← Фикх шафии

Фикх шафии · id 279

إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

أبو المعاطي الشبراوي

Полный текст (499 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وقال جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ شَرِبَ خَمْرًا أَوْ شَرَابًا مُسْكِرًا يُحَدُّ أَرْبَعِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ ثَمَانِينَ عَلَى وَجْهِ التَّعْزِيرِ»، من شَرِبَ خمرًا أو شرابًا مُسْكِرًا؛ فإنَّه يُحَدُّ أربعينَ جَلدةً، ويَجوزُ أن يُجْلَدَ أربعينَ أخرى تعزيرًا؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ برجلٍ قد شَرِبَ الخمرَ، فجَلَدَه بجريدتينِ نحوَ أربعينَ»؛ قال أنسٌ ﵁: «وفَعَلَه أبو بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ ودَنا النَّاسُ من الرِّيفِ والقرى، استشارَ النَّاسَ، قالَ: ما تَرَوْنَ في جَلدِ الخمرِ؟ فقال عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ: أخفُّ الحدودِ ثمانون، فجَلَدَ عمرُ ثمانين» (٢). وقال عليٌّ ﵁: «نرى أنْ تَجْلِدَه ثمانين، فإنَّه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افْتَرى، وعلى المفتري ثمانون، فجَلَدَ عمرُ ﵁ في الخمرِ ثمانين، وكانَ إذا أُتِيَ بالرَّجلِ القويِّ المنهمِكِ في الشَّرابِ جَلَدَه ثمانينَ، وإذا أُتِيَ بالرَّجلِ الضَّعيفِ الذي كانت منه الزَّلَّةُ جَلَدَ أربعينَ، ثمَّ جَلَدَ عثمانُ ثمانينَ وأربعينَ» (٣).

стр. 387

وقال حضينُ بنُ المنذِرِ ﵀: «شهدتُ عثمانَ بنَ عفَّانَ وأُتِيَ بالوليدِ قد صلَّى الصُّبحَ ركعتينِ، ثمَّ قالَ: أَزيدُكم، فَشَهِدَ عليه رَجُلانِ أحدُهما حُمْرَانُ أنَّه شَرِبَ الخمرَ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه رآه يتقيَّأُ، فقال عثمانُ: إنَّه لم يتقيَّأْ حتَّى شَرِبَها، فقالَ: يا عليُّ، قمْ فاجلدْه، فقال عليٌّ: قمْ يا حَسنُ فاجلدْه، فقال الحسنُ: ولِّ حارَّها من تَوَلَّى قارَّها، فكأنَّه وَجَدَ عليه، فقالَ: يا عبدَ اللهِ بنَ جعفرٍ، قمْ فاجلدْه، فجَلَدَه وعليٌّ يَعُدُّ حتَّى بَلَغَ أربعين، فقالَ: أَمْسِكْ، ثمَّ قالَ: جَلَدَ النَّبيُّ ﷺ أربعينَ، وجَلَدَ أبو بكرٍ أربعينَ، وعمرُ ثمانين، وكُلٌّ سُنَّةٌ، وهذا أَحَبُّ إليَّ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجِبُ عَلَيْهِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: بِالْبَيِّنَةِ، أَوِ الْإِقْرَارِ»؛ أي: يَثْبُتُ الحدُّ على من شَرِبَ المسْكِرِ بالبيِّنةِ، بأن يَشْهَدَ عليه رَجُلانِ عدلانِ بذلك؛ للحديثِ السَّابقِ، وفيه: «فَشَهِدَ

стр. 388

عَلَيْهِ رَجُلَانِ»، وكذلك إذا أَقَرَّ هو على نفْسِه، فإنَّ الإقرارَ حُجَّةٌ تَقومُ مقامَ البيِّنةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُحَدُّ بِالْقَيْءِ وَالاسْتِنْكَاهِ»، القَيءُ معروفٌ، والاستنكاهُ: شمُّ رائحةِ الفمِ، ولا يُحَدُّ بذلك لاحتمالِ أن يَكونَ شرِبَه مخطئًا، أو مُكرَهًا، ولأنَّ رائحةَ الخمرِ قد يُشاركُها فيها غيرُها، وهذه الأمورُ تُورِثُ شُبْهَةً فِي تَعَدِّيهِ بِشُرْبِ المُسْكِرِ، والحدودُ تُدْرَأُ بالشُّبهاتِ، كما أَجْمَعَ على ذلك أهلُ العِلْمِ (١). «فَصْلٌ» في حَدِّ السَّرِقَة السَّرقةُ في اللُّغةِ: هي أخذُ الشَّيءِ من الغيرِ خُفْيَةً، ومنه قولُه تعالى: ﴿اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ [الحجر: ١٢]؛ أيْ: سَمِعَ مُسْتَخْفِيًا. وفي الاصطلاحِ: أخذُ مالِ الغيرِ خُفْيةً، وإخراجُه من حِرْزٍ. والسَّرقِة محرَّمةٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. وفي حديثِ أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (٢).

стр. 389

قال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: ١، ٢ - أَنْ يَكونَ بَالِغًا عَاقِلًا»، يُشْتَرَطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ أن يَكونَ بالغًا عاقلًا، فلا تُقْطَعُ يَدُ صَبِيٍّ ولا مجنونٍ؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (١). لكنَّهما يُعَزَّرانِ إذا كانَ لهما نوعُ تمييزٍ بما يَزْجُرُهما. ٣ - «وَأَنْ يَسْرِقَ نِصَابًا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ مِنْ حِرْزِ مِثْلِهِ لَا مِلْكَ لَهُ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ فِي مَالِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ»، يُشْتَرَطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ أن يَسْرِقَ نِصابًا قِيمتُه رُبُعُ دينارٍ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» (٢). والدِّينارُ يساوي أربعَ جراماتٍ ورُبُعًا من الذَّهبِ. وكذلك يُشْتَرَطُ أن يَكونَ المالُ المسروقُ في حِرْزٍ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ رَجلًا من مُزَيْنَةَ سألَ النَّبيَّ ﷺ عن الثِّمارِ، فقالَ: «مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ

стр. 390

الْقَطْعُ»، فقالَ: الشَّاةُ الحَريسةُ منهنَّ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «ثَمَنُهَا وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَالنَّكَالُ، وَمَا كَانَ فِي الْمُرَاحِ، فَفِيهِ الْقَطْعُ، إِذَا كَانَ مَا يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» (١). وذلك لأنَّ الجنايةَ تَعْظُمُ بمخاطَرةِ أخذِه من الحِرْزِ؛ بخلافِ ما إذا جرَّأه المالكُ ومكَّنه بتضييعِه. والرُّجوعُ في الحِرزِ يَكونُ إلى العُرْفِ؛ فإنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرعِ ولا في اللُّغةِ، فرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ، وهو يَختلفُ باختلافِ الأموالِ والأحوالِ والأوقاتِ، فقد يَكونُ الشَّيءُ حِرزًا في وقتٍ دونَ وقتٍ؛ بحسَبِ صلاحِ أحوالِ النَّاسِ وفَسادِها، وقوَّةِ السُّلطانِ وضَعْفِه، وضَبَطَه الغزاليُّ ﵀ بما لا يُعَدُّ صاحبُه مُضَيِّعًا. وكذلك يُشترطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ عَدَمُ المِلْكِ، فلا قَطْعَ بسرقةِ مالِه الذي بيدِ غيرِه؛ وإن كانَ مرهونًا أو مؤجَّرًا. وكذلك يُشترطُ في قطعِ يدِ السَّارقِ عدمُ شبهةِ المِلكِ في المالِ المسروقِ، فلو سَرَقَ الوالدُ من ولدِه، أو الولدُ من والدِه؛ فلا قَطْعَ، لشبهةِ المِلكِ باستحقاقِ النَّفقةِ، وكذلك لو سَرَقَ الشَّريكُ من مالِ الشَّركةِ، فلا قَطْعَ عليه.

стр. 391

قال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى مِنْ مَفْصِلِ الْكُوعِ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ سَرَقَ رَابِعًا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى»، تُقْطعُ يدُ السَّارقِ اليُمنى من مَفْصِلِ الكوعِ، وهو العظمُ النَّاتئُ ممَّا يلي الإبهامَ، في مَفْصِلِ الكفِّ مع السَّاعدِ، فإن سَرَقَ ثانيًا قُطِعَتْ رِجْلُه اليُسرى مِن مَفْصِلِ السَّاقِ مع القَدَمِ؛ لحديثِ عليٍّ ﵁ قالَ: «إذا سَرَقَ السَّارقُ قُطِعَتْ يدُه اليُمنى, فإن عادَ قُطِعَت رِجْلُه اليُسرى» (١). فإن سَرَقَ ثالثًا قُطِعَتْ يدُه اليُسرى، فإن سَرَقَ رابعًا قُطِعَتْ رِجْلُه اليُمنى؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في السَّارقِ: «إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ, ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» (٢). وذُكِرَ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسمِ بنِ محمَّد بن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁، عن أبيه أنَّ رَجلًا من أهلِ اليَمنِ أَقْطَعَ اليدِ والرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ على أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ فشكا إليه أنَّ عاملَ اليَمنِ قد ظَلَمَه، وكانَ يصلِّي من اللَّيلِ، فيقولُ أبو بكرٍ: «وأبيك ما ليلُك بليلِ سارقٍ»، ثمَّ إنَّهم فقدُوا عِقدًا لأسماءَ بنتِ عُمَيْسٍ امرأةِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، فجَعَلَ الرَّجُلُ يَطوفُ معهم، ويقولُ: اللَّهمَّ عليك بمن بَيَّتَ أهلَ هذا البيتِ الصَّالحِ، ثمَّ وجدوا العِقدَ عندَ صائغٍ زَعَمَ أنَّ الأقطعَ جاءه به، فاعْتَرَفَ به الأقطعُ، فأمرَ به أبو بكرٍ فقُطِعَتْ يدُه

стр. 392

اليُسرى، وكانَ أبو بكرٍ ﵁ يقولُ: «واللهِ لدعاؤُه على نفْسِه أشدُّ عندي عليه من سَرِقَتِه» (١). قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ عُزِّرَ، وَقِيلَ يُقْتَلُ صَبْرًا»، القتلُ صَبْرًا: هو أن يُحْبَسَ من أجلِ أن يُقْتَلَ -ولو يومًا واحدًا- فإذا سَرَقَ سارقٌ بعدَ المَرَّةِ الرَّابعةِ عُزِّرَ بما يراه الحاكمُ رادعًا له؛ من ضربٍ أو سَجنٍ أو نفيٍ، وقيلَ: يُقْتَلُ؛ لحديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بسارقٍ فأمَرَ بقطعِ يدِه، ثمَّ أُتِيَ به قد سَرَقَ فأَمَرَ بقطعِ رِجْلِه، ثمَّ أُتِيَ به بعدُ وقد سَرَقَ فأمَرَ بقطعِ يدِه اليُسرى، ثمَّ أُتِيَ به قد سَرَقَ فأَمَرَ بقطعِ رِجْلِه اليُمنى، ثمَّ أُتِيَ به قد سَرَقَ فأمَرَ بقتلِه» (٢). «فَصْلٌ» في حَدِّ الحِرابة الحِرَابَةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من الحربِ، وهي نقيضُ السِّلْمِ. وفي الاصطلاحِ: قطعُ الطَّريقِ لأخذِ مالٍ أو لقتلٍ أو لإرعابٍ مكابَرةً واعتمادًا على القوَّةِ مع البعدِ عن الغَوثِ.

стр. 393

والحِرابةُ من كبائرِ الذُّنوبِ، وقد غَلَّظَ اللهُ عقوبتَها أشدَّ التَّغليظِ، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. وفي الصَّحيحينِ عن أبي قِلابةَ أنَّ أنسَ بنَ مالكٍ ﵁ قالَ: «قَدِمَ أُناسٌ مِن عُرَيْنَةَ على رسولِ اللهِ ﷺ ، وتَكَلَّموا بالإسلامِ فقالوا: يا نبيَّ اللهِ، إنَّا كُنَّا أهلَ ضَرعٍ، ولم نَكنْ أهلَ رِيفٍ، واجتوَوُا المدينةَ، فأَمَرَ لهم رسولُ اللهِ ﷺ بذَودٍ وراعٍ، وأمَرَهم أن يَخْرُجُوا فيه، فَيَشْرَبُوا مِن ألبانِها وأبْوَالِها، فانطلَقوا حتَّى إذا كانوا ناحيةَ الحَرَّةِ كَفَروا بعدَ إسلامِهم، وقَتَلُوا رَاعيَ النَّبيِّ ﷺ ، واستاقُوا الذَّودَ، فَبَلغَ ذلك النَّبيَّ ﷺ ، فبَعَثَ الطَّلبَ في آثارِهم، فأُتيَ بهم، فقَطَعَ أيديَهم، وأرجُلَهم، وسَمَلَ أعينَهم، وتركَهم في الحَرَّةِ، حتَّى ماتوا»، قال أبو قِلابةَ ﵀: فهؤلاء قَومٌ سَرقوا وقَتَلُوا، وكفَروا بعدَ إيمانِهم، وحارَبُوا اللهَ ورسولَه (١).

стр. 394

وقال أنسٌ ﵁: «إنَّما سَمَلَ النَّبيُّ ﷺ أَعْيُنَ أولئكَ؛ لأنَّهم سَمَلُوا أعينَ الرِّعاء» (١). وقال -أيضًا- ﵁: «فأمَرَ بمساميرَ فأُحميتْ، فكحَلَهُمْ، وقَطَعَ أيْديَهُم وأرجلَهُمْ، وما حَسَمَهُمْ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: ١ - إِنْ قَتَلُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا الْمَالَ قُتِلُوا»، حتى ولو عفَا أهلُ المقتولِ، وذلك لدفعِ شرِّهم، ولأنَّ عقوبةَ المحاربِ حقٌّ للهِ تعالى، لا تَقْبَلُ الإسقاطَ ولا العفوَ. ٢ - «فَإِنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَصُلِبُوا»؛ وذلك زيادةً في التَّنكيلِ بهم، وزجرًا لغيرِهم، ويكونُ صَلْبُهم بعدَ تغسيلِهم وتكفينِهم والصَّلاةِ عليهم، ويُصْلَبُونَ على خشبةٍ أو نحوِها ثلاثةَ أيَّامٍ؛ ليشتهرَ حالُهم، وهذا إذا لم يُخَفِ التَّغيُّرُ، فإن خِيفَ قبلَ الثَّلاثةِ أُنِزلُوا، كما قال الخطيبُ الشِّربينيُّ ﵀ (٣). ٣ - «وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلُوا تُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ»، وذلك بأن تُقْطَعَ اليدُ اليُمنى والرِّجلُ اليُسرى، فإن عادوا وأَخذوا ما يساوي رُبُعَ دينارٍ فصاعدًا بعدَ قَطْعِهِما ثانيًا قُطِعَت اليدُ اليُسرى والرِّجلُ اليُمنى، وإنَّما قُطِعَ من خِلافٍ لما مرَّ في السَّرقةِ،

стр. 395

وقُطِعَت اليدُ اليُمنى للسَّرقةِ، والرِّجلُ للمحارَبةِ. ٤ - «فَإِنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَمْ يَقْتُلُوا حُبِسُوا وَعُزِّرُوا»، إن أخافَ المحاربِونَ السَّبيلَ -أي: الطَّريقَ- بوقوفِهم فيه، ولم يأخذوا مالًا من المارَّةِ، ولم يَقْتُلُوا منهم أَحدًا حُبِسوا في غيرِ موضِعهم؛ لأنَّه أحوطُ وأبلغُ في الزَّجرِ والإيحاشِ، وعُزِّروا بما يراه الإمامُ من ضربٍ وغيرِه لارتكابِهِم معصيةً لا حَدَّ فيها ولا كفَّارةَ، وعَطْفُ المُصَنِّفِ ﵀ التَّعزيرَ على الحبسِ هو من عطفِ العامِّ على الخاصِّ؛ إذ الحبسُ من جنسِ التَّعزيرِ. ودليلُ جميعِ ما سَبَقَ؛ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣]. قال ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «إذا قَتَلوا وأخذوا المالَ قُتِلُوا وصُلِبُوا، وإذا قَتَلُوا ولم يأخذوا المالَ قُتِلُوا ولم يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المالَ ولم يَقْتُلُوا قُطِعَتْ أيديهم وأرجُلُهم من خلافٍ وإذا أخافوا السَّبيلَ ولم يأخذوا مالًا نُفُوا من الأرضِ (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ وَأُخِذَ بِالْحُقُوقِ»؛ أيْ: إنَّ من تابَ من قطَّاعِ الطُّرقِ قبلَ القدرةِ عليه سَقَطَتْ عنه العقوباتُ المختصَّةُ بقطَّاعِ الطَّريقِ؛ لقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلمُوا أَنَّ

стр. 396

اللهَ غَفُورٌ رَحَيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]؛ ولكنَّه يُطالَبُ بالحقوقِ المرتَّبةِ على تصرُّفِه كما لو لم يكنْ قاطعَ طريقٍ، فإن كانَ قد قَتَلَ سَقَطَ عنه انحتامُ القتلِ وللوليِّ أن يَقْتَصَّ أو يأخذَ الدِّيةَ أو يعفوَ وإن كانَ قد قَتَلَ وأخذَ المالَ سَقَطَ الصَّلْبُ وانحتامُ القتلِ وبقيَ القِصاصُ أو الدِّيةُ أو العفوُ وضمانُ المالِ، وإن كانَ قد أخذَ المالَ سَقَطَ قطعُ الرِّجلِ، واليدِ -أيضًا- على الصَّحيحِ؛ لأنَّ قَطْعَهما عقوبةٌ واحدةٌ، وإذا سَقَطَ بعضُها وهو قطعُ الرِّجلِ للمحارَبةِ سَقَطَ الباقي، وهو قطعُ اليدِ، ولَزِمَه ضمانُ المالِ. «فَصْلٌ» في أحكامِ الصِّيَال الصِّيالُ في اللُّغةِ: مصدرُ صالَ يَصُولُ، إذا قَدِمَ بجُرْأةٍ وقوَّةٍ، وصالَ عليه، أي: سطا عليه ليَقْهَرَه، والمُصاوَلَةُ: المواثبةُ، والفَحْلانِ يَتَصاوَلانِ؛ أيْ: يتواثَبانِ. وفي الاصطلاحِ: الاستطالةُ والوثوبُ على الغيرِ بدونِ حقٍّ. والصِّيالُ مُحَرَّمٌ في الإسلامِ؛ لأنَّه اعتداءٌ على الغيرِ، قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. وقال النَّبيُّ ﷺ : «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ قُصِدَ بِأَذًى فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ

стр. 397

أَوْ حَرِيمِهِ فَقَاتَلَ عَنْ ذَلِكَ وَقَتَلَ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ»، من قُصِدَ بأذًى في نفْسِه أو مالِه أو حريمِه بأن صالَ عليه شخصٌ يُريدُ قتلَه، أو أخْذَ مالِه، أو الاعتداءَ على حريمِه فقاتَلَه عن نفْسِه أو مالِه أو حريمِه، وقَتَلَ الصَّائلَ؛ فلا ضمانَ عليه بقِصاصٍ ولا ديةٍ ولا كفَّارةٍ؛ لحديثِ سعيدِ بنِ زيدٍ ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (١). وقال أبو هريرةَ ﵁ جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أرأيتَ إن جاءَ رجلٌ يريدُ أخذَ مالي؟ قالَ: «فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ»، قالَ: أرأيتَ إن قاتَلَني؟ قالَ: «قَاتِلْهُ»، قالَ: أرأيتَ إن قَتَلَني؟ قالَ: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قالَ: أرأيتَ إنْ قتلتُه؟ قالَ: «هُوَ فِي النَّارِ» (٢). وقال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو ﵄: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (٣).

стр. 398

ويُدْفَعُ الصَّائلُ بالأخفِّ فالأخفِّ، سواءٌ كانَ الصَّائلُ مسْلمًا أو ذِمِّيًّا أو مجنونًا أو بهيمةً، فإن أَمْكَنَ دفعُه بالكلامِ دَفَعَه بالكلامِ، وإن أَمْكَنَ دفعُه بالضَّربِ دفَعَه بالضَّربِ، فإن لم يَنْدَفِعْ إلَّا بالقتلِ قَتَلَه ولا شيءَ عليه، وإذا لم يستطعِ الدَّفعَ عن نفْسِه وقُتِلَ كانَ شهيدًا. وكذلك المدافَعةُ عن نفسِ غيرِه ومالِه وعِرْضِه؛ كالمدافَعةِ عن نفسِهِ ومالِه وعِرْضِه؛ لحديثِ سهلِ بنِ حنيفٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ- أَذَلَّهُ اللهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى رَاكِبِ الدَّابَّةِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ دَابَّتُهُ»، على راكبِ الدَّابَّةِ وسائِقها وقائدِها ضمانُ ما أَتْلَفَتْهُ دابَّتُه؛ سواءٌ كانَ مالكًا، أو مستأجِرًا، أو مستعِيرًا، وسواءٌ أَتْلَفَتْه الدَّابَّةُ بيدِها أو رِجْلِها أو غيرِ ذلك، وسواءٌ كانَ ما أَتْلَفَتْه نفْسًا أو مالًا؛ لأنَّ فِعْلَها منسوبٌ إليه. فإن كانت الدَّابَّةُ وَحْدَها فأَتْلَفَتْ زرعًا أو غيرَه نهارًا لم يَضْمَنْ صاحبُها، وإن كانَ ليلًا ضَمِنَ؛ لحديثِ حَرَامِ بنِ مُحَيِّصَةَ الأنصاريِّ أنَّ البراءَ بنَ عازبٍ ﵁ كانت له ناقةٌ ضاريةٌ، فَدَخَلَتْ حائطًا فأَفْسَدَتْ فيه، فكُلِّمَ رسولُ اللهِ ﷺ فيها: «فقضى أنَّ حِفْظَ الحوائطِ

стр. 399

بالنَّهارِ على أهلِها، وأنَّ حفظَ الماشيةِ باللَّيلِ على أهلِها، وأنَّ على أهلِ الماشيةِ ما أصابت ماشيتُهم باللَّيلِ» (١). وذلك لأنَّ العادةَ جاريةٌ أن يَحْفَظَ أصحابُ البساتينِ زرْعَهم نهارًا ويتركوه ليلًا، وأصحابُ المواشي يُرسلونها نهارًا ويَحفظونها ليلًا، فقضى رسولُ اللهِ ﷺ على وَفْقِ هذه العادةِ، فإذا قَصَّرَ أصحابُ الزَّرعِ ولم يحفظوه نهارًا، ودخلت المواشي وأَتْلَفَتْ منه لم يَضْمَنْه أصحابُ المواشي، وإذا قَصَّرَ أصحابُ المواشي، فتركوها تَسْرَحُ ليلًا، فدخلت الحوائطَ وأَتْلَفَتِ الزَّرعَ، ضَمِنَه أصحابُ المواشي. «فَصْلٌ» في أحكامِ قتالِ أهلِ البَغْي البَغْيُ في اللُّغةِ: مَصْدَرُ بغى، وهو بمعنى علا وظَلَمَ وعَدَلَ عن الحقِّ واستطالَ. وفي الاصطلاحِ: همُ الخارجون على الإمامِ الحقِّ بغيرِ حقٍّ إذا كانَ لهم مَنَعَةٌ. والأصلُ في مشروعيَّةِ قتالِ أهلِ البغيِ قولُه تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا

стр. 400

بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. وقال عَرْفَجَةُ بنُ ضُرَيْحٍ ﵁: سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، وَيُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيُ بِثَلَاثَةِ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَكُونُوا فِي مَنَعَةٍ»، وذلك بكثرةِ عَددِهم؛ بحيثُ لا يمْكنُ تفريقُ جمعِهم إلَّا بقتالِهم، فإن كانوا آحادًا لا يَمْتَنِعُونَ استُوفِيت منهم الحقوقُ، ولم يُقاتَلوا. ٢ - «وَأَنْ يَخْرُجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ»؛ بانفرادِهم بِبَلْدَةٍ أو قرية ينحازون إليها، ويتميَّزون بها، كأهلِ الجملِ وصِفِّينَ، فإن كانوا على اختلاطِهم بأهلِ العدلِ ولم ينفردوا عنهم لم يقاتَلوا، ولا تجري عليهم أحكامُ البغاةِ. ٣ - «وَأن يَكونَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ»، كالَّذي تأوَّلَه أهلُ الجَملِ وصِفِّينَ في المطالَبةِ بدمِ عثمانَ بنِ عفَّانَ ﵁ حيثُ اعتَقدوا أنَّه يَعْرِفُ قَتَلَتَهُ، ويَقْدِرُ عليهم ويَمْنَعُهم منهم لرضاه بقتلِه، ومواطأتِه إيَّاهم، وكذا كلُّ تأويلٍ بطلانُه مظنونٌ، فإن لم يكنْ لهم تأويلٌ، أُجْرِيَ عليهم حُكمُ الحِرابةِ وقطَّاعِ الطَّريقِ. ويُرْسِلُ إليهم الإمامُ من يَنْصَحُهم ويدعوهم إلى الطَّاعةِ، ويكشفُ لهم ما عندَهم من الشُّبَهِ، ويحذِّرُهم من عاقبةِ البغيِ،

стр. 401

ويُنذرُهم بالقِتالِ إن أصرُّوا على ما هم عليه، وهذا ما فَعَلَه عليٌّ ﵁ حيث بَعَثَ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ إلى الخوارجِ فناظَرَهَم فرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ وأصرَّ الباقون، فقاتَلَهم عليٌّ ﵁ (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُمْ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ»، ممَّا يَختلفُ فيه قتالُ أهلِ البغيِ من المسْلمينَ عن قِتالِ الكفَّارِ أنه إذا أُخِذَ منهم أسرى لا يُقْتَلُون، كما أنَّهم لا يُسْتَرَقُّونَ، وإذا أُخِذَتْ منهم أموالٌ لا تُقْسَمُ كما تُقْسَمُ الغنائمُ، بل تُحْفَظُ حتى إذا انتهى بغيُهم رُدَّت إليهم، وإذا وُجِدَ منهم جريحٌ لا يُذَفَّفُ عليه؛ أيْ: لا يُتَمَّمُ قتلُه، وإذا وَلَّى أحدُهم هاربًا فلا يُتْبَعُ، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ قال رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: «يَا ابْنَ مَسْعُودٍ، أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟»، قال ابنُ مسعودٍ: اللهُ ورسولُه أَعْلَمُ، قالَ: «فَإِنَّ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَنْ لَا يُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُقْتَلَ أَسِيرُهُمْ وَلَا يُذَفَّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ» (٢). وفي روايةٍ: «وَلَا يُقَسَّمَ فَيْؤُهُمْ» (٣)؛ أيْ: ما يُغْنَمُ منهم. وأَمَرَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ مناديَه يومَ الجملِ فنادى: «لا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، ولا يُذَفَّفُ على جريحٍ، ولا يُقْتَلُ أسيرٌ، ومَن أَغْلَقَ بابَه

стр. 402

فهو آمِنٌ، ومَن ألقى سلاحَهُ فهو آمنٌ» (١). «فَصْلٌ» في أحكامِ الرِّدَّة الرِّدَّةُ في اللُّغةِ: الرُّجوعُ عن الشَّيءِ إلى غيرِه، قال تعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٢٨]. وفي الاصطلاحِ: الرُّجوعُ عن الإسلامِ إلى الكفرِ، ويَحْصُلُ تارةً بالقولِ، وتارةً بالفعلِ، وتارةً بالاعتقادِ. والرِّدَّةُ أعظمُ الذُّنوبِ، وموجبةٌ للخلودِ في النَّارِ والعياذُ باللهِ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وفي حديثِ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟» -ثَلاثًا- قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ اسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَلَمْ يُغَسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ»، من ارتدَّ عن دينِ الإسلامِ -سواءٌ كانَ بقولٍ أو

стр. 403

فعلٍ- فإنَّه يُستتابُ؛ لاحتمالِ أن تَكونَ عَرَضَتْ له شُبْهَةٌ فيسعى في إزالتِها، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: «إنَّ امرأةً يقالُ لها: أمُّ مَرْوانَ ارتدَّت عن الإسلامِ، فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ أن يُعْرَضَ عليها الإسلامُ، فإن تابت وإلَّا قُتِلَتْ» (١). وأُتِيَ عليٌّ ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابنَ عباسٍ ﵄ فقال: لو كنتُ أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ : «لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللهِ»، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (٢). وعندما ولَّى النَّبيُّ ﷺ أبا موسى الأشعريَّ ﵁ على اليَمنِ، أَتْبَعَه بمعاذِ بنِ جبلٍ ﵁، فلمَّا قَدِمَ عليه، قالَ: انزلْ، وألقى له وسادةً، وإذا رجلٌ عنده مُوثَقٌ، فقال معاذٌ: «ما هذا؟»، قالَ: كانَ يهوديًّا فأَسْلَمَ ثمَّ تَهَوَّدَ، قالَ: اجلسْ، فقال معاذٌ: «لا أجلسُ حتَّى يُقْتَلَ، قضاءُ اللهِ ورسولِه»، فقال أبو موسى: نعمِ، اجلسْ، قالَ: «لا أجلسُ حتَّى يُقْتَلَ قضاءُ اللهِ ورسولِه» -ثلاثَ مرَّاتٍ- فأمَرَ به أبو موسى فقُتِلَ (٣). «فَصْلٌ» في أحكامِ تاركِ الصَّلاة قال أبو شجاع ﵀: «وَتَارِكُ الصَّلَاةِ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْرُكَهَا غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لِوُجُوبِهَا؛ فَحُكْمُهُ حُكْمُ

стр. 404

الْمُرْتَدِّ»، من تَرَكَ الصَّلاةَ جاحدًا لوجوبِها فحُكمُه حُكمُ المرتدِّ؛ يُستتابُ ويُطْلَبُ منه أن يصلِّيَ معلِنًا اعتقادَه بوجوبِها، فإن امْتَنَعَ قُتِلَ وحُكِمَ بكفْرِه، فلا يُغَسَّلُ ولا يُكَفَّنُ ولا يُصَلَّى عليه، ولا يُدْفَنُ في مقابرِ المسْلمينَ. ودليلُ ذلك حديثُ بُريدةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَالثَّانِي: أَنْ يَتْرُكَهَا كَسَلًا مُعْتَقِدًا لِوُجُوبِهَا؛ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى وَإِلَّا قُتِلَ حَدًّا، وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمُسْلِمِينَ»، من تَرَكَ الصَّلاةَ كسلًا وهو معتقِدٌ لوجوبِها؛ فالمشهورُ في مَذهبِ الشَّافعيَّةِ أنَّه لا يَكْفُرُ، ولكنَّه يُسْتَتَابُ، فإن تابَ وصلَّى وإلَّا قُتِلَ حدًّا؛ أيْ: عقوبةً، وحُكِمَ بإسلامِه، فيُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويصلَّى عليه، ويُدْفَنُ في مقابرِ المسْلمينَ، وحَمَلُوا قولَه ﷺ في الحديثِ السَّابقِ: «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»؛ على من تَرَكَها جحودًا (٢). والله تعالى أعلم.

стр. 405

كتابُ الجِهَاد الجهادُ في اللُّغةِ: بذلُ الجُهْدِ -وهو الوسعُ والطَّاقةُ- للوصولِ إلى المطلوبِ. وفي الاصطلاحِ: بذلُ الجُهْدِ في قتالِ الكُفَّارِ؛ لتكونَ كلمةُ اللهِ هي العُليا. والقصدُ منَ الجهادِ دعوةُ غيرِ المسلمينَ إلى الإسلامِ، أو الدُّخولُ في ذمَّةِ المسلمينَ ودفعُ الجزيةِ، وجريانُ أحكامِ الإسلامِ عليهم، وبذلك ينتهي تعرُّضُهم للمسلمينَ، واعتداؤُهم على بلادِهم، ووقوفُهم في طريقِ نشرِ الدَّعوةِ الإسلاميةِ، وينقطعُ دابرُ الفسادِ، قالَ

стр. 406

تعالى: ﴿وقاتِلُوهم حتَّى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينُ للهِ فإنْ انتهوا فلا عدوانَ إلا على الظَّالمينَ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقالَ تعالى: ﴿هو الذي أرسلَ رسولَه بالهُدى ودينِ الحقِّ ليظهرَه على الدِّينِ كلِّه ولو كرهَ المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]. وقد مضَتْ سُنَّةُ رسولِ اللهِ ﷺ وسيرتُه، وسيرةُ الخلفاءِ الراشدينَ منْ بعدِه على جهادِالكُفَّارِ، وتخييرِهم بينَ ثلاثةِ أمورٍ مرتبةٍ، وهي: قَبولُ الدخولِ في الإسلامِ، أو البقاءُ على دينِهم معَ أداءِ الجزيةِ، وعقدِ الذِّمَّةِ، فإنْ لم يقبلوا، فالقتالُ. والجهادُ في سبيلِ اللهِ منْ أعظمِ الطَّاعاتِ، وأفضلِ القُرُباتِ، وقدْ وردَ في فضلِه والحثِّ عليه، والتَّحذيرِ منْ تعطيلِه ما لا يُحصى منَ النُّصوصِ القرآنيةِ والأحاديثِ النَّبويةِ، قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]. وقالَ أبو هريرةَ ﵁ سُئِل النَّبيُّ ﷺ : أيُّ العملِ أفضلُ؟

стр. 407

قالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ» (١). وعنْ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ رَوْحَةٌ، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» (٢). وعنْ أبي عَبْسٍ عبدِ الرحمنِ بنِ جَبرٍ الأنصاريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» (٣). وعنْ عمرانَ بنِ حصينٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَقِيَامُ رَجُلٍ فِي الصَّفِّ فِي سَبِيلِ اللهِ سَاعَةً، أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً» (٤). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄ سمعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» (٥). والجهادُ على نوعينِ: الأوَّلُ: جهادُ الطَّلبِ؛ أي: طلبِ الكُفَّارِ في بلادِهم، وهو

стр. 408

فرضُ كفايةٍ، قالَ أبو إسحاقَ الشيرازيُّرحمه الله: «وأقلُّ ما يُجزئُ في كلِّ سنةٍ مرَّةٌ؛ لأنَّ الجزيةَ تجبُ في كلِّ سنةٍ مرةً، وهى بدلٌ عنِ القتلِ، فكذلك القتلُ، ولأنَّ في تعطيلِه أكثرَ منْ سنةٍ ما يُطمِعُ العدوَّ في المسلمينَ، فإنْ دعَتِ الحاجةُ في السَّنةِ إلى أكثرَ منْ مرةٍ وجبَ؛ لأنَّه فرضٌ على الكفايةِ، فوجبَ منه ما دعَتِ الحاجةُ إليه، فإنْ دعَتِ الحاجةُ إلى تأخيرِه لضعفِ المسلمينَ أو قلَّةِ ما يحتاجُ إليه منْ قتالِهم منَ العُدَّةِ أو للطَّمعِ في إسلامِهم، جازَ تأخيرُه» (١). الثَّاني: جهادُ الدَّفعِ؛ أيْ: دفعِ الكُفَّارِ إذا هجمُوا على قومٍ منَ المسلمينَ بغتةً، فيتعيَّنُ عليهم الدفعُ ولو كانَ امرأةً أو صبيًّا، أو هجمَ على مَنْ بِقُرْبِهم ممَّنْ هم دونَ مسافةِ القصرِ، وليسَ لهم قدرةٌ على دفعِهم، وكذلك يَلزِمُ مَنْ على مسافةِ القصرِ إذا لم تحصلِ الكفايةُ، والمرادُ أنَّ النفيرَ يعمُّ جميعَ المسلمينَ ممَّنْ كانَ مِنْ أهلِ القتالِ حينَ الحاجةِ لمجيءِ العدوِّ إليهم، ولا يجوزُ لأحدٍ التَّخلُّفُ إلَّا مَنْ يُحتاجُ إلى تخلُّفِه لحفظِ المكانِ والأهلِ والمالِ (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجِهَادِ سَبْعُ خِصَالٍ: ١ - الْإِسْلَامُ»، فلا جِهادَ على الكافرِ، ولو كانَ ذِميًّا؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولأنَّه يبذلُ الجزيةَ؛ ليدافعَ المسلمونَ عنه.

стр. 409

٢، ٣ - «وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ»، فلا جهادَ على صبيٍّ، ولا مجنونٍ؛ لعدمِ تكليفِهما، وقد سبقَ حديثُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (١). وقالَ عبدُ اللهَ بنُ عمرَ ﵄: «عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يومَ أُحُدٍ وأنا ابنُ أربعَ عشْرَةَ سَنَةً فلم يُجِزْنِي، وعُرِضتُ يومَ الخندقِ، وأنا ابنُ خمسَ عَشْرَةَ سَنَةً فأجازَني» (٢). ٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا جهادَ على العبدِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾ [الصف: ١١]، ولا مالَ للعبدِ، ولا نفسَ يملِكُها، فلم يشملْه الخِطابُ، حتَّى لو أمرَه سيِّدُه لم يَلْزَمْهُ؛ لأنَّه ليسَ منْ أهلِ هذا الشَّأنِ، وليسَ القتالُ منَ الاستخدامِ المُستحَقِّ للسَّيِّدِ؛ لأنَّ المُلكَ لا يقتضي التَّعرُّضَ للهلاكِ. ٥ - «وَالذُّكُورِيَّةُ»، فلا يجبُ على النِّساءِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّها استَأذَنَتِ النَّبيَّ ﷺ في الجهادِ، فقالَ: «جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ» (٣). ٦ - «وَالصِّحَّةُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]، فلا يجبُ الجهادُ

стр. 410

على أعمى ولا على ذي عَرَجٍ بَيِّنٍ؛ لأنَّ مقصودَ الجهادِ البطشُ والنِّكايةُ، وهو مفقودٌ فيهما. ٧ - «وَالطَّاقَةُ عَلَى الْقِتَالِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]، فلا يجبُ الجهادُ على الضَّعيفِ، وكذلك المريضُ، ولا على عادمِ أُهبَةِ القتالِ مِنْ نفقةٍ أو سلاحٍ، وكذا مركوبٍ إنْ كانَ سفرَ قصْرٍ، فإنْ كانَ دونَه لزمَه إنْ كانَ قادرًا على المشيِ. ولو كانَ القتالُ على بابِ دارِه أو حولَه سقطَ اعتبارُ المؤَنِ، وكذلك إذا دخلَ الكفَّارُ بلدةً منْ بلادِ المسلمينَ؛ فإنَّه يتعينُ على أهلِها الدَّفعُ، ويكونُ الجِهادُ حينَئذٍ فرضَ عينٍ عليهم؛ سواءٌ أمكنَ تأهُّبُهم لقتالٍ أم لا، فَمَنْ قُصِدَ دفَعَ عنْ نفسِه بالمُمكنِ إنْ عَلمَ أنَّه إنْ أُخِذَ قُتِلَ، وإنْ جوَّزَ الأسرَ فلَه أنْ يستسلمَ وله أنْ يَدفعَ. والمرأةُ إنْ علمَتِ امتدادَ الأيدي إليها بالفاحشةِ فعليها الدَّفعُ وإنْ قُتِلَتْ، ويتعيَّنُ الجهادُ -أيضًا- على مَنْ هم دونَ مسافةِ قصرٍ منَ البلدةِ التي دخلَها الكفَّارُ، فيجبُ عليْهمُ المضيُّ إليهم وإنْ كانَ في أهلِها كفايةٌ؛ لأنَّهم كالحاضرينَ معَهم، فيجبُ على كلٍّ ممن ذكر؛ حتى على فقيرٍ وولدٍ ومَدِينٍ ورقيقٍ، بلا إذنٍ من الأصلِ، وربِّ الدينِ، والسيدِ، ويلزمُ الذينَ على مسافةِ القصرِ المضيُّ إليهم عندَ الحاجةِ بقدرِ الكفايةِ؛ دفعًا عنهم وإنقاذًا لهم منَ الهلَكةِ، فيصيرُ فرضَ عينٍ في حقِّ مَنْ قَرُبَ، وفرضَ كفايةٍ في حقِّ مَنْ بَعُدَ (١).

стр. 411

قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ أُسِرَ مِنَ الْكُفَّارِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: ١ - ضَرْبٌ يَكُونُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَهُمُ الصِّبْيَانُ وَالنِّسَاءُ»، ومَنْ أُسِرَ مِنَ الكُفَّارِ، فعلى ضَرْبينِ: ضربٌ لا تخييرَ فيه للإمامِ، بل يصيرُ رقيقًا بنفسِ السَّبْيِ، وهمُ الصِّبيانُ والنِّساءٍ، وكذلك المجانينُ والعبيدُ، ويكونونَ كسائرِ أموالِ الغنيمةِ، الخُمْسُ لأهلِه، والباقي للغانمينَ؛ على ما سيأتي تفصيلُه عندَ الكلامِ على الغنيمةِ، في الفصلِ التَّالي -إنْ شاءَ اللهُ تعالى- ويحْرُمُ قتلُ النِّساءِ والصِّبيانِ؛ إلَّا إذا قاتلوا، يقولُ عبدُ اللهِ بنُ عمرَرضي الله عنهما: «وُجِدَتْ امرأةٌ مقتولةٌ في بعضِ مغازي رسولِ اللهِ ﷺ ، فنهى رسولُ اللهِ ﷺ عن قتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ» (١). وفي روايةٍ أنَّه ﷺ قالَ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ»، ثُمَّ نهى عنْ قتْلِ النِّساءِ والصِّبيانِ (٢). ٢ - «وَضَرْبٌ لَا يَرِقُّ بِنَفْسِ السَّبْيِ، وَهُمُ الرِّجَالُ الْبَالِغُونَ»، الضَّربُ الثَّاني مِنْ أسرى الكُفَّارِ، لا يَرِقُّ بنفسِ السَّبيِ، وهمُ الرِّجالُ الأحرارُ البالغونَ العقلاءُ، ويخيَّرُ الإمامُ فيهم بينَ أربعةِ أشياءَ، يختارُ منها الأحظَّ للإسلامِ والمسلمينَ. قال أبو شجاع ﵀: «وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهِمْ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: ١ - الْقَتْلُ»، وقد قَتلَ النَّبيُّ ﷺ عقبةَ بنَ أبي معيطٍ،

стр. 412

والنَّضرَ بنَ الحارثِ، صبرًا يومَ بدرٍ، وذلك لشدَّةِ عداوتِهما للهِ ورسولِه وللمسلمينَ (١). ٢ - «وَالِاسْتِرْقَاقُ»؛ لحديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ ﵄ قالَ: «كانَتْ ثقيفُ حُلفاءَ لبَنيْ عُقَيْلٍ، فأسرَتْ ثقيفُ رجلينِ منْ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وأسرَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ رجلًا منْ بَني عُقَيْلٍ ... فَفُدِيَ بالرَّجلينِ» (٢). ٣ - «وَالْمَنُّ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، وقد مَنَّ النَّبيُّ ﷺ على أبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ زوجِ ابنتِه زينبَ ﵂، وكانَ قد أُسِرَ يومَ بدرٍ (٣)، ثُمَّ أسلمَ بعدَ ذلك ﵁، وكذلك مَنَّ على أبي عزةَ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو الجمحيِّ، وكانَ قدْ عاهدَ النَّبيَّ ﷺ على أنْ لا يحرِّضَ عليه، ولا يهجوَه، فلمَّا لحِقَ بقومِه رجعَ إلى التَّحريضِ والهجاءِ، ثُمَّ خرجَ معَهم لقتالِ النَّبيِّ ﷺ في غزوةِ أُحُدٍ فَأُسِرَ ثُمَّ قُتِلَ (٤).

стр. 413

٤ - «وَالْفِدْيَةُ بِالْمَالِ أَوْ بِالرِّجَالِ»، كما فادى النَّبيُّ ﷺ بعضَ أهلِ بدرٍ بالأموالِ، وكانَ فداؤُهم مُتفاوتًا، فأقلُّ ما أخذَ أربعُمائةٍ، ومنهم مَنْ أَخذَ منه أربعينَ أوقيةً مِنْ ذَهَبٍ، وأَخذَ مِنْ عمِّه العبَّاسِ ﵁ مائةَ أوقيةٍ مِنْ ذَهَبٍ؛ لئلَّا يُحابيَه لكونِه عمَّه، معَ أنَّه قدْ سألَه الذينَ أسَرُوه منَ الأنصارِ أنْ يتركوا له فداءَه فأبى ﷺ عليهم ذلك، وقالَ: «لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا» (١)، قالَ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «وكانَ ناسٌ منَ الأسرى يومَ بدْرٍ لم يكنْ لهم فداءٌ، فجعلَ رسولُ اللهِ ﷺ فداءَهم أنْ يُعلِّموا أولادَ الأنصارِ الكتابةَ»، قالَ: «فجاءَ يومًا غلامٌ يبكي إلى أبيه، فقالَ: ما شأنُك؟ قالَ: ضربَني معلِّمِي، قالَ: الخبيثُ، يطلبُ بذَحْلِ بدْرٍ، واللهِ لا تأتيه أبدًا (٢). وقد فادى النَّبيُّ ﷺ -أيضًا- رجلينِ منْ أصحابِه برجُلٍ منْ بَني عُقَيْلٍ» (٣).

стр. 414

قال أبو شجاع ﵀: «يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ»؛ أيْ: يختارُ منْ هذه الأربعةِ: القتلِ والاسترقاقِ والمنِّ والفديةِ بالمال أو بالرِّجالِ ما فيه المصلحةُ للإسلامِ والمسلمينَ، ويكونُ ذلك بالاجتهادِ لا بالتَّشهِّي. قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ أَحْرَزَ مَالَهُ وَدَمَهُ وَصِغَارَ أَوْلَادِهِ»، مَنْ أسلمَ منَ الكُفَّارِ قبلَ أسرِه والظَّفَرِ بِه عَصمَ دمَه ومالَه وصغارَ أولادِه؛ لأنَّهم يتْبَعون أباهم في الدِّينِ، قالَ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» (١). وكذلك المرأةُ إذا أسلمَتْ قبلَ الأسْرِ؛ فإنَّها تَعصمُ نفسَها منَ السَّبيِ، وكذلك تعصمُ مالَها وأولادَها الصِّغارَ؛ لأنَّ الصِّغارَ يتْبَعون مَنْ أسلمَ منَ الأبوَينِ؛ لأنَّه لا وصايةَ لكافرٍ على مسلمٍ. وقولُ المصنِّفِرحمه الله: «وَصِغَارَ أَوْلَادِهِ»؛ احترازًا منَ الزَّوجةِ والأولادِ البالغين؛ لاستقلالِهم بالإسلامِ. ولو أُسِرَ مُكَلَّفٌ ثُمَّ أسلمَ عصمَ الإسلامُ دمَه، فيحْرُمُ قتلُه، ويخيَّرُ الإمامُ فيه بينَ الأمورِ الثَّلاثةِ الأُخرى: الاسترقاقِ، أو المنِّ، أو الفداءِ.

стр. 415

قال أبو شجاع ﵀: «وَيُحْكَمُ لِلصَّبِيِّ بِالْإِسْلَامِ عِنْدَ وُجُودِ ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ: ١ - أَنْ يُسْلِمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ»، فيُنسَبُ إليه، مراعاةً لمصلحةِ الصَّغيرِ، ولأنَّه لا وصايةَ لكافرٍ على مسلمٍ، ولأنَّ الإسلامَ صفةُ كمالٍ وشرفٍ وعلوٍّ قالَ ﷺ : «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» (١). ٢ - «أَوْ يَسْبِيَهُ مُسْلِمٌ مُنْفَرِدًا عَنْ أَبَوَيْهِ»، فيحكمُ بإسلامِه تبعًا لسابيه؛ لأنَّ له عليه ولايةً، وليس معَه مَنْ هو أقربُ إليه منه، فيتبعُه كالأبِ. ٣ - «أَوْ يُوجَدَ لَقَيطًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ»، ولو كانَ فيها أهلُ ذمَّةٍ، وذلك لما سبقَ منْ مراعاةِ مصلحةِ الصَّغيرِ، ولأنَّ الإسلامَ صفةُ كمالٍ وعلوٍّ وشرفٍ. «فَصْلٌ» في أحكامِ الغَنِيمَة الغنيمةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ منَ الغُنْمِ، وهو الرِّبْحُ. وفي الاصطلاحِ: ما أُخِذَ مِنَ الكُفَّارِ في الحربِ عَنْوَةً. والأصلُ في مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال: ٦٩]. وقد كانَتْ محرمةً في الشَّرائعِ السَّابقةِ، وإنَّما أُبيحَتْ للنَّبيِّ ﷺ

стр. 416

وأمَّتِهِ خاصَّةً، وقد سبقَ حديثُ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي»، وفيه: «وَأُحِلَّتْ لِي المَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أُعْطِيَ سَلَبَهُ»؛ لحديثِ أبي قتادةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّصلى الله عليه وسلم قالَ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ» (٢). والسَلَبُ: ما وُجدَ معَ القتيلِ منْ مالٍ ولباسٍ ودابةٍ وسلاحٍ، والبيِّنةُ: الدَّلالةُ أو الشهودُ الذين يشهدونَ له بقتْلِه. قال أبو شجاع ﵀: «وَتُقْسَمُ الْغَنِيمَةُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى خَمْسَةِ أَخْمَاسٍ، فَيُعْطَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، وَلِلرَّاجِلِ سَهْمٌ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ شقيقٍ العقيليِّ أنَّ رجلًا سألَ النَّبيَّ ﷺ عنِ الغنيمةِ؟ فقالَ ﷺ : «للهِ خُمُسُهَا، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِلْجَيْشِ» (٣). وقالَ ابنُ عمرَ ﵄: «إنَّ رسولَ اللهِ ﷺ جعلَ للفرسِ سهمينِ، ولصاحبِه سهمًا» (٤). وفي روايةٍ: «قَسَمَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ خيبرَ للفرسِ سهمينِ، وللرَّاجلِ سهمًا» (٥).

стр. 417

والراجِلُ؛ أيْ: المُقاتلُ على رجلَيهِ. قالَ أبو شُجاعٍ ﵀: «وَلَا يُسْهَمُ إِلَّا لِمَنْ اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ خَمْسُ شَرَائِطَ: الْإِسْلَامُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْعَقْلُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورِيَّةُ»؛ لأنَّ الكافرَ والصَّبيَّ والمجنونَ والعبدَ والمرأةَ ليسوا منْ أهلِ فرضِ الجهادِ. قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ رُضِخَ لَهُ وَلَمْ يُسْهَمْ»، إنِ اختلَّ شرطٌ منَ الشُّروطِ الخمسةِ السَّابقةِ؛ بأنْ كانَ مَنْ حضرَ القتالَ صغيرًا، أو مجنونًا، أو رقيقًا، أو أنثَى، أو ذميًّا؛ رُضِخَ له، والرَّضْخُ في اللُّغةِ: العطاءُ القليلُ، وفي الاصطلاحِ: هو ما دونَ السَّهمِ، ويجتهدُ الإمامُ في قدْرِه؛ لأنَّه لم يَرِدْ فيه تحديدٌ، فيرجعُ إلى رأيِه، ويتفاوتُ على قَدْرِ نفعِ المرضَخِ له، فيرجحُ المقاتِلُ ومَنْ قِتالُه أكثرُ على غيرِه، والفارسُ على الراجلِ، والمرأةُ التي تداوي الجرحى وتَسقي العَطاشَى على التي تحفظُ الرِّحَالَ، وذلك بخلافِ سهمِ الغنيمةِ، فإنَّه يستوي فيه المقاتلُ وغيرُه؛ لأنَّه منصوصٌ عليه، والرَّضْخُ بالاجتهادِ لكنْ لا يبلغُ به سهمَ راجلٍ ومحلُ الرَّضْخِ الأخماسُ الأربعةُ؛ لأنَّه سهمٌ منَ الغنيمةِ يُسْتَحَقُّ بحضورِ الوقعةِ؛ إلا أنَّه ناقصٌ، وإنَّما يُرضَخُ للذِّميِّ وما أُلحقَ به منَ الكُفَّارِ إذا حضرَ بلا أُجرةٍ، وكانَ حضورُه بإذنِ الإمامِ، أو أميرِ الجيشِ، وبلا إكراهٍ منه، ولا أثرَ لإذنِ الآحادِ، فإنْ حضرَ بأُجرةٍ فلَه الأُجرةُ، ولا شيءَ له سواها، وإنْ حضرَ بلا إذنِ الإمامِ أو الأميرِ فلا رضْخَ له، بلْ يعزِّرُه الإمامُ إنْ رآه، وإنْ أكرَهَه الإمامُ

стр. 418

على الخروجِ استحقَ أجرةَ مثلِه؛ منْ غيرِ سهمٍ ولا رضْخٍ لاستهلاكِ عَمَلِه عليه (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُقْسَمُ الْخُمُسُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ: ١ - سَهْمٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يُصْرَفُ بَعْدَهُ لِلْمَصَالِحِ»، الخُمسُ الباقي بعدَ الأخماسِ الأربعةِ -التي تكونُ للغانمينَ- يُقسَمُ على خمسةٍ، وهم المذكورونَ في قولِه تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فقولُه تعالى: ﴿فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾؛ هذا هو السهمُ الأولُ، فسهمُ اللهِ والرسولِ ﷺ واحدٌ، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، فقد كانَتْ قبلَ فرضِ الخُمسِ للنَّبيِّ ﷺ يضعُها حيثُ شاءَ، فلمَّا فُرِضَ الخمسُ تَبَيَّنَ أنَّ للغانمين أربعةَ أخماسِ الغنيمةِ، وخُصَّ النَّبيُّ ﷺ بالخُمسِ، فليسَ للغانمين فيه حقٌ، وقد بَوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ ﵀ بابًا سمَّاه: «بابُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿فأن لله خمسه وللرسول﴾، يعني: للرسولِ قسمُ ذلك» (٢). ولا يسقطُ هذا السهمُ بوفاتِه ﷺ بل ينفقُه الإمامُ في مصالحِ المسلمينَ، قالَ الخطيبُ الشربينيُّرحمه الله: «فمِنَ المصالحِ سدُّ الثُّغورِ، وشحنُها بالعُددِ والمقاتِلَةِ، وهي مواضعُ الخوفِ منْ أطرافِ بلادِ الإسلامِ التي تليها بلادُ المشركينَ، فيخافُ أهلُها منهم، وعمارةُ

стр. 419

المساجدِ والقناطرِ والحصونِ، وأرزاقُ القُضاةِ والأئمةِ والعلماءِ بعلومٍ تتعلقُ بمصالحِ المسلمينَ، كتفسيرٍ وحديثٍ وفقهٍ ومُعلمي القرآنِ والمؤذنينَ؛ لأنَّ بالثُّغورِ حِفْظَ المسلمين؛ ولئلَّا يتعطلَ مَنْ ذُكرَ بالاكتسابِ عنِ الاشتغالِ بهذه العلومِ، وعن تنفيذِ الأحكامِ، وعن التَّعليمِ والتَّعلُّمِ، فيُرزَقون ما يكفيهم؛ ليتفرغوا لذلك» (١). ٢ - «وَسَهْمٌ لِذَوِيِ الْقُرْبَى، وَهُمْ: بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ»؛ لحديثِ جُبيرِ بنِ مطعمٍ ﵁ قال: مشيتُ أنا وعثُمَّانُ بنُ عفَّانَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقلْنا: يا رسولَ اللهِ، أَعطيْتَ بَني المطَّلِبِ وتركْتَنا، ونحنُ وهم منك بمنزلَةٍ واحدةٍ؟ فقالَصلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ» (٢). وقولُ جبيرٍ وعثُمَّانَ ﵄: «نحن وهم منك بمنزلةٍ واحدةٍ»؛ أي: مِن حيثُ القرابةُ؛ لأنَّ الجميعَ بنو عبدِ منافٍ، ولكنَّ عثُمَّانَ ﵁ من بَني عبدِ شمسٍ، وجبيرٌ ﵁ من بَني نَوْفَلٍ. وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَىْءٌ وَاحِدٌ»؛ لأنَّه ﷺ لمَّا بُعثَ بالرِّسالةِ آذاه قومُه وهمُّوا به، فقامَتْ بنو هاشمٍ مسلمُهم وكافرُهم دونَه ﷺ ، وأبَوا أنْ يسلِّمُوه، فاجتمعَتْ قريشٌ على أنْ يكتبوا فيما بينَهم صحيفةً قاطعوا بموجِبِها بَني هاشمٍ، فلا يُبايعونهم، ولا يُناكحونهم، ولا يُعاملونهم حتَّى يسلِّموا إليهم النَّبيَّ ﷺ ليقتلوه، ثُمَّ حاصروهم بعدَ ذلك، فعمدَ أبو طالبٍ

стр. 420

فأدخلَهم الشِّعْبَ؛ شعبَ أبي طالبٍ في ناحيةٍ مِن مكةَ، فدخلَ بَنو المطَّلبِ مسلمُهم وكافرُهم معَ بَني هاشمٍ في الشِّعْبِ ثلاثَ سنينَ، حتَّى أصابَهم مِن ضيقِ الحصارِ والأذى ما أصابَ بَني هاشمٍ، فعرفَ لهم النَّبيُّ ﷺ صنيعَهم وموالاتِهم، وكانَ يقولُ: «إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» (١). ٣ - «وَسَهْمٌ لِلْيَتَامَى»، اليتامى: جمعُ يتيمٍ، وهو كلُّ صغيرٍ لا أبَ له، فإذا بلغَ لم يبقَ يتيمًا؛ لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» (٢). ٤ - «وَسَهْمٌ لِلْمَسَاكِينِ»، والمسكينُ: هو مَنْ له شيءٌ يسدُّ مسدًّا مِنْ حاجتِه؛ لكنَّه لا يكفيه، كمَنْ يحتاجُ إلى عَشرةٍ فلا يجدُ إلا ثمانيةً. ٥ - «وَسَهْمٌ لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ»، وابنُ السَّبيلِ: هو المسافرُ يريدُ أنْ يرجعَ إلى بلدِه، وقدْ فقدَ نفقتَه التي تُبلِّغُه مقصِدَه. «فَصْلٌ» في أحكامِ الفَيْء الفيءُ في اللُّغةِ: الرجوعُ، ومنه قولُه تعالى: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩]؛ أيْ: ترجعَ إلى طاعةِ اللهِ، والمرادُ بالرُّجوعِ هنا: رجوعُ مالِ الكُفَّارِ إلى المسلمينَ.

стр. 421

وفي الاصطلاحِ: كلُّ مالٍ أُخِذَ مِنَ الكُفَّارِ بغيرِ قتالٍ. وذلك نحوُ المالِ الذي يتركُه الكفَّارُ فزعًا منَ المسلمين، أو يدفعوه طلبًا للصُّلحِ معَهم، وكذلك الجزيةُ، والأموالُ التي يموتُ عنها مَنْ لا وارثَ له مِنْ أهلِ الذِّمةِ، ومالُ المرتدِّ إذا قُتلَ أو ماتَ. ودليلُ مشروعيةِ الفيءِ، قولُه تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٦، ٧]. قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «كانَتْ أمْوالُ بَني النَّضِيرِ ممَا أفَاءَ اللهُ عَلى رسُولِه ﷺ مِمَّا لَم يُوجِفِ المُسْلمُونَ علَيْه بخيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فكانَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وكانَ يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ نفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعلُ مَا بَقيَ في السلاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سبيلِ اللهِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُقْسَمُ مَالُ الْفَيْءِ عَلَى خَمْسِ فِرَقٍ، يُصْرَفُ خُمُسُهُ عَلَى مَنْ يُصْرَفُ عَلَيْهِمْ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ، وَيُعْطَى أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَفِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ»، يُقسمُ مالُ الفيءِ على

стр. 422

خمسةِ أقسامٍ متساويةٍ، فيُصرَفُ أحدُها على مَنْ يُصرفُ عليهم خُمُسُ الغنيمةِ، وقد مرَّ الكلامُ عليهم في الفصلِ السابقِ، وأما الأربعةُ أخماسٍ الباقيةُ، والتي كانَت لرسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ منها نفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعلُ مَا بَقِيَ في السلاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سبيلِ اللهِ؛ فإنَّها بعدَ وفاتِه ﷺ تُصرفُ للمُقاتِلةِ، وهمُ الجندُ المنقطعونَ لرصدِ العدوِّ وحمايةِ الثُّغورِ، ويكونُ ذلك بتعيينِ الإمامِ لهم، وإثباتِ أسمائِهم في الديوانِ، بعدَ أنْ تجتمعَ فيهم شروطٌ؛ وهي: الإسلامُ، والتَّكليفُ، والحريةُ، والصِّحةُ، وهؤلاءِ الجندُ يُقالُ لهم: مُرتَزِقةٌ؛ لأنَّهم أرصدوا أنفسَهم للذَّبِّ عن الدِّينِ، وطلبوا الرزقَ مِن مالِ اللهِ، فيفرقُ الإمامُ عليهم الأخماسَ الأربعةَ على قدْرِ حاجاتِهم، وكذلك يصرفُ مِن هذه الأربعةِ أخماسٍ على مصالحِ المسلمين منْ إصلاحِ الحصونِ وعلى السِّلاحِ وآلاتِ القتالِ. «فَصْلٌ» في أحكامِ الجِزْيَة الجزيةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ منَ الجزاءِ، بمعنى القضاءِ، يقالُ: جزيتُ دَيني؛ أيْ: قضيتُه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أيْ: لا تَقضي، قالَ النَّوويُّ ﵀: «كأنَّها جزاءُ إسكانِنا إياهُ في دارِنا، وعصمتُنا دمَه، ومالَه، وعيالَه» (١).

стр. 423

وفي الاصطلاحِ: مالٌ يلتزمُه كافرٌ مخصوصٌ، بعقدٍ مخصوصٍ. والمرادُ بـ «كافرٌ مخصوصٌ»؛ أيْ: مَنْ له كتابٌ أو شُبهةُ كتابٍ، والمرادُ بـ «عقدٍ مخصوصٍ»؛ أيْ: بشروطٍ وضوابطَ، وسيذكرُها المصنِّفُ قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ودليلُ مشروعيةِ الجزيةِ قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وفي حديثِ عمرِو بنِ عوفٍ الأنصاريِّرضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَ أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتِها» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ خَمْسُ خِصَالٍ: ١، ٢ - الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ»، فلا جزيةَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لعدمِ تكليفِهما، وقد سبقَ حديثُ عليٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (٢).

стр. 424

٣ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا جزيةَ على رقيقٍ؛ لأنَّ العبدَ ومالَه لسيدِه. ٤ - «وَالذُّكُورَةُ»، فلا جزيةَ على غيرِ الذُّكورِ؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِرضي الله عنه: «أنَّه كتبَ إلى عمَّالِه أنْ لا يَضْرِبُوا الجزْيةَ على النِّساءِ والصبيانِ» (١). ٥ - «وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِمَّنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ»، فلا تُقبلُ الجزيةُ إلا ممَّنْ كانَ له كتابٌ، كاليهوديِّ والنصرانيِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فاشترطَ في قَبولِ الجزيةِ أنْ تكونَ ممَّنْ له كتابٌ، وكذلك تقبلُ ممَّنْ له شُبهةُ كتابٍ لحديثِ بَجَالَةَ بنِ عَبْدَةَ التَّميميِّ أنَّ عمرَ ﵁ لم يكَنْ ليأخذَ الجِزْيَةَ مِنَ المجوسِ، حتَّى شهدَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذَها مِنْ مجوسِ هَجَرَ» (٢). وقد روُجعَ عليٌّ ﵁ فيهم، فقالَ: «واللهِ ما على الأرضِ اليومَ أحدٌ أعلمُ بذلك منِّي، إنَّ المجوسَ كانوا أهلَ كتابٍ يعرفونه، وعِلمٍ يدرسونه، فشربَ أميرٌ لهم الخمرَ فسكِرَ، فوقعَ على أختِه،

стр. 425

فرآه نفرٌ منْ أهلِ مملكتِه، فلما أصبحَ قالَتْ أختُه: إنَّك قد صنعْتَ كذا وكذا، وقد رآك نفرٌ لا يسترون عليك، فدعا أهلَ الطمعِ وأعطاهم، ثُمَّ قالَ لهم: قد علمْتُم أنَّ آدمَ أنكحَ بَنِيهِ بناتَه، فجاءَ أولئِكَ الذين رأَوه فقالوا: ويلًا للأبعدِ، إنَّ في ظهرِك حدًّا للهِ، فقتلَهم أولئِك الذين كانوا عندَه، ثُمَّ جاءَتِ امرأةٌ، فقالَتْ له: بلْ قد رأيتُك، فقالَ لها: ويحًا لبغيِّ بَنيْ فُلانٍ، قالَتْ: أجلْ، واللهِ لقد كنْتُ بغيًّا ثُمَّ تبْتُ، فقتلَها، ثُمَّ أُسرِيَ على ما في قلوبِهم، وعلى كتبِهم فلم يصبحْ عندَهم شيءٌ» (١). أما مَنْ لم يكنْ له كتابٌ، ولا شبهةُ كتابٍ، كعَبَدةِ الأصنامِ، والنيرانِ، والشمسِ، والقمرِ، والكواكبِ، ونحوِهم فلا تُعقدُ لهم الذِّمَّةُ، ولا تُقبلُ منهم الجزيةُ، بل يُقاتَلون حتَّى يُسلِموا، أو يُقتَلوا، قالَ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥]. قال أبو شجاع ﵀: «وَأَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ فِي كُلِّ حَوْلٍ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَمِنَ الْمُوسِرِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ»؛ لحديثِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الثقفيِّ ﵀: «وضعَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁
следующие страницы →