ودليلُ هذه المقاديرِ ما ذكَرَه الشَّافعيُّ ﵀؛ أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَفَعَ إلى الذي أصابَ أهلَه في شهرِ رمضانَ بعَرَقٍ فيه خمسةَ عشرَ صاعًا لستِّينَ مسكينًا، لكلِّ مسكينٍ مُدٌّ، وجَعَلَ في فديةِ الكفَّارةِ للأذى مُدَّيْنِ لكلِّ مسكينٍ، فأقلُّ القوتِ مُدٌّ، وأوسعُه مُدَّانِ، والوسطُ بينهما مُدٌّ ونصفٌ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا فَعَلَيْهِ إِخْدَامُهَا»، إن كانت الزَّوجةُ ممن يُخْدَمُ مِثْلُها بأن كانت تُخْدَمُ في بيتِ أبيها فعليه إخدامُها؛ لأنَّه من المعاشَرةِ بالمعروفِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَعْسَرَ بِنَفَقَتِهَا فَلَهَا فَسْخُ النِّكَاحِ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَعْسَرَ بِالصَّدَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ»، إن أَعْسَرَ الزَّوجُ بنفقةِ زوجتِه فهي بالخِيارِ؛ إن شاءت صَبَرَتْ وأَنْفَقَتْ من مالِها، أو اقترضت وأَنْفَقَتْ على نفْسِها، ونفقتُها في ذمَّتِه إلى أن يوسِرَ، وإن شاءت فَسَخَتِ النِّكاحَ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في الرَّجلِ لا يجدُ ما يُنفقُ على امرأتِه: «يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا» (٢).
وكذلك يَثْبُتُ لها خِيارُ الفسخِ إن أَعْسَرَ بالصَّداقِ قبلَ الدُّخولِ للعجزِ عن تسليمِ العِوَضِ مع بقاءِ المُعَوَّضِ، فأَشْبهَ ما إذا لم يَقْبِضِ البائعُ الثَّمَنَ حتَّى حُجِرَ على المشتري بالفَلَسِ والمبيعُ باقٍ بعينِه، ولا تَفْسَخُ بعدَهُ لتلفِ المُعَوَّضِ وصَيْرورةِ العِوَضِ دَينًا في الذِّمَّةِ.
стр. 352
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الحَضَانَةِ
الحَضانةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من الحِضْنِ، وهو ما بين اليدينِ من الصَّدرِ، وحَضَنَتِ المرأةُ صبيَّها إذا جَعَلَتْه في حِضْنِها أو رَبَّتْه، والحاضنُ والحاضنةُ الموكَّلانِ بالصَّبيِّ يَحفظانِه ويُرَبِّيانِه.
وفي الاصطلاحِ: حِفْظُ مَنْ لا يَسْتَقِلُّ بأمورِه، وتربيتُه بما يُصْلِحُه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا فَارَقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَهِيَ أَحَقُّ بِحَضَانَتِهِ إِلَى سَبْعِ سِنِينَ، ثُمَّ يُخَيَّرُ بِينَ أَبَوَيْهِ، فَأَيَّهُمَا اخْتَارَ سُلِّمَ إِلَيْهِ»، إذا فارقَ الرَّجُلُ زوجتَهَ بطلاقٍ أو فسخٍ أو لِعانٍ وله منها ولدٌ لا يميِّزُ؛ ذَكرًا كانَ أو أُنثى فهي أحقُّ بحضانتِه لوفورِ شفقتِها، ومؤنةُ الحضانةِ على مَن عليه نفقةُ الطِّفلِ، وإذا امتنعتِ الزَّوجةُ من حضانةِ ولدِها، انتقلت الحضانةُ لأمَّهاتِها، وتستمرُّ حضانةُ الزَّوجةِ إلى مُضيِّ سبعِ سنينَ؛ لأنَّ التَّمييزَ يقعُ فيها غالبًا، ثمَّ بعدَها يُخَيَّرُ بيْنَ أبويه، فأيَّهُما اختارَ سُلِّمَ إليه؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَيَّرَ غلامًا بينَ أبيه وأمِّه» (١).
وفي روايةٍ أنَّ امرأةً جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ زوجي يريدُ أن يَذْهَبَ بابني، وقد سقاني من بئرِ أبي عنبةَ، وقد نفعَني، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اسْتَهِمَا عَلَيْهِ»، فقال
стр. 353
زوجُها: مَن يُحَاقُّنِي في ولدِي؟! فقال النَّبيُّ ﷺ : «هَذَا أَبُوكَ، وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ»، فأخذَ بيدِ أمِّه، فانطلقتْ به (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْحَضَانَةِ سَبْعَةٌ:
١ - الْعَقْلُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لمجنونةٍ؛ لأنَّها لا يتأتَّى منها الحفظُ والتَّعهُّدُ.
٢ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تَجوزُ لمن بها رِقٌّ؛ لأنَّها مشغولةٌ بخدمةِ سيِّدِها.
٣ - «وَالدِّينُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لكافرةٍ على مسلمٍ؛ إذْ لا وَلايةَ لها عليه، ولأنَّها ربَّما فَتَنَتْه في دِينِه.
٤ - «وَالْعِفَّةُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لفاسقةٍ غيرِ عفيفةٍ؛ لأنَّ المحضونَ غالبًا يَنشأُ على طريقتِها.
٥ - «وَالْأَمَانَةُ»، فلا تَجوزُ الحضانةُ لفاسقةٍ خائنةٍ؛ لما في الحضانةِ من معنى الوَلايةِ، ومقصودُها الأعظمُ الأمانةُ.
٦ - «وَالْإِقَامَةُ»، في بلدِ المحضونِ فلو أرادَ أحدُ أبويه سفَرًا فالمقِيمُ أَوْلى به مميِّزًا كانَ أو لا حتَّى يَعودَ المسافرُ؛ لخطرِ السَّفرِ.
٧ - «وَالْخُلُوُّ مِنْ زَوْجٍ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ
стр. 354
ابني هذا كانَ بطني له وِعاءٌ، وثديي له سِقاءٌ، وحِجري له حِواءٌ، وإنَّ أباه طلَّقَني وأرادَ أن يَنْزِعه منِّي، فقال ﷺ : «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ اخْتَلَّ مِنْهَا شَرْطٌ سَقَطَتْ»، إن اختلَّ شرطٌ واحدٌ من الشُّروطِ السَّبعةِ سقطت الحضانةُ؛ لأنَّ علَّةَ استحقاقِها مركَّبةٌ من هذه الصِّفاتِ، فتنتفي بانتفاءِ جزءٍ منها، كالصَّلاةِ المستجمِعةِ للشُّروطِ، تصحُّ بوجودِها كلِّها، ولو انتفى منها شرطٌ واحدٌ بَطَلَتْ.
واللهُ تعالى أَعْلَمُ.
стр. 355
كتابُ الجِنَايَات
الجِناياتُ في اللُّغةِ: جمعُ جِنايةٍ، وهي مَصْدَرُ جنى يَجْنِي إذا أَذْنَبَ، وتُطْلَقُ الجِنايةُ على التَّعدِّي على بَدَنٍ، أو عِرْضٍ، أو مالٍ.
وفي الاصطلاحِ: هي التَّعدِّي على البَدَنِ.
فالجِنايةُ في الاصطلاحِ أخصُّ منها في اللُّغةِ.
والأصلُ في تحريمِها قبْلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
وأحاديثُ، منها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ وما هُنَّ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (١).
والمُوبِقاتُ؛ أيِ: المُهلِكاتُ.
стр. 356
قال أبو شجاع ﵀: «الْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ:
١ - عَمْدٌ مَحْضٌ»، وهو أن يَقْصِدَ الجاني عينَ المجنيِّ عليه بما يَقْتُلُ غالبًا.
٢ - «وَخَطَأٌ مَحْضٌ»، وهو إذا لم يَقصدِ الجاني عينَ المجنيِّ عليه.
٣ - «وَعَمْدٌ خَطَأٌ»، وهو أن يَقْصِدَ الجاني عينَ المجنيِّ عليه بما لا يَقْتُلُ غالبًا.
قال أبو شجاع ﵀: «فَالْعَمْدُ الْمَحْضُ هُوَ: أَنْ يَعْمِدَ إِلَى ضَرْبِهِ بِمَا يَقْتُلُ غَالِبًا، وَيَقْصِدُ قَتْلَهُ بِذَلِكَ، فَيَجِبُ الْقَوَدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَفَا عَنْهُ وَجَبَتْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ حَالَّةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ»، سَبَقَ أنَّ القتلَ العمدَ هو ما تَحَقَّقَ فيه أمْرانِ: قصدُ الشَّخصِ بالقتلِ، وأن تَكونَ وسيلةُ القتلِ مما يَقْتُلُ غالبًا، سواءٌ كانَ بجارحٍ كالسَّيفِ، أو بمثقلٍ كالحجرِ الكبيرِ، أو بغيرِهِما، وهذا النَّوعُ من القتلِ فيه القَوَدُ؛ أيِ: القِصاصُ -وهو المماثَلةُ بقتلِ القاتلِ- وسُمِّيَ قَوَدًا؛ لأنَّهم يَقودونَ الجانيَ إلى مَحَلِّ الاستيفاءِ، وإنَّما وَجَبَ القِصاصُ في القتلِ عمدًا؛ لأنَّه بَدَلُ مُتْلَفٍ فتَعَيَّنَ جنسُه كسائرِ المتلَفاتِ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨].
ولا فَرْقَ في وجوبِ القِصاصِ بيْنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
والَّذي له حقُّ المطالَبةِ بالقِصاصِ أولياءُ الدَّمِ، وهم من يَرِثُ
стр. 357
المقتولَ، فإن عَفَوْا عن القاتلِ بدونِ مقابلٍ سَقَطَ القِصاصُ ولا دِيَةَ، وإن عَفَوْا على الدِّيَةِ وجبت دِيَةٌ مغلَّظةٌ حالَّةٌ في مالِ القاتلِ، وهي: مائةٌ من الإبِلِ: ثلاثون حِقَّةً، وثلاثون جَذَعَةً، وأربعون خَلِفَةً في بطونِها أولادُها؛ لحديثِ عمرِو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فَإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ، وَهِيَ: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَذَلِكَ لِتَشْدِيدِ العَقْلِ» (١).
وتجبُ حالَّةً في مالِ القاتلِ تشديدًا عليه، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «لَا تَحْمِلُ العاقلةُ عمدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا، ولا ما جنى المملوكُ» (٢).
وقال الزُّهْريُّ ﵀: «مضتِ السُّنَّةُ أنَّ العاقلةَ لا تَحْمِلُ شيئًا مِن دِيَةِ العمدِ؛ إلَّا أن يشاؤوا ذلك» (٣).
стр. 358
ولو عفا بعضُ أولياءِ الدَّمِ -سواءٌ كانَ العفوُ بدونِ مقابِلٍ، أو مقابِلَ الدِّيةِ- سَقَطَ القِصاصُ، وإن لم يَرْضَ البعضُ الآخَرُ؛ لأنَّ القِصاصَ لا يتجزَّأُ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْخَطَأُ الْمَحْضُ: أَنْ يَرْمِيَ إِلَى شَيْءٍ فَيُصِيبَ رَجُلًا فَيَقْتُلَهُ، فَلَا قَوَدَ، بَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ»، سَبَقَ أنَّ قتلَ الخطإِ هو أن يَقْصِدَ الفعلَ دونَ الشَّخصِ، كأن يرميَ إلى شجرةٍ أو إلى صيدٍ فيُصيبَ إنسانًا فيقتلَه، وهذا النَّوعُ من القتلِ لا قَوَدَ فيه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرٌ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]، فأَوْجَبَ الدِّيةَ، ولم يَتَعَرَّضْ للقِصاصِ.
وهذه الدِّيَةُ تَكونُ على العاقلةِ مخفَّفةً مؤجَّلةً إلى ثلاثِ سنواتٍ، وكونُها مخفَّفةً؛ فلأنَّها من خمسةِ أسنانٍ، كما جاءَ في حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «دِيَةُ الخطإِ خمسةُ أخماسٍ: عِشرونَ حِقَّةً, وعِشروَن جَذَعَةً, وعِشرونَ بناتِ مَخاضٍ, وعِشرونَ بناتِ لَبُونٍ, وعِشروَن بَني لَبونٍ ذُكورٌ» (١).
стр. 359
وكونُها على العاقلةِ فلحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: «اقتتلتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرمتْ إحداهما الأخرى بحَجَرٍ فقتلتْها وما في بطنِها، فاختصمُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقضى أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وليدةٌ، وقضى بدِيَةِ المرأةِ على عاقلَتِها» (١).
وهذا في قتلِ شِبْهِ العمدِ، فيكونُ في قتلِ الخطإِ من بابِ أَوْلى.
وكونُها مؤجَّلةً إلى ثلاثِ سنواتٍ فللإجماعِ على ذلك، قال التِّرمذيُّ ﵀: «أَجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ الدِّيةَ تؤخَذُ في ثلاثِ سنينَ، في كلِّ سنةٍ ثُلُثُ الدِّيةِ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَعَمْدُ الْخَطَإِ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا فَيَمُوتَ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، بَلْ تَجِبُ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ»، عمدُ الخطإِ يقالُ له: شِبْهُ العمدِ، وهو أن يَقصدَ الجاني ضربَ المجنيِّ عليه بما لا يَقْتُلُ غالبًا، كسَوْطٍ أو عصًا خفيفةٍ أو نحوِ ذلك فيموتَ بسببِه، وهذا النَّوعُ مِن القتلِ لا قَوَدَ فيه؛ لفقدِ الآلةِ القاتلةِ غالبًا، فموتُه بغيرِها مصادفةُ قَدَرٍ، وتجبُ دِيَةٌ مغلَّظةٌ على القاتلِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ، وَلَا يُقْتَلُ
стр. 360
صَاحِبُهُ» (١).
وعنه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلَا وَإِنَّ قَتِيلَ الْخَطَإِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا، مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» (٢).
وذلك لأنَّ شِبْهَ العمدِ متردِّدٌ بين العمدِ والخطإِ، فأُعْطِيَ حُكمَ العمدِ من وجهِ تغليظِها، وحكمَ الخطإِ من وجهِ كونِها على العاقلةِ.
«فَصْلٌ»
في شَرَائِطِ وُجُوبِ القِصَاص
القِصاصُ في اللُّغةِ: تَتَبُّعُ الأثرِ، يقالُ: قَصَصْتُ الأثرَ تَتَبَّعْتُه، ومن معانيه المماثَلةُ، يقالُ: أَقَصَّ السُّلطانُ فلانًا إقصاصًا؛ أي: قَتَلَه قَوَدًا، وأَقَصَّه من فلانٍ؛ أيْ: جَرَحَه مِثْلَ جُرْحِه، ثمَّ غَلَبَ استعمالُه في قتلِ القاتلِ، وجَرْحِ الجارحِ، وقطعِ القاطعِ.
وفي الاصطلاحِ: هو أن يُفْعَلَ بالجاني مِثْلُ ما فَعَلَ.
والأصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقولُه تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥].
стр. 361
وقال أنسُ بنُ مالكٍ ﵁: إنَّ الرُّبَيِّعَ بنتَ النَّضْرِ كسرت ثَنِيَّةَ جاريةٍ، فطلبُوا إليها العفوَ، فأبَوْا، فعرَضوا الأَرْشَ، فأبوْا، فأتوْا رسولَ اللهِ ﷺ وأبَوْا إلَّا القِصاصَ، فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بنُ النَّضرِ يا رسولَ اللهِ، أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ؟! لا والذي بَعَثَكَ بالحقِّ، لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَنَسُ، كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ»، فرضيَ القومُ، فعفَوْا، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَرْبَعَةٌ:
١،٢ - أن يَكونَ الْقَاتِلُ بَالِغًا عَاقِلًا»، القِصاصُ في النَّفسِ يُشْتَرَطُ فيه أربعةُ شروطٍ، الأوَّلُ والثَّاني: أن يَكونَ القاتلُ بالغًا عاقلًا، فلا قِصاصَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (٢).
٣ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ وَالِدًا لِلْمَقْتُولِ»، الشَّرطُ الثَّالثُ من شرائطِ القِصاصِ في النَّفسِ أن لا يَكونَ القاتلُ أبًا للمقتولِ؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ» (٣).
стр. 362
ومثلُ الأبِ جميعُ الأصولِ، كالجَدِّ وإن علا.
٤ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ أَنْقَصَ مِنَ الْقَاتِلِ بِكُفْرٍ أَوْ رِقٍّ»، الشَّرطُ الرَّابعُ من شرائطِ القِصاصِ في النَّفسِ أن لا يَكونَ المقتولُ أَنْقَصَ من القاتلِ بكفرٍ أو رقٍّ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: «مِنَ السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ مؤمنٌ بكافرٍ, ومن السُّنَّةِ أن لا يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ»، إذا اشترك جماعةٌ في قتلِ واحدٍ فإنَّهم يُقْتَلونَ جميعًا به؛ لحديثِ سعيدِ بنِ المسيَّبِ ﵀ أنَّ عمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ قَتَلَ نفرًا -خمسةً أو سبعةً- برَجلٍ واحدٍ، قتلوه غِيلةً، وقالَ: «لو تَمَالَأَ عليه أهلُ صنعاءَ لقتلتُهم جميعًا» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ شَخْصَيْنِ جَرَى الْقِصَاصُ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْسِ يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَطْرَافِ»، سَبَقَ الكلامُ عَنْ أنَّ القِصاصَ هو المماثَلةُ، وكما تُعتبرُ المماثَلةُ في النَّفسِ تُعتبرُ في الأطرافِ، فمن لا يُقْتَلُ بشخصٍ لا يُقْطَعُ طَرَفُه بطرَفِه؛ لانتِفاءِ المماثَلةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي
стр. 363
الْأَطْرَافِ بَعْدَ الشَّرَائِطِ الْمَذْكُورَةِ اثْنَانِ: الاشْتِرَاكُ فِي الاسْمِ الْخَاصِّ؛ الْيُمْنَى بِالْيُمْنَى وَالْيُسْرَى بِالْيُسْرَى، وَأَنْ لَا يَكُونَ بِأَحَدِ الطَّرَفَيْنِ شَلَلٌ»، شرائطُ وجوبِ القِصاصِ في الأطرافِ بعدَ الشَّرائطِ الأربعةِ المذكورةِ في قِصاصِ النَّفسِ اثنانِ، وهما الاشتراكُ في الاسمِ الخاصِّ للطَّرفِ المقطوعِ، فتُقْطَعُ اليدُ اليُمنى باليدِ اليُمنى، واليدُ اليُسرى باليدِ اليُسرى، وهكذا، ولا تُقْطَعُ يمنى بيسرى، ولا عَكْسُه؛ وكذلك يُشترطُ أن لا يَكونَ بأحدِ الطَّرَفينِ شللٌ، فلا تُقْطَعُ اليدُ الصَّحيحةُ باليدِ الشَّلَّاءِ، ولا عَكْسُه؛ لأنَّ من معنى القِصاصِ التَّماثلَ، ولا تماثُلَ بينَ اليمنى واليسرى من حيثُ المَنافعُ، وكذلك لا تماثُلَ بيْنَ الأشلِّ والصَّحيحِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ عُضْوٍ أُخِذَ مِنْ مَفْصِلٍ فَفِيهِ الْقِصَاصُ»، كلُّ عضوٍ قُطِعَ من مَفْصِلٍ، كالكوعِ، والمَرْفِقِ، والرُّكبةِ، ففيه القِصاصُ؛ لانضباطِ ذلك مع الأمنِ من استيفاءِ الزِّيادةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا قِصَاصَ فِي الْجُرُوحِ إِلَّا فِي الْمُوضِحَةِ»، لا قِصاصَ في الجروحِ في سائرِ البَدَنِ لعدمِ ضبطِها، وعدمِ أمنِ الزِّيادةِ والنُّقصانِ؛ إلَّا في الموضِحةِ -وهي الجُرْحُ الذي يَشُقُّ اللَّحمَ ويصلُ إلى العظمِ ويوضِحُه- لتيسُّرِ ضبطِها.
والشِّجاجُ عَشَرَةٌ: «حارصةٌ»؛ وهي ما تَشُقُّ الجِلدَ قليلًا، و «داميةٌ»؛ وهي التي تُدْمِيهِ، و «باضعةٌ»؛ وهي التي تَقْطَعُ اللَّحمَ، و «مُتلاحمةٌ»؛ وهي التي تَغُوصُ في اللَّحمِ، و «سِمْحَاقٌ»؛ وهي التي تَبْلُغُ الجِلدةَ التي بينَ اللَّحمِ والعظمِ، و «مُوضِحَةٌ»؛ وهي التي توضِحُ
стр. 364
العظمَ من اللَّحمِ، و «هاشِمةٌ»؛ وهي التي تَكْسِرُ العظمَ سواءٌ أوضحَتْه أمْ لا، و «مُنَقِّلةٌ»؛ وهي التي تُنَقِّلُ العظمَ من مكانٍ إلى مكانٍ آخَرَ، و «مأمومةٌ»؛ وهي التي تَبْلُغُ خريطةَ الدِّماغِ المسمَّاةَ أُمَّ الرَّأسِ، و «دامِغةٌ»؛ وهي التي تَخْرِقُ تلك الخريطةَ وتصلُ إلى أمِّ الرَّأسِ؛ ولا قِصاصَ في الجروحِ المذكورةِ إلَّا في الموضِحةِ فقط، لا في غيرِها من بقيَّةِ العَشَرَةِ.
ويُعْتَبَرُ قدرُ الموضِحةِ بالمسَاحةِ طولًا وعَرضًا في قِصاصِها؛ لا بالجزئيَّةِ؛ لأنَّ الرَّأسينِ -مَثلًا- قد يختلفانِ صِغَرًا وكِبَرًا، ولا يَضُرُّ تفاوتُ غِلَظِ لحمٍ وجلدٍ في قِصاصِها.
«فَصْلٌ»
في بيانِ أحكامِ الدِّيَة
الدِّيةُ في اللُّغةِ: مصدرُ وَدَى القاتلُ القتيلَ يَدِيهِ دِيَةً إذا أعطى وَلِيَّه المالَ الذي هو بَدَلُ النَّفْسِ.
وفي الاصطلاحِ: المالُ الواجبُ بالجنايةِ على الحُرِّ في نفْسٍ أو فيما دُونَها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالدِّيَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُغَلَّظَةٌ وَمُخَفَّفَةٌ»، سَبَقَ الكلامُ عَلَى أنَّ الدِّيةَ المغلَّظةَ تَكونُ في قتلِ العمدِ، وفي قتلِ شِبْهِ العمدِ، وتجبُ حالَّةً في مالِ القاتلِ تشديدًا عليه، والدِّيةُ المخفَّفةُ تَكونُ في قتلِ الخطإِ على العاقلةِ، وتَكونُ مؤجَّلةً في ثلاثِ سنينَ.
وعِشرونَ بناتِ مخاضٍ, وعِشرونَ بناتِ لَبُونٍ, وعِشرونَ بني لَبُونٍ ذُكورٌ» (١).
ومِثْلُ هذا له حُكْمُ المرفوعِ إلى النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه من المقدَّراتِ، وهي ليست مما يقالُ بالرَّأيِ.
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ عُدِمَتِ الْإِبِلُ انْتُقِلَ إِلَى قِيمَتِهَا، وَقِيلَ: يُنْتَقَلُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِنْ غُلِّظَتْ زِيدَ عَلَيْهَا الثُّلُثُ»، الأصلُ في الدِّيةِ الإبلُ، فيُرْجَعُ إلى قِيمتِها عندَ فقْدِها، وهو ألفُ دينارٍ، أو اثنا عَشَرَ ألفَ درهمٍ، وهذا في الدِّيةِ المخفَّفةِ، فإذا غُلِّظَت زِيدَ عليها الثُّلُثُ؛ أيْ: إذا كانت قِيمةُ الدِّيةِ بالدَّنانيرِ، وهي ألفُ دينارٍ، فيضافُ إليها الثُّلُثُ؛ وهو ثلاثُمائةٍ وثلاثةٌ وثلاثون دينارًا، أو كانت قِيمةُ الدِّيةِ بالدَّراهمِ، وهي اثنا عَشَرَ ألفَ درهمٍ، فيضافُ إليها الثُّلُثُ، وهو أربعةُ آلافِ درهمٍ.
وقد جاءَ عن مكحولٍ وعطاءٍ - رحمهما الله - أنَّهما قالا: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ على أنَّ دِيَةَ المسْلمِ الحُرِّ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ مائةٌ من الإبلِ، فَقَوَّمَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ تلك الدِّيةَ على القرى ألفَ دينارٍ، أو اثني عشرَ ألفَ درهمٍ» (٢).
стр. 367
قال أبو شجاع ﵀: «وَتُغَلَّظُ دِيَةُ الْخَطَإِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ:
١ - إِذَا قَتَلَ فِي الْحَرَمِ»، تُغَلَّظُ دِيةُ الخطإِ على القاتلِ إذا قَتَلَ في حَرَمِ مكَّةَ؛ لأنَّ له تأثيرًا في الأمنِ بدليلِ إيجابِ جزاءِ الصَّيدِ المقتولِ فيه.
٢ - «أَوْ قَتَلَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ»، تُغَلَّظُ دِيةُ الخطإِ على القاتلِ إذا قَتَلَ في شهرٍ من الأشهرِ الحُرمِ الأربعةِ؛ وهي: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، والمحرَّمُ، ورجبٌ، وذلك لعِظَمِ حُرْمَتِها.
٣ - «أَوْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ»، تُغَلَّظُ ديةُ الخطإِ على القاتلِ إذا قَتَلَ ذا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، كالأمِّ والأختِ؛ لما في ذلك من قطيعةِ الرَّحِمِ.
وقد رُوِيَ عن عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: «أنَّه قضى فيمن قَتَلَ في الحَرَمِ أو في الشَّهرِ الحرامِ أو هو مُحْرِمٌ بالدِّيةِ وثُلُثِ الدِّيةِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ»، دِيةُ المرأةِ الحرَّةِ سواءٌ أَقَتَلَها رجلٌ أمِ امرأةٌ على النِّصفِ من ديةِ الرَّجلِ الحُرِّ ممن هي على دِينِه؛ نفْسًا أو جُرحًا، لما رُوِيَ عن مكحولٍ وعطاءٍ - رحمهما الله - قالا: «أَدْرَكْنَا النَّاسَ على أنَّ ديةَ المسْلِمِ الحُرِّ على عهدِ النَّبيِّ ﷺ مائةٌ من الإبلِ، فَقَوَّمَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ تلك الدِّيةَ على أهلِ القرى ألفَ دينارٍ، أو اثني عَشَرَ ألفَ درهمٍ، ودِيَةُ الحُرَّةِ المسْلمةِ إذا كانت من أهلِ القرى خمسُمائةِ
стр. 368
دينارٍ أو ستَّةُ آلافِ درهمٍ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ»، ديةُ كلٍّ من اليهوديِّ والنَّصرانيِّ ثُلُثُ ديةِ المسْلمِ وهي أربعةُ آلافِ درهمٍ؛ لما رُوِيَ عن عمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «ديةُ اليهوديِّ والنَّصرانِّي أربعةُ آلافٍ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَمَّا الْمَجُوسِيُّ فَفِيهِ ثُلُثَا عُشْرِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ»، ديةُ المجوسيِّ الذي له أمانٌ ثُلُثا عُشْرِ ديةِ المسْلمِ، وهي ثمانِمائةِ درهمٍ، وكذا الوثنيُّ ونحوُه كعابدِ شمسٍ وقمرٍ ممَّن له أمانٌ كدخولِه رسولًا أو نحوِ ذلك؛ لما رُوِيَ عن عمرَ ﵁ أنَّه قالَ: «دِيةُ المجوسيِّ ثمانِمائةٍ» (٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَكْمُلُ دِيَةُ النَّفْسِ فِي قَطْعِ الْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَيْنِ، وَالْعَيْنَيْنِ، وَالْجُفُونِ الْأَرْبَعَةِ، وَاللِّسَانِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَذَهَابِ الْكَلَامِ، وَذَهَابِ الْبَصَرِ، وَذَهَابِ السَّمْعِ، وَذَهَابِ الشَّمِّ، وَذَهَابِ الْعَقْلِ، وَالذَّكَرِ، وَالْأُنْثَيَيْنِ»، تَكْمُلُ دِيةُ النَّفْسِ في الأعضاءِ المذكورةِ تغليظًا أو تخفيفًا؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليَمَنِ كتابًا، وكانَ مما فيه: «فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَفِي اللِّسَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ
стр. 369
الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ وَفِي الصُّلْبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ» (١).
وقال زيدُ بنُ أَسْلَمَ مولى عُمَرَ ﵁: «مَضَتِ السُّنَّةُ في أشياءَ من الإنسانِ: في نفْسِه الدِّيةُ، وفي أنْفِه الدِّيةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفي العينينِ الدِّيةُ، وفي الأذنينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّيةُ، وفي الأنثييْنِ الدِّيةُ، وفي الصَّوتِ إذا انْقَطَعَ الدِّيةُ، وفي العقلِ إذا ذَهَبَ الدِّيةُ، وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ، وفي الأصابعِ الدِّيةُ، وفي الأسنانِ الدِّيةُ» (٢).
وقال الشَّافعيُّ ﵀: «وإذا قَطَعَ جفونَ العينينِ حتَّى يستأصلَها ففيها الدِّيةُ كاملةً في كلِّ جفنٍ رُبُعُ الدِّيةِ؛ لأنَّها أربعةٌ في الإنسانِ وهي من تمامِ خِلْقتِه، وممَّا يَأْلَمُ بقَطْعِه قياسًا على أنَّ النَّبيَّ ﷺ جَعَلَ في بعضِ ما في الإنسانِ منه واحدٌ الدِّيةَ وفي بعضِ ما في الإنسانِ منه اثنانِ نصفَ الدِّيةِ ولو فَقَأَ العينينِ وقَطَعَ جفونَهما كانَ في العينينِ الدِّيةُ وفي الجفونِ الدِّيةُ؛ لأنَّ العينينِ غيرُ الجفونِ» (٣).
стр. 370
وقال أبو إسحاقَ الشِّيرازيُّ ﵀: «وتَجِبُ بإتلافِ الشَّمِّ الدِّيَةُ؛ لأنَّها حاسَّةٌ تَختصُّ بمنفعةٍ مقصودةٍ، فَوَجَبَ بإتلافِها الدِّيةُ، كالسَّمعِ والبصرِ، وإن ذَهَبَ الشَّمُّ من أحدِ المِنْخَرَيْنِ وَجَبَ فيه نصفُ الدِّيةِ، كما تَجِبُ فى إذهابِ البصرِ من إحدى العينينِ، والسَّمعِ من إحدى الأذنينِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَفِي الْمُوضِحَةِ وَالسِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ»؛ لحديثِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى أهلِ اليَمنِ كتابًا، وكانَ ممَّا فيه: «وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَفِي كُلِّ عُضْوٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ حُكُومَةٌ»، يَجِبُ في كلِّ عضوٍ لا منفعةَ فيه كاليدِ الشَّلَّاءِ والأصبعِ الأشَلِّ، ونحوِ ذلك حكومةٌ؛ والحكومةُ جزءٌ من الدِّيةِ، نِسْبَتُه إلى دِيةِ النَّفْسِ نسبةُ نقصِ الجنايةِ من قِيمةِ المجنيِّ عليه لو كانَ رقيقًا بصفاتِه التي هو عليها، فلو كانت قِيمةُ المجنيِّ عليه بلا جنايةٍ عَشَرَةً، وبعدَ الجنايةِ تسعةً؛ فالنقصُ عُشْرٌ، فيجبُ عُشْرُ دِيةِ النَّفسِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْعَبْدِ قِيمَتُهُ»، دِيةُ العبدِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى قِيمتُه؛ بالغةً ما بَلَغَتْ وإن زادت على دِيَةِ الحُرِّ كسائرِ الأموالِ المتلَفةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْجَنِينِ الْحُرِّ غُرَّةٌ، عَبْدٌ أَوْ
стр. 371
أَمَةٌ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: «اقْتَتَلَتِ امرأتانِ من هُذَيْلٍ، فرمت إحداهما الأخرى بحجرٍ فقتلتْها وما في بطنِها، فاختصمُوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ ، فقضى أنَّ دِيَةَ جنينِها غُرَّةٌ، عبدٌ أو وَليدةٌ» (١).
وقُدِّرت الغُرَّةُ بخمسٍ من الإبلِ، قال ابنُ الملقِّنِ ﵀: «جَعَلَ الصَّحابةُ قِيمةَ ذلك خمسًا من الإبلِ وهو عُشرُ دِيةِ أُمِّه» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَدِيَةُ الْجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ»، دِيةُ الجنينِ الرَّقيقِ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- عُشرُ قِيمةِ أمِّه؛ قياسًا على الجنينِ الحُرِّ.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ القَسَامة
القَسامةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من القَسَمِ، وهو اليمينُ، يقالُ: أَقْسَم قَسَمًا وَقَسَامَةً؛ أي: حَلَفَ حَلِفًا.
وفي الاصطلاحِ: هي الأيمانُ تُقْسَمُ علي أولياءِ القتيلِ إذا ادَّعَوُا الدَّمَ.
والأصلُ في مشروعيَّتِها حديثُ سهلِ بنِ أبي حثمةَ ﵁ قالَ: انْطَلقَ عبدُ اللهِ بنُ سهلٍ، ومُحَيِّصَةُ بنُ مسعودِ بنِ زيدٍ إلى خَيْبَرَ،
стр. 372
وهي يومئذٍ صُلْحٌ، وأهلُها يهودٌ، فتَفَرَّقَا لحاجتِهِما، فأتى مُحَيِّصَةُ إلى عبدِ اللهِ بنِ سهلٍ وهو يَتَشَحَّطُ في دمِه قتيلًا، فدَفَنَه ثمَّ قَدِمَ المدينةَ، فانطلَقَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ سهلٍ ومُحَيِّصَةُ وحُوَيِّصَةُ ابنا مسعودٍ إلى النَّبيِّ ﷺ فَذَهَبَ عبدُ الرَّحمنِ يَتكلَّمُ فقال ﷺ : «كَبِّرْ كَبِّرْ»، وهو أَحْدَثُ القومِ فَسَكَتَ فتكلَّما فقال ﷺ : «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ صَاحِبَكُمْ»، قالوا: وكيف نحلِفُ ولم نَشْهَدْ ولم نَرَ؟! قال ﷺ : «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا»، فقالوا: كيفَ نَأْخُذُ أيمانَ قومٍ كفَّارٍ؟ فعَقَلَهُ النَّبيُّ ﷺ من عندِه (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا اقْتَرَنَ بِدَعْوَى الدَّمِ لَوْثٌ يَقَعُ بِهِ فِي النَّفْسِ صِدْقُ الْمُدَّعِي حَلَفَ الْمُدَّعِي خَمْسِينَ يَمِينًا، وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ لَوْثٌ فَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ»، إذا اقْتَرَنَ بدعوى القتلِ عندَ الحاكمِ لوْثٌ -والمرادُ به قرينةٌ حاليَّةٌ أو
стр. 373
مقاليَّةٌ، كأن يوجَدَ قتيلٌ في قريةٍ أو محلَّةٍ بيْنَه وبيْنَ أهلِها عداوةٌ، وليس فيهم غيرُهم، أو يَشْهَدَ عدلٌ واحدٌ، أو من لا تُقْبَلُ شهادتُهم في الجناياتِ، كنسوةٍ وصِبيانٍ؛ أنَّ فلانًا قَتَلَ فلانًا، فيَقَعُ بهذا اللَّوْثِ في النَّفسِ صِدْقُ المدَّعي- حَلَفَ هذا المدَّعي خمسين يمينًا واسْتَحَقَّ الدِّيةَ، وليس له المطالَبةُ بالقِصاصِ؛ لضَعْفِ حُجَّةِ القَسامةِ والاحتياطِ في أمرِ الدِّماءِ، فإن لم يَكُنْ هناك لَوْثٌ حَلَفَ المدَّعى عليه خمسين يمينًا، ولا يَلْزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ الأصلَ براءةُ ذِمَّتِه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى قَاتِلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ كَفَّارَةٌ، عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعُيُوبِ الْمُضِرَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢].
فمن قَتَلَ مؤمنًا على سبيلِ الخطإِ المحضِ، أو عمدِ الخطإِ؛ أيْ: شِبْهِ العمدِ؛ فعليه إعتاقُ رقبةٍ مؤْمنةٍ، وكذلك عليه دِيةٌ مؤدَّاةٌ إلى ورثةِ المقتولِ؛ إِلَّا إذا عفا الورثةُ عن القاتلِ فأسْقَطوا الدِّيةَ، فإن كانَ المقتولُ مؤْمِنًا وقومُه كفَّارًا أعداءً وهم المحارِبونَ فإنَّما على قاتلِه الكفَّارةُ فقط دونَ الدِّيةِ؛ لئلَّا يستعينوا بها على المسْلمينَ، وإِن كانَ المقتولُ من قومٍ كفرةٍ بيْنَهم وبيْنَ المسْلمينَ
стр. 374
عهدٌ كأهلِ الذِّمَّةِ فعلى قاتلِه دِيَةٌ تُدْفَعُ إلى أهلِه لأجلِ معاهَدَتِهم، ويَجِبُ -أيضًا- على القاتلِ إِعتاقُ رقبةٍ مؤْمنةٍ، فمن لم يَجِدِ الرَّقبةَ فعليه صيامُ شهرينِ متتابعينِ عِوضًا عنها.
وأمَّا وجوبُها في قتلِ العمدِ المحضِ فلحديثِ واثلةَ بنِ الأسقعِ ﵁ قالَ: أتينا رسولَ اللهِ ﷺ في صاحبٍ لنا أَوْجَبَ -يعني النَّارَ- بالقتلِ، فقال: «أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» (١).
ولا يَسْتَوْجِبُ النَّارَ إلا بالعمدِ، فدَلَّ على مشروعيَّةِ الكفَّارةِ فيه.
واللهُ تعالى أَعْلَمُ.
стр. 375
كتابُ الحُدُود
الحدودُ في اللُّغةِ: جمعُ حَدٍّ، وهو المنعُ، ومنه سُمِّيَ كلٌّ من البوَّابِ والسَّجَّانِ حدَّادًا؛ لمنعِ الأوَّلِ من الدُّخولِ، والثَّاني من الخروجِ.
وفي الاصطلاحِ: عقوبةٌ مقدَّرةٌ على ذنبٍ وَجَبَتْ حقًّا للهِ تعالى كما في الزِّنا، أو اجْتَمَعَ فيها حَقُّ اللهِ تعالى وحَقُّ العبدِ كالقذفِ.
وإقامةُ الحدودِ فرضٌ على وليِّ الأمرِ، ودليلُ ذلك قبْلَ الإجماعِ آياتٌ، منها قولُه تعالى في حدِّ الزِّنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وفي حَدِّ السَّرقةِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وفي حدِّ القذفِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤]، وفي حَدِّ الحِرابةِ وقَطْعِ الطَّريقِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
ومن السُّنَّةِ أحاديثُ، منها حديثُ أبي هريرةَ ﵁ قالَ: أتى رَجلٌ إلى رسولِ اللهِ ﷺ وهو في المسجدِ، فناداه فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي زنيتُ، فأَعْرَضَ عنه، حتَّى رَدَّدَ عليه أربعَ مرَّاتٍ،
стр. 376
فلمَّا شَهِدَ على نفْسِه أربعَ شهاداتٍ، دعاه النَّبيُّ ﷺ فقالَ: «أَبِكَ جُنُونٌ؟!»، قالَ: لا، قالَ: «فَهَلْ أَحْصَنْتَ؟!»، قالَ: نَعَمْ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: فكنتُ فيمن رَجَمَه، فرجمناه بالمصلَّى، فلمَّا أَذْلَقَتْهُ الحجارةُ هَرَبَ، فأدركناه بالحَرَّةِ، فرجمناه (١).
وحديثُ بُرَيْدَةَ بنِ الحصيبِ ﵁ أنَّ امرأةً من غامدٍ جاءت إلى النَّبيِّ ﷺ وقالت: إنِّي لحُبلى؛ أيْ: من الزِّنا، فقال ﷺ : «اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي»، فلمَّا ولدت أتته بالصَّبيِّ في خِرْقَةٍ، وقالت: هذا قد وَلَدْتُه، قالَ: «اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ»، فلمَّا فَطَمَتْه أتته بالصَّبيِّ في يدِه كِسرةُ خبزٍ، فقالت: هذا يا نبيَّ اللهِ قد فَطَمتُه، وقد أَكَلَ الطَّعامَ، فدَفَعَ النَّبيُّ ﷺ الصَّبيَّ إلى رَجُلٍ من المسْلمينَ، ثمَّ أمَرَ بها فَحُفِرَ لها إلى صَدْرِها، وأَمَرَ النَّاسَ فرجموها (٢).
وحديثُ أبي هريرةَ وزيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ ﵄ قالا: كنَّا عندَ النَّبيِّ ﷺ فقامَ رجلٌ، فقالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ إلَّا قضيتَ بيْنَنا بكتابِ اللهِ، فقامَ خَصْمُه وكانَ أَفْقَهَ منه، فقالَ: اقضِ بيننا بكتابِ اللهِ، وأذنْ
стр. 377
لي، قال ﷺ : «قُلْ»، قال: إنَّ ابني كانَ عَسيفًا على هذا، فزنى بامرأتِه، فافتديتُ منه بمائةِ شاةٍ وخادمٍ، ثمَّ سألتُ رجالًا من أهلِ العلمِ فأخبَروني أنَّ على ابني جَلدَ مائةٍ وتغريبَ عامٍّ، وعلى امرأتِه الرَّجمَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- المِائَةُ شَاةٍ وَالخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، فغدا عليها فاعترفتْ فرَجَمَها (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَالزَّانِي عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُحْصَنٌ وَغَيْرُ مُحْصَنٍ، فَالْمُحْصَنُ: حَدُّهُ الرَّجْمُ، وَغَيْرُ الْمُحْصَنِ حَدُّهُ مِائَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ»، الزِّنا في اللُّغةِ: الرُّقِيُّ على الشَّيءِ، يقالُ: زنى في الجبلِ إذا صَعِدَه. وفي الاصطلاحِ: إيلاجُ حَشَفَةِ الذَّكرِ الأصليِّ أو قَدْرِها عندَ فَقْدِها في قُبُلٍ واضحِ الأنوثةِ مُحَرَّمٍ، خالٍ عن الشُّبهةِ، مشتهًى طبعًا بأن كانَ فَرْجَ آدميٍّ حيٍّ. والإحصانُ في اللُّغةِ: المنعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]؛ أي: مانعةٍ، وفي الاصطلاحِ: جاءَ بمعنى الإسلامِ، والحرِّيَّةِ، والعفَّةِ، والتَّزويجِ، ووطءِ المكلَّفِ الحُرِّ في نِكاحٍ صحيحٍ، والمرادُ هنا هو المعنى الأخيرُ (٢).
стр. 378
فالزَّاني الذي يَجِبُ حَدُّه على ضربينِ: مُحْصَنٌ؛ وهو ما تَوَافَرَتْ فيه شروطُ الإحصانِ، وغيرُ مُحْصَنٍ وهو من لم يَسْتَكْمِلْها.
فإذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- فحَدُّه الرَّجْمُ حتَّى الموتِ، وقد سَبَقَتِ الأحاديثُ الدَّالَّةُ على ذلك في قِصَّةِ ماعزٍ والغامديَّةِ والعَسيفِ، وقال عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «إنَّ اللهَ قد بَعَثَ محمَّدًا ﷺ بالحَقِّ، وأَنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكانَ ممَّا أَنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجمِ، قرأناها ووَعَيْنَاها وعَقَلْنَاها، فَرَجَمَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ورَجَمْنَا بعدَه، فأخشى إن طالَ بالنَّاسِ زمانٌ أن يقولَ قائلٌ: ما نَجِدُ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ فيَضِلُّوا بتركِ فريضةٍ أَنْزَلَها اللهُ، وإنَّ الرَّجمَ في كتابِ اللهِ حقٌّ على مَن زنى إذا أَحْصَنَ من الرِّجالِ والنِّساءِ، إذا قامت البيِّنةُ، أو كانَ الحبَلُ، أو الاعترافُ» (١).
وإذا زنى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ -ذَكرًا كانَ أو أُنثى- فحدُّه مائةُ
стр. 379
جلدةٍ وتغريبُ عامٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢].
ولقولِه ﷺ في حديثِ العَسيفِ: «وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ» (١).
ويَكونُ التَّغريبُ من بلدِ الزِّنا إلى مسافةِ القصرِ فما فوقَها؛ لأنَّ ما دُونَها في حُكمِ الحَضَرِ؛ لتواصُلِ الأخبارِ فيها إليه، ولأنَّ المقصودَ إيحاشُه بالبُعدِ عن الأهلِ والوطنِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ الْإِحْصَانِ أَرْبَعَةٌ:
١، ٢ - الْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ»؛ فلا حدَّ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (٢)، لكنَّهما يؤدَّبانِ بما يَزْجُرُهما عن الوقوعِ في الزِّنا.
٣ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ الرَّقيقَ على النِّصفِ من الحُرِّ، والرَّجمُ لا نِصْفَ له.
٤ - «وَوُجُودُ الْوَطْءِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ»؛ وذلك بغيبوبةِ الحَشَفَةِ أو قَدْرِها عِنْدَ فَقْدِها من مُكَلَّفٍ، في قُبُلٍ، وذلك لأنَّ الشَّهوةَ مركَّبةٌ
стр. 380
في النَّفسِ، فإذا أصابَ في النِّكاحِ الصَّحيحِ فقد نالَ اللَّذَّةَ، وقضى الشَّهوةَ، ولا فَرْقَ في الإصابةِ بيْنَ أن يَقَعَ في حالِ الإباحةِ، أو حالِ الحظرِ كما لو كانَ في نهارِ رمضانَ أو إحرامٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْعَبْدُ وَالْأَمَةُ حَدُّهُمَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ»، وهو خَمسونَ جَلدةً لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]، والمرادُ الجَلْدُ؛ لأنَّ الرَّجْمَ قتْلٌ، والقتلُ لا يَتَنَصَّفُ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَحُكْمُ اللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ كَحُكْمِ الزِّنَا»، اللِّواطُ: هو إيلاجُ الحشَفَةِ أو قَدْرِها في دُبُرِ ذَكَرٍ أو أُنثى غيْرِ زَوْجَتِهِ وأَمَتِهِ، وفيه وجوبُ الحدِّ كالزِّنا، فيُرْجَمُ الفاعلُ المُحْصَنُ، ويُجْلَدُ ويُغَرَّبُ غيرُ المُحْصَنِ، وخَرَجَ بقيدِ غيرِ زوجتِه وأَمَتِه اللِّواطُ بهما، فلا حَدَّ عليه فيهما؛ ولكن يُعَزَّرُ، وكذلك إتيانُ البهائمِ على المَذْهَبِ، وهناك قولٌ آخَرُ، وهو أنه يُعَزَّرُ ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّ فِعْلَه مما يَنْفُرُ منه الطَّبْعُ السَّليمُ، فلم يَحْتَجْ إلى زاجرٍ (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ وَطِئَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عُزِّرَ»، من باشَرَ فيما دُونَ الفَرْجِ بمفاخَذةٍ، أو معانَقةٍ، أو تقبيلٍ أو نحوِ ذلك؛ فإنه يُعَزَّرُ بما يراه الإمامُ من ضربٍ، أو نفيٍ، أو توبيخٍ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَبْلُغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ»؛
стр. 381
لحديثِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ» (١).
وأدنى الحدودِ أربعونَ جَلدةً، كما في حديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فجَلَدَه بجريدتينِ نحوَ أربعينَ» (٢).
وفي روايةٍ: «كانَ ﷺ يَضْرِبُ في الخمرِ بالنِّعالِ والجريدِ أربعينَ» (٣).
فإن عَزَّرَ حُرًّا وَجَبَ أن يَنْقُصَ في تعزيرِه عن أربعينَ جَلدةً، وإن عزَّرَ عبدًا وَجَبَ أن يَنْقُصَ في تعزيرِه عن عِشرينَ جَلدةً؛ لأنَّه أدنى حدٍّ لكُلٍّ منهما.
«فَصْلٌ»
في حَدِّ القَذْفِ
القذفُ في اللُّغةِ: الرَّميُ، يقالُ: قَذَفَ بالنَّواةِ؛ أيْ: رماها.
وفي الاصطلاحِ: الرَّميُ بالزِّنا في مَعْرِضِ التَّعيِيرِ.
وقذفُ المحصنِ أو المحصَنةِ من كبائرِ الذُّنوبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
стр. 382
وقال النَّبيُّ ﷺ : «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما هُنَّ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» (١).
والقذفُ على ضَربينِ:
الأوَّلُ: «صريحٌ»، وهو ما لم يحتمِلْ غيرَه، كقولِ القائلِ: يا زانٍ، ويا زانيةُ.
الثَّاني: «كنايةٌ»، وهو ما يَحْتَمِلُ الزِّنا وغيرَه، نحوُ قولِ القائلِ: يا فاجرُ، ويا فاجرةُ.
فإن أَنْكَرَ شخصٌ في الكنايةِ إرادةَ القذفِ صُدِّقَ بيمينِه؛ ثمَّ عليه التَّعزيزُ للإيذاءِ.
والقذفُ بصريحِ الزِّنا يوجِبُ الحَدَّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤].
ولقولِ النَّبيِّ ﷺ لهلالِ بنِ أميَّةَ ﵁ لمَّا قَذَفَ امرأتَه بالزِّنا: «الْبَيِّنَةُ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا قَذَفَ غَيْرَهُ بِالزِّنَا فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ بِثَمَانِيَةِ شَرَائِطَ: ثَلَاثَةٌ مِنْهَا فِي الْقَاذِفِ، وَهُوَ:
١، ٢ - أن يَكونَ بَالِغًا عَاقِلًا»، فلا حدَّ على صبيٍّ ولا
стр. 383
مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (١).
ولكنَّهما يُعَزَّرَانِ إذا كانَ لهما نوعُ تمييزٍ بما يَزْجُرُهما.
٣ - «وَأَنْ لَا يَكُونَ وَالِدًا لِلْمَقْذُوفِ»، فلا حَدَّ على أبٍ في قذفِ ولدِه؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ» (٢)، فإذا كانَ الوالدُ لا يُقْتَلُ بقتلِ ولدِه؛ فلا يقامُ عليه حدٌّ بقذفِه من بابِ أَوْلَى، ومِثْلُ الوالدِ جميعُ الأصولِ ذكورًا وإناثًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةٌ فِي الْمَقْذُوفِ، وَهُوَ:
١ - أن يَكونَ مُسْلِمًا»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، و ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ أيِ: المسْلماتِ.
٢، ٣ - «بَالِغًا عَاقِلًا»؛ لأنَّ زنا الصَّبيِّ والمجنونِ لا يوجِبُ حدًّا، فلا يَجِبُ الحدُّ بالقذفِ به؛ لكن من قَذَفَهُما يُعَزَّرُ؛ للإيذاءِ.
٤، ٥ - «حُرًّا عفيفًا»؛ لقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
стр. 384
[النور: ٢٣]، و ﴿المحصَناتِ﴾؛ أيِ: الحرائرَ، و ﴿الغافلاتِ﴾؛ أيِ: العفيفاتِ السَّليماتِ الصُّدورِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُحَدُّ الْحُرُّ ثَمَانِينَ، وَالْعَبْدُ أَرْبَعِينَ»، أمَّا الحُرُّ فلقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، واستُفيدَ كونُها في الأحرارِ من قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾؛ والعبدُ لا تُقْبَلُ شهادتُه وإن لم يَقْذِفْ، ولأنَّ أبا بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليًّا ﵃: «كانوا يَجلِدونَ العبدَ في القذفِ أربعينَ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَسْقُطُ حَدُّ الْقَذْفِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
١ - إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، فدَلَّ على أنَّه إذا أُتِيَ بالشُّهداءِ الأربعةِ فلا حَدَّ على القاذفِ، ويَثْبُتُ الزِّنا على المقذوفِ.
٢ - «أَوْ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ»؛ لأنَّ حدَّ القذفِ إنما شُرِعَ لدفعِ العارِ عن المقذوفِ، فهو حقٌّ خالصٌ للآدميِّ، فيَسْقُطُ بعفوِه عن القاذفِ، كما أنَّه لا يُسْتَوْفَى إلَّا بمطالَبَتِه.
٣ - «أَوِ اللِّعَانُ فِي حَقِّ الزَّوْجَةِ»، سَبَقَتْ أحكامُ اللِّعانِ في فصلٍ مستقِلٍّ، وأنَّه إذا قَذَفَ الزَّوجُ زوجتَهَ، ولم يستطعْ إقامةَ البيِّنةِ، أُقِيمَ عليه حَدُّ القذفِ؛ إلَّا أن يُلاعِنَ، فإذا لاعَنَ سَقَطَ
стр. 385
عنه الحدُّ (١).
«فَصْلٌ»
في حَدِّ شُرْبِ الخَمْر
الخمرُ في اللُّغةِ: هو ما خامَرَ العقْلَ؛ أيْ: غطَّاه.
وفي الاصطلاحِ: كلُّ ما أَسْكَرَ قليلُه أو كثيرُه.
وشُرْبُ الخمرِ مِن كبائرِ الذُّنوبِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: إنَّ رَجلًا قَدِمَ من جِيشانَ -وجِيشانُ من اليَمنِ- فسألَ النَّبيَّ ﷺ عن شرابٍ يَشربونَه بأرضِهِم من الذُّرةِ، يقالُ له: المِزْرُ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟»، قالَ: نَعَمْ، قال رسولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللهِ عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ»، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وما طينةُ الخَبالِ؟ قالَ: «عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ»، أو «عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» (٢).
وقال أبو مالكٍ الأشعريُّ ﵁ سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يقول: «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» (٣).
стр. 386
وقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ شَرَابًا مُسْكِرًا يُحَدُّ أَرْبَعِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ ثَمَانِينَ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ»، من شَرِبَ خمرًا أو شرابًا مُسْكِرًا؛ فإنَّه يُحَدُّ أربعينَ جَلدةً، ويَجوزُ أن يُجْلَدَ أربعينَ أخرى تعزيرًا؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فجَلَدَه بجريدتينِ نحوَ أربعينَ»؛ قال أنسٌ ﵁: «وفَعَلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ ودَنا النَّاسُ من الرِّيفِ والقرى، استشارَ النَّاسَ، قالَ: ما تَرَوْنَ في جَلدِ الخمرِ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: أخفُّ الحدودِ ثمانون، فجَلَدَ عمرُ ثمانين» (٢).
وقال عليٌّ ﵁: «نرى أنْ تَجْلِدَه ثمانين، فإنَّه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرى، وعلى المفتري ثمانون، فجَلَدَ عمرُ ﵁ في الخمرِ ثمانين، وكانَ إذا أُتِيَ بالرَّجلِ القويِّ المنهمِكِ في الشَّرابِ جَلَدَه ثمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرَّجلِ الضَّعيفِ الذي كانت منه الزَّلَّةُ جَلَدَ أربعينَ، ثمَّ جَلَدَ عثمانُ ثمانينَ وأربعينَ» (٣).
стр. 387
وقال حضينُ بنُ المنذِرِ ﵀: «شهدتُ عثمانَ بنَ عفَّانَ وأُتِيَ بالوليدِ قد صلَّى الصُّبحَ ركعتينِ، ثمَّ قالَ: أَزيدُكم، فَشَهِدَ عليه رَجُلانِ أحدُهما حُمْرَانُ أنَّه شَرِبَ الخمرَ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه رآه يتقيَّأُ، فقال عثمانُ: إنَّه لم يتقيَّأْ حتَّى شَرِبَها، فقالَ: يا عليُّ، قمْ فاجلدْه، فقال عليٌّ: قمْ يا حَسنُ فاجلدْه، فقال الحسنُ: ولِّ حارَّها من تَوَلَّى قارَّها، فكأنَّه وَجَدَ عليه، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ، قمْ فاجلدْه، فجَلَدَه وعليٌّ يَعُدُّ حتَّى بَلَغَ أربعين، فقالَ: أَمْسِكْ، ثمَّ قالَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أربعينَ، وجَلَدَ أبو بكرٍ أربعينَ، وعمرُ ثمانين، وكُلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أَحَبُّ إليَّ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْإِقْرَارِ»؛ أي: يَثْبُتُ الحدُّ على من شَرِبَ المسْكِرِ بالبيِّنةِ، بأن يَشْهَدَ عليه رَجُلانِ عدلانِ بذلك؛ للحديثِ السَّابقِ، وفيه: «فَشَهِدَ
стр. 388
عَلَيْهِ رَجُلَانِ»، وكذلك إذا أَقَرَّ هو على نفْسِه، فإنَّ الإقرارَ حُجَّةٌ تَقومُ مقامَ البيِّنةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُحَدُّ بِالْقَيْءِ وَالاسْتِنْكَاهِ»، القَيءُ معروفٌ، والاستنكاهُ: شمُّ رائحةِ الفمِ، ولا يُحَدُّ بذلك لاحتمالِ أن يَكونَ شرِبَه مخطئًا، أو مُكرَهًا، ولأنَّ رائحةَ الخمرِ قد يُشاركُها فيها غيرُها، وهذه الأمورُ تُورِثُ شُبْهَةً فِي تَعَدِّيهِ بِشُرْبِ المُسْكِرِ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ، كما أَجْمَعَ على ذلك أهلُ العِلْمِ (١).
«فَصْلٌ»
في حَدِّ السَّرِقَة
السَّرقةُ في اللُّغةِ: هي أخذُ الشَّيءِ من الغيرِ خُفْيَةً، ومنه قولُه تعالى: ﴿اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٢]؛ أيْ: سَمِعَ مُسْتَخْفِيًا.
وفي الاصطلاحِ: أخذُ مالِ الغيرِ خُفْيةً، وإخراجُه من حِرْزٍ.
والسَّرقِة محرَّمةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨].
وفي حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٢).
الْقَطْعُ»، فقالَ: الشَّاةُ الحَريسةُ منهنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَالنَّكَالُ، وَمَا كَانَ فِي الْمُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، إِذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» (١).
وذلك لأنَّ الجنايةَ تَعْظُمُ بمخاطَرةِ أخذِه من الحِرْزِ؛ بخلافِ ما إذا جرَّأه المالكُ ومكَّنه بتضييعِه.
والرُّجوعُ في الحِرزِ يَكونُ إلى العُرْفِ؛ فإنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ، وهو يَختلفُ باختلافِ الأموالِ والأحوالِ والأوقاتِ، فقد يَكونُ الشَّيءُ حِرزًا في وقتٍ دونَ وقتٍ؛ بحسَبِ صلاحِ أحوالِ النَّاسِ وفَسادِها، وقوَّةِ السُّلطانِ وضَعْفِه، وضَبَطَه الغزاليُّ ﵀ بما لا يُعَدُّ صاحبُه مُضَيِّعًا.
وكذلك يُشترطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ عَدَمُ المِلْكِ، فلا قَطْعَ بسرقةِ مالِه الذي بيدِ غيرِه؛ وإن كانَ مرهونًا أو مؤجَّرًا.
وكذلك يُشترطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ عدمُ شبهةِ المِلكِ في المالِ المسروقِ، فلو سَرَقَ الوالدُ من ولدِه، أو الولدُ من والدِه؛ فلا قَطْعَ، لشبهةِ المِلكِ باستحقاقِ النَّفقةِ، وكذلك لو سَرَقَ الشَّريكُ من مالِ الشَّركةِ، فلا قَطْعَ عليه.