Полный текст (348 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وعن أبي عاصم النبيل قال: كان أبي حنيفة يسمى الوتد لكثرة صلاته.
وعن قيس بن الربيع قال: كان أبو حنيفة ورعًا فقيهًا، كثير البر والصلة لكل من لجأ إليه، كثير الإفضال على إخوانه، وكان يبدث البضائع إلى بغداد فيشترى بها الأمتعة، ويجلب إلى الكوفة، ويجمع الأرباح من سنة إلى سنة فيشترى بها حوائج الأشياخ المحدثين، وأثوابهم، وكسوتهم، وما يحتاجون إليه، ثم يعطهم باقي الدنانير من
الأرباح، ويقول أنفقوها في حوائجكم، ولا تحمدوا إلا اللَّه تعالى فإنه واللَّه مما يجريه اللَّه لكم على يدي، فما في رزق اللَّه حول لغيره.
* * *
إسناد الإمام أبي حنيفة في الفقه:
قال اللكنوي: " اعلم أن مذهب أبي حنيفة أكئره مأخوذ عن الصحابة الذين نزلوا بالكوفة، ومن بعدهم من علمائها، وكان ألزم بمذهب إبراهيم، عظيم الشأن في التخريج على مذهبه ".
قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير الموُمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عن من أخذت العلم؟.
فقلت: عن حماد (يعني ابن أبي سليمان) عن إبراهيم (يعني النخعي) عن عمر
ابن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس.
فقال أبو جعفر: بخٍ بخٍ استوفيت يا أبا حنيفة.
قال مسروق بن الأجدع التابعي الكبير: " وجدت علم أصحاب محمد (ينتهي إلى ستة: إلى علي، وعبد اللَّه (يعني ابن مسعود) ، وعمر، وزيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي بن كعب، ثم وجدت علم هؤلاء الستة انتهى إلى: علي، وعبد اللَّه ".
وقال ابن جرير: " لم يكن أحد له أصحاب معروفون حرروا فتياه ومذاهبه في الفقه غير ابن مسعود، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر، وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله ".
стр. 72
ترجمة الإمام أب يوسف القاضي:
قال الشيخ الكوثري: " هو الإمام الحافظ المتقن المجتهد المطلق أبو يوسف يعقوب ابن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن بحير (بإهمال الحاء) بن معاوية بن قحافة بن نفيل ابن سدوس بن عبد مناف بن أسامة بن سحمة بن سعد بن عبد الله بن قدار بن معاوية
ابن ثعلبة بن معاوية بن زيد بن العوذ بن بجيلة الأنصاري البجلي ﵀.
وسعد والد حبيب صحابي عُرض على النبي ﷺ يوم أحد مع رافع بن خديج، وابن عمر فاستصغره، وشهد الخندق وما بعدها، ثم نزل الكوفة، ومات بها، وصلى عليه
زيد بن أرقم ﵀، وذريته بها.
وأما ميلاد أبي يوسف فقد رووا عن الطحاوي أنه سنة ١١٣هـ، وعليه جرى الأكثرون، لكن ذكر المؤرخ الفقيه أبو القاسم علي بن محمد السمناني المتوفي سنة ٤٩٩ هـ في روضة القضاة - وهي كتاب مفيد في القضاء -: توفي أبو يوسف، وله تسع وثمانون سنة على خلاف في ذلك، ومثله في (مسالك الأبصار) لابن فضل اللَّه
العمري، وإليه يجنح صاحب أخبار الأول، ومؤلف روضات الجنات تقريبا، فيكون ميلاده سنة ٩٣ هـ، بالنظر إلى أن وفاته سنة ١٨٢ هـ في التحقيق، وبين التاريخين (أي: ١١٣، أو ٩٣) تفاوت عظيم كما نرى، ولا يبعد أن يكون ما في غالب الكتب مصلحًا ظنًّا حيث كان ميلاده مكتوبًا في بعض النسخ القديمة هكذا (٩٣) بالرقم، فغُيِّر رقم (٩) إلى لعدم بروز رأس (٩) ، أو انطماسه، فشابه فقرأ القارئ أن ميلاده سنة (١٣) ، ولظهور أن ميلاده لا يكون بهذا القدم عُد هذا بعد المائة الأولى، وإنما حذفت المائة اختصارًا كما هو المعتاد في المئات عند الأمن من الخطأ،
فجرى ذكر رقم (١١٣) كميلاد له فتناقله المؤرخون، كميلاد حقيقي له.
وعن أبي يوسف يقول: كنت أختلف إلى ابن أبي ليلى، وكانت لي عنده منزلة،
وكان إذا أشكل عليه شيء من المسائل يطلب ذلك من وجه أبي حنيفة، وكنت أحب أن أختلف إلى أبي حنيفة، وكان يمنعني الحياء منه، فوقع بيني وبينه (يعني ابن أبي ليلى) سبب ثقل عليه، فاغتنمت ذلك، واحتبست عنه، واختلفت إلى أبي حنيفة.
стр. 73
وعن أبي يوسف قال: كنت أطلب الحديث والفقه، وأنا مُقِلّ، رث الحال، فجاء أبي يوما - وأنا عند أبي حنيفة - فانصرفت معه فقال: يا بني لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة، فإن أبا حنيفة خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش.
فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة، وسأل عني، فجعلت أتعاهد مجلسه، فلما كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه، قال لي: ما شغلك عنا؟.
قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي.
فجلست فلما انصرف الناس دفع إلى صرة، وقال: استمتع بهذه، فنظرت فإذا فيها مائة درهم، فقال لي: الزم الحلقة، وإذا
نفدت هذه فأعلمني.
فلزمت الحلقة، فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مائة أخرى، ثم
كان يتعاهدني، وما أعلمته بخلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكان كأنه يخبر بنفادها حتى استغنيت، وتمولت.
وكان أبو يوسف شديد الملازمة لأبي حنيفة، حتى روى محمد بن قدامة عن شجاع ابن مخلد أنه سمع أبا يوسف يقول: مات ابن لي فلم أحضر جهازه، ولا دفنه، وتركته على جيراني، وأقربائي مخافة أن يفوتني من أبي حنيفة شيء لا تذهب حسرته عني.
وكان أبو يوسف عظيم الإجلال لشيخيه: ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، كبير البر لهما فبذلك نال بركة العلم.
* *
شيوخه:
نشأ أبو يوسف في العلم في تلك البيئة الممتازة (التي يأتي بيانها تحت عنوان المذهب الحنفي، والشورى الجماعية) تحت إشراف مثل أبي حنيفة البارع في التفقيه، فصقل عقله، واتسع أفق فقهه، وأثمرت مواهبه، وظهرت مآثره - بتوفيق اللَّه جل شأنه -
على أن شيخه الآخر في الفقه محمد بن أبي ليلى القاضي طال أمد قضائه في الدولتين الأموية والعباسية، حيث لم يمكن استغناؤهما - على تنافسهما - عن خبرته الواسعة في القضاء على طريقة قضاء علي بن أبي طالب ﵁، وقضاء شريح الممتد من عهد عمر ﵁ إلى زمن الحجاج، فازداد أبو يوسف علما وعملا بأحكام القضاء بما تلقاه من ابن
стр. 74
أبي ليلى من أحكام القضاء، التي ورثها من قضايا علي، وشريح، فيظهر من ذلك أن العلم كان ميسرًا له من كل النواحي، وكل ميسر لما خلق له.
وعن أبي يوسف أنه قال: " صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة لا أفارقه في فطر، ولا أضحي إلا من مرض ".
كما أخذ عن شيوخ آخرين، منهم: أبان بن أبي عياش، وأبو إسحاق الشيباني، وإسماعيل بن أمية، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وعبد الملك بن جريج، والحجاج بن أرطأة، وداود بن أبي هند، والسري بن إسماعيل، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن مهران الأعمش، وسماك بن حرب، وعاصم بن أبي النجود،
وعاصم الأحول، وعبد اللَّه بن سعيد المقبري، وعبيد اللَّه بن عمر، وأخوه عبد اللَّه ابن عمر، وعبد اللَّه بن واقد، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودي، وعطاء بن السائب، وعطاء بن عجلان، وعمرو بن دينار، وعمرو بن ميمون، والليث بن سعد، ومالك بن أنس، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، ومحمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن شعيب،
ومسعر بن كدام، ومنصور بن المعتمر، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن عبد اللَّه التيمي، وغيرهم من حملة العلم من رجال الحجاز والعراق وسائر البلدان.
اجتمع أبو يوسف بمالك - عالم دار الهجرة - عام حجه مع الرشيد، وقد ذكر ذلك وكيع القاضي في أخبار القضاة، وابن أبي العوام في كتابه، وابن عساكر في كشف المغطى.
* *
منزلته وطرفًا من أخباره:
ترجم له الذهبي في تَذْكِرة الحفاظ في عداد حفاظ الحديث، وصدر ترجمته
بقوله: " القاضي أبو يوسف الإمام العلامة فقيه العراق ...
"، ثم قال: " وله أخبار في العلم والسيادة قد أفردته
وأفردت صاحبه محمد بن الحسن رحمهما اللَّه في جزء.
وعن محمد بن الحسن قال: مرض أبو يوسف فَعَادَه أبو حنيفة،
فلما خرج قال: إن
стр. 75
يمت هذا الفتى فهو أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض.
وعن عباس الدوري سمعت أحمد بن حنبل يقول: أول ما كتبت الحديث اختلفت إلى أبي يوسف القاضي فكتبت عنه، ثم اختلفت بعد إلى الناس.
قال: وكان أبو يوسف أميل إلينا من أبي حنيفة ومحمد.
وعن يحيى بن معين قال: " ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث، ولا
أحفظ، ولا أصح رواية من أي يوسف ".
وعن هلال الرأي قالْ "كان أبو يوسف يحفظ التفسير، والمغازي، وأيام العرب، وكان أحد علومه الفقه ".
قال المزني: " كان أبو يوسف أتبعهم للحديث ".
وعن بكار بن قتيبة أنه سمع أبا الوليد الطيالسي يقول: لما قدم أبو يوسف البصرة حاجًّا مع هارون الرشيد اجتمع أصحاب الرأي وأصحاب الحديث على بابه، فطلب كل فريق منهم الدخول إليه أولا، فأشرف عليهم فلم يأذن لفريق منهم، ولم يعنف فريقًا على طلبه الدخول إليه قبل الفريق الآخر، وقال لهم جميعًا: أنا من الفريقين جميعًا، فلا أقدم فرقة على الأخرى، ولكني أسأل الفريقين عن مسألة فأيهم أصاب
الجواب، دخل هو وأصحابه أولًا.
مصنفاته:
وللإمام أبي يوسف ﵀ مؤلفات كثيرة مذكورة في كتب أهل العلم، لكن الذي وصل إلينا من كتبه قليل بالنظر إلي كثرة مؤلفاته.
فمما وصل إلينا كتاب " الآثار " في أدلة الفقه، روى جلها عن أبي حنيفة، وله مسند آخر يُروَى عنه في الكتب، ولم نطلع عليه.
ومما وصل إلينا من مؤلفاته: كتاب " اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة "، وكتاب " الرد على سير الأوزاعي "، وكتاب " الخراج "، وهو رسالته إلى الرشيد في أحكام الأموال ألفها على طلب منه، ومقدمتها تدل على أنه لم يكن يحابي أحدًا في الحق،
ولم يؤلف أحد من أهل طبقته مثيل هذا الكتاب.
وعليه شروح تبرز خباياه، وتستخرج كنوزه وخفاياه.
وينسب إليه كتاب في الخارج والحيل محفوظ بدار الكتب المصرية، وبمكتبة علي باشا
стр. 76
الشهيد في الآستانة، طبعه جوزيف شخت المستشرق الألماني باسم محمد بن الحسن.
وقال محمد بن إسحاق النديم: " لأبي يوسف من الكتب في الأصول والأمالي: كتاب الصلاة، كتاب الزكاة، كتاب الصيام، كتاب الفرائض، كتاب البيوع، كتاب الحدود، كتاب الوكالة، كتاب الوصايا، كتاب الصيد والذبائح، كتاب الغصب، كتاب الاستبراء، ولأبي يوسف إملاء رواه بشر بن الوليد القاضي يحتوي على ستة وثلاثين كتابًا مما فرعه أبو يوسف، وكتاب اختلاف علماء الأمصار، وكتاب الرد على مالك بن أنس، وكتاب رسالته في الخراج إلى الرشيد، وكتاب الجوامع، ألفه ليحيى بن
خالد يحتوي على أربعين كتابًا ذكر فيه اختلاف الناس والرأي المأخوذ به ".
توفي أبو يوسف القاضي ﵀ يوم الخميس وقت الظهر لخمس خلون من شهر ربيع الأول سنة اثنتين وثمانين ومائة.
* * *
ترجمة الإمام محمد بن الحسن:
هو محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة ﵀، وكان أبوه من جند أهل الشام، فقدم واسطًا بالعراق فولد بها محمد سنة اثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة،
وطلب الحديث، وسمع سماعًا كثيرًا، وجالس أبا حنيفة، وسمع منه، ونظر في الرأي فغلب عليه، وعُرف به، وتقدم فيه، وقدم بغداد فنزلها،
واختلف إليه الناس، وسمعوا منه الحديث والرأي، وخرج إلى الرقة وهارون الرشيد فيها فولاه قضاءها، ثم عزله، فقدم بغداد، فلما خرج هارون إلى الري بخراسان الخرجة الأولى أمره فخرج معه،
فمات بالري سنة تسع وثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
* *
شيوخه:
سمع الحديث من أبي حنيفة، ومسعر بن كدام، وسفيان الثوري، وعمر بن ذر، ومالك بن مغول، وكتب أيضًا عن مالك بن أنس، والأوزاعي، وزمعة بن صالح، وبكير بن عمار، وأبي يوسف.
تلاميذه:
سكن بغداد، وحدث بها، روى عنه الشافعي، وأبو سليمان الجوزجاني، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم.
стр. 77
منزلته وطرفًا من أخباره:
عن محمد بن الحسن قال: ترك أبي ثلاثين ألف درهم، فأنفقت خمسة عشر ألفًا على النحو، واللغة، وخمسة عشر ألفًا على الحديث والفقه.
وعن الشافعي قال: قال محمد بن الحسن: أقمت على باب مالك ثلاث سنين
وكسرًا، قال: وكان يقول إنه سمع لفظ أكثر من سبعمائة حديث، وكان إذا حدثهم عن مالك امتلأ منزله، وكثر الناس حتى يضيق عليه الموضع، وإذا حدث عن غير مالك لم يجئه إلا اليسير من الناس فقال: ما أعلم أحدًا أسوأ ثناء على أصحابه منكم، إذا حدثتكم عن مالك ملأتم عليَّ الموضع، وإذا حدثتكم عن أصحابكم إنما تأتون متكارهين.
وعن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة قال: كان لمحمد بن الحسن مجلس في
مسجد الكوفة، وهو ابن عشرين سنة.
وعن الشافعي قال: ما رأيت سمينًا أخف روحًا من محمد بن الحسن، وما رأيت أفصح منه، كنت إذا رأيته يقرأ كأن القرآن نزل بلغته.
وعنه قال: ما رأيت أعقل من محمد بن الحسن.
وعنه قال: كان محمد بن الحسن إذا أخذ في المسألة كأنه قرآن ينزل، لا يقدم
حرفًا، ولا يؤخره.
وعنه قال: كان محمد بن الحسن يملأ العين والقلب.
وعنه قال: حملت عن محمد بن الحسن وَقرِي بُخْتي كتبا.
وعن يحيى بن معين قال: كتبت الجامع الصغير عن محمد بن الحسن.
وعن أبي عبيد: ما رأيت أعلم بكتاب اللَّه من محمد بن الحسن.
وعن إبراهيم الحربي قال: قلت للإمام أحمد: من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟
قال: من كُتب محمد بن الحسن.
وعن محمد بن سماعة قال: قال محمد بن الحسن لأهله: لا تسألوني حاجة من
حوائج الدنيا، تشغلوا قلبي، وخذوا ما تحتاجون إليه من وكيلي، فإنه أقل لهمِّي
стр. 78
وأفرغ لقلبي.
ولقد توفي الكسائي ومحمد بن الحسن في يوم واحد، فقال الرشيد: ذهب اليوم اللغة والفقه، وماتا بالري.
* *
كتب محمد بن الحسن ومصنفاته:
قال الشيخ الكوثري ﵀: لم يصل إلينا من أي عالم في طبقته، كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من محمد بن الحسن، بل كتبه هي العماد للكتب المدونة في فقه المذاهب.
ولا يخفى مبلغ استمداد الكتب المدونة في المذاهب من كتب محمد بن الحسن، فالأسدية التي هي أصل المدونة في مذهب مالك إنما ألفت تحت ضوء كتب محمد، والشافعي إنما ألف قديمه وجديده بعد أن تفقه على محمد، وكتب كتبه، وحفظ منها ما حفظ، وابن حنبل كان يجاوب في المسائل من كتب محمد، وهكذا من بعدهم من الفقهاء.
فأكبر ما وصل إلينا من كتب محمد هو كتاب الأصل المعروف بالمبسوط، وهو الذي يقال عنه إن الشافعي كان حفظه، وألف الأم على محاكاة الأصل، وأسلم حكيم من أهل الكتاب بسبب مطالعة المبسوط هذا قائلًا:
" هذا كتاب محمدكم الأصغر فكيف كتاب محمدكم الأكبر "؟!!
وهو في ستة مجلدات، وكل مجلد منها
نحو خمسمائة ورقة يرويه جماعة من أصحابه مثل أبي سليمان الجوزجاني، ومحمد بن سماعة التميمي، وأبو حفص الكبير البخاري، وقد قدر اللَّه سبحانه ذيوعًا عظيمًا لهذا الكتاب الذي يحتوي على فروع تبلغ عشرات الألوف من المسائل في الحلال والحرام،
لا يسع الناس جهلها، وهو الكتاب الذي كان أبو الحسن بن داود يفاخر به أهل البصرة، وطريقته في الكتاب سرد الفروع على مذهب أبي حنيفة، وأبي يوسف، مع
بيان رأيه في المسائل، ولا يسرد الأدلة حيث تكون الأحاديث الدالة على المسائل بمتناول جمهور الفقهاء من أهل طبقته، وإنما يسردها في مسائل ربما تعزب أدلتها عن علمهم فلو جُودت الآثار من هذا الكتاب الضخم تكون في مجلد لطف.
ومما وصل إلينا من كتبه: الجامع الصغير، وهو كتاب مبارك مشتمل على نحو ألف وخمسمائة واثنتين وثلاثين مسألة
стр. 79
قد ذكر فيه الاختلاف في مائة وسبعين مسألة، ولم يذكر القياس، والاستحسان إلا في مسألتين، وقدر اللَّه - سبحانه - الذيوع البالغ له
أيضًا حتى شرحه أئمة أجلاء استقصى الشيخ عبد الحي اللكنوي في " النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير " ذكر شراحه.
ومن جملة رواته في أثبات الشيوخ: الجوزجاني، وأبو حفص، وعلي بن معبد، وبَوَّبَه أبو طاهر الدباس، والزعفراني، وليس فيه غير سرد المسائل.
وكان سبب تأليفه: أن أبا يوسف طلب من محمد بعد فراغه من تأليف المبسوط أن يؤلف كتابًا يجمع فيه ما حفظ عنه، مما رواه له عن أبي حنيفة فجمع هذا الكتاب، ثم عرضه عليه فقال: نعما حفظ عني أبو عبد اللَّه، إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل.
فقال محمد: أنا ما أخطأت ولكنه نسى الرواية.
ويقال: إن أبا يوسف مع جلالة قدره كان لا يفارق هذا الكتاب في حضر، ولا سفر.
وطبع الجامع الصغير هذا في الهند بتعليق الشيخ عبد الحي اللكنوي، وفي إسطنبول، ومصر.
ومن كتب محمد أيضًا: كتاب السير الصغير، يرويه عن أبي حنيفة، وحاول
الأوزاعي الرد على سير أبي حنيفة، فجاوبه أبو يوسف.
ومنها: الجامع الكبير، وهو كتاب جامع لجلائل المسائل مشتمل على عيون
الروايات، ومتون الدرايات بحيث كاد أن يكون معجزًا، كما يقول الأكمل في شرحه على تلخيص الخلاطي للجامع الكبير.
وقال ابن شجاع فيه: إنه لم يؤلف في الإسلام مثله في الفقه.
وقال الإمام المجتهد أبو بكر الرازي في شرحه على الجامع الكبير: كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع هذا الكتاب في النحو.
ومنها: الزيادات، وزيادة الزيادات ألفهما بعد الجامع الكبير، استدراكًا لما فاته فيه من المسائل، وتُعَدَان من أبدع كتبه، وقد عنى أهل العلم بشرحهما عناية كاملة، وهما من الكتب المروية عنه بطريق الشهرة، وغلط من ذكرهما في عداد النوادر.
ومنها: كتاب السير الكبير، وهو من أواخر مؤلفاته ألفه محمد بعد أن انصرف أبو حفص الكبير إلى بخارى، فانحصرت روايته في البغداديين مثل: الجوزجاني،
стр. 80
وإسماعيل بن توبة القزويني.
وتلك الكتب الستة (أعني: المبسوط، والصغيرين، والكبيرين، والزيادات) : يعد ما حوته من الروايات: ظاهر الرواية في المذهب من حيث إنها مروية بطريق الشهرة، أو التواتر.
وتعد باقي كتب محمد في الفقه غير ظاهر الرواية لورود باقي الكتب بطريق الآحاد دون الشهرة والتواتر.
فمنها: الرَّقِّيَّات، وهي المسائل التي فَرَّعَها محمد بن الحسن حينما كان قاضيًا
بالرقة، رواها عنه محمد بن سماعة، وكان معه طول بقاء محمد بن الحسن بها.
ومنها: الكَيسَانِيات، وهي التي رواها عنه شعيب بن سليمان الكيساني، يرويها الطحاوي عن سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد، ويقال لها: الأمالي.
ومنها: الجُزجَانِيَّات، يرويها علي بن صالح الجرجاني عن محمد.
ومنها: الهارونيات.
وله: كتاب النوادر رواية إبراهيم بن رستم، وآخر رواية ابن سماعة، وآخر رواية هشام بن عبيد اللَّه الرازي، وقد أصبحت تلك الكتب نوادر في الخزانات، كما أن مسائلها تعد نوادر في المذهب.
وله: كتاب الكسب، يقال: إنه مات قبل أن يتمه، وكانوا سألوه أن يؤلف كتابًا في الورع، فجاوبهم بأني ألفت كتابًا في البيوع، يريد أن المرء إذا طاب مكسبه حسن عمله، فلما أصروا على الطلب بدأ في تأليف هذا الكتاب، لكن المنية حالت دون إتمامه، وكان شمس الأئمة السرخسي شرح كتاب الكسب هذا.
وأما الكتب التي تغلب فيها رواية الحديث من كتبه فبين أيدينا منها: كتاب الموطأ تدوين محمد من روايته عن مالك، وفيه ما يزيد على ألف حديث وأثر، من مرفوع وموقوف، مما رواه عن مالك، وفيه نحو مائة وخمسة وسبعين حديثًا عن نحو أربعين شيخًا سوى مالك.
وهذا الموطأ من مسموعات أبي الوليد الباجي من أبي ذر الهروي كما في أواخر شرح الموطأ له (ج ٧ ص ٣٠٠) ، وبه انتشر موطأ محمد بالأندلس، وأسانيد الموطأ برواية محمد مبسوطة في أثبات شيوخنا من المشارقة.
стр. 81
ومن كتب محمد بن الحسن: كتاب الحجة المعروف بالحجج في الاحتجاج على أهل المدينة.
ومنها: كتاب الآثار، يروي فيه عن أبي حنيفة أحاديث مرفوعة، وموقوفة،
ومرسلة، ويكثر جدًّا عن إبراهيم النخعي شيخ الطريقة العراقية، ويروي فيه قليلًا عن نحو عشرين شيخًا سوى أبي حنيفة، وهو كتاب نافع للغاية، ولمشايخنا عناية خاصة بروايته في أثباتهم.
وقد ألف الحافظ ابن حجر " الإيثار بمعرفة رواة الآثار " في رجاله باقتراح صاحبه العلامة قاسم الحافظ، ثم ألف هو أيضًا كتابًا آخر في رجاله.
وكذلك لمحمد مسند أبي حنيفة المعروف بنسخة محمد.
ومن جملة ما يذكره محمد بن إسحاق النديم من مؤلفاته في فهرسته: كتاب
اجتهاد الرأي، وكتاب الاستحسان، وكتاب الحجج يحتوي على كتب كثيرة، وكتاب الخصال، وكتاب الرد على أهل المدينة، وكتاب أصول الفقه "..
انتهى ما أردته من كلام الكوثري.
وقد أطال الشيخ الكوثري في بيان أسانيد بعض كتب محمد بن الحسن المذكورة في أثبات المشايخ، وقال: " وتذكر في غالب الأثبات والمعاجم على اختلاف القرون أسانيد كثير من كتب محمد بن الحسن منها: الآثار، والمسند، والموطأ، والأصول الستة له ...
".
أقول: وقد اتصلت أسانيدنا بحمد اللَّه إلى الإمام محمد بن الحسن، فنرويها بعموم الإجازة عن شيخنا حافظ الوقت الإمام الفقيه المجتهد: أبي الفضل عبد اللَّه بن محمد ابن الصديق الغماري (المتوفي سنة ١٤١٢ هـ) عن شيخه الشيخ زاهد الكوثري بعموم الإجازة بما ذكره من أسانيد.
وقد اتصلت أسانيدنا إلى محمد بن الحسن - بحمد الله - من طرق أخرى لا نطيل بذكرها،
والجدير بالذكر أن الإمام أبا حنيفة توفي وكان محمد في نحو الثامنة عشر من عمره،
ولهذا فرواياته عن الإمام أبي حنيفة لا يمكن أن يكون سمعها كلها، بل لا بد أن تكون مدونة في مذكرات خاصة أخذها عن شيخه أبي يوسف أو غيره، وسمع بعضها القليل من أبي حنيفة نفسه، وذلك أن صحبته لأبي حنيفة لم تكن بمقدار من الزمن يسمح بهذا
стр. 82
الاستيعاب، ولم تكن سنه وقت وفاة أبي حنيفة تسمح له بكل هذه الإحاطة.
وقد تقدم أن أصحاب أبي حنيفة كانوا يدونون آراءه، وخاصة ما كان ينتهي إليه البحث الفقهي، ويسجلون ذلك في الديوان، وهناك غير ذلك من الأخبار التي تؤكد هذا الأمر.
* * *
ترجمة الإمام زفر:
هو أبو الهذيل زفر بن الهذيل العنبري البصري الإمام صاحب أبي حنيفة،
ولد سنة عشر ومائة، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة، وله ثمان وأربعون سنة.
وكان جامعًا بين العلم والعبادة، وكان صاحب حديث، ثم غلب عليه الرأي.
قال ابن أبي حاتم: روى عن حجاج بن أرطأة، روى عنه: أبو نعيم، وحسان بن إبراهيم، وأكثم بن محمد.
قال أبو نعيم: كان زفر ثقة مأمونًا.
دخل البصرة في ميراث أخيه، فتشبث به أهل البصرة فمنعوه الخروج منها.
قال يحيى بن معين: زفر صاحب الرأي ثقة مأمون.
قال ابن قتيبة: توفي بالبصرة.
* * *
مكانة الأصحاب الثلاثة في المذهب الحنفي:
يقول الشيخ الكوثري: خالف زفر بن الهذيل، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن أبا حنيفة في مسائل أصلية وفرعية، كما هو ظاهر من كتب المذهب في الأصول والفروع، ومع ذلك دونت آراؤهم مع آراء أبي حنيفة في كتب المذهبا، وعد الجميع مذهب أبي حنيفة مع هذا التخالف، بل نصوا على أن الفتوى في المذهب على رأي أبي حنيفة مرة، وعلى رأي أحد هؤلاء من أصحابه مرة أخرى على اختلاف مداركهم،
واستُشْكِل ذلك حتى سأل أمير مكة الشريف سعد بن زيد رحمهما اللَّه في شهر شعبان سنة ١٠٥ اهـ قائلًا: ما تقولون في مذهب أبي حنيفة ﵀، وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، فإن كل واحد منهم مجتهد في أصول الشرع الأربعة: الكتاب، والسنة،
стр. 83
والإجماع، والقياس، وكل واحد منهم له قول مستقل غير قول الآخر في المسألة الواحدة الشرعية، وكيف تسمون هذه المذاهب الثلاثة مذهبًا واحدًا، وتقولون: إن الكل مذهب أبي حنيفة، وتقولون عن الذي يقلد أبا يوسف في مذهبه، أو محمدًا أنه حنفي، وإنما الحنفي من قلد أبا حنيفة فقط فيما ذهب إليه؟.
وأجاب عن هذا السؤال الشيخ عبد الغني النابلسي من فقهاء الحنفية في عصره برسالة سماها: (الجواب الشريف للحضرة الشريفة في أن مذهب أبي يوسف ومحمد هو مذهب أبي حنيفة) ارتأى فيها ما خلاصته: أن آراءهما روايات عن أبي حنيفة فتكون أقوالهما من أقوال أبي حنيفة، فيكون عدها في مذهب أبي حنيفة صحيحًا،
واستند في ذلك إلى أقوال مروية عن الإمامين في ذلك.
يقول الكوثري: وليس هذا بجيد، وإن ارتضاه ابن عابدين؛ لأن ذلك تعويل على ما يقوله ابن الكمال الوزير في طبقات الفقهاء من أنهما لا يخالفان الإمام في الأصول، وهذا خلاف الواقع، بل هما يخالفانه في كثير من المسائل الأصلية والفرعية عن دليل كما هو شأن الاجتهاد المطلق، وإنزالهما إلى مرتبة المجتهد في المذهب ينافي الحقيقة، وإنْ حافظا على انتسابهما له ﵀.
بل إطلاق المذهب الحنفي على مجموع آراء هؤلاء اصطلاح ولا مشاحة فيه، بالنظر إلى أن مذهب أبي حنيفة فقه جماعة عن جماعة.
ومصدر كل رأي من تلك الآراء مجتهد مطلق يتابع دليل نفسه، فالإمامان وافقاه فيما علما فيه دليل الحكم كما علم هو، اجتهادًا لا تقليدًا له، كما خالفاه فيما بان الدليل لهما على خلاف رأيه، فالتوافق بينهم في الرأي لا يدل على التقليد، بل يدل
على معرفة البعض دليل الحكم كمعرفة الآخرين، وإلا ما بقى في الوجود مجتهد مطلق لتوافق المجتهدين في معظم المسائل.
ومنشأ ادعاء أن تلك الأقوال كلها أقوال أبي حنيفة: هو ما كان يجري عليه أبو حنيفة في تفقيه أصحابه من احتجاجه لأحد الأحكام المحتملة في مسألة، وانتصاره له بأدلة، ثم كروره بالرد عليه بنقض أدلته، وبترجيحه الاحتمال الثاني بأدلة أخرى، ثم نقضها بترجيح احتمال ثالث بأدلة تدريبًا لأصحابه على التفقه على خطوات ومراحل،
إلى أن يستقر الحكم المتعين في نهاية التمحيص، ويدون في الديوان في عداد المسائل
стр. 84
الممحصة، فمنهم من ترجح عنده غير ما استقر عليه الأمر من تلك الأقوال باجتهاده الخاص، فيكون هذا المترجح عنده قوله من وجه، وقول أبي حنيفة من وجه آخر، من حيث إنه هو الذي أثار هذا الاحتمال، ودلل عليه أولًا، وإن عدل عنه أخيرًا.
ويدل على ذلك قول أبي يوسف: ما قلت قولًا خالفت فيه أبا حنيفة إلا وهو قول قد قاله أبو حنيفة، ثم رغب عنه.
وحكى الكردري عن النيسابوري: أن أبا يوسف لما ولي القضاء دخل عليه إسماعيل ابن حماد بن الإمام، وتقدم إليه خصمان، فلما جاء أوان الحكم قضى برأي الإمام.
فقال له: كنت تخالف الإمام في هذا.
قال: إنما كنا نخالفه لنستخرج ما عنده من
العلم، فإذا جاء أوان الحكم ما يرتفع رأينا على رأي الشيخ.. اهـ.
ومثله عن محمد بن الحسن.
وعن محمد بن الحسن قال: كان أبو حنيفة قد حمل إلى بغداد فاجتمع أصحابه
جميعًا، وفيهم أبو يوسف، وزفر، وأسد بن عمرو، وعامة الفقهاء المتقدمين من أصحابه، فعلموا مسألة أيدوها بالحجاج، وتنوقوا في تقويمها، وقالوا: نسأل أبا حنيفة أول ما يقدم.
فلما قدم أبو حنيفة كان أول مسألة سئل عنها تلك المسألة، فأجابهم بغير ما
عندهم، فصاحوا به من نواحي الحلقة: يا أبا حنيفة بَلَّدَتْكَ الغربةُ.
فقال لهم: رفقًا رفقًا ماذا تقولون؟ قالوا: ليس هكذا القول.
قال: بحجة أم بغير حجة؟ قالوا: بل بحجة.
قال: هاتوا فناظرهم، فغلبهم بالحجاج حتى ردهم إلى قوله، وأذعنوا أن الخطأ منهم، فقال لهم: أعرفتم الآن؟ قالوا: نعم.
قال: فما تقولون فيمن - نرعم أن قولكم
هو الصواب، وأن هذا القول الخطأ؟ قالوا: لا يكون ذاك قد صح هذا القول، فناظرهم حتى ردهم عن هذا القول.
فقالوا: يا أبا حنيفة ظلمتنا، والصواب كان معنا.
قال: فما تقولون فيمن يزعم أن هذا القول خطأ، والأول خطأ، والصواب في قول ثالث، فقالوا: هذا ما لا يكون.
قال: فاستمعوا، واخترع قولًا ثالثًا، وناظرهم عليه
حتى ردهم إليه.
فأذعنوا، وقالوا: يا أبا حنيفة علمنا.
قال: الصواب هو القول الأول
الذي أجبتكم به لعلة كذا وكذا، وهذه المسألة لا تخرج عن هذه الثلاثة الأنحاء، ولكل منها وجه في الفقه ومذهب، وهذا الصواب فخذوه، وارفضوا ما سواه.. اهـ.
стр. 85
وهكذا كان تدربيه لأصحابه على الفقه، وتمرينه على مدارج التفقه، فمثله يكون كثير الذكر للاحتمالات في المسائل، وقد يترجح عند هذا ما لا يترجح عند ذاك من أصحابه، فيكون هو مثير أغلب تلك الاحتمالات، فمعظم تلك المسائل الخلافية من
تذكير الإمام لأصحابه، فلا يكون مانع من إطلاق المذهب الحنفي على مسائل أبي يوسف، ومحمد أيضًا بملاحظة حال معظمها.
وعن أبي يوسف قال: "كان أبو حنيفة إذا وردت عليه المسألة قال: ما عندكم فيها من الآثار، فإذا روينا الآثار، وذكرنا، وذكر هو ما عنده، نظر فإن كانت الآثار في أحد القولين، أكثر أخذ بالأكثر، فإذا تقاربت، وتكافأت؟ نظر فاختار ".
وهو الذي كان يقول لأصحابه: " لا يحل لأحد أن يقول بقولي ما لم يعلم من أين قلت ".
وهذه الطريقة هي التي ملأت الآفاق فقهًا وغوصًا، ولم تكن صدور الفقهاء من غير هؤلاء تتسع للأخذ والرد المتواصلين في المسائل هكذا، بل كان أغلبهم يكتفون بإملاء من عندهم، بدون مناقشة في الغالب، مقتصرين في الإجابة على النوازل والوقائع، إلا أن الشافعي كان ارتوى من المعينين الحجازية، والعراقية، فكان يتلقى الأخذ والرد
بصدر رحب، فملأ العالم بالمسائل التقديرية، وخدم نضوج الفقه، كافأ اللَّه الجميع على جميلهم في خدمة الفقه، ورضي عنهم أجمعين، ولكل وجهة.
* * *
المذهب الحنفي والشورى الجماعية:
ويؤكد ما سبق من الصبغة الجماعية للمذهب الحنفي العديد من الوقائع التي تبرز هذه الناحية، بالإضافة إلى ما امتازت به الكوفة رواج العلوم ومحرة العلماء؛ فعن أنس ابن سيرين أنه قال: " أتيت الكوفة، فرأيت فيها أربعة آلاف يطلبون الحديث، وأربعمائة قد فقهوا ".
وبهذا يعلم مبلغ أهمية الكوفة في الحديث والفقه والقراءة والعريية ووجه توارث علومهم جماعة عن جماعة إلى أقدم نبع فياض، وفي هذه البيئة كان المجمع الفقهي الذي يتكون من أربعين عالماً يرأسهم أبو حنيفة في تحقيق المسائل، وتدوينها بعد تمحيصها بالدلائل، وكان هذا مما امتازت به الكوفة.
قال ابن أبي العوام: حدثني الطحاوي كتب إليَّ ابن أبي ثور قال: أخبرني نوح أبو سفيان قال لي المغيرة بن حمزة: " كان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا معه الكتب
стр. 86
أربعين رجلاً كبراء الكبراء ".
وقال أسد بن الفرات أيضًا بهذا السند: قال لي أسد بن عمرو: " كانوا يختلفون عند أبي حنيفة في جواب المسألة فيأتي هذا بجواب، وهذا بجواب، ثم يرفعونها إليه، ويسألونه عنها، فيأتي الجواب من كثب - أي من قرب - وكانوا يقيمون في المسألة ثلاثة أيام ثم يكتبونها في الديوان ".
وضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم، اجتهادًا منه في الدين، ومبالغة في النصيحة للَّه ورسوله والمؤمنين، فكان يلقى المسائل مسألةً مسألةً، ويسمع ما عندهم، ويقول ما عنده ويناظرهم شهرًا، أو أكثر حتى يستقر أحد الأقوال فيها، ثم يثبتها أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها، وهذا يكون أولى
وأصوب، وإلى الحق أقرب، والقلوب إليه أسكن وبه أطيب، من مذهب من انفرد فوضع مذهبه بنفسه، ويرجع فيه إلى رأيه "..
انتهى ما أردته من كلام الكوثري رحمه اللَّه تعالى.
* * *
أسس المذهب الحنفي:
١ - يمتاز مذهب أبي حنيفة بالفقه التقديري في مسائل لم تقع، ويفرض وقوعها، وقد كثر هذا النوع عند أهل القياس، لأنهم إذ يحاولون استخراج العلل للأحكام الثابتة بالكتاب، والسنة يوجهونها، فيضطرون إلى فرض وقائع، لكي يسيروا بما اقتبسوا من
علل الأحكام في مسارها واتجاهها، فيوضحونها بالتطيق على وقائع مفروضة، وقد توسع أبو حنيفة في الفقه التقديري إلى مدى لم يسبق إليه، وسلك الفقهاء من بعده مسلكه فكانوا يفرضون مسائل أحيانًا ويفتون فيها، وكان في ذلك نمو عظيم للفقه والاستنباط.
٢ - وقد نص الإمام أبو حنيفة على أصوله التي بنى عليه مذهبه، فروى الخطب في تاريخه عنه: " آخذ بكتاب الله، فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ ، فإن لم أجد في كتاب اللَّه ولا سنة رسول اللَّه ﷺ ، أخذت بقول الصحابة، آخذُ بقول من شئتُ
منهم، وأدع من شئت منهم، ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم، فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، وابن سيرين، والحسن، وعطاء، وسعيد بن المسيب -
стр. 87
وعَدَّدَ رجالا - فقوم اجتهدوا، فأجتهد كما اجتهدوا ".
٣ - ويقول الموفق المكي: " وكلامُ أبي حنيفة أخذٌ بالثقة، وفرار من القبح، والنظر في معاملات الناس، وما استقاموا عليه، وصلحت عليه أمورهم، يمضي الأمور على القياس، فإذا قبح القياس يمضيها على الاستحسان، ما دام يمضي له، فإذا لم يمض له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به، وكان يوصل الحديث المعروف الذي قد أجمع عليه،
ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغًا، ثم يرجع إلى الاستحسان، أيهما كان أوفق رجع إليه....
قال: كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي ﷺ عن أصحابه، وكان عارفا بحديث أهل الكوفة،
شديد الاتباع لما كان عليه ببلده ".
٤ - وعلى ذلك تكون الأدلة الفقهية عند أبي حنيفة سبعة: الكتاب، والسنة، وأقوال الصحابة، والإجماع، والقياس، والاستحسان، والعرف.
٥ - وفقهاء الرأي، وعلى رأسهم أبو حنيفة يرون أن السنة مبينة للكتاب إن احتاج إلى بيان، وإن كانت الحاجة إلى بيان في نظرهم أقل من الحاجة في نظر فقهاء الأثر.
٦ - والحنفية يفرقون بين أمر ثابت بالقرآن إذا كانت الدلالة قطعية، وأمر ثابت بالسنة الظنية، والثابت بالقرآن من الأوامر فرض، والثابت بالسنة الظنية من الأوامر واجب، وكذلك المنهي عنه في القرآن حرام، إذا لم يكن ثمة ظن في الدلالة، والثابت بالسنة الظنية مكروه كراهة تحريمية مهما تكن الدلالة، وذلك لتأخر رتبة السنة الظنية عن القرآن الكريم من حيث الثبوت من جهة، والاستدلال بها على الأحكام من
جهة أخرى.
٧ - ولا يعني هذا مخالفة الإمام للسنة - كما اتهمه بها منتقصوه، وهو بريء من ذلك - وقد كان يقول: " ما جاء عن رسول اللَّه ﷺ فعلى الرأس والعين بأبي وأمي، وليس لنا مخالفته، وما جاء عن الصحابة تخيرنا، وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال ".
٨ - ومن أصول الإمام المقررة: أن القياس مؤخر عن النص، وقد توهم مخالفوه أنه
стр. 88
يقدمه على النص، وقد قال ﵀: "كذب واللَّه وافترى علينا من يقول إننا نقدم القياس على النص، وهل يحتاج بعد النص إلى القياس ".
٩ - والأحاديث المتواترة حجة عند أبي حنيفة، ولم يعرف عنه أنه أنكر خبرًا
متواترا، وأنى يكون ذلك، كما يعلم من خلال فروعه الفقهية أنه كان يرفع المشهور إلى مرتبة قريية من اليقين، حتى إنه يصل إلى درجة تخصيص القرآن الكريم، والزيادة به على أحكامه.
١٠ - كما يتبين من فروع الفقه المروية عن أبي حنيفة وأصوله أنه كان يأخذ
بأحاديث الآحاد، ويتخذ منها سنادًا لأقيسته وأصولها، ولقد كان أبو حنيفة وأصحابه يشترطون في الراوي ما اشترطه سائر الفقهاء والمحدثين من العدالة والضبط، ولكن الحنفية شددوا في تفسير معنى الضبط بأكثر مما شدد فيه غيرهم، نظرًا لكثرة الكذب على النبي ﷺ في الكوفة، كما يقدمون رواية الفقيه على غير الفقيه عند التعارض.
١١ - وقد اختلف العلماء في حقيقة موقف أبي حنيفة إذا تعارض خبر الآحاد مع القياس، أيرد خبر الآحاد لمخالفته القياس، وتعتبر هذه المخالفة علة في الحديث، أم يقبل الحديث، ويهمل القياس؛ لأنه لا قياس مع النص؟.
١٢ - فعامة فقهاء الأثر لا يجعلون للرأي مجالًا عند وجود الحديث، ولو كان
آحادًا طالما كان صحيحًا، ولا يشترطون فقه الراوي، ولا موافقة القياس.
١٣ - أما الحنفية فيرون أنه لا يرد خبر الراوي غير الفقيه المخالف للقياس جملة، بل يجتهد المجتهد، فإن وجد له وجهًا من التخريج، بحيث لا ينسد فيه باب الرأي مطلقا قُبِلَ، بأن كان يخالف قياسا، ولكنه يوافق من بعض الوجوه قياسًا آخر، فلا يترك ذلك الخبر، بل يعمل به، وهذا معنى قولهم: لا يترك خبر الواحد العدل الضابط غير الفقيه
إلا للضرورة، بأن ينسد فيه باب الرأي من كل الوجوه.
١٤ - ولهذا نرى فروعًا كثيرة عن أبي حنيفة أخذ فيها بالحديث وترك القياس، وفروعًا أخرى أخذ فيها بالقياس وخالف خبرًا روى فيها رأى مخالفته للقواعد العامة.
стр. 89
١٥ - فأبو حنيفة ما كان يقدم القياس المستنبط عند تعارض الأوصاف وتصادم الأمارات على الحديث، فلم يكن يقدم مطلق القياس على خبر الآحاد، بل القياس القطعي، ويعد الخبر المخالف شاذًّا.
١٦ - وعلى هذا فأبو حنيفة يقبل أخبار الآحاد إذا لم تعارض قياسًا، كما يقبلها أيضًا إن عارضت قياسًا علته مستنبطة من أصل ظني، أو كان استنباطها ظنيًّا ولو من
أصل قطعي، أو كانت مستنبطة من أصل قطعي وكانت قطعية، ولكن تطيقها في الفرع ظني.
أما إذا عارض خبر الآحاد أصلًا عائًا من أصول الشرع ثبتت قطعيته،
وكان تطيقه على الفرع مطعيًّا فأبو حنيفة يضعف بذلك خبر الآحاد، وينفي نسبته إلى رسول اللَّه ﷺ ، ويحكم بالقاعدة العامة التي لا شبهة فيها.
١٧ - أما القياس: فإن مسلك أبي حنيفة في فهم النصوص كان يؤدي إلى الإكثار من القياس، إذ لا يكتفي بمعرفة ما تدل عليه من أحكام، بل يتعرف من الحوادث التي اقترنت بها وما ترمى إليه من إصلاح الناس، والأسباب الباعثة، والأوصاف التي تؤثر في الأحكام وعلى مقتضاها يستقيم القياس.
ْ١٨ - أما الاستحسان: فكما عرفه الكرخي: أن يعدل المجتهد عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها لوجه أقوى يقتضي العدول عن الأول.
فأساس الاستحسان أن يجيء الحكم مخالفًا قاعدة مطردة لأمر يجعل الخروج عن القاعدة أقرب إلى الشرع من الاستمساك بالقاعدة.
١٩ - أما العرف العام: فيرى الحنفية أنه حيث لا نص، فإن الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي، وأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص، فحيث لم يجد في الفرع نص، ولم يمض له قياس ولا استحسان نظر إلى ما عليه تعامل الناس، ولهذا نجد مسائل كثيرة خالف فيها المتأخرون أبا حنيفة وأصحابه، لأن العرف تقاضاهم هذه المخالفة في الفرع.
* * *
طبقات علماء الحنفية:
قال الشيخ عبد الحي اللكنوي في النافع الكبير: " ثم إن علم إمامنا (يعني أبا حنيفة)
قد انتقل بواسطة تلامذته ومن بعدهم إلى بلاد شاسعة، وتفرقت فقهاء مذهبنا في مدن
واسعة، فمنهم أصحابنا المتقدمون في العراق، ومنهم مشايخ بلخ، ومشايخ خراسان،
стр. 90
ومشايخ سمرقند، ومشايخ بخارى، ومشايخ بلاد أخرى: كأصبهان، وشيراز، وطوس، وزنجان، وهمدان، واستر آباد، وبسطام - ومرغنيان، وفرغانة، ودامغان، وغير ذلك من المدن الداخلة في أقاليم ما وراء النهر، وخراسان، وآذربيجان، وخوارزم، وغزنة، وكرمان إلى جميع بلاد الهند، وغير ذلك من بلاد العرب والعجم ... ".
ولنشرع في بيان الطقبات - طبقات العلماء - فنقول:
اعلم أن المجتهد ضربان:
أحدهما: المجتهد المطلق، وهو صاحب الملكة الكاملة في الفقه، والنباهة، وفرط البصيرة، والتمكن من استنباط الأحكام من أدلتها، المستقل بذلك كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وغيرهم.
وثانيهما: المجتهد في مذهب إمام معين، قالوا: وهو الذي يحقق أصول إمامه، وأدلته، ويتخذ نصوصه أصولًا يستنبط منها الفروع، وينزِّل عليها الأحكام، نحو ما يفعله بنصوص الشارع فيما لم يقدر على الاستنباط فيه من الأدلة الأربعة، وهؤلاء وإن لم يبلغوا رتبة الاجتهاد المطلق، وتقاصروا في الفقه عن رتبة المجتهدين اجتهادًا مطلقًا، لكنهم ليسوا بمُقَلِّدين، بل هم أصحاب نظر واستدلال وبصارة في الأصول، وخبرة
تامة بالفقه، ولهم محل رفيع في العلم، وفقاهة النفصر، ونباهة الفكر، وقدرة وافية في الجرح والتعديل، والتمييز بين الصحيح والضعيف، وقَدَمٌ عالٍ في الحفظ للمذهب،
стр. 91
والنضال عنه، والذب عن أحكامه، وتلخيص المسائل، وبسط الأدلة، وتقرير الحجة، وتزييف الشبهة، وكانوا يفتون ويُخَرَّجُون.
، فهؤلاء على الحقيقة مجتهدون في بعض
المسائل، لا في كلها، وغير مستقلين باستنباط الأحكام، بل يستعينون في جميع ما ذكر بما بينَه أئمتهم من طرق الاستنباط، وتعيين الأدلة.
ثم بعد هؤلاء طوائف آخرون يتفاوتون في العلم بين ثقة وضعيف في الرواية، وكامل وقاصر في الفقه والدراية، وترتيب الطبقات على هذا الوجه لا يختص به أهل عصر دون عصر، بل المراد من الطبقات على الاتصاف بالصفات، لا على التقدم في الزمان، وإلا فكم من متقدِّم في الزمان وهو مُقَلِّد، لا يفقه من الدليل شيئًا، وكم من متأخِّر في الزمان بلغ رُتْبَة الاجتهاد كما هو معلوم بالبداهة.
وقد قال أحمد بن سليمان الرومي المعروف بابن كمال باشا أحد العلماء المشهورين في الدولة العثمانية: " فقهاء الأصحاب على سبع طبقات: الأولى: المجتهدون في الشرع كالأئمة الأربعة، ومن يحذون حذوهم في تأسيس قواعد الأصول، واستنباط الأحكام والفروع من الأدلة من غير تقليد لأحد لا في الفروع ولا في الأصول.
الثانية: المجتهدون في المذهب، كأصحاب أبي حنيفة الثلاثة، ومن سلك مسلكهم في استخراج الأحكام على القواعد التي قررها إمامهم، فهم وإن خالفوه في بعض الأحكام قلدوه في قواعد الأصول، وبذلك يمتازون عن المخالفين له في الأصول والفروع.
الثالثة: المجتهدون في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف، والطحاوي، والكرخي، وشمس الأئمة الحلوائي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضيخان، وأمثالهم ممن لا يقدرون على المخالفة لصاحب المذهب: لا في الأصول، ولا في الفروع، وإنما يستنبطون الأحكام فيما لا نص فيه عن المجتهد في
الشرع على حسب أصوله التي قررها، ومقتضى قواعده التي استنبطها.
الرابعة: المُقَلِّدون من أصحاب التخريج، وهم الذين لا يقدرون على الاجتهاد
стр. 92
أصلًا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول، وضبطهم المَأْخَذ يقدرون على تفصيل قول مُجْمَل ذي وجهين، وحكم محتمِل لأمرين منقول عغ أحد المجتهدين، وهم أصحاب التخريج كالرازي (أبو بكر) ، وأقرانه.
الخامسة: أصحاب الترجيح من المقلدين كأبي الحسين القدوري، وصاحب
الهداية، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض، بقولهم: هذا أوفق للقياس، وأرفق بالناس.
السادسة: المقلِّدون القادرون على التمييز بين: الأقوى، والقوي، والضعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرواية، والرواية النادرة، وغيرها، كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة: الكنز، والمختار، والوقاية، والمجمع، وغير هم.
السابعة: المقُلِّدون الذين لا يقدرون على ما ذكر، ولا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين، يجمعون ما يجدون كحاطب ليل " انتهى كلام ابن كمال ملخصا..
وكذا ذكره عمر بن عمر الأزهري المصري (ت ١٠٧٩ هـ) في آخر كتابه الجواهر النفيسة شرح الدرة المنيفة في مذهب أبي حنيفة.
كما ذكره التميمي في طبقاته بحروفه، ثم قال: " وهو تقسيم حسن جدًّا ".
قال اللكنوي: " وكذا ذكره من جاء بعده مقلدًا له، إلا أن فيه أنظارًا شتى، من جهة إدخال من في الطبقة الأعلى في الأدنى، قد أبداها الفاضل هارون بن بهاء الدين، شهاب الدين المرجاني ".
قال المرجاني: وأقول بل هو بعيد عن الصحة بمراحل، فضلا عن حسنه جدا،
стр. 93
فإنه تحكمات باردة، وخيالات فارغة، وكلمات لا روح لها، وألفاظ غير محصلة المعنى، ولا سلف له في هذه الدعوى، وإن تابعه عليها من جاء عقبه، من غير دليل يتمسك به، ومهما تسامحنا معهم في عد الفقهاء والمتفقهة على هذه المراتب السبع - وهو غير مسلم لهم -: لا نسلم الخطأ الفاحش الذي وقع في تعيين رجال الطبقات، وترتيبهم على هذه الدرجات.
فما معنى قوله: إن أبا يوسف، ومحمدًا، وزفر، وإن خالفوا الإمام أبا حنيفة في بعض الأحكام: يقلدونه في قواعد الأصول.
فما الذي يريد من الأصول التي يقلدون فيها؟.
فإن أراد منها الأحكام الكلية التي يبحث عنها في كتب أصول الفقه: فهي قواعد عقلية، وضوابط برهانية، يعرفها الإنسان من حيث إنه ذو عقل، وصاحب فكر ونظر صحيح، سواء كان مجتهدًا، أو غير مجتهد، فلا تعلق لها بكون الإنسان مجتهدًا أم لا، ولا معنى لأن هؤلاء الأئمة يقلدون أبا حنيفة فيها وشأنهم أرفع وأجل من أن يقلدوا فيها أحدًا.
ولا شك أن مرتبتهم في الفقه كمراتب سائر المجتهدين الذين في عصرهم، ومن بعدهم.
قال الخطيب البغدادي: قال طلحة بن محمد بن جعفر: " أبو يوسف مشهور
الأمر، ظاهر الفضل، وأفقه أهل عصره، ولم يتقدمه أحد في زمانه، وكان على النهاية في العلم، والحكم، والرئاسة، والقدرة، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وأملى المسائل، ونشرها في أقطار الأرض ".
وقال محمد بن الحسن: " مرض أبو يوسف، وخيف عليه، فعاده أبو حنيفة، فلما خرج من عنده، قال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم مَن على الأرض "، مع كثرة المجتهدين، وأكابر الفقهاء في هذا العصر ببلاد العراق وغيرها.
وكذلك محمد بن الحسن أيضًا قد بالغ الشافعي في مدحه والثناء عليه، وقال الربيع ابن سليمان: كتب إليه الشافعي، وقد طلب منه كتبًا فاخرة:
стр. 94
قل للذي لم تر عيني ... ممن رآه مثله
ومن كان من رآه ... قد رأى من قبله
العلم ينهي أهله ... أن يمنعوه أهله
لعله يبذله ... لأهله لعله
فأنفذ إليه الكتب.
وقال إبراهيم الحربي: قلت لأحمد بن حنبل:
من أين لك هذه المسائل الدقيقة؟
قال: من كتب محمد بن الحسن.
وقال الحسن بن أبي مالك، من تلاميذ أبي يوسف:
لم يكن أبو يوسف يدقق هذا التدقيق الشديد.
وقال عيسى بن أبان: هو أفقه من أبي يوسف ﵀.
وقد ذكر القاضي عبد الرحمن بن خلدون المالكي في مقدمته: أن الشافعي رحل إلى العراق، ولقى أصحاب أبي حنيفة،
وأخذ عنهم، ومزج طريقة أهل الحجاز بطريقة أهل العراق،
واختص بمذهب، وكذلك أحمد بن حنبل أخذ عن أصحاب أبي حنيفة مع وفور بضاعته في الحديث، فاختص بمذهب ".
ألا ترى أنه لما ادَّعَى بعض الشافعية رجحان القول بمفهوم الصفة والشرط على القول بنفيه بكون الشافعي ﵀ قال به مع سلامة طبعه، واستقامة فهمه، وغزارة علمه، وصحة النقل عنه، وكثرة أتباعه.
وقال ابن الهمام وآخرون: بأن هذه الكمالات متحققة أيضًا في محمد بن
الحسن، مع تقدُّم زمانه، وعُلُوِّ شأنه، وهو قائل بنفيه.
وأما زفر: فقد قال فيه أبو حنيفة: هذا إمام من أئمة المسلمين، وإنه أقيس أصحابي.
وقال المزني: هو أَحَدُّهُمْ قياسًا.
وكفى بذلك شهادة له، ولكل واحد من هؤلاء الأئمة الثلاثة أصول مختصة
به، تَفَرَّدَ بها عن أبي حنيفة، وخالفه فيها.
ومن ذلك: أن الأصل في تخفيف النجاسة تعارُض الأدلة عند أبي حنيفة،
واختلاف الأئمة عندهما، وأن المجاز خلفٌ عن الحقيقة في التكلُّم، أو في الحكم، وغير ذلك كثير كما هو مُبَيَّن في كتب الأصول.
стр. 95
بل قال الغزالي: إنهما خالفا أبا حنيفة في ثلثي مذهبه.
ونقل النووي في كتابه تهذيب الأسماء واللغات عن أبي المعالي الجويني: أن كل ما اختاره المزني أرى أنه تخريج مُلْتَحَقٌ بالمذهب، فإنه لا يخالف أقوال الشافعي، لا كأبي يوسف ومحمد، فإنهما يخالفان أصول صاحبهما.
وأحمد بن حنبل لم يذكره الإمام أبو جعفر الطبري في عداد الفقهاء، وقال: إنما هو من حفاظ الحديث.
وقال ابن خلدون: " وأما أحمد بن حنبل فمُقَلِّده قليل لبعد مذهبه عن الاجتهاد.
وقال: إن الحنفية أهل البحث والنظر، وأما المالكية فليسوا بأهل نظر ".
فكيف يعد ابن كمال باشا الإمام أحمد بن حنبل من طبقة المجتهدين، ولا يكون أبو يوسف، ومحمد، وزفر منها، وليس معنى كون أبي يوسف، ومحمد، وزفر وأمثالهم حنفيين دون مالك، والشافعي، وأحمد، وأمثالهم -: أنهم مُقَلِّدون لأبي حنيفة في الأصول، أو في الفروع، بل معنى ذلك أنهم تعاونوا وتناصروا على نشر مذهبه، وإذاعة علمه، وتتلمذوا له، وأخذوا العلم عنه، وتفقَّهوا عليه، ولازموه ونقلوا مذهبه،
ولم يميزوا مذاهبهم عنه، وقد أفتوا به في بعض الحوادث، وتجردوا لتحقيق أصوله وفروعه، وعينوا أبواب مسائله وفصولها، ومهدوا قواعده بحيث يستفاد منها الأحكام، واستنبطوا من أقواله قوانين صحيحة، وطرائق قويمة، يتعرَّف بها المعاني في تضاعيف الكلام، وبالغوا في بيان مذهبه لمن يتمسك به، لاعتقادهم أنه أعلم وأورع وأحق بالاقتداء به، والأخذ بقوله، وأوثق للمفتي، وأرفق للمستفتي، ولذلك قال مسعر بن كدام: " من جعل أبا حنيفة يينه وبين اللَّه تعالى رجوت أن لا يخاف عليه، ولم يكن
فرط على نفسه في الاحتياط "، وكان مقام مسعر في الفقه مقامًا لا يلحق، شهد له بذلك أهل صناعته خصوصًا مالكًا.
ومن ذلك الوجه امتاز أصحاب أبي حنيفة بأنهم حنفيون، دون ما خالفه كالأئمة الثلاثة وغيرهم، لا لأنهم لم ييلغوا مرتبة الاجتهاد المطلق، بل مع نشرهم مذهب شيخهم، والانتصار له نجدهم نشروا آراءهم بين الخلق أيضًا، واحتجوا لها بالكتاب، والسنة، والقياس، والإجماع، بحيث لو لم يخالطوها بمذهب أبي حنيفة، لكان لكل واحد منهم
مذهب مُنْفَرِد عن مذهب الإمام، مخالفًا له أصولًا وفروعًا في كثير من المواضع.
وإن أراد ابن كمال باشا من الأصول التي قلدوا فيها أبا حنيفة: الأدلة الأربعة من:
стр. 96
الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، في الأخذ بها، واستنباط الأحكام منها -:
فلا سبيل له إلى ذلك؛ لأن هذه الأدلة مُستَنَد كل إمام، ومَرجُع كل مجتهد في أخذ الأحكام منها، فلا يتصور أن واحدًا منهم يخالف الآخر في شيء منها، أو أن واحدًا منهم يعد مُقَلِّدا الآخر في موافقته له في ذلك، بل كل مسلِم مُكَلَّف قادر على أخذ الحكم منها يتعين عليه ذلك شرعًا، وإن لم يكن مجتهدًا، وإن كان مراده أنهم يقلدون
أبا حنيفة في قوله: " إن قول الصحابي، ومُرسَل الأحاديث مما يحتج به، وإن
الاستصحاب، والمصالح المرسلة لا يحتج بها "، فهذا ليس من التقليد في شيء، بل هذا من قبيل موافقة رأي المجتهد لرأي مجتهد آخر، فموافقة رأيهم لرأي الإمام لقيام الحجة عندهم على ذلك كما قامت عليه عنده -: لا يعد تقليدًا.
ألا ترى أن مالكًا قائل بحجية الأحاديث المرسلة، والشافعي قائل بعدم حجية
المصالح المرسلة، ولم يكن واحدا منهم مُقَلِّدًا لأبي حنيفة فيما وافقه؟.
ألا ترى أن الجميع اتفقوا على أن كلا من: الإجماع، وخبر الآحاد، والقياس
حجة، ولم يعد ذلك تقليدًا من البعض للبعض الآخر؟ ولو كان موافقة مجتهد لمجتهد آخر في حكم تقليدًا لاقتضى إجماع المجتهدين على حكم أن يكون كل واحد منهم مُقَلِّدًا للآخر فيه، فلا يكون إجماعًا من المجتهدين، والمفروض أنه إجماع منهم.
وقد نقل عن أبي بكر القفال، وأبي علي بن خيران، والقاضي حسين من الشافعية أنهم كانوا يقولون: " لسنا مُقَلِّدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه ".
وهذا هو الظاهر أيضًا من حال الإمام أبي جعفر الطحاوي في أخذه بمذهب أبي
حنيفة، واحتجاجه له، وانتصاره لأقواله، حيث قال في أول كتاب شرح الآثار:
"أذكر في كل كتاب ما فيه الناسخ والمنسوخ، وتأويل العلماء، واحتجاج بعضهم على بعض، وإقامة الحجة لمن صح عندي قوله منهم، ريثما يصح فيه مثله من: كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو تواتر من أقاويل الصحابة، أو تابعيهم ﵃ أجمعين ".
وأما قول ابن كمال باشا في الخصاف، والطحاوي، والكرخي: " أنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة، لا في الأصول، ولا في الفروع "، فليس بصحيح، بل هو مخالف للواقع، فإن ما خالفوا فيه أبا حنيفة من الأحكام لا يعد، ولا يحصى، ولهم اختيارات في الأصول والفروع، وأقوال مستنبطة، احتجوا عليها بالمنقول والمعقول، كما لا يخفى على من تتبع كتب الفقه، خصوصًا الخلافيات.
стр. 97
وقد انفرد الكرخي عن أبي حنيفة وغيره في: أن العام بعد التخصيص لا يبقى حجة أصلًا، وأن خبر الواحد في حادثة تعم بها البلوى، ومتروك المحاجة به عند الحاجة كل منهما ليس بحجة أصلًا.
وانفرد أبو بكر الرازي المعروف بالجصاص بأن العام الخصوص حقيقة إن كان الباقي جمعًا، وإلا فمجاز، وهذا كله من مسائل الأصول.
ثم إن ابن كمال باشا عد أبا بكر الرازي الجصاص من المقلِّدين الذين لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، وهو تنزيل لأبي بكر الرازي عن محله الرفيع، فإن شأنه في العلم جليل، وباعه ممتد في الفقه، وكعبه عالٍ في الأصول، وقَدَمُه فيها راسخ، ووطأته شديدة، وبطشه قوي في معارك النظر والاستدلال، ومن تتبع تصانيفه كتفسيره المسمى
ب " الأحكام " وغيره علم أنه من كبار الأئمة المجتهدين، قال شمس الأئمة الحلوائي فيه: " هو رجل كبير معروف في العلم، وإنّا نقلده ونأخذ بقوله "، فكيف يجعل ابن كمال باشا شمس الأئمة الحلوائي صاحب هذه المقالة مجتهدًا في المسائل، وأبا بكر الرازي مُقَلِّدًا لا يقدر على الاجتهاد أصلًا، فيقضى أن شمس الأئمة الحلوائي، وهو مجتهد يقلد أبا بكر الرازي، وهو مُقَلِّد، وقد ذكر في الكشف الكبير ما يدل على أنه أفقه من أبي منصور الماتريدي.
وقال قاضيخان في التوكيل بالخصومة: " يجوز للمرأة المخدرة أن توكل، وهي التي لم تخالط الرجال بكرًا كانت، أو ثيبًا، كذا ذكره أبو بكر الرازي، وعامة المشايخ أخذوا بما ذكره أبو بكر الرازي ﵀ ".
وقال في الهداية: " ولو وكلت المرأة المخدرة، قال الرازي: يلزم التوكيل منها، ثم قال: وهذا شيء استحبه المتأخرون".
وقال ابن همام ﵀: " هو قول الإمام الكبير أبو بكر الجصاص أحمد بن على الرازي، يعني: أما على ظاهر إطلاق الأصل وغيره عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا فرق بين: البكر، والثيب، والمخدرة، والمبرزة، والفتوى على ما اختاروه من ذلك، وحينئذ فتخصيص الرازي، ثم تعميم المتأخرين، ليس إلا لفائدة أنه المبتدي بتفريع ذلك وتبعوه " اهـ من الفتح.
فانظر إلى ابن كمال باشا كيف عَدَّ قاضيخان من المجتهدين في المسائل، وانظر إلى قاضيخان كيف يأخذ هو ومشايخه العظام بقول أبي بكر الرازي، الذي جعله
стр. 98
ابن كمال باشا مُقَلِّدا لا يقدر على الاجتهاد أصلا، وهو الذي ابتدأ بتفريع هذا القول على خلاف قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، وتبعه المتأخرون، وأفتوا بقوله، وآرائه، وقد أكثر شمس الأئمة السرخسي - وهو تلميذ شمس الأئمة الحلوائي - في كتبه من النقل عن أبي بكر الرازي، والاستشهاد بآرائه، والأخذ بها.
وبالجملة فممن تفقه علي أبي بكر الرازي: أبو جعفر الاستروشني، وهو أستاذ القاضي أبي زيد الدبوسي، وأبو على حسين بن خضر النسفي، وهو أستاذ شمس الأئمة الحلوائي، وقد علمتَ أن السرخسي من تلاميذ الحلوائي، وأما قاضيخان فهو من أصحاب أصحابه.
ولعل ابن كمال باشا فهم من قول علمائنا: " كذا في تخريج الرازي " أن وظيفة الرازي هي التخريج فقط، مع أن أبا حنيفة وأصحابه قد خَرَّجوا قول ابن عباس في " تكبيرات العيدين أنها ثلاث عشر تكبيرة " بحملها على الزوائد فقط.
وخَزَجَ أبو الحسن الكرخي قول أبى حنيفة، ومحمد في تعديل الركوع والسجود، وجعله واجبًا، وأبو عبد اللَّه الجرجاني حمله على السُّنِّيَّة.
ونظائر ذلك في تخريجات كحيرة وقعت من الأئمة المجتهدين، وما ضرهم ذلك في اجتهادهم، فأبو بكر الرازي كذلك لا يجعله تخريجه في مرتبة أنزل من مرتبته.
وقد جعل ابن كمال باشا الإمام أبا الحسين القدوري، وصاحب الهداية من الطبقة الخامسة أصحاب الترجيح، وجعل قاضيخان من المجتهدين، مع أن الإمام القدوري توفي سنة ٤٢٨ هـ، والحلوائي ٤٥٦ هـ، والسرخسي في حدود ٤٩٠ هـ، كما سبق
والبزدوي ٤٨٢ هـ، وقاضيخان ٥٩٣ هـ، فالقدوري مُتَقَدم على: الحلوائي، والسرخسي، والبزدوي، وقاضي خان، مع كونه أعلى منهم كعبا، وأطول باعا في
الفقه، فكيف يعد هؤلاء من المجتهدين في المسائل، ولا يعد القدوري منهم.
نعم إن الخصاف، والطحاوي، والكرخي متقدِّمون على القدوري، فإن الخصاف توفي ٢٦١ هـ، والطحاوي ٣٢١ هـ، والكرخي ٣٤٠ هـ، وأما أبو بكر الرازي الجصاص
فوفاته كانت في ٣٧٠ هـ، كذا في طبقات التميمي، وتراجم العلامة قاسم، وأما صاحب الهداية فوفاته كانت في ٥٩٣ هـ في السنة التي توفي قاضيخان فيها، وكان صاحب الهداية هو المشار إليه في عصره، والمعقود عليه الخناصر من علماء وقته.
وقد ذكر في الجواهر وغيرها: أنه أقر له أهل عصره بالفضل والتقدم، كالإمام فخر
стр. 99
الدين قاضيخان، والإمام زين الدين العتابي، وغيرهما، وقال: " إنه فاق على أقرانه، بل على شيوخه في الفقه، وأذعنوا له به "، فكيف تُنَزَّل مرتبته عن مرتبة قاضيخان، مع أنه أحق منه بالاجتهاد، وأثبت فيما يقتضيه؟
على أنه قال في الطبقة الخامسة: " إن شأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض إلى آخره "، وقال في الطبقة السادسة: " إنهم قادرون على التمييز بين: القوي، والأقوى، والضعيف " إلى آخره فلم يكن فَرقٌ بين شأن الطبقتين في المعنى، كما هو ظاهر واضح.
وبعد ذلك لا ندري بأي شيء علم مقادير هؤلاء الأئمة، وما بينهم من التفاوت، مع أنه لم يكن في عصرهم، بل عمله هذا دل على أنه لم يكن يعرف كثيرًا منهم،
وكان الواجب عليه أن يرجع إلى تراجمهم، وما دَوَّنُوه في كتبهم إن أراد أن يَتَهَجَّمَ عليهم، ويضع لكل واحد من الفقهاء مرتبة أعلى، أو أنزل.
وإن كان الفقهاء في كل عصر إنما يُعْرَفون بالأوصاف الفاضلة أحياءً، وبالآثار
أمواتًا، ولا عبرة بتقدُّم الزمان، ولا بتأخُّره، بل الفقهاء كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها، وفضل اللَّه واسع لا يتقيد بزمان، ولا مكان، ولا بشخص دون شخص، على ما يشير إليه قوله تعالى: (وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) .
يريد واللَّه أعلم أن كل آية يأتي بها اللَّه إذا جَزَدَ الناظر نظره إليها قال: هي أكبر الآيات، فإنه لا يتصور أن يكون كل آية أكبر من
الأخرى من كل وجه للتناقض ".
وقد كان ابن كمال باشا مفتيًا في الدولة العثمانية عالماً جليلًا، ولكنه كان كثيرًا ما يشتبه عليه حال الفقهاء، فيجعل الواحد منهم اثنين، والاثنين واحدًا، وئقدم المؤخَّر منهم، ويؤخر المقدَّم، ويَنسب كثيرًا من الكتب إلى غير مصنفيها، والعصمة للَّه وحده ثم لرسوله ﷺ من بعده.
وإنما تعرَّضنا لما قاله ابن كمال باشا على الوجه المتقدم لإحقاق الحق، ومخافة أن يكون ما فعله حدًّا لمَن بعده، فلا يتجاوزونه إلى غيره، فلو نُقِلَ إليهم قولٌ عن كبار العلماء الذين أنزل ابن كمال باشا درجتَهم اغتروا بذلك، ويقولون إنه ليس من طبقة المجتهدين في المسائل، لأنه لم يذكر في طبقات ابن كمال باشا، خصوصًا وقد تبعه مَنْ بعده جماعة كثيرون.
ومن الواضح الجَلِي أن ابن كمال باشا لم يذكر من فقهاء الحنفية في طبقاته إلا النزر
стр. 100
اليسير، مع أنه رفع من شاء، وخففمنهم من شاء، ولم ينزل كل واحد منهم منزلته.
وقد روى عن عائشة رضي اللَّه تعالى عنها أنها قالت: " أمرنا رسول اللَّه ﷺ أن ننزل الناس منازلهم "، صححه الحاكم وغيره.
وكلهم أئمة الدين، ودعاة الحق واليقين، ولكن اللَّه فَضَّلَ بعضهم على بعض، ورفع بعضهم فودتى بعض درجات، واللَّه يختص برحمته من يشاء، واللَّه ذو الفضل
العطم، (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤) .
والذي قَفَلَ اللَّهُ بابَه، وختمه ومنعه على الرجال والنساء من الفضائل إنما هو النبوة والرسالة، فلا نبي ولا رسول بعد سيد الخلق ﷺ ، على الإطلاق، وما عداهما من صفات الكمال لا يزال في الأمة المحمدية باقيا، متجددًا إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن
عليها، وهو خير الوارثين، (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) .
وهو القائل: " لا يزال الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة، ولا يزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم إلى يوم الدين " صلى اللَّه وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين..
انتهى كلام الشيخ بخيت ﵀ فيما نقله من كلام الشهاب المرجاني ملخصًا.
وقد قسم اللكنوي طبقات الحنفية تقسيمًا آخر فقال ﵀: " راعلم أن لأصحابنا الحنفية خمس طبقات:
الأولى: طبقة المتقدمين من أصحابنا: كتلامذة أبي حنيفة، نحو أبي يوسف،
ومحمد، وزفر، وغيرهم، وهم كانوا يجتهدون في المذهب، ويستخرجون الأحكام من الأدلة الأربعة على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم - فإنهم وإن خالفوه في بعض الفروع لكنهم قلدوه في الأصول - بخلاف مالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم، فإنهم يخالفونه في الفروع غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد.
والثانية: طبقة أكابر المتأخرين: كأبي بكر الخصاف، والطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، والحلوائي، والسرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وقاضيخان، وصاحب الذخيرة "، " والمحيط البرهاني ": الصدر برهان الدين محمود، والشيخ طاهر أحمد صاحب " النصاب " " وخلاصة الفتاوى "، وأمثالهم، فإنهم يقدرون على الاجتهاد في
стр. 101
صفحة ناقصة
стр. 102
المتأخرون منهم على منهاجهم.
وجرت عادة أهل خراسان، ولا سيما ما وراء النهر في القرون الوسطى،
والمتأخرة على أن يلقبوا فقهاءهم بالألقاب النبيلة، ويصفوهم بالأوصاف الجليلة، فيقولون: شمس الأئمة، فخر الإسلام، صدر الشريعة، الإمام الأجل الزاهد، الإمام الفقيه، وهكذا.
فالواجب على الناظر في طبقات الفقهاء وأحوالهم أن ينظر إلى آثارهم وأقوالهم، لا إلى الألقاب، والأوصاف، ولا يعوَّل عليها في إعطاء الدرجات.
قال اللكنوي: وهذا في الأزمان المتأخرة، وأما في الأزمنة المتقدمة فكلهم بريئون من أمثال ذلك، وقال أبو عبد اللَّه القرطبي في شرح الأسماء الحسنى: قد دل الكتاب والسنة على المنع من تزكية الإنسان نفسه، قال علماؤنا: ويجري هذا المجرى ما كثر في الديار المصرية وغيرها من بلاد العرب والعجم من نعتهم أنفسهم بالنعوت التي تقتضي
التزكية، والثناء كزكي الدين، ومحيي الدين، وعلم الدين وشبه ذلك..
انتهى.
وفي " تنبيه الغافلين " لمحصي الدين النحاس عند ذكر المنكرات: " فمنها ما عمت به البلوى في الدين من الكذب الجاري على الألسن، وهو ما ابتدعوه من الألقاب ":
محيي الدين، ونور الدين، وعضد الدين، وغياث الدين، ومعين الدين، وناصر الدين، ونحوها من الكذب الذي يتكرر على الألسنة حال النداء، والتعريف، والحكاية، وكل هذا بدعة في الدين ومنكر ".
قال اللكنوي: هذا إذا لم يكن من وصف به أهلًا له، أو كان أهلًا وأراد به تزكية نفسه.
* * *
أعلام الحنفية:
نذكر هنا ما تمس الحاجة إليه، ونحيل من أراد التوسع على الفوائد البهية للكنوي وخاتمتها، وغيرها من طبقات الحنفية.
قال اللكنوي: تعيين المبهمات وعلمه من المهمات، فإن كثيرًا من أصحابنا ذكروا
стр. 103
في الكتب الفقهية وغيرها على سبيل الإبهام بالوصف، أو النسبة، أو الكنية من دون تعيين الأعلام، فيشكل على الناظر تعيين أعلامهم، بل يشتبه أحدهم بثانيهم، إذا اتحدوا في أوصافهم.
والنسبة قد تكون إلى اسم بعض الأجداد: كالعَقيلي بالفتح، والعُبادي بالضم، والمحبوبي، والسياري، والصاعدي، والحافظي، ونحو ذلك.
وقد تكون إلى حرفة: كالصائغي، والصباغي.
وقد يكون إلى قرية أو بلد: كالأتقاني، والنسفي، والبلخي، والخيزاخزي،
والسرخكي، والسرخكتي، والكرخي، والبردعي، والسرخسي، وغير ذلك.
وقد يكون إلى قبيلة، أو بطن.
وعلم النسب وضبطه مما يهتم به، ويحتاج إليه في كثير من المواضع، وأجل الكتب التي تفيد فيه كتاب الأنساب لأبي سعد عبد الكريم السمعاني، فإن فيه بسطًا بسيطًا، ومع ذلك فقد فاته شيء كثير.
* *
فمنهم:
أبو الليث: نصر السمرقندي ت ٣٧٢ هـ.
أبو بكر الإسكاف: محمد بن أحمد البلخي.
أبو بكر الجوزجاني: أحمد بن إسحاق.
أبو بكر الدامغاني: أحمد بن محمد.
أبو بكر الرازي: أحمد بن على الجصاص ت ٣٧٠ هـ.
أبو بكر الفضلى؟ محمد بن الفضل.
أبو جعفر الطحاوي: أحمد بن محمد بن سلامة.
أبو حفص الصغير: محمد بن أحمد بن حفص.
أبو حفص الكبير: أحمد بن جعفر.
أبو زيد الدبوسي: عبيد اللَّه بن عمرت ٤٣٠ هـ.
أبو سعيد البردعي: أحمد بن الحسن.
أبو سليمان الجوزجاني: موسى بن سليمان.
стр. 104
أبو طاهر الدباس: محمد بن محمد بن سفيان.
أبو يوسف القاضي: يعقوب بن إبراهيم ت ١٨٢ هـ.
الأتقاني: قوام الدين أمير كاتب صاحب غاية البيان.
الأكمل: أكمل الدين البابرتي محمد بن محمد بن محمود صاحب العناية
ت ٧٨٩ هـ.
الإسبيجابي: أبو المعالي محمد بن أحمد، وأبو نصر أحمد بن منصور.
إمام الحرمين: إمام الحرمين لقب لإمامين كبيرين حنفي وشافعي.
فالحنفي: أبو المظفر يوسف القاضي الجرجاني، كما ذكره صاحب حماة في تاريخه.
والشافعي أبو المعالي عبد الملك أعلم المتأخرين من أصحاب الشافعي، كذا قال أحمد الحموي في حواشي الأشباه والنظائر في القاعدة الثانية، وكذا قال القاري، وذكر في نحسب الأول: يوسف بن إبراهيم بن محمد بن يوسف.
قال اللكنوي: أرخ اليافعي وفاة الثاني سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وقال: إنه أقام بمكة أربع سنين يدرس ويفتي، ولذا قيل له: إمام الحرمين، ويحتمل أن يكون على وجه التفخيم، كما هو العادة في أقوالهم ملك البحرين، وقاضي الخافقين.
إمام الهدى: أبو الليث نصر السمرقندي ت ٣٧٢ هـ.
إمام زاده: صاحب شرعة الإسلام، حد بن أبي بكر الجوغي.
ابن الثلجى: محمد بن شجاع.
ابن الساعاتي: أحمد بن علي، صاحب مجمع البحرين، كان أبوه معروفًا
بالساعاتي ت ٦٩٤ هـ.
ابن الهمام: محمد بن عبد الواحد، صاحب فتح القدير، ذكر الحموي في حواشي الأشباه أن اللام الداخلة على الهمام عوض عن المضاف إليه، وهو جزء علم، أي: همام الدين، وذكر الطحطاوي في حواشي الدر المختار، وابن أي شريف المقدسي في شرح المسايرة أن همام الدين لقب لوالده عبد الواحد.
ابن خزيمة: ابن خزيمة الحنفي هو محمد بن خزيمة مات سنة أربع عشرة وثلثمائة، وابن خزيمة الشافعي محمد أيضًا مات سنة إحدى عشرة وثلثمائة، قاله علي القاري.
ابن كمال باشا: أحمد بن سليمان الرومي، صاحب الإيضاح والإصلاح.
стр. 105
ابن ملك: عبد اللطف، كان والد جده موسوما بفرشتا فنسب إليه.
الإستروشني: أبو جعفر الإستروشني، مذكور بكنيته في الطبقات، ومجد الدين محمد بن محمود بن حسين الإستروشني.
البخاري: علاء الدين عبد العزيز بن أحمد.
برهان الإسلام: رضي الدين السرخسي محمد بن محمد، وبرهان الإسلام
الزرنوجي مترجم بلقبه كذلك.
برهان الدين: برهان الدين الكبير، وبرهان الأئمة عبد العزيز بن عمر بن مازة، وبرهان الدين صاحب المحيط البرهاني محمود بن أحمد، وبرهان الدين المطرزي ناصر ابن عبد السيد، وبرهان الدين الخريفعني أحمد بن أسعد.
البزدوي: جماعة: خر الإسلام علي بن محمد، كني بأبي العسر؛ لأن تصانيفه
دقيقة عسر الفهم على أكثر الناس.
وأخوه محمد بن محمد، وكني بأبي اليسر ليسرة
تصانيفه، وأبو المعالي البزدوي صدر الأئمة أحمد بن أبي اليسر.
وأبو ثابت البزدوي
الحسن بن فخر الإسلام.
البقالي: زين الدين محمد بن أبي القاسم.
البلخي: أبو معاذ خالد بن سليمان من تلامذة أبي حنيفة، وأبو عبد اللَّه محمد بن سلمة، وأبو مطيع الحكم بن عبد الئه، وأبو نصر محمد بن سلام، وجماعات غيرهم.
البيهقي: البيهقي نسبة لإمامين كبيرين، أحدهما حنفي، وهو إسماعيل بن الحسين صاحب كتاب الشامل.
والآخر شافعي، وهو: أحمد بن الحسن صاحب السنن،
مات سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، كذا قال القاري.
قال اللكنوي: وهما غير البيهقي صاحب تاج المصادر في اللغة، فإنه أحمد بن علي ابن محمد، المعروف بجعفرك، كان إمامًا في النحو، واللغة، والتفسير، صنف المحيط في لغات القرآن، وتاج المصادر، وينابيع اللغة، مات سَلْخَ رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ذكره السيوطي في البغية.
تاج الشريعة: محمود بن صدر الشريعة الأكبر أحمد بن عبيد الله المحموبي.
التركماني: عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، وابنه أحمد، وأخوه علي، وابنه
عبد اللَّه بن علي، وأخوه عبد العزيز.
стр. 106
تمجيد زاده: مصلح الدين مصطفى بن إبراهيم.
التمرتاشي: ظهير الدين أحمد بن إسماعيل شارح الجامع الصغير، وهو المعروف بالظهير التمرتاشي.
الجامع: نوح بن أبي مريم.
الجامي: نور الدين عبد الرحمن بن محمد.
الجرجاني: الجرجاني نسبةُ حنفي، وهو: محمد بن يحيى بن مهدي تفقه عليه
القدوري، والناطفي، مات سنة ثمان وسبعين وثلثمائة.
وشافعي، وهو: محمد بن الحسن، له وجوه حسنة في المذهب، مات سنة ست وثمانين وثلثمائة، قاله القاري.
قال اللكنوي: ونسبة حنفي آخر، وهو أبو عبد اللَّه يوسف، ونسبة السيد الشريف.
الجصاص: أحمد بن علي.
جلبي - ملا - باشا: جلبي بالجيم الفارسية المفتوحة، ثم اللام ثم الباء الفارسية، ثم الياء المثناة التحتية اشتهر به جماعة من علماء الروم، كأخي جلبي يوسف بن جنيد صاحب ذخيرة العقبى حاشية شرح الوقاية، وحسن جلبي محشي التلويح، والمطول،
وغيرهما، وعبد القادر قدري جلبي، وسليمان بن خليل جلبي، ومحيي الدين جلبي محمد بن علي بن يوسف الفناري، وقد ظن كثير من أهل العصر ومن قبلهم أنه نسبة إلى بلدة أو نحوه، فمن ثم تراهم يقولون: قال الفاضل الجلبي كذا وكذا، وليمر كذلك، بل هو لفظ رومي معناه: سيدي، نص عليه السخاوي في ترجمة حسن جلبي، فهو
كلفظ مولانا، وسيدنا، وسيدي، وملا المستعملة للعلماء في بلادنا.
وكذلك لفظ باشا مستعمل للتعطم لعلماء بلاد الروم كابن كمال باشا، ويعقوب باشا، ونحو ذلك.
الجوزجاني: أبو بكر أحمد بن إسحاق، وأبو سليمان موسى بن سليمان.
الحاصري: نور الدين علي بن محمد.
حافظ الدين: حافظ الدين الكبير محمد بن محمد، وحافظ الدين النسفي أبو
البركات عبد اللَّه بن أحمد، وحافظ الدين البزازي محمد بن محمد، وحافظ الدين الظاهري محمد بن محمد بن الحسن.
حجة الإسلام: محمد بن أحمد الكعبي.
الحسام: حسام الدين الأخسيكثي محمد بن محمد مؤلف المنتخب الحسامي،
стр. 107
وحسام الدين السغناقي الحسن بن علي صاحب النهاية، والحسام الشهيد عمر بن عبد العزيز بن عمر بن مازه، وحسام الدين العليابادي محمد، وحسام الدين علي بن أحمد الرازي.
الحسن: الحسن إذا ذكر مطلقًا في كتب أصحابنا فالمراد به الحسن بن زياد اللؤلؤي،
وإذا ذكر مطلقًا في كتب التفسير فالمراد به الحسن البصري، كذا قال الأتقاني في غاية البيان حاشية الهداية، نقلًا عن شيخه برهان الدين الخريفعني.
الحصيري: نظام الدين وهمام الدين أحمد بن محمد.
الحناطي: علاء الدين سديد بن محمد.
الخاصي: نجم الدين يوسف بن أحمد.
الخبازي: جلال الدين عمر بن محمد.
الحصاف: أحمد بن عمر بن مهير.
الخلاطي: صدر الدين محمد بن عباد.
خواجه زاده: مصطفى بن يوسف.
خواهر زاده: المشهور بخواهر زاده عند الإطلاق اثنان محمد بن الحسين البخاري،
ومحمد بن محمود الكردري، نقله في الجواهر المضية في ترجمة محمد بن الحسين، وضبطه السمعاني بضم الخاء المعجمة، وفتح الواو والهاء بينهما ألف، وبعد الهاء راء ساكنة، ثم زاي معجمة، وبعدها ألف، ثم دال مهملة، معناه: ابن أخت عالم، وكذا ذكره صاحب الجواهر المضية.
وقال الكفوي في ترجمة محمد بن الحسين: قد علمنا من هذا التصحيح أنهما لا
يحسنان الفارسية، فإن في واو خواهر زاده وجهين: الأول: رسمي والألف ثابت، والخاء مفتوحة.
والثاني: لفظي، والألف دليل الإمالة، والواو على كلا الوجهين غير
مفتوحة، ولفظ زاده بالزاي المعجمة، والدال الهملة مشتقة من زائيدن بمعنى التوليد، وخواهر مثل خواجه، فإن في واوه وجهين، وقد يطلق على أعزة الناس لقصد التعظيم،
مثل: خواجه يوسف الهمداني، وخواجه عبد الخالق العجدواني، والطائفة النقشبندية يقولون لمشايخهم خواجه، كأنهم يريدون تعظيمهم.
الخيالي: أحمد بن موسى الرومي.
стр. 108
الدهستاني: إبراهيم بن محمد.
الرستغفني: أبو الحسن علي بن سعيد.
الرفمي: رضي الدين الصغاني الحسن بن محمد، ورضي الدين القونوي إبراهيم بن سليمان، ورضي الدين البرهاني عبد اللَّه بن المظفر.
ركن الأئمة: عبد الكريم الصباغي، وعبد الكريم بن محمد.
ركن الإسلام: ركن الإسلام الواعظ محمد بن أبي بكر صاحب شرعة الإسلام، وركن الإسلام أبو بكر الكرماني محمد بن عبد الرشيد، وركن الإسلام أبو الفضل الكرماني عبد الرحمن بن محمد بن أميرويه، وركن الإسلام الزاهد الصفار إبراهيم بن إسماعيل.
ركن الدين: محمد بن محمد العميدي، ومسعود بن الحسين الكشاني.
الريغدموني: أبو نصر جمال الدين أحمد بن عبد الرحمن بن إسحاق، وحفيده
جلال الدين حامد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن.
الزاهدي: نجم الدين مختار.
الزعفراني: الزعفراني اشتهر به إمامان كبيران حنفي وشافعي.
فالحنفي: محمد بن
أحمد بن أحمد بن محمد بن عبدوس، مات سنة ثلاث وتسعين وثلثمائة.
والشافعي:
الحسن بن محمد بن الصباح، روى عنه أبو داود، والترمذي، مات سنة تسع وأربعين
بعد المائتين، كذا قال القاري.
قال اللكنوي: ولنا زعفراني آخر مشهور، وهو الحسن
ابن أحمد، مرتب الجامع الصغير، والزيادات.
الزمخشري: جار اللَّه محمود بن عمر.
الزيلعي: صاحب " نصب الراية تخريج أحاديث الهداية " جمال@ الدين عبد اللَّه بن
يوسف.
والزيلعي: شارح الكنز فخر الدين عثمان بن علي، وهو شيخ الأول.
سبط ابن الجوزي: يوسف بن فرغلي.
السروجي: أبو العباس أحمد بن إبراهيم.
السعد التفتازاني: مسعود بن عمر.
السغدي: أبو الحسن علي بن الحسين، وعطاء بن حمزة.
السمعاني: أبو منصور محمد بن عبد الجبار.
стр. 109
السيد أبو شجاع: محمد بن أحمد بن حمزة.
السيد السند والسيد الشريف: علي بن محمد، ويلقب أيضا: بالشريف الجرجاني.
الشاشي: الشاشي اشتهر به إمامان جليلان من المذهبين، فالحنفي: أبو علي أحمد ابن محمد بن إسحاق، جعل له الكرخي التدريس لما أصابه الفالج، مات سنة أربع وأربعين وثلثمائة.
والشافعي: أبو بكر محمد بن إسماعيل، عرف بالقفال مات سنة
أربع عشرة وثلثمائة بالشاش، كذا قال القاري.
قال اللكنوي: ولنا شاشي آخر، وهو أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم.
وأما المختصر في علم الأصول المعروف بأصول الشاشي، المتداول في زماننا، الذي أوله: " الحمد للَّه الذي أعلى منزلة المؤمنين بكريم خطابه ...
" إلخ، فذكر صاحب الكشف أن اسمه الخمسين،
وأنه لنظام الدين الشاشي، قيل: كان سن المصنف لما صنفه خمسين سنة، فسماه به.
وشرحه الولى محمد بن الحسن الخوارزمي الشهير بشصر الدين الشاشي أوله: " الحمد
للَّه الذي أعلى معالم الشرع " إلخ، أتمه سنة إحدى وثمانين وسبعمائة..
انتهى.
وأما من الشافعية فاثنان مشهوران بالشاشي: أحدهما: أبو بكر محمد بن علي
القفال الكبير الشاشي له كتاب في أصول الفقه، وشرح الرسالة، وأخذ عنه محمدُ بن جرير الطبري، ومحمدُ بن خزيمة، وتوفي سنة ست وستين وثلثمائة على ما ذكره السمعاني، وسنة ست وثلاثين وثلثمائة على ما ذكره أبو إسحاق الشيرازي.
وثانيهما:
فخر الإسلام محمد بن أحمد بن الحسين الشاشي، المتوفى سنة سبع وخمسمائة، وهو المعروف بالمستظهري تلميذ أبي إسحاق الشيرازي.
ولهم قفال آخر غير شاشي، وهو: عبد الله بن أحمد القفال المروزي، حذق في صنعة القفل، حتى عمل قفلًا مفتاحه وزن أربع حبات، فلما صار ابن ثلاثين اشتغل بالفقه، وأخذ عنه القاضي حسين، وأبو محمد الجميني، وابنه إمام الحرمين، وهو صاحب قصة الصلاة الشهورة بحضرة السلطان محمود، وتوفى سنة سبع عشرة وأربعمائة، كذا ذكره اليافعي في مرآة الجنان، في حوادث سنة ٣٦٧، وبه يظهر خطأ
القاري حيث أرخ وفاة القفال الشاشي سنة أربع عشرة وثلثمائة.
لثرف الأئمة: محمود الترجماني، وعمر بن محمد العقيلي.
شرف الرؤساء: محمد بن محمد الخوارزمي.
الشريف الجرجاني: علي بن محمد، ويلقب أيضًا: بالسيد السند، والسيد
الشريف.
стр. 110
شمس الأئمة: شمس الأئمة لقب جماعة من الفقهاء الحنفية الكبار مثل: الحلوائي، والسرخسي، ومحمد بن عبد الستار الكردري، ومحمود الأوزجندي. وفي ما عدا
السرخسي يطلق مقيدًا كتب أصحابنا بالاسم أو النسبة، أو بهما: كشمس الأئمة الحلوائي، وشمس الأئمة الكردري، وشمس الأئمة الزرنجري، وشمس الأئمة محمود الأوزجندي، وغير ذلك، كذا قال الكفوي في ترجمة بكر الزرنجري.
الصابوني: نور الدين أحمد بن محمد.
صاحب الحاوي: في حواشي الأشباه للسيد أحمد الحموي عند شرح الديباجة: قيل: الحاوي لأصحابنا اثنان: الحاوي القدسي، وأظنه لرجل متأخر كان يسمى قاضي القدس، ولا أعرف تفصيل ترجمته، والحاوي الحصيري وهو للشيخ محمد بن أنويق
الحصيري، كان من تلامذة شمس الأئمة السرخسي، وترجمته بذيل تاريخ بغداد للسمعاني، ولم يذكره عبد القادر في طبقاته، ولا الشيخ قاسم بن قطلوبغا.. انتهى.
قال اللكنوي: بقى حاوي ثالث وهو حاوي الزاهدي، مؤلفه صاحب القنية، وهو عزيز الوجود، ورأيت عند بعض شيوخنا منه نسخة.. انتهى.
قال اللكنوي: ذكر ابن الشحنة في هوامش الجواهر أن الحاوي القدسي للقاضي جمال الدين أحمد بن محمد بن نوح القابسي الغزنوي الحنفي، المتوفى في حدود سنة ستمائة، وإنما قيل له القدسي؛ لأنه صنفه في القدس، نقلته من خط تلميذه حسن بن علي النحوي.. انتهى.
كذا نقله صاحب الكشف، ثم قال: ورأيت على ظهر نسخة
منه أن مصنفه الإمام محمد الغزنوي، أوله: " الحمد للَّه الذي هدانا لدين الإسلام " إلخ.. انتهى.
ثم ذكر صاحب الكشف الحاوي للزاهدي مختار بن محمود الزميني،
أوله: " الحمد للَّه الذي أوضح معالم العلوم " إلخ.
ثم ذكر الحاوي في الفروع لنجم الدين أبي شجاع، وأبي الفصائل بكير التركي المتوفى سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
وذكر ابن أمير حاج في شرح منية المصلى أن مؤلف الحاوي القدسي فرغاني.
صاحب الفصول العماديه: زين الدين أبو الفتح عبد الرحيم السمرقندي.
صاحب المحيط: المحيط حيث أطلق يراد به النسخة الكبرى من محيط رضي الدين محمد بن محمد السرخسي، كذا نقله صاحب الكشف عن حواشي الدرر
следующие страницы →