحه الإمام بحر العلوم النقلية والعقلية: أحمد ابن تيمية الملقب بشيخ الإسلام، فزيَّنه بمسالكه المعروفة، وأفرغ عليه من لباس الإجادة صنوفه، وكساه حلل الدليل، وحلاه بحلي جواهر الخلاف، وزيَّنه بالحق والإنصاف، فرضى اللَّه عنهما.
وسيأتي مزيد فائدة عن العمدة في ثنايا الكلام عن المقنع.
стр. 212
عمدة الراغب: مختصر لطيف للشيخ منصور البهوتي، وضعه للمبتدئين، وشرحه العلامة الشيخ عثمان بن أحمد النجدي شرحًا لطيفًا مفيدًا، مسبوكًا سبكًا حسنًا.
ونظمها الشيخ صالح بن حسن البهوتي من علماء القرن الحادي عشر بمنظومة أولها:
يقول راجي عفو ربه العلي أبو الهدى صالح نجل الحنبلي
وسمى نظمه: " وسيلة الراغب لعمدة الراغب".
غاية المنتهى: كتاب جليل للشيخ مرعي الكرمي، جمع فيه بين الإقناع والمنتهى،
وسلك فيه مسالك المجتهدين، فأورد فيه اتجاهات له كثيرة، يُعَنْوِنُها بلفظ:
"ويتجه ".
ولكن جاء متأخرًا على حين فترة من علماء هذا المذهب، وتمكُّن التقليد من
أفكارهم، فلم ينتشر انتشار غيره.
وهو مطبوع.
وقد تصدَّى لشرحه العلامة الفقيه الأديب أبو الفلاح عبد الحي بن محمد بن العماد،
فشرحه شرحا لطيفًا دَلَّ على فقهه، وجودة قلمه، لكنه لم يتمه، ثم ذيل على شرحه هذا العلامة الجراعي، فوصل فيه إلى باب الوكالة، ثم اخترمته المنية.
ثم تلاهما الفقيه الشيخ مصطفى بن سعد بن عبده الرحيباني مولدًا، ثم الدمشقي العلامة الفقيه الفرضي المحقق مولده سنة خمس وستين ومائة ألف.
فابتدأ بشرح الكتاب من أوله حتى أتمه في خصر مجلدات بخطه، لكنه في
شرحه هذا يأتي إلى المسألة من المنتهى، فينقل عبارة شرحه للشيخ منصور، ثم إلى المسألة من الإقناع فينقل عبارة شرحه أيضًا، فكأنه جمع بين الشرحين من غير تصرف، فإذا وصل إلى " اتجاه " (١) لم يحققه، بل قصارى أمره أنه يقول: " لم أجده لأحد من الأصحاب ".
ثم تلاه تلميذه شيخ مشايخنا العلامة الأوحد الشيخ: حسن بن عمر بن معروف بن عبد اللَّه بن مصطفى بن الشيخ شطا.
فأخذ في مواضع الاتجاه من الغاية، والشرح، انتصر للشيخ مرعى، وبين صواب
стр. 213
تلك الاتجاهات، ومن قال بها غيره من العلماء، وذكر في غضون ذلك مباحث رائعة، وفوائد لا يستغنى عنها، فجاء كتابه هذا في أربعين كراسا بخطه الدقيق، فلو ضم هذا
الكتاب إلى الشرح وطبع لجاء منه كتاب فريد في بابه، ولا سيما إذا ضم إليهما ما كتبه ابن العماد، والجراعي.
الغنية: تأليف شيخ العصر، وقدوة العارفين: عبد القادر بن أبي صالح عبد اللَّه بن جنكي دوست الجيلي، البغدادي المشهور.
وهو مطبوع.
الفروع: تصنيف محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج المقدسي، ثم الصالحي
الراميني، شيخ الحنابلة في وقته، وأحد المجتهدين في المذهب، توفي سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
قال في كشف الظنون: " للشيخ سمي الدين أبي عبد اللَّه محمد بن مفلح الحنبلي،
المتوفى سنة ثلاث وستين وسبعمائة، أجاد فيه، وأحسن على مذهبه.
وشرحه الشيخ الإمام أحمد بن أبي بكر محمد بن العماد الحموي سماه: المقصد
المنجح لفروع ابن مفلح ".. اهـ.
وهذا الكتاب قَلَّ أن يوجد نظيره، وقد مدحه الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة فقال: " صنف - يعني ابن مفلح - الفروع في مجلدين أجاد فيهما إلى الغاية، وأورد فيه من الفروع الغريية ما بَهَرَ به العلماء.
وقال ابن كثير: كان مؤلفه بارعًا فاضلًا متفننًا في علوم كثيرة، ولا سيما علم الفروع، وله على المقنع نحو ثلاثين مجلدة، وعَلَّقَ على كتاب المنتقى للمجد ابن تيمية" اهـ.
وطريقته في هذا الكتاب: أنه جرده من دليله، وتعليله، ويُقَدِّم الراجح في المذهب، فإن اختلف الترجيح أطلق الخلاف، وإذا قال: "في الأصح "، فمراده: أصح الروايتين.
وبالجملة: فقد ذكر اصطلاحه في أول كتابه، ولا يقتصر على مذهب أحمد، بل يذكر المجمَع عليه، والمتفِق مع الإمام أحمد في المسألة، والمخالِف له فيها من الأئمة الثلاثة وغيرهم، ويشير إلى ذلك بالرمز، ويطل النفس في بعض المباحث، وأحيانًا يتطرق إلى ذكر الاً دلة، ويذكر من النفائس ما ينبغي للفاضل أن يطلع عليه، بحيث إن كتابه يستفيد فيه أتباع كل مذهب فرحم اللَّه مؤلفه.
стр. 214
وقد شرحه العلامة شيخ المذهب مفتي الديار المصرية محب الدين أحمد بن نصر اللَّه ابن أحمد بن محمد بن عمر البغدادي الأصل، ثم المصري المتوفى سنة أربع وأربعين وثمانمائة، وشرحه هذا أشبه بالحواشي منه بالشروح.
وكتب على الفروع: حاشية العلامة ذو الفنون تقي الدين أبو بكر بن إبراهيم بن قندس المتوفى سنة إحدى وستين وثمانمائة، وهذه الحاشية بها من التحقيق والفوائد ما لا يوجد في غيرها.
وقد طبع الفروع.
القواعد: تصنيف العلامة الحافظ شيخ الحنابلة في وقته: عبد الرحمن بن أحمد
ابن رجب البغدادي، ثم الدمشقي.
توفي سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
وهو مطبوع.
الكافي: للشيخ موفق الدين المقدسي صاحب المغني، يذكر فيه الفروع الفقهية، ولا يخلو من ذكر الأدلة والروايات.
قال مصنفه في خطبته: " توسطت فيه بين الإطالة والاختصار، وعزوت أحاديثه إلى كتب أئمة الأمصار ".
وستأتي مزيد فائدة عن الكافي في ثنايا الكلام على المقنع.
ورأيت كتابًا لطيفًا للحافظ الكبير، صاحب الأحاديث المختارة: محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن منصور السعدي المقدسي، الملقب بالضياء في تخريج أحاديث الكافي.
وقد توفي الحافظ سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
كافي المبتدى - أخصر المختصرات - مختصر الإفادات: هذه المتون الثلاثة للفقيه المحدث الصالح محمد بن بدر الدين بن بلبان البلباني البعلي الأصل، ثم الدمشقي الصالحي، كان يقرأ الفقه لطلاب المذاهب الأربعة، توفي سنة ثلاث وثمانين وألف، وقد اعْتُنى من بعده بكتبه.
فأما كافي المبتدى: فقد شرحه الورع الفقيه الأصولي الفرضي: أحمد بن عبد الله ابن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن مصطفى الحلبي الأصل البعلي الدمشقي شرحًا لطيفًا محررًا توفي سنة تسع وثمانين ومائة بعد الألف، وسمى شرحه: " الروض الندى شرح كافي المبتدى "، وله شرح " عمدة كل فارض في الفرائض "، وله " الذخر الحرير شرح مختصر التحر - ولا في الأصول، وله غير ذلك من التعليقات في الحساب
стр. 215
والفرائض والفقه.
وأما " أخصر انحتصرات ": فهو متن مختصر جدًّا اختصر فيه " كافي المبتدى "، وقد شرحه العلامة عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أحمد بن محمد البعلي الدمشقي نزيل حلب، ركان فقيهًا متفننًا أديبًا شاعرًا، توفي سنة اثنتين وتسعين ومائة بعد الألف،
وشرحه هذا محرر منقح، كثير النفع للمبتدئين.
وهو مطبوع.
وأما " مختصر الإفادات ": فقد صَدَّره أولًا بربع العبادات، فجعل الكلام عليه وسطًا بين الإسهاب والإيجاز، مستمدًا عن الإقناع، ثم ذكر أحكام البيع والربا، ثم أتبعه بقوله: كتاب الآداب، وفصله فصولًا، ثم أتبعه بفضلى الصلاة على النبي ﷺ ،
وفضل ذكر اللَّه تعالى، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر والإخلاص، ثم أتبع ذلك بعقيدته التي اختصر بها " نهاية المبتدئين " لابن حيان، ثم ختم الكلام بوصية نافعة.
وبالجملة: فهذا الكتاب كافٍ ووافٍ للمتعبدين.
قال ابن بدران: ولقد كنت قرأت هذا الكتاب على شيخنا العلامة الشيخ محمد ابن عثمان المشهور بخطيب روما، وعلقت على هوامشه تعليقات انتخبتها أيام بدايتي فى الطلب.
المبدع شرح المقنع: تأليف إبراهيم بن محمد الأكمل بن عبد اللَّه بن محمد بن
مفلح، المقدسي الصالحي، وكتابه المفلح شرح حافل ممزوج مع المتن، حذا فيه حذو المحلى الشافعي في شرح المنهاج الفرعي، وفيه من الفوائد والنقول ما لا يوجد في غيره،
وصنف في الأصول كتابا سماه " مرقاة الوصول إلى علم الوصول "، وله " المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد ".
توفي سنة أربع وثمانين وثمانمائة.
وهو مطبوع.
المحرَّر: كتاب في الفقه للإمام مجد الدين عبد السلام ابن تيمية الحراني، حذا فيه حذو الهداية لأبي الخطاب، يذكر الروايات، فتارة يرسلها وتارة ل@ين اختياره فيها، وقد شرحه الفقيه الرضى المفنن: عبد المؤمن بن عبد الحق بن عبد اللَّه بن علي بن مسعود،
القطعي الأصل البغدادي، الملقب بصفي الدين، المتوفى تسع وثلاثين وسبعمائة شرحًا سماه: " تحرير المقرر في شرح المحرر "، قال في خطبته:
" لم أذكر فيه سوى ما هو في الكتاب من الروايات، والوجوه التي ذكرها، دون غيره لخروج ذلك عن المقصود، وإنما أنا بصدد
بيان ما أودع من ذلك لا غير ".. اهـ.