أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا تَزَوَّجَ البِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا خَافَ نُشُوزَ الْمَرْأَةِ وَعَظَهَا، فَإِنْ أَبَتْ إِلَّا النُّشُوزَ هَجَرَهَا، فَإِنْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ هَجَرَهَا وَضَرَبَهَا»، إذا ظَهَرَ من المرأةِ أماراتُ النُّشوزِ سواءٌ كانَ بالقولِ، كأن تجيبَه بكلامٍ خشنٍ بعد أن كانَ بِلِينٍ، أو بالفعلِ كأن يَجِدَ منها إعراضًا وعُبوسًا بعدَ لطفٍ وطلاقةِ وجهٍ، وَعَظَها بالكلامِ كأن يقولَ لها: «اتَّقِي اللهَ في الحقِّ الواجبِ لي عليكِ واحذري العقوبةَ»، فلعلَّها تُبدي عذرًا أو تتوبُ مما وَقَعَ منها بغيرِ عذرٍ، ويَحْسُنُ أنْ يَبَرَّهَا ويستميلَ قلبَها، ويُذَكِّرَها بمثلِ حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (٢).
وحديثِ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ، وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ، دَخَلَتِ الْجَنَّةَ» (٣).
فإن أبتِ المرأةُ مع وَعْظِه لها إلا النُّشوزَ، هَجَرَها في المَضْجَعِ؛ أيْ: تَرَكَ مضاجعتَها في الفِراشِ.
فإن أقامت على النُّشوزِ بعدَ الوعظِ والهجرِ، ضرَبَها ضربًا غيرَ
стр. 317
مُبَرِّحٍ، لا يَجْرَحُ لحمًا، ولا يَكْسِرُ عظمًا، وكذلك لا يَضْرِبُ وجهًا، ولا مَوْضِعَ مَهْلَكةٍ.
قال تعالى: ﴿وَاللَاّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ أيْ: إن تابتْ ورجعتْ للطَّاعةِ فلا تَسْلُكوا طريقًا لإيذائِهنَّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ بِالنُّشُوزِ قَسْمُهَا وَنَفَقَتُهَا»، إذا نَشَزَت المرأةُ على زوجِها فلم تَدْخُلْ في طاعتِه، فلا قَسْمَ لها ولا نفقةَ، فإذا عادتْ إلى الطَّاعةِ لم تَسْتَحِقَّ القضاءَ.
«فَصْلٌ»
فِي الخُلْع
الخُلْعُ في اللُّغَةِ: الانتزاعُ، ومنه: خَلَعَ الثَّوْبَ؛ أي: نَزَعَهُ، ولأنَّ كُلًّا مِن الزَّوجينِ لباسُ الآخَرِ، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ فكأنَّه بمفارَقةِ أحدِهِما للآخَرِ نَزَعَ لباسَه.
وفي الاصطلاحِ: افتراقُ الزَّوجينِ على عِوَضٍ.
والأصلُ في مشروعيَّتِه قبْلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؛ أيْ: لا يَحِلُّ لكم أيُّها الأزواجُ أن تضاجِروا زوجاتِكم؛ ليفتدِينَ منكم بما أعطيتُمُوهنَّ من المهورِ أو ببعضِها، أمَّا إن وهبتِ
стр. 318
المرأةُ زوجَها شيئًا عن طِيبِ نفْسٍ منها، فلا حرجَ، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]؛ أمَّا إذا تشاقَقَ الزَّوجانِ، ولم تَقُمِ المرأةُ بحقوقِ الرَّجلِ وأبْغَضَتْه ولم تقدِرْ على معاشرَتِه، فلها أن تفتدِيَ منه بما أعطاها، ولا حرجَ عليها في بذلِها، ولا عليه في قَبولِ ذلك؛ يَقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: جاءتِ امرأةُ ثابتِ بنِ قيسِ بنِ شماسٍ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، ما أَنْقِمُ على ثابتٍ في دِينٍ ولا خُلُقٍ؛ إلا أني أخافُ الكفرَ في الإسلامِ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ»، قالت: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عليه، وأَمَرَه ففارَقَها (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْخُلْعُ جَائِزٌ عَلَى عِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَتَمْلِكُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا إِلَّا بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ»؛ أيْ: يَجوزُ الخُلْعُ على عِوَضٍ معلومٍ مقدورٍ على تسليمِه، وتَمْلِكُ المرأةُ به نَفْسَها فلا يَبقى للزَّوجِ عليها سلطانٌ؛ لأنَّها بذلتِ المالَ لتَمْلِكَ نفْسَها، فلا يَمْلِكُ الزَّوجُ وَلايةَ الرُّجوعِ في العِدَّةِ؛ إلَّا بنكاحٍ جديدٍ، ومَهرٍ جديدٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ الْخُلْعُ فِي الطُّهْرِ وَفِي الْحَيْضِ»، يَجوزُ الخُلعُ في الطُّهرِ سواءٌ جامَعَها فيه أمْ لا، كما أنَّه يَجوزُ -أيضًا- في الحيضِ؛ لأنَّها ببذلِها الفِداءَ لخلاصِها رضيتْ لنفْسِها بتطويلِ العِدَّةِ.
стр. 319
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَلْحَقُ الْمُخْتَلِعَةَ الطَّلَاقُ»؛ أيْ: لا يَلْحَقُ المختلِعةَ في عِدَّتِها طلاقٌ بلفظٍ صريحٍ، أو كنايةٍ، وكذلك لا يَلْحَقُها إيلاءٌ ولا ظِهارٌ؛ لأنَّها صارتْ أجنبيَّةً بافتداءِ نَفْسِها.
«فَصْلٌ»
في الطَّلَاق
الطَّلاقُ في اللُّغةِ: هو حَلُّ القيدِ، يقالُ: ناقةٌ طالِقٌ؛ أي: مُرْسَلَةٌ ترعى حيثُ شاءتْ.
وفي الاصطلاحِ: هو حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ بلفظِ الطَّلاقِ ونحوِه.
والأصلُ فيه قبْلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وغيرُها من الآياتِ.
وذَكَرَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالطَّلَاقُ ضَرْبَانِ: صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ»، الطَّلاقُ نوعانِ: صريحٌ وكنايةٌ، فالصَّريحُ: هو ما لا يَحتملُ ظاهرُه غيرَ الطَّلاقِ، فلو قالَ: لم أنوِ به الطَّلاقَ، لم يُقْبَلْ قولُه، وأمَّا الكنايةُ: فهو ما يَحتملُ الطَّلاقَ وغيرَه، فلو قالَ: لم أنوِ به الطَّلاقَ، قُبِلَ قولُه.
قال أبو شجاع ﵀: «فَالصَّرِيحُ ثَلَاثَةُ أَلْفَاظٍ: الطَّلَاقُ وَالْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ وَلَا يَفْتَقِرُ صَرِيحُ الطَّلَاقِ إِلَى النِّيَّةِ»، وذلك لورودِ
стр. 320
هذه الألفاظِ في الشَّرعِ بمعنى الطَّلاقِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطَّلاق: ٢]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١]، فإن خاطَبَ الرَّجُلُ امرأتَه بشيءٍ من هذه الألفاظِ الثَّلاثةِ، أو ما اشتُقَّ منها -كطَلَّقْتُكِ، وأنتِ طالقٌ، ومُطَلَّقَةٌ، أو فارقتُكِ، وأنتِ مُفَارَقَةٌ، وسَرَّحْتُكِ، وأنتِ مُسَرَّحَةٌ- وَقَعَ الطَّلاقُ، فإن قالَ: أردتُ غيرَها فسَبَقَ لساني إليها لم يُقْبَلْ؛ لأنَّه يدَّعي خِلافَ الظَّاهرِ، ويُدَيَّنُ فيما بَيْنَهُ وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ ما يدَّعيه، فإن عَلِمَتِ المرأةُ صِدْقَهُ فيما دُيِّنَ فيه جازَ لها أن تقِيمَ معه، فإن قالَ: قد فارقتُكِ سائرًا إلى المسجدِ، أو سَرَّحْتُكِ إلى أَهْلِكِ، أو قد طَلَّقْتُكِ من وَثَاقِكِ، أو ما أشْبهَ هذا؛ لم يَكُنْ طلاقًا، فإن قيلَ: قد يَكونُ هذا طلاقًا تَقَدَّمَ فأَتْبَعَه كلامًا يَخْرُجُ به منه؛ قيلَ: قد يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ يُبَيِّنُ آخِرَ كلامِه عن أوَّلِه، ولو أَفْرَدَ لا إلَهَ؛ كان كافرًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْكِنَايَةُ كُلُّ لَفْظٍ احْتَمَلَ الطَّلَاقَ وَغَيْرَهُ، وَيَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ»، كأن يقولَ الرَّجلُ لامرأتِه: أنتِ خَلِيَّةٌ؛ أي: خاليةٌ من الأزواجِ، وبَرِيَّةٌ؛ أي: بَرِئْتِ من الزَّوجِ، وبَتَّةٌ؛ أي: قَطَعْتُ الوصلَ بَيْنَنا، وبتلةٌ؛ من تَبَتَّلَ الرَّجُلُ إذا تَرَكَ النِّكاحَ وانفردَ، وبائنٌ؛ من البَيْنِ وهو الفِراقُ، وأنتِ حُرَّةٌ، وواحدةٌ، واعتدِّي، واستبرِئي رَحِمَكِ، والحَقِي بأهلِكِ، وحبلُكِ على غاربِكِ، وتَقَنَّعي، وتَسَتَّري، وبِينِي، وأنتِ حرامٌ، وأنتِ عليَّ مُحَرَّمَةٌ، فإن خاطبَها بشيءٍ من ذلك ونوى به الطَّلاقَ وَقَعَ، وإن لم ينوِ لم يَقَعْ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغيرَه.
стр. 321
ودليلُ ذلك حديثُ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁ عندما تَخَلَّفَ عن غزوةِ تَبُوكَ قالَ: «لمَّا مضتْ أربعونَ من الخمسينَ واستلبثَ الوحيُ، وإذا رسولُ رسولِ اللهِ ﷺ يأتيني، فقالَ: إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ يأمُرُكَ أن تعتزلَ امرأتَكَ، فقلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفْعلُ؟ قالَ: بل اعتزِلْها فلا تَقْرَبَنَّها، فقلتُ لامرأتي: الحقِي بأهلِكِ» (١)؛ فَعَلَ ذلك خشيةَ أن يخالفَ أمرَ النَّبيِّ ﷺ ويعاشرَها إذا بَقِيَتْ عندَه، ولم يُردِ الطَّلاقَ، فلمَّا نزَلَت توبتُه رَجَعَت زوجتُه إليه، ولم يأمرْه النَّبيُّ ﷺ بفِراقِها، أو بتجديدِ عقدِه عليها.
وفي حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ ابنةَ الجَوْنِ لمَّا أُدْخِلَتْ على النَّبيِّ ﷺ ودَنا منها قالت: أعُوذُ باللهِ منك، فقال لها: «لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الحَقِي بِأَهْلِكِ» (٢)، وكانَ ذلك طلاقًا لها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أرادَ الطَّلاقَ؛ فوَقَعَ.
فدَلَّ على أنَّ قولَ: «الحَقِي بأهلِكِ»، وما شابَهَهُ مِن ألفاظِ الكِناياتِ لا يقعُ طلاقًا إلَّا إذا كانَ مصحوبًا بنيَّةِ الطَّلاقِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالنِّسَاءُ فِيهِ ضَرْبَانِ:
١ - ضَرْبٌ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَبِدْعَةٌ، وَهُنَّ ذَوَاتُ الْحَيْضِ؛
стр. 322
فَالسُّنَّةُ: أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ غَيْرَ مُجَامِعٍ فِيهِ، وَالْبِدْعَةُ: أَنْ يُوقِعَ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ»، المرادُ بالسُّنَّةِ الطَّلاقُ الجائزُ، وبالبدعةِ الطَّلاقُ الحرامُ؛ والسُّنَّةُ أن يُوقِعَ الزَّوجُ الطَّلاقَ في طُهْرٍ غيرَ مُجامِعٍ فيه؛ والبدعةُ أن يُوقِعَ الزَّوجُ الطَّلاقَ في الحيضِ أو في طهرٍ جامَعَها فيه؛ يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ طَلَّقْتُ امرأتي وهي حائضٌ فذَكَرَ ذلك عمرُ للنَّبيِّ ﷺ ، فتَغَيَّظَ رسولُ اللهِ ﷺ ثمَّ قالَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (١)؛
أيْ: بقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطَّلاق: ١]؛ أيْ: لاستقبالِ عِدَّتِهِنَّ، وعِدَّةُ ذواتِ الحيضِ ثلاثةُ قروءٍ، قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، والقَرْءُ عندَ الشَّافعيِّ ﵀ الطُّهرُ (٢)، وعليه فإنَّها إن طُلِّقَتْ في الحيضِ سَتَطولُ عِدَّتُها بزمنِ الحيضةِ التي طُلِّقَتْ فيها؛ لأنَّها لن تُحْتَسَبَ من عِدَّتِها، وكذلك إذا طُلِّقَتْ في طهرٍ جامَعَها فيه؛ لأنَّ
стр. 323
هذا الطُّهرَ لن يُحْتَسَبَ -أيضًا- من عِدَّتِها، فتَطولُ ببقيَّةِ أيَّامِ هذا الطُّهرِ وبالحيضةِ الكاملةِ التي بَعْدَه، وقد تَكونُ حاملًا من هذا الجماعِ، وهو لا يَرْغَبُ في تطليقِ الحاملِ، فيَكونُ في ذلك النَّدمُ؛ لأنَّ الإنسانَ قد يُطَلِّقُ الحائلَ دونَ الحاملِ، وهذا الطَّلاقُ البدعيُّ حرامٌ؛ للنَّهيِ عنه، فإن طَلَّقَها أَثِمَ، ووقَعَ طلاقُه عندَ الشَّافعيِّ ﵀.
٢ - «وَضَرْبٌ لَيْسَ فِي طَلَاقِهِنَّ سُنَّةٌ وَلَا بِدْعَةٌ، وَهُنَّ أَرْبَعٌ:
أ- الصَّغِيرَةُ»؛ أيِ: التي لم تَحِضْ؛ لأنَّ عِدَّتَها بالأشْهُرِ، فلا يَلْحَقُها ضررٌ.
ب- «والآيِسةُ»، وهي التي انقطعَ حيضُها بسببِ تجاوُزِ سِنِّ المحيضِ، فلا يَلْحَقُها ضررٌ؛ لأنَّ عِدَّتَها -أيضًا- بالأشْهُرِ كالصَّغيرةِ.
ج- «والْحَامِلُ»؛ أيِ: التي ظهرَ حَمْلُها؛ لأنَّ عِدَّتَها بوضعِ الحَملِ، فلا تَختلفُ المُدَّةُ في حَقِّهَا، ولا نَدَمَ بعدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ.
د- «وَالْمُخْتَلِعَةُ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهَا»؛ لأنَّها لا عِدَّةَ عليها.
«فَصْلٌ»
فِي طلاقِ الحُرِّ والعَبْد
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَمْلِكُ الْحُرُّ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ، وَالْعَبْدُ تَطْلِيقَتَيْنِ»، يَمْلِكُ الحُرُّ على زوجتِه ثلاثَ تطليقاتٍ، قال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «إذا طَلَّقَ الرَّجلُ امرأتَه تطليقتينِ،
стр. 324
فليتَّقِ اللهَ في التَّطليقةِ الثَّالثةِ، فإمَّا أن يُمْسِكَها بمعروفٍ فيُحْسِنَ صحابَتَها، أو يُسَرِّحَها بإحسانٍ فلا يَظْلِمَها من حَقِّها شيئًا» (١).
ويَمْلِكُ العبدُ طَلْقتينِ؛ لقولِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «يَنْكِحُ العبدُ امرأتينِ ويُطَلِّقُ تَطليقتينِ» (٢).
قال الخطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: «وإذا طَلَّقَ الحُرُّ ثلاثًا سواءٌ أَوْقَعَهنَّ معًا أمْ لا, مُعَلَّقًا كانَ ذلك أمْ لا، قبْلَ الدُّخولِ أمْ لا، أو العبدُ، أو المُبَعَّضُ طَلقتينِ كذلك؛ لم تَحِلَّ له حتَّى تَنكحَ زوجًا غيرَه» (٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الاسْتِثْنَاءُ فِي الطَّلَاقِ إِذَا وَصَلَهُ بِهِ»؛ أيْ: وَصَلَ الزَّوْجُ لفظَ المستثنى بالمستثنى منه اتِّصالًا عُرْفِيًّا، بأنْ يُعَدَّ في العرفِ كلامًا واحدًا، فإن قال لزوجتِه: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثنتينِ، صَحَّ ووقعت طلقةٌ واحدةٌ؛ لحديثِ معاذِ بنِ جبلٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا أَحَلَّ اللهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلَاقِ، فَمَنْ طَلَّقَ وَاسْتَثْنَى فَلَهُ ثُنْيَاهُ» (٤).
وكذلك يُشترطُ أن ينويَ الاستثناءَ قبلَ فراغِ اليمينِ، كما
стр. 325
يُشترطُ -أيضًا- عدمُ استغراقِ المستثنى المستثنى منه؛ فإن استغْرَقَ المستثنى المستثنى منه؛ كقولِه -مثلًا-: «أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا»؛ بَطَلَ الاستثناءُ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِالصِّفَةِ وَالشَّرْطِ»، يَصِحُّ تعليقُ الطَّلاقِ بالصِّفةِ، فتُطَلَّقُ عندَ وُجودِها، فإذا قال لها: «أنتِ طالقٌ في شهرِ كذا»؛ وَقَعَ الطَّلاقُ مع أوَّلِ جزءٍ من الليلةِ الأولى منه، وكذلك يَصِحُّ تعليقُ الطَّلاقِ بالشَّرطِ، فتُطَلَّقُ عندَ وجودِه، فإذا قال لها: «إن دَخلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ»؛ وَقَعَ الطَّلاقُ إذا دَخلْتِ الدَّارَ؛ لحديثِ عمرِو بنِ عوفٍ المُزَنِيِّ ﵁، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقَعُ قَبْلَ النِّكَاحِ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعٌ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُمْ:
١ - الصَّبِيُّ»، وهو من لم يبلُغْ.
٢ - «والْمَجْنُونُ»، وهو فاقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كانَ بشكلٍ جزئيٍّ أو كلِّيٍّ.
стр. 326
٣ - «والنَّائِمُ»، وهو معروفٌ.
والدَّليلُ على عدمِ وقوعِ طلاقِهم حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (١).
وحيثُ ارتَفعَ عنهم القلمُ بَطَلَ تَصَرُّفُهم.
٤ - «والْمُكْرَهُ»، المُكْرَهُ على طلاقِ زوجتِه لا يقعُ طلاقُه؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢).
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الرَّجْعَة
الرَّجعةُ في اللُّغةِ: المَرَّةُ من الرُّجوعِ.
وفي الاصطلاحِ: ردُّ المرأةِ إلى النِّكاحِ من طلاقٍ غيرِ بائنٍ في العِدَّةِ، بغيرِ عَقْدٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ فَلَهُ مُرَاجَعَتُهَا مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا»، إذا طَلَّقَ شخصٌ امرأتَه طلقةً واحدةً
стр. 327
أو اثنتينِ فله مراجَعتُها مالم تنقضِ عِدَّتُها، ولو بغيرِ إذنِها؛ لقولِه تعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ويُستحَبُّ الإشهادُ على الرَّجعةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطَّلاق: ٢]، والأمرُ هنا محمولٌ على الاستحبابِ؛ لا على الوجوبِ، وهو كقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقد اتَّفقَ العلماءُ على صحَّةِ البيعِ بلا إشهادٍ، فكذا اسْتُحِبَّ الإشهادُ على الرَّجعةِ للأمنِ من الجحودِ، وقطعِ النِّزاعِ، وسدِّ بابِ الخلافِ بينَ الزَّوجينِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا حَلَّ لَهُ نِكَاحُهُا بِعَقْدٍ جَدَيدٍ، وَتَكُونُ مَعَهُ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الطَّلَاقِ»، إن انقضت عِدَّةُ المرأةِ من طلاقٍ رجعيٍّ؛ حَلَّ لزوجِها نكاحُها بعقدٍ جديدٍ ومَهرٍ جديدٍ، باختيارٍ منها ورضًا، وتَكونُ معه بعدَ العَقْدِ على ما بَقِيَ من الطَّلاقِ، سواءٌ اتَّصلتْ بزوجٍ غيرِه أمْ لا؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّه سألَ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ عن رجلٍ طَلَّقَ امرأتَه تطليقةً، أو تطليقتينِ، ثمَّ تزوَّجتْ غيرَه، ثمَّ ترَكَها زوجُها الآخَرُ، ثمَّ راجَعَها الأوَّلُ، فقالَ: «هي على ما بَقِيَ من الطَّلاقِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ خَمْسَةِ شَرَائِطَ:
١ - انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ»؛ أيِ: انقضاءِ عِدَّتِها من المُطَلِّقِ.
٢ - «وَتَزْوِيجِهَا بِغَيْرِهِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ
стр. 328
مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: ٢٣٠].
٣ - «وَدُخُولِهِ بِهَا، وَإِصَابَتِهَا»، بدخولِ حَشَفَتِه -أو قَدْرِها من مقطوعِها- في قُبُلِها؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: جاءتِ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظِيِّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: كنتُ عندَ رِفاعةَ، فطَلَّقني، فأَبَتَّ طلاقي، فتزوَّجتُ عبدَ الرَّحمنِ بنَ الزَّبِيرِ، وإنَّما معه مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوبِ، فقال ﷺ : «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟! لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (١).
٤ - «وَبَيْنُونَتِهَا مِنْهُ»؛ أيْ: من الزَّوجِ الثَّاني، بطلاقٍ، أو فسخٍ، أو موتٍ.
٥ - «وَانْقِضَاءِ عِدَّتِهَا مِنْهُ»؛ أي: انقضاءِ عِدَّتِها من الزَّوجِ الثَّاني؛ لاستبراءِ رَحِمِها.
«فَصْلٌ»
في الإيلاء
الإيلاءُ في اللُّغةِ: الحَلِفُ، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ [النور: ٢٢]؛ أيْ: لا يَحْلِفُ، وهذه
стр. 329
الآيةُ نزَلت في أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ حينَ حَلَفَ ألَّا يُنْفِقَ على ابنِ خالتِه مِسْطَحِ بنِ أثاثةَ ﵁ حينما خاضَ مع أَهلِ الإفكِ فيما خاضوا فيه من أمر عائشة ﵂.
وفي الاصطلاحِ: حَلِفُ زوجٍ على الامتناعِ مِن وطءِ زوجتِه مُطْلقًا أو أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ.
وهو مُحَرَّمٌ؛ لوقوعِ الضَّررِ على الزَّوجةِ بمنعِ نفْسِه ممَّا لها فيه حقُّ العفافِ.
والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، و ﴿يُؤْلُونَ﴾؛ من الإيلاءِ، وهو الحَلِفُ -كما سَبَقَ- و ﴿تَرَبُّصُ﴾؛ أيِ: انتظارُ، و ﴿فاؤوا﴾؛ أي: رَجَعوا عن الحَلِفِ بالوطءِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ زَوْجَتَهُ مُطْلَقًا، أَوْ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ فَهُوَ مُولٍ، وَيُؤَجَّلُ لَهُ إِنْ سَأَلَتْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْفَيْئَةِ وَالتَّكْفِيرِ وَالطَّلَاقِ»؛ أي: يُطْلَبُ منه أن يَرْجِعَ عن حَلِفِه، فيطأَ زوجتَه ويكفِّرَ عن يمينِه، فإنْ أبَى، طُلِبَ منه أن يُطَلِّقَ، قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنِ امْتَنَعَ طَلَّقَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ»؛ لإزالةِ الضَّررِ عن الزوجة، ولا سبيلَ إلى ذلك إلَّا بالتَّطليقِ عليه، يقولُ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁: «إذا آلى الرَّجلُ من امرأتِه لم يقعْ
стр. 330
عليه طلاقٌ، وإن مضت الأربعةُ الأشهرِ، حتَّى يُوقَفَ: فإمَّا أن يُطَلِّقَ، وإمَّا أن يَفيءَ» (١).
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الظِّهار
الظِّهارُ في اللُّغةِ: مأخوذٌ من الظَّهْرِ؛ لأنَّ صورتَه الأصليَّةَ أن يقولَ الرَّجلُ لزوجتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي، وخصُّوا الظَّهرَ دونَ غيرِه؛ لأنَّه موضعُ الرُّكوبِ، والمرأةُ مركوبُ الزَّوجِ، وكانَ طلاقًا في الجاهليَّةِ، فَحَكَمَ اللهُ تعالى فيه بالكفَّارةِ، وحرَّمَ الجماعَ على المتظاهِرِ حتَّى يُكَفِّرَ.
وفي الاصطلاحِ: تشبيهُ الزَّوجةِ أو جزءٍ منها بمحرَّمةٍ عليه تحريمًا مؤبَّدًا.
والظِّهارُ مُحرَّمٌ بالإجماعِ، والأصلُ في تحريِمه قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: ٢]؛ أي: تنكرُه الحقيقةُ، وينكرُه الشَّرعُ، وهو كذبٌ وبهتانٌ؛ لأنَّ الزَّوجةَ محلَّلَةٌ والأمَّ محرَّمةٌ، وتشبيهُ المحلَّلةِ بالمحرَّمةِ كذبٌ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالظِّهَارُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فَإِذَا قَالَ لَهَا ذَلِكَ، وَلَمْ يُتْبِعْهُ بِالطَّلَاقِ صَارَ عَائِدًا، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ»، إذا قال الرَّجلُ لزوجتِه: أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي، ولم
стр. 331
يُتْبِعْهُ بالطَّلاقِ صارَ عائدًا؛ لأنَّ تشبيهَها بالأمِّ يقتضي أن لا يُمسكَها زوجةً، فإن أَمْسَكَها بعدَ الظِّهارِ فقدْ عادَ فيما قالَ، ولَزِمَتْه الكفَّارةُ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْكَفَّارَةُ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فِإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٣، ٤].
قال الشَّافعيُّ ﵀: «إمساكُ المظاهِرِ عن أن يأكُلَ ستِّينَ يومًا كإطعامِ ستِّينَ مسكينًا ... فذَهبْنا إلى أنَّ إطعامَ المسكينِ مُدُّ طعامٍ، ومكانَ إطعامِ المسكينِ صومُ يومٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَحِلُّ لِلْمُظَاهِرِ وَطْؤُهَا حَتَّى يُكَفِّرَ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ رَجلًا أتى النَّبيَّ ﷺ ، وقد ظاهَرَ من امرأتِه، فَوَقَعَ عليها، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إني قد ظاهرتُ من زوجتي، فوقعتُ عليها قبلَ أن أكفِّرَ، فقالَ: «وَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ يَرْحَمُكَ اللهُ؟!»، قالَ: رأيتُ خَلخالَها في ضوءِ القمرِ، قالَ: «فَلَا تَقْرَبْهَا حَتَّى تَفْعَلَ مَا أَمَرَكَ اللهُ بِهِ» (٢).
стр. 332
«فَصْلٌ»
في أحكامِ اللِّعَان
اللِّعانُ في اللُّغةِ: مأخوذٌ من اللَّعْنِ، وهو الإبعادُ والطَّردُ، والْتَعَنَ الرَّجلُ إذا لَعَنَ نَفْسَه، ولاعَنَ إذا لاعَنَ زَوْجَتَه، وسُمِّيَ هذا الحُكمُ لِعانًا؛ لأنَّه لا يَنْفَكُّ عندَ العملِ به من طردٍ وإبعادٍ؛ لأنَّ أحدَهما كاذبٌ، وإن لم يَتَعَيَّنْ منهما، والكاذبُ يَستحقُّ البُعدَ من اللهِ تعالى.
وفي الاصطلاحِ: كلماتٌ معلومةٌ جُعِلَتْ حُجَّةً للمُضْطَرِّ إلى قذفِ مَن لَطَّخَ فِراشَه وألحقَ العارَ به أو إلى نفيِ ولدٍ.
والأصلُ في مشروعيَّتِه قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦ - ٩] (١).
وسببُ نزولِ الآياتِ -كما قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ هلالَ بنَ أميَّةَ قَذَفَ امرأتَه عندَ النَّبيِّ ﷺ بشريكِ ابنِ سَحماءَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ»، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إذا رأى أحدُنا على امرأتِه رَجلًا ينطلقُ يلتمسُ البيِّنةَ، فجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ يقولُ:
حَدُّ الْقَذْفِ؛ إِلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ، أَوْ يُلَاعِنَ، فَيَقُولَ عِنْدَ الْحَاكِمِ فِي الْجَامِعِ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ: أَشْهَدُ بِاللهِ إِنَّنِي لَمِنَ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُ بِهِ زَوْجَتِي فُلَانَةً مِنَ الزِّنَا، وَأَنَّ هَذَا الْوَلَدَ مِنَ الزِّنَا، وَلَيْسَ مِنِّي؛ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَيَقُولَ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ -بَعْدَ أَنْ يَعِظَهُ الْحَاكِمُ-: وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللهِ إِنْ كُنْتُ مِنَ الْكَاذِبِينَ»، إذا قَذَفَ الرَّجُلُ زوجتَه بالزِّنا فعليه حدُّ القذفِ، وسيأتي أنَّه ثمانونَ جلدةً؛ إلَّا أن يُقِيمَ الرَّجلُ القاذفُ البيِّنةَ بزنَا المقذوفةِ، أو يُلاعِنَ زوجتَه المقذوفةَ بأمرِ الحاكمِ أو نائبِه؛ فيقولَ في الجامعِ على المنبرِ في جماعةٍ من النَّاسِ: أَشْهَدُ باللهِ إنَّني لمن الصَّادقينَ فيما رميتُ به زوجتي فلانةً من الزِّنا، وإن كانَ هناك ولدٌ ينفيه فيقولُ: وأنَّ هذا الولدَ من الزِّنا، وليس منِّي، يقولُ الملاعنُ هذه الكلماتِ أربعَ مرَّاتٍ، ويقولُ في المرَّةِ الخامسةِ -بعدَ أن يعِظَه الحاكمُ أو نائبُه بتخويفِه له من عذابِ اللهِ تعالى في الآخرةِ وأنَّه أشدُّ من عذابِ الدُّنيا-: وعليَّ لعنةُ اللهِ إن كنتُ من الكاذبينَ فيما رميتُ به زوجتي فلانةً من الزِّنا، ويقولُ هذا الكلامَ على المنبرِ في جماعةٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵄ قالَ: «حضرتُ رسولَ اللهِ ﷺ حين لاعَنَ بينَ عويمرٍ العَجلانيِّ وامرأتِه ... بعدَ العصرِ عندَ المنبرِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَعَلَّقُ بِلِعَانِهِ خَمْسَةُ أَحْكَامٍ:
١ - سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ»؛ أيْ: سقوطُ حدِّ القذفِ عنه.
٢ - «وَوُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا»؛ أيْ: حدِّ الزِّنا على زوجتِه إنْ
стр. 335
لم تلاعِنْ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٨ - ٩]، ففيهِ دلالةٌ على وجوبِ الحدِّ عليها بلِعانِه وعلى سقوطِه عنها بلِعانِها.
٣ - «وَزَوَالُ الْفِرَاشِ»؛ أيْ: فِراشِ الزَّوجِ عنها؛ لانقطاعِ النِّكاحِ بيْنَهما.
٤ - «وَنَفْيُ الْوَلَدِ»؛ أيْ: نفيُ انتسابِ الولدِ إليه إن نفاه في لِعانِه؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ لاعَنَ بيْنَ رَجلٍ وامرأتِه، فانتفى من ولدِها، ففرَّقَ بَيْنَهما، وأَلْحَقَ الولدَ بالمرأةِ» (١).
٥ - «وَالتَّحْرِيمُ عَلَى الْأَبَدِ»؛ أيْ: تحريمُ الزَّوجةِ عليه على الأبدِ؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ قالَ: «مَضَتِ السُّنَّةُ في المتلاعِنَيْنِ أن يُفَرَّقَ بَيْنَهما، ثمَّ لا يَجْتَمِعانِ أبدًا» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهَا بِأَنْ تَلْتَعِنَ، فَتَقُولَ: أَشْهَدُ أَنَّ فُلَانًا هَذَا لَمِنَ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنَ الزِّنَا؛ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَتَقُولُ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ -بَعْدَ أَنْ يَعِظَهَا الْحَاكِمُ-: وَعَلَيَّ غَضَبُ اللهِ إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ»، يَسْقُطُ حدُّ الزِّنا عن الزَّوجةِ الذي وَجَبَ عليها بتمامِ لِعانِ الزَّوجِ؛ بأن تلاعِنَ بعدَ تمامِ لِعانِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
стр. 336
[النور: ٨ - ٩]، فتقولُ المرأةُ: أَشْهَدُ باللهِ إنَّ فلانًا هذا؛ أيْ: زَوْجَها لمن الكاذِبينَ عليَّ فيما رماني به من الزِّنا؛ أربعَ مرَّاتٍ، وتقولُ في المرَّةِ الخامسةِ -بعدَ أن يَعِظَها الحاكمُ-: وعليَّ غضبُ اللهِ إن كانَ من الصَّادقينَ فيما رماني به.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ العِدَّة
العِدَّةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من العَدِّ، سُمِّيَتْ بذلك لاشتمالِها على العددِ من الأقراءِ أو الأشهرِ غالبًا.
وفي الاصطلاحِ: مُدَّةٌ تَتَرَبَّصُ فيها المرأةُ لمعرفةِ براءةِ رَحِمِها، أو للتَّعبُّدِ، أو لتفجُّعِها على زوجٍ.
والأصلُ فيها قبْلَ الإجماعِ الآياتُ والأحاديثُ الصَّحيحةُ الآتيةُ -إن شاءَ اللهُ تَعالى- وشُرِعَتْ صيانةً للأنسابِ، وتحصينًا لها من الاختلاطِ ورعايةً لحقِّ الزَّوجينِ والولدِ، والغالبُ فيها التَّعَبُّدُ، بدليلِ أنَّها لا تنقضي بقرءٍ واحدٍ مع حصولِ براءةِ الرَّحِمِ به.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُعْتَدَّةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَوَفًّى عَنْهَا وَغَيْرُ مُتَوَفًّى عَنْهَا»؛ المعتدة نوعان: متوفًّى عنها زوجُها، وغيرُ متوفًّى عنها، والمراد بغير المتوفَّى عنها: المطلَّقةُ، أو المفرَّقُ بيْنَها وبيْنَ زوجِها بلِعانٍ، أو خُلْعٍ بعدَ الوطءِ؛ لأنَّ المطلَّقةَ قبْلَ الدُّخولِ بها لا عِدَّةَ عليها.
قال أبو شجاع ﵀: «فَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا
стр. 337
فَعِدَّتُهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا فَعِدَّتُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ»، المتوفَّى عنها زوجُها إن كانت حاملًا فعِدَّتُها بوضعِ الحملِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
ولحديثِ سُبَيْعَةَ بنتِ الحارثِ الأسلميَّةِ ﵂، كانت تحتَ سعدِ بنِ خَولةَ ﵁، وهو من بني عامرِ بنِ لؤيٍّ، وكانَ ممَّنْ شَهِدَ بدرًا، فتُوُفِّيَ عنها في حَجَّةِ الوداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنْشَبْ أن وَضَعَتْ حَمْلَها بعدَ وفاتِه، فلمَّا تَعَلَّتْ من نِفاسِها، تَجَمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدَخَلَ عليها أبو السَّنابلِ بنُ بعككَ؛ رَجُلٌ من بني عبدِ الدَّارِ، فقال لها: ما لي أراكِ تَجَمَّلْتِ للخُطَّابِ، تَرْجِينَ النِّكاحَ؟! فإنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكحٍ حتَّى تمرَّ عليكِ أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ، قالت سُبَيْعَةُ: «فلمَّا قال لي ذلك جمعتُ عليَّ ثيابي حينَ أمسيتُ، وأتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فسألتُه عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللتُ حينَ وضعتُ حملي، وأمرَني بالتَّزوُّجِ إن بدا لي» (١).
فإن كانت المعتدَّةُ عن وفاةٍ حائلًا غيرَ حاملٍ فعِدَّتُها أربعةُ أشهرٍ وعَشْرٌ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وهذه الأحكامُ خاصَّةٌ بالحُرَّةِ، وستأتي أحكامُ الأمَةِ قريبًا إن شاءَ اللهُ تَعالى.
قال أبو شجاع ﵀: «وَغَيْرُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا إِنْ كَانَتْ حَامِلًا
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا»؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وذلك لعدمِ اشتغالِ رحِمِها بما يُوجِبُ استبراءَه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَعِدَّةُ الْأَمَةِ بِالْحَمْلِ كَعِدَّةِ الْحُرَّةِ، وَبِالْأَقْرَاءِ أَنْ تَعْتَدَّ بِقُرْأَيْنِ، وَبِالشُّهُورِ عَنِ الْوَفَاةِ أَنْ تَعْتَدَّ بِشَهْرَيْنِ وَخَمْسِ لَيَالٍ، وَعَنِ الطَّلَاقِ أَنْ تَعْتَدَّ بِشَهْرٍ وَنِصْفٍ، فَإِنِ اعْتَدَّتْ بِشَهْرَيْنِ كَانَ أَوْلَى»، عِدَّةُ الأمَةِ إذا كانت حاملًا كعِدَّةِ الحُرَّةِ، وهي وضعُ الحملِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
فإن لم تكنْ حاملًا وكانت من ذواتِ الحيضِ فتعتدُّ بقُرأينِ؛ لأنَّها على النِّصفِ من الحُرَّةِ في كثيرٍ من الأحكامِ، وإنَّما كَمَّلَت القُرءَ الثَّانيَ؛ لتعذُّرِ تبعيضِه؛ إذْ لا يَظْهَرُ نصفُه إلَّا بظهورِ كلِّه.
فإن كانت عِدَّةُ الأمَةِ عن وفاةِ زوجٍ تَعْتَدُّ بشهرينِ وخمسةِ أيَّامٍ بلياليها.
فإن كانتِ الأمَةُ صغيرةً أو آيسةً فعِدَّتُها عن الطَّلاقِ بشهرٍ ونصفٍ، فإن اعتدَّتْ بشهرينِ كانَ أَوْلى؛ لقولِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «تَعْتَدُّ الأمَةُ حيضتينِ، فإن لم تَحِضْ فشهرينِ أو شهرًا ونِصْفًا» (١).
стр. 340
وقولُه ﵁: «حَيضتينِ»؛ أيْ: يَتَقَدَّمُها طُهْرانِ، وإنَّما تُكْمِلُ القُرءَ الثَّانيَ إلى نزولِ الحيضةِ الثَّانيةِ؛ لتعذُّرِ تبعيضِ الطُّهرِ؛ إذْ لا يُعْرَفُ نِصْفُه إلا بظهورِ كلِّه، فلا بدَّ من الانتظارِ إلى أن يَعودَ الدَّمُ.
«فَصْلٌ»
في أنواعِ المعتدَّةِ وأحكامِها
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ لِلْمُعْتَدَّةِ الرَّجْعِيَّةِ السُّكْنَى وَالنَّفَقَةُ»، يجبُ للمعتدَّةِ الرَّجعيَّةِ السُّكنى والنَّفقةُ؛ لحديثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ ﵂ أنَّها أتتِ النَّبيَّ ﷺ ، فقالت: إنَّ زوجي أَرْسَلَ إليَّ بطلاقي، وإنِّي سألتُ أهلَه النَّفقةَ والسُّكنى فأَبَوْا عليَّ، قالوا: يا رسولَ اللهِ، إنَّه قد أَرْسَلَ إليها بثلاثِ تطليقاتٍ، فقال ﷺ : «إِنَّمَا النَّفَقَةُ وَالسُّكْنَى لِلْمَرْأَةِ إِذَا كَانَ لِزَوْجِهَا عَلَيْهَا الرَّجْعَةُ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ لِلْبَائِنِ السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا»، يجبُ للمعتدَّةِ البائنِ الحائلِ السُّكنى دونَ النَّفقةِ؛ لقولِه تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فإذا كانتِ البائنُ حاملًا وَجَبَتْ لها النَّفقةُ حتَّى تَضَعَ الحملَ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ
стр. 341
حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
ويَحْرُمُ على الزَّوجِ مُساكَنةُ المعتدَّةِ في الدَّارِ التي تَعْتَدُّ فيها ومداخَلتُها؛ لأنَّه يؤدِّي إلى الخَلوةِ، وخَلوتُه بها كخَلوتِه بالأجنبيَّةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْإِحْدَادُ وَهُوَ الامْتِنَاعُ مِنَ الزِّينَةِ وَالطِّيبِ»، الإحدادُ في اللُّغةِ: المنعُ، وهو مأخوذٌ من الحَدِّ، ومنه الحدودُ الشَّرعيَّةُ؛ لأنَّها تَمْنَعُ وتَرْدَعُ عن المعصيةِ، ولذلك يُقالُ للبوَّابِ: حدَّادٌ؛ لأنَّه يَمْنَعُ النَّاسَ من الدُّخولِ، وأمَّا الإحدادُ في الاصطلاحِ: فهو المنعُ من الزِّينةِ.
ودليلُ وجوبِ الإحدادِ على من تُوُفِّيَ عنها زوجُها؛ حديثُ أُمِّ حبيبةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (١).
وحديثُ أمِّ سَلَمَةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ، وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ» (٢).
وقالت أمُّ عطيَّةَ ﵂: «كنا نُنْهَى أن نُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ
стр. 342
ثلاثٍ؛ إلَّا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، ولا نَكْتَحِلُ، ولا نتطيَّبُ، ولا نَلْبَسُ مصبوغًا إلا ثوبَ عصبٍ، وقد رُخِّصَ لنا عندَ الطُّهرِ إذا اغتسلت إحدانا من محيضِها في نُبذةٍ من كستِ أظفارٍ» (١).
فعلى المعتدَّةِ المتوفَّى عنها زوجُها الامتناعُ من الاكتحالِ، واستعمالِ الطِّيبِ، ولُبسِ المصبوغِ الذي يُقْصَدُ به الزِّينةُ، كثوبٍ أصفرَ أو أحمرَ، ويباحُ لُبسُ مصبوغٍ لا يُقْصَدُ به الزِّينةُ، وكذلك يجبُ عليها الامتناعُ من الحليِّ، والخِضابِ، ونحوِ ذلك، ويَحِلُّ لها التَّنظُّفُ بغسلِ رأسٍ، وقَلْمِ أظفارٍ، واستحدادٍ، ونتفِ إِبْطٍ، وإزالةِ وسخٍ، والامتشاطُ بلا ترجيلٍ بدُهْنٍ ونحوِه، ويَجوزُ بسِدْرٍ ونحوِه؛ لأنَّ ذلك ليس من الزِّينةِ الدَّاعيةِ إلى الوطءِ، وكذلك يَحِلُّ لها دخولُ حمَّامٍ، إن لم يكنْ فيه خروجٌ محرَّمٌ، ولو ترَكَتِ الإحدادَ الواجبَ عليها كُلَّ المُدَّةِ أو بَعْضَها أَثِمَتْ، وانقضت عِدَّتُها مع الإثمِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى الْمُتَوَفَّي عَنْهَا زَوْجُهَا وَالْمَبْتُوتَةِ مُلَازَمَةُ الْبَيْتِ إِلَّا لِحَاجَةٍ»، ويجبُ على المتوفَّى عنها زوجُها والمبتوتةِ ملازَمةُ البيتِ الذي كانت فيه عندَ الفُرقةِ مدَّةَ
стр. 343
العِدَّةِ؛ لقولِه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أيْ: بيوتِ أزواجِهِنَّ، وإضافتُها إليهنَّ للسُّكنى، قال تعالى: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، قال ابنُ عبَّاسٍ وغيْرُه: الفاحشةُ المبيِّنَةُ هي أن تَبْذُوَ على أهلِ زَوْجِها، فإن فَعَلَتْ ذلك أُخْرِجَتْ.
وقولُ المصنِّفِ ﵀: «إِلَّا لِحَاجَةٍ»؛ أيْ: فيَجوزُ لها الخروجُ لحاجةٍ، كأن تَخْرُجَ في النَّهارِ لشراءِ طعامٍ، أو كَتَّانٍ أو قُطنٍ، أو بيعِ غزْلٍ، ونحوِ ذلك، ويَجوزُ لها الخروجُ ليلًا إلى دارِ جارتِها لغزْلٍ وحديثٍ ونحوِهِما للتَّأنُّسِ؛ ولكنْ بشرطِ أن تَرْجِعَ وتَبيتَ في بيتِها، يقولُ جابرٌ ﵁: طُلِّقَتْ خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ نَخْلَها، فزَجَرَها رَجلٌ أن تَخْرُجَ، فأتتِ النَّبيَّ ﷺ فقال: «بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ؛ فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا» (١).
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الاسْتِبْرَاء
الاستبراءُ في اللُّغةِ: طَلبُ البَراءةِ.
وفي الاصطلاحِ: تربُّصُ المرأةِ مدَّةً بسببِ حدوثِ مِلْكٍ أو زَوَالِهِ؛ لمعرفةِ براءةِ الرَّحِمِ وخُلوِّه مِن الولدِ، أو للتَّعبُّدِ.
стр. 344
والأصلُ في مشروعيَّتِه حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في سبايا أَوْطَاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنِ اسْتَحْدَثَ مِلْكَ أَمَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا؛ إِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ بِحَيْضَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الشُّهُورِ بِشَهْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْحَمْلِ بِالْوَضْعِ»، مَن حَدَثَ له مِلْكُ أَمَةٍ بشراءٍ أو إرثٍ أو هبةٍ أو سبيٍ أو نحوِ ذلك؛ حَرُمَ عليه الاستمتاعُ بها حتَّى يستبرئَها، فإن كانت الأمَةُ من ذواتِ الحيضِ فيَكونُ استبراؤُها بحيضةٍ، وإن كانت من ذواتِ الأشهرِ لصِغَرٍ أو يأسٍ فيَكونُ استبراؤُها بشهرٍ، فإنه كقُرءٍ في الحُرَّةِ، وإن كانت من ذواتِ الحَمْلِ فيَكونُ استبراؤُها بوضعِ الحَملِ؛ لعمومِ الحديثِ السَّابقِ، ولأنَّ المقصودَ معرفةُ براءةِ الرَّحمِ وهي حاصلةٌ بذلك.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا مَاتَ سَيِّدُ أُمِّ الْوَلَدِ اسْتَبْرَأَتْ نَفْسَهَا كَالْأَمَةِ»، المملوكةُ التي وطِئَها سيِّدُها فحَمَلَتْ منه وأتت بمولودٍ استهلَّ صارخًا؛ يقالُ لها: أمُّ ولدٍ، فلا يَجوزُ لسيِّدِها أن يبيعَها، وتَعتَقُ بمجرَّدِ موتِهِ، وتستبرئُ نَفْسَها كالأمَةِ على التَّفصيلِ السَّابقِ؛ إن كانت من ذواتِ الحيضِ بحيضةٍ، وإن كانت من ذواتِ
стр. 345
الشُّهورِ بشهرٍ، وإن كانت من ذواتِ الحملِ بالوضعِ، وقد سُئِلَ ابنُ عمرَ ﵄ عن أمِّ الولدِ يُتَوَفَّى عنها سيِّدُها؟ قالَ: «تَعتدُّ بحيضةٍ» (١).
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الرَّضَاع
الرَّضاعُ في اللُّغةِ: اسمٌ لمَصِّ الثَّديِ.
وفي الاصطلاحِ: وصولُ لبنِ آدميَّةٍ إلى جوفِ طفلٍ لم يَزِدْ سِنُّه على حَوْلَيْنِ.
والأصلُ فيه قبلَ الإجماعِ الكتابُ والسُّنَّةُ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].
وقال النَّبيُّ ﷺ : «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَرْضَعَتِ الْمَرْأَةُ بِلَبَنِهَا وَلَدًا صَارَ الرَّضِيعُ وَلَدَهَا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أن يَكونَ لَهُ دُونَ الْحَوْلَيْنِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
ولحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ» (٣).
«وَالثَّانِي: أَنْ تُرْضِعَهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ»؛ لحديثِ
стр. 346
عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «كانَ فيما أُنْزِلَ من القرآنِ: عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ، ثمَّ نُسِخْنَ بخمسٍ معلوماتٍ» (١).
وقولُها ﵂: «معلوماتٍ»؛ أيْ: كُلُّ رضعةٍ متميِّزةٍ عن غيْرِها، فهنَّ متفرِّقاتٌ مُشْبِعاتٌ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِيرُ زَوْجُهَا أَبًا لَهُ»؛ أيْ: يصيرُ زوجُ المرضِعةِ أبًا للرَّضيعِ، تقولُ عائشةُ ﵂: استأذنَ عَلَيَّ أَفْلحُ أخو أبي القُعَيْسِ بعد ما أُنْزِلَ الحِجابُ، فقلتُ: لا آذَنُ له حتَّى أستأذِنَ فيه النَّبيَّ ﷺ فإنَّ أخاه أبا القُعَيْسِ ليس هو أَرْضَعني، ولكن أرضعتني امرأةُ أبي القُعَيْسِ، فدَخَلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ ، فقلتُ له: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أفلحَ أخا أبي القُعَيْسِ استأذنَ، فأبيتُ أن آذَنَ له حتَّى أستأذِنَكَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي؟! عَمُّكِ»، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ الرَّجلَ ليس هو أَرْضعني، ولكن أَرضعني امرأةُ أبي القُعَيْسِ، فقالَ: «ائْذَنِي لَهُ؛ فَإِنَّهُ عَمُّكِ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُرْضَعِ التَّزْوِيجُ إِلَيْهَا، وَإِلَى كُلِّ مَنْ نَاسَبَهَا»، يَحْرُمُ على
стр. 347
المُرضَعِ التَّزويجُ من مرضعتِهِ؛ لأنَّها صارت أمَّه بالرَّضاعةِ، وكذلك يَحْرُمُ عليه التَّزويجُ بكلِّ من انتسب إليها بنسبٍ أو رَضاعٍ، كأمِّها وبنتِها وأختِها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا التَّزْوِيجُ إِلَى الْمُرْضَعِ وَوَلَدِهِ دُونَ مَنْ كَانَ فِي دَرَجَتِهِ أَوْ أَعْلَى طَبَقَةً مِنْهُ»، يَحْرُمُ على المرضِعةِ التَّزويجُ بالمُرضَعِ وولدِه وإن سَفَلَ، دونَ من كانَ في درجةِ الرَّضيعِ، كإخوتِه الَّذينَ لم يَرْضَعوا معه، وكذلك من كانَ أعلى طبقةً من الرَّضيعِ، كأبيه وعمِّه وجَدِّه.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ نفقةِ الأقاربِ
النَّفقةُ في اللُّغةِ: مشتقَّةٌ مِن النُّفُوق: وهو الهلاك، يقال نفقت الدابة نفوقًا إذا هَلَكَت، وسُمِّيَتْ النفقة بذلك لما فيها من صرفِ المالِ وإهلاكِه.
وفي الاصطلاحِ: كفايةُ مَن يمونُه بالمعروفِ قُوتًا، وكسوةً، ومسكنًا، وتوابعُها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَنَفَقَةُ الْعَمُودَيْنِ مِنَ الْأَهْلِ وَاجِبَةٌ لِلْوَالِدِينَ وَالْمَوْلُودِينَ»، المرادُ بالعمودينِ: الأصولُ والفروعُ. والأصولُ هم الوالِدونَ من الآباءِ والأمَّهاتِ والأجدادِ والجَدَّاتِ، والفروعُ هم المولودون: من البنينَ والبناتِ وبَنِي البنينَ وبَنِي البناتِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَأَمَّا الْوَالِدُونَ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ بِشَرْطَيْنِ: الْفَقْرُ وَالزَّمَانَةُ، أَوِ الْفَقْرُ وَالْجُنُونُ»، تَجِبُ نفقةُ الوالِدِينَ وإن عَلَوْا على المولودِينَ وإن سَفَلُوا بأحدِ شَرطينِ:
الأوَّلُ: الفقرُ والزَّمانةُ، وهي الآفةُ والعاهةُ المستمرَّةُ.
والثَّاني: الفقرُ والجنونُ، وهو فقدُ التَّمييزِ؛ سواءٌ كانَ بشكلٍ جزئيٍّ أو كلِّيٍّ.
стр. 348
فلا تَجِبُ النَّفقةُ للأغنياءِ، ولا للفقراءِ الأصحَّاءِ العقلاءِ إن كانوا ذوي كسْبٍ؛ لأنَّ القدرةَ بالكسبِ كالقدرةِ بالمالِ، فإن لم يكونوا ذوي كسبٍ وجبت نَفَقَتُهم على الفرعِ؛ لأنَّ الفرعَ مأمورٌ بمعاشرتِهم بالمعروفِ، قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، وليس من المعروفِ تكليفُهما الكسبَ مع كِبَرِ السِّنِّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَمَّا الْمَوْلُودُونَ فَتَجِبُ نَفَقَتُهُمْ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: الْفَقْرُ وَالصِّغَرُ، أَوِ الْفَقْرُ وَالزَّمَانَةُ، أَوِ الْفَقْرُ والْجُنُونُ»، تجبُ نفقةُ المَوْلُودِينَ وإن سَفَلوا على الوالِدِينَ وإن عَلَوْا بواحدٍ من ثلاثةِ شَرائطَ:
الأوَّلُ: الفقرُ والصِّغَرُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، ولقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ هندَ بنتَ عُتبةَ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا سُفيانَ رجلٌ شحيحٌ وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلَّا ما أخذتُ منه وهو لا يَعْلَمُ، فقالَ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (١).
قال الشَّافعيُّ ﵀: وفي ذلك «بيانُ أنَّ على الأبِ أن يَقومَ بالمؤنةِ التي في صلاحِ صِغارِ ولدِه من رَضاعٍ ونفقةٍ وكِسوةٍ
стр. 349
وخدمةٍ» (١).
والثَّاني والثَّالثُ: الفقرُ والزَّمانةُ، والفقرُ والجنونُ؛ لتحقُّقِ احتياجِهِم، فلا تجبُ للبالغينَ الأصحَّاءِ العقلاءِ إن كانوا ذوي كسبٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَنَفَقَةُ الرَّقِيقِ وَالْبَهَائِهِم وَاجِبَةٌ، وَلَا يُكَلَّفُونَ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ»، من مَلَكَ عبدًا أو أمَةً، أو بهيمةً وَجَبَ عليه نفقتُه؛ فيطعِمُ رقيقَه من غالبِ قوتِ أهلِ البلدِ، ومِن غالبِ أُدْمِهِم بقدرِ الكفايةِ، ويكسوه من غالبِ كسوتِهم، ولا يُكَلَّفونَ من العملِ ما لا يُطيقونَ، فإذا استعملَ المالكُ رقيقَه نهارًا أراحَه ليلًا وعَكْسُه، ويريحُه صيفًا وقتَ القيلولةِ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ» (٢).
وكذلك البهائمُ والدَّوابُّ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ جعفرٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ حائطًا لرَجلٍ من الأنصارِ فإذا جملٌ، فلما رأى النَّبيَّ ﷺ حَنَّ وذَرَفَت عيناهُ، فأتاه النَّبيُّ ﷺ فمَسَحَ ذِفْرَاهُ فسكتَ، فقالَ: «لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟»، فجاء فَتًى مِن الأنصارِ، فقالَ: لي يا رسولَ اللهِ، فقالَ: «أَفَلَا تَتَّقِي اللهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللهُ إِيَّاهَا؟ فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ» (٣).
стр. 350
قال أبو شجاع ﵀: «وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ الْمُمَكِّنَةِ مِنْ نَفْسِهَا وَاجِبَةٌ، وَهِيَ مُقَدَّرَةٌ، فَإِنْ كَانَ الزَّوْجُ مُوسِرًا فَمُدَّانِ مِنْ غَالِبِ قُوتِهَا، وَيَجِبُ مِنَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَمُدٌّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، وَمَا يَأْتَدِمُ بِهِ الْمُعْسِرُونَ وَيَكْسُونَهُ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا فَمُدٌّ وَنِصْفٌ، وَمِنَ الْأُدْمِ وَالْكُسْوَةِ الْوَسَطُ»، نفقةُ الزَّوجةِ الممكِّنةِ لزوجِها من نفْسِها واجبةٌ عليه بِحَسَبِ حالِه، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧].
فإن كانَ الزَّوجُ موسِرًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدَّانِ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، ويجبُ لها من الأُدْمِ والكُسوةِ ما جرت به العادةُ في كلٍّ منهما.
وإن كانَ الزَّوجُ معسِرًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدٌّ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، وما يأتدمُ به المعسِرونَ ممَّا جرت به عادتُهم من الأُدْمِ، وكذلك الكُسوةِ.
وإن كانَ الزَّوجُ متوسطًا فيجبُ عليه للزَّوجةِ مُدٌّ ونصفٌ في كلِّ يومٍ وليلةٍ من غالبِ قوتِ البلدِ، ويجبُ لها من الأُدْمِ الوسطُ، ومن الكُسوةِ الوسطُ كذلك، وهو ما بينَ ما يجبُ على الموسِرِ والمعسِرِ.
стр. 351
ودليلُ هذه المقاديرِ ما ذكَرَه الشَّافعيُّ ﵀؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَفَعَ إلى الذي أصابَ أهلَه في شهرِ رمضانَ بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشرَ صاعًا لستِّينَ مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ، وجَعَلَ في فديةِ الكفَّارةِ للأذى مُدَّيْنِ لكلِّ مسكينٍ، فأقلُّ القوتِ مُدٌّ، وأوسعُه مُدَّانِ، والوسطُ بينهما مُدٌّ ونصفٌ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا فَعَلَيْهِ إِخْدَامُهَا»، إن كانت الزَّوجةُ ممن يُخْدَمُ مِثْلُها بأن كانت تُخْدَمُ في بيتِ أبيها فعليه إخدامُها؛ لأنَّه من المعاشَرةِ بالمعروفِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْسَرَ بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ»، إن أَعْسَرَ الزَّوجُ بنفقةِ زوجتِه فهي بالخِيارِ؛ إن شاءت صَبَرَتْ وأَنْفَقَتْ من مالِها، أو اقترضت وأَنْفَقَتْ على نفْسِها، ونفقتُها في ذمَّتِه إلى أن يوسِرَ، وإن شاءت فَسَخَتِ النِّكاحَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الرَّجلِ لا يجدُ ما يُنفقُ على امرأتِه: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» (٢).
وكذلك يَثْبُتُ لها خِيارُ الفسخِ إن أَعْسَرَ بالصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ للعجزِ عن تسليمِ العِوَضِ مع بقاءِ المُعَوَّضِ، فأَشْبهَ ما إذا لم يَقْبِضِ البائعُ الثَّمَنَ حتَّى حُجِرَ على المشتري بالفَلَسِ والمبيعُ باقٍ بعينِه، ولا تَفْسَخُ بعدَهُ لتلفِ المُعَوَّضِ وصَيْرورةِ العِوَضِ دَينًا في الذِّمَّةِ.
стр. 352
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الحَضَانَةِ
الحَضانةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من الحِضْنِ، وهو ما بين اليدينِ من الصَّدرِ، وحَضَنَتِ المرأةُ صبيَّها إذا جَعَلَتْه في حِضْنِها أو رَبَّتْه، والحاضنُ والحاضنةُ الموكَّلانِ بالصَّبيِّ يَحفظانِه ويُرَبِّيانِه.
وفي الاصطلاحِ: حِفْظُ مَنْ لا يَسْتَقِلُّ بأمورِه، وتربيتُه بما يُصْلِحُه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَهِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بِينَ أَبَوَيْهِ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ سُلِّمَ إِلَيْهِ»، إذا فارقَ الرَّجُلُ زوجتَهَ بطلاقٍ أو فسخٍ أو لِعانٍ وله منها ولدٌ لا يميِّزُ؛ ذَكرًا كانَ أو أُنثى فهي أحقُّ بحضانتِه لوفورِ شفقتِها، ومؤنةُ الحضانةِ على مَن عليه نفقةُ الطِّفلِ، وإذا امتنعتِ الزَّوجةُ من حضانةِ ولدِها، انتقلت الحضانةُ لأمَّهاتِها، وتستمرُّ حضانةُ الزَّوجةِ إلى مُضيِّ سبعِ سنينَ؛ لأنَّ التَّمييزَ يقعُ فيها غالبًا، ثمَّ بعدَها يُخَيَّرُ بيْنَ أبويه، فأيَّهُما اختارَ سُلِّمَ إليه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَيَّرَ غلامًا بينَ أبيه وأمِّه» (١).
وفي روايةٍ أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ زوجي يريدُ أن يَذْهَبَ بابني، وقد سقاني من بئرِ أبي عنبةَ، وقد نفعَني، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، فقال
стр. 353
زوجُها: مَن يُحَاقُّنِي في ولدِي؟! فقال النَّبيُّ ﷺ : «هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ»، فأخذَ بيدِ أمِّه، فانطلقتْ به (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْحَضَانَةِ سَبْعَةٌ:
١ - الْعَقْلُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لمجنونةٍ؛ لأنَّها لا يتأتَّى منها الحفظُ والتَّعهُّدُ.
٢ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تَجوزُ لمن بها رِقٌّ؛ لأنَّها مشغولةٌ بخدمةِ سيِّدِها.
٣ - «وَالدِّينُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لكافرةٍ على مسلمٍ؛ إذْ لا وَلايةَ لها عليه، ولأنَّها ربَّما فَتَنَتْه في دِينِه.
٤ - «وَالْعِفَّةُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لفاسقةٍ غيرِ عفيفةٍ؛ لأنَّ المحضونَ غالبًا يَنشأُ على طريقتِها.
٥ - «وَالْأَمَانَةُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لفاسقةٍ خائنةٍ؛ لما في الحضانةِ من معنى الوَلايةِ، ومقصودُها الأعظمُ الأمانةُ.
٦ - «وَالْإِقَامَةُ»، في بلدِ المحضونِ فلو أرادَ أحدُ أبويه سفَرًا فالمقِيمُ أَوْلى به مميِّزًا كانَ أو لا حتَّى يَعودَ المسافرُ؛ لخطرِ السَّفرِ.
٧ - «وَالْخُلُوُّ مِنْ زَوْجٍ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ
стр. 354
ابني هذا كانَ بطني له وِعاءٌ، وثديي له سِقاءٌ، وحِجري له حِواءٌ، وإنَّ أباه طلَّقَني وأرادَ أن يَنْزِعه منِّي، فقال ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ سَقَطَتْ»، إن اختلَّ شرطٌ واحدٌ من الشُّروطِ السَّبعةِ سقطت الحضانةُ؛ لأنَّ علَّةَ استحقاقِها مركَّبةٌ من هذه الصِّفاتِ، فتنتفي بانتفاءِ جزءٍ منها، كالصَّلاةِ المستجمِعةِ للشُّروطِ، تصحُّ بوجودِها كلِّها، ولو انتفى منها شرطٌ واحدٌ بَطَلَتْ.
واللهُ تعالى أَعْلَمُ.
стр. 355
كتابُ الجِنَايَات
الجِناياتُ في اللُّغةِ: جمعُ جِنايةٍ، وهي مَصْدَرُ جنى يَجْنِي إذا أَذْنَبَ، وتُطْلَقُ الجِنايةُ على التَّعدِّي على بَدَنٍ، أو عِرْضٍ، أو مالٍ.
وفي الاصطلاحِ: هي التَّعدِّي على البَدَنِ.
فالجِنايةُ في الاصطلاحِ أخصُّ منها في اللُّغةِ.
والأصلُ في تحريمِها قبْلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
وأحاديثُ، منها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ وما هُنَّ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (١).
والمُوبِقاتُ؛ أيِ: المُهلِكاتُ.