الأصلُ في مشروعيَّتِه حديثُ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ» (١).
وحديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِحْيَاءُ الْمَوَاتِ جَائِزٌ بِشَرْطَيْنِ:
١ - أَنْ يَكُونَ الْمُحْيِي مُسْلِمًا»، كلُّ مَن جاز له أن يتملَّكَ الأموالَ جاز له الإحياءُ، ويملِكُ به المُحيَا؛ لأنَّه ملكَ بفعلٍ، فأشبهَ الاصطيادَ والاحتطابَ، ولا فرقَ في حصولِ المِلكِ له بين أن يأذنَ الإمامُ أم لا؛ اكتفاءً بإذنِ سيدِ الأولينِ والآخرينِ محمدٍ ﷺ ، ويُشترطُ أن يكونَ المُحيِي مسلمًا، فلا يجوزُ الإحياءُ للكافرِ الذِّميِّ الذي يُقيمُ في دارِ الإسلامِ؛ لأنَّه نوعُ تمليكٍ ينافيه الكفرُ، كالإرثِ من المسلمِ.
٢ - «وَأَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ حُرَّةً لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكٌ لِمُسْلِمٍ»،
стр. 247
يُشترطُ في الأرضِ التي يرادُ تملُّكُها بالإحياءِ أن تكونَ حرَّةً؛ أي: لم يَجرِ عليها ملكٌ لمسلمٍ، فإن جرى ذلك حرُم التعرُّضُ لها بالإحياءِ وغيرِه؛ إلا بإذنٍ شرعيٍّ، ففي حديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (١).
ولا يجوزُ إحياءٌ في عرفةَ ولا المزدلفةِ ومنًى؛ لتعلُّقِ حقِّ الوقوفِ بالأولِ والمبيتِ بالآخرَيْنَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَصِفَةُ الْإِحْيَاءِ: مَا كَانَ فِي الْعَادَةِ عِمَارَةً لِلْمُحْيَا»، صفةُ الإحياءِ التي يُملَكُ به المواتُ شرعًا تختلفُ بحسبِ الغرضِ المقصودِ من الأرضِ، ويُرجَعُ فيها إلى العرفِ، والضابطُ: التهيئةُ للمقصودِ.
فإنْ أراد إحياءَ المواتِ مَسكنًا؛ اشْتُرِطَ فيه تحويطُ البقعةِ بآجُرٍّ أو لَبِنٍ أو قصبٍ بحسبِ عادةِ ذلك المكانِ، والمعتمدُ أنه لا يكتفى بالتحويطِ من غيرِ بناءٍ، بل لا بدَّ من البناءِ، ويُشتَرطُ سَقْفُ بعضِ الأرضِ؛ ليتهيأَ للسُّكنَى، ونصبُ بابٍ؛ لأنَّ العادةَ في المنازلِ أن يكونَ لها أبوابٌ، ولا تصلحُ الأرضُ للسُّكنَى بما دونَ ذلك.
وإن أراد إحياءَ المواتِ زريبةَ دوابَّ أو نحوَها، كحظيرةٍ لجمعِ ثمارٍ وغلَّاتٍ وغيرِها، فيُكتفَى بالتحويطِ بالبناءِ بحسبِ
стр. 248
العادةِ، ولا يُشترطُ سقْفُ شيءٍ؛ لأنَّ العادةَ فيها عدمُه، ولا بدَّ فيه من تركيبِ بابٍ مع البناءِ.
وإن أراد إحياءَ المواتِ مزرعةً، فيُطلَبُ جمعُ الترابِ حولَها، وتسويةُ الأرضِ، وترتيبُ ماءٍ لها بشقِّ ساقيةٍ من نهرٍ، أو بحفرِ بئرٍ أو قناةٍ أو نحوِها، إنْ لم يكفِها المطرُ المعتادُ.
وإن أراد إحياءَ المواتِ بُستانًا، فيُشترطُ جمعُ الترابِ حولَ الأرضِ كالمزرعةِ، والتحويطُ حيث جرت العادةُ به عملًا بها، وتهيئةُ ماءٍ كما تقرَّرَ في المزرعةِ، ويُشترطُ -أيضًا- في البستان غرسُ البعضِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ بَذْلُ الْمَاءِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - «أَنْ يَفْضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ»، تجبُ التخليةُ بين الماءِ وبين طالبِه بشروطٍ ثلاثةٍ، الأولُ: أن يفْضُلَ عن حاجتِه لنفسِه وماشيتِه وشجرِه وزرعِه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ» (١).
ولحديثِ أبي هريرةَ ﵁ -أيضًا- أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا
стр. 249
تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ» (١).
ومعنى الحديثِ أنَّ الماشيةَ إنَّما تَرعَى بِقُرْبِ الماءِ، فإذا منع الماءَ وليس هناك ماءٌ آخرُ فقد منَع من الكلإِ وحازه لنفسِه، وفوَّتَهُ على النَّاسِ.
٢ - «وَأَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِبَهِيمَتِهِ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أنْ يحتاجَ إليه غيرُه، إمَّا لنفسِه، أو لبهائمِه، ولا يجبُ بذلُه للزَّرعِ، وإنَّما وَجبَ بذلُه للبهائمِ دون الزرعِ لحرمةِ الرُّوحِ.
٣ - «وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَخْلَفُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ وجوبِ بذلِ الماءِ الفاضلِ عن حاجتِه: أن يكونَ الماءُ الفاضلُ عن حاجتِه مما يُسْتَخْلَفُ؛ أي: يَخلفُه ماءٌ غيرُه، سواءٌ كان في بئرٍ أو عينٍ، أو غيرِ ذلك، وأما الذي لا يَخلُفُه غيرُه؛ كالمستقرِّ في إناءٍ، أو في حوضٍ مسدودٍ؛ فلا يجبُ بذلُ فضلِه، والفرقُ أنه في صورةِ الاستخلافِ لا يلحقُه ضررٌ بالاحتياجِ إليه في المستقبلِ بخلافِه في ما لا يُسْتَخْلَفُ.
«فَصْلٌ»
في الوقف
الوقفُ في اللُّغةِ: الحبسُ والمنعُ، يُقالُ: وَقفْت كذا؛ أي: حبَسْتُه.
стр. 250
وفي الاصطلاح: حبسُ مالٍ يمكنُ الانتفاعُ به مع بقاءِ عينِه، بقطعِ التصرفِ في رقبتِه، وتُصرَفُ منافعُه في وجوهِ البرِّ؛ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى.
والأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
ومن السُّنةِ حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «إنَّ عمرَ بنَ الخطابِ أصاب أرضًا بخيبرَ، فأتى النبيَّ ﷺ يستأمرُه فيها، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصبتُ أرضًا بخيبرَ لم أُصِبْ مالًا قطُّ أنفَسَ عندي منه، فما تأمرُ به؟ قال: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا»، قال: فتصدَّقَ بها عمرُ؛ أنَّه لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورثُ، وتَصدَّقَ بها في الفقراءِ، وفي القُربَى، وفي الرقابِ، وفي سبيلِ اللهِ، وابنِ السبيلِ، والضيفِ، لا جناحَ على مَن ولِيها أنْ يأكلَ منها بالمعروفِ، ويطعمَ غيرَ مُتَمَوِّلٍ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَقْفُ جَائِزٌ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ:
١ - أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ»، يجوزُ الوقفُ بشروطٍ ثلاثةٍ؛ أولُها: أنْ يُنْتَفَعَ به مع بقاءِ عينِه، فيدخلُ فيه الأراضي والعَقارُ، ونحوُ ذلك؛ مُفْرَزًا كان أو مَشاعًا، واحتُرِزَ به عمَّا لا يُنتَفعُ به مع بقاءِ عينِه، كالطعامِ ونحوِه؛ لأنَّه لا يُنتَفعُ به إلا باستهلاكِ عينِه.
стр. 251
٢ - «وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَصْلٍ مَوْجُودٍ وَفَرْعٍ لَا يَنْقَطِعْ»، الشَّرطُ الثَّاني من شروطِ جوازِ الوقفِ: أنْ يكونَ على «أصلٍ مَوْجُودٍ»؛ لأنَّ الوقفَ نقلُ ملكِ المنافعِ إلى الموقوفِ عليه، وتمليكُ المعدومِ باطلٌ، وكذلك تمليكُ من لا يملكُ، ومثالُ تمليكِ المعدومِ أنْ يُوقِفَ على من سيُولَدُ، أو على مسجدٍ سيُبنى، ومثالُ تمليكِ من لا يَمْلِكُ الوقفُ على الحمْلِ، أو على العبدِ، فهذا وأشباهُه باطلٌ؛ لأنَّ الوقفَ تمليكٌ منجزٌ، فلا يصحُّ على مَن لا يملكُ؛ كالبيعِ وسائرِ التَّمليكاتِ، وهذا النَّوعُ يعبرُ عنه الفقهاءُ بقولِهم: منقطعُ الأولِ، وكذلك يُشتَرطُ في جوازِ الوقفِ أن يكونَ «على فرعٍ لا ينقطعُ»، كالوقفِ على الفقراءِ والعلماءِ والمجاهدينَ والمساجدِ، فإن قال: وَقفْتُ على الفقيرِ فلانٍ، أو عليه وعلى أولادِه؛ لم يصحَّ، وهو ما يعبِّرُون عنه بقولِهم: منقطعُ الآخِرِ، فإذا قال: أوقفتُ على أولادِه، ثمَّ الفقراءِ من بعدِهم، صحَّ الوقفُ.
٣ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ مَحْظُورًا»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شروطِ جوازِ الوقفِ: أنْ لا يكونَ محظورًا؛ كالوقفِ على البيعِ، والكنائسِ، وكذلك كتبُ التوراةِ والإنجيلِ؛ لأنَّها محرَّفةٌ، وذلك لأنَّ الوقفَ معروفٌ وبِرٌّ، والمعصيةُ على عكسِ ذلك.
قال أبو شجاع ﵀: «وَهُوَ عَلَى مَا شَرَطَ الْوَاقِفُ مِنْ تَقْدِيمٍ، أَوْ تَأْخِيرٍ، أَوْ تَسْوِيَةٍ، أَوْ تَفْضِيلٍ»، مبنَى الوقفِ على اتباعِ شرطِ الواقفِ من تقديمٍ أو تأخيرٍ أو تسويةٍ أو تفضيلٍ، فمثالُ التقديمِ والتأخيرِ، كقولِه: وقفتُ على أولادِي بشرطِ أنْ يُقدَّمَ
стр. 252
الأورعُ منهم، فإنْ فضَلَ شيءٌ كان للباقينَ، ومثالُ التسويةِ كقولِه: بشرطِ أنْ يُصرفَ لكلِّ واحدٍ منهم مائةُ درهمٍ، ومثالُ التَّفضيلِ كقولِه: بشرطِ أنْ يُصرفَ لزيدٍ مائةٌ ولعمرٍو خمسونَ.
«فَصْلٌ»
في الهِبَة
الهبةُ في اللُّغةِ: العطيةُ التي لم يسبقْها استحقاقٌ.
وفي الاصطلاحِ: تمليكُ عينٍ بلا عوضٍ حالَ الحياةِ تطوُّعًا.
والأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَآتُوا النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً﴾ [النساء: ٤]؛ أي: إنْ طابتْ أنفسُهن لكم عن شيءٍ من الصَّداقِ فوهبنَه لكم فكُلوه حلالًا طيبًا.
ومن السُّنةِ حديثُ أبي هريرة ﵁: «أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا أُتِي بطعامٍ سأل عنه، فإنْ قِيل: هديةٌ، أكلَ منها، وإنْ قِيل: صدقةٌ، لم يأكلْ منها» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَتْ هِبَتُهُ»، كلُّ ما جاز بيعُه جازت هبتُه، وكلُّ ما لا يجوزُ بيعُه لا تجوزُ هبتُه؛ كالآبقِ والضَّالِّ والمجهولِ، نحوُ: وهبتُك أحدَ عَبيدِي؛ فلا يصحُّ، وتجوزُ هبةُ المشاعِ للشَّريكِ وغيرِه، وكذا تجوزُ هبةُ أرضٍ يزرعُها، وهبةُ الدَّينِ للمَدِينِ إبراءٌ، ولا يحتاجُ إلى قَبولٍ، ولغيرِه باطلٌ، ولو
стр. 253
وهب لفقيرٍ دينًا عليه بنيَّةِ الزَّكاةِ لم يقعْ عنها، ولو قال: تصدَّقت بمالي عليك برِئَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَلْزَمُ الْهِبَةُ إِلَّا بِالْقَبْضِ»، لا تخرجُ العينُ الموهوبةُ من مِلْكِ الواهبِ وتدخلُ في ملكِ الموهوبِ له قبلَ أن يقبضَها، وللواهبِ أنْ يرجِعَ عن الهبةِ قبل القبضِ، وقد دلَّ على ذلك حديثُ أم كلثومَ بنتِ أبي سلمةَ عن أمِّ سلمةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى إِلَّا هَدِيَّتِي مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ»، قالت: وكان كما قال رسولُ اللهِ ﷺ ، ورُدَّت عليه هديتُه، فأعطى كلَّ امرأةٍ من نسائِه أوقيَّةَ مسكٍ، وأعطى أمَّ سلمةَ بقيَّةَ المسكِ والحُلَّةَ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا قَبَضَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا؛ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَالِدًا»، يقولُ ابنُ عباسٍ ﵄ قال النبيُّ ﷺ : «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ ثمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» (٢).
وروى طاوسٌ عن ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ ﵃ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» (٣).
стр. 254
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَعْمَرَ شَيْئًا أَوْ أَرْقَبَهُ كَانَ لِلْمُعْمَرِ أَوْ لِلْمُرْقَبِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ»، العُمْرَى: هي أنْ يقولَ للشخصِ: أعمرتُك هذا العقارَ؛ أي: جعلتُه لك مدةَ عمْرِك، فإذا مِتَّ رجعَ إليَّ، وأمَّا الرُّقْبَى فأنْ يقولَ له: أرْقَبْتُكَ هذا الشيءَ، فإذا متَّ قبلِي عاد إليَّ، وإنْ متُّ قبلَك استقرَّ لك، وهذه الهبةُ صحيحةٌ والشَّرطُ باطلٌ لاغٍ، وتبقى للمُعْمَرِ أو للمُرْقَبِ حَيًّا أو مَيِّتًا، ودليلُه حديثُ جابرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْمَرَ رَجُلًا عُمْرَى لَهُ وَلِعَقِبِهِ، فَقَالَ: قَدْ أَعْطَيْتُكَهَا وَعَقِبَكَ مَا بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ، فَإِنَّهَا لِمَنْ أُعْطِيَهَا، وَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ» (١).
وعن جابرٍ -أيضًا- ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا» (٢).
«فَصْلٌ»
في اللقطة
اللُّقَطَةُ في اللُّغةِ: هي الشيءُ الملتَقطُ من الأرضِ.
وفي الاصطلاحِ: هي ما وُجِدَ من حقٍّ محترمٍ غيرِ مُحْرَزٍ، لا يَعْرِفُ الواجدُ مستحِقَّه.
стр. 255
والأصلُ في مشروعيتِها من الكتابِ قولُه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وفي أخذِ اللقطةِ وردِّها على صاحبِها معاونةٌ على البرِّ والتقوَى.
ومن السُّنةِ حديثُ زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عن اللُّقطةِ، الذَّهَبِ، أو الوَرِقِ؟ فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»؛ وسُئل عن ضالَّةِ الإبلِ، فقال: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ دَعْهَا؛ فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»؛ وسُئل عن الشاةِ، فقال: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وَجَدَ لُقَطَةً فِي مَوَاتٍ أَوْ طَرِيقٍ فَلَهُ أَخْذُهَا وَتَرْكُهَا، وَأَخْذُهَا أَوْلَى مِنْ تَرْكِهَا إِنْ كَانَ عَلَى ثِقَةٍ مِنَ الْقِيَامِ بِهَا»، إذا وَجَدَ شخصٌ لُقَطَةً في مواتٍ أو طريقٍ، سواء كان هذا الشَّخصُ بالغًا أو غير بالغ، وسواء كان عدلًا أو فاسقًا؛ فله أخذُها أو تركُها؛ ولكنَّ أخذَها أولَى من تركِها إنْ كان الآخِذُ لها
стр. 256
على ثِقةٍ من القيامِ بها، فلو تركَها من غيرِ أَخْذٍ لم يضمنْها، ولا يجبُ الإشهادُ على التقاطِها، ويَنْزِعُ القاضِي اللُّقطةَ من الفاسقِ، ويضعُها عندَ عَدْلٍ، ولا يُعْتَمَدُ تعريفُ الفاسقِ للُّقطةِ، بل يضمُّ القاضي إليه رقيبًا عَدْلًا يمنعُه من الخيانةِ فيها، ويَنْزِعُ الوليُّ اللقطةَ من يدِ الصبيِّ ويُعرِّفُها، ثمَّ بعدَ التعريفِ يتملكُ اللقطةَ للصبيِّ إنْ رأى المصلحةَ في تملُّكِها له.
فإنْ لم يثقِ المُلْتَقِطُ بأمانةِ نفسِه مستقبلًا كُرِه له التقاطُها، وإنْ علِم من نفسِه الخيانةَ، وأنَّه إنِ التقَطَها فسيلتقطُها لنفسِه لا ليحفظَها على مالكِها، حرُمَ عليه التقاطُها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَخَذَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْرِفَ سِتَّةَ أَشْيَاءَ:
١ - وِعَاءَهَا»، وهو ما هي فيه من جلدٍ أو غيرِه.
٢ - «وَعِفَاصَهَا»، وهو الجلدُ الذي يُلْبَسُ رأسَ القارورةِ.
٣ - «وَوِكَاءَهَا»، ما تُربَطُ به من خيطٍ أو غيرِه.
٤ - «وَجِنْسَهَا»، من نقدٍ أو غيرِه.
٥ - «وَعَدَدَهَا»، كاثنينِ فأكثرَ.
٦ - «وَوَزْنَهَا»، كدرهمٍ فأكثرَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْفَظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا»، يجبُ على مَن أخذَ اللقطةَ أن يحفظَها في حِرْزِ مثلِها؛ لأنَّها أمانةٌ، فأشبهَت سائرَ الأماناتِ.
стр. 257
قال أبو شجاع ﵀: «ثمَّ إِذَا أَرَادَ تَمَلُّكَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَفِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ»، إذا أراد الملتقطُ تملُّكَ اللقطةِ عرَّفها سنةً على أبوابِ المساجدِ، وكذلك في الموضعِ الذي وجدَها فيه، وفي الأسواقِ ونحوِها من مجامعِ النَّاسِ، ويكونُ التعريفُ على العادةِ زمانًا ومكانًا؛ وابتداءُ السَّنةِ يُحسَبُ من وقتِ التعريفِ، لا من وقتِ الالتقاطِ، ولا يجبُ استيعابُ السنةِ بالتعريفِ، بل يُعرِّفُ أولًا كلَّ يومٍ مرتينِ طرفَي النهارِ، لا ليلًا، ولا وقتَ القيلولةِ، ثمَّ يُعَرِّفُ بعدَ ذلك كلَّ أسبوعٍ مرةً أو مرتين، وهكذا، ومَن التقطَ شيئًا حقيرًا لا يُعرِّفه سَنةً، بل يعرِّفُه زمنًا يظنُّ أنَّ فاقدَه يُعْرِضُ عنه بعدَ ذلك الزمنِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا كَانَ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِشَرْطِ الضَّمَانِ»، إذا وجد شخصٌ لقطةً ولم يجد صاحبَها بعد تعريفِها سنةً؛ كان له أن يتملَّكها بشرطِ الضمانِ لها، فإنْ تملَّكها وظهر مالكُها وهي باقيةٌ واتفقَا على ردِّ عينِها أو بدلِها، فالأمرُ فيه واضحٌ؛ وإنْ تنازعَا فطلبَها المالكُ وأراد الملتقِطُ العدولَ إلى بدلِها أُجيب المالكُ، وإنْ تَلِفَت اللقطةُ بعدَ تملُّكِها غرِمَ الملتقطُ مثلَها إنْ كانت مثليَّةً، أو قيمتَها إنْ كانت متقوَّمةً يومَ التملُّكِ لها، وإنْ نقصت بعيبٍ فله أخذُها مع الأرشِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَاللُّقَطَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا يَبْقَى عَلَى الدَّوَامِ، فَهَذَا حُكْمُهُ»، واللُّقطةُ -أي: بالنَّظرِ إلى ما يُفْعَلُ فيها- على أربعةِ أضربٍ: أحدُها ما يبقَى على
стр. 258
الدَّوامِ؛ كالذَّهبِ والفِضَّةِ فحكمُه ما ذكرناه من التَّخييرِ بينَ تملُّكِها وبين إدامةِ حفظِها إذا عرَّفها ولم يجدْ مالِكُها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّاني: مَا لَا يَبْقَى، كَالطَّعَامِ الرَّطْبِ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغُرْمِهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثمنِهِ»، الضَّربُ الثَّاني من أضربِ اللُّقطةِ ما لا يبقَى على الدَّوامِ، بل يفسدُ بالتَّأخيرِ، كالطَّعامِ الرَّطبِ، نحوُ الرُّطَبِ الذي لا يَتَتَمَّرُ، والبقولِ، فالملتقطُ مخيَّرٌ فيه بينَ تملُّكِه ثمَّ أكلِه وغُرْمِ بدلِه من مِثْلٍ أو قيمةٍ، أو بيعِه بثمنِ مثلِه وحفظِ ثمنِه لمالكِه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّالثُ: مَا يَبْقَى بِعِلَاجٍ، كَالرُّطَبِ: فَيَفْعَلُ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ مِنْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، أَوْ تَجْفِيفِهِ وَحِفْظِهِ»، الضَّربُ الثَّالثُ من أضربِ اللُّقطةِ ما يبقى على الدَّوامِ لكن بعلاجٍ، كالرُّطبِ الذي يتجفَّفُ، فيفعلُ الملتقطُ ما فيه المصلحةُ لمالكِه، من بيعِه بثمنِ مثلِه، وحفظِ ثمنِه له، أو تجفيفِه وحفظِه لمالكِه إن تبرَّع الملتقطُ بالتجفيفِ، وإلا فيبيعُ بعضَه بإذنِ الحاكمِ إنْ وجدَه وينفقُه على تجفيفِ الباقي.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالرَّابِعُ: مَا يَحْتَاجُ إِلَى نَفَقَةٍ، كَالْحَيَوَانِ، وَهُوَ ضَرْبَانِ: حَيَوَانٌ لَا يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ: فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغُرْمِ ثَمَنِهِ، أَوْ تَرْكِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَحَيَوَانٌ يَمْتَنِعُ بِنَفْسِهِ: فَإِنْ وَجَدَهُ فِي الصَّحَرَاءِ تَرَكَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ»، الضرب الرابع ما يحتاج إلى نفقة كالحيوان، وهو ضربانِ:
стр. 259
الضربُ الأولُ: حيوانٌ لا يمتنعُ بنفسِه من صغارِ السِّباعِ، كشاةٍ وعجلٍ وفصيلٍ والكسيرِ من الإبلِ والخيلِ ونحوِ ذلك، مما إذا تركه يضيعُ بكاسرٍ من السِّباعِ، أو بخائنٍ من النَّاسِ، فإن وجدَه بمفازةٍ فهو مخيَّرٌ فيه بينَ تملُّكِه ثمَّ أكْلِهِ وغُرْمِ ثَمَنِهِ لمالكِه، أو إمساكِه عندَه والتَّطوعِ بالإنفاقِ عليه، فإنْ لم يتطوَّعْ وأراد الرُّجوعَ فلينفقْ بإذنِ الحاكمِ، فإنْ لم يجدْه أشهدَ على ذلك، أو يبيعُه بثمَنِ مثلِه ويحفظُ ثمنَه لمالكِه، ثمَّ يعرِّفُه ثمَّ يتملَّكُ الثَّمَنَ.
الضربُ الثَّاني: حيوانٌ يمتنعُ بنفسِه من صغارِ السِّباعِ، كذئبٍ ونَمِرٍ وفَهدٍ؛ إمَّا بفضلِ قوةٍ، كالإبلِ والخيلِ والبغالِ والحميرِ، وإمَّا بشدَّةِ عَدْوِه كالأرانبِ والظِّباءِ المملوكةِ، وإمَّا بطيرانِه كالحمامِ، فإنْ وجدَه الملتقطُ في الصحراءِ الآمنةِ تركَه وجوبًا؛ لأنَّه مصونٌ بالامتناعِ من أكثرِ السِّباعِ مستغنٍ بالرَّعيِ إلى أنْ يجدَه صاحبُه لطلبِه له، ولأنَّ طروقَ النَّاسِ فيها لا يعمُّ، وإنْ وجدَه في الحضرِ ببلدةٍ أو قريةٍ أو قريبٍ منهما كان له أخذُه للتَّملُّكِ، وحينئذٍ فهو مخيَّرٌ فيه بينَ الأشياءِ الثَّلاثةِ التي تقدَّمَ ذكرُها في الذي لا يمتنعُ بنفسِه، وهي أنَّه «مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَغُرْمِ ثَمَنِهِ، أَوْ تَرْكِهِ وَالتَّطَوُّعِ بِالإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، أَوْ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ»، وإنَّما جاز أخذُ هذا الحيوانِ في العمرانِ دونِ الصَّحراءِ الآمنةِ للتَّملكِ؛ لئلَّا يضيعَ بامتدادِ الأيدي الخائنةِ إليه بخلافِ الصحراءِ الآمنةِ فإنَّ طروقَ النَّاسِ بها نادرٌ.
ولا تحلُّ لُقَطَةُ حَرَمِ مكةَ إلا للحفظِ والتَّعريفِ؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ لَا يُعْضَدُ
стр. 260
شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا» (١).
ويلزمُ اللاقطَ الإقامةُ للتَّعريفِ أو دفعُها إلى الحاكمِ، والسِّرُّ في ذلك أنَّ حرَمَ مكَّةَ مثابةٌ للنَّاسِ يعودونَ إليهِ المرَّةَ بعدَ الأخرى، فربَّما يعودُ مالكُها من أجلِها أو يبعثُ في طلبِها.
«فَصْلٌ»
في اللَّقِيط
اللَّقيطُ في اللُّغةِ: هو ما يلقَطُ، واللَّقطُ: أخذُ الشيءِ من الأرضِ، فهو فعيلٌ بمعنى مفعولٍ، مثلُ: قتيلٍ بمعنى مقتولٍ، وجريحٍ بمعنى مجروحٍ، والصبيُّ المنبوذُ يجدُه إنسانٌ فهو اللَّقيطُ عندَ العربِ، والأنثى اللَّقيطةُ، والذي يأخذُ الصبيَّ أو الصبيَّةَ يُقالُ له: الملتقطُ.
وفي الاصطلاحِ: كلُّ صبيٍّ ضائعٍ لا كافلَ له.
والأصلُ في مشروعيتِه من الكتابِ عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]، وقولِه تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وغيرُ ذلك من الآياتِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا وُجِدَ لَقِيطٌ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ فَأَخْذُهُ وَتَرْبِيَتُهُ وَكَفَالَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ»، إذا وُجِدَ لقيطٌ بقارعةِ الطريقِ، فأخْذُه وحفظُه وتربيتُه وتوليةُ أمرِه بما يصلحُه واجبةٌ على
стр. 261
الكفايةِ؛ لأنَّه آدميٌّ محترمٌ، فوجَب حفظُه. وفارَقَ اللقطةَ حيث لا يجبُ لقطُها بأنَّ المغلبَ فيها الاكتسابُ، والنَّفسُ تميلُ إليه. ويجبُ الإشهادُ على اللقيطِ، وإنْ كان اللَّاقطُ ظاهرَ العدالةِ؛ خوفًا من أنْ يسترقَه، وفارقَ الإشهادَ على لقطِ اللُّقطةِ بأنَّ الغرضَ منها المالُ؛ والإشهادُ في التَّصرُّفِ الماليِّ مستحبٌّ، والغرضُ من اللَّقيطِ حفِظُ حُرِّيتِه ونسَبِه، فوجبُ الإشهادُ كما في النِّكاحِ، ويجبُ الإشهادُ -أيضًا- على ما معه تبعًا، ولئلَّا يتملَّكَه اللَّاقطُ، فلو تركَ الإشهادَ لم تثبتْ له ولايةُ الحفظِ، وجاز نزعُه منه، وإنَّما يجبُ الإشهادُ على اللَّاقطِ بنفسِه، أمَّا مَن سلَّمَه له الحاكمُ فالإشهادُ مستحَبٌّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقَرُّ إِلَّا فِي يَدِ أَمِينٍ»، لا يُتركُ اللَّقيطُ إلَّا في يدِ أمينٍ، وهو الحُرُّ الرَّشيدُ العدلُ، فلو لقطَه غيرُه مِمَّنْ به رِقٌّ أو كفْرٌ أو فُسوقٌ لم يصحَّ، ويجبُ أنْ يُنزعَ منه؛ لأنَّ حقَّ الحضانةِ ولايةٌ، وليس هو من أهلِها، ولو ازدحمَ اثنانِ أهلانِ لِلَّقْطِ على لقيطٍ قَبْلَ أخْذِه بأنْ قال كلٌّ منهما: أنا آخذُه عَيَّنَ الحاكمُ مَن يراه، ولو مِن غيرِهما، وإنْ لقطَاهُ معًا قُدِّم غنيٌّ على فقيرٍ؛ لأنَّه قد يُواسيه ببعضِ مالِه، فإنِ استويَا أقرعَ بينهما.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ مَالٌ أَنْفَقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَالٌ فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ»، إنْ وُجِدَ مع اللَّقيطِ مالٌ عامٌّ كوقفٍ على اللُّقطاءِ أو الوصيةِ لهم، أو مالٌ خاصٌّ، كثيابٍ ملفوفةٍ عليه، أو ملبوسةٍ له، أو مغطًّى بها، أو تحتَه مفروشةً، ودنانيرُ عليه، أو تحتَه، ولو منثورةً، أنْفَقَ عليه الحاكمُ
стр. 262
منها، فإنْ لم يوجدْ معه مالٌ، ولا عُرِف له مالٌ؛ فنفقتُه حينئذٍ من بيتِ المالِ، وللاقِطِه استقلالٌ بحفظِ مالِه كحفظِه، وإنَّما يمونُه منه بإذنِ الحاكمِ؛ لأنَّ ولايةَ المالِ لا تثبتُ لغيرِ أبٍ وُجَدٍّ من الأقاربِ فالأجنبيُّ أَوْلى، فإنْ لم يَجِدِ الحاكمَ أنفقَ عليه بإشهادٍ، فإن أنفقَ بدونِ ذلك ضمِنَ.
«فَصْلٌ»
في الوَدِيعَة
الوَديعةُ في اللُّغةِ: تركُ الشَّيءِ عندَ غيرِ صاحبِه ليحفَظَه، مأخوذةٌ منَ الوَدْعِ وهو التَّركُ. ومنه حديثُ ابنِ عبَّاسٍ وابنِ عمرَ ﵃ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (١).
والمرادُ بقولِه ﷺ : «وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ»: تركُهم.
والوديعةُ في الاصطلاحِ: هي المالُ الموضوعُ عندَ الغيرِ ليحفظَه.
والأصلُ في مشروعيَّتِها مِنَ الكتابِ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨].
ومن السُّنَّةِ حديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» (٢).
стр. 263
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَدِيعَةُ أَمَانَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا لِمَنْ قَامَ بِالْأَمَانَةِ فِيهَا»، مَنْ عُرِضَ عليه شيءٌ ليُستودَعَه، نَظَرَ إلى حالِ نفْسِه؛ إنْ كانَ يعجِزُ عن حفظِها حَرُمَ عليه قبولُها، وإنْ كانَ أمينًا قادرًا على حفظِها اسْتُحِبَّ له أن يَقْبَلَها؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي»، الوديعةُ أمانةٌ في يدِ المودَعِ، فلا يَضْمَنُ إلَّا بالتَّعدِّي. ومن صُوَرِ التَّعدِّي أنْ يَنْقُلَها من محلَّةٍ ودارٍ لأخرى دُونَها حِرْزًا، أو يُودِعَها غيرَه بلا إذنٍ مِنَ المودِعِ ولا عُذْرَ له، بخلافِ ما لو أَوْدَعَها غيرَهُ لعذرٍ، كمرضٍ أو سَفَرٍ، وله استعانةٌ بمن يَحْمِلُها لحِرْزٍ، أو يَعْلِفُها، أو يَسقيها؛ لأنَّ العادةَ جرت بذلك، وعليه ردُّها لمالكِها أو وكيلِه لعذرٍ، كإرادةِ سفرٍ أو مَرضٍ، فإن فَقَدَهُما رَدَّها للقاضي، وعليه أخذُها، فإن فَقَدَه ردَّها لأمينٍ، ولا يُكَلَّفُ تأخيرَ السَّفرِ، ويُغني عن الرَّدِّ إلى القاضي أو الأمينِ الوصيَّةُ بها إليه، فهو مخيَّرٌ عندَ فقدِ المالكِ ووكيلِه بينَ ردِّها للقاضي والوصيَّةِ بها إليه، وعندَ فقدِ القاضي بينَ ردِّها للأمينِ والوصيَّةِ بها إليه، فإنْ لم يَرُدَّها ولم يُوصِ بها لمن ذُكِرَ؛ كما ذُكِرَ ضَمِنَ إنْ تَمَكَّنَ من ردِّها أو الإيصاءِ بها؛ لأنَّه عرَّضَها للفَوَاتِ، وكذلك يَضْمَنُ بمخالَفةِ حفظِ مأمورٍ به، كقولِ المالكِ له: لا تَرْقُدْ على الصُّندوقِ الذي فيه الوديعةُ فَرَقَدَ وانكسرَ
стр. 264
بثِقَلِه وتَلِفَ ما فيه بانكسارِه؛ أمَّا إذا تَلِفَ بغيرِ ذلك كسرِقةٍ فلا يَضْمَنُ، وكذلك يَضْمَنُ إذا خالَفَ مالكَها فيما أمَرَه به في حفظِها، وتَلِفَتْ بسببِ المخالَفةِ؛ أو خَلَطَها بمالِ نفْسِه، أو انتَفعَ بها كأنْ كانت دابَّةً فركِبَها، أو ثيابًا فلَبِسَها بغيرِ عذرٍ، أو سافرَ بها مع وجودِ مالكِها أو وكيلِه، ثمَّ الحاكمِ، ثمَّ الأمينِ، وكذلك يَضْمَنُها بالمَطْلِ في تخلِّيه بيْنَها وبيْنَ مالكِها من بعدِ طَلَبِها من غيرِ عذرٍ ظاهرٍ؛ فإنْ ماطلَ في تخليتِها لعذرٍ ظاهرٍ؛ كصلاةٍ أو طهارةٍ أو أكلٍ، أو لقضاءِ حاجةٍ أو حمَّامٍ، أو ملازمةِ غريمٍ يَخافُ هربَه، أو نحوِها ممَّا لا
يَطولُ زمنُه، أو لغيرِ عذرٍ ولكن لم يَطْلُبْها مالكُها لم يَضْمَنْها؛ لعدمِ تقصيرِه، ولو أَعْلَمَ بالوديعةِ من يُصَادِرُ أموالَ المالكِ ويأخذُها ضَمِنَ، ولو أخذَ الوديعةَ ظالمٌ لم يَضْمَنْ؛ كما لو سُرِقَتْ ولو طَالَبَ ظالمٌ المودَعَ بالوديعةِ لَزِمَه دفعُه بالإنكارِ والإخفاءِ بكلِّ قُدرتِه، فإن تَرَكَ الدَّفعَ مع القدرةِ ضَمِنَ؛ لتقصيرِه، وإن أَنْكَرَ فحَلَّفه الظَّالمُ جازَ له أن يَحْلِفَ لمَصلحةِ حفْظِ الوديعةِ، وتَلْزَمُه الكفَّارةُ، وإن أَكْرَهَه على الحلِفِ بالطَّلاقِ تَخَيَّرَ بينَ الحلِفِ وبينَ الاعترافِ، فإنِ اعْتَرَفَ وسلَّمَ ضَمِنَ؛ لأنَّه فدَى زوجتَه بالوديعةِ، وإنْ حَلَفَ بالطَّلاقِ طُلِّقَتْ زوجتُه على المَذْهَبِ؛ لأنَّه فدى الوديعةَ بزوجتِه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَقَوْلُ الْمُودَعِ مَقْبُولٌ فِي رَدِّهَا عَلَى الْمُودِعِ»، قولُ المودَعِ مقبولٌ في ردِّها على المودِعِ بيمينِه، وإنْ أَشْهَدَ عليه بها عندَ دفعِها؛ لأنَّه ائتمنَه، وما ذكَرَه المصنِّفُ يَجري في كلِّ أمينٍ، كوكيلٍ وشريكٍ وعاملِ قراضٍ. وضابطُ الذي يُصَدَّقُ بيمينِه في الرَّدِّ هو كلُّ أمينٍ ادَّعى الرَّدَّ على من ائتمنَه صُدِّقَ بيمينِه؛
стр. 265
إلَّا المرتهِنَ والمستأجِرَ فإنَّهما لا يُصَدَّقَانِ في الرَّدِّ؛ لأنَّهما أَخَذَا العينَ لغرضِ أنفسِهما، فإن ادَّعى الرَّدَّ على غيرِ من ائتمنَه كَوَارِثِ المالكِ أو ادَّعى وارثُ المودَعِ ردَّ الوديعةِ على المالكِ أو أَوْدَعَ المودعُ عندَ سفرهِ أمينًا فادَّعى الأمينُ الرَّدَّ على المالكِ طُولبَ كلٌّ ممن ذُكِرَ بِبَيِّنَةٍ بالرَّدِّ على من ذَكَرَ؛ إذِ الأصلُ عدمُ الرَّدِّ، ولم يَأْتَمِنْه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا»، إذا قَبِلَ شخصٌ وديعةً لَزِمَه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، فتوضَعُ الدَّراهمُ في الصُّندوقِ، والأثاثُ في البيتِ، والغَنمُ في صحنِ الدَّارِ ونحوُ ذلك، وضابطُ حِرْزِ المِثْلِ عُرفيٌّ؛ أيْ: بحسَبِ عادةِ النَّاسِ وما يَرَوْنَه مناسبًا لحفظِ الأشياءِ بحسَبِ نَفاستِها ودناءتِها، وكثرتِها وقِلَّتِها، وهذه الأمورُ تَختلفُ بحسَبِ الأقاليمِ والحواضرِ والبوادي، وباعتبارِ الأزمنةِ والأمكنةِ، وكثرةِ السَّرقةِ في البلدِ أو نُدرتِها ونحوِ ذلك منَ الاعتباراتِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا طُولِبَ بِهَا فَلَمْ يُخْرِجْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا حَتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَ»، إذا طالَبَ المالكُ الوديعَ بردِّ الوديعةِ فلم يردَّها عليه مع القدرةِ عليها وقتَ طَلَبِها حتَّى تَلِفَتْ ضَمِنَها بِبَدَلِها منْ مِثْلٍ إن كانت مِثْلِيَّةً، أو قيِمةٍ إن كانت متقوَّمَةً؛ لتركِه الواجبَ عليه، وليس المرادُ بردِّ الوديعةِ حمْلَها إلى مالكِها، بل يَحْصُلُ بأن يخلِّيَ بيْنَه وبَيْنَها، وليس له أن يُلزِمَ المالكَ الإشهادَ، وإن كانَ أَشْهَدَ عليه عندَ الدَّفعِ فإنَّه يُصَدَّقُ في الدَّفعِ
стр. 266
بيمينِه؛ بخلافِ ما لو طَلَبَها وكيلُ المودعِ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ قولُه في دفعِها إليه، ولو قال مَن عندَه وديعةٌ لمالكِها: خذْ وديعتَك لَزِمَه أخذُها، وعلى المالكِ مؤنةُ الرَّدِّ.
واللهُ تعالى أَعْلَمُ.
стр. 267
كتابُ الفَرَائِضِ والوَصَايَا
الفرائضُ في اللُّغةِ: جمعُ فريضةٍ، من الفَرْضِ، وهو التَّقديرُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أي: قَدَّرْتُمْ، فهي فَعيلةٌ بمعنى مفعولةٍ، نحوَ: ربيبةٍ؛ بمعنى مَربوبةٍ، ووديعةٍ؛ بمعنى مودوعةٍ.
وفي الاصطلاحِ: هو عِلْمٌ بقواعدَ فقهيَّةٍ وحسابيَّةٍ يُعْرَفُ بها نَصيبُ كلِّ وارثٍ منَ التَّرِكةِ.
والوصايا في اللُّغةِ: جمعُ وصيَّةٍ، وهي الإيصالُ، مأخوذةٌ من وَصَّى الشَّيءَ بكذا؛ أيْ: وَصَلَه به، ولأنَّ المُوصيَ وَصَلَ خيرَ دنياهُ بخيرِ عُقباهُ.
وفي الاصطلاحِ: تَبَرُّعٌ بحقٍّ مضافٍ لما بعدَ الموتِ.
والأصلُ في مشروعيَّتِها قبلَ الإجماعِ آياتُ المواريثِ، وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١).
وأسبابُ الميراثِ ثلاثةٌ، وهي: النِّكاحُ، والنَّسَبُ، والوَلاءُ.
стр. 268
وموانعُه ثلاثةٌ - أيضًا - وهي: الرِّقُّ، والقتلُ، واختلافُ الدِّينِ، وستأتي قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَارِثُونَ مِنَ الرِّجَالِ عَشَرَةٌ:
١ - الابْنُ»، وهو معروفٌ.
٢ - «وَابْنُ الابْنِ وَإِنْ سَفَلَ»؛ أيْ: نَزَلَ، وهو بتثليثِ الفاءِ.
٣ - «وَالْأَبُ»، وهو معروفٌ.
٤ - «وَالْجَدُّ وَإِنْ عَلَا»، والمرادُ بالجَدِّ أبو الأبِ، بخلافِ الجَدِّ من جهةِ الأمِّ فإنَّه من ذوي الأرحامِ (١).
٥ - «وَالْأَخُ»، والمرادُ به: الأخُ لأبوينِ أو من أحدِهِما.
٦ - «وَابْنُ الْأَخِ وَإِنْ تَرَاخَى»، والمرادُ ابنُ الأخِ للأبوينِ، أو لأبٍ فقط؛ ليَخْرُجَ ابنُ الأخِ لأمٍّ، فلا يَرِث؛ لأنَّه من ذوي الأرحامِ، وقولُه: «وَإِنْ تَرَاخَى»؛ أيْ: وإن بَعُدَ، كابنِ ابنِ الأخِ.
٧ - «وَالْعَمُّ»، والمرادُ به: العمُّ لأبوينِ أو لأبٍ فقط؛ ليَخْرُجَ العمُّ للأمِّ فلا يَرِث؛ لأنَّه من ذوي الأرحامِ.
٨ - «وَابْنُ الْعَمِّ وَإِنْ تَبَاعَدَا»؛ أيِ: العمُّ المذكورُ وابنُه، فلا فَرْقَ في العمِّ بَيْنَ القريبِ كعمِّ الميِّتِ، والبعيدِ كعمِّ أبيه، وعمِّ جَدِّه إلى حيثُ ينتهي وكذلك ابنُه.
стр. 269
٩ - «وَالزَّوْجُ»، ولو كانَ في عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ.
١٠ - «وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ»؛ أيِ: السَّيِّدُ الذي صَدَرَ منه الإعتاقُ.
وطريقُ البسطِ هنا يقالُ: الوارثون مِنَ الذُّكورِ خمسةَ عشرَ: الأبُ، وأبوه وإن علا، والابنُ، وابنُه وإن سَفَلَ، والأخُ الشَّقيقُ، والأخُ للأبِ، والأخُ للأمِّ، وابنُ الأخِ الشَّقيقِ، وابنُ الأخِ للأبِ، والعمُّ لأبوينِ، والعمُّ لأبٍ، وابنُ العمِّ لأبوينِ، وابنُ العمِّ لأبٍ، والزَّوجُ، والمعتِقُ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَارِثَاتُ مِنَ النِّسَاءِ سَبْعٌ:
١ - الْبِنْتُ»، وهي معروفةٌ.
٢ - «وَبِنْتُ الابْنِ»، وفي بعضِ النُّسخِ (وإن سَفَلَتْ) وصوابُه وإن سَفَلَ بحذفِ المثنَّاةِ؛ إذِ الفاعلُ ضميرٌ يَعودُ على المضافِ إليه؛ أيْ: وإن سَفَلَ الابنُ، فإنَّ بِنْتَهُ تَرِثُ، وإثباتُ المثنَّاةِ يؤدِّي إلى دخولِ بنتِ بنتِ الابنِ في الإرثِ؛ وهو خطأٌ.
٣ - «وَالْأُمُّ»، وهي معروفةٌ.
٤ - «وَالْجَدَّةُ»، والمرادُ بها: المدليةُ بوارثٍ كأمِّ الأبِ وأمِّ الأمِّ وإن عَلَتْ، وخرجَ بالمدليةِ بوارثِ؛ أمُّ أبي الأمِّ فلا تَرِثُ، لأنَّها من ذوي الأرحامِ.
٥ - «وَالْأُخْتُ»؛ أيْ: لأبوينِ أو مِن أحدِهِما.
٦ - «وَالزَّوْجَةُ»، ولو في عِدَّةِ رجعيَّةٍ، يقولُ الخطيبُ
стр. 270
الشِّربينيُّ ﵀: «الأفصحُ أنْ يقال في المرأةِ: زوجٌ، والزَّوجةُ لغةٌ مرجوحةٌ، قال النَّوويُّ: واستعمالُها في بابِ الفرائضِ متعيِّنٌ ليَحْصُلَ الفرْقُ بيْنَ الزَّوجينِ، والشَّافعيُّ رضيَ اللهُ تعالى عنه يَسْتَعْمِلُ في عِبارتِه المرأةَ وهو حَسَنٌ» (١).
٧ - «وَالْمَوْلَاةُ الْمُعْتِقَةُ»؛ أيِ: السَّيِّدةُ التي صَدَرَ منها الإعتاقُ.
وطريقُ البسطِ هنا أنْ يُقالَ: والوارثاتُ من النِّساءِ عَشْرٌ: الأمُّ، والجَدَّةُ للأبِ، والجَدَّةُ للأمِّ وإن عَلَتْ، والبنتُ، وبنتُ الابنِ وإن سَفَلَ، والأختُ الشَّقيقةُ، والأختُ للأبِ، والأختُ للأمِّ، والزَّوجةُ، والمعتِقةُ.
«فَصْلٌ»
في الحَجْب
الحَجْبُ في اللُّغةِ: هو المنعُ، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؛ أيْ: ممنوعونَ عن رؤيةِ اللهِ تعالى في الآخرةِ.
وفي الاصطلاحِ: هو مَنْعُ من قامَ به سببُ الإرثِ من الإرثِ بالكلِّيَّةِ، أو من أَوْفَرِ حَظَّيْهِ، وهو قِسمانِ:
الأوَّلُ: حجبٌ بالوصفِ، وهو حجبُ الشَّخصِ من جميعِ
стр. 271
الميراثِ لوجودِ الوصفِ القائمِ به، ككونِه رقيقًا، أو قاتلًا، أو مرتدًّا.
الثَّاني: حجبٌ بالشَّخصِ، وهو المرادُ عند الإطلاقِ. وهذا على نوعينِ:
١ - حجبُ نقصانٍ: وهو حجبُ الوارثِ من أَوْفَرِ حَظَّيْهِ، كحجبِ الولدِ الزَّوجَ من النِّصفِ إلى الرُّبُعِ، والزوجةَ من الرُّبُعِ إلى الثُّمُنِ، والأمَّ من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ.
٢ - حجبُ حرمانٍ: وهو حجبُ الوارثِ من جميعِ الميراثِ، كحجبِ الجَدَّاتِ بالأمِّ، والأجدادِ بالأبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ لَا يَسْقُطُ بِحَالٍ خَمْسَةٌ:
١، ٢ - الزَّوْجَانِ»؛ أيِ: الزَّوجُ والزَّوجةُ.
٣، ٤ - «وَالْأبَوَانِ»؛ أيِ: الأبُ والأمُّ.
٥ - «وَوَلَدُ الصُّلْبِ»؛ أيِ: الولدُ المباشِرُ، ذكرًا كانَ أم أُنثى.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ لَا يَرِثُ بِحَالٍ سَبْعَةٌ:
١ - الْعَبْدُ»، وهو المملوكُ، ذَكَرًا كانَ أو أُنثى.
٢ - «وَالْمُدَبَّرُ»، وهو المعلَّقُ عتقُه على موتِ سيِّدِه.
٣ - «وَأُمُّ الْوَلَدِ»، وهي الأَمَةُ التي وَطِئَها سيِّدُها فحَمَلَتْ منه بمولودٍ، سواءٌ كانَ ذَكَرًا أو أُنثى.
٤ - «وَالْمُكَاتَبُ»، وهو الذي تعاقَدَ مع سَيِّدِه على أن يُعْطِيَه
стр. 272
مقدارًا من المالِ، فإذا أدَّاه أَصْبَحَ حُرًّا، ولا يَرِثُ هذا ومن قَبْلَهُ؛ لأنَّهم لا يَمْلكونَ أصلًا.
٥ - «وَالْقَاتِلُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ» (١).
٦ - «وَالْمُرْتَدُّ»؛ لحديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (٢).
والمرتدُّ هو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسلامِه.
٧ - «وَأَهْلُ الْمِلَّتَيْنِ»، والمقصودُ المسلمُ والكافرُ، فلا يَرِثُ مسلمٌ من كافرٍ، ولا كافرٌ من مسلمٍ؛ للحديثِ السَّابقِ.
«فَصْلٌ»
في أقربِ العَصَباتِ
العَصَباتُ في اللُّغةِ: جَمْعُ عَصَبةٍ، وهم جمعُ عَاصبٍ، من العَصْبِ، وهو الشَّدُّ، ومنه عصابةُ الرَّأسِ؛ لأنَّه يُعْصَبُ بها؛ أيْ: يُشَدُّ، والعَصَبُ؛ لأنَّه يَشُدُّ الأعضاءَ، وعصابةُ القومِ لاشتدادِ بعضِهم ببعضٍ، و ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧]؛ أيْ: شديدٌ، فسُمِّيَت القرابةُ عَصَبَةً؛ لشدَّةِ الأَزْرِ.
والعَصَبةُ في الاصطلاحِ: هم من يَرِثُونَ بغيرِ نصيبٍ مقدَّرٍ،
стр. 273
بسببِ ارتباطِهِم بالميِّتِ؛ إمَّا بقرابةٍ مباشِرةٍ في النَّسبِ عن طريقِ الذُّكورِ، أو من يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُم بسببِ الولاءِ، فإذا انفردَ أخذَ جميعَ المالِ، وإن كانَ معه صاحبُ فرضٍ أَخَذَ الباقيَ بعدَه، وإن استغرقتِ الفروضُ التَّركةَ سَقَطَ؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١).
وتنقسمُ العَصَبَاتُ إلى ثلاثةِ أنواعٍ:
١ - العَصَبَةُ بالنَّفْسِ: وهم جميعُ الذُّكورِ الوارِثينَ منَ الأصولِ، والفروعِ، والحواشي (٢)؛ إلَّا الإِخوةَ من الأمِّ، وكذلك من يَرِثُ بالولاءِ، سواءٌ كانَ ذَكرًا أو أُنثى، كالمعتِقِ والمعتِقةِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (٣).
٢ - العَصَبَةُ بالغيرِ: وهنَّ البناتُ، وبناتُ الابنِ، والأخواتُ الشَّقيقاتُ، والأخواتُ لأبٍ مع ذَكرٍ مماثلٍ لهنَّ؛ درجةً ووصفًا، مثالُه: تُوُفِّيَ شخصٌ وتركَ زوجةً وابنًا وبنتًا, فإنَّ الزَّوجةَ تأخذُ الثُّمُنَ فَرْضًا، والابنُ والبنتُ يأخذانِ الباقيَ تعصيبًا، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
فالبنوَّةُ يدخُلُ فيها الأبناءُ وأبناؤُهم وإنْ نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ، وكذا البناتُ وبناتُ الابنِ مع ذَكَرٍ مُعَصِّبٍ لهنَّ.
والأبوَّةُ يَدْخُلُ فيها الأبُ وآباؤُه وإن عَلَوْا بمحضِ الذُّكورِ.
والأُخوَّةُ يَدْخُلُ فيها الإخوةُ لغيرِ أمٍّ وأبناؤُهم وإن نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ، وكذا الأخواتُ لغيرِ أمٍّ إذا كنَّ عَصَبَةً بالغيرِ، أو مع الغيرِ.
والعمومةُ يَدْخُلُ فيها الأعمامُ لغيرِ أمٍّ، وأبناؤُهم وإن نزَلوا بمحضِ الذُّكورِ.
والولاءُ يَدْخُلُ فيه المعتِقُ، وعَصَبَتُه المتعصِّبونَ بأنفُسِهم.
ويُقَدَّمُ في التَّعصيبِ الأسبقُ جهةً، فإنْ كانوا في جهةٍ واحدةٍ، قُدِّمَ الأقربُ مَنزلةً، فإن كانوا في مَنزلةٍ واحدةٍ، قُدِّمَ الأقوى، وهو من يُدْلي بالأبوينِ على الذي يُدْلي بالأبِ وَحْدَه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ» (١).
فالابنُ أَوْلى من الأبِ؛ لأنَّه أَسْبَقُ جهةً، والأبُ أَوْلى من الجَدِّ؛ لأنَّهُ أقْربُ مَنزلةً، والأخُ الشَّقيقُ أَوْلى من الأخِ لأبٍ؛ لأنَّه أقوى.
стр. 276
«فَصْلٌ»
في الفروضِ المذكورةِ في كتابِ اللهِ تعالى
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْفُرُوضُ الْمَذْكُورَةُ فِي كِتَابِ اللهِ تعالى سِتَّةٌ:
النِّصْفُ، وَالرُّبُعُ، وَالثُّمُنُ، وَالثُّلُثَانِ، وَالثُّلُثُ، وَالسُّدُسُ»، الفروضُ جمعُ فَرْضٍ، وهو السَّهمُ المقدَّرُ شرعًا، لا يَزيدُ ولا يَنْقُصُ؛ إلا لعارضٍ، كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تَعالى.
قال أبو شجاع ﵀: «فَالنِّصْفُ فَرْضُ خَمْسَةٍ:
١ - الْبِنْتِ»، في حالِ الانفرادِ، وهو: عَدَمُ المماثِلِ؛ أيْ: عدمُ وجودِ أخٍ لها أو أختٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١].
٢ - «وَبِنْتِ الابْنِ»؛ قياسًا على البنتِ بالإجماعِ، إذا انفَردتْ عن تعصيبٍ وتنقيصٍ، فخَرَجَ بالتَّعصيبِ ما إذا كانَ معها أخٌ في درجتِها، فإنَّه يعصِّبُها، ويَكونُ لها نصفُ ما حَصَلَ له، وبالتَّنقيصِ ما إذا كانَ معها بنتُ صُلْبٍ، فإنَّ لها معها السُّدُسَ تكملةَ الثُّلُثينِ.
٣ - «وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»، إذا انفَردتْ عن جنسِ البنوَّةِ والأخوَّةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، وقد أَجْمَعوا على أنَّ المرادَ بها الأختُ الشَّقيقةُ والأختُ من الأبِ.
٤ - «وَالْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ»، وهذا عندَ عَدَمِ وجودِ الأختِ الشَّقيقةِ؛ للآيةِ السَّابقةِ.
стр. 277
٥ - «وَالزَّوْجِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَلَدٌ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]؛ أيْ: إن لم يكنْ للزوجةِ ولدٌ؛ منه أو من غيْرِه، والمرادُ بالولدِ المولودُ، فيشمَلُ الذَّكَرَ والأنثى، وكذلك ولدُ الابنِ لها وإن سَفَلَ؛ منه أو من غيْرِه، للإجماعِ على أنَّ ولدَ الابنِ كولدِ الصُّلبِ في حجبِ الزَّوجِ من النِّصفِ إلى الرُّبُعِ، وذلك إمَّا لصدقِ اسمِ الولدِ عليه مجازًا، أو قياسًا على الإرثِ والتَّعصيبِ، فإنَّه فيهما كولدِ الصُّلبِ إجماعًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالرُّبُعُ فَرْضُ اثْنَيْنِ:
١ - الزَّوْجِ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ»، الرُّبُعُ فرضُ الزَّوجِ مع الولدِ لزوجتِه؛ منه أو من غيرِه، ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، وكذلك مع ولدِ الابنِ لها وإن سَفَلَ؛ منه أو من غيْرِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ﴾ [النساء: ١٢]، وخرجَ بقيدِ «الابنِ» ولدُ البنتِ، فإنَّه لا يَرِثُ ولا يَحْجُبُ.
٢ - «وَهُوَ فَرْضُ الزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجَاتِ مَعَ عَدَمِ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ»؛ أيِ: الرُّبُعُ فرضُ الزَّوجةِ الواحدةِ، وهو لكلِّ الزَّوجاتِ بالسَّويَّةِ، هذا مع عدمِ الولدِ للزَّوجِ؛ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، وعدمِ ولدِ الابنِ له وإن سَفَلَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٢]، واستُفيدَ من تعبيرِه بـ «الزَّوجاتِ» بعدَ قولِه: «الزَّوجةِ»؛ أنَّ ما فوقَ الواحدةِ إلى انتهاءِ الأربعِ في استحقاقِ الرُّبُعِ كالواحدةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالثُّمُنُ فَرْضُ الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَاتِ
стр. 278
مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ»؛ أيِ: الثُّمُنُ وهو فرضُ الزَّوجةِ الواحدةِ، وهو لكلِّ الزَّوجاتِ بالسَّويَّةِ، وهذا مع الولدِ للزَّوجِ، منها أو من غيرِها، أو مع ولدِ الابنِ له وإن سَفَلَ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ﴾ [النساء: ١٢].
قال أبو شجاع ﵀: «وَالثُّلُثَانِ فَرْضُ أَرْبَعَةٍ:
١ - الْبِنْتَيْنِ»، فأَكْثَرَ، أمَّا في البنتينِ فبالإجماعِ المستنِدِ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: جاءتِ امرأةُ سعدِ بنِ الرَّبيعِ بابنتيْها من سعدٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، هاتان ابنتَا سعدِ بنِ الرَّبيعِ، قُتِلَ أبوهُما معك يومَ أُحُدٍ شهيدًا، وإنَّ عمَّهُما أَخَذَ مالَهما، فلم يَدَعْ لهما مالًا، ولا تُنْكَحَانِ إلا ولهما مالٌ، قالَ: «يَقْضِي اللهُ فِي ذَلِكَ»، فنزلت آيةُ الميراثِ، فبَعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى عمِّهِما، فقالَ: «أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ» (١). وأمَّا في الأكثرِ من ثِنْتَيْنِ فلعمومِ قولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١].
٢ - «وَبِنْتَيِ الابْنِ»؛ للإجماعِ على أنَّ وَلَدَ البنينَ يَقومونَ مقامَ الأولادِ، ذكورُهُم كذكورِ الأولادِ، وإناثُهُم كإناثِهِم.
٣ - «وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦].
стр. 279
٤ - «وَالْأُخْتَيْنِ مِنَ الْأَبِ»، وهذا عندَ فقْدِ الشَّقِيقَتَيْنِ، فإذا وُجِدَتِ الأختانِ: الشَّقيقةُ والأختُ لأبٍ معًا، فلا يُمْكِنُ التَّسويةُ بيْنَهما، فلا تعطَى الأختانِ معًا الثُّلُثينِ مناصَفةً، وإنما تُعطَى الشَّقيقةُ النِّصفَ، ثمَّ تعطَى الأختُ لأبٍ ما بقيَ من الثُّلُثينِ، وهو السُّدُسُ، وهذا بإجماعِ العلماءِ، وسيأتي قريبًا -إن شاءَ اللهُ تَعالى- من كلامِ المصنِّفِ ﵀.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالثُّلُثُ فَرْضُ اثْنَتَيْنِ:
١ - الْأُمِّ إِذَا لَمْ تُحْجَبْ»، الثُّلُثُ فرضُ الأمِّ إذا لم تُحْجَبْ حجبَ نقصانٍ؛ إن لم يكنْ لميِّتِها ولدٌ، ولا ولدُ ابنٍ وارثٍ، ولا اثنانِ من الإخوةِ والأخواتِ للميِّتِ، سواءٌ أكانوا أشقَّاءَ أم لا، ذكورًا أم لا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وولدُ الابنِ مُلْحَقٌ بالولدِ، والمرادُ بالإخوةِ اثنانِ فأَكْثَرُ.
٢ - «وَهُوَ لِلِاثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، وهذه الآيةُ نزَلتْ في ولدِ الأمِّ بإجماعِ المفسِّرينَ؛ وكانَ سعدُ بنُ أبي وقَّاصٍ ﵁ يقرأُ: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ مِنْ أُمٍّ) (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالسُّدُسُ فَرْضُ سَبْعَةٍ:
١ - الْأُمِّ مَعَ الْوَلَدِ أَوْ وَلَدِ الابْنِ»، السُّدُسُ فرضُ الأمِّ مع
стр. 280
الولدِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وكذلك مع ولدِ الابنِ وإن سَفَلَ؛ للإجماعِ على حجبِها به من الثُّلُثِ إلى السُّدُسِ.
٢ - «أَوِ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ»، والسُّدُسُ فرضُ الأمِّ -أيضًا- إذا كانَ معها اثنانِ فصاعدًا من الإخوةِ والأخواتِ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، ولفظُ الإخوةِ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنثى.
٣ - «وَهُوَ لِلْجَدَّةِ عِنْدَ عَدَمِ الْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ الجَدَّةِ عندَ عَدَمِ الأمِّ، سواءٌ كانت الجَدَّةُ أمًّا لأمٍّ، أو أمًّا لأبٍ؛ لما روى قَبِيصةُ بنُ ذُؤيبٍ قالَ: جاءت الجَدَّةُ إلى أبي بكرٍ ﵁ تسألُه عن ميراثِها، فقالَ: «ما لكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما علمتُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ شيئًا، فارجِعي حتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ»، فسألَ، فقال المغيرةُ بنُ شُعبةَ: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ أعطاها السُّدُسَ، فقالَ: «هل معكَ غيرُكَ؟»، فقامَ محمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فقالَ مِثْلَه، فأَنْفَذَ لها السُّدُسَ، ثمَّ جاءتِ الجَّدَةُ الأخرى إلى عمرَ ﵁ تَسألُه، فقالَ: ما لكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، وما كانَ القضاءُ الذي قضى به إلَّا لغيرِكِ، وما أنا بزائدٍ في الفرائضِ شيئًا، ولكنْ هو ذلك السُّدُسُ، فإن اجتمعتُما فهو بَيْنَكُما، وأيَتُّكُما خَلَتْ به فهو لها (١).
стр. 281
٤ - «وَلِبِنْتِ الابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ بنتِ الابنِ مع بنتِ الصُّلْبِ تكملةَ الثُّلُثينِ؛ لحديثِ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ عندما سُئِلَ عن ابنةٍ، وابنةِ ابنٍ، وأختٍ، فقالَ: للابنةِ النِّصفُ، وللأختِ النِّصفُ، وائْتِ ابنَ مسعودٍ فسيتابعُني، فسُئِلَ ابنُ مسعودٍ ﵁ وأُخْبِرَ بقولِ أبي موسى فقالَ: «لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدِينَ، أقضي فيها بما قضى النَّبيُّ ﷺ : للابنةِ النِّصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكملةَ الثُّلُثينِ، وما بقيَ فللأختِ»، فأتينا أبا موسى فأخبرْناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألوني ما دامَ هذا الْحَبْرُ فيكم (١).
٥ - «وَهُوَ لِلْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضٌ للأختِ من الأبِ مع الأختِ من الأبِ والأمِّ؛ تكملةَ الثُّلُثينِ، كما في البنتِ وبنتِ الابنِ.
٦ - «وَهُوَ فَرْضُ الْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ، وَفَرْضُ الْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ الأبِ مع الولدِ ذكرًا كانَ أو أُنثى، أو مع ولدِ الابنِ وإن سَفَلَ، وهو -أيضًا- فرضُ الجَدِّ للأبِ عند عدمِ الأبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وولدُ الابنِ كالولدِ، كما سَبَقَ، وكذلك الجَدُّ كالأبِ.
٧ - «وَهُوَ فَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا-
стр. 282
فرضُ الواحدِ من ولدِ الأمِّ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى-؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢].
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ بِالْأُمِّ، وَالْأَجْدَادُ بَالْأَبِ»، تَسْقُطُ الجَدَّاتُ بالأمِّ إجماعًا، وكذلك الأجدادُ بالأبِ، ووجهُ عدمِ إرثِ الجدَّاتِ مع وجودِ الأمِّ أنَّهنَّ إنَّما يأخذْنَ ما تأخذُه الأمُّ حالَ عدمِ وجودِها، فإذا وُجِدَتْ حَجَبَتْهُنَّ، فلا يَرِثْنَ مع وجودهِا، وكذلك الجدُّ مع الأبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ مَعَ أَرْبَعَةٍ»، يَسْقُطُ ولدُ الأمِّ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- مع وجودِ أربعةٍ؛ أي: بواحدٍ منها، وهم:
١ - «الْوَلَدُ»، ذَكرًا كانَ أو أُنثى.
٢ - «وَوَلَدُ الابْنِ»، وإن سَفَلَ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى.
٣ - «وَالْأَبُ»، بالإجماعِ ولآيتي الكَلالةِ المفسَّرةِ بمن لا وَلَدَ له ولا والدَ.
٤ - «وَالْجَدُّ»؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ الأبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ ثَلَاثَةٍ:
١ - الابْنِ»، وهو معروفٌ.
٢ - «وَابْنِ الابْنِ»، وإن سَفَلَ.
٣ - «وَالْأَبِ»، وهو معروفٌ.
стр. 283
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَبِالْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ أيْ: يَسْقُطُ الأخُ للأبِ مع أربعةٍ، هؤلاء الثَّلاثةُ، وَهُمُ الابنُ، وابنُ الابنِ، والأبُ، وكذلك بالأخِ من الأبِ والأمِّ، يعني: الشَّقيقَ؛ لقُوَّتِه بزيادةِ القربِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعَةٌ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ:
١ - الابْنُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فنصَّ على أولادِ الصُّلبِ.
٢ - «وَابْنُ الابْنِ»؛ لأنَّه لمَّا قامَ مقامَ أبيه في الإرثِ قامَ مقامَه في التَّعصيبِ.
٣ - «وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].
٤ - «وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ»؛ للآيةِ السَّابقةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعَةٌ يَرِثُونَ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَهُمُ:
١ - الْأَعْمَامُ»: لأبوينِ أو لأبٍ.
٢ - «وَبَنُو الْأَعْمَامِ»: لأبوينِ أو لأبٍ.
٣ - «وَبَنُو الْأَخِ»: لأبوينِ أو لأبٍ؛ لأنَّ العمَّاتِ وبناتِ الأعمامِ وبناتِ الإخوةِ من ذوي الأرحامِ.
٤ - «وَعَصَبَاتُ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ»؛ أيِ: الَّذينَ يَتعصَّبونَ بأنفُسِهم لانجرارِ الولاءِ إليهم، فيرثونَ عتيقَ مورِّثِهم بالولاءِ دونَ
стр. 284
أخواتِهِم؛ لأنَّ الإناثَ إذا كنَّ لا يَرِثْنَ في النَّسبِ البعيدِ فلا يَرِثْنَ في الولاءِ الذي هوُ أَضْعَفُ منَ النَّسبِ البعيدِ من باب أَوْلى.
تَتِمَّةٌ في تأصيلِ المسائلِ وتصحيحِها:
تأصيلُ المَسائلِ: هو تحصيلُ أقلِّ عددٍ تَخْرُجُ منه سهامُ المسألةِ بلا كسرٍ.
وأصولُ مَسائلِ ذوي الفروضِ سبعةٌ: اثنانِ، وثلاثةٌ، وأربعةٌ، وستَّةٌ، وثمانيةٌ، واثنا عشرَ، وأربعةٌ وعشرونَ.
فالاثنانِ لكلِّ مسألةٍ فيها نصفٌ، كزوجٍ وعمٍّ؛ أو نصفانِ، كزوجٍ وأختٍ شقيقةٍ أو لأبٍ.
والثَّلاثةُ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُلُثٌ، كأمٍّ وعمٍّ؛ أو ثُلثانِ، كبنتينِ وعمٍّ؛ أو ثُلُثانِ وثُلُثٍ، كأختينِ شقيقتينِ أو لأبٍ وأختينِ لأمٍّ.
стр. 285
والأربعةُ لكلِّ مسألةٍ فيها رُبُعٌ، كزوجٍ وابنٍ؛ أو رُبُعٌ ونصفٌ، كزوجٍ وبنتٍ وعمٍّ.
والسِّتَّةُ لكلِّ مسألةٍ فيها سُدُسٌ أو سُدُسانِ أو ثلاثةٌ، كأمٍّ وابنٍ، أو أمٍّ وأخٍ لأمٍّ وأخٍ شقيقٍ، أو أمٍّ وأبٍ وبنتٍ وبنتِ ابنٍ؛ أو سُدُسٌ وثُلُثٌ، كأمٍّ وأخٍ لأمٍّ وعمٍّ؛ أو سُدُسٌ ونصفٌ، كأمٍّ وبنتٍ وعمٍّ؛ أو سُدُسٌ وثُلُثانِ، كأمٍّ وابنتينِ وعمٍّ؛ أو نصفٌ وثُلُثٌ، كزوجٍ وأمٍّ وعمٍّ.