كثيرةٌ، ويَخَافُ المشتري أنْ يكونَ المبيعُ مستحقًّا أو معيبًا أو غيرَ ذلك كما سبق، ولا يظفرَ بالبائعِ، فيفوتَ عليه ما بذله من الثَّمَنِ، فاحتاج إلى التوثيقِ بذلك.
«فَصْلٌ»
في الكَفَالَة
الكفالةُ في اللُّغةِ: الضمُّ والالتزامُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]؛ أي: أمرَه أنْ يَضُمَّها إليه، وألزمَهُ برعايتِها.
وفي الاصطلاحِ: الالتزامٌ بإحضارِ بدنِ مَن عليه حقٌّ مِن مالٍ أو عينٍ أو عقوبةٍ تتعلَّقُ بحقِّ آدميٍّ.
والفرقُ بين الضَّمانِ والكفالةِ أنَّ الضَّمانَ الالتزامُ بإحضارِ الحقِّ، والكفالةُ الالتزامُ بإحضارِ الذي عليه الحقُّ، فالكفالةُ أدنى من الضَّمانِ؛ لأنَّها متعلقةٌ بالبدنِ لا بالمالِ، فإذا أحضرَ الكفيلُ المكفولَ وسلَّمه لصاحبِ الحقِّ فقد برِئ منه، سواءٌ وفَّاه أو لم يُوَفِّه.
والأصلُ في مشروعيتها من الكتاب قوله تعالى حكايةً عن يعقوبَ ﵇ عندما طلب منه أبناؤُه أنْ يرسلَ معهم أخاهم الصغيرَ فقال: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ [يوسف: ٦٦]، والموثِقُ الكفيلُ، فامتنعَ يعقوبُ ﵇ من إرسالِ ولدِه مع إخوتِه إلَّا بكفيلٍ.
ومن السنَّةِ حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄: أنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا له
стр. 212
بِعَشَرةِ دنانيرَ، فقال: ما عندي شيءٌ أعطيكَه، فقال: لا واللهِ لا أفَارِقُكَ حتَّى تَقْضِيَنِي، أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فجرَّه إلى النبيِّ ﷺ فقال له النبيُّ ﷺ : «كَمْ تَسْتَنْظِرُه؟»، فقال: شهرًا، فقال ﷺ : «فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ»، فجاءه بِقَدْرِ ما وَعَدَهُ، فقال له النبيُّ ﷺ : «مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا الذَّهَبَ؟»، قال: مِن مَعْدِنٍ، فقال ﷺ : «فَاذْهَبْ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهَا، لَيْسَ فِيهَا خَيْرٌ»، وقضاها عنه (١).
والكفالةُ بالبدنِ مما تمسُّ إليه الحاجةُ، فقد يشتري إنسانٌ سلعةً هو في حاجةٍ إليها، ولا يجدُ الثَّمَنَ، ولا يطئمنُّ البائعُ إليه فلا يرضى بإنظارِه، فيحتاجُ في هذه الحالِ إلى كفيلٍ، وقد يستقرضُ مالًا هو في حاجةٍ إليه، ويطلبُ المقرِضُ كفيلًا، وقد يقعُ في جنايةٍ يُعاقَبُ عليها، وهو بعيدٌ عن بلدِه، وعليه حقوقٌ وتَبِعاتٌ يُضطرُّ إلى أجَلٍ للقيامِ بها، فيحتاجُ إلى مَن يكفلُه حتى يذهبَ ويعودَ، وقد يُضطرُّ إنسانٌ إلى استعارةِ عينٍ، ولا يرضى صاحبُها بإعارتِها له إلا بكفيلٍ يضمنُ له ردَّها سالِمةً، وقد تكونُ في يدِه عينٌ مغْصوبةٌ، يحتاجُ إلى أجلٍ لإحضارِها، فيأبى صاحبُها أنْ يفلتَه إلا بكفيلٍ، وهكذا، فالمصلحةُ في تشريعِ الكفالةِ واضحةٌ،
стр. 213
والحاجةُ إليها أكيدةٌ، وشرْعُ اللهِ تعالى إنَّما جاءَ لرعايةِ مصالحِ العبادِ، وتخليصِهم من الحرجِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْكَفَالَةُ بِالْبَدَنِ جَائِزَةٌ إِذَا كَانَ عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ»، تجوزُ الكفالةُ بإحضارِ بدنِ مَن عليه حقٌّ من مالٍ، أو عقوبةٍ متعلِّقَةٍ بحقِّ آدميٍّ، كالقصاصِ وحدِّ القذفِ؛ لأنَّه حقٌّ لازمٌ فأشبه المالَ، وأمَّا الكفالةُ ببدنِ مَن عليه حدٌّ من حدودِ اللهِ تعالى؛ كحدِّ الزِّنا وشربِ الخمرِ لم تصحَّ، لأنَّا مأمورونَ بسَترِها، والسَّعيِ في إسقاطِها ما أمكنَ.
ويبرأُ الكفيلُ بتسليمِ المكفولِ في مَحِلِّ التَّسليمِ، وإنْ مضتِ المدَّةُ ولم يُحضِرْه حُبِسَ إلَّا أنْ يتعذَّرَ إحضارُ المكفولِ بموتٍ أو غيرِه، أو يُوَفِّيَ الدَّينَ، فإنْ وفَّاه ثمَّ حضرَ المكفولُ فله الاستردادُ، ولا يُطالبُ كفيلٌ بمالٍ ولا عقوبةٍ وإنْ فات التسليمُ بموتٍ أو غيرِه؛ لأنَّه لم يلتزمْهُ، ولو شرَطَ أنَّه يغرمُ المالَ إنْ فات التَّسليمُ للمكفولِ لم تصحَّ الكفالةُ؛ لأنَّ ذلك خلافُ مقتضاها.
«فَصْلٌ»
في الشَّرِكَة
الشَّركةُ في اللُّغةِ: الاختلاطُ والامتزاجُ.
وفي الاصطلاحِ: ثبوتُ الحقِّ في الشيءِ الواحدِ لشخصينِ فصاعدًا على جهةِ الشيوعِ (١).
стр. 214
والأصلُ في مشروعيتِها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا» (١).
ومعناه أنَّ اللهَ ﵎ معهما في الحفظِ والرعايةِ والإمدادِ بمعونتِهما في مالِهما وإنزالِ البركةِ في تجارتِهما ما لم يَخُنْ أحَدُهُمَا صاحبَه، فإذا حصلت الخيانةُ نُزِعَتْ البركةُ مِن مالِهما، وفي الحديثِ الحثُّ على التَّشاركِ مع عدمِ الخيانةِ، والتحذيرُ منها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلِلشَّرِكَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ»، النَّاضُّ: ما كان نقدًا من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ خاصةً.
٢ - «وَأَنْ يَتَّفِقَا فِي الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ»، فلا تصحُّ الشركةُ في الذَّهبِ والدَّراهمِ، ولا في صحاحٍ ومكسَّرةٍ.
٣ - «وَأَنْ يَخْلِطَا الْمَالَيْنِ»؛ أي: يَخلِطَا المالينِ بحيثُ لا يتميَّزانِ.
٤ - «وَأَنْ يَأْذَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ فِي التَّصَرُّفِ»، بعدِ خلطِ المالينِ يجبُ أنْ يأذنَ كلُّ واحدٍ منهما لصاحبِه في التَّصرُّفِ؛ لأنَّ المالَ المشتركَ لا يجوزُ لأحدِ الشَّرِيكينِ التَّصرفُ فيه إلا بإذنِ صاحبِه، فإذا أَذِنَ له فيه تصرَّفَ بلا ضررٍ؛ فلا يبيعُ كل منهما نسيئةً، ولا بغيرِ نقدِ البلدِ، ولا بغبنٍ فاحشٍ، ولا يسافرُ بالمالِ المشتركِ إلا
стр. 215
بإذنِ شريكِه، فإنْ فعلَ أحدُ الشريكينِ ما نُهِي عنه لم يصحَّ تصرُّفه في نصيبِ شريكِه؛ وَيَصِحُّ فِي نصيبِه، فتنفسخُ الشَّرِكَةُ في الْمُشْتَرَى أو في المبيعِ ويصيرُ مُشْتَرَكًا بينَ البائعِ أو المشترِي والشَّريكِ، فإنِ اشترى بالغبنِ في الذِّمةِ اختَصَّ الشراءُ به؛ فيزنُ الثَّمَنَ من مالِه.
٥ - «وَأَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ»، يكونُ الرِّبحُ والخسرانُ في الشِّركةِ على قدرِ المالين، سواءٌ تساوى الشَّريكان في العملِ وفي المالِ المشتركِ أو تفاوتَا فيه، فإنِ اشترطَا التَّساوِيَ في الرِّبحِ مع تفاوتِ المالينِ أو عكسَه لم يصحَّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ»، الشَّركةُ عقدٌ جائزٌ من الطرفينِ، وحينئذٍ لكلِّ واحدٍ من الشَّريكينِ فسخُها متى شاءَ، وينعزلانِ عن التَّصرفِ بفسْخِ كلٍّ منهما.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَتَى مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ»، متى ماتَ أحدُ الشَّريكينِ أو جُنَّ، أو أُغمِي عليه بَطَلَتْ الشَّركةُ؛ لخروجِه عن أهليَّةِ التَّصَرُّفِ.
«فَصْلٌ»
في الوَكَالَة
الوَكالةُ في اللغةِ: التَّفويضُ.
وفي الاصطلاحِ: تفويضُ شخصٍ ما له فعلُه مما يقبلُ النِّيابةَ إلى غيرِه ليفعلَه في حياتِه.
стр. 216
والأصلُ في مشروعيَّتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١٩].
ومن السُّنَّةِ حديثُ عروةَ بنِ أبي الجعدِ البارقيِّ ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ أعطاه دينارًا يشتري له به شاةً، فاشترى له به شاتينِ، فباع إحداهما بدينارٍ، وجاءه بدينارٍ وشاةٍ، فدعَا له بالبركةِ في بيعِه، وكان لو اشترَى التُّرابَ لربحِ فيه» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا جَازَ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ أَوْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ»، كل ما جاز للإنسان التصرف فيه بنفسه بملك أو ولاية جاز له أن يوكل فيه غيره؛ لأنه إذا لم يقدر على التصرف بنفسه فبنائبه أولى.
وكما يُشترطُ في صحَّةِ التَّوكيلِ صحَّةُ مباشرةِ الموكِّلِ فكذلك الوكيلُ يشترطُ أنْ يكونَ ممن يصحُّ تصرُّفُه فيه لنفسِه، فلا يصحُّ توكيلُ الصبيِّ والمجنونِ ومَن فِي معناهما؛ لِتَعَذُّرِ مُبَاشَرَتِهِمُ العملَ لأنفسهم فلغيرِهما أوْلى.
ويُشترَطُ -أيضًا- في الموكَّلِ فيه أنْ يكونَ قابلًا للنِّيابةِ؛ فلا يصحُّ التَّوكيلُ في العباداتِ البدنيَّةِ؛ لأنَّ المقصودَ منها الابتلاءُ والاختبارُ، وهو لا يحصلُ بفعلِ الغيرِ، ويُستثنى من ذلك مسائلُ؛ كالحجِّ والعمرةِ، وذبحِ الأضاحِي، وتفرقةِ الزَّكاةِ، وصومِ
стр. 217
الكفَّاراتِ، وأُلحِقَ بالعباداتِ الشَّهاداتُ والأيمانُ؛ ومن الأيمانِ: الإيلاءُ، واللِّعانُ، والظِّهارُ، وكذلك ما في معنَى الأيمانِ؛ كالنَّذرِ، وتعليقِ الطَّلاقِ؛ فلا يصحُّ التَّوكيلُ في شيءٍ منها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَكَالَةُ عَقْدٌ جَائِزٌ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ، وَتُفْسَخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا»، الوكالةُ غيرُ لازمةٍ من جانبِ الموكِّلِ والوكيلِ، فيجوزُ لكلِّ واحدٍ منهما فسخُها متى شاء، وكذلك تنفسخُ بموتِ أحدِهما أو جنونِه، أو إغمائِه؛ لخروجِه عن أهليَّةِ التَّصرُّفِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ فِيمَا يَقْبِضُهُ وَفِيمَا يَصْرِفُهُ، وَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّفْرِيطِ»، والوكيلُ أمينٌ فيما يقبضُه لموكِّلِه وفيما يصرفُه من مالِ موكِّلِه عنه، ولا يضمنُ ما تلفَ في يدِه من مالِ موكِّلِه إلا بالتَّفريطِ في حقِّه كسائرِ الأمناءِ، ويُصَدَّقُ بيمينِه في دعوى التَّلفِ، فإذا فرَّطَ أو تعدَّى ضَمِنَ كسائرِ الأمناءِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِي إِلَّا بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ»؛ أي: لا يبيعُ الوكيلُ بدونِ ثمنِ المثلِ، ولا بغبنٍ فاحشٍ، وهو ما لا يُحتملُ في الغالبِ.
٢ - «وَأَنْ يَكُونَ نَقْدًا»؛ أي: لا يبيعُ الوكيلُ نسيئةً.
٣ - «وَبِنَقْدِ الْبَلَدِ»؛ أي: لا يبيعُ إلا بنقدِ بلدِ البيعِ؛ لا بلدِ التَّوكيلِ.
стр. 218
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مِنْ نَفْسِهِ»؛ أي: ليس للوكيلِ في البيعِ أن يبيعَ لنفسِه؛ لأنَّ الإنسانَ حريصٌ بطبعِه على أنْ يشتريَ لنفسِه رخيصًا، وغرضُ المُوَكِّلِ الاجتهادُ في الزِّيادةِ، وبين الغرضينِ مضادَّةٌ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقِرَّ عَلَى مُوَكِّلِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»؛ أي: لا يملكُ الوكيلُ الإقرارَ على الموكِّل، وكذلك الإبراءُ من الدَّينِ، والصُّلحُ عنه وإنْ لم ينهْه الموكِّلُ؛ لأنَّ التوكيلَ في الخصومةِ يقتضي إثباتَ الحقِّ، والإقرار يقتضِي إسقاطَه؛ أمَّا إذا أذِنَ الموكِّلُ فيجوزُ؛ لأنَّه قولٌ يلزمُ به حقٌّ فأشبهَ الشِّراءَ.
«فَصْلٌ»
في الإقْرَار
الإقرارُ في اللُّغةِ: الإثباتُ، مِن قرَّ الشيءُ إذا ثبتَ.
وفي الاصطلاحِ: إخبارُ الشَّخصِ بحقٍّ عليه، فإنْ كان بحقٍّ له على غيرِه فدعوى، أو لغيرِه على غيرِه فشهادةٌ.
والأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥].
ومن السنَّةِ حديثُ أبي هريرةَ، وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵄ أنَّهما قالا: إنَّ رجلًا من الأعرابِ أتَى رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قضيتَ لي بكتابِ اللهِ، فقال الخَصمُ الآخرُ -وهو أفقهُ منه-: نعم، فاقضِ بيننا بكتابِ اللهِ وَأْذَنْ لي،
стр. 219
فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «قُلْ»، قال: إنَّ ابني كان عسيفًا على هذا، فزنى بامرأتِه، وإني أُخْبِرْتُ أنَّ على ابني الرَّجمَ، فافتديتُ منه بمائةِ شاةٍ ووليدةٍ، فسألتُ أهلَ العلمِ، فأخبروني أنَّما على ابني جلدُ مائةٍ، وتغريبُ عامٍ، وأنَّ على امرأةِ هذا الرجمَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، قال: فغدا عليها، فاعترفت، فأمرَ بها رسولُ اللهِ ﷺ فرُجِمت (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُقَرُّ بِهِ ضَرْبَانِ: حَقُّ اللهِ تعالى، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ، فَحَقُّ اللهِ تعالى يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ، وَحَقُّ الْآدَمِيِّ لَا يَصِّحُ الرُّجُوعُ فِيهِ عَنِ الْإِقْرَارِ بِهِ»، المُقَرُّ به من الحقوقِ ضربان: أحدُهما: حقُّ اللهِ تعالى، كحدِّ الردَّةِ، والزِّنا، وشربِ الخمرِ؛ والثَّاني: حقُّ الآدميِّ؛ كحدِّ القَذْفِ.
فحقُّ اللهِ تعالى يصحُّ الرُّجوعُ فيه عن الإقرارِ به؛ لأنَّ مبناه على الدَّرءِ والسَّترِ، ودليلُه حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لماعزٍ ﵁ عندما اعترفَ بالزِّنا: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» (٢).
وفي روايةٍ لجابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ ماعزًا ﵁ لما وجدَ مسَّ الحجارةِ فرَّ، فأدركوه ورجَموه حتى مات، فلما أُخبِر بذلك
стр. 220
النبيُّ ﷺ قال: «هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ» (١).
وللقاضي أنْ يُعَرِّضَ له بذلك؛ لما ذُكِرَ في الحديثِ، ولا يقولُ له: ارجع؛ فيكونُ آمرًا له بالكذبِ، وخرجَ بالإقرارِ ما لو ثبتَ بالبيِّنةِ؛ فلا يصحُّ الرُّجوعُ فيه.
وأمَّا حقُّ الآدميِّ فإذا أقر به لا يصحُّ الرُّجوعُ فيه؛ لتعلُّقِ حقِّ المقَرِّ له به.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَفْتَقِرُ صِحَّةُ الْإِقْرَارِ إِلَى ثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - الْبُلُوغُ»، فلا يصحُّ إقرارُ مَن هو دونِ البلوغِ ولو كان مُمَيِّزًا؛ لرفعِ القلمِ عنه.
٢ - «وَالْعَقْلُ»، فلا يصحُّ إقرارُ مجنونٍ، ولا مغمًى عليه؛ لامتناعِ تصرُّفِهم.
٣ - «الْاخْتِيَارُ»، فلا يعتدُّ بإقرارِ المكرَه؛ لأنَّ الإكراهَ على الكفرِ مع طمأنينةِ القلبِ بالإيمانِ لا يضرُّ، كما قال الله تعالى: ﴿إِلَاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]؛ فجعل اللهُ الإكراهَ مُسقِطًا لحكمِ الكفرِ، فلا اعتبارَ للإقرارِ بغيرِه من بابِ أولى.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَ بِمَالٍ اعْتُبِرَ فِيهِ شَرْطٌ رَابِعٌ وَهُوَ الرُّشْدُ»، فلا يصحُّ إقرارُ السفيهِ بدينٍ، أو إتلافِ مالٍ، أو نحوِ
стр. 221
ذلك قبلَ الحجرِ أو بعدَه؛ وإذا لم يصحَّ فلا يطالبُ ولو بعدَ فكِّ الحجرِ، والمرادُ أنَّه لا يطالبُ في الظَّاهرِ، أمَّا فيما بينَه وبينِ اللهِ تعالى فيجبُ عليه الوفاءُ بعد فكِّ الحَجرِ إنْ كان صادقًا، وهذا فيما يتعلَّقُ بالمالِ، أمَّا إذا أقرَّ بغيرِ المالِ فيُقبلُ إقرارُه بما يُوجِبُ الحدَّ والقِصاصَ، وكذا يُقبلُ إقرارُه بالطَّلاقِ والخُلعِ والظِّهارِ؛ لأنَّ هذه الأمورَ لا تعلُّقَ لها بالمالِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَقَرَّ بِمَجْهُولٍ رُجِعَ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ»، الإقرارُ بمجهولٍ هو أن يُقِرَّ شخصٌ لغيرِه بحقٍّ من غيرِ تحديدٍ لهذا الحقِّ، كأنْ يقولَ: له عليَّ مبلغٌ من المالِ، أو له عليَّ دَيْنٌ أو نحوُ ذلك، فيُطَالَبُ المُقِّرُ بالبيانِ لما أقرَّ به: ما هو؟ وكم هو؟ فإذا امتنعَ عن البيانِ اعتُبِرَ ناكلًا، فيؤمرُ المُقَرُّ له بالبيانِ، ويُصَدَّقُ بيمينِه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِقْرَارِ إِذَا وَصَلَهُ بِهِ»، يصحُّ الاستثناءُ في الإقرارِ إذا وصلَ المُقِرُّ المستثنى بالمستثنى منه؛ فإنْ فصلَ بينَهما بسكوتٍ طويلٍ أو كلامٍ كثيرٍ أجنبيٍّ لا يصحُّ، أمَّا السُّكوتُ اليسيرُ كسكتةِ تنفُّسٍ فلا يضرُّ، ويشترطُ -أيضًا- في الاستثناءِ أنْ لا يستغرقَ المستثنى منه؛ فإن استغرَقَه نحوُ قولِه: «له عليَّ عشرةٌ إلا عشرةً»؛ لا يصحُّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ فِي حَالِ الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ سَوَاءٌ»، الإقرارُ في حالِ الصِّحَّةِ وفي حالِ المرضِ ولو مَخُوفًا سواءٌ في الحكمِ بصحَّتِه، فلو أقرَّ في صحتِه بدينٍ لإنسانٍ، وفي
стр. 222
مرضِه بدينٍ لآخرَ، لم يُقدَّمِ الأولُ على الثَّاني، بل يتساويانِ كما لو ثبتَا بالبيِّنةِ.
«فَصْلٌ»
في العارِيَّة
العاريَةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ من التَّعاوُرِ, وهو التَّناوُبُ والتَّداوُل.
وفي الاصطلاحِ: إباحةُ الانتفاعِ بما يحلُّ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه.
والأصلُ في مشروعيَّتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]، وهو ما يستعيرُه بعضُ الجِيْرَانِ من بعضٍ؛ كالدلوِ، والفأسِ، والقِدْرِ، والإبرةِ، ونحوِ ذلك.
ومِن السنَّةِ حديثُ صفوانَ بنِ أميَّةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَدْرَاعًا، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فقال ﷺ : «بَلْ عَارِيَّةٌ مَضْمُونَةٌ»، فَضَاعَ بَعْضُهَا فَعَرَضَ عَلَيْهِ النبيُّ ﷺ أَنْ يَضْمَنَهَا لَهُ، قَالَ: أَنَا الْيَوْمَ يَا رَسُولَ اللهِ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ جَازَتْ إِعَارَتُهُ إِذَا كَانَتْ مَنَافِعُهُ آثَارًا»، يُشترطُ في المستعارِ أنْ
стр. 223
يكونَ مُنْتَفَعًا به انتفاعًا مباحًا مع بقاءِ عينِه؛ كالثَّوبِ والدَّابةِ ونحوِ ذلك، أمَّا ما كانت منفعتُه في ذَهابِ عينِه؛ كالأطعمةِ وما في معناها فلا تصحُّ فيها الإعارةُ؛ لأنَّ منفعتَها في استهلاكِها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَجُوزُ الْعَارِيَةُ مُطْلَقَةً وَمُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ»، تجوزُ العاريةُ مطلقةً من غيرِ تقييدٍ بوقتٍ وكذلك مقيدةً، كأنْ يقولَ: أعَرتُك هذا الثَّوبَ شهرًا، وللمُعِيرِ الرُّجوعُ في كلٍّ منهما متى شاء؛ لأنَّ العاريةَ عقدٌ جائزٌ فله رفعُه متى شاء، ولأنَّه لو مُنِعَ المالكُ مِنَ الرُّجوعِ لامتنعَ النَّاسُ من هذه المكرُمةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بِقِيمَتِهَا يَوْمَ تَلَفِهَا»، العاريَةُ إذا تَلِفَتْ في غيرِ الاستعمالِ المأذونِ فيه -ولو بلا تقصيرٍ-، فإنَّها تكونُ مضمونةً على المستعيرِ، ويضمنُها بقيمتِها يومَ تَلَفِها؛ لا بقيمتِها يومَ طلبَها، فإنْ تلفَتْ باستعمالٍ مأذونٍ فيه؛ كاللُّبسِ والرُّكوبِ المعتادِ لم يضمنْ شيئًا؛ لحصولِ التَّلفِ بسببٍ مأذونٍ فيه.
«فَصْلٌ»
في الغَصْب
الغَصْبُ في اللُّغةِ: هو أخذُ الشيءِ ظلمًا مجاهرةً، فإنْ أخذَهُ سرًّا مِن حرزٍ سُمِّيَ سرقةً، وإنْ أخذَه مكابرةً في صحراءَ سُمِّيَ محاربةً، وإنْ أخذَه استيلاءً واعتمدَ الهربَ سُمِّيَ اختلاسًا، وإنْ أخذَه مِن ما كان مُؤْتَمَنًا عليه سُمِّيَ خيانةً.
والغصبُ في الاصطلاحِ: هو الاستيلاءُ على حقِّ الغيرِ عُدوانًا.
стр. 224
وهو من كبائرِ الذنوبِ، والأصلُ في تحريمِه آياتٌ؛ منها: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وأحاديثُ منها: حديثُ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال في خطبةِ الوداعِ بمنًى: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ غَصَبَ مَالًا لِأَحَدٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَأَرْشُ نَقْصِهِ وَأُجْرَةُ مِثْلِهِ»، مَن غصبَ مالًا لأحدٍ لزِمَه ردُّه على الفورِ لمالكِه ولو غَرِمَ على ردِّه أضعافَ قيمتِه؛ لحديثِ سمُرةَ بنِ جندبٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «عَلَى اليَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ» (٢).
وكذلك يلزمُه أرشُ نقصِه؛ سواءٌ كان النَّقصُ في العَينِ أو في الصِّفةِ، ومثالُ نقْصِ العينِ أنْ يغصِبَ -مثلًا- خُفَّيْنِ قيمتُهما عشرةُ دراهمَ، فيضيعُ أحدُهما أو يتلفُ، وصار قيمةُ الباقِي درهمين؛ فعليه قيمةُ التَّالفِ وهو خمسةٌ، وأَرْشُ النَّقصِ وهو ثلاثةٌ؛ فيلزمُه ثمانيةٌ؛ لأنَّ الأرشَ حصلَ بالتَّفريقِ الحاصلِ عندَه، وأمَّا نقصُ الصِّفةِ فمثالُه أنْ يغصِبَ -مثلًا- دابةً سمينةً فتهزِلَ عندَه؛ فإنَّه يردُّها وأَرْشَ السِّمَن، وكذلك يلزمُه أجرةُ ما غَصَبَهُ مدةَ غَصْبِهِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ تَلِفَ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ
стр. 225
مِثْلٌ، أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ؛ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ يَوْمِ الْغَصْبِ إِلَى يَوْمِ التَّلَفِ»، إنْ كان الذي اغتصبَه له مِثْلٌ وتَلِفَ عندَه ضمِنه بمثلِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، فإنْ لم يكنْ له مِثْلٌ ضمِنَه بقيمتِه أكثرَ ما كان من يومِ الغصبِ إلى يومِ التَّلفِ، فلو كان عندَ الغصبِ قيمتُه ألفٌ ونزل سعرُه بعدَ ذلك؛ وجبَ على الغاصبِ ألفٌ، ولو كان عندَ الغصبِ قيمتُه خمسُمائةٍ، وارتفعَ في يومٍ من الأيامِ إلى ألفٍ، ثُمَّ نزلَ إلى سبعِمائةٍ وجب الألفُ -أيضًا- وهكذا، والسَّببُ في وجوبِ القيمةِ بأقصَى ما بلغتْ إليه؛ لأنَّه كان غاصبًا له في وقتِ زيادةِ سعرِه فلزِمَه الضَّمانُ.
«فَصْلٌ»
في الشُّفْعَة
الشفعة في اللُّغةِ: الضَّمُّ والزِّيادةُ؛ لأنَّ الشَّفيعَ يضمُّ ما يشفعُ فيه إلى نصيبِه، فكأنَّه كان وترًا فصارَ شفعًا.
وفي الاصطلاحِ: حقُّ تملُّكٍ قهرِيٍّ يثبتُ للشَّريكِ القديمِ على الشَّريكِ الحادثِ فيما ملِكَ بعوضٍ.
والأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: «قضَى رسولُ اللهِ ﷺ بالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ» (١).
стр. 226
وفي روايةٍ له أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ، فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ، لَا يَصْلُحُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يَعْرِضَ عَلَى شَرِيكِهِ، فَيَأْخُذَ أَوْ يَدَعَ، فَإِنْ أَبَى، فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ بِالْخُلْطَةِ دُونَ الْجِوَارِ، فِيمَا يَنْقَسِمُ دُونَ مَا لَا يَنْقَسِمُ، وَفِي كُلِّ مَا لَا يُنْقَلُ مِنَ الْأَرْضِ -كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ- بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ»، الشُّفْعَةُ واجبةٌ للشَّرِيكِ بخُلطةِ الشُّيوعِ دونَ خُلطةِ الجوارِ، فلا تَثبتُ للجارِ ولو كان مُلاصقًا، وأمَّا حديثُ أبي رافعٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ» (٢)، فالمرادُ به الشَّريكُ، للجمعِ بين هذا الحديثِ والحديثِ السَّابقِ، وهو قولُه ﷺ : «فَشَرِيكُهُ أَحَقُّ بِهِ حَتَّى يُؤْذِنَهُ»، فهذا مُفَسِّر، والسابقُ مُجْمَلٌ، والمفسَّرُ يبينُ المجمَلَ.
فإذا قُسِّمَ وتميَّزتِ الحقوقُ ووقعتِ الحدودُ وصرفتِ الطُّرقُ؛ بأنْ تعدَّدَتْ وحصلَ لكلِّ نصيبٍ طريقٌ مخصوصٌ لم يبقَ للشُّفعةِ مجالٌ.
وإذا كانت الشُّفعةُ تثبتُ للشَّريكِ، فإنَّها تثبتُ فيما يقبلُ القِسْمةَ، ويُجْبَرُ الشَّريكُ فيها على القِسْمةِ بشَرْطِ أنْ يُنْتَفَعَ بالمقْسُومِ على الوجهِ الذي كان ينتفعُ به قبلَ القسمةِ، ولهذا لا تثبتُ الشُّفعةُ في الشَّيءِ الذي لو قُسِّمَ بطَلَت منفعتُه المقصودةُ؛ كالحمَّامِ الصغيرِ، والرَّحَى، والبئرِ، فإنَّها لا شفعةَ فيها؛ يقولُ أميرُ المؤمنينَ عثمانُ بنُ
стр. 227
عفَّانَ ﵁: «لا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ، وَلا فَحْلِ نَخْلٍ» (١).
وذلك لأنَّ الشُّفْعةَ إنَّما شُرِعت لرَفْعِ ضررِ مُؤْنَةِ القِسمةِ، ومَا لا تجبُ قسمتُه ليس فيه هذا الضَّررُ، ولأنَّه لو وَجَبتِ الشُّفْعةُ فيما لا يقبلُ القِسْمةَ لتضررَ الشَّريكُ؛ فإنَّه إنْ باعَه لم يرغبِ النَّاسُ في الشراءِ؛ لخوفِهم من انتزاعه بالشفعةِ، وإنْ طلب القِسْمةَ لم تجبْ إجابتُه؛ فلا يمكنُه البيعُ ولا القسمةُ، فلا يقدرُ أنْ يتخلصَ من ضررِ شَريكِه، فلو ثبتَتْ فيه الشُّفعةُ لِرَفْعِ ضررِ الشَّريكِ الذي لم يَبعْ لزمَ إضرارُ الشَّريكِ البائعَ، والضَّررُ لا يُزَالُ بالضَّررِ.
وقولُه: «وَفِي كُلِّ مَا لا يُنْقَلُ كَالْعَقَارِ وَغَيْرِهِ»؛ احترزَ به عن المنقولاتِ، فلا تثبتُ الشُّفعةُ في المنْقولِ؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ السَّابقِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شِرْكٍ؛ فِي أَرْضٍ، أَوْ رَبْعٍ، أَوْ حَائِطٍ» (٢).
فتثبتُ الشُّفعةُ في كلِّ ما لا يُنقَلُ؛ كالأرضِ، والربوعِ، والبَساتينِ، وإذا ثبتتْ في الأرضِ تبِعَها الأشجارُ والأبنيةُ؛ لأنَّ الحديثَ فيه لفظُ «الرَّبعِ»، وهو يتناولُ الأبنيةَ، ولفظُ «الحائطِ»، وهو يتناولُ الأشجارَ، وكما تَتَبْعُ الأشجارُ الأرضَ؛ كذلك تَتَبْعُ الأبوابُ والرفوفُ المسمَّرةُ البِنَاءَ.
وقولُه: «بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْبَيْعُ»؛ أي: يأخذُ الشَّفيعُ
стр. 228
المبيعَ بمثلِ الثَّمَنِ الذي وقع عليه البيعُ إن كان الثَّمَنُ مثليًّا، كحَبٍّ أو نَقْدٍ، فإن كان مُتقوَّما كعبدٍ وثوبٍ أخذَه بقيمتِه يومَ البيعِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ عَلَى الْفَوْرِ، فَإِنْ أَخَّرَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بَطَلَتْ»، طلبُ الشُّفعةِ يكونُ على الفورِ، وعلى الشَّفيعِ أنْ يبادرَ بطلبِ الشُّفعةِ إذا علِمَ بالبيعِ، والمبادرةُ في طلبِ الشُّفعةِ تكونُ على العادةِ؛ فلا يُكَلَّفُ الإسراعَ على خلافِ عادتِه بعَدْوٍ أو غيرِه، بل الضَّابطُ في ذلك أنَّ ما عُدَّ توانيًا في طلبِ الشُّفعةِ أسقَطَها، وإلَّا فلَا، فإنْ أخَّرَها مع القدرةِ عليها بطَلت، فلو كان مريدُ الشُّفعةِ مريضًا أو غائبًا عن بلدِ المشترِي أو محبوسًا أو خائفًا من عَدُوٍّ فليُوَكِّلْ إنْ قدَرَ، وإلا فليُشهِدْ على الطلبِ، فإنْ تركَ المقدورَ عليه من التوكيلِ أو الإشهادِ بطلَ حقُّه، ولو قال: «لم أعلمْ أنَّ حقَّ الشُّفعةِ على الفَورِ»، وكان ممَّن يخفَى عليه ذلك صُدِّقَ بيمينِه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى شِقْصٍ أَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ»، إذا تزوَّجَ شخْصٌ امرأةً على شِقْصٍ، وهو النَّصيبُ في العينِ المشتركةِ من كلِّ شيءٍ، والمرادُ: قطعةٌ من أرضٍ، أو سهمٌ من عقارٍ -مثلًا- فللشفيعِ أخذُه بمهرِ المثلِ لتلك المرأةِ، ووجهُه أنَّ البُضعَ متقوَّمٌ، وقيمتُه بمهرِ المثلِ؛ لأنَّه بدلُ الشِّقصِ، فالبُضعُ هو ثمنُ الشِّقصِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَ الشُّفَعَاءُ جَمَاعَةً اسْتَحَقُّوهَا عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ»، إذا كان الشُّفعاءُ جماعةً استحقُّوا الشُّفعةَ على
стр. 229
قدرِ حِصَصِهم من الأملاكِ، فلو كان لأحدِهم نصفُ عقارٍ وللآخرِ ثلثُه وللآخرِ سدسُه فباعَ صاحبُ النِّصفِ حصَّتَه أخذَها الآخرانِ أثلاثًا؛ أي: أخذَ صاحبُ الثُّلثِ ثُلثَي المبيعِ من العقارِ، والآخرُ ثلثَه.
«فَصْلٌ»
في القِرَاض
القِراضُ في اللُّغةِ: مشتقٌّ من القَرضِ وهو القَطْعُ؛ لأنَّ المالكَ يقطعُ للعاملِ قطعةً من مالِه يتصرَّفُ فيها، وقطعةً من الرِّبحِ، ومنه المقراضُ -آلةٌ للقطعِ- ويُسمى -أيضا- مضاربةً؛ لاشتمالِه غالبًا على الضربِ في الأرضِ، وهو السفرُ، سُمِّيت به هذه الشركةُ؛ لأنَّ الغالبَ فيها السفرُ لجلبِ البضاعةِ وتسويقِها وجلْبِ الرِّبحِ ونحوِ ذلك، والمقارضةُ لغةُ أهلِ الحجازِ، والمضاربةُ لغةُ أهلِ العراقِ.
والقِراضُ في الاصطلاحِ: عقدٌ على نقْدٍ ليتصرَّفَ فيه العاملُ بالتِّجارةِ فيكونُ الرِّبحُ بينهما على حسبِ الشَّرطِ من مساواةٍ أو مفاضلةٍ.
والأصلُ في مشروعيَّتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وفي القِراضِ ابتغاءُ فضلِ الله وطلبُ نماءٍ.
ومن السنَّةِ حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال:
стр. 230
«دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (١).
وقد ضاربَ النبيُّ ﷺ لخديجةَ بأموالِها إلى الشَّامِ، وأنفذَت لخدمتِه عبدًا لها يقالُ له: ميْسرةٌ (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلِلْقِرَاضِ أَرْبَعَةُ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ يَكُونَ عَلَى نَاضٍّ مِنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ»، يُشترطُ لصحةِ عقدِ القِراضِ أن يكونَ على ناضٍّ، وهو ما ضُرِبَ من الدَّراهمِ والدَّنانِيرِ، وفي هذا إشارةٌ إلى أنَّ شرطَ المالِ أنْ يكونَ نقدًا خالصًا، ولا بدَّ أنْ يكونَ معلومًا جنسًا وقدرًا وصفةً.
٢ - «وَأَنْ يَأْذَنَ رَبُّ الْمَالِ لِلْعَامِلِ فِي التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَا لَا يَنْقَطِعُ وُجُودُهُ غَالِبًا»، يشترطُ في عقدِ القِراضِ أن لا يكونَ العاملُ مُضَيَّقًا عليه، والتَّضييقُ تارةً يكونُ بمنعِ التصرُّفِ مطلقًا؛ بأنْ يقولَ: لا تشترِ شيئًا حتى تشاورَني، وكذلك لا تبِعْ إلَّا بمشورتِي؛ لأنَّ ذلك يؤدِي إلى فواتِ مقصودِ العقدِ، فقد يجدُ شيئًا يربَحُ فيه، ولو راجعَه لفاتَ، وكذا البيعُ، فيؤدِّي إلى فواتِ مقصودِ القِراضِ، وهو الرِّبحُ، وتارةً يكونُ التَّضييقُ بأنْ يَشْتَرِطَ عليه شراءَ متاعٍ مُعَيَّنٍ، كهذه الحنطةِ، أو هذه الثيابِ، أو يَشْتَرِطَ عليه شراءَ نوعٍ يَنْدُرُ وجودُه؛ كالخيلِ البُلْقِ (٣) ونحوِ ذلكَ، أو يشترطَ عليه معاملةُ شخصٍ معيَّنٍ، فيقولَ: لا تشترِ إلَّا من فلانٍ،
стр. 231
أو لا تَبِعْ إلا له، فهذه الشروطُ كلُّها مفسدةٌ لعقدِ القراضِ؛ لأنَّ المتاعَ المعيَّنَ قد لا يبيعُه مالكُه، وعلى تقديرِ بيعِه قد لا يربحُ، وأمَّا الشخصُ المعيَّنُ فقد لا يعاملُه، وقد لا يجدُ عندَه ما يظنُّ فيه ربحًا، وقد لا يبيعُه إلا بثمنٍ غالٍ، وكلُّ هذه الأمورِ تُفَوِّتُ مقصودَ عقدِ القراضِ، فلا بدَّ من عدمِ اشتراطِها، حتَّى لو شرَطَ ربُّ المالِ أنْ يكونَ رأسُ المالِ معه ويُوفِّيَ الثَّمَنَ إذا اشترَى العاملُ فسدَ عقدُ القِراض؛ لوجودِ التَّضييقِ المُنَافِي له، وكذلك لا يَصحُّ عقدُ القِراضِ على شِراءِ بُرٍّ يطحنُه ويخبزُه، أو غزلٍ ينسِجُه ويبيعُه؛ لأنَّ الطَّحْنَ وما معه من أعمالٍ لا تُسمَّى تجارةً، بل أعمالًا مضبوطةً يُسْتَأْجَرُ عليها.
٣ - «وَأَنْ يَشْتَرِطَ لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنَ الرِّبْحِ»، يُشترطُ في عقدِ القِراضِ اشتراكُ ربِّ المالِ والعاملِ في الرِّبحِ؛ ليأخذَ هذا بمالِه وذاك بعملِه، كما يُشترطُ أنْ يكونَ الرِّبحُ بينهما معلومًا بالجزئيَّةِ، ككونِ الرِّبحِ بيننا نصفينِ أو أثلاثًا ونحوِ ذلك، فلو قال: على أنَّ لك نصيبًا أو جزءًا فهو فاسدٌ؛ للجهلِ بالعِوضِ، ولو اشترطَ للعاملِ قدرًا معلومًا كمائةٍ -مثلًا- أو ربحِ نوعٍ، كربحِ هذه البضاعةِ فسدَ؛ لأنَّ الربحَ قد ينحصرُ في المائةِ، أو في ذلك النَّوعِ؛ فيؤدِّي إلى اختصاصِ العاملِ بالرِّبحِ، وقد لا يربحُ ذلك النَّوعُ ويربحُ غيرُه، فيؤدِّي إلى أنَّ عملَه يضيعُ، وهو خلافُ مقصودِ العَقدِ.
٤ - «وَأَنْ لَا يُقَدَّرَ بِمُدَّةٍ»، يُشتَرطُ في عقدِ القِراضِ أنْ لا يُقدَّرَ بمدَّةٍ؛ لاحتمالِ عدمِ حصولِ الرِّبحِ في هذه المدَّةِ، فإنْ قدَّرَ
стр. 232
مدةً فسدَ العقدُ، كما أنَّه لا يصحُّ قسْمِ الربحِ إلا بعدَ بيعِ جميعِ السلعِ، ورجوعِها مالًا، وإذا استردَّ المالكُ شيئًا من مالِه قبلَ ظهورِ الربحِ والخَسارةِ، رجع رأسُ المالِ إلى الباقي؛ لأنَّه لم يَتركْ في يدِه غيرَه، فصار كما لو اقتصرَ في الابتداءِ على إعطائِه له.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ إِلَّا بِعُدْوَانٍ»؛ أي: لا ضمانَ على العاملِ بتلفِ المالِ أو بعضِه؛ لأنَّه أمينٌ، فلا يضمنُ إلا بعدوانٍ منه؛ كتفريطٍ، أو سفرٍ في برٍّ أو بحرٍ بغيرِ إذنِ المالكِ، ويُقبلُ قولُه في التَّلفِ إذا أطلقَ ولم يذكرْ سببًا، أو ذكرَ سببًا خفيًّا؛ كسرقةٍ ونحوِها، ويُصَدَّقُ بيمينِه، فإذا ذكرَ سببًا ظاهرًا فلا يُقبلُ إلا ببيِّنةٍ؛ لأنَّ إقامةَ البَيِّنَةِ على السَّببِ الظَّاهرِ غيرُ متعذِّرةٍ، ولو ادَّعى ردَّ رأسِ المالِ قُبِلَ منه؛ لأنَّه مؤتمنٌ، وكذلك لو اختلفَا في جنسِ رأسِ المالِ صُدِّقَ العاملُ، فإذا اختلفَا في القدرِ المشروطِ تحالفَا، وبمجردِ التَّحالفِ ينفسخُ العقدُ، ويأخذُ المالكُ الرِّبحَ كلَّه، وللعاملِ أجرةُ المثلِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا حَصَلَ رِبْحٌ وَخُسْرَانٌ جُبِرَ الْخُسْرَانُ بِالرِّبْحِ»، إذا حصلَ ربحٌ وخسرانٌ؛ كأنْ ربِحَ ثمَّ خسِر، أُخِذت الخَسارةُ من الرِّبحِ ما دامتِ المضَاربةُ مستمرَّةً، فإذا حصل خسرانٌ فقط فعلى صاحبِ المالِ، ولا شيءَ على العاملِ، وذلك لكي لا يخسرَ العاملُ مرتينِ: الأولى بضياعِ جهدِه وعملِه وفواتِ الرِّبحِ الذي كان يسعَى لتحقيقِه, والثَّانيةُ بتحمُّلِ خَسارةِ رأسِ المالِ.
стр. 233
«فَصْلٌ»
في المُسَاقَاة
المساقاةُ في اللغةِ: مأخوذةٌ من السَّقْيِ، وهو الرَّيُّ.
وفي الاصطلاحِ: دفعُ شجرِ النَّخِيلِ والعنبِ إلى مَن يعملُ فيه بجزءٍ مِن ثمرِه.
والأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ : «دَفَعَ إِلَى يَهُودَ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا, عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَطْرُ ثمرِهَا» (١).
قال الشَّافعيُّ ﵀: «والمساقاةُ جائزةٌ في النَّخلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أخذَ فيهما بالخَرْصِ، وساقَى على النَّخلِ، وثمرُها مجتمِعٌ لا حائلَ دونَه، وليس هكذا شيءٌ من الثَّمرِ كلِّه دونَه حائلٌ، وهو متفرِّقٌ غيرُ مجتمعٍ، ولا تجوزُ المساقاةُ في شيءٍ غيرِ النَّخلِ والكَرْمِ (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُسَاقَاةُ جَائِزَةٌ عَلَى النَّخْلِ وَالْكَرْمِ، وَلَهَا شَرْطَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَدِّرَهَا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ»، الشَّرطُ الأولُ من شروطِ
стр. 234
المساقاةِ التَّوقيتُ؛ لأنَّها عقدٌ لازمٌ فأشبَهَ الإجارةَ ونحوَها؛ بخلافِ القِراضِ، والفرقُ أنَّ لخروجِ الثِّمارِ غايةً معلومةً يسهُلُ ضبطُها، بخلافِ القراضِ، فإنَّ الربحَ ليس له وقتٌ مضبوطٌ، فقد لا يحصلُ الرِّبحُ في المدَّةِ المقدَّرةِ.
«وَالثَّاني: أَنْ يُعَيِّنَ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنَ الثَّمَرَةِ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ المساقاةِ أنْ يكونَ للعاملِ جزءٌ معلومٌ مِن الثمرةِ، ويكونَ الجزءُ معلومًا بالجزئيَّةِ، كالنِّصفِ والثُّلثِ والرُّبعِ فلو شرَطَ له ثمرَ نخلاتٍ معينةٍ لم تصحَّ؛ لمخالفةِ النَّصِّ، ولأنَّه قد لا تثمرُ هذه النَّخلاتُ فيضيعَ عملُه، أو لا يثمرُ غيرُها فيضيعُ حقُّ المالكِ، ولأنَّه -أيضًا- غررٌ، وعقدُ المساقاةِ غررٌ؛ لأنَّه عقدٌ على معدومٍ جُوِّزَ للحاجةِ، وغررانِ على شيءٍ يمنعانِ صحَّتَه.
قال أبو شجاع ﵀: «ثمَّ الْعَمَلُ فِيهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
١ - عَمَلٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الثَّمَرَةِ، فَهُوَ عَلَى الْعَامِلِ»، كلُّ عمَلٍ يعودُ نفعُه إلى الثَّمرةِ، من حرثٍ، وسقْيٍ، وتلقيحٍ، وإصلاحِ طرقِ الماءِ، وحصادٍ، ونحوِه يكونُ على العاملِ.
٢ - «وَعَمَلٌ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَهُوَ عَلَى رَبِّ الْمَالِ»، كلُّ عملٍ يعودُ نفعُه إلى الأرضِ، كنصبِ الدولابِ، وحفرِ الأنهارِ، وبناءِ حيطانِ البستانِ، فهذا مختصٌّ بالمالكِ.
وإذا اختلف العاملُ وصاحبُ الشَّجرِ في العِوَضِ المشْروطِ، فقال المالكُ: شرطتُ لك ثُلُثَ الثمرةِ، وقال العاملُ: نصفَها، يحلفُ كلٌّ منهما، فإذا تحالفَا انفسخَ عقدُ المساقاةِ، وكان الثَّمَرُ
стр. 235
كلُّه للمالكِ، وللعاملِ أجرةُ مثلِه؛ لأنَّ كلًّا منهما مُنْكِرٌ لدعوَى الآخرِ.
«فَصْلٌ»
في الإجَارَة
الإجارةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ من الأجرِ، وهو العِوَضُ، ومنه سمِّي الثوابُ أجرًا.
وفي الاصطلاح: عقدٌ على منفعةٍ مقصودةٍ معلومةٍ، قابلةٍ للبذلِ والإباحةِ بعوضٍ معلومٍ.
والأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
ومن السنُّةِ حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «قَالَ اللهُ تعالى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ الانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ صَحَّتْ إِجَارَتُهُ إِذَا قُدِّرَتْ مَنْفَتَعُهُ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِمُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ»، كلُّ ما أمكنَ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه مدةَ الإجارةِ صحَّتْ إجارتُه بصيغة؛ كآجرتُك هذا الثُّوبَ -مثلًا- فيقولُ المستأجرُ: قبلتُ،
стр. 236
وتنعقدُ -أيضًا- بقولِ المؤَجِّرِ لدارٍ -مثلًا- أجَّرْتُك مَنْفَعَتَها سنةً -مثلًا-، فيقولُ المستأجرُ: قبِلْتُ، وإنَّما تصحُّ إجارةُ ما أمكنَ الانتفاعُ به إذا قُدِّرَتْ منفعتُه في العقدِ بأحدِ أمرينِ:
الأولُ: أنْ يكونَ بتعيينِ مدَّةٍ في المنفعةِ المجهولةِ القدرِ؛ كالسُّكنَى، والرَّضَاع، وسقْيِ الأرضِ، ونحوِ ذلك؛ إذ السُّكنَى، وما يُشْبِعُ الصَّبِيَّ من اللبن، وما تُرْوَى به الأرضُ من السَّقْيِ يختلفُ ولا ينضبطُ، فاحْتِيجَ في منفعتِهِ إلى تقديرِهِ بمدَّةٍ.
والثَّاني: بتعيينِ محلِ عملٍ في المنفعةِ المعلومةِ القدرِ في نفسِها؛ كخياطةِ الثَّوبِ، والرُّكوبِ من مكانٍ إلى مكانٍ، فتعيينُ العملِ فيها طريقُ إلى معرفتِها، فلو قال: لتخِطْ لي ثوبًا لم يصحَّ، بل يُشْتَرَطُ أن يُبَيِّنَ ما يريدُ مِنَ الثَّوبِ؛ من قميصٍ أو غيرِه، وأن يُبَيِّنَ نوعَ الخياطةِ: أهي روميَّةٌ، أو فارسيَّةٌ؛ إلَّا أنْ تَطَّرِدَ عادةً بنوعٍ فيُحْمَلُ المطلقُ عليه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي تَعْجِيلَ الْأُجْرَةِ إِلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ التَّأْجِيلُ»، تجبُ الأجرةُ في الإجارةِ بنفسِ العقدِ، كما يملكُ المستأجرُ بالعقدِ المنفعةَ، ولأنَّ الإجارةَ عقدٌ لو شُرِطَ في عوضِه التَّعجيلُ أو التأجيلُ اتُّبع، فكان مُطلَقُه حالًّا؛ كالثَّمَنِ في البيعِ، فإذا شرَطَ فيه التأجيلَ اتُّبِع؛ لأنَّ المؤمنين عندَ شروطِهم.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَبْطُلُ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ»، إذا مات أحدُ المستأجرينَ والعينُ المستأجرةُ باقيةٌ لم يبطلِ العقدُ؛ لأنَّ الإجارةَ عقدُ معاوضةٍ على شيءٍ يقبلُ النَّقلَ،
стр. 237
وليس لأحدِ المتعاقدينَ فسخُه بلا عذرٍ، فلا تبطلُ بموتِ أحدِ المتعاقدينَ كالبيعِ، فإذا مات المستأجرُ قام وارثُه مقامَه في استيفاءِ المعقودِ عليه، وإنْ ماتَ المؤجِّرُ تُرِكَ المأجورُ في يدِ المستأجرِ إلى انقضاءِ المدَّةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَبْطُلُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ»، تنقسمُ الإجارةُ من حيثُ تعيينُ المحلِّ وعدمُ تعيينِه إلى قسمينِ:
الأول: إجارةُ العينِ، وتكونُ المنفعةُ المعقودُ عليها متعلِّقةً بنفسِ العينِ المستأجرةِ لا بغيرِها، كما إذا استأجرَ شخصٌ دارًا بعينِها ليسكنَها، أو دابةً بعينِها ليركبَها، وكذلك لو استأجرَ شخصًا معيَّنًا لبناءِ بيتٍ، أو لخياطةِ ثوبٍ، أو حَمْلِ متاعٍ أو نحوِ ذلك.
الثَّاني: إجارةُ الذِّمةِ، وتكونُ المنفعةُ المعقودُ عليها موصوفةً بصفاتٍ محدَّدةٍ يتمُّ الاتفاقُ عليها مع التزامِها في الذمَّةِ، كما إذا استأجرَ دابةً ذاتَ أوصافٍ محددةٍ للرُّكوبِ أو الحملِ إلى مكانٍ ما، أو استأجرَ شخصًا بصفاتٍ محددةٍ على عملٍ معلومٍ في الذِّمةِ مضبوطٍ بصفاتٍ، كبناءِ بيتٍ أو خياطةٍ ثوبٍ أو حملِ متاعٍ أو نحوِ ذلك.
فإذا تلفتِ العينُ المستأجرةُ بأنْ كانت دابَّة فماتت، أو أرضًا فغرِقت، أو ثوبًا فاحتَرقَ؛ نُظِرَ: هل كان التَّلفُ قبلَ القبضِ أو بعدَه؟ وهل مضتْ عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ؛ أم لم تمضِ عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ؟ فإن كان قبلَ القبضِ، أو لم تمضِ عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ انفسختِ الإجارةُ، وإن تلفتْ بعدَ القبضِ،
стр. 238
وقد مضَى عليها مدَّةٌ يكونُ لمثلِها أجرةٌ انفسختِ الإجارةُ في المستقبلِ لفواتِ الْمَعْقُودِ عليه، ولا تنفسخُ في الماضي؛ لاستقرارِه بالقبضِ، وهذا كلُّه في إجارةِ العينِ، كقولِه: استأجرتُ منك هذه الدَّابةَ.
أمَّا إذا وقعت الإجارةُ على الذمةِ؛ كما لو قال: ألزمتُك حملَ متاعِ كذا إلى موضعِ كذا، فسلَّمه المؤجِّرُ دابةً ليستوفيَ منها فهلكت؛ لم تنفسخ الإجارةُ، بل يُطالبُ المؤجِّرُ بإبدالِها؛ لأنَّ المعقودَ عليه وهو نقلُ المتاعِ باقٍ في الذِّمَّةِ، بخلافِ إجارةِ العينِ؛ فإنَّ المعقودَ عليه نفسَه فاتَ بفواتِ العينِ المستوفَى منها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ إِلَّا بِعُدْوَانٍ»، الأجيرُ أمينٌ على ما في يدِه؛ لأنَّه يعملُ فيه، فإذا استأجرَ شخصٌ أجيرًا لغسلِ ثوبٍ ونحوِه فتلِف في يدِه؛ فإنَّه لا يضمنُه؛ لأنَّه أمينٌ ولم يتعدَّ، فإن تعدَّى لزِمه الضمانُ، كما لو استأجرَ شخصٌ أجيرًا لِلْخَبْزِ فأسرفَ في إيقادِ النارِ، أو ترك المخبوزَ حتى احترقَ، فإنه يلزمُه الضمانُ لتعدِّيه، وكذلك لا يضمنُ المستأجرُ العينَ المستأجرةَ إذا تلِفت في يدِه من غيرِ فعلِه، لأنَّها عينٌ قبضَها ليستوفيَ منها ما ملكَه فلم يضمنْها بمجردِ القبضِ، فإن تلِفت بفعلِه يُنظرْ: إن كان بغيرِ عدوانٍ؛ كضربِ الدابةِ، وكبحِها باللِّجامِ للاستصلاحِ وبما جرت به العادةُ، لم يضمنْ؛ لأنَّها هلكت من فعلٍ مُستَحقٍّ، وكذلك لو هلكت تحتَ الحملِ المعتادِ، فإن تلِفت بعدوانٍ، كالضربِ من غيرِ حاجةٍ، أو حمَّلَها فوق المعتادِ،
стр. 239
لزِمه الضمانُ؛ لأنَّه جنايةٌ على مالِ الغيرِ؛ فلزِمه ضمانُه.
«فَصْلٌ»
في الجعَالَة
الجَعالةُ في اللُّغةِ: بفتحِ الجيمِ وكسرِها وضمِّها، وهي اسمٌ لما يجعلُه الإنسانُ لغيرِه على شيءٍ يفعلُه، ويُقالُ لها: جُعْلٌ وجَعِيلة.
وفي الاصطلاحِ: هي التزامُ عوضٍ معلومٍ على عملٍ معينٍ معلومٍ أو مجهولٍ، بمعينٍ أو مجهولٍ.
أي: يحصلُ هذا العملُ من عاملٍ معينٍ أو مجهولٍ، كأنْ يقولَ شخصٌ: مَن ردَّ علي دابتِي فله كذا، ولا يعرفُ مَن يقومُ بردِّها.
فلا يشترطُ في العملِ لاستحقاقِ الجُعلِ أنْ يكونَ العملُ معلومًا كما في الإجارةِ، التي لا بدَّ من أنْ تحدَّدَ بزمنٍ أو عملٍ، فتصحُّ الجعالةُ ولو كان العملُ مجهولًا؛ أي: غيرَ محدَّدٍ بفعلٍ أو زمنٍ، نحوُ: ردِّ ضالةٍ، أو تعليمِ صبيٍّ، أو معالجةِ مريضٍ، ونحوِ ذلك، فقد يستغرقُ ردُّ الضالَّةِ أو تعليمُ الصبيِّ أو معالجةُ المريضِ زمنًا طويلًا، وقد يستغرقُ وقتًا قصيرًا، وقد يكلِّفُه الكثيرَ من الجهدِ وقد لا يكلِّفُه، فكلُّ ذلك جهالةٌ في العملِ، وهي مغتفرةٌ للحاجةِ إلى ذلك.
والأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ
стр. 240
صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢]، فجعل لمن يأتيه بـ «صواع الملك»، «حمل بعير»؛ جائزةً له، وكان حملُ البعيرِ معلومًا عندهم كالْوَسْقِ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا شرعٌ لنا؛ ما لم يَرِدْ في شَرْعِنا ما يُخالِفُه.
ومن السنة حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَقْرُوهُمْ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ فِيكُمْ دَوَاءٌ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلَا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءٍ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بأُمِّ الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ، فَبَرَأَ، فَأَتَوْهُمْ بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ ، فَسَأَلُوه فَضَحِكَ ﷺ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْجَعَالَةُ جَائِزَةٌ وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي رَدِّهِ ضَالَّتَهُ عِوَضًا مَعْلُومًا، فَإِذَا رَدَّهَا اسْتَحَقَّ ذَلِكَ الْعِوَضَ الْمَشْرُوطَ»، الجعالةُ عقدٌ جائزٌ، غيرُ لازمٍ، بل هو قابلٌ للفسخِ من صاحبِ العملِ متى شاءَ، كما أنَّ للعاملِ أنْ يرجعَ عن عملِه متى شاء، رضِي الطَّرفُ الآخرُ أو لم يرضَ، وذلك لأنَّها عقدٌ على عملٍ مجهولٍ بعوضٍ، فجاز لكلِّ واحدٍ من المتعاقدَين فسخُه، فإن فسخَه العاملُ لم يستحقَّ شيئًا، ولو قام بشيءٍ من العملِ؛ لأنَّه لا
стр. 241
يستحقُّ الجُعْلَ إلَّا بالفراغِ من العملِ، وقد ترَكه، فسقطَ حقُّه، وإنْ فسخَه صاحبُ العملِ فله حالانِ:
الأول: أنْ يكونَ قبلَ الشُّروعِ في العملِ فلا يلزمُه شيءٌ؛ لأنَّه فسخَه قبلَ أنْ يستهلكَ شيئًا من منفعةِ العاملِ، فلا يلزمُه شيءٌ.
الثَّاني: أنْ يكونَ بعدَ الشُّروعِ في العملِ فلزِمَه أجرةُ المثْلِ لما عمِلَ؛ لأنَّه استهلك شيئًا من منفعتِه بشرطِ العوضِ، فلزمتْه أُجرتُه.
ولا يستحقُّ العاملُ الجُعْلَ إلا بإذنِ صاحبِ العملِ، كأنْ يقولَ صاحبُ العملِ: مَن وَجَدَ لي ضالَّتي الفلانيَّةَ فله كذا، فإذا عمِلَ العاملُ بدونِ إذنٍ لم يستحقَّ شيئًا، كما إذا وجدَ إنسانٌ ضالةً لآخرَ فردَّها عليه، أو علَّم وَلَدَهُ دونَ إذنٍ منه؛ لأنَّه بذلَ منفعتَه من غيرِ عوضٍ، فلم يستحقَّه، فإنْ أَذِن له بالعملِ ولم يَشْرِطْ له جُعلًا، فلا يستحقُّ شيئًا -أيضًا-.
وإنْ أَذِن لشخصٍ بالعملِ، فعمِلَ غيرُه فلا شيءَ له، وإنْ كان معروفًا بالقيامِ بهذا العملِ بعوضٍ؛ لأنَّه لم يلتزمْ له بعوضٍ، فوقعَ عملُه تبرُّعًا.
ولا يستحقُّ العاملُ الجُعْلَ إلَّا بالفراغِ من العملِ، كالبُرءِ من المرض إن كان الجُعلُ على الشفاءِ، أو الحِذْقِ بالقراءةِ والكتابةِ إن كان على التعليمِ، أو تسليمِ الضالةِ إن كان على ردِّها، وهكذا.
стр. 242
وإذا اختلف العاملُ وصاحبُ المالِ في شرطِ الجُعلِ، فقال العاملُ: شرطتَ جعلًا على هذا العملِ، وقال صاحبُ المالِ: لم أشرِطْ، فيُقبلُ قولُ صاحبِ المالِ بيمينِه؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الشَّرطِ، ولأنَّ العاملَ يَدَّعى عليه الضمانَ والالتزام، والأصلُ عدمُه، وكذلك لو اختلفَا في العملِ الذي شُرِط له الجُعلُ: كأنْ يقولَ صاحبُ المالِ: شرطْتُ الجعلَ لردِّ دابتي الضالةِ، ويقولَ العاملُ: بل شرطتَه لردِّ متاعِك الفلانيِّ، أو اختلفَا فيمن قام بالعملِ: فقال شخصٌ: أنا الذي قمتُ بهذا، وقال صاحبُ العملِ: بل قام به شخصٌ آخرُ، ففي الصورتينِ يُصدِّق صاحبُ العملِ بيمينِه؛ لأنَّ العاملَ يَدَّعى عليه شرطَ الجُعلِ في عقدٍ الأصلُ عدمُه، كما أنَّه يَدَّعي عليه شغلَ ذمَّتِه، والأصلُ براءةُ ذِمَّتِه.
وإن اختلفَا في قدْرِ الجُعلِ أو صفتِه أو جنسِه، كأنْ قال العاملُ: شرطتَ لي ألفَ درهمٍ، فقال صاحبُ المالِ: بل شرطتُ خمسَمائةٍ، أو قال: العاملُ شرطتَ عشَرةَ دنانيرَ، فقال صاحبُ المالِ: بل عشَرةَ دراهمَ، ونحوُ ذلك، تحالفَا؛ أي: حلَف كل منهما على إثباتِ قولِه ونفيِ قولِ الآخرِ، فإذا حلفَا تساقطَت أقوالُهما، واستحقَّ العاملُ أجرةَ المثلِ.
وكذلك لو اختلفَا في العملِ، فقال العاملُ: شرطتَ لي كذَا على هذا العملِ وحدَه، وقال صاحبُ العملِ: بل شرطتُه على هذا العملِ وذاك، تحالفَا، فإذا حلفَا تساقطَت أقوالُهما، واستحقَّ العاملُ أجرةَ المثلِ -أيضًا-.
стр. 243
«فَصْلٌ»
في المُزَارَعَة
المزارعةُ في اللُّغةِ: مِن زَرَعَ الحبَّ زَرْعًا وزراعةً: بذَرَه، وزرعَ اللهُ الحرثَ أنبتَه وأنماه، وزَارَعَهُ مُزَارَعةً عاملَه بالمزارعةِ، والمزارعةُ: المعاملةُ على الأرضِ ببعضِ ما يخرجُ منها.
وفي الاصطلاحِ: تسليمُ الأرضِ لرجلٍ ليزرعَها ببعضِ ما يخرجُ منها، والبذرُ من المالكِ، والمخابرةُ كالمزارعةِ لكنَّ البذرَ من العاملِ.
والمزارعةُ غيرُ جائزةٍ، والأصلُ في عدمِ مشروعيَّتِها حديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ قال: كنَّا نُحَاقِلُ الأرضَ على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَنُكْرِيهَا بالثلُثِ والرُّبعِ والطعامِ المسمَّى، فجاءنا ذاتَ يومٍ رجلٌ من عُمومتي، فقال: نهانا رسولُ اللهِ ﷺ عن أمرٍ كانَ لنا نافعًا، وطَواعِيَةُ اللهِ ورسولِه أنفعُ لنا: نهانَا أنْ نُحَاقِلَ بالأرضِ فنكريَها على الثلثِ والربعِ والطعامِ المسمَّى، وأمرَ ربَّ الأرضِ أن يَزْرَعَهَا أو يُزْرِعَها، وكرِه كِراءَها وما سوِى ذلك» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «إِذَا دَفَعَ إِلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا وَشَرَطَ لَهُ جُزْءًا مَعْلُومًا مِنْ رِيعِهَا لَمْ يَجُزْ»، إذا أُفرِدت المزارعةُ أو المخابرةُ بأن دفعَ شخصٌ إلى رجلٍ أرضًا ليزرعَها، وكان البذرُ من
стр. 244
المالكِ، وشَرَطَ له جزءًا معلومًا؛ كالثُّلثِ أو الرُّبعِ من زرعِها، وهو المسمَّى بالمزارعَةِ، أو كان البذرُ مِن العاملِ وشَرَطَ للمالكِ جزءًا معلومًا؛ كالثُّلثِ أو الرُّبعِ، وهو المسمَّى بالمخابرَةِ لم يجزْ في الصورتينِ؛ للنَّهيِ عن الأولى؛ كما في حديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ السَّابقِ، وعن الثَّانيةِ في حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ : «نَهَى عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُخَابَرَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا» (١).
ولأنَّ تحصيلَ منفعةِ الأرضِ ممكنةٌ بالإجارةِ، فلم يجزِ العملُ
стр. 245
فيها ببعضِ ما يخرجُ منها، بخلافِ الشجرِ؛ فإنه لا يمكنُ عقدُ الإجارةِ عليه، فجُوِّزت المساقاةُ للحاجةِ.
تنبيه: لو دفَع لشخصٍ أرضًا فيها نخلٌ كثيرٌ أو قليلٌ، فساقَاه عليه، وزارعَه على الأرض، فتجوزُ هذه المزارعةُ تبعًا للمساقاةِ، وتكونُ غلَّتُها في المزارعةِ للمالكِ؛ لأنَّه نماءُ ملكِه، وعليه للعاملِ أجرةُ مثلِ عملِه، وفي المخابرةِ للعاملِ؛ لأنَّ الزرعَ يتبعُ البذرَ، وعليه للمالكِ مثلُ أجرةِ الأرضِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَكْرَاهُ إِيَّاهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ شَرَطَ لَهُ طَعَامًا مَعْلُومًا فِي ذِمَّتِهِ جَازَ»؛ أي: إنْ أَكْرَاهُ الأرضَ للمزارعةِ بذهبٍ أو فضةٍ، أو شرَطَ له طعامًا معلومًا في ذِمَّتِه جاز؛ لحديثِ ثابتِ بنِ الضحاكِ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن المزارعةِ وأمرَ بالمؤاجرةِ، وقال: «لَا بَأْسَ بِهَا» (١).
«فَصْلٌ»
في إحياءِ المَوَات
الإحياءُ في اللُّغةِ: جعْلُ الشَّيءِ حيًّا، والمَواتُ: ما لا رُوحَ فيه؛ والمرادُ به: الأرضُ التي لم تُعمَّرْ، ولا مالكَ لها.
وفي الاصطلاح: عمارةُ الأرضِ الخَرِبَةِ التي لا مالكَ لها، ولا ينتفعُ بها أحدٌ.
стр. 246
الأصلُ في مشروعيَّتِه حديثُ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١).
وحديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ جَائِزٌ بِشَرْطَيْنِ:
١ - أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي مُسْلِمًا»، كلُّ مَن جاز له أن يتملَّكَ الأموالَ جاز له الإحياءُ، ويملِكُ به المُحيَا؛ لأنَّه ملكَ بفعلٍ، فأشبهَ الاصطيادَ والاحتطابَ، ولا فرقَ في حصولِ المِلكِ له بين أن يأذنَ الإمامُ أم لا؛ اكتفاءً بإذنِ سيدِ الأولينِ والآخرينِ محمدٍ ﷺ ، ويُشترطُ أن يكونَ المُحيِي مسلمًا، فلا يجوزُ الإحياءُ للكافرِ الذِّميِّ الذي يُقيمُ في دارِ الإسلامِ؛ لأنَّه نوعُ تمليكٍ ينافيه الكفرُ، كالإرثِ من المسلمِ.
٢ - «وَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ حُرَّةً لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ»،
стр. 247
يُشترطُ في الأرضِ التي يرادُ تملُّكُها بالإحياءِ أن تكونَ حرَّةً؛ أي: لم يَجرِ عليها ملكٌ لمسلمٍ، فإن جرى ذلك حرُم التعرُّضُ لها بالإحياءِ وغيرِه؛ إلا بإذنٍ شرعيٍّ، ففي حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (١).
ولا يجوزُ إحياءٌ في عرفةَ ولا المزدلفةِ ومنًى؛ لتعلُّقِ حقِّ الوقوفِ بالأولِ والمبيتِ بالآخرَيْنَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ: مَا كَانَ فِي الْعَادَةِ عِمَارَةً لِلْمُحْيَا»، صفةُ الإحياءِ التي يُملَكُ به المواتُ شرعًا تختلفُ بحسبِ الغرضِ المقصودِ من الأرضِ، ويُرجَعُ فيها إلى العرفِ، والضابطُ: التهيئةُ للمقصودِ.
فإنْ أراد إحياءَ المواتِ مَسكنًا؛ اشْتُرِطَ فيه تحويطُ البقعةِ بآجُرٍّ أو لَبِنٍ أو قصبٍ بحسبِ عادةِ ذلك المكانِ، والمعتمدُ أنه لا يكتفى بالتحويطِ من غيرِ بناءٍ، بل لا بدَّ من البناءِ، ويُشتَرطُ سَقْفُ بعضِ الأرضِ؛ ليتهيأَ للسُّكنَى، ونصبُ بابٍ؛ لأنَّ العادةَ في المنازلِ أن يكونَ لها أبوابٌ، ولا تصلحُ الأرضُ للسُّكنَى بما دونَ ذلك.
وإن أراد إحياءَ المواتِ زريبةَ دوابَّ أو نحوَها، كحظيرةٍ لجمعِ ثمارٍ وغلَّاتٍ وغيرِها، فيُكتفَى بالتحويطِ بالبناءِ بحسبِ
стр. 248
العادةِ، ولا يُشترطُ سقْفُ شيءٍ؛ لأنَّ العادةَ فيها عدمُه، ولا بدَّ فيه من تركيبِ بابٍ مع البناءِ.
وإن أراد إحياءَ المواتِ مزرعةً، فيُطلَبُ جمعُ الترابِ حولَها، وتسويةُ الأرضِ، وترتيبُ ماءٍ لها بشقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو بحفرِ بئرٍ أو قناةٍ أو نحوِها، إنْ لم يكفِها المطرُ المعتادُ.
وإن أراد إحياءَ المواتِ بُستانًا، فيُشترطُ جمعُ الترابِ حولَ الأرضِ كالمزرعةِ، والتحويطُ حيث جرت العادةُ به عملًا بها، وتهيئةُ ماءٍ كما تقرَّرَ في المزرعةِ، ويُشترطُ -أيضًا- في البستان غرسُ البعضِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - «أَنْ يَفْضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ»، تجبُ التخليةُ بين الماءِ وبين طالبِه بشروطٍ ثلاثةٍ، الأولُ: أن يفْضُلَ عن حاجتِه لنفسِه وماشيتِه وشجرِه وزرعِه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ» (١).
ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ -أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا
стр. 249
تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» (١).
ومعنى الحديثِ أنَّ الماشيةَ إنَّما تَرعَى بِقُرْبِ الماءِ، فإذا منع الماءَ وليس هناك ماءٌ آخرُ فقد منَع من الكلإِ وحازه لنفسِه، وفوَّتَهُ على النَّاسِ.
٢ - «وَأَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَهِيمَتِهِ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أنْ يحتاجَ إليه غيرُه، إمَّا لنفسِه، أو لبهائمِه، ولا يجبُ بذلُه للزَّرعِ، وإنَّما وَجبَ بذلُه للبهائمِ دون الزرعِ لحرمةِ الرُّوحِ.
٣ - «وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَخْلَفُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أن يكونَ الماءُ الفاضلُ عن حاجتِه مما يُسْتَخْلَفُ؛ أي: يَخلفُه ماءٌ غيرُه، سواءٌ كان في بئرٍ أو عينٍ، أو غيرِ ذلك، وأما الذي لا يَخلُفُه غيرُه؛ كالمستقرِّ في إناءٍ، أو في حوضٍ مسدودٍ؛ فلا يجبُ بذلُ فضلِه، والفرقُ أنه في صورةِ الاستخلافِ لا يلحقُه ضررٌ بالاحتياجِ إليه في المستقبلِ بخلافِه في ما لا يُسْتَخْلَفُ.
«فَصْلٌ»
في الوقف
الوقفُ في اللُّغةِ: الحبسُ والمنعُ، يُقالُ: وَقفْت كذا؛ أي: حبَسْتُه.
стр. 250
وفي الاصطلاح: حبسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه، بقطعِ التصرفِ في رقبتِه، وتُصرَفُ منافعُه في وجوهِ البرِّ؛ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى.
والأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
ومن السُّنةِ حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «إنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أصاب أرضًا بخيبرَ، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمرُه فيها، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرُ به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنَّه لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفقراءِ، وفي القُربَى، وفي الرقابِ، وفي سبيلِ اللهِ، وابنِ السبيلِ، والضيفِ، لا جناحَ على مَن ولِيها أنْ يأكلَ منها بالمعروفِ، ويطعمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَقْفُ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ»، يجوزُ الوقفُ بشروطٍ ثلاثةٍ؛ أولُها: أنْ يُنْتَفَعَ به مع بقاءِ عينِه، فيدخلُ فيه الأراضي والعَقارُ، ونحوُ ذلك؛ مُفْرَزًا كان أو مَشاعًا، واحتُرِزَ به عمَّا لا يُنتَفعُ به مع بقاءِ عينِه، كالطعامِ ونحوِه؛ لأنَّه لا يُنتَفعُ به إلا باستهلاكِ عينِه.