٤ - «وَلِبِنْتِ الابْنِ مَعَ بِنْتِ الصُّلْبِ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ بنتِ الابنِ مع بنتِ الصُّلْبِ تكملةَ الثُّلُثينِ؛ لحديثِ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ عندما سُئِلَ عن ابنةٍ، وابنةِ ابنٍ، وأختٍ، فقالَ: للابنةِ النِّصفُ، وللأختِ النِّصفُ، وائْتِ ابنَ مسعودٍ فسيتابعُني، فسُئِلَ ابنُ مسعودٍ ﵁ وأُخْبِرَ بقولِ أبي موسى فقالَ: «لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدِينَ، أقضي فيها بما قضى النَّبيُّ ﷺ : للابنةِ النِّصفُ، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكملةَ الثُّلُثينِ، وما بقيَ فللأختِ»، فأتينا أبا موسى فأخبرْناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألوني ما دامَ هذا الْحَبْرُ فيكم (١).
٥ - «وَهُوَ لِلْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ مَعَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضٌ للأختِ من الأبِ مع الأختِ من الأبِ والأمِّ؛ تكملةَ الثُّلُثينِ، كما في البنتِ وبنتِ الابنِ.
٦ - «وَهُوَ فَرْضُ الْأَبِ مَعَ الْوَلَدِ، أَوْ وَلَدِ الابْنِ، وَفَرْضُ الْجَدِّ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ»، السُّدُسُ -أيضًا- فرضُ الأبِ مع الولدِ ذكرًا كانَ أو أُنثى، أو مع ولدِ الابنِ وإن سَفَلَ، وهو -أيضًا- فرضُ الجَدِّ للأبِ عند عدمِ الأبِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١]، وولدُ الابنِ كالولدِ، كما سَبَقَ، وكذلك الجَدُّ كالأبِ.
٧ - «وَهُوَ فَرْضُ الْوَاحِدِ مِنْ وَلَدِ الْأُمِّ»، السُّدُسُ -أيضًا-
стр. 282
فرضُ الواحدِ من ولدِ الأمِّ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى-؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢].
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَسْقُطُ الْجَدَّاتُ بِالْأُمِّ، وَالْأَجْدَادُ بَالْأَبِ»، تَسْقُطُ الجَدَّاتُ بالأمِّ إجماعًا، وكذلك الأجدادُ بالأبِ، ووجهُ عدمِ إرثِ الجدَّاتِ مع وجودِ الأمِّ أنَّهنَّ إنَّما يأخذْنَ ما تأخذُه الأمُّ حالَ عدمِ وجودِها، فإذا وُجِدَتْ حَجَبَتْهُنَّ، فلا يَرِثْنَ مع وجودهِا، وكذلك الجدُّ مع الأبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأُمِّ مَعَ أَرْبَعَةٍ»، يَسْقُطُ ولدُ الأمِّ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- مع وجودِ أربعةٍ؛ أي: بواحدٍ منها، وهم:
١ - «الْوَلَدُ»، ذَكرًا كانَ أو أُنثى.
٢ - «وَوَلَدُ الابْنِ»، وإن سَفَلَ، ذَكرًا كانَ أو أُنثى.
٣ - «وَالْأَبُ»، بالإجماعِ ولآيتي الكَلالةِ المفسَّرةِ بمن لا وَلَدَ له ولا والدَ.
٤ - «وَالْجَدُّ»؛ لأنَّ حُكمَه حُكمُ الأبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ ثَلَاثَةٍ:
١ - الابْنِ»، وهو معروفٌ.
٢ - «وَابْنِ الابْنِ»، وإن سَفَلَ.
٣ - «وَالْأَبِ»، وهو معروفٌ.
стр. 283
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ وَلَدُ الْأَبِ بِهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ وَبِالْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ أيْ: يَسْقُطُ الأخُ للأبِ مع أربعةٍ، هؤلاء الثَّلاثةُ، وَهُمُ الابنُ، وابنُ الابنِ، والأبُ، وكذلك بالأخِ من الأبِ والأمِّ، يعني: الشَّقيقَ؛ لقُوَّتِه بزيادةِ القربِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعَةٌ يُعَصِّبُونَ أَخَوَاتِهِمْ:
١ - الابْنُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، فنصَّ على أولادِ الصُّلبِ.
٢ - «وَابْنُ الابْنِ»؛ لأنَّه لمَّا قامَ مقامَ أبيه في الإرثِ قامَ مقامَه في التَّعصيبِ.
٣ - «وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ وَالْأُمِّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١٧٦].
٤ - «وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ»؛ للآيةِ السَّابقةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعَةٌ يَرِثُونَ دُونَ أَخَوَاتِهِمْ، وَهُمُ:
١ - الْأَعْمَامُ»: لأبوينِ أو لأبٍ.
٢ - «وَبَنُو الْأَعْمَامِ»: لأبوينِ أو لأبٍ.
٣ - «وَبَنُو الْأَخِ»: لأبوينِ أو لأبٍ؛ لأنَّ العمَّاتِ وبناتِ الأعمامِ وبناتِ الإخوةِ من ذوي الأرحامِ.
٤ - «وَعَصَبَاتُ الْمَوْلَى الْمُعْتِقِ»؛ أيِ: الَّذينَ يَتعصَّبونَ بأنفُسِهم لانجرارِ الولاءِ إليهم، فيرثونَ عتيقَ مورِّثِهم بالولاءِ دونَ
стр. 284
أخواتِهِم؛ لأنَّ الإناثَ إذا كنَّ لا يَرِثْنَ في النَّسبِ البعيدِ فلا يَرِثْنَ في الولاءِ الذي هوُ أَضْعَفُ منَ النَّسبِ البعيدِ من باب أَوْلى.
تَتِمَّةٌ في تأصيلِ المسائلِ وتصحيحِها:
تأصيلُ المَسائلِ: هو تحصيلُ أقلِّ عددٍ تَخْرُجُ منه سهامُ المسألةِ بلا كسرٍ.
وأصولُ مَسائلِ ذوي الفروضِ سبعةٌ: اثنانِ، وثلاثةٌ، وأربعةٌ، وستَّةٌ، وثمانيةٌ، واثنا عشرَ، وأربعةٌ وعشرونَ.
فالاثنانِ لكلِّ مسألةٍ فيها نصفٌ، كزوجٍ وعمٍّ؛ أو نصفانِ، كزوجٍ وأختٍ شقيقةٍ أو لأبٍ.
والثَّلاثةُ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُلُثٌ، كأمٍّ وعمٍّ؛ أو ثُلثانِ، كبنتينِ وعمٍّ؛ أو ثُلُثانِ وثُلُثٍ، كأختينِ شقيقتينِ أو لأبٍ وأختينِ لأمٍّ.
стр. 285
والأربعةُ لكلِّ مسألةٍ فيها رُبُعٌ، كزوجٍ وابنٍ؛ أو رُبُعٌ ونصفٌ، كزوجٍ وبنتٍ وعمٍّ.
والسِّتَّةُ لكلِّ مسألةٍ فيها سُدُسٌ أو سُدُسانِ أو ثلاثةٌ، كأمٍّ وابنٍ، أو أمٍّ وأخٍ لأمٍّ وأخٍ شقيقٍ، أو أمٍّ وأبٍ وبنتٍ وبنتِ ابنٍ؛ أو سُدُسٌ وثُلُثٌ، كأمٍّ وأخٍ لأمٍّ وعمٍّ؛ أو سُدُسٌ ونصفٌ، كأمٍّ وبنتٍ وعمٍّ؛ أو سُدُسٌ وثُلُثانِ، كأمٍّ وابنتينِ وعمٍّ؛ أو نصفٌ وثُلُثٌ، كزوجٍ وأمٍّ وعمٍّ.
стр. 286
والثَّمانيةُ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُمُنٌ، كزوجةٍ وابنٍ؛ أو ثُمُنٌ ونصفٌ، كزوجةٍ وبنتٍ وعمٍّ.
والاثنا عشرَ لكلِّ مسألةٍ فيها رُبُعٌ وسُدُسٌ، كزوجٍ وأمٍّ وابنٍ؛ أو رُبُعٌ وثُلُثٌ، كزوجةٍ وأمٍّ وعمٍّ؛ أو رُبُعٌ وثُلُثانِ، كزوجةٍ وشقيقتينِ وعمٍّ.
стр. 287
والأربعةُ والعشرونَ لكلِّ مسألةٍ فيها ثُمُنٌ وسُدُسٌ، كزوجةٍ وأمٍّ وابنٍ؛ أو ثُمُنٌ وثُلثانِ، كزوجةٍ وابنتينِ وعمٍّ.
والذي يعولُ من الأصولِ ثلاثةٌ: ستَّةٌ، واثنا عشرَ، وأربعةٌ وعشرونَ.
فالسِّتَّةُ تعولُ إلى سبعةٍ، وثمانيةٍ، وتسعةٍ، وعَشَرةٍ، مِثالُه: أنْ تَهْلِكَ امرأةٌ عن زوجٍ وأختينِ شقيقتينِ، فالمسألةُ من ستَّةٍ: للزَّوجِ النِّصفُ ثلاثةٌ، وللأختينِ الثُّلثانِ أربعةٌ، وتعولُ إلى سبعةٍ، فإن كانَ معهم أمٌّ كانَ لها السُّدُسُ واحدٌ، وتعولُ إلى ثمانيةٍ، فإن كانَ معهم أخٌ لأمٍّ كانَ له السُّدُسُ واحدٌ، وتعولُ إلى تسعةٍ، فإن كانَ معهم أخٌ لأمٍّ آخَرَ كانَ له مع أخيه الثُّلُثُ، وتعولُ إلى عَشَرةٍ.
стр. 288
والاثنا عَشَرَ تعولُ إلى ثلاثةَ عَشَرَ، وخمسةَ عَشَرَ، وسبعةَ عَشَرَ، مِثالُه: أن يَهْلِكَ هالكٌ عن ثلاثِ زوجاتٍ وثماني أخواتٍ لغيرِ أمٍّ وجَدَّتَيْنِ، فالمسألةُ من اثني عَشَرَ، للزَّوجاتِ الرُّبُعُ ثلاثةٌ لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وللأخواتِ الثُّلثانِ ثمانيةٌ لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وللجَدَّتَيْنِ السُّدُسُ اثنانِ لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وتعولُ إلى ثلاثةَ عَشَرَ، فإن كانَ معهم أختٌ لأمٍّ كانَ لها السُّدُسُ اثنانِ، وتعولُ إلى خمسةَ عَشَرَ، فإن كانت الأخواتُ لأمٍّ أكثرَ من واحدةٍ كأربعٍ -مثلًا- كانَ لهنَّ الثُّلُثُ أربعةٌ، لكلِّ واحدةٍ واحدٌ، وتعولُ إلى سبعةَ عَشَرَ.
стр. 289
والأربعةُ والعِشرونَ تعولُ إلى سبعةٍ وعِشرينَ فقط، مِثالُه: أن يَهْلِكَ رجلٌ عن زوجةٍ، وابنتينِ، وأبوينِ، فالمسألةُ من أربعةٍ وعِشرينَ؛ للزَّوجةِ الثُّمُنُ ثلاثةٌ، وللبنتينِ الثُّلُثانِ ستَّةَ عشرَ، وللأمِّ السُّدُسُ أربعةٌ، وللأبِ السُّدُسُ أربعةٌ.
فإذا حَصَلَ العولُ في مسألةٍ فإنَّه يَنْقُصُ من نصيبِ كلِّ وارثٍ بقدرِ نسبةِ ما عالت به إليها بعدَ العَولِ، فإذا عالت السِّتَّةُ -مثلًا- إلى سبعةٍ كانَ نقصُ سهمِ كلِّ وارثٍ سُبُعًا؛ لأنَّها عالت بواحدٍ، ونسبةُ الواحدِ إلى السَّبعةِ سُبُعٌ، وإذا عالت إلى عَشَرةٍ كانَ نقصُه الخُمُسَيْنِ؛ لأنَّها عالت بأربعةٍ، ونسبةُ الأربعةِ إلى العَشَرةِ خُمُسَانِ.
«فَصْلٌ»
في الوَصِيَّة
سَبَقَ تعريفُ الوصيَّةِ في اللُّغةِ والاصطلاحِ. والأصلُ في مشروعِيَّتِها قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ [النساء: ١١].
стр. 290
وأحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» (١).
قال الشَّافعيُّ ﵀: «معنى الحديثِ: ما الحزمُ والاحتياطُ للمُسْلمِ إلَّا أن تَكونَ وصيَّتُه مكتوبةً عندَه، ويُسْتَحَبُّ تعجيلُها، وأن يكتبَها في صحَّتِه، ويُشْهِدَ عليه فيها، ويَكْتُبَ فيها ما يَحتاجُ إليه، فإن تَجَدَّدَ له أمرٌ يَحتاجُ إلى الوصيَّةِ به أَلْحَقَه بها» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَجْهُولِ وَالْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ»، تَجوزُ الوصيَّةُ بالشَّيءِ المعلومِ، كأن يَقولَ أوصيتُ بهذه الدَّارِ لزيدٍ أو عمرٍو، كما تَجوزُ بالمجهولِ كأن يَقولَ: أوصيتُ بثُلثِ مالي لزيدٍ أو عمرٍو، وهو لا يدري كم سَيَكونُ مالُه عند موتِه، وكذلك تَجوزُ الوصيَّةُ بالموجودِ، سواءٌ كانَ معلومًا أو مجهولًا، كأن يَقولَ: أوصيتُ بهذه النَّاقةِ لزيدٍ أو عمرٍو، أو أوصيتُ بناقةٍ من إبلي لزيدٍ أو عمرٍو، وكذلك تَجوزُ الوصيَّةُ بالمعدومِ، كأن يَقولَ: أوصيتُ بما تَحْمِلُه هذه النَّاقةُ، أو بما يَحملُه شجرُ هذا البستانِ لزيدٍ أو عمرٍو.
قال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ مِنَ الثُّلُثِ، فَإِنْ زَادَ وُقِفَ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ»؛ لحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قالَ: جاءَ النَّبيُّ ﷺ يَعُودُني وأنا بمكَّةَ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أُوصي بمالي
стр. 291
كلِّه؟ قالَ: «لَا»، قلتُ: فالشَّطْرُ، قالَ: «لَا»، قلتُ: الثُّلُثُ، قالَ: «فَالثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (١).
فإذا أرادَ أن يُوصيَ بأكثرَ مِن الثُّلُثِ وُقِفَ على إجازةِ الورثةِ؛ أي: موافقتِهم؛ لأنَّ حقَّهم متعلِّقٌ بالزِّيادةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهَا بَاقِي الْوَرَثَةِ»؛ لحديثِ أبي أُمامةَ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (٢).
وفي روايةٍ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ» (٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ مِنْ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ لِكُلِّ مُتَمَلِّكٍ وَفِي سَبِيلِ اللهِ تعالى»، تَجوزُ الوصيَّةُ من كُلِّ حُرٍّ بالغٍ عاقلٍ، لكلِّ متمَلِّكٍ من كبيرٍ أو صغيرٍ ولو كانَ حَمْلًا موجودًا عند الوصيَّةِ، بشرطِ أن ينفصِلَ حيًّا؛ فإن انفصلَ ميِّتًا فلا شيءَ له، كما تَصِحُّ الوصيَّةُ في سبيلِ اللهِ تعالى، فتُصْرَفُ للغزاةِ المجاهِدِينَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ إِلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْأَمَانَةُ»،
стр. 292
تَصِحُّ الوصيَّةُ بقضاءِ الدُّيونِ، ورَدِّ المَظالمِ، وتنفيذِ الوصايا، والنَّظرِ في أمرِ الأطفالِ ونحوِ ذلك إلى من اجتمعت فيه خمسُ خصالٍ:
١ - الْإِسْلَامُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لكافرٍ؛ لأنَّ الوِصايةَ نوعٌ من الوَلايةِ، ولا وَلايةَ لكافرٍ على مسْلمٍ.
٢ - الْبُلُوغُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لصبيٍّ؛ لأنَّ الوصيَّةَ نوعٌ من الوَلايةِ -كما سَبَقَ- والصَّبيُّ ليس من أهلِ الوَلايةِ، ولأنَّه مُوَلًّى عليه، فلا يلي أَمْرَ غَيْرِه.
٣ - الْعَقْلُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لمجنونٍ؛ لعجزِه عن التَّصرُّفِ لنفْسِه، فلا يَكونُ متصرِّفًا لغيْرِه.
٤ - الْحُرِّيَّةُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ للعبدِ؛ لأنَّ الوصيَّةَ تَستدعي فراغًا، وهو مشغولٌ بخدمةِ سيِّدِه.
٥ - الْأَمَانَةُ: فلا تَصِحُّ الوصيَّةُ لفاسقٍ؛ لما في الوصيَّةِ من معنى الوَلايةِ، ومقصودُها الأعظمُ الأمانةُ، والفاسقُ غيرُ مأمونٍ.
واللهُ تعالى أَعْلَمُ.
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
ولحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إِلَى عَوْرَتِهَا» (١).
وفي روايةٍ: «فَلَا يَنْظُرْ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ، وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ» (٢).
«وَالرَّابِعُ: النَّظَرُ لِأَجْلِ النِّكَاحِ فَيَجُوزُ إِلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁: «أنَّ امرأةً جاءت إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، جئتُ لأهَبَ لك نفْسِي، فنَظَرَ إليها رسولُ اللهِ ﷺ ، فصَعَّدَ النَّظرَ إليها وصوَّبَه، ثمَّ طأطأَ رأسَه (٣).
стр. 297
وقال أبو هريرةَ ﵁: كنتُ عندَ النَّبيِّ ﷺ فأتاه رجلٌ فأَخْبَرَه أنَّه تَزَوَّجَ امرأةً من الأنصارِ، فقال له رسولُ اللهِ ﷺ : «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟»، قالَ: لا، قالَ: «فَاذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا» (١).
والمرادُ بقولِه: «تَزَوَّجَ امرأةً من الأنصارِ»؛ أنَّه أرادَ تزوُّجَها بخِطْبَتِها، وقولُه ﷺ : «فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الْأَنْصَارِ شَيْئًا»؛ أيْ: في أعينِهِنَّ شيءٌ يَختلفُ عن أعينِ غيْرِهنَّ؛ ربَّما لا يُعْجِبُكَ.
وقال المغيرةُ بنُ شُعبةَ ﵁ خطَبتُ امرأةً، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : «أَنَظَرْتَ إِلَيْهَا؟»، قلتُ: لا، قالَ: «فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا» (٢).
وحُمِلَ النَّظرُ في هذه الأحاديثِ على الوجهِ والكفَّيْنِ فقط؛ لأنَّها تُعَدُّ أجنبيَّةً، ولأنَّ في الوجهِ ما يُسْتَدَلُّ به على الجَمالِ، وفي اليدينِ ما يُسْتَدَلُّ به على خصوبةِ البدنِ ونعومتِه.
قال الخطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: «وله تكريرُ نظرِه إن احتاجَ إليه؛ ليَتبيَّنَ هيئتَها، فلا يَندمَ بعدَ النِّكاحِ» (٣).
«وَالْخَامِسُ: النَّظَرُ لِلْمُدَاوَاةِ، فَيَجُوزُ إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ
стр. 298
إِلَيْهَا»؛ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄: «أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا» (١).
ويُشترطُ أنْ يَكونَ ذلك بوجودِ مَحْرَمٍ أو زوجٍ، وأن لا تُوجدَ امرأةٌ تعالِجُها، وإذا وُجِدَ المسلمُ لا يُعْدَلُ إلى غيْرِه، ولا يُكْشَفُ إلا قَدْرُ الحاجةِ، كما ذَكَرَ المصنِّفُ ﵀.
«وَالسَّادِسُ: النَّظَرُ لِلشَّهَادَةِ أَوْ لِلْمُعَامَلَةِ، فَيَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى الْوَجْهِ خَاصَّةً»، يَجوزُ النَّظرُ إلى الأجنبيَّةِ للشَّهادةِ؛ تحمُّلًا وأداءً، ومثالُ التَّحمُّلِ: أن يَشْهَدَ على هذه المرأةِ أنَّها اقتَرضتْ من فلانٍ ألفَ درهمٍ -مثلًا- والأداءُ: هو أن يؤدِّيَ هذه الشَّهادةَ عندَ القاضي، فإذا نظر إليها وتَحَمَّلَ الشَّهادةَ عليها كُلِّفَتِ الكشفَ عن وجهِها عندَ الأداءِ؛ أيْ: أمامَ القاضي. وكذلك يَجوزُ النَّظرُ إلى الأجنبيَّةِ للمعامَلةِ من بيعٍ وغيرِه، فإذا باعَ لامرأةٍ ولم يَعْرِفْها في نِقابِها نَظَرَ لوجهِها خاصَّةً ليَردَّ عليها الثَّمنَ بالعيبِ، أمَّا إذا عَرَفَها في نقابِها لم يَفتقرْ إلى الكشفِ، بل يَحْرُمُ النَّظرُ حينئذٍ.
«وَالسَّابِعُ: النَّظَرُ إِلَى الْأَمَةِ عِنْدَ ابْتِيَاعِهَا، فَيَجُوزُ إِلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَى تَقْلِيبِهَا»، إذا أرادَ الرَجلُ أن يشتريَ أَمَةً فإنَّه يَجوزُ له النَّظرُ إلى المواضعِ التي يحتاجُ إلى تقليبِها؛ دونَ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ.
стр. 299
«فَصْلٌ»
في ما يُشْتَرَطُ لصحَّةِ عَقدِ النِّكاح
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَصِحُّ عَقْدُ النِّكَاحِ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَفْتَقِرُ الْوَلِيُّ وَالشَّاهِدَانِ إِلَى سِتَّةِ شَرَائِطَ:
١ - الْإِسْلَامِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التَّوبة: ٧١]، فلا يَجوزُ أن يَكونَ وليُّ المسْلمةِ كافرًا، وكذلك الشَّهادةُ؛ لأنَّه لا تُقْبَلُ شهادةُ الكافرِ على المسْلمِ.
٢ - «وَالْبُلُوغِ»، فلا يَجوزُ أن يَكونَ الوليُّ صبيًّا؛ لأنَّه مُوَلًّى عليه، فلا يلي أَمْرَ غيرِه، وهو -أيضًا- ليس من أهلِ الشَّهادةِ.
٣ - «وَالْعَقْلِ»، فلا يَجوزُ أن يَكونَ الوليُّ مجنونًا؛ لاختلالِ نظرِه، ولهذا وُلِّيَ عليه، فأَشْبَهَ الصَّبيَّ، وهو -أيضًا- ليس من أهلِ الشَّهادةِ.
٤ - «وَالْحُرِّيَّةِ»، فلا يَجوزُ أن يَكونَ العبدُ وليًّا؛ لأنَّه لا يلي أمرَ نفْسِه، فكيف يلي أمرَ غيرِه؟! وكذلك الشَّهادةُ؛ لأنَّه ممنوعٌ من التَّصرُّفِ إلا بإذنِ سيِّدِه.
٥ - «وَالذُّكُورَةِ»؛ لأنَّ المرأةَ ليس لها تزويجُ نفْسِها، فلا تلي
стр. 300
زواجَ غيْرِها، وكذلك الشَّهادةُ على النِّكاحِ؛ لما قُصِدَ منها من الحياءِ وعدمِ ذِكْرِه أصلًا، ولذلك لا يَنعقدُ النِّكاحُ بشهادةِ النِّساءِ، ولا برجلٍ وامرأتينِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ بقولِهم.
٦ - «وَالْعَدَالَةِ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (١).
قال الشَّافعيُّ ﵀: والمرادُ بالمُرشدِ: العدلُ (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «إِلَّا أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ نِكَاحُ الذِّمِّيَّةِ إِلَى إِسْلَامِ الْوَلِيِّ، وَلَا نِكَاحُ الْأَمَةِ إِلَى عَدَالَةِ السَّيِّدِ»، استثنى المصنِّفُ ﵀ بعضَ الشُّروطِ في نكاحِ الذِّمِّيَّةِ والأَمَةِ، فذَكَرَ أنَّ نكاحَ الذِّمِّيَّةِ لا يَفتقرُ إلى إسلامِ الوليِّ، وذلك لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٣]، وكذلك نكاحُ الأمَةِ لا يَفتقرُ إلى عدالةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه يزوِّجُها بالْمِلْكِ لا بالوَلايةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَوْلَى الْوُلَاةِ: الْأَبُ، ثُمَّ الْجَدُّ أَبُو الْأَبِ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ، ثُمَّ الْأَخُ لِلْأَبِ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِلْأَبِ ثُمَّ الْعَمُّ ثُمَّ ابْنُهُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ»، أحقُّ الأولياءِ بالتَّزويجِ: الأبُ، ثمَّ الجَدُّ أبو الأبِ، ثمَّ أبوه، وهكذا. ويُقَدَّمُ الأقربُ من الأجدادِ على الأبعدِ، ثمَّ الأخُ الشَّقيقُ، ثمَّ الأخُ للأبِ، ثمَّ ابنُ الأخِ الشَّقيقِ وإن سَفَلَ، ثمَّ ابنُ الأخِ للأبِ وإن سَفَلَ، ثمَّ العمُّ الشَّقيقُ، ثمَّ العمُّ للأبِ، ثمَّ ابنُه؛ أيِ: ابنُ كلٍّ
стр. 301
منهما وإن سَفَلَ، على هذا التَّرتيبِ؛ أيْ: يُقَدَّمُ ابنُ العمِّ الشَّقيقِ على ابنِ العمِّ للأبِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِذَا عُدِمَتِ الْعَصَبَاتُ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، ثُمَّ الْحَاكِمُ»، إذا عُدِمَتِ العَصَباتُ من النَّسبِ، فالمولى المعتِقُ الذَّكَرُ، ثمَّ عَصَباتُه على ترتيبِ الإرثِ، أمَّا المولاةُ المعتِقةُ إذا كانت حيَّةً فيُزَوِّجُ عتيقتَها مَن يزوِّجُ المعتقَةَ بالتَّرتيبِ السَّابقِ في أولياءِ النَّسبِ، فإذا فُقِدَ الأولياءُ من النَّسبِ والولاءِ زوَّجَ الحاكمُ المرأةَ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجوزُ أَنْ يُصَرِّحَ بِخِطْبَةِ مُعْتَدَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعَرِّضَ لَهَا، وَيَنْكِحَهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا»، لا يَجوزُ للرَّجلِ أن يُصَرِّحَ بخِطبةِ المعتدَّةِ؛ سواءٌ كانت في عِدَّةِ وفاةٍ، أو طلاقٍ بائنٍ، أو رجعيٍّ، والتَّصريحُ: كلُّ لفظٍ يَقْطَعُ بالرَّغبةِ في النِّكاحِ: كقولِه: «أريدُ أن أَتَزَوَّجَكِ»، و «إذا حَلَلْتِ تَزَوَّجْتُكِ»، وَيَجوزُ أن يُعَرِّضَ بالخِطْبَةِ إذا كانت في عِدَّةِ وفاةٍ، أو طلاقٍ بائنٍ؛ دونَ الرَّجعيِّ؛ لأنَّ التي في عِدَّةِ طلاقٍ رجعيٍّ زوجةٌ، فلا يَجوزُ التَّعرُّضُ لها تصريحًا ولا تعريضًا، والتَّعريضُ: كلُّ لفظٍ يَحْتَمِلُ الرَّغبةَ في النِّكاحِ وعَدَمِه، كقولِه: «رُبَّ راغبٍ فيكِ»، و «ومَن يجدُ مِثْلَكِ»، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ
стр. 302
فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقولُه: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾؛ أيْ: حتَّى تنقضيَ العِدَّةُ، وهي المُدَّةُ التي فَرَضَها اللهُ تعالى في كتابِه على المرأةِ إذا طَلَّقَهَا زوجُها أو تُوُفِّيَ عنها.
وتَحِلُّ الخِطبةُ تصريحًا أو تعريضًا إذا كانت المخطوبةُ خَلِيَّةً من نكاحٍ وعِدَّةٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالنِّسَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
١ - ثَيِّبَاتٌ»، جمعُ ثَيِّبٍ، وهي: مَن زالت بَكارتُها بوطءٍ حلالٍ أو حرامٍ.
٢ - «وَأَبْكَارٌ»، جمعُ بِكْرٍ، وهي: من لم تَزُلْ بَكارتُها بوطءٍ لا حلالٍ ولا حرامٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَالْبِكْرُ يَجوزُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ إِجْبَارُهَا عَلَى النِّكَاحِ»؛ أيْ: تزويجُها بغيرِ إذنِها؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا» (١).
وذلك أنَّ البِكْرَ تستحِي مما لا تستحِي منه الثَّيِّبُ من التَّصريحِ بالرَّغبةِ في الأزواجِ, فجُعِلَ سكوتُها إذنًا ورضًا, ولم يُجْعَلْ إذنُ الثَّيِّبِ إلا نطقًا.
стр. 303
ويُشترطُ لصحَّةِ الإجبارِ:
١ - أن لا يَكونَ بينها وبيْنَ الوَلِيِّ عداوةٌ ظاهرةٌ (١).
٢ - أن يزوِّجَها من كفءٍ.
٣ - أن يزوِّجَها بِمَهْرِ مِثْلِها.
٤ - أن يَكونَ موسِرًا معجِّلًا بالمَهْرِ.
٥ - أن يَكونَ المَهْرُ من نقدِ البلدِ.
٦ - أن لا يزوِّجَها بمن تتضرَّرُ بمعاشرتِه، كأعمى أو شيخٍ هَرِم.
وذَكَرَ الشَّيخُ زكريا الأنصاريُّ ﵀ أنَّ البِكْرَ البالغةَ العاقلةَ لو التمستِ التَّزويجَ من الأبِ -مثلًا- بكفءٍ خَطَبَها وعَيَّنَتْه بشخصِه أو نوعِه، حتَّى لو خَطَبَها أَكْفاء، فالتمستْ منه التَّزويجَ بأحدِهم؛ لَزِمَه الإجابةُ تحصينًا لها، فإن امْتَنَعَ أَثِمَ وزوَّجَها السُّلطانُ (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّيِّبُ لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِهَا وَإِذْنِهَا»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا» (٣)، ولأنَّها عَرَفَت مقصودَ النِّكاحِ، فلها أن تَقولَ: نعم، رضيتُ أن أُزَوَّجَ، أو رضيتُ فلانًا زوجًا، ونحوَ ذلك.
стр. 304
«فَصْلٌ»
فِي المُحَرَّمَاتِ مِن النِّسَاء
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُحَرَّمَاتُ بِالنَّصِّ أَرْبَعَ عَشَرَةَ:
سَبْعٌ بِالنَّسَبِ، وَهُنَّ:
١ - الْأُمُّ وَإِنْ عَلَتْ»؛ أي: الأمُّ التي ولدتْكَ أو ولدتْ مَن وَلَدَكَ؛ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، كأمِّ الأبِ وإن عَلَت، وأمِّ الأمِّ وإن عَلَت.
٢ - «وَالْبِنْتُ وَإِنْ سَفَلَتْ»؛ أي: كلُّ بنتٍ من صُلبِكَ، أو وُلِدَتْ ممن وُلِدَ من صُلْبِكَ؛ ذَكَرًا كانَ أو أُنثى، كبنتِ ابنٍ وإن نَزَلَ، وبنتِ بنتٍ وإن سَفَلَتْ.
٣ - «وَالْأُخْتُ»، وهي: كلُّ مَن وَلَدَها أبواكَ أو أَحَدُهُما.
٤ - «وَالْخَالَةُ»، وهي: كلُّ أختٍ لأمِّكَ التي وَلَدَتْك؛ سواءٌ كانت مباشرةً أو بواسطةٍ، كخالةِ أمِّك، أو أختِ أمِّ أبيكَ.
٥ - «وَالْعَمَّةُ»، وهي: كلُّ أختٍ للأبِ؛ سواءٌ كانت مباشرةً، أو بواسطةٍ كعمَّةِ الأبِ، وأختِ أبي الأمِّ.
٦ - «وَبِنْتُ الْأَخِ»، من جميعِ الجهاتِ؛ سواءٌ كانَ شقيقًا، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وكذلك بناتُ أولادِه -ذكورًا وإناثًا- وإن سَفَلْنَ.
٧ - «وَبِنْتُ الْأُخْتِ»، من جميعِ الجهاتِ؛ سواءٌ كانت شقيقةً، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وكذلك بناتُ أولادِها -ذكورًا وإناثًا- وإن سَفَلْنَ.
стр. 305
«وَاثْنَتَانِ بِالرَّضَاعِ:
٨ - الْأُمُّ الْمُرْضِعَةُ»، وهي كلُّ امرأةٍ ارْتَضَعْتَ منها، تصيرُ أُمًّا لكَ في الْمحرميَّةِ، فَتَحْرُمُ عليكَ كما تَحْرُمُ عليك أمُّكَ التي ولدتْكَ.
٩ - «وَالْأُخْتُ مِنَ الرَّضَاعِ»، وهي كلُّ امرأةٍ ارْتَضَعْتَ من أمِّها، فإنَّها تصيرُ أُختًا لك في المحرميَّةِ.
«وَأَرْبَعٌ بِالْمُصَاهَرَةِ:
١٠ - «أُمُّ الزَّوْجَةِ»، سواءٌ دَخَلْتَ بها أمْ لا.
١١ - «وَالرَّبِيبَةُ إِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ»، سواءٌ كانَ بعقدٍ صحيحٍ أو فاسدٍ.
١٢ - «وَزَوْجَةُ الْأَبِ»، وإن علا، فَتَحْرُمُ زوجةُ الأبِ، وكذلك زوجاتُ الأجدادِ؛ سواءٌ كانوا من قِبَلِ الأمِّ أو من قِبَلِ الأبِ.
١٣ - «وَزَوْجَةُ الاِبْنِ»، وإن نَزَلَ، سواءٌ كانوا من قِبَلِ الأولادِ أو البناتِ.
«وَوَاحِدَةٌ مِنْ جِهَةِ الْجَمْعِ، وَهِيَ:
١٤ - أُخْتُ الزَّوْجَةِ»، لكن لا يَتَأَبَّدُ تحريمُها؛ بل تَحِلُّ بموتِ أختِها، أو طلاقِها وبينونتِها بينونةً كبرى.
ودليلُ تحريمِ الزَّواجِ من هؤلاء قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ
قال أبو شجاع ﵀: «وَتُرَدُّ الْمَرْأَةُ بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ:
١ - بِالْجُنُونِ»، وهو: ذَهابُ العَقْلِ مع بقاءِ الحركةِ والقوَّةِ في الأعضاءِ.
٢ - «وَالْجُذَامِ»، وهو عِلَّةٌ يَحْمَرُّ منها العضوُ ثمَّ يَسْوَدُّ، وربما انتهى إلى تآكُلِ الأعضاءِ وسقوطِها.
٣ - «وَالْبَرَصِ»، وهو: بياضٌ يَكونُ بالجِلدِ تَذهبُ به دَمَوِيَّتُه.
٤ - «وَالرَّتْقِ»، وهو: انسدادُ مَحَلِّ الجِماعِ بلحمٍ.
٥ - «وَالْقَرَنِ»، القَرَنُ: هو انسدادُ محلِّ الجِماعِ بعَظْمٍ.
ودليلُه حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ وَبِهَا بَرَصٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ قَرَنٌ، فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَمَسَّهَا، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، وَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُرَدُّ الرَّجُلُ بِخَمْسَةِ عُيُوبٍ:
١ - بِالْجُنُونِ»، وهو: ذَهابُ العَقْلِ مع بقاءِ الحركةِ والقوَّةِ في الأعضاءِ.
٢ - «وَالْجُذَامِ»، وهو علَّةٌ يَحْمَرُّ منها العضوُ ثمَّ يَسْوَدُّ، وربما انتهى إلى تآكُلِ الأعضاءِ وسقوطِها.
٣ - «وَالْبَرَصِ»، وهو: بياضٌ يَكونُ بالجلدِ تَذْهَبُ به دَمَوِيَّتُه.
стр. 308
٤ - «وَالْجَبِّ»، وهو: قَطْعُ الذَّكَرِ.
٥ - «وَالْعُنَّةِ»، وهي: عَجْزُ الرَّجلِ عن الوطءِ؛ لعدمِ انتشارِ الذَّكرِ.
ودليلُه القياسُ على حديثِ عليٍّ ﵁ السَّابقِ في ثُبوتِ خِيارِ الرَّدِّ للزَّوجِ، فكذلك الزَّوجةُ، ولكنَّ العِنِّينَ يُؤَجَّلُ سَنَةً من حينِ رفعِها الأمرَ للقضاءِ؛ لحديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قال في العِنِّينِ: «يُؤَجَّلُ سَنَةً، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَلَهَا الْمَهْرُ وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ» (١).
«فَصْلٌ»
في تسميةِ المَهر
المَهرُ هو اسمٌ للمالِ الواجبِ للمرأةِ على الرَّجلِ بالنِّكاحِ، قال تعالى: ﴿وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، والصَّدُقَاتُ: جمعُ صَدُقة، وسُمِّيَ المَهرُ صَداقًا؛ لإشعارِه بصدقِ رغبةِ باذلِه في النِّكاحِ الذي هو الأصلُ في إيجابِه عليه. والنِّحلةُ: الهِبةُ والعطيَّةُ، وسُمِّيَ المَهرُ نِحْلَةً؛ لأنَّ المرأةَ تَستمتعُ بالزَّوجِ كما يَستمتعُ بها؛ فجُعِلَ الصَّداقُ لهنَّ كأنَّه عطيَّةٌ من غيرِ عِوَضٍ، وقيلَ: نِحْلَةٌ؛ أيْ: عطيَّةٌ من اللهِ تعالى.
ويُسَمَّى المَهرُ -أيضًا-: أجرًا، وفريضةً، قال تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، وقال تعالى:
стр. 309
﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ أيْ: سَمَّيْتُمْ لهنَّ مَهرًا.
والأصلُ في وجوبِه قبْلَ الإجماعِ الآياتُ السَّابقةُ، وقولُ النَّبيِّ ﷺ لمريدِ التَّزويجِ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَةُ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ»؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يعقِدْ إلَّا بمسمًّى، ولأنَّه أَدْفَعُ للخصومةِ والاختلافِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ لَمْ يُسَمِّ صَحَّ الْعَقْدُ وَوَجَبَ الْمَهْرُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
١ - أَنْ يَفْرِضَهُ الزَّوْجُ عَلَى نَفْسِهِ»؛ أيْ: قبْلَ الدُّخولِ، ولها حَبْسُ نفْسِها ليَفْرِضَ لها؛ لتَكونَ على بصيرةٍ قبلَ تسليمِ نفْسِها، ولها بعدَ الفرضِ حبسُ نفْسِها لتسليمِ المفروضِ الحالِّ، أمَّا المؤجَّلُ فليس لها حبسُ نفْسِها.
٢ - «أَوْ يَفْرِضَهُ الْحَاكِمُ»؛ وذلك عندَ امتناعِ الزَّوجِ من الفَرْضِ، أو عندَ التَّنازعِ في القَدْرِ المفروضِ، فيَفْرِضُ الحاكمُ مَهرَ المِثْلِ بنقدِ البلدِ حالًّا لا مؤجَّلًا؛ كما في قِيَمِ المتلَفَاتِ، ويُشترطُ عِلمُ الحاكمِ بقدرِ مَهرِ المِثلِ لا يَزيدُ عليه ولا يَنْقُصُ؛ إلَّا بالتَّفاوتِ اليسيرِ.
٣ - «أَوْ يَدْخُلَ بِهَا فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَا
стр. 310
اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤]، ولحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «أَيُّمَا رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً ... فَمَسَّهَا فَلَهَا صَدَاقُهَا كَامِلًا» (١).
ومَهرُ المِثْلِ؛ أيْ: مَهرُ أمثالِها من النِّساءِ عادةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَيْسَ لِأَقَلِّ الصَّدَاقِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ حَدٌّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: ٢٠]، والقِنطارُ: مالٌ كثيرٌ، فدَلَّ على أنَّه لا حَدَّ للمَهرِ في الكثرةِ، وجاءَ في حديثِ عامرِ بنِ ربيعةَ ﵁ أنَّ امرأةً من بَني فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ على نَعْلَيْنِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟»، قالت: نَعَمْ، فأجازَه (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ»، كتعليمِها شيئًا من القرآنِ، أو القيامِ بعملٍ مُعَيَّنٍ، يقولُ سهلُ بنُ سعدٍ ﵁: أتتِ النبيَّ ﷺ امرأةٌ فقالت: إنَّها قد وَهَبَتْ نَفْسَها للهِ ولرسولِه ﷺ ، فقالَ: «مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ»، فقال رجلٌ: زَوِّجْنِيها، قالَ: «أَعْطِهَا ثَوْبًا»، قالَ: لا أَجِدُ، قالَ: «أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ»، فاعْتَلَّ له، فقالَ: «مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟»، قالَ: كذا وكذا، قالَ: «فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (٣).
стр. 311
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ نِصْفُ الْمَهْرِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ومعنى ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: من قبْلِ أن تَدْخُلوا بهنَّ، ومعنى ﴿فَرَضْتُمْ﴾: سَمَّيْتُمْ لهنَّ مَهرًا.
«فَصْلٌ»
في الوَليمَة
الوَليمةُ في اللُّغةِ: مُشْتَقَّةٌ من الوَلْمِ وهو الاجتماعُ، ومنه قولُهم: أَوْلَمَ الرَّجُلُ إذا اجْتَمَعَ عَقْلُه وخُلُقُه.
وفي الاصطلاحِ: طعامُ العُرسِ خاصَّةً، ولا تَقعُ على غيرِه إلا بقيدٍ، فيقالُ: وَليمةُ الوِلادةِ، وَليمةُ الخِتانِ، ونحوُ ذلك.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَلِيمَةُ عَلَى الْعُرْسِ مُسْتَحَبَّةٌ»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى على عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ أثرَ صُفرةٍ، فقالَ: «مَا هَذَا؟»، قالَ: تَزَوَّجْتُ امرأةً على وزنِ نواةٍ من ذهبٍ، قالَ: «بَارَكَ اللهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْإِجَابَةُ إِلَيْهَا وَاجِبَةٌ؛ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ
стр. 312
إِلَى وَلِيمَةٍ فَلْيَأْتِهَا» (١).
وفي روايةٍ: «وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ» (٢).
وقولُه: «إِلَّا مِنْ عُذْرٍ»؛ كأن يَكونَ في موضعِ الدَّعوةِ من يَتَأَذَّى بحضورِه، أو من لا يَليقُ به مُجالَستُه، كالأراذلِ والسِّفلةِ، أو يكونَ في موضعِ الدَّعوةِ مُنْكَرٌ لا يستطيعُ تغييرَه.
«فَصْلٌ»
في عِشْرَةِ النِّسَاء
قال أبو شجاع ﵀: «وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَاجِبَةٌ»، القَسْمُ: مصدرُ قَسَمْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: جَزَّأْتُه، والمرادُ به هنا العدلُ والتَّسويةُ بينَ الزَّوجاتِ في المبيتِ، حتى لو كانَ بالمرأةِ عذرٌ مِن مرضٍ أو حيضٍ أو نحوِ ذلك؛ لأنَّ المقصودَ الأُنْسُ لا الوطءُ، فيَجعلُ لكلِّ زوجةٍ يومًا وليلةً، وعِمَادُ القَسْمِ اللَّيلُ، والنَّهارُ تابعٌ له؛ وذلك لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ اللَّيلَ سَكنًا، والنَّهارَ للتَّردُّدِ في المَصالِحِ، وهذا حُكمُ غالبِ النَّاسِ، أمَّا مَن يَعملُ ليلًا، كالحارسِ ونحوِه؛ فعمادُ قَسْمِه النَّهارُ، واللَّيلُ تابعٌ له.
والاقتصارُ في القَسْمِ على اللَّيلةِ أفضلُ من الزِّيادةِ عليها؛ اقتداءً بالنَّبيِّ ﷺ ، ولكي يَقْرُبَ عَهْدُه بهنَّ، ويَجوزُ ليلتانِ وثلاثٌ
стр. 313
بغيرِ رِضَاهُنَّ، ولا تَجوزُ الزِّيادةُ عليها بغيرِ رضاهُنَّ؛ لئلَّا يؤدِّيَ إلى المهاجَرةِ والإيحاشِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ الْمَقْسُومِ لَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ»؛ لا يَدْخُلُ الزوجُ على الزوجةِ الغيرِ مقسومٍ لها نهارًا لغيرِ حاجةٍ؛ لما فيه من إبطالِ حقِّ صاحبةِ النَّوبةِ، فإن فَعَلَ وطالَ مُكْثُهُ لَزِمَه لصاحبةِ النَّوبةِ القضاءُ بقدرِ ذلك من نَوبةِ المدخولِ عليها، أمَّا دخولُه لحاجةٍ كوضعِ متاعٍ، أو أخذِه، أو تسليمِ نفقةٍ، أو تعريفِ خَبرٍ؛ فجائزٌ ولا يقضي؛ لأنَّ النَّهارَ تابعٌ، تقولُ عائشةُ ﵂: «قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَرَسُولُ اللهِ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا» (١).
أمَّا اللَّيلُ فَيَحْرُمُ الدُّخولُ على غيرِ صاحبةِ النَّوبةِ، ولو لحاجةٍ؛ إلَّا للضَّرورةِ القصوى، كمرضِها المَخُوفِ، فإن طالَ مُكثُه عُرفًا قضى من نَوبةِ المدخولِ عليها مِثلَ مُكثِه؛ لأنَّ حَقَّ الآدميِّ لا يَسقطُ بالعذرِ.
فإذا دَخَلَ لغيرِ حاجةٍ وقَصُرَ مُكثُهُ عُرفًا لم يَقْضِ؛ لكنَّه يأثمُ، وقد جاءَ في حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (٢).
وفي روايةٍ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا جَاءَ
стр. 314
يَوْمَ القِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ» (١)؛ أيْ: أحدُ جنبيهِ مفلوجٌ مشلولٌ -والعياذُ باللهِ-.
وقد كانَ يُطافُ بالنَّبيُّ ﷺ محمولًا في مرضِه -الذي ماتَ فيه- على نسائِه كلَّ يومٍ وليلةٍ، حتَّى أَذِنَ له أزواجُه ﵅ أن يَكونَ حيثُ شاءَ، فكانَ في بيتِ عائشةَ ﵂ حتَّى قَبَضَه اللهُ تعالى ورَأْسُه ﷺ بين سَحْرِها ونَحْرِها (٢).
فإذا ساوى الرَّجلُ بينَ زوجاتِه في المبيتِ والكسوةِ والنَّفقةِ والأمورِ الظَّاهرةِ؛ لم يؤاخَذْ بزيادةِ ميلِ قلبِه إلى بعضِهِنَّ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٢٩]؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: ﵄ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أيْ: «فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ» (٣).
قال أبو بكرِ بنُ العربيِّ ﵀: «وصَدَقَ؛ فإنَّ ذلك لا يَمْلِكُه أحدٌ؛ إذْ قلبُه بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، يُصْرِّفُه كيفَ يشاءُ، وكذلك الجماعُ فإنَّه قد ينشطُ للواحدةِ ما لا ينشطُ للأخرى، فإذا لم يكنْ ذلك بقصدٍ منه فلا حَرَجَ عليه فيه، فإنَّه مما لا يستطيعُه
стр. 315
فلم يَتَعَلَّقْ به تكليفٌ» (١).
وقولُه تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾؛ قال ابنُ عبَّاسٍ: ﵄ «لَا مُطَلَّقَةٌ، وَلَا ذَاتُ بَعْلٍ» (٢).
وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: إن تَعْدِلوا في قَسْمِكم بينَ الزَّوجاتِ، وما فَرَضَ اللهُ لهنَّ عليكم من المبيتِ، والكسوةِ، والنَّفقةِ، والعِشرةِ بالمعروفِ، ونحوِ ذلك من الأمورِ الظَّاهرةِ؛ فإنَّ اللهَ يَغْفِرُ لكم ما دونَ ذلك ممَّا لا يَدْخُلُ فى اختياركِم، كالحُبِّ وزيادةِ الإقبالِ ونحوِ ذلك.
تقولُ عائشةُ ﵂ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، ويقولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» (٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ وَخَرَجَ بِالَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ» (٤).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَزَوَّجَ جَدِيدَةً خَصَّهَا بِسَبْعِ لَيَالٍ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَبِثَلَاثٍ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁
стр. 316
أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا خَافَ نُشُوزَ الْمَرْأَةِ وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبَتْ إِلَّا النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ هَجَرَهَا وَضَرَبَهَا»، إذا ظَهَرَ من المرأةِ أماراتُ النُّشوزِ سواءٌ كانَ بالقولِ، كأن تجيبَه بكلامٍ خشنٍ بعد أن كانَ بِلِينٍ، أو بالفعلِ كأن يَجِدَ منها إعراضًا وعُبوسًا بعدَ لطفٍ وطلاقةِ وجهٍ، وَعَظَها بالكلامِ كأن يقولَ لها: «اتَّقِي اللهَ في الحقِّ الواجبِ لي عليكِ واحذري العقوبةَ»، فلعلَّها تُبدي عذرًا أو تتوبُ مما وَقَعَ منها بغيرِ عذرٍ، ويَحْسُنُ أنْ يَبَرَّهَا ويستميلَ قلبَها، ويُذَكِّرَها بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (٢).
وحديثِ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ، وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» (٣).
فإن أبتِ المرأةُ مع وَعْظِه لها إلا النُّشوزَ، هَجَرَها في المَضْجَعِ؛ أيْ: تَرَكَ مضاجعتَها في الفِراشِ.
فإن أقامت على النُّشوزِ بعدَ الوعظِ والهجرِ، ضرَبَها ضربًا غيرَ
стр. 317
مُبَرِّحٍ، لا يَجْرَحُ لحمًا، ولا يَكْسِرُ عظمًا، وكذلك لا يَضْرِبُ وجهًا، ولا مَوْضِعَ مَهْلَكةٍ.
قال تعالى: ﴿وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ أيْ: إن تابتْ ورجعتْ للطَّاعةِ فلا تَسْلُكوا طريقًا لإيذائِهنَّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا»، إذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها فلم تَدْخُلْ في طاعتِه، فلا قَسْمَ لها ولا نفقةَ، فإذا عادتْ إلى الطَّاعةِ لم تَسْتَحِقَّ القضاءَ.
«فَصْلٌ»
فِي الخُلْع
الخُلْعُ في اللُّغَةِ: الانتزاعُ، ومنه: خَلَعَ الثَّوْبَ؛ أي: نَزَعَهُ، ولأنَّ كُلًّا مِن الزَّوجينِ لباسُ الآخَرِ، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فكأنَّه بمفارَقةِ أحدِهِما للآخَرِ نَزَعَ لباسَه.
وفي الاصطلاحِ: افتراقُ الزَّوجينِ على عِوَضٍ.
والأصلُ في مشروعيَّتِه قبْلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ أيْ: لا يَحِلُّ لكم أيُّها الأزواجُ أن تضاجِروا زوجاتِكم؛ ليفتدِينَ منكم بما أعطيتُمُوهنَّ من المهورِ أو ببعضِها، أمَّا إن وهبتِ
стр. 318
المرأةُ زوجَها شيئًا عن طِيبِ نفْسٍ منها، فلا حرجَ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ أمَّا إذا تشاقَقَ الزَّوجانِ، ولم تَقُمِ المرأةُ بحقوقِ الرَّجلِ وأبْغَضَتْه ولم تقدِرْ على معاشرَتِه، فلها أن تفتدِيَ منه بما أعطاها، ولا حرجَ عليها في بذلِها، ولا عليه في قَبولِ ذلك؛ يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: جاءتِ امرأةُ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شماسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ما أَنْقِمُ على ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ؛ إلا أني أخافُ الكفرَ في الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»، قالت: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عليه، وأَمَرَه ففارَقَها (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَتَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ»؛ أيْ: يَجوزُ الخُلْعُ على عِوَضٍ معلومٍ مقدورٍ على تسليمِه، وتَمْلِكُ المرأةُ به نَفْسَها فلا يَبقى للزَّوجِ عليها سلطانٌ؛ لأنَّها بذلتِ المالَ لتَمْلِكَ نفْسَها، فلا يَمْلِكُ الزَّوجُ وَلايةَ الرُّجوعِ في العِدَّةِ؛ إلَّا بنكاحٍ جديدٍ، ومَهرٍ جديدٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الطُّهْرِ وَفِي الْحَيْضِ»، يَجوزُ الخُلعُ في الطُّهرِ سواءٌ جامَعَها فيه أمْ لا، كما أنَّه يَجوزُ -أيضًا- في الحيضِ؛ لأنَّها ببذلِها الفِداءَ لخلاصِها رضيتْ لنفْسِها بتطويلِ العِدَّةِ.
стр. 319
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلَاقُ»؛ أيْ: لا يَلْحَقُ المختلِعةَ في عِدَّتِها طلاقٌ بلفظٍ صريحٍ، أو كنايةٍ، وكذلك لا يَلْحَقُها إيلاءٌ ولا ظِهارٌ؛ لأنَّها صارتْ أجنبيَّةً بافتداءِ نَفْسِها.
«فَصْلٌ»
في الطَّلَاق
الطَّلاقُ في اللُّغةِ: هو حَلُّ القيدِ، يقالُ: ناقةٌ طالِقٌ؛ أي: مُرْسَلَةٌ ترعى حيثُ شاءتْ.
وفي الاصطلاحِ: هو حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بلفظِ الطَّلاقِ ونحوِه.
والأصلُ فيه قبْلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وغيرُها من الآياتِ.
وذَكَرَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالطَّلَاقُ ضَرْبَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ»، الطَّلاقُ نوعانِ: صريحٌ وكنايةٌ، فالصَّريحُ: هو ما لا يَحتملُ ظاهرُه غيرَ الطَّلاقِ، فلو قالَ: لم أنوِ به الطَّلاقَ، لم يُقْبَلْ قولُه، وأمَّا الكنايةُ: فهو ما يَحتملُ الطَّلاقَ وغيرَه، فلو قالَ: لم أنوِ به الطَّلاقَ، قُبِلَ قولُه.
قال أبو شجاع ﵀: «فَالصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ وَلَا يَفْتَقِرُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ إِلَى النِّيَّةِ»، وذلك لورودِ
стр. 320
هذه الألفاظِ في الشَّرعِ بمعنى الطَّلاقِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطَّلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فإن خاطَبَ الرَّجُلُ امرأتَه بشيءٍ من هذه الألفاظِ الثَّلاثةِ، أو ما اشتُقَّ منها -كطَلَّقْتُكِ، وأنتِ طالقٌ، ومُطَلَّقَةٌ، أو فارقتُكِ، وأنتِ مُفَارَقَةٌ، وسَرَّحْتُكِ، وأنتِ مُسَرَّحَةٌ- وَقَعَ الطَّلاقُ، فإن قالَ: أردتُ غيرَها فسَبَقَ لساني إليها لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه يدَّعي خِلافَ الظَّاهرِ، ويُدَيَّنُ فيما بَيْنَهُ وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يدَّعيه، فإن عَلِمَتِ المرأةُ صِدْقَهُ فيما دُيِّنَ فيه جازَ لها أن تقِيمَ معه، فإن قالَ: قد فارقتُكِ سائرًا إلى المسجدِ، أو سَرَّحْتُكِ إلى أَهْلِكِ، أو قد طَلَّقْتُكِ من وَثَاقِكِ، أو ما أشْبهَ هذا؛ لم يَكُنْ طلاقًا، فإن قيلَ: قد يَكونُ هذا طلاقًا تَقَدَّمَ فأَتْبَعَه كلامًا يَخْرُجُ به منه؛ قيلَ: قد يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ يُبَيِّنُ آخِرَ كلامِه عن أوَّلِه، ولو أَفْرَدَ لا إلَهَ؛ كان كافرًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْكِنَايَةُ كُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ»، كأن يقولَ الرَّجلُ لامرأتِه: أنتِ خَلِيَّةٌ؛ أي: خاليةٌ من الأزواجِ، وبَرِيَّةٌ؛ أي: بَرِئْتِ من الزَّوجِ، وبَتَّةٌ؛ أي: قَطَعْتُ الوصلَ بَيْنَنا، وبتلةٌ؛ من تَبَتَّلَ الرَّجُلُ إذا تَرَكَ النِّكاحَ وانفردَ، وبائنٌ؛ من البَيْنِ وهو الفِراقُ، وأنتِ حُرَّةٌ، وواحدةٌ، واعتدِّي، واستبرِئي رَحِمَكِ، والحَقِي بأهلِكِ، وحبلُكِ على غاربِكِ، وتَقَنَّعي، وتَسَتَّري، وبِينِي، وأنتِ حرامٌ، وأنتِ عليَّ مُحَرَّمَةٌ، فإن خاطبَها بشيءٍ من ذلك ونوى به الطَّلاقَ وَقَعَ، وإن لم ينوِ لم يَقَعْ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغيرَه.