← Фикх шафии

Фикх шафии · id 279

إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

أبو المعاطي الشبراوي

Полный текст (499 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مصرِفَ الزَّكاةِ؛ لأنَّه حقٌّ واجبٌ في المستفادِ من الأرضِ، فأشبهَ الواجبَ في الزُّروعِ والثِّمارِ، فَتُخْرَجُ زكاتُه فورَ الحصولِ عليه. «فَصْلٌ» في زكاةِ الفِطْر قال أبو شجاع ﵀: «وَتَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: ١ - الْإِسْلامُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «فَرَضَ رَسُولَ اللهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، على الْعَبْدٍ والْحُرِّ والذَّكَرٍ والأُنْثَى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ» (١). ٢ - «وَغُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ»؛ لأنَّها مضافةٌ إلى الفِطْرِ، والفِطرُ منه، كما سبق في لفظِ الحديثِ. ٣ - «وَوُجُودُ الْفَضْلِ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ فِي ذَلَكَ الْيَوْمِ»، كلُّ مَن لم يفضلْ عن قوتِه وقوتِ مَن في نفقتِه ليلةَ العيدِ ويومَه ما يُخرجُه في الفِطرةِ؛ فهو معسرٌ، غيرُ قادرٍ، والمعسرُ لا زكاةَ عليه، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال أبو شجاع ﵀: «وَيُزَكِّي عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ تَلْزَمْهُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ صَاعًا مِنْ قُوتِ بَلَدِهِ، وَقَدْرُهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ

стр. 142

بِالْعِرَاقِيِّ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: «كنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَومَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ والأَقِطَ والتَّمْرَ» (١). ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «أمرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونَ» (٢). «فَصْلٌ» في مصارف الزكاة قال أبو شجاع ﵀: «وَتُدْفَعُ الزَّكَاةُ إِلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وَإِلَى مَنْ يُوجَدُ مِنْهُمْ»، ذكرت الآيةُ مُستحقِّي الزَّكاةِ، وهم: الفقراءُ: وحدُّ الفقيرِ ألَّا يكونَ له مالٌ ولا كسْبٌ، أو له مالٌ أو كسبٌ ولكن لا يقعُ موقعًا من حاجتِه، كمن يحتاجُ إلى عشَرةٍ -مثلًا- ولا يملكُ إلا درهمينِ، وملْكُ الدَّارِ التي يسكنُها والثَّوبِ الذي يتجمَّلُ به لا يسلبُه اسمَ الفقرِ. والمساكينُ: وحدُّ المسكينِ أن يكونَ له شيءٌ يسدُّ مسدًّا مِن

стр. 143

حاجتِه، ويقعُ موقعًا من كفايتِه، ولكنَّه لا يكفِيه، كمَن يحتاجُ إلى عشَرةٍ فلا يجدُ إلا ثمانيةً. والعاملون عليها: وهم العمالُ والجُبَاةُ الذين يستعينُ بهم الإمامُ في جمْعِ الزَّكاةِ وتوزيعِها. والمؤلفةُ قلوبهم: وهم المسلمون حديثُو العهدِ بالإسلامِ، والذين يُتوقَّعُ بإعطائِهم أنْ يقوَى إسلامُهم. وفي الرِّقابِ: وهم المكاتَبونَ الذين تعاقدوا مع المالِكين لهم على أنْ يجلِبوا إليهم أقساطًا من المالِ، فإذا أدَّوها صاروا أحرارًا. والغارمون: وهم الذين أثقلتْهم الديونُ، وعجزوا عن وفائِها، وأدائِها. وفي سبيلِ اللهِ: وهم الغزاةُ المتطوعون بالجهادِ دفاعًا عن الإسلامِ، وليس لهم عطاءٌ من بيتِ المالِ. وابنُ السبيلِ: وهو المسافرُ يريدُ أنْ يرجعَ إلى بلدِه، وقد فقَدَ نفقتَه التي تُبلِّغُه مقصِدَه. والمرادُ بالصدقاتِ: الزَّكاةُ المفروضةُ، بدليلِ قولِه تعالى في آخرِ الآيةِ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَّا الْعَامِلَ»، يجبُ استيعابُ الأصنافِ الثَّمانيةِ عندَ القدرةِ، فإنْ فرَّقَ بنفسِه أو فرَّقَ الإمامُ وليس هناك عاملٌ فرَّقَ على سبعةٍ، وأقلُّ ما يُجزِئُ أنْ يدفعَ إلى ثلاثةٍ من كلِّ صِنفٍ؛ لأنَّ اللهَ

стр. 144

تعالى ذكرَهم بلفظِ الجمعِ، إلَّا العاملَ، فإنَّه يجوزُ أنْ يكونَ واحدًا، يعني: إذا حصلت به الكفايةُ، ولو لم يجدْ إلَّا دُونَ الثلاثةِ من كلِّ صِنفٍ أعطَى مَن وَجَد. قال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةٌ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إِلَيْهِمْ: ١ - الْغَنِيُّ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» (١). وفي روايةٍ لعبدِ اللهِ بنِ عَدِيٍّ ﵁: «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» (٢). ٢ - «وَالْعَبْدُ»؛ لأنَّ نفقتَه على سيدِه، وأيضًا لأنَّه لا يملكُ. ٣ - «وَبَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ»؛ لحديثِ عبدِ المطلبِ بنِ ربيعةَ بنِ الحارثِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» (٣). ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ الحسنَ بنَ عليٍّ ﵄ أخذَ تمرةً من تمرِ الصَّدقةِ، فجعلها في فِيهِ، فقال النبيُّ: «كَخْ (٤) كَخْ

стр. 145

-ليطرَحَها، ثمَّ قال-: ارْمِ بِهَا، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟!» (١). ٤ - «وَالْكَافِرُ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لمعاذٍ ﵁ لما أرسلَه إلى اليمنِ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (٢). والمرادُ أغنياءُ المسلمينَ وفقراؤُهم، فكما أنَّها لا تؤخذُ من أغنياءِ غيرِ المسلمينَ، فلا تدفعُ لفقراءِ غيرِهم. ٥ - «وَمَنْ تَلْزَمُ الْمُزَكِّي نَفَقَتُهُ لَا يَدْفَعُهَا إِلَيْهِمْ بِاسْمِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ»؛ أي: لا يجوزُ دفعُها لهم إنْ كانوا فقراءَ ومساكينَ؛ لأنَّهم يستغُنون بالنَّفقةِ الواجبةِ لهم على المزكِّي، ويجوزُ دفعُها لهم بغيرِ هذينِ الوصفينِ، كما إذا كانوا غارمينَ، أو مجاهدين، وانظر فيمن تلزمُ نفقتُهم فصلَ النَّفقاتِ في النِّكاحِ. واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 146

كتابُ الصِّيام الصِّيامُ في اللُّغة: الإمساكُ، يُقالُ للسَّاكتِ: صائمٌ؛ لإمساكِه عن الكلامِ، ومنه قولُه تعالى حكايةً عن مريمَ ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]. وفي الاصطلاحِ: إمساكٌ عن المُفطِّرَاتِ من طُلوعِ الفجرِ إلى غروبِ الشَّمسِ مع النيَّةِ. وقد فُرضَ صومُ رمضانَ في السَّنةِ الثَّانيةِ من الهجرةِ، فصام النبيُّ ﷺ تسعَ رمضاناتٍ إجماعًا. والأصلُ في فرضيَّةِ الصَّومِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]. وأحاديثُ، منها حديثُ ابنِ عمرَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللهُ، وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١). وأجمعتِ الأمَّةُ على أنَّ الصيامَ أحدُ أركانِ الإسلامِ.

стр. 147

قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الصَّوْمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: ١ - الْإِسْلامُ»؛ لأنَّه لا يصحُّ من الكافرِ، ولو أسلمَ في أثناءِ الشَّهرِ لم يلزمْه قضاءُ الأيامِ السابقةِ لإِسلامِه. ٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (١). والاحتلامُ أحدُ علاماتِ البلُوغِ؛ فإنَّ للبلوغِ أربعَ علاماتٍ؛ ثلاثٌ منها يشتركُ فيها الذَّكرُ والأنثَى، وهي: الاحتلامُ، ونباتُ الشَّعرِ الخشِنِ حولَ العانةِ، وبلوغُ خمسَ عشْرةَ سنةً، وتزيدُ الأنثَى بعلامةٍ رابعةٍ، وهي نزولُ دمِ الحيضِ. ٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ للحديثِ السَّابقِ. ٤ - «وَالْقُدْرَةُ عَلَى الصَّوْمِ»، فلا يجبُ على غيرِ القادرِ؛ لقولِه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُ الصَّوْمِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: ١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» (٢). ٢ - «وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ»؛ من طلوع الفجر إلى

стр. 148

غروب الشمس؛ لقولِه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ٣ - «وَالْجِمَاعُ»؛ للآيةِ السابقةِ، ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال مُبلِّغًا عن ربِّه ﵎ يمدحُ الصَّائمَ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (١). ٤ - «وَتَعَمُّدُ الْقَيْءِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (٢). «فَصْلٌ» في مفسداتِ الصوم قال أبو شجاع ﵀: «وَاَلَّذِي يَفْطُرُ بِهِ الصَّائِمُ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ: ١ - مَا وَصَلَ عَمْدًا إِلَى الْجَوْفِ»، إذا صحَّ الصَّومُ بشروطِه فلبطلانِه أسبابٌ، منها: ما وصل إلى الجوفِ من غذاءٍ وغيرِه،

стр. 149

حتى لو ابتلع خردلةً أو حصاةً؛ أفطرَ بها، إلَّا أنْ يكونَ ناسيًا، فيكون على صومِه، وأراد صاحبُ المتنِ بالجوفِ البطنَ، ولهذا ذكرَه مُعرفًا، فساغَ له بعدَ ذلك ذكْرُ الرأسِ والحقنةِ في أحد السبيلينِ. ٢ - «أَوْ الرَّأْسِ»، كمن كانت برأسِه شَجَّةٌ فأدخل دواءً إلى باطنِ الرَّأسِ؛ أفطر، وإنْ لم يصلْ إلى باطنِ الأمعاءِ؛ لأنَّه جَوْفٌ. ٣ - «وَالْحُقْنَةُ فِي أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ»، المراد: ما يُحقَنُ به المريضُ في قُبُلٍ أو دبُرٍ، وهو من المفطِّراتِ -أيضًا- لأنَّه جوفٌ. ٤ - «وَالْقَيْءُ عَمْدًا»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (١). ٥ - «وَالْوَطْءُ عَمْدًا فِي الْفَرْجِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال مُبلِّغًا عن ربِّه ﵎ يمدحُ الصَّائمَ: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» (٢). ٦ - «الْإِنْزَالُ عَنْ مُبَاشَرَةٍ»؛ للحديثِ السَّابقِ. ٧ - «وَالْحَيْضُ»؛ لحديثِ معاذةَ بنت عبد الله العدوية قالت: سألْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: «أَحَرُورِيَّةٌ أنتِ؟»، قلتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي

стр. 150

أَسْأَلُ، قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (١). ٨ - «وَالنِّفَاسُ»؛ قياسًا على الحيضِ. ٩ - «وَالْجُنُونُ»؛ لرفْعِ القلمِ عمَّن تلبَّسَ به. ١٠ - «وَالرِّدَّةُ»؛ لأنَّها محبطةٌ للعملِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - تَعْجِيلُ الْفِطْرِ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٢). ولحديثِ أبي ذرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» (٣). ٢ - «وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ»؛ للحديثِ السَّابقِ. ٣ - «وَتَرْكُ الْهُجْرِ مِنَ الْكَلَامِ»، الهُجْرُ: الفُحْشُ من الكلامِ، فيصونُ المسلمُ لسانَه، وخاصَّةً الصائمَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (٤). ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ -أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ

стр. 151

لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ للهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ صِيَامُ خَمْسَةِ أَيَّامٍ: الْعِيدَانِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الأَضْحَى، ويَوْمِ الْفِطْرِ» (٢). ولحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ»، يومُ الشكِّ: يومُ الثلاثينِ من شعبانَ، الذي يَشُكُّ فيه النَّاسُ: هل هو مِن شَعْبانَ أو مِن رمضَانَ؟ يقولُ عمارُ بنِ ياسرٍ ﵁: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ ﷺ » (٤). وتنتفِي حرمةُ صومِ الشَّكِّ إذا وافق عادةً له؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا، فَلْيَصُمْهُ» (٥).

стр. 152

قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ وَطِئَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا فِي الْفَرْجِ؛ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قال: بينما نحن جلوسٌ عندَ النبيِّ ﷺ إذ جاءه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللهِ، هلكتُ، قال: «مَالَكَ؟» قال: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، فقال رسول اللهِ ﷺ : «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟»، قال: لا، قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟»، قال: لا، فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟»، قال: لا، قال: فمكَثَ النبيُّ ﷺ ، فبينا نحنُ على ذلكَ، أُتِيَ النبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ -والعَرَقُ الْمِكْتَل- قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟»، فقَالَ: أَنَا، قَالَ: «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فوَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الحرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ من أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النبيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (١). وجاء في روايةٍ لسلمانَ بنِ صخرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه مِكْتَلًا فيه خمسةَ عشرَ صاعًا، فقال: «أَطْعِمْهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ» (٢).

стр. 153

قال الشافعيُّ ﵀: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أتي بِعَرَقِ تَمْرٍ فدفعَه إلى رجلٍ، وأمرَه أنْ يُطعِمَه ستينَ مسكينًا، والعَرَقُ فيما يقدَّرُ خمسةَ عشرَ صاعًا، وذلكَ ستُّونَ مُدًّا لكلِّ مسكينٍ مدٌّ» (١). ويكونُ المُدُّ من غالبِ قُوتِ أهلِ البلدِ، وهو يُساوي بالوزنِ (٦٠٠) جرامًا تقريبًا. قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ مِنْ رَمَضَانَ أَطْعَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدًّا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ» (٢). وفي رواية: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَهُ، فَعَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ لِمِسْكِينٍ» (٣). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: «إذا مرِضَ الرَّجلُ في رمضانَ، ثمَّ ماتَ ولم يَصُمْ؛ أُطْعِمَ عنه» (٤). قال أبو شجاع ﵀: «وَالشَّيْخُ إِنْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا»، يقول عطاءٌ ﵀: سمعتُ ابنَ عباسٍ ﵄ يقرأُ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)، قال:

стр. 154

«ليست بمنسوخةٍ، هو الشيخُ الكبيرُ، والمرأةُ الكبيرةُ، لا يستطيعان أنْ يصومَا، فيُطعِمانِ مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقضَاءُ، فَإِنْ خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَهُوَ رِطْلٌ وَثُلُثٌ بِالْعِرَاقِيِّ»؛ إذا خافت الحاملُ أو المرضعُ على أنفسِهما ضررًا بَيِّنًا من الصومِ، مثلَ الضررِ الناشئِ للمريضِ من المرضِ؛ أفطرتَا، وعليهما القضاءُ كالمريضِ، وسواءٌ تضرَّرَ الولدُ أم لا، ولا فديةَ كالمريضِ، وإنْ خافتَا على ولديْهما -بسببِ إسقاطِ الولدِ في الحاملِ، وقلةِ اللبنِ في المرضعِ- أفطرتَا وعليهما القضاءُ للإفطارِ، والفديةُ على أظهرِ الأقوالِ لكلِّ يومٍ مدٌّ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ ﵄ في قولِه تعالى: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ [البقرة: ١٨٤]، «كانت رخصةً للشيخِ الكبيرِ، والمرأةِ الكبيرةِ، وهما يُطِيقانِ الصيامَ أنْ يُفطِرَا، ويُطعِمَا مكانَ كلِّ يومٍ مسكينًا، والحُبْلَى والمرضعُ إذا خافتَا»؛ قال أبو داودَ: «يعنِي على أولادِهما أفطرتَا وأَطْعمَتَا» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ سَفَرًا طَوِيلًا يُفْطِرَانِ وَيَقْضِيَانِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]،

стр. 155

والمعنى: أنَّ مَن كان مريضًا مرضًا لا يستطيعُ معه الصومَ خلالَ شهرِ رمضانَ، أو كان مسافرًا، فإنَّه يُفطِرُ إن شاءَ، وليصُمِ الأيامَ التي أفطرَها بعدَ رمضانَ عندَ زوالِ العذرِ. «فَصْلٌ» في الاعتكاف الاعتكافُ في اللُّغةِ: الإقامةُ على الشيءِ والملازمةُ له. وفي الاصطلاحِ: اللُّبْثُ في المسجدِ بِنِيَّةٍ مخصوصةٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَالاعْتِكَافُ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَلَهُ شَرْطَانِ: ١ - النِّيَّةُ»؛ لحديثِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ» (١). ٢ - «وَاللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ كان النبيُّ ﷺ يعتكفُ العشرَ الأواخرَ من رمضانَ حتى توفَّاه اللهُ، ثمَّ اعتكفَ أزواجُه مِن بعدِه» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، أَوْ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُمْكِنُ الْمُقَامُ مَعَهُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كان النبيُّ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ؛ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا» (٣).

стр. 156

قال أبو شجاع ﵀: «وَيَبْطُلُ بِالْوَطْءِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ أي: لا تجامِعوا زوجاتِكم حالَ اعتكافِكم في المساجدِ. واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 157

كتابُ الحَج الحجُّ في اللُّغةِ: القصدُ، يُقالُ: حَجَّ إلينا فلانٌ؛ أي: قَدِمَ، وحجَّهُ يحُجُّهُ حجًّا: قصدَه، وحَجَجْتُ فلانًا؛ أي: قصدته، ورجلٌ محجوجٌ؛ أي: مقصودٌ، وقد حجَّ بنو فلانٍ فلانًا: إذا أطالوا الاختلافَ إليه. وفي الاصطلاحِ: القصدُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ؛ لأداءِ عبادةٍ مخصوصةٍ بشروطٍ مخصوصةٍ. وقد فُرضَ الحجُّ سنةَ ستٍّ من الهجرةِ، وحجَّ النبيُّ ﷺ حَجَّةً واحدةً سنةَ عشرٍ، وهي حَجَّةُ الوداعِ، وتُوفِّي ﷺ إحدَى عشْرةَ. والأصلُ في وجوبِ الحجِّ قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١).

стр. 158

وأجمعت الأمةُ على أنَّ الحجَّ أحدُ أركانِ الإسلامِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْحَجِّ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ: ١ - الْإِسْلامُ»؛ لأنَّه لا يصحُّ من الكافرِ. ٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (١). ٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ للحديثِ السَّابقِ. ٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ الحجَّ لا يجبُ إلا بوجودِ الزَّادِ والرَّاحلةِ، والعبدُ لا يملكُ شيئًا. ٥ - «وَوُجُودُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، يقولُ أنسٌ ﵁: قِيل: يا رسولَ اللهِ، ما السبيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (٢). وقال: ابنُ عمرَ ﵄: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: يا رسولُ اللهِ، ما يُوجِبُ الحجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» (٣). ٦ - «وَتَخْلِيَةُ الطَّرِيقِ»، حتى يكونَ آمنًا على نفسِه وعلى من

стр. 159

معَه في ثلاثةِ أشياءَ، وهي: النَّفسُ والعِرضُ والمالُ. ٧ - «وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ»؛ أي: بقاءُ زمنٍ يتَّسِعُ لوصولِه عادةً. قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْكَانُ الْحَجِّ أَرْبَعَةٌ: ١ - الْإِحْرَامُ مَعَ النِّيَّةِ»، الإحرامُ: هو نيَّةُ الدخولِ في النُّسكِ، يُقالُ: أحرمَ الشَّخصُ؛ أي: نوى الدخولَ في حجٍّ أو عمرةٍ أو فيهما معًا، فحرُم عليه به ما كان حلالًا له، والمرادُ بالإحرامِ هنا الفعلُ؛ لذِكْرِ المصنفِ النيةَ معه. ٢ - «وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ»؛ لحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يعمرَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (١). ٣ - «وَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ»، والمقصودُ به طوافُ الإفاضةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿ثمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والتَّفَثُ: القذرُ والوسخ، تقول العرب لمن تستقذره: ما أتفثك؛ أي: أوسخك، وقضاءُ التفث: إنهاؤُه وإزالتُه، والمراد ما يفعله المحرم عند تحلله من إزالة الشعث والوسخ والحلق وقلم الأظفار ونحوها، ثم يطوف بالبيت بعد ذلك طواف الإفاضة.

стр. 160

٤ - «وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. «فَصْلٌ» في العمرة العمرةُ في اللُّغةِ: الزِّيارةُ، يُقَال: أَتَانَا فلَانٌ مُعْتَمِرًا؛ أي: زَائِرًا. وفي الاصطلاحِ: القصدُ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، في غيرِ وقتِ الحجِّ؛ لأداءِ عبادةٍ مخصوصةٍ بشروطٍ مخصوصةٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْكَانُ الْعُمْرَةِ أَرْبَعَةٌ: ١ - الْإِحْرَامُ»، سبقَ الكلامُ عن الإحرامِ، وأنَّه نيَّةُ الدخولِ في النُّسكِ. ٢ - «وَالطَّوَافُ»؛ لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ولحديثِ عبدِ اللهِ بنِ أبي أَوْفَى ﵁ قال: «كنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حينَ اعْتَمَرَ فَطَافَ ... وسَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ» (١). ٣ - «والسَّعْيُ»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨].

стр. 161

٤ - «وَالْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ»؛ لقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. والحلقُ أو التقصيرُ في العمرة رُكنٌ، وهو واجبٌ في الحجِّ، كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى. والحلقُ أفضلُ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسولَ اللهِ، قال: «اللهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»، قالوا: والمقصِّرينَ يا رسولَ اللهِ، قال: «وَالْمُقَصِّرِينَ» (١). فالحلقُ للرجالِ أفضلُ من التقصيرِ، والتقصيرُ للنساءِ أفضلُ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَوَاجِبَاتُ الْحَجِّ غَيْرُ الْأَرْكَانِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ»، الفرقُ بينَ الواجباتِ والأركانِ أنَّ الواجباتِ يُجبَرُ تركُها بإراقةِ دمٍ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ أمَّا الأركانُ فهي ما لا يتمُّ ماهيَّةُ الحجِّ إلا به، ولا يُجبَرُ تركُه بإراقةِ دمٍ. والمقصودُ بالميقاتِ هنا الميقاتُ بنوعَيه الزَّمانيِّ: وهو شهرُ شوالٍ، وشهر ذي القَعدةِ، وعشرِ ليالٍ من ذي الحجَّةِ؛ والميقاتِ المكاني: وهو الذي حدَّده النبيُّ ﷺ لأهلِ كلِّ جهةٍ، فيُحرِمون قبلَ

стр. 162

أن يتجاوزوه، إذا أتَوا مكةَ قاصدينَ الحجَّ أو العمرةَ. وقد وقَّت النبيُّ ﷺ ؛ كما قال ابنُ عباسٍ ﵄: «لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ، فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» (١). وقال ابنُ عمرَ ﵄: لما فُتِحَ هذان الْمِصْرَانِ أتَوا عمرَ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حدَّ لأهلِ نجدٍ قرنًا، وهو جَوْرٌ عن طريقِنا، وإنِّا إنْ أردْنا قرنًا شقَّ علينا، قال: فانظروا حَذْوَها من طريقِكم، فحدَّ لهم ذاتَ عِرْقٍ» (٢). وهذه المواضعُ المذكورةُ في الأحاديثِ تُعْرَفُ للحجيجِ الآنَ بواسطةِ سكَّانِها، أو بوسائلَ أخرى.

стр. 163

٢ - «وَرَمْيُ الْجِمَارِ الثَّلَاثِ»؛ أي: في أيامِ التَّشريقِ، وهي الحاديَ عشرَ، والثَّانيَ عشرَ، والثَّالثَ عشرَ؛ من ذي الحجَّةِ، يبدأُ بالصُّغرى التي تلي مسجدَ الخَيفِ، ثمَّ الوُسطى، ثمَّ جمرةِ العقبةِ الكبرى، كما يجبُ على الحاجِّ أنْ يرميَ جمرةَ العقبةِ وحدَها يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ من ذي الحجَّةِ، ويكونُ الرَّميُ يومَ النَّحرِ بعدَ طلوعِ الشمسِ، وأيامَ التشريقِ بعدَ الزوالِ. يقولُ جابرٌ ﵁: «رمَى رسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحرِ ضُحًى، وأمَّا بعدُ، فإذا زالتِ الشمسُ» (١). وقالت عائشةُ ﵂: «أفاضَ رسولُ اللهِ ﷺ من آخرِ يومِه حين صلَّى الظهرَ، ثمَّ رجعَ إلى منًى، فمكَثَ بها لياليَ أيامِ التَّشريقِ يَرمي الجمرةَ، إذا زالت الشمسُ، كلَّ جمرةٍ بسبعِ حصياتٍ، يكبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ، ويقفُ عندَ الأولى، والثَّانيةِ فيُطيلُ القيامَ، ويتضرَّعُ، ويرمِي الثَّالثةَ ولا يقفُ عندَها» (٢). وكان عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «يرمي الجمرةَ الدُّنيا بسبعِ حصياتٍ، ثمَّ يكبرُ على إثْرِ كلِّ حصاةٍ، ثمَّ يتقدَّمُ فَيُسْهِلُ، فيقومُ مستقبلَ القبلةِ قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفعُ يدَيه، ثمَّ يرمي الجمرةَ الوسطى كذلك، فيأخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، ويقومُ مُستقبِلَ القِبلةِ قيامًا طويلًا، فيدعُو ويرفعُ يدَيه، ثمَّ يرمِي الجمرةَ ذاتَ العقبةِ مِن

стр. 164

بطنِ الوادي، ولا يقفُ عندَها، ويقولُ: «هكذا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يفعلُ» (١). وإذا عجَزَ شخصٌ عن الرَّمِي بنفسِه لمرضٍ أو حَبْسٍ أو عُذرٍ، فله أنْ يستنيبَ مَن يرمِي عنه، لكنْ لا يصحُّ رميُ النَّائبِ عن المستنيبِ إلَّا بعدَ رميِ النائبِ عن نفسِه، ويُشترطُ في جوازِ النيابةِ -أيضًا- أن يكونَ العذرُ ممَّا لا يُرجَى زوالُه قبلَ خروجِ وقتِ الرمْيِ. ٣ - «وَالْحَلْقُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النبيَّ ﷺ حلَقَ رأسَه في حَجَّةِ الوَداعِ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُ الْحَجِّ سَبْعٌ: ١ - الْإِفْرَادُ وَهُوَ: تَقْدِيمُ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ»، ومن المعلومِ أنَّ الإحرامَ له ثلاثةُ وجوهٍ: الإفرادُ، والتَّمتعُ، والقِرانُ، وصورةُ الإفرادِ أنَّ يُحرِمَ بالحجِّ وحدَه ويفْرُغَ منه، ثمَّ يُحرِمَ بالعمرةِ؛ وصورةُ التمتُّعِ أنْ يُحرِمَ بالعمرةِ من ميقاتِ بلدِه ويفرغَ منها، ثمَّ يُحرِمَ بالحجِّ من مكةَ، وسُمي متمتعًا؛ لأنَّه يتمتعُ بينَ الحجِّ والعمرةِ بما كان مُحرَّمًا عليه؛ وصورةُ القِرانِ الأصليةُ أن يُحرِمَ بالحجِّ والعمرةِ معًا، فتندرجُ أعمالُ العمرةِ في أعمالِ الحجِّ، ويتحدُ الميقاتُ والفعلُ.

стр. 165

والأفضلُ في مذهبِ الشافعيِّ ﵀ الإفرادُ، ويليه التمتُّعُ، ثمَّ القِرانُ، وشرطُ كونِ الإفرادِ أفضلَ منهما أنْ يعتمرَ في تلك السنةِ، فيُحرِمَ أوَّلًا بالحجِّ من ميقاتِه ويفرغَ منه، ثمَّ يخرجَ عن مكةَ إلى أدنى الحِلِّ فيُحرِمَ بالعمرةِ، ويأتيَ بعملِها، فلو أخَّرَ العمرةَ عن سَنَتِهِ فكلٌّ من التمتعِ والقِرانِ أفضلُ من الإفرادِ؛ لأنَّ تأخيرَ العمرةِ عن سَنَةِ الحجِّ مكروهٌ. تقولُ عائشةُ ﵂: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالحَجِّ» (١).

стр. 166

وقال عمرُ ﵁: «افصِلوا حجَّكم من عمرتِكم؛ فإنَّه أتمُّ لحجِّكم، وأتمُّ لعمرتِكم» (١). ٢ - «وَالتَّلْبِيَةُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ لما استوت به راحلتُه قائمةً عندَ مسجدِ ذي الحُلَيفةِ؛ أهلَّ فقال: «لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» (٢). ٣ - «وَطَوَافُ الْقُدُومِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂: «أنَّ أولَ شيءٍ بدأَ به النبيُّ ﷺ حين قدِمَ أنَّه توضَّأَ، ثمَّ طافَ» (٣). ٤ - «وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ»، عن جابرٍ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أتى المزْدلِفَةَ، فصلَّى بها المغربَ والعشاءَ بأذانٍ واحدٍ وإقامتينِ، ولم يُسبِّحْ بينهما شيئًا، ثمَّ اضطجعَ حتى طلع الفجرُ، وصلَّى الفجرَ،

стр. 167

حين تبيَّن له الصُّبحُ، بأذانٍ وإقامةٍ» (١). ٥ - «وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «قَدِمَ رسولُ الله ﷺ ، فطاف بالبيتِ سبعًا، ثمَّ صلَّى خلفَ المقامِ ركعتينِ» (٢). ٦ - «وَالْمَبِيتُ بِمِنًى»، هذا فيمَن لا عُذر له, أمَّا المعذورُ كأهلِ السِّقايةِ والرُّعاءِ؛ فلهم إذا رمَوا جَمْرةَ العقبةِ يومَ النَّحرِ أنْ ينفِروا، ويدَعوا المبيتَ بمنًى؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ العباسَ بنَ عبدِ المطلبِ ﵁ استأذن رسولَ اللهِ ﷺ أنْ يبيتَ بمكةَ لياليَ منًى؛ من أجلِ سقايتِه، فأذن له» (٣). ٧ - «وَطَوَافُ الْوَدَاعِ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّاسَ كانوا ينْصرفونَ في كلِّ وَجْهٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» (٤). وفي روايةٍ: «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ» (٥). ويسقطُ عن الحائضِ والنُّفساءِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ» (٦).

стр. 168

قال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ مِنَ الْمَخِيطِ وَيَلْبَسُ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ انطلق من المدينةِ، بعدَ ما ترجَّلَ وادَّهن، ولبِس إزارَه ورداءَه، هو وأصحابُه، فلم ينهَ عن شيءٍ من الأرديَةِ والأُزُرُ تُلبَسُ» (١). وكونُها بيضاءَ؛ فَلِحَدِيثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ» (٢). ويستحبُ له أنْ يغتسلَ، ثمَّ يتطيَّبَ، ويلبسُ ثيابَ الإحرامِ، ثمَّ يصلِّي ركعتينِ، ثمَّ يُحرِمُ؛ لحديثِ نافعٍ أنَّ ابنَ عمرَ ﵄ كان إذا أراد الخروجَ إلى مكَّةَ ادَّهَن بدُهْنٍ ليس له رائحةٌ طيبةٌ، ثمَّ يأتي مسجدَ ذي الحُليفةِ فيُصلِّي، ثمَّ يركبُ، وإذا استوت به راحلتُه قائمةً أحرمَ، ثمَّ قال: «هكذا رأيتُ النبيَّ ﷺ يفعلُ» (٣). وقالت عائشةُ ﵂: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِإِحْرَامِهِ حينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ» (٤).

стр. 169

«فَصْلٌ» في محظوراتِ الإحرام قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ: ١ - لُبْسُ الْمَخِيطِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ : ما يلبسُ المحرمُ من الثِّيابِ؟ فقال: «لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ، إِلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْوَرْسُ» (١). ٢ - «وَتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ»، يَحْرُمُ على الرَّجلِ تغطيةُ رأسِه حالَ إحرامِه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرمٍ ناقتُهُ فقتلته، فَأُتِيَ به رسولُ اللهِ ﷺ فقال: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ» (٢). وأمَّا المرأةُ؛ فلحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا

стр. 170

تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ» (١). فالمرأةُ تفارقُ الرَّجلَ فيكونُ إحرامُها في وجهِها، وإحرامُ الرَّجُلِ في رأسِه، وللمرأةِ إذا أرادت سَتْرَ وجهِها مِنَ الرِّجالِ أنْ تُرْخِيَ جلبابَها أو بعضَ خمارِها أو غيرَ ذلك من ثيابِها من فوقِ رأسِها وتُجافِيه عن وجهِها حتى تُغطيَ وجهَها، كما يجوزُ لها سَتْرُ يدَيْها بغيرِ القُفَّازَيْنِ؛ كَكُمِّ الجِلبابِ ونحوِه. ٣ - «وَتَرْجِيلُ الشَّعْرِ»، وهو محمولٌ على ما إذا علِمَ أنَّ التَّسريحَ ينتفُ الشَّعر؛ لتلبُّدٍ ونحوِه. ٤ - «وَحَلْقُهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: مكانَ ذبحِه، وهو منًى يومَ النَّحرِ. ٥ - «وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ»؛ قياسًا على الشَّعرِ، ولما فيه من الترفُّهِ. ٦ - «وَالطِّيبُ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قال: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحرمٍ ناقتُهُ فقتلته، فَأُتِيَ به رسولُ الله ﷺ فقال: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ» (٢). ٧ - «وَقَتْلُ الصَّيْدِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]؛ أي: مُحرِمِينَ.

стр. 171

٨ - «وَعَقْدُ النِّكَاحِ»؛ لحديثِ عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ» (١). ٩ - «وَالْوَطْءُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والرَّفثُ: الجِمَاع، ويُطلقُ على مقدِّماتِه من المُباشرةِ ونحوِها. ١٠ - «وَالْمُبَاشَرَةُ بِشَهْوَةٍ»؛ للآيةِ السابقةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَفِي جَمِيعِ ذَلَكَ الْفِدْيَةُ إِلَّا عَقْدَ النِّكَاحِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ»؛ أي: لا يصحُّ، فلا يجبُ فيه شيءٌ؛ لأنَّه لم يحصلْ به المقصودُ، وسيأتي الكلامُ عنِ الفديةِ قريبًا. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُفْسِدُهُ إِلَّا الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ، وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ»، فيجبُ عليه أنْ يستمرَّ في حجِّه، ويتمَّه وإنْ كان فاسدًا؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ويجبُ مع ذلك القضاءُ ولو كان الحجُّ تطوعًا، يقولُ مَالِكٌ ﵀: إنَّه بلغَه، أن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ ﵃ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ أَصَابَ أَهْلَه وهو مُحْرِمٌ بِالْحَجِّ؟ فقالوا: يَنْفُذانِ يمضِيان لوجهِهما حتى يقضِيا حَجَّهُمَا، ثمَّ عَلَيْهِما حَجُّ قَابِلٍ، وَالْهَدْيُ»، وَقَالَ عَلِيُّ بنُ أبِي طالبٍ ﵁: «وَإِذَا أَهَلَّا بِالْحَجِّ مِنْ عَامِ قَابِلٍ تَفَرَّقَا حَتَّى يَقْضِيَا حَجَّهُمَا» (٢).

стр. 172

قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْهَدْيُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ؛ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ, وَمَنْ فَاتَهُ عَرَفَاتٌ بِلَيْلٍ؛ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَحِلَّ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ» (١). وجاء هَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ﵁ يومَ النَّحْرِ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَنْحَرُ هَدْيَهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَخْطَأْنَا الْعِدَّةَ؛ كُنَّا نُرَى أَنَّ هذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: «اذْهَبْ إِلَى مَكَّةَ، فَطُفْ أَنْتَ، وَمَنْ مَعَكَ، وَانْحَرُوا هَدْيًا، إِنْ كَانَ مَعَكُمْ، ثمَّ احْلِقُوا، أَوْ قَصِّرُوا، وَارْجِعُوا، فَإِذَا كَانَ عَامٌ قَابِلٌ فَحُجُّوا، وَأَهْدُوا، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا لَمْ يَحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ حَتَّى يَأْتِي بِهِ»؛ أي: غيرَ الوقوفِ بعرفةَ، وأمَّا عرفةُ فقد سبقَ حكمُه، فأركانُ الحجِّ لا تُجبرُ بدمٍ، بل يتوقفُ الحجُّ عليها؛ لأنَّ ماهيَّةَ الحجِّ لا تحصُلُ إلا بجميعِ أركانِه، وقد لزِمَه الحجُّ بالشُّروعِ، فلا يتحلَّلُ منه حتى يأتيَ بالأركانِ؛ وغيرُ الوقوفِ بعرفةَ ليس له وقتٌ محدَّدٌ، فيمكنُ الإتيانُ به.

стр. 173

قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا لَزِمَهُ الدَّمُ»؛ لقولِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أو تَرَكَهُ، فَلْيُهْرِقْ دَمًا» (١). والمرادُ بالنُّسُكِ هنا الواجبُ، وأقلُّه شاةٌ تُجزِئُ في الأُضْحيةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً لَمْ يَلْزَمْهُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ»، كالسُّننِ في غيرِ الحجِّ والعمرةِ، مَن ترَكَها لم يلزمْه شيءٌ. «فَصْلٌ» في الدِّماءِ الواجبةِ في الإحرام قال أبو شجاع ﵀: «وَالدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ فِي الْإِحْرَامِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِتَرْكِ نُسُكٍ، وَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ: شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، ثَلَاثَةٌ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٌ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: اعتمر أوَّلًا، ثمَّ أحرمَ بالحجِّ من مكَّةَ ولم يخرجْ إلى الميقاتِ، والإحرامُ من الميقاتِ واجبٌ كما سبقَ، فوجبَ بتركِه دمٌ على ما ذُكِرَ، وقِيسَ به غيرُه. «وَالثَّاني: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْحَلْقِ وَالتَّرَفُّهِ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ: شَاةٌ، أَوْ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ التَّصَدُّقُ بِثَلَاثَةِ آصُعٍ عَلَى سِتَّةِ

стр. 174

مَسَاكِينَ»؛ لحديثِ كعبِ بنِ عُجْرةَ ﵁ قال: أتَى عليَّ النَّبيُّ ﷺ زمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ ﷺ : «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟»، قلت: نعم، قال: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ»، ففيَّ نَزَلَتْ هذه الآيةُ خَاصَّةً، وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةٌ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قَالَ ﷺ : «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ انْسُكْ بِشَاةٍ» (١). وقِيسَ بحلقِ الشَّعرِ ما في معناه من بقيَّةِ الاستمتاعاتِ المحرَّمةِ، كالطِّيبِ والأدْهانِ واللِّباسِ وقصِّ الأظفارِ ومقدماتِ الجماعِ على الأصحِّ لاشتراكِ الكلِّ في التَّرَفُّه. «وَالثَّالث: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْإِحْصَارِ، فَيَتَحَلَّلُ، وَيُهْدِي شَاةً»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. و ﴿أُحْصِرْتُمْ﴾؛ أي: مُنِعْتُم من المُضِيِّ لأداءِ الحجِّ أو العمرةِ. وحُصِرَ؛ أي: أُحِيطَ به ومُنع مِن بلوغِ قصدِه، وقد تحلَّلَ النبيِّ ﷺ بالحديبيةِ لما صدَّه المشرِكونَ عن البيتِ الحرامِ، وكان مُحرِمًا بِعُمْرةٍ. يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «خَرَجْنَا مَعْ النَّبيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ فَحَالُ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دَوْنَ البَيْتِ، فنَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بُدْنَه

стр. 175

وحلَقَ رأسَه» (١). ولا بدَّ مِن تقديمِ الذَّبحِ على الحَلْقِ؛ لقولِه تعالى في الآيةِ السابقةِ: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. «وَالرَّابِعُ: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِقَتْلِ الصَّيْدِ، وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ: إِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ أَخْرَجَ الْمِثْلَ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ قَوَّمَهُ وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهِ طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ الصَّيْدُ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ أَخْرَجَ بِقِيمَتِهِ طَعَامًا، أَوْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا»، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقولُه تعالى: ﴿حرم﴾؛ أي: مُحرِمون بحجٍّ أو عُمرةٍ، وقولُه: ﴿متعمدا﴾؛ أي: ذاكرًا لإحرامِه قاصدًا لقتلِ الصَّيدِ؛ وقولُه: ﴿فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾؛ أي: شبهُه في الخلقةِ، أو ما يقاربُه في الصُّورةِ لا في الجنسِ، فمثلًا في صيدِ النعامةِ بدَنةٌ، وفي بقرِ الوحشِ وحمارِه بقرةٌ، وفي الغزالِ عنزٌ، وهكذا، وقولُه: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾؛ أي: يقدره ويبين ما هو الواجبُ، وقوله: ﴿هَدْيًا﴾، هو: ما يساقُ من المواشِي ليُذبحَ في الحرمِ؛ وقولُه:

стр. 176

﴿بالغ الكعبة﴾؛ أي: يُذْبَحُ في الحرمِ، ويُتَصَدَّقُ باللَّحمِ أو الطَّعامِ على مساكينِ الحرمِ: مقيمينَ أو طارئِينَ؛ وقولُه: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؛ أي: صيامَ أيامٍ تعادلُ بعددِها قيمةَ الهدْيِ، أو الطعامِ كما ذُكِرَ في المتنِ. ويُستثْنى صيدُ البحرِ، فلا يَحْرمُ على المحرمِ صيدُه. «وَالْخَامِسُ: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ: بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا؛ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا»، سُئِلَ ابنُ عباسٍ ﵄ عن رجلٍ وقعَ بأهلِه وهو بمنًى، قبلَ أنْ يُفِيضَ، فأمرَه أنْ ينْحرَ بدنةً (١). والرُّجوعُ إلى البقرةِ، والسَّبعِ من الغَنَمِ؛ لأنَّهما في الْأُضْحِيَّةِ كالبَدَنَةِ، والرُّجوعُ إلى الإطعامِ، ثمَّ الصِّيامِ؛ لأنَّ الشرعَ عَدَلَ في جزاءِ الصَّيدِ من الحيوانِ إليهما على التَّخييرِ، فَرُجِعَ إليهما هنا عندَ العُذرِ على التَّرتيبِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُجْزِئُهُ الْهَدْيُ وَلَا الْإِطْعَامُ إِلَّا بِالْحَرَمِ، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ»؛ لقولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيجبُ صرفُ اللَّحمِ والطَّعامِ إلى مساكينِ الحرَمِ، مقيمينَ أو طارئينَ؛ كما سبقَ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَا

стр. 177

قَطْعُ شَجَرِهِ، وَالْمُحِلُّ وَالْمُحْرِمُ فِي ذَلَكَ سَواءٌ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فقال العبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا، فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (١). وقولُه ﷺ : «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»؛ أي: لا يُقطعُ، «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»؛ أي: لا يُزعجُ من مكانِه، ولا يحلُّ صيدُه، «وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»؛ أي: لا تُؤخذُ، إلا لمَن أرادَ أنْ يُعِرِّفَها ويَنادِيَ عليها حتى يجيءَ صاحبُها ليأخذَها. وقولُه: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»؛ أي: باستثناءِ الإذخرِ، وهو نباتٌ عشبيٌّ من فصيلةِ النجيلياتِ، ينبتُ في السُّهولِ وفي المواضعِ الجافَّةِ الحارَّةِ، ويُقالُ له: حلفاءُ مكةَ، له رائحةٌ ليمونيَّةٌ عطِرَة، أزهارُه تُستَعملُ منقوعًةً كالشَّايِ، ويُقالُ له -أيضًا-: طيبُ العربِ. وقولُه: «لِصَاغَتِنَا»، جمعُ صائغٍ، فيستعملونَه لحاجتِهم في الصِّياغةِ، وجاء في روايةٍ: «لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ»؛ أي: لحَدَّادِهِمْ؛ لأنَّه يَحتاجُ إليه في إيقادِ النَّارِ، وكذلك يُحتاجُ إليه في سقوفِ البيوتِ فيجعلُ فوقَ الخشبِ، وكذلك يُحتاجُ إليه في القبورِ لتُسدَّ به فُرجُ اللَّحدِ المتخللةُ بينَ اللبناتِ. والله تعالى أعلم.

стр. 178

كتابُ البُيُوعِ وغيرِها مِنَ المُعامَلات البُيُوع في اللُّغةِ: جمعُ بَيعٍ، وهو إعطاءُ شيءٍ في مقابلةِ شيءٍ. وفي الاصطلاحِ: مقابلةُ مالٍ بمالٍ قابلَينِ للتَّصرُّفِ بإيجابٍ وقَبولٍ على الوجهِ المأذونِ فيه. والأصلُ فيه آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وأحاديث، منها ما رواه أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «الْبُيُوعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - بَيْعُ عَيْنٍ مُشَاهَدَةٍ، فَجَائِزٌ»؛ أي: بيعُ عينٍ مرئيةٍ للمتبايِعَين، وهو جائزٌ؛ لانتفاءِ الغَرَرِ. ٢ - «وَبَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَجَائِزٌ إِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ»، يُسَمَّى بيعُ الشيءِ الموصوفِ في الذِّمةِ «السَّلَمَ»، وهو جائزٌ إذا وُجِدَت الصِّفةُ المشروطُ ذِكْرُها فيه على ما

стр. 179

وُصفت به العينُ المُسْلَمُ فيها مع بقيَّةِ شروطِه الآتيةِ في بابِ السَّلَمِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ٣ - «وَبَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ لَمْ تُشَاهَدْ، فَلَا يَجُوزُ»، بيعُ العينِ الغائبةِ التي لم تُشاهدْ للعاقِدَيْنِ لا يجوزُ؛ لحديثِ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ بَيْعُ كُلِّ طَاهِرٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَمْلُوكٍ»؛ أي: يصحُّ البيعُ إذا تحقَّقت فيه هذه الشُّروطُ، من كونِ المبيعِ طاهرًا، منتفعًا به، مملوكًا، مقدُورًا على تسليمِه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ عَيْنٍ نَجِسَةٍ، وَلَا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ»، لا يصحُّ بيعُ عينٍ نجسةٍ، كالخمرِ والخنزيرِ، ولا ما لا منفعةٌ فيه، كالأصنامِ والميتةِ، ونحوِها، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ عامَ الفتحِ وهو بمكةَ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ»، فقِيل: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ شحومَ الميتةِ، فإنَّه يُطلى بها السفنُ، ويُدهَنُ بها الجلودُ، ويَستصْبِحُ بها النَّاسُ، فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثمَّ قال رسولُ اللهِ ﷺ عندَ ذلك: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (٢).

стр. 180

«فَصْلٌ» في الرِّبَا الرِّبا في اللُّغةِ: الزِّيادةُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ أي: يَزِيدُها ويُنَمِّيها. وفي الاصطلاحِ: الزِّيادةُ في أشياءَ مخصوصةٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَالرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَطْعُومَاتِ»، التَّعاملُ بالرِّبا مُحَرَّمٌ، وهو من كبائرِ الذنوبِ، والأصلُ في تحريمِه آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وأحاديثُ، منها حديثُ جابرٍ ﵁ قال: «لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَهُ، وكاتِبَهُ، وشاهِدَيْهِ»، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ» (١). ويكونُ الرِّبا في: «الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَطْعُومَاتِ»؛ كما قال المصنِّفُ ﵀؛ لحديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٢).
следующие страницы →