← Фикх шафии

Фикх шафии · id 279

إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

أبو المعاطي الشبراوي

Полный текст (499 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

﴿بالغ الكعبة﴾؛ أي: يُذْبَحُ في الحرمِ، ويُتَصَدَّقُ باللَّحمِ أو الطَّعامِ على مساكينِ الحرمِ: مقيمينَ أو طارئِينَ؛ وقولُه: ﴿أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؛ أي: صيامَ أيامٍ تعادلُ بعددِها قيمةَ الهدْيِ، أو الطعامِ كما ذُكِرَ في المتنِ. ويُستثْنى صيدُ البحرِ، فلا يَحْرمُ على المحرمِ صيدُه. «وَالْخَامِسُ: الدَّمُ الْوَاجِبُ بِالْوَطْءِ، وَهُوَ عَلَى التَّرْتِيبِ: بَدَنَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا فَسَبْعٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهَا؛ قَوَّمَ الْبَدَنَةَ وَاشْتَرَى بِقِيمَتِهَا طَعَامًا وَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا»، سُئِلَ ابنُ عباسٍ ﵄ عن رجلٍ وقعَ بأهلِه وهو بمنًى، قبلَ أنْ يُفِيضَ، فأمرَه أنْ ينْحرَ بدنةً (١). والرُّجوعُ إلى البقرةِ، والسَّبعِ من الغَنَمِ؛ لأنَّهما في الْأُضْحِيَّةِ كالبَدَنَةِ، والرُّجوعُ إلى الإطعامِ، ثمَّ الصِّيامِ؛ لأنَّ الشرعَ عَدَلَ في جزاءِ الصَّيدِ من الحيوانِ إليهما على التَّخييرِ، فَرُجِعَ إليهما هنا عندَ العُذرِ على التَّرتيبِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُجْزِئُهُ الْهَدْيُ وَلَا الْإِطْعَامُ إِلَّا بِالْحَرَمِ، وَيُجْزِئُهُ أَنْ يَصُومَ حَيْثُ شَاءَ»؛ لقولِه تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، فيجبُ صرفُ اللَّحمِ والطَّعامِ إلى مساكينِ الحرَمِ، مقيمينَ أو طارئينَ؛ كما سبقَ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ قَتْلُ صَيْدِ الْحَرَمِ، وَلَا

стр. 177

قَطْعُ شَجَرِهِ، وَالْمُحِلُّ وَالْمُحْرِمُ فِي ذَلَكَ سَواءٌ»؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «حَرَّمَ اللهُ مَكَّةَ فَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدِي، أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»، فقال العبَّاسُ ﵁: إِلَّا الإذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا، فقال: «إِلَّا الإِذْخِرَ» (١). وقولُه ﷺ : «لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا»؛ أي: لا يُقطعُ، «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا»؛ أي: لا يُزعجُ من مكانِه، ولا يحلُّ صيدُه، «وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ»؛ أي: لا تُؤخذُ، إلا لمَن أرادَ أنْ يُعِرِّفَها ويَنادِيَ عليها حتى يجيءَ صاحبُها ليأخذَها. وقولُه: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»؛ أي: باستثناءِ الإذخرِ، وهو نباتٌ عشبيٌّ من فصيلةِ النجيلياتِ، ينبتُ في السُّهولِ وفي المواضعِ الجافَّةِ الحارَّةِ، ويُقالُ له: حلفاءُ مكةَ، له رائحةٌ ليمونيَّةٌ عطِرَة، أزهارُه تُستَعملُ منقوعًةً كالشَّايِ، ويُقالُ له -أيضًا-: طيبُ العربِ. وقولُه: «لِصَاغَتِنَا»، جمعُ صائغٍ، فيستعملونَه لحاجتِهم في الصِّياغةِ، وجاء في روايةٍ: «لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ»؛ أي: لحَدَّادِهِمْ؛ لأنَّه يَحتاجُ إليه في إيقادِ النَّارِ، وكذلك يُحتاجُ إليه في سقوفِ البيوتِ فيجعلُ فوقَ الخشبِ، وكذلك يُحتاجُ إليه في القبورِ لتُسدَّ به فُرجُ اللَّحدِ المتخللةُ بينَ اللبناتِ. والله تعالى أعلم.

стр. 178

كتابُ البُيُوعِ وغيرِها مِنَ المُعامَلات البُيُوع في اللُّغةِ: جمعُ بَيعٍ، وهو إعطاءُ شيءٍ في مقابلةِ شيءٍ. وفي الاصطلاحِ: مقابلةُ مالٍ بمالٍ قابلَينِ للتَّصرُّفِ بإيجابٍ وقَبولٍ على الوجهِ المأذونِ فيه. والأصلُ فيه آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وأحاديث، منها ما رواه أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «الْبُيُوعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: ١ - بَيْعُ عَيْنٍ مُشَاهَدَةٍ، فَجَائِزٌ»؛ أي: بيعُ عينٍ مرئيةٍ للمتبايِعَين، وهو جائزٌ؛ لانتفاءِ الغَرَرِ. ٢ - «وَبَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، فَجَائِزٌ إِذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ عَلَى مَا وُصِفَ بِهِ»، يُسَمَّى بيعُ الشيءِ الموصوفِ في الذِّمةِ «السَّلَمَ»، وهو جائزٌ إذا وُجِدَت الصِّفةُ المشروطُ ذِكْرُها فيه على ما

стр. 179

وُصفت به العينُ المُسْلَمُ فيها مع بقيَّةِ شروطِه الآتيةِ في بابِ السَّلَمِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ٣ - «وَبَيْعُ عَيْنٍ غَائِبَةٍ لَمْ تُشَاهَدْ، فَلَا يَجُوزُ»، بيعُ العينِ الغائبةِ التي لم تُشاهدْ للعاقِدَيْنِ لا يجوزُ؛ لحديثِ أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ بَيْعُ كُلِّ طَاهِرٍ مُنْتَفَعٍ بِهِ مَمْلُوكٍ»؛ أي: يصحُّ البيعُ إذا تحقَّقت فيه هذه الشُّروطُ، من كونِ المبيعِ طاهرًا، منتفعًا به، مملوكًا، مقدُورًا على تسليمِه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ بَيْعُ عَيْنٍ نَجِسَةٍ، وَلَا مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ»، لا يصحُّ بيعُ عينٍ نجسةٍ، كالخمرِ والخنزيرِ، ولا ما لا منفعةٌ فيه، كالأصنامِ والميتةِ، ونحوِها، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ عامَ الفتحِ وهو بمكةَ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ، وَالْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْنَامِ»، فقِيل: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ شحومَ الميتةِ، فإنَّه يُطلى بها السفنُ، ويُدهَنُ بها الجلودُ، ويَستصْبِحُ بها النَّاسُ، فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثمَّ قال رسولُ اللهِ ﷺ عندَ ذلك: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» (٢).

стр. 180

«فَصْلٌ» في الرِّبَا الرِّبا في اللُّغةِ: الزِّيادةُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]؛ أي: يَزِيدُها ويُنَمِّيها. وفي الاصطلاحِ: الزِّيادةُ في أشياءَ مخصوصةٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَالرِّبَا فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَطْعُومَاتِ»، التَّعاملُ بالرِّبا مُحَرَّمٌ، وهو من كبائرِ الذنوبِ، والأصلُ في تحريمِه آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. وأحاديثُ، منها حديثُ جابرٍ ﵁ قال: «لَعَنَ رسولُ اللهِ ﷺ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَهُ، وكاتِبَهُ، وشاهِدَيْهِ»، وقال: «هُمْ سَوَاءٌ» (١). ويكونُ الرِّبا في: «الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْمَطْعُومَاتِ»؛ كما قال المصنِّفُ ﵀؛ لحديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٢).

стр. 181

فدلَّ الحديثُ على ما ذكرَه المصنِّفُ في بيعِ الذَّهبِ بالذَّهبِ والفضَّةِ بالفضَّةِ من اشتراطِ التَّماثلِ، والحلولِ، والقبضِ في المجلسِ، وكما تُشترطُ هذه الثَّلاثةُ في الذَّهبِ والفضَّةِ؛ كذلك تُشترطُ في المتماثلاتِ من الأطعمةِ، ويُقاسُ على هذهِ الأشياءِ الستَّةِ ما شارَكها في العلَّةِ. والعلَّةُ في «الذَّهبِ والفضَّةِ» هي النَّقديَّةُ أو الثمنيَّةُ، فيُقاسُ عليهما كلُّ ما جُعِلَ أثمانًا، كالأوراقِ النَّقديَّةِ المستعملةِ في هذه الأزمنةِ، فيَحرمُ فيها التفاضلُ إذا بِيع بعضُها ببعضٍ مع اتَّحادِ الجنسِ، وما سِوَى الذَّهبِ والفضَّةِ من الموزوناتِ، كالحديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والقُطنِ والكَتانِ والصُّوفِ والغَزلِ وغيرِها؛ فلا رِبَا فيها، فيجوزُ بيعُ بعضِها ببعضٍ متفاضلًا ومؤجَّلًا. والعِلَّةُ في بقيَّةِ الأصنافِ الستَّةِ، وهي: «البُرُّ، والشَّعِيرُ، والتَّمرُ، والمِلْحُ»؛ هي الطُّعْمُ؛ أي: كونُها تُطْعَمُ وتُؤْكَلُ، ويَدُلُّ عليه حديثُ مَعْمَرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵁ قال: كنتُ أسمعُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (١). سواءٌ كان هذا الطعامُ للتَّقوُّتِ أو التَّفكُّهِ أو الإصلاحِ أو التَّداويِ، وقد جاء في حديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ ﵁ السَّابقِ: «الْبُرُّ والشَّعِيرُ»، والمقصودُ بهما التَّقَوُّتُ، فأُلْحِقَ بهما ما في معناهما، كالأرزِ والذُّرةِ، وكذلك «التَّمْرُ»، والمقصودُ منه التَّفَكُّهُ

стр. 182

والتَّأَدُّمُ، فأُلْحِقَ به ما في معناه، كالزَّبيبِ والتِّينِ، وكذلك «الْمِلْحُ»، والمقصودُ منه الإصلاحُ، فأُلْحِقَ به ما في معناه كالمصطكَى والزَّنجبيلِ، ولا فرقَ بين ما يُصلِحُ الغذاءَ، وما يُصلِحُ البدنَ؛ فإنَّ الأغذيةَ تحفظُ الصحَّةَ، والأدويةُ تَرُدُّ الصِّحةَ. فيَحرُمُ التَّفاضلُ في الجنسِ الواحدِ من أموالِ الرِّبَا إذا بِيعَ بعضُه ببعضٍ، كبيعِ درهمٍ بدرهمين، أو دينارٍ بدينارينِ، أو صاعِ تمرٍ بصاعَينِ، وهو لا يكونُ إلا في الذَّهبِ والفِضَّةِ -كما سبق- ولو غيرَ مضروبَينِ، وكذلك في المطْعوماتِ. والرِّبا على أنواعٍ: الأول: «رِبَا الْفَضْلِ»، وهو بيعُ المالِ الرِّبويِّ أو مبادلتُه بجنسِه مع زيادةٍ في أحدِ العِوضَينِ على الآخرِ، مثالُه: بيعُ صاعِ تمرٍ جيِّدٍ أو مبادلتُه بصاعَينِ من الرَّدِيء، أو مائةِ جرامٍ ذهبًا قديمًا بمائةٍ وعشرةٍ جديدًا، وهو محرَّمٌ؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرةَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ استعمل رجلًا على خيبرٍ، فجاءه بتمرٍ جَنِيبٍ، فقال النبيُّ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قال: لا والله يا رسولَ اللهِ، إنَّا لنأخذُ الصَّاعَ من هذا بالصَّاعَينِ، والصاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (١).

стр. 183

ولحديثِ عُبادَةَ بنِ الصَّامتِ ﵁: أنَّه غزَا مع معاويةَ ﵁ أرضَ الرومِ، فنظرَ إلى النَّاسِ وهم يتبايعونَ كسرَ الذَّهبِ بالدَّنانيرِ، وكسرَ الفضَّةِ بالدَّراهمِ، فقال: يا أيُّها النَّاسُ، إنَّكم تأكلونَ الرِّبا، سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةً» (١). الثَّاني: «رِبَا النَّسِيئَةِ»، وهو بيعُ المالِ الربويِّ بجنسِه مؤجلًا، مثالُه: إعطاءُ شخصٍ لآخرَ ألفَ دينارٍ ليردَّه بعدَ عامِ ألفًا ومائةً، وهذا النَّوعُ من الرِّبا هو الأشهرُ والأكثرُ شيوعًا قديمًا وحديثًا، وهو الرِّبا الذي كانت العربُ في الجاهليَّةِ يتعاملُونَ به, وجميعُ الآياتِ القرآنيةِ التي تحدَّثَت عن تحريمِ الرِّبَا المرادُ فيها ربَا النَّسيئةِ الذي هو ربَا الجاهليةِ، وهو الرِّبَا الذي أُنشِئَت على أسَاسِه المصارفُ الرِّبويَّةُ، والمحورُ الرئيسُ لمعاملاتِها، فجميعُ السُّلَفِ, أو القُرُوضِ التي تُقَدِّمها المصارفُ الرِّبويَّةُ إلى أجَلٍ في مقابلِ الزِّيادةِ السنويَّةِ -كسبعةٍ في المائةِ أو نحوِ ذلك- تمثِّلُ صورةً من صورِ ربَا النَّسيئةِ. الثَّالث: «رِبَا الْيَدِ»، وهو بيعُ الربويِّ أو مبادلتُه بجنسِه أو بغيرِ جنسِه مع تأخيرِ قبضِ أحدِ البدلَينِ أو كليهما عن مجلسِ العقْدِ، مثالُه: مبادلةُ القمحِ أو الشَّعيرِ بالتَّمرِ مع تأخيرِ قبضِ أحدِ البَدَلَينِ أو كلَيهما، ومنه صرفُ النُّقودِ بجنسِها أو بغيرِ جنسِها مع تأخيرِ التَّقابضِ لأحدِهما أو كليهما، كصرفِ عددٍ من الجنيهاتِ

стр. 184

بالدُّولارِ، أو قطعةِ نقدٍ من فئةِ العشرينَ بجنيهاتٍ من فئةِ الجنيهِ الواحدِ، ففي جميعِ هذه الحالاتِ يُشترطُ التَّقابضُ في مجلسِ العَقْدِ، فإذا تأخَّرَ القبضُ لأحدِهما أو كلَيهما وقع المتبادلانِ في الرِّبا، والدَّليلُ على ذلك حديثُ عبادةَ ﵁ المتقدِّمُ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْفِضَّةِ كَذَلِكَ إِلَّا مُتَمَاثِلًا نَقْدًا»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» (٢). وفي روايةٍ لأبي سعيدٍ ﵁: «يَدًا بِيَدٍ» (٣)؛ أي: نقدًا، بتقابضِ البدلَينِ في المجلسِ، بغيرِ زيادةٍ ولا نقصانٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعُ مَا ابْتَاعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» (٤).

стр. 185

ولحديثِ زيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيثُ تُبَتاعُ حتى يحوزُها التُّجَّارُ إلى رحالهم» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ»؛ لحديثِ سمرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نهَى عن بيعِ الشَّاةِ باللَّحمِ» (٢). ولحديثِ سعيدِ بنِ المسيبِ ﵀ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نهَى عنْ بيعِ الحيوانِ باللَّحمِ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ بَيْعُ الذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا»؛ لحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٤)؛ أي: نقدًا، حالًّا، مقبوضًا بيدِ كلٍّ منهما قبلَ تفرُّقِهما. قال أبو شجاع ﵀: «وَكَذَلِكَ الْمَطْعُومَاتُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهَا بِمِثْلِهِ إِلَّا مُتَمَاثِلًا نَقْدًا»؛ للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ وأبي هريرةَ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ استعمل رجلًا على خَيْبَرَ، فجاءه بتمر جَنِيبٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أَكُلُّ تَمْرِ

стр. 186

خَيْبَرَ هَكَذَا؟»، قال: لا واللهِ يا رسولَ اللهِ، إنَّا لنأخذُ الصَّاعَ من هذا بالصَّاعَينِ، والصَّاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ بَيْعُ الْجِنْسِ مِنْهَا بِغَيْرِهِ مُتَفَاضِلًا نَقْدًا»؛ أي: يجوزُ بيعُ الجنسِ من المطعوماتِ بغيرِه، كالحِنطةِ بالشَّعيرِ؛ مُتفاضلًا، بشَرطِ أنْ يكونَ نقدًا،؛ أي: حالًّا مقبوضًا بيدِ كلٍّ منهما قبلَ التَّفرُّقِ، ودليلُه حديثُ عُبَادَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»، وقد تقدَّمَ مِرارًا. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْغَرَرِ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (٢). والنَّهيُ عن بيعِ الغررِ أصلٌ عظيمٌ من أصولِ كتابِ البيوعِ، ويَدخلُ فيه مسائلُ كثيرةٌ غيرُ منحصرةٍ، كبيعِ الآبقِ، والمعدومِ، والمجهولِ، وما لا يُقدَرُ على تسلِيمِه، وما لم يتمُّ ملكُ البائعِ عليه، وبيعِ السَّمكِ في الماءِ الكثيرِ، واللَّبنِ في الضَّرْعِ، وبيعِ الحَمْلِ في البَطنِ، ونظائرَ ذلك، وكلُّ ذلك بيعُه باطلٌ؛ لأنَّه غَرَرٌ

стр. 187

من غيرِ حاجةٍ، ومعنى الغَررِ: الخطرُ والغُرُورُ والخداعُ، واعلمْ أنَّ بيعَ الملامسةِ، وبيعَ المنابذةِ، وبيعَ حبَلِ الحَبَلَةِ، وبيعَ الحَصاةِ، وعَسْبِ الفحْلِ، وأشباهِها من البُيوعِ التي جاء فيها نصوصٌ خاصَّةٌ؛ هي داخلةٌ في النَّهيِ عن الغَرَرِ، ولكن أُفرِدت بالذِّكرِ ونُهِيَ عنها؛ لكونِها من بياعاتِ الجاهليَّةِ المشهورةِ (١). «فَصْلٌ» في الخِيَار قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، بالخيارِ؛ أي: له أنْ يفسخَ العقدَ ويردَّ البيعَ؛ ما لم يتفرَّقَا؛ أي: يغادرُ أحدُهما مجلسَ العقدِ، فإنْ غادرَ أحدُهما لَزِمَ العقدُ، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيار المجلسِ»، ودليلُه حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» (٢).

стр. 188

قال أبو شجاع ﵀: «وَلَهُمَا أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيار الشَّرطِ» وهو أنْ يشترطَ أحدُ المتعاقدينَ أنَّ له الخيارَ خلالَ مدَّةٍ معلومةٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ رجلًا ذكرَ للنَّبيِّ ﷺ أنَّه يُخْدَعُ في البيوعِ، فقال: «إِذَا بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» (١). وفي روايةٍ: «إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِنْ رَضِيتَ فَأَمْسِكْ، وَإِنْ سَخِطْتَ فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وُجِدَ بِالْمَبِيعِ عَيْبٌ فَلِلْمُشْتَرِي رَدُّهُ»، وهذا ما يُسمَّى بـ «خيارَ العيبِ»، ودليلُه حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ» (٣).

стр. 189

قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» (١). وفي روايةٍ أنَّه ﷺ قال: «لَا تَبْتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَتَذْهَبَ عَنْهُ الْآفَةُ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا بَيْعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ رَطْبًا إِلَّا اللَّبَنَ»، لا يجوزُ بيعُ شيءٍ فيه الرِّبا بجنسِه من المطعوماتِ حالَ كونِه رطبًا؛ لأنَّ المماثلةَ شرطٌ في بيعِ الربويِّ بجنسِه، ووقتُ اعتبارِ المماثلةِ هو الوقتُ الذي يبلغُ فيه الرِّبويُّ حالَ الكمالِ، فـ «البلحُ» -مثلًا- حالَ كونِه رُطَبًا لم يبلغْ حالَ الكمالِ، فلا يجوزُ بيع «البلحِ» رُطَبًا بجنسِه؛ سواءٌ كان رُطَبًا برُطَبٍ، أو رُطَبًا بيابسٍ، ويُقاسُ على ذلك، فلا يُباعُ عِنَبٌ بِعِنَب، ولا عِنَبٌ بزبيبٍ؛ لأنَّ حالَ الكمالِ في العنبِ أنْ يصلَ إلى مرحلةِ الزَّبيبِ؛ فيباعُ الزَّبيبُ بالزَّبيبِ، وكذلك أجناسُ الفاكهةِ؛ كالمُشمُشِ والتِّينِ، فلا يُباعُ شيءٌ منها بجنسِه حتى ييْبسَ، فلا يُباعُ منه رَطْبٌ بِرَطْبٍ ولا رَطْبٌ بيابسٍ، يقولُ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ عن

стр. 190

شِرَاءِ التَّمْرِ بالرُّطَبِ، فقال لِمَنْ حَوْلَهُ: «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟»، قالوا: نعم، فنَهَى عن ذلكَ (١). وأما استثناؤُه اللَّبنَ، فلأنَّ حالَ كونِه لبنًا هي حالُ كمالٍ له، فيُباعُ الحليبُ بالحليبِ، والرَّائبُ بالرائبِ، وكذلك يُباعُ الرَّائبُ بالحليبِ، والمعيارُ في اللَّبنِ الكيلُ وإنْ تفاوتَ الوزنُ. «فَصْلٌ» في السَّلَم السَّلَمُ في اللُّغةِ: الاستعجالُ والتَّقديمُ، ويُقالُ: السَّلَمُ والسَّلَفُ؛ السَّلمُ لغةٌ حجازيةٌ، والسَّلفُ لغةٌ عراقيَّةٌ، وأسلَم في الشَّيْءِ وسلَّم وأسلَفَ بمعنًى واحدٍ، وسُمِّيَ سَلَمًا لتَسليمِ رأسِ المالِ في المجلسِ، وسلفًا لتقديمِ رأسِ المالِ وحدَه. وفي الاصطلاحِ: بَيْعُ موصوفٍ في الذِّمةِ مؤجلٍ بثمنٍ مقبوضٍ. والأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، قال ابنُ عباسٍ ﵄: نزلتْ في السَّلَمِ، في كَيْلٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلومٍ (٢). وقال ابنُ عباسٍ ﵄: «قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ وَهُمْ يُسْلِفُون

стр. 191

بالتَّمرِ السَّنتينِ والثلاثَ، فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ السَّلَمُ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا فِيمَا تَكَامَلَ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِالصِّفَةِ»؛ أي: أنْ يكونَ المسْلَمُ فيه مضبوطًا بالصِّفَةِ التي لا يعزُّ وجودُها، كالحبوبِ والثِّمارِ والثِّيابِ والدوابِّ والأخشابِ والأحجارِ والحديدِ والرَّصاصِ ونحوِ ذلك من الأموالِ التي تُضْبَطُ بالصِّفاتِ بحيثُ تنتفي عنها الجهالةُ. ٢ - «وَأَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَمْ يَخْتَلِطْ بِهِ غَيْرُهُ»، كعلفٍ مخلوطٍ من شعيرٍ وغيرِه -مثلًا- أو طيبٍ مخلوطٍ من مسكٍ وعنبرٍ وغيرِهما، فلا يصحُّ ذلك، لأنَّ نسبةَ كلِّ جنسٍ في الخليطِ مجهولةٌ. ٣ - «وَلَمْ تَدْخُلُهُ النَّارُ لِإِحَالَتِهِ»، فلا يصحُّ السَّلمُ في مطبوخٍ أو مشوِيٍّ؛ لاختلافِ الغرضِ باختلافِ تأثيرِ النارِ فيه، وتعذُّرِ الضَّبطِ؛ أمَّا إذا دخلتْه النارُ للتَّمْيِيزِ؛ كالعسلِ والسَّمنِ فيصحُّ فيه السَّلَمُ. ٤ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ مُعَيَّنًا»؛ أي: عَيْنًا حاضرةً، بل يُشْتَرطُ أنْ يكونَ دَيْنًا؛ لأنَّ لفظَ السَّلمِ مَوْضُوعٌ له، فلو قال: أسلمتُ إليك هذا الثوبَ لم ينعقدْ سَلَمًا. ٥ - «وَلَا مِنْ مُعَيَّنٍ»؛ أي: لا يكونُ المُسْلَمُ فيه من موضعٍ معيَّنٍ لا يؤمَنُ انقطاعُه فيه، فلو أسلمَ في تَمْرِ قريةٍ صغيرةٍ، أو

стр. 192

بستانٍ، أو ضيعةٍ -أي: في قَدْرٍ معلومٍ منها- لم يصحَّ؛ لأنَّه قد ينقطعُ بجائحةٍ ونحوِها. قال أبو شجاع ﵀: «ثمَّ لِصِحَّةِ السَّلَمِ فِيهِ ثَمَانِيَةُ شَرَائِطَ، وَهُوَ: ١ - أَنْ يَصِفَهُ بَعْدَ ذِكْرِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ»؛ أي: يذكرُ جنسَ المُسْلَمِ فيه، فيقولُ -مثلًا-: قمحٌ، أو شعيرٌ، وهذا ليس من الصِّفاتِ، فإنَّ الجنسَ أصلُ الشَّيءِ، وأصلُ الشَّيءِ لا يكونُ صفةً له، ثمَّ يذكرُ النَّوعَ من هذا الجنسِ، فيقولُ -مثلًا-: قمحٌ مِصريٌّ، أو شاميٌّ، والصِّفةَ كأنْ يذكرَ لونَه أو شكلَه، ورقَّتَه أو ثُخونتَه، وكذلك الإبلُ والبقرُ والغنمُ والخيلُ والبغالُ والحميرُ من الذُّكورةِ والأنوثةِ والسِّنِّ واللَّونِ والنَّوعِ؛ وكذلك الطَّيرُ من الصِّغرِ والكبَرِ والذكورةِ والأنوثةِ والسنِّ إنْ عُرفَ؛ وكذلك الثِّيابُ من قُطْنٍ أو كَتَّانٍ أو حريرٍ أو غيرِه؛ ويذكرُ النَّوعَ، كمصريٍّ أو عِراقيٍّ، والطولَ والعَرضَ والغِلظةَ والدقةَ والصَّفاقةَ والرِّقةَ والنُّعومةَ والخشونةَ، وهكذا. ٢ - «وَأَنْ يَذْكُرَ قَدْرَهُ بِمَا يَنْفِي الْجَهَالَةَ عَنْهُ»؛ أي: أنْ يكونَ المُسْلَمُ فيه معلومَ القدرِ كيلًا في مكيلٍ، ووزنًا في موزونٍ، وعدًّا في معدودٍ، وذرعًا في مذروعٍ. ٣ - «وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا ذُكِرَ وَقْتُ مَحِلِّهِ»؛ أي: وقتُ حُلُولِ الأجل، فيجبُ أنْ يَذْكُرَ العاقدُ أجلًا معلومًا، والأجلُ المعلومُ ما يعرفه النَّاس؛ كشهورِ العربِ، أو الفرسِ، أو الرُّومِ؛ لأنَّها معلومةٌ مضبوطةٌ.

стр. 193

٤ - «وَأَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا عِنْدَ الاسْتِحْقَاقِ فِي الْغَالِبِ»، فلو أسلمَ فيما ينقطعُ وجودُه غالبًا وقتَ حلولِ الأجل؛ كرطب في الشِّتاءِ؛ لم يصحَّ. ٥ - «وَأَنْ يَذْكُرَ مَوْضِعَ قَبْضِهِ»؛ أي: من الأمكنةِ الممكنةِ؛ لا سيَّما فيما لنقلِه مُؤنةٌ. ٦ - «وَأَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا»؛ أي: بالقدرِ أو بالمشاهدةِ. ٧ - «وَأَنْ يَتَقَابَضَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ»؛ أي: أن يقبضَ البائعُ المالَ من المشتري في مجلسِ العقدِ. ٨ - «وَأَنْ يَكُونَ عَقْدُ السَّلَمِ نَاجِزًا لَا يَدْخُلُهُ خِيَارُ الشَّرْطِ»، ناجزًا: أي ماضيًا نافذًا؛ لما فيه من غرَرِ إيرادِ عقدِه على معدومٍ، فلا يضمُّ إليه غررَ خيارِ الشَّرطِ، ولهما خيارُ المجلسِ ما لم يتفرَّقَا؛ لعمومِ قولِه ﷺ : «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (١). «فَصْلٌ» في الرَّهْن الرَّهنُ في اللُّغة: الحبسُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]، وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]؛ أي: محبوسةٌ بكسْبِها وعَملِها.

стр. 194

وفي الاصطلاح: جَعْلُ عينٍ ماليَّةٍ وثيقةً بِدَيْنٍ يُستوفَى منها عندَ تعذُّرِ الوفاءِ. والأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. ويصحُّ الرَّهنُ في الحضرِ كما يصحُّ في السَّفرِ، تقولُ عائشةُ ﵂: «اشترى النَّبِيُّ ﷺ طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ» (١). وقد أجمعتِ الأمَّةُ على مشروعيَّةِ الرَّهنِ وتعاملت به، ولم ينكرْه أحدٌ. قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ رَهْنُهُ فِي الدُّيُونِ إِذَا اسْتَقَرَّ ثُبُوتُهَا فِي الذِّمَّةِ»؛ لأنَّ المقصودَ من الرَّهنِ أنْ يباعَ ويُستوفَى الحقُّ منه إذا تعذَّرَ استيفاؤُه من ذمَّةِ الرَّاهنِ، وهذا يتحقَّقُ في كلِّ عينٍ جازَ بيعُها. قال أبو شجاع ﵀: «وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِيهِ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ»؛ أي: للرَّاهنِ الرُّجوعُ عن الرَّهنِ ما لم يقبضِ المرتهنُ العينَ المرهونةَ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فلا يلزمُ الرَّهنُ قبلَ القبضِ، فإنْ قبضَه لزِمَ الرَّهنُ وامتنعَ على الرَّاهنِ الرُّجوعُ فيه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي»، المرهونُ أمانةٌ في يدِ المرتهَنِ؛ لأنَّه قبضَه بإذنِ الرَّاهنِ، فكان

стр. 195

كالعينِ المستأجَرةِ فلا يضمنُه إلا بالتَّعدِّي؛ كسائرِ الأماناتِ، فلو تلفَ المرهُونُ بغيرِ تعدٍّ لم يضمنْه، ولم يَسقطْ من الدَّينِ شيءٌ؛ لأنَّه وثيقةٌ في دينٍ فلا يسقطُ الدَّيْنُ بتلفِه. وليس للمرتَهِنِ في المرهونِ إلا حقُّ الاستيثاقِ؛ فيمنعُ مِن كلِّ تصرُّفٍ أو انتفاعٍ بالعينِ المرهونةِ، أمَّا الرَّاهنُ فله عليها كلُّ انتفاعٍ لا يُنقصُ القيمةَ كالرُّكوبِ ودرِّ اللَّبونِ، والسُّكنى والاستخدامِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (١). أي: لا يمنعُ الرَّهنُ المرهونَ من مالكِه الذي رهنَه, لينتفعَ به, «لَهُ غُنْمُهُ»؛ أي: فوائدُه ونماؤُه, «وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ»؛ أي: نفقتُه ومُؤْنتُه, فإنَّه إذا تلِفَ تلِفَ عليه (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الْحَقِّ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنَ الرَّهْنِ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَهُ»؛ أي: إذا قبض المرتهنُ بعضَ الدَّينِ الذي على الرَّاهنِ لم ينفكَّ شيءٌ من الرَّهنِ حتى يقضيَ الرَّاهنُ الدَّينَ الذي عليه كاملًا.

стр. 196

«فَصْلٌ» في الحَجْر الحَجْرُ في اللُّغةِ: المنعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: ٥]؛ أي: لذي عقلٍ، وسُمِّيَ العقلُ حِجْرًا؛ لأنَّه يمنعُ صاحبَه من فعلِ القبائح، وما يضرُّ في العاقبةِ. وفي الاصطلاحِ: المنعُ من التصرُّفِ في المالِ لأسبابٍ مخصوصةٍ. والحَجْرُ على الإنسانِ نوعانِ: حجرٌ لمصلحةِ نفسِه، وحجرٌ لمصلحةِ الغيرِ، فالذي لمصلحةِ نفسِه ثلاثةٌ، وهم: «الصبيُّ، والمجنونُ، والسفيهُ»، والذي لحقِّ الغيرِ ثلاثةٌ، وهم: «المفلسُ والمريضُ والعبدُ»، وسيأتي تفصيلُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى. قال أبو شجاع ﵀: «وَالْحَجْرُ عَلَى سِتَّةٍ: ١ - الصَّبِيُّ»، وهو مَن لم يبلغْ، وللبلوغِ أربعُ علاماتٍ؛ ثلاثٌ منها يشتركُ فيها الذَّكرُ والأنثى، وهي: الاحتلامُ، ونباتُ الشعرِ الخَشِنِ حولَ العانةِ، وبلوغُ خمسَ عشرةَ سنةً، وتزيدُ الأنثى بعلامةٍ رابعةٍ، وهي الحيضُ. ودليلُ الحَجرِ على الصبيِّ قولُه تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]. واليتيمُ: مَن مات أبوه قبلَ بلوغِه؛ سواءٌ كانت أمُّه باقيةً أم لا. ٢ - «وَالْمَجْنُونُ»، وهو فاقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كان بشكلٍ جزئيٍّ

стр. 197

أو كليٍّ، ودليلُ الحَجرِ عليه الآيةُ السابقةُ؛ فإنَّ اللهَ تعالى دفعَ المالَ إليهم على شرطَين؛ وهما: البلوغُ، والرُّشدُ. ٣ - «وَالسَّفِيهُ الْمُبَذِّرُ لِمَالِهِ»، وهو الذي ينفقُه فيما لا يعودُ عليه بمنفعةٍ عاجلةٍ أو آجلةٍ؛ كأنْ ينفقَه في اللَّذاتِ المحرَّمةِ الضَّارةِ بالبدنِ والعِرْضِ والدينِ؛ كالزِّنا وشربِ الخمرِ، أو يضيِّعَه بسوءِ تصرُّفِه؛ كأنْ يبيعَ ويشتريَ بالغبنِ الفاحشِ. ودليلُ الحَجرِ على السَّفيهِ قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: ٥]، والمرادُ بقولِه تعالى: ﴿أَمْوَالَكُمُ﴾؛ أي: «أموالهم»، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]؛ أي: أموالَ بعضِكم، وبدليلِ أمرِهِ تعالى بالإنفاقِ عليهم منها، ولا يجبُ الإنفاقُ عليهم من غيرِ أموالِهم. ٤ - «وَالْمُفْلِسُ الَّذِي ارْتَكَبَتْهُ الدُّيُونُ»، وهو الذي لا يفِي مالُه بديونِه، ودليلُه حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ : «حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ ﵁ مَالَهُ، وَبَاعَهُ فِي دَيْنٍ عَلَيْهِ» (١). ٥ - «وَالْمَرِيضُ الْمَخُوفُ عَلَيْهِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ»، وهو ثُلثَا التَّركةِ؛ لأجلِ حقِّ الورثةِ، ودليلُه حديثُ سعدِ بنِ أبي وقاصٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَعُودُني عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِن

стр. 198

وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهَ، قَد بَلَغَ بي مِن الوجَعِ ما تَرَى، وأنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُني إلَّا ابنةٌ لي، أفَأَتَصَدُّقُ بثُلُثَي مَالِي؟ قال: «لَا»، فقلت: بالشَّطْرِ؟ فقال: «لَا، الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» (١). ٦ - «وَالْعَبْدُ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي التِّجَارَةِ»؛ لأنَّ مالَ العبدِ لسيدِه، ولا يجوزُ له التصرُّفُ بغيرِ إذنِه، فإذا أَذِنَ له سيِّدُه صحَّ تصرُّفُه. قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالسَّفِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ»؛ أي: في الأمورِ الماليةِ، فلا يصحُّ منهم بيعٌ ولا شراءٌ ولا هبةٌ، ولا عِتْقٌ، ولا غيرُ ذلك من التَّصرفاتِ الماليَّةِ، وكذلك نكاحُ السفيهِ بدونِ إذْنِ وليِّهِ لا يَصحُّ؛ لأنَّه يتضمنُ وجوبَ المالِ، فإذا تزوَّجَ السَّفِيهُ بدونِ إذنِ وليِّه فإنَّ نكاحَه يكونُ باطلًا، ويفرَّقُ بينهما، ولا يلزمُه شيءٌ؛ وإنْ لم تعلمِ الزوجةُ أنَّه سفيهٌ؛ لأنَّها قصَّرت في عدمِ السُّؤالِ عنه، فإذا تزوَّجَ امرأةً بإذنِ وليِّها وأمهرَها مهرَ المثلِ فإنَّ العقدَ يصحُّ؛ فإذا زادَ على مهرِ المثلِ فإنَّ النِّكاحَ يصحُّ وتُلغى الزيادةُ، ويصحُّ طلاقُ السَّفيهِ ومراجعتُه؛ كما يصحُّ خلعُه، ويجبُ دفعُ عوضِ الخُلعِ إلى وليِّه، وحكمُ السفيهِ في العباداتِ الماليَّةِ الواجبةِ كالزَّكاةِ ونفقةِ الزَّوجةِ والأولادِ ونحوِ ذلك كالرَّشيدِ؛ بخلافِ المندوبةِ كصدقةِ التَّطوعِ، والهبةِ ونحوِ ذلكَ،

стр. 199

فليس هو فيها كالرَّشيدِ، ولا يُفَرِّقُ الزَّكاةَ بنفسِه؛ لأنَّه تصرُّفٌ ماليٌّ، فإذا أذِنَ له ولِيُّه وعيَّنَ له المدفوعَ صحَّ تصرُّفُه، وكذلك الصبيُّ المميِّزُ. ووليُّ هؤلاءِ الثَّلاثةِ -الصبيِّ والمجنونِ والسَّفيهِ- الأبُ، ثمَّ الجَدُّ لأبٍ، ثمَّ وصيُّهما -ويُشترطُ فيه العدالةُ- ثمَّ القاضِي أو من ينصِّبُه؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (١). ولا ولايةَ للأمِّ إلَّا إذا أقامَها الأبُ أو الجدُّ أو القاضِي، والأولَى تقديمُها على الأجنبيِّ إذا كانت صالحةً. قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْمُفْلِسِ يَصِحُّ فِي ذِمَّتِهِ دُونَ أَعْيَانِ مَالِهِ»، تصرُّفُ المفْلسِ المحجورِ عليه يصحُّ فيما يتعلقُ بذمتِه دونَ أعيانِ مالِه، فلو باعَ على وجهِ السَّلَمِ، أو اشترَى بثمنٍ في ذمتِه، أو اقترضَ أو استأجرَ صحَّ؛ إذْ لا ضررَ على الغرماءِ، كما يصحُّ نكاحُه؛ ويبقَى المَهرُ دينًا في ذمَّتِه لا في المالِ الذي تحتَ يدِه، وكذلك يصحُّ خُلْعُه وطلاقُه ورجعتُه وما أشبهَ ذلك، أمَّا التصرفُ في أعيانِ مالِه بالبيعِ والشِّراءِ والعتقِ والرَّهنِ والهبةِ والإيجارِ وغيرِ ذلكَ من التَّصرُّفاتِ الماليةِ العينيةِ فإنَّه لا يصحُّ؛ لتضرُّرِ الغُرماءِ.

стр. 200

قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ مِنْ بَعْدِهِ»، فإنْ أجازُوا الزائدَ على الثُّلثِ صحَّ؛ وإلَّا فلا، وإجازةُ الورثةِ حالَ المرضِ لا تُعْتَبَر، وإنَّما تعتبرُ بعدَ موتِ المريضِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصَرُّفُ الْعَبْدِ يَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ عِتْقِهِ»، تصرُّف العبدِ بغيرِ إذنِ سيدِه فيما يتوقفُ على إذنٍ؛ كالبيعِ والشِّراءِ ونحوِ ذلكَ يكونُ في ذمَّتِه؛ فيستردُّه البائعُ سواءٌ كان في يدِ العبدِ أو في يدِ سيدِه، فإنْ تلفَ في يدِ العبدِ فإنَّه يكونُ في ذمَّتِه يُتبعُ به إذا عتقَ؛ لثبوتِه برضَا مالكِه وعدمِ إذنِ السَّيدِ فيه. «فَصْلٌ» في الصُّلح الصُّلحُ في اللُّغةِ: قطعُ النزاعِ والتوفيقُ بينَ الخصومِ. وفي الاصطلاحِ: عقدٌ يحصلُ به التوفيقُ ورفعُ النزاعِ. والصلحَ في الشَّريعةِ يجرِي في خمسةِ أنواعٍ: الأول: صلحٌ بينَ المسلمينَ والكفارِ، قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. الثَّاني: صلحٌ بينَ أهلِ العدلِ من المسلمينَ وأهلِ البغيِ منهم، قال تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. الثَّالث: صلحٌ بينَ الزوجينِ عندَ حصولِ النزاعِ بينهما، قال

стр. 201

تعالى ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨]. الرابع: صلحٌ بينَ المتخاصمَينِ في الأمورِ غيرِ الماليَّةِ، وليس منهم بغاةٌ، كما في حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ أهلَ قُبَاءٍ اقتتلوا حتى تَرامَوْا بالحجارةِ، فأُخْبِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بذلك فقال: «اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ» (١). الخامس: صلحٌ في المعاملاتِ الماليَّةِ، وهو المقصودُ في هذا الفصلِ، وهو مرادُ الفقهاءِ عندَ عنونتِهم لـ «الصلحِ». والأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. ومِنَ السُّنَّةِ حديثُ عمرِو بنِ عوفٍ المُزَنِيِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الصُّلْحُ مَعَ الْإِقْرَارِ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا أَفْضَى إِلَيْهَا»، الصلحُ مع الإقرارِ جائزٌ؛ بخلافِ الصُّلحِ مع الإنكارِ، فإنَّه يكونُ باطلًا؛ لأنَّ المدَّعِيَ إنْ كان كاذبًا فقد

стр. 202

استحلَّ مالَ المدَّعَى عليه بهذا الصلحِ؛ وهو حرامٌ، وإنْ كان صادقًا فقد حرَّم على نفسِه بعضَ مالِه الحلالِ؛ لأنَّه يستحقُّ جميعَ ما يدَّعِيه لا بعضَه، فدخلَ في قولِه ﷺ : «إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا، أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا» (١). فإذا أقرَّ المُدَّعَى عليه بالمُدَّعَى به في الأموالِ، أو ما أفضَى إليها؛ كمَن ثبتَ له على شخصٍ قِصاصٌ، فصالَحَه عليه على مالٍ؛ فإنَّه يصحُّ فيه الصلحُ، أمَّا ما لا يؤولُ إلى مالٍ؛ كحدِّ القذْفِ -مثلًا- فلا يصحُّ الصلحُ عليه بِعِوَضٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ نَوْعَانِ: إِبْرَاءٌ، وَمُعَاوَضَةٌ»؛ أي: الصُّلحُ فِي المعاملاتِ الماليَّةِ ينقسمُ إلى هذين النَّوْعَيْن؛ الإبراء والمعاوضة. قال أبو شجاع ﵀: «فَالْإِبْرَاءُ: اقْتِصَارُهُ مِنْ حَقِّهِ عَلَى بَعْضِهِ، وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ»، هذا هو النَّوعُ الأولُ من أنواعِ الصُّلحِ في المعاملاتِ الماليَّةِ، ويُسمَّى «صلحَ الحَطِيطَةِ»، وهو إسقاطُ الدَّائنِ عن المَدِينِ بعضَ دَيْنِه، كأنْ يقولَ الدَّائنُ للمدينِ -مثلًا-: صالحتُك في «الألْفِ» الذي عليك لي على «خمسِمائةٍ»، ودليلُ صحَّتِه حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ عندما طلبَ من عبدِ اللهِ بنِ أبي حدردٍ ﵁ دينًا له عليه، فارتفعت أصواتُهما في المسجدِ حتى سمِعَهما النبيُّ ﷺ وهو في بيتِه، فخرج إليهما، ونادَى: «يَا كَعْبُ»، فقال: لبَّيك يا رسولَ اللهِ، فأشارَ بيدِه أنْ ضَعِ الشَّطرَ مِن دَيْنِك،

стр. 203

فقال: قد فعلتُ يا رسولَ اللهِ، فقال ﷺ : «قُمْ فَاقْضِهِ» (١). ويصحُّ بلفظِ الإبراءِ، والحطِّ، والإسقاطِ، ونحوِ ذلك؛ كـ «أبرأتُك من خمسِمائةٍ من الألفِ الذي لي عليك»، أو «حطَطْتُها عنك»، أو «أسقَطْتُها عنك»، ولا يصحُّ بلفظِ البيعِ؛ كأنْ يقولَ: «بعتُكَ الألفَ بخمسِمائةٍ»، كما أنَّه لا يصحُّ تعليقُه على شرطٍ؛ كأنْ يقولَ: «أبرأتُك على أنْ تؤجِّرَني دارَك»، أو «أبرأتُك على أنْ تُعِيرَني دابتَك»؛ بل لا بدَّ أنْ يكونَ مُنجَّزًا؛ لأنَّ في الإبراءِ معنى التَّمليكِ، والتَّمليكاتُ لا تقبلُ التَّعليقَ. قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُعَاوَضَةُ: عُدُولُهُ عَنْ حَقِّهِ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْبَيْعِ»، هذا هو النَّوعُ الثَّاني من أنواعِ الصُّلحِ في المعاملاتِ الماليَّةِ، وهو صلحُ المعاوضةِ، وهو الذي يجرِي على غيرِ العينِ المُدَّعاةِ، كما إذا ادَّعى رجلٌ على آخرَ دارًا فأقرَّ له بها، ثمَّ صالَحَه منها على قطعةِ أرضٍ أو دابَّةٍ، وهذا النَّوعُ من الصُّلحِ حكمُه حكمُ البيعِ، وتتعلقُ به جميعُ أحكامِ البيعِ، من ثبوتِ خيارِ المجلسِ والشَّرطِ، والردِّ بالعيوبِ، وغيرِ ذلك، وإنَّما جرتْ عليه أحكامُ البيعِ؛ لأنَّ هذا النَّوعَ من الصُّلحِ بيعٌ للعينِ المُدَّعاةِ مِن المُدَّعِي للمُدَّعَى عليه بلفظِ الصُّلحِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُشْرِعَ رَوْشَنًا فِي طَرِيقٍ نَافِذٍ بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ الْمَارُّ بِهِ»، الرَّوشَنُ: هو الجزءُ الممتدُّ مِن السَّقْفِ فوقَ الجدارِ، الخارجُ عنه إلى الطَّريقِ، والذي يُطِلُّ

стр. 204

على ما حولَه، سواءً كان من الخشبِ أو الحجَرِ؛ والطريقُ النافذُ هو المفتوحُ من الجانبينِ، يدخلُ النَّاسُ من بدايتِه ويخرجُون من نهايتِه، والطَّريقُ غيرُ النَّافذِ هو المفتوحُ من جهةٍ واحدةٍ، ومسدودٌ من الجهةِ الأُخرَى فلا يستطيعُ المارُّ أنْ يخرجَ منه؛ لأنَّه مغلقٌ. والأصلُ في جوازِ إشْراعِ الرَّوْشَنِ في الطريقِ النَّافذِ حديثُ هشامِ بنِ سعدٍ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵄ أنَّه قال: «كان للعباسِ ميزابٌ على طريقِ عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، فَلَبِسَ عُمَرُ ثِيابَه يومَ الجُمُعَة، وقد كان ذُبِحَ للعباسِ فَرْخانِ، فلمَّا وافَى الميزابَ، صُبَّ ماءٌ بدمِ الفرخينِ، فأصابَ عمرَ وفيه دمُ الفرخَينِ، فأمرَ عمرُ بِقَلْعِهِ، ثمَّ رجعَ عمرُ، فطرحَ ثيابَه، ولبس ثيابًا غيرَ ثيابِه، ثمَّ جاء فصلَّى بالنَّاسِ، فأتاه العباسُ، فقال: واللهِ إنَّه لَلْمَوْضِعُ الذي وضعَه النبيُّ ﷺ ، فقال عمرُ للعباسِ: وأنا أَعْزِمُ عليك لمَا صعِدْتَ على ظَهْرِي حتَّى تضعَه في الموضِعِ الذي وضَعهُ رسولُ اللهِ ﷺ ، ففعلَ ذلك العباسُ ﵁» (١). فلمَّا ورد النصُّ في الميزابِ قِيسَ عليه غيرُه. وعليه فيجوزُ للمسلمِ الانتفاعُ بذلك إذا كان في طريقٍ نافذٍ بين الدورِ والمساكنِ، بشرطِ ألَّا يتضررَ النَّاسُ منه، فَيُرْفَعُ بحيثُ يمرُّ المارُّ من تحتِه مُنْتَصِبًا وعلى رأسِه الحُمُولَةُ المعتادةُ من غيرِ احتياجٍ إلى طأطأةِ رأسِه، وإنْ كان الطريقُ النافذُ مَمَرَّ فُرسَانٍ

стр. 205

وقوافِلَ فَيُرْفعُ الرَّوشنُ بحيثُ يمرُّ من تحتِه المَحْمِلُ على البعيرِ مع أخشابِ المِظَلَّةِ الكائنةِ فوقَ المَحْمِل (١). فإن أخلَّ صاحبُ الرَّوشنِ بشيءٍ من ذلك فللمتضرِّرِينَ المطالبةُ بإزالتِه؛ وعلى الحاكمِ هدمُه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ إِلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ»، المقصودُ بـ «الدربِ المشتركِ» الطريقُ غيرُ النافذِ، وهو المسدودُ من آخرِه -كما سبقَ- ويُقالُ له: «الزُّقاقُ»، وهذا الطريقُ يكونُ مِلْكًا لأهلِه، فلا يجوزُ لغيرِهِم التَّصَرُّفُ فيه إلَّا برضاهم؛ لأنَّه مِلْكُهُم، فأشبَه الدُّورَ، وأهلُه مَنْ لهم حقُّ المرورِ فيه إلى مِلْكِهِم؛ من دارٍ، أو بئرٍ، أو فُرْنٍ، أو حانوتٍ؛ أمَّا البناءُ فيه وإخراجُ رَوْشَنٍ أو نحوِه فلا يجوزُ لأحدٍ منهم إلَّا برضَا الباقينَ؛ كسائرِ الأملاكِ المشتركةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْبَابِ فِي الدَّرْبِ الْمُشْتَرَكِ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الشُّرَكَاءِ»، الدَّربُ المشتركُ مِلْكٌ لأهلِه، ويستحقُّ كلُّ واحدٍ من بابِ دارِه إلى رأسِ الدَّربِ؛ أي: إلى آخِرِ الطريقِ من الجهةِ المفتوحةِ، دونَ ما يلي آخرَ الدربِ

стр. 206

من الجهةِ المقفولةِ؛ لأنَّ ذلك القدرَ هو محلُّ تردُّدِه، وما عدَا ذلك فهو فيه كالأجنبيِّ، فإذا أرادَ أنْ يؤخرَ بابَه إلى رأسِ الدَّربِ فله ذلك لأنَّه تركَ بعضَ حقِّه؛ بشرطِ أنْ يَسُدَّ الأوَّلَ، أمَّا إذا أرادَ نقلَه إلى داخلِه من الجهةِ المقفولةِ مُنع إلا برضى الشُّركاءِ. «فَصْلٌ» في الحَوَالَة الحَوَالَةُ في اللُّغةِ: الانتقالُ، يُقالُ: تحوَّلُ من مكانِه إذا انتقلَ عنه. وفي الاصطلاحِ: عقدٌ يقتضِي نقلَ دَيْنٍ مِن ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أُخرى. والأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْحَوَالَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: ١ - رِضَا الْمُحِيلِ»، وهو مَن عليه الدَّيْنُ، ووجهُ اشتراطِ رضا المُحِيلِ أنَّ الحقَّ الذي عليه له قضاؤُه من حيث شاء.

стр. 207

٢ - «وَقَبُولُ الْمُحْتَالِ»، وهو مستحِقُّ الدَّينِ من المُحِيلِ، ووجهُ اشتراطِ رضا المحتالِ أنَّ حقَّه في ذمَّةِ المُحِيلِ فلا ينتقلُ إلى غيرِه إلَّا برضاه. ٣ - «وَكَوْنُ الْحَقِّ مُسْتَقِرًّا فِي الذِّمَّةِ»، الحقُّ المستقرُّ هو الذي لا يكونُ عرضةً للسُّقوطِ بحالٍ، فالثمنُ في زمنِ الخيارِ ليس مستقرًّا في ذمَّةِ المشترِي؛ لأنَّه قد يفسخُ البيعَ في زمنِ الخيارِ، وإذا فسخَ بَطَلَ ما يترتَّبُ عليه من ثمنٍ، وكذلك المهرُ قبلَ الدخولِ، والأجرةُ قبلَ استيفاءِ المنفعةِ، والثمنُ قبلَ قبضِ المبيعِ، وما شاكلَ ذلك، كلُّها ديونٌ لازمةٌ؛ لكنَّها غيرُ مستقرَّةٍ وعُرْضَةٌ للسُّقوطِ بفواتِ مقابلِها، كَرِدَّةِ الزوجةِ، وموتِ الأجيرِ، وتلفِ المبيعِ. ٤ - «وَاتِّفَاقُ مَا فِي ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَالْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الْجِنْسِ، وَالنَّوْعِ، وَالْحُلُولِ، وَالتَّأْجِيلِ»؛ أي: اتفاقُ الدَّيْنَيْنِ: المحالِ به والمحالِ عليه، وذلك في الجنسِ، فلا تصحُّ الحوالةُ بالدَّارهمِ على الدَّنانيرِ؛ وفي النَّوعِ، فلا تصحُّ بالدَّراهمِ المضروبةِ على الدَّارهمِ غيرِ مضروبةٍ؛ وفي القدْرِ، فلا تصحُّ بعشرةِ -مثلًا- على خمسةٍ؛ والحلولِ والتأجيلِ، فلا تصحُّ حوالةُ دَيْنٍ حالٍّ على دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَتَبْرَأُ بِهَا ذِمَّةُ الْمُحِيلِ»؛ أي: تبرأُ ذِمَّةُ المحيلِ من المُحْتالِ، ويبرأُ -أيضًا- المُحالُ عليه من دَيْنِ المُحِيلِ، ويتحوَّلُ حقُّ المُحْتَالِ إلى ذمَّةِ المُحالِ عليه.

стр. 208

«فَصْلٌ» في الضَّمَان الضَّمانُ في اللُّغةِ: الالتزامُ. وفي الاصطلاحِ: التزامُ حقٍّ ثابتٍ في ذِمَّةِ الغيرِ. والأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. ومن السُّنَّةِ حديثُ سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بجنازةٍ ليُصَلِّي عليها، فقال ﷺ : «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قالُوا: ثلاثةُ دنانيرَ، قال: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فقال أبو قَتَادَةَ ﵁ صَلِّ عليه يا رسولَ اللهِ وعَلَيَّ دَيْنُهُ، فصلَّى عليه (١). وحديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: تُوُفِّي رجلٌ فغسلنَاه وحنَّطنَاه وكفَّناه، ثمَّ أتَينا به رسولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي عليه، فقُلنا: تُصلِّي عليه؟ فخَطا خُطًى، ثمَّ قال: «أَعَلَيْهِ دَيْنٌ؟»، قلنا: دينارانِ، فانصرفَ، فتحمَّلهما أبو قتادةَ، فأتيناهُ، فقال أبو قتادةَ: الدينارانِ عليَّ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أُحِقَّ الْغَرِيمُ وَبَرِئَ مِنْهُمَا الْمَيِّتُ؟»، قال: نعم، فصلَّى عليه، ثمَّ قال بعدَ ذلكَ بيومٍ: «مَا فَعَلَ الدِّينَارَانِ؟»، فقال: إنَّما ماتَ أمسِ، قال: فعادَ إليهِ مِنَ الغدِ فقال: قد قضيتُهما، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «الْآنَ بَرَّدْتَ عَلَيْهِ جِلْدَهُ» (٢).

стр. 209

وقال أبو أمامةَ ﵁: إنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (١). قال ابنُ حجَرٍ ﵀: «الزَّعِيمُ غَارِمٌ؛ أي: الضَّامِنُ» (٢). وقال محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ المبَارَكْفُورِي ﵀: «والغُرْمُ أداءُ شيءٍ يَلْزَمُهُ، والمعنى: ضَامنٌ، ومَن ضَمِنَ دَيْنًا لَزِمَه أدَاؤُه» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ ضَمَانُ الدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ فِي الذِّمَّةِ إِذَا عُلِمَ قَدْرُهَا»، يُشْتَرَطُ لصحَّةِ الضمانِ أنْ يكونَ الدَّيْنُ مستقرًّا وقتَ ضمانِه، وقد سبقَ تعريفُ معنَى «المستقر» في الفصلِ السَّابقِ؛ كما يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ الضَّمانِ -أيضًا- أن يَعْرِفَ الضامنُ قدرَ الدَّيْنِ الذي سيضمنُه، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وكان حملُ البعيرِ معلومًا عندَهم كالْوَسْقِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا؛ ما لم يَرِدْ في شَرْعِنا ما يُخالِفُه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلِصَاحِبِ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنَ الضَّامِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَّا»، لصاحبِ الحقِّ مطالبةُ مَن شاءَ مِن الضَّامنِ والمضمونِ عنه بجميعِ الدَّيْنِ، أو يطالبُ أحدَهما ببعضِه والآخرَ بباقيه؛ أمَّا الضَّامنُ فلحديثِ:

стр. 210

«الزَّعِيمُ غَارِمٌ»، وأمَّا المضمونُ عنه فلأنَّ الدَّيْنَ باقٍ عليه، ولا ينتقلُ من ذمَّةِ المضمونِ عنه إلا بالأداءِ، وقد حثَّ النبيُّ ﷺ أبا قتادةَ ﵁ على قضاءِ ما ضمِنه، فلمَّا قضَاه، قال له: «الْآنَ بَرَّدتَّ عَلَيْهِ جِلْدَهُ»، فدلَّ على أنَّ الميِّتَ لم يبرأْ منه إلَّا بالقضاءِ. وقولُ المصنف ﵀: «إِذَا كَانَ الضَّمَانُ عَلَى مَا بَيَّنَّا»؛ أي: فيما تقدَّمَ من كونِ الدينِ مُسْتَقِرًّا معلومَ القدرِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا غَرِمَ الضَّامِنُ رَجَعَ عَلَى الْمَضْمُونِ عَنْهُ إِذَا كَانَ الضَّمَانُ وَالْقَضَاءُ بِإِذْنِهِ»، إذا غرِمَ الضَّامنُ الحقَّ لصاحبِه رجَع بما غرِمَه على المضمونِ عنه إذا كان الضَّمانُ والقضاءُ للدَّينِ بإذنِ المضمونِ عنه، أمَّا إذا ضمِن بغيرِ إذنِه وقضَى بغيرِ إذنِه لم يرجعْ عليه؛ لأنَّه تبرَّعَ بالقضاءِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ ضَمَانُ الْمَجْهُولِ، وَلَا مَا لَمْ يَجِبْ؛ إِلَّا دَرْكَ الْمَبِيعِ»، لا يجوزُ ضمانُ الدينِ المجهولِ قدرُه، أو قيمتُه، أو صفتُه؛ لأنَّه غَرَرٌ، والغررُ منهيٌّ عنه كما سبق، وكذلك لا يصحُّ ضمانُ ما لم يجبْ؛ كأنْ يقولَ رجلٌ لآخرَ: «ما تُداينُ به فلانًا فأنا ضامنٌ له»؛ لأنَّ الضَّمانَ وثيقةٌ بالحقِّ، فلا يَسْبِقُ وجُوبَه كالشَّهادةِ، ويُسْتَثْنَى من ذلك «ضمانُ دَرْكِ المبيعِ»، والدَّرْكُ في اللغةِ: اللَّحاقُ والوصولُ إلى الشيءِ، يُقالُ: أدركتُه إدراكًا؛ أي: لحِقتُه، وفي الاصطلاحِ: هو أنْ يضمنَ للمشتري الثمنَ إذا خرجَ المبيعُ مستحقًّا لغيرِ البائعِ، أو معيبًا، ونحوَ ذلك، واسْتُثْنِيَ هذا النَّوْعُ؛ لأنَّ الحاجةَ داعيةٌ إليه، فالمعاملةُ مع مَن لا يُعْرَفُ

стр. 211

كثيرةٌ، ويَخَافُ المشتري أنْ يكونَ المبيعُ مستحقًّا أو معيبًا أو غيرَ ذلك كما سبق، ولا يظفرَ بالبائعِ، فيفوتَ عليه ما بذله من الثَّمَنِ، فاحتاج إلى التوثيقِ بذلك. «فَصْلٌ» في الكَفَالَة الكفالةُ في اللُّغةِ: الضمُّ والالتزامُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أي: أمرَه أنْ يَضُمَّها إليه، وألزمَهُ برعايتِها. وفي الاصطلاحِ: الالتزامٌ بإحضارِ بدنِ مَن عليه حقٌّ مِن مالٍ أو عينٍ أو عقوبةٍ تتعلَّقُ بحقِّ آدميٍّ. والفرقُ بين الضَّمانِ والكفالةِ أنَّ الضَّمانَ الالتزامُ بإحضارِ الحقِّ، والكفالةُ الالتزامُ بإحضارِ الذي عليه الحقُّ، فالكفالةُ أدنى من الضَّمانِ؛ لأنَّها متعلقةٌ بالبدنِ لا بالمالِ، فإذا أحضرَ الكفيلُ المكفولَ وسلَّمه لصاحبِ الحقِّ فقد برِئ منه، سواءٌ وفَّاه أو لم يُوَفِّه. والأصلُ في مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى حكايةً عن يعقوبَ ﵇ عندما طلب منه أبناؤُه أنْ يرسلَ معهم أخاهم الصغيرَ فقال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ٦٦]، والموثِقُ الكفيلُ، فامتنعَ يعقوبُ ﵇ من إرسالِ ولدِه مع إخوتِه إلَّا بكفيلٍ. ومن السنَّةِ حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا له

стр. 212

بِعَشَرةِ دنانيرَ، فقال: ما عندي شيءٌ أعطيكَه، فقال: لا واللهِ لا أفَارِقُكَ حتَّى تَقْضِيَنِي، أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فجرَّه إلى النبيِّ ﷺ فقال له النبيُّ ﷺ : «كَمْ تَسْتَنْظِرُه؟»، فقال: شهرًا، فقال ﷺ : «فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ»، فجاءه بِقَدْرِ ما وَعَدَهُ، فقال له النبيُّ ﷺ : «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟»، قال: مِن مَعْدِنٍ، فقال ﷺ : «فَاذْهَبْ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»، وقضاها عنه (١). والكفالةُ بالبدنِ مما تمسُّ إليه الحاجةُ، فقد يشتري إنسانٌ سلعةً هو في حاجةٍ إليها، ولا يجدُ الثَّمَنَ، ولا يطئمنُّ البائعُ إليه فلا يرضى بإنظارِه، فيحتاجُ في هذه الحالِ إلى كفيلٍ، وقد يستقرضُ مالًا هو في حاجةٍ إليه، ويطلبُ المقرِضُ كفيلًا، وقد يقعُ في جنايةٍ يُعاقَبُ عليها، وهو بعيدٌ عن بلدِه، وعليه حقوقٌ وتَبِعاتٌ يُضطرُّ إلى أجَلٍ للقيامِ بها، فيحتاجُ إلى مَن يكفلُه حتى يذهبَ ويعودَ، وقد يُضطرُّ إنسانٌ إلى استعارةِ عينٍ، ولا يرضى صاحبُها بإعارتِها له إلا بكفيلٍ يضمنُ له ردَّها سالِمةً، وقد تكونُ في يدِه عينٌ مغْصوبةٌ، يحتاجُ إلى أجلٍ لإحضارِها، فيأبى صاحبُها أنْ يفلتَه إلا بكفيلٍ، وهكذا، فالمصلحةُ في تشريعِ الكفالةِ واضحةٌ،

стр. 213

والحاجةُ إليها أكيدةٌ، وشرْعُ اللهِ تعالى إنَّما جاءَ لرعايةِ مصالحِ العبادِ، وتخليصِهم من الحرجِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَالْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ»، تجوزُ الكفالةُ بإحضارِ بدنِ مَن عليه حقٌّ من مالٍ، أو عقوبةٍ متعلِّقَةٍ بحقِّ آدميٍّ، كالقصاصِ وحدِّ القذفِ؛ لأنَّه حقٌّ لازمٌ فأشبه المالَ، وأمَّا الكفالةُ ببدنِ مَن عليه حدٌّ من حدودِ اللهِ تعالى؛ كحدِّ الزِّنا وشربِ الخمرِ لم تصحَّ، لأنَّا مأمورونَ بسَترِها، والسَّعيِ في إسقاطِها ما أمكنَ. ويبرأُ الكفيلُ بتسليمِ المكفولِ في مَحِلِّ التَّسليمِ، وإنْ مضتِ المدَّةُ ولم يُحضِرْه حُبِسَ إلَّا أنْ يتعذَّرَ إحضارُ المكفولِ بموتٍ أو غيرِه، أو يُوَفِّيَ الدَّينَ، فإنْ وفَّاه ثمَّ حضرَ المكفولُ فله الاستردادُ، ولا يُطالبُ كفيلٌ بمالٍ ولا عقوبةٍ وإنْ فات التسليمُ بموتٍ أو غيرِه؛ لأنَّه لم يلتزمْهُ، ولو شرَطَ أنَّه يغرمُ المالَ إنْ فات التَّسليمُ للمكفولِ لم تصحَّ الكفالةُ؛ لأنَّ ذلك خلافُ مقتضاها. «فَصْلٌ» في الشَّرِكَة الشَّركةُ في اللُّغةِ: الاختلاطُ والامتزاجُ. وفي الاصطلاحِ: ثبوتُ الحقِّ في الشيءِ الواحدِ لشخصينِ فصاعدًا على جهةِ الشيوعِ (١).

стр. 214

والأصلُ في مشروعيتِها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» (١). ومعناه أنَّ اللهَ ﵎ معهما في الحفظِ والرعايةِ والإمدادِ بمعونتِهما في مالِهما وإنزالِ البركةِ في تجارتِهما ما لم يَخُنْ أحَدُهُمَا صاحبَه، فإذا حصلت الخيانةُ نُزِعَتْ البركةُ مِن مالِهما، وفي الحديثِ الحثُّ على التَّشاركِ مع عدمِ الخيانةِ، والتحذيرُ منها. قال أبو شجاع ﵀: «وَلِلشَّرِكَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ»، النَّاضُّ: ما كان نقدًا من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ خاصةً. ٢ - «وَأَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ»، فلا تصحُّ الشركةُ في الذَّهبِ والدَّراهمِ، ولا في صحاحٍ ومكسَّرةٍ. ٣ - «وَأَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ»؛ أي: يَخلِطَا المالينِ بحيثُ لا يتميَّزانِ. ٤ - «وَأَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ»، بعدِ خلطِ المالينِ يجبُ أنْ يأذنَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه في التَّصرُّفِ؛ لأنَّ المالَ المشتركَ لا يجوزُ لأحدِ الشَّرِيكينِ التَّصرفُ فيه إلا بإذنِ صاحبِه، فإذا أَذِنَ له فيه تصرَّفَ بلا ضررٍ؛ فلا يبيعُ كل منهما نسيئةً، ولا بغيرِ نقدِ البلدِ، ولا بغبنٍ فاحشٍ، ولا يسافرُ بالمالِ المشتركِ إلا

стр. 215

بإذنِ شريكِه، فإنْ فعلَ أحدُ الشريكينِ ما نُهِي عنه لم يصحَّ تصرُّفه في نصيبِ شريكِه؛ وَيَصِحُّ فِي نصيبِه، فتنفسخُ الشَّرِكَةُ في الْمُشْتَرَى أو في المبيعِ ويصيرُ مُشْتَرَكًا بينَ البائعِ أو المشترِي والشَّريكِ، فإنِ اشترى بالغبنِ في الذِّمةِ اختَصَّ الشراءُ به؛ فيزنُ الثَّمَنَ من مالِه. ٥ - «وَأَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ»، يكونُ الرِّبحُ والخسرانُ في الشِّركةِ على قدرِ المالين، سواءٌ تساوى الشَّريكان في العملِ وفي المالِ المشتركِ أو تفاوتَا فيه، فإنِ اشترطَا التَّساوِيَ في الرِّبحِ مع تفاوتِ المالينِ أو عكسَه لم يصحَّ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ»، الشَّركةُ عقدٌ جائزٌ من الطرفينِ، وحينئذٍ لكلِّ واحدٍ من الشَّريكينِ فسخُها متى شاءَ، وينعزلانِ عن التَّصرفِ بفسْخِ كلٍّ منهما. قال أبو شجاع ﵀: «وَمَتَى مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ»، متى ماتَ أحدُ الشَّريكينِ أو جُنَّ، أو أُغمِي عليه بَطَلَتْ الشَّركةُ؛ لخروجِه عن أهليَّةِ التَّصَرُّفِ. «فَصْلٌ» في الوَكَالَة الوَكالةُ في اللغةِ: التَّفويضُ. وفي الاصطلاحِ: تفويضُ شخصٍ ما له فعلُه مما يقبلُ النِّيابةَ إلى غيرِه ليفعلَه في حياتِه.
следующие страницы →