خمسةِ أقسامٍ متساويةٍ، فيُصرَفُ أحدُها على مَنْ يُصرفُ عليهم خُمُسُ الغنيمةِ، وقد مرَّ الكلامُ عليهم في الفصلِ السابقِ، وأما الأربعةُ أخماسٍ الباقيةُ، والتي كانَت لرسولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ منها نفَقَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ يَجْعلُ مَا بَقِيَ في السلاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سبيلِ اللهِ؛ فإنَّها بعدَ وفاتِه ﷺ تُصرفُ للمُقاتِلةِ، وهمُ الجندُ المنقطعونَ لرصدِ العدوِّ وحمايةِ الثُّغورِ، ويكونُ ذلك بتعيينِ الإمامِ لهم، وإثباتِ أسمائِهم في الديوانِ، بعدَ أنْ تجتمعَ فيهم شروطٌ؛ وهي: الإسلامُ، والتَّكليفُ، والحريةُ، والصِّحةُ، وهؤلاءِ الجندُ يُقالُ لهم: مُرتَزِقةٌ؛ لأنَّهم أرصدوا أنفسَهم للذَّبِّ عن الدِّينِ، وطلبوا الرزقَ مِن مالِ اللهِ، فيفرقُ الإمامُ عليهم الأخماسَ الأربعةَ على قدْرِ حاجاتِهم، وكذلك يصرفُ مِن هذه الأربعةِ أخماسٍ على مصالحِ المسلمين منْ إصلاحِ الحصونِ وعلى السِّلاحِ وآلاتِ القتالِ.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الجِزْيَة
الجزيةُ في اللُّغةِ: مشتقةٌ منَ الجزاءِ، بمعنى القضاءِ، يقالُ: جزيتُ دَيني؛ أيْ: قضيتُه، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]؛ أيْ: لا تَقضي، قالَ النَّوويُّ ﵀: «كأنَّها جزاءُ إسكانِنا إياهُ في دارِنا، وعصمتُنا دمَه، ومالَه، وعيالَه» (١).
стр. 423
وفي الاصطلاحِ: مالٌ يلتزمُه كافرٌ مخصوصٌ، بعقدٍ مخصوصٍ.
والمرادُ بـ «كافرٌ مخصوصٌ»؛ أيْ: مَنْ له كتابٌ أو شُبهةُ كتابٍ، والمرادُ بـ «عقدٍ مخصوصٍ»؛ أيْ: بشروطٍ وضوابطَ، وسيذكرُها المصنِّفُ قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
ودليلُ مشروعيةِ الجزيةِ قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وفي حديثِ عمرِو بنِ عوفٍ الأنصاريِّرضي الله عنه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَ أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ ﵁ إلى البحرين يأتي بجزيتِها» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ خَمْسُ خِصَالٍ:
١، ٢ - الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ»، فلا جزيةَ على صبيٍّ ولا مجنونٍ؛ لعدمِ تكليفِهما، وقد سبقَ حديثُ عليٍّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» (٢).
стр. 424
٣ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا جزيةَ على رقيقٍ؛ لأنَّ العبدَ ومالَه لسيدِه.
٤ - «وَالذُّكُورَةُ»، فلا جزيةَ على غيرِ الذُّكورِ؛ لحديثِ عمرَ بنِ الخطَّابِرضي الله عنه: «أنَّه كتبَ إلى عمَّالِه أنْ لا يَضْرِبُوا الجزْيةَ على النِّساءِ والصبيانِ» (١).
٥ - «وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ مِمَّنْ لَهُ شُبْهَةُ كِتَابٍ»، فلا تُقبلُ الجزيةُ إلا ممَّنْ كانَ له كتابٌ، كاليهوديِّ والنصرانيِّ؛ لقولِه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فاشترطَ في قَبولِ الجزيةِ أنْ تكونَ ممَّنْ له كتابٌ، وكذلك تقبلُ ممَّنْ له شُبهةُ كتابٍ لحديثِ بَجَالَةَ بنِ عَبْدَةَ التَّميميِّ أنَّ عمرَ ﵁ لم يكَنْ ليأخذَ الجِزْيَةَ مِنَ المجوسِ، حتَّى شهدَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أخذَها مِنْ مجوسِ هَجَرَ» (٢).
وقد روُجعَ عليٌّ ﵁ فيهم، فقالَ: «واللهِ ما على الأرضِ اليومَ أحدٌ أعلمُ بذلك منِّي، إنَّ المجوسَ كانوا أهلَ كتابٍ يعرفونه، وعِلمٍ يدرسونه، فشربَ أميرٌ لهم الخمرَ فسكِرَ، فوقعَ على أختِه،
стр. 425
فرآه نفرٌ منْ أهلِ مملكتِه، فلما أصبحَ قالَتْ أختُه: إنَّك قد صنعْتَ كذا وكذا، وقد رآك نفرٌ لا يسترون عليك، فدعا أهلَ الطمعِ وأعطاهم، ثُمَّ قالَ لهم: قد علمْتُم أنَّ آدمَ أنكحَ بَنِيهِ بناتَه، فجاءَ أولئِكَ الذين رأَوه فقالوا: ويلًا للأبعدِ، إنَّ في ظهرِك حدًّا للهِ، فقتلَهم أولئِك الذين كانوا عندَه، ثُمَّ جاءَتِ امرأةٌ، فقالَتْ له: بلْ قد رأيتُك، فقالَ لها: ويحًا لبغيِّ بَنيْ فُلانٍ، قالَتْ: أجلْ، واللهِ لقد كنْتُ بغيًّا ثُمَّ تبْتُ، فقتلَها، ثُمَّ أُسرِيَ على ما في قلوبِهم، وعلى كتبِهم فلم يصبحْ عندَهم شيءٌ» (١).
أما مَنْ لم يكنْ له كتابٌ، ولا شبهةُ كتابٍ، كعَبَدةِ الأصنامِ، والنيرانِ، والشمسِ، والقمرِ، والكواكبِ، ونحوِهم فلا تُعقدُ لهم الذِّمَّةُ، ولا تُقبلُ منهم الجزيةُ، بل يُقاتَلون حتَّى يُسلِموا، أو يُقتَلوا، قالَ تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ فِي كُلِّ حَوْلٍ، وَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَمِنَ الْمُوسِرِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ»؛ لحديثِ محمَّدِ بنِ عبدِ اللهِ الثقفيِّ ﵀: «وضعَ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁
стр. 426
-يعني في الجزيةِ على رؤوسِ الرِّجالِ- على الغنيِّ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى الوسطِ أربعةً وعشرين، وعلى الفقيرِ اثني عشرَ درهمًا» (١)، وكان صرفُ الدينارِ يساوي اثني عشرَ درهمًا.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِمُ الضِّيَافَةُ فَضْلًا عَنْ مِقْدَارِ الْجِزْيَةِ»، يجوزُ للإمامِ أنْ يشرطَ على أهلِ الذِّمَّةِ إذا صُولحوا في بلدِهم ضيافةَ مَنْ يمرُّ بهم مِنَ المسلمينَ زيادةً على الجزيةِ؛ إذا رَضوا بذلك، وتجعلُ على الغنىِّ والمتوسطِ لا على الفقيرِ؛ لأنَّها قد لا تتيسرُ له، ويجعلُ ذلك ثلاثةَ أيامٍ فأقلَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «ضربَ على نصارَى أيلةَ ثلاثَمائةِ دينارٍ كلَّ سنةٍ، وأنْ يُضيِّفُوا مَن مرَّ بهم منَ المسلمين ثلاثًا» (٢).
قالَ الشافعيُّ ﵀: «ولا يجوزُ أنْ يحملَ على الرجلِ منهم في اليومِ والليلةِ ضيافةً إلا بقدرِ ما يحتملُ، إنِ احتملَ واحدًا أو اثنين أو ثلاثةً، ولا يجوزُ عندي أنْ يحملَ عليه أكثرَ مِن ثلاثةٍ -وإنْ أيسرَ- إلا بإقرارِهم» (٣).
ويَلْزَمُ المسلمين الكفُّ عنهم، وضمانُ ما يُتلِفونَه عليهم من نفسٍ ومالٍ، ودفعُ أهلِ الحربِ عنهم إنْ كانوا في بلدٍ من بلدانِ الإسلامِ، أو في بلدٍ مجاورٍ له، ويُمنعونَ من بناءِ كنيسةٍ في بلدٍ
стр. 427
أحدَثه المسلمون، وكذلك ما فتحوه عَنْوَةً، قالَ الشافعيُّ ﵀: «فإن كانوا في قريةٍ يملكونها منفردينَ لم نتعرضْ لهم في خمرِهم وخنازيرِهم ورفعِ بنيانِهم، وإن كانَ لهم بمصرِ المسلمين كنيسةٌ أو بناءٌ طائلٌ لبناءِ المسلمين لم يكنْ للمسلمين هدمُ ذلك، وتُركوا على ما وُجِدُوا، ومُنِعُوا إحداثَ مثلِه، وهذا إن كانَ المصرُ للمسلمين؛ أحيَوه أو فتحوه عَنْوةً، وشُرِطَ هذا على أهلِ الذِّمَّةِ، وإنْ كانوا فتحوا بلادَهم على صُلحٍ منهم على تركِهم ذلك خُلُّوا وإياه، ولا يجوزُ أن يُصَالَحُوا على أنْ ينزلوا بلادَ الإسلامِ يُحدِثوا فيها ذلك» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَتَضَمَّنُ عَقْدُ الْجِزْيَةِ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ:
١ - أَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ»؛ أي: المتفقَ عليها؛ سواءٌ كانَتْ دينارًا أو أكثرَ.
٢ - «وَأَنْ تَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ»، وذلك في غيرِ العباداتِ من حقوقِ الآدميينَ في المعاملاتِ، وغرامةِ المتلفاتِ، وكذا ما يعتقدون تحريمَه كالزنا والسرقةِ؛ دونَ ما لا يعتقدون تحريمَه، كشُربِ الخمرِ ونكاحِ المجوسِ، وقد فُسِّرَ الصَّغَارُ في قولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ بالتزامِ أحكامِ الإسلامِ، وجريانِها عليهم، يقولُ تقيُّ الدينِ الحصنيُّ ﵀: «أشدُّ الصَّغارِ على المرءِ أنْ يُحكمَ عليه بما لا يعتقدُه، ويُضطرَّ إلى احتمالِه» (٢).
стр. 428
٣ - «وَأَنْ لَا يَذْكُرُوا دِينَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِخَيْرٍ»، فلو ذكرَ أحدٌ منهم الإسلامَ بما لا يليقُ عُزِّرَ، وإنْ كانَ شُرِطَ انتقاضُ العهدِ بذلك انتُقِضَ عهدُه، فلا يكونُ منْ أهلِ الذِّمَّةِ، بل يصيرُ حربيًّا، فيتخيرُ الإمامُ فيه كما يتخيرُ في الأسيرِ، ومَنْ انتُقِضَ عهدُه لم يُنتقضْ عهدُ امرأتِه ولا أولادِه؛ لأنَّهم غيرُ محاسبِين على أفعالِه.
٤ - «وَأَنْ لَا يَفْعَلُوا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ»، نحوُ إيوائِهم جاسوسًا، أو أنْ يُعينوا أهلَ الحربِ على المسلمين، أو يدُلُّوهم على خَللٍ عندَهم، فمَنْ فعلَ شيئًا مِنْ ذلك أو نحوِه انتُقضَ عهدُه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُعْرَفُونَ بِلُبْسِ الْغِيَارِ، وَشَدِّ الزُّنَّارِ»، الغِيارُ: أن يَخيطَ الذميُّ على ثوبِه شيئًا يخالفُ لونَ ثوبِه، ويكونُ ذلك على الكتفِ، والزُّنَّارُ خيطٌ غليظٌ يُشَدُّ في الوسطِ فوقَ الثِّيابِ، والغرضُ من ذلك أن يتميزوا عنِ المسلمين؛ ليُعرفوا ويُعاملوا بما يليقُ بِهم.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ»؛ لأنَّ الخيلَ من أدواتِ الجهادِ، قالَ تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالمَغْنَمُ» (١).
стр. 429
وحتَّى لا يظهروا بمظهرِ التَّعالي والعزَّةِ أمامَ المسلمين.
تتمةٌ: يجوزُ للإمامِ عقدُ الهدنةِ معَ الكُفَّارِ، وتكونُ أربعةَ أشهرٍ إن كانَ بالمسلمين قوة، وكانَتِ المصلحةُ في عقْدِها؛ رجاءَ إسلامِهم، أو بذلِهم الجزيةَ، أو غيرِ ذلك منَ المصالحِ، فإنْ كانَ بالمسلمين ضعفٌ جازَتْ إلى عشرِ سنينَ فما دونَها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ هادنَ صفوانَ بنَ أميةَ أربعةَ أشهرٍ عامَ الفتحِ رجاءَ إسلامِه، وكانَ المسلمون في قوةٍ، وهادنَ قريشًا عامَ الحديبيةِ عشرَ سنينَ، وكانَ بالمسلمين ضعفٌ، فإنْ زادَ الإمامُ المدةَ على أربعةِ أشهرٍ في الحالةِ الأولى، وعلى العشرِ في الحالةِ الثانيةِ؛ بطلَ العقدُ في الزائدِ (١).
تنبيهٌ: الجزيةُ نعمةٌ عُظمى تُسدَى لأهلِ الذِّمَّةِ, فإنَّ الكافرَ إذا قُتلَ على كفرِه ضاعَتْ عليه فرصةُ التوبةِ والدخولِ في الإسلامِ، ووجبَ عليه الخلودُ في النارِ، فشرعَ اللهُ تعالى الجزيةَ رجاءَ أنْ يُسلِمَ في المستقبلِ؛ لا سيَّما معَ اطِّلاعِه على محاسنِ الإسلامِ، فإذا لم يُسلمْ فقد حصَّلَ منفعةً دنيويَّةً، فالجزيةُ تعصمُ أرواحَ أهلِ الذِّمَّةِ، وتحفظُ أعراضَهم وأموالَهم, يقولُ القرافيُّ ﵀: «عقدُ الذمةِ يوجبُ حقوقًا علينا لهم؛ لأنَّهم في جوارِنا وفي خفارتِنا وذمةِ اللهِ تعالى وذمةِ رسولِه ﷺ ودينِ الإسلامِ، فمَنِ اعتدى عليهم ولو بكلمةِ سُوءٍ أو غِيبَةٍ في عِرضِ أحدِهم أو نوعٍ منْ أنواعِ الأذيةِ أو أعانَ على ذلك فقد ضيَّعَ ذمةَ اللهِ تعالى وذمةَ رسولِه ﷺ وذمةَ دينِ الإسلامِ. وكذلك حكى ابنُ حزمٍ في (مراتبِ الإجماعِ) له أنَّ
стр. 430
مَنْ كانَ في الذِّمَّةِ وجاءَ أهلُ الحربِ إلى بلادِنا يقصدونَه وجبَ علينا أنْ نَخرجَ لقتالِهم بالكُراعِ والسِّلاحِ، ونموتُ دونَ ذلك؛ صونًا لمَنْ هو في ذمةِ اللهِ تعالى وذمةِ رسولِه ﷺ ؛ فإنَّ تسليمَه دونَ ذلك إهمالٌ لعقدِ الذِّمَّةِ» (١).
وقد أدركَ هذه النعمةَ أهلُ الذمةِ الأوائلُ، وقد ذكرَ البلاذريُّ ﵀ أنَّ أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ ﵁ عندَما فتحَ الشامَ، وأخذَ الجزيةَ منْ أهلِها؛ اشترطوا عليه أنْ يحميَهم منَ الرُّومِ الذين كانوا يَسومونهم المذلةَ والمهانةَ والاضطهادَ، فقَبِل أبو عبيدةَ ﵁، ثُمَّ بلغَه أنَّ هرقلَ أعدَّ جيشًا عظيمًا لاستردادِ الشامِ من المسلمين، وأنَّ الرومَ قد توجهوا لقتالِهم في اليرموكِ، فردَّ أبو عبيدةَ ﵁ على أهلِ حمصَ ما أخذَ منهم منَ الجزيةِ، وقالَ: شُغِلْنا عن نصرتِكم والدفعِ عنكم، فأنتم على أمرِكم، فقالَ أهلُ حمصَ: لَوَلايتُكُم وعَدْلُكم أحبُّ إلينا مما كنَّا فيه منَ الظلمِ والغشمِ، ولَندفعَنَّ جندَ هرقلَ عنِ المدينةِ معَ عامِلِكم، ونهضَ اليهودُ فقالوا: والتوارةِ لا يدخلُ عاملُ هرقلَ مدينةَ حمصَ إلا أنْ نغلبَ ونجهدَ، فأغلقوا الأبوابَ وحرسوها، وكذلك فعلَ أهلُ المدنِ التى صُولِحَتْ منَ اليهودِ والنصارى، وقالوا: إنْ ظهرَ الرومُ وأتباعُهم على المسلمين صِرْنا إلى ما كُنَّا عليه؛ أيْ: منَ المذلةِ والمهانةِ والاضطهادِ، وإلَّا فإنَّا على أمرِنا ما بقي للمسلمين عددٌ، فلمَّا هزمَ اللهُ الرومَ، وأظهرَ المسلمين؛ فتحوا مدنَهم، وأخرجوا
стр. 431
المُقَلِّسِين فلعبوا، وأدَّوا الجزيةَ (١).
فقد أقرَّ أهلُ حمصَ بأنَّ حكمَ المسلمين -معَ خلافِهم لهم في الدينِ- أحبُّ إليهم من حكمِ أبناءِ دينِهم, وذلك لما ينطوي عليه ذلك الحكمُ من ظلمٍ وجَورٍ واضطهادٍ وعدمِ احترامٍ للنفسِ البشريةِ.
ولْيُعلمْ أنَّ الإسلامَ حينَما فرَضَ الجزيةَ على مَن دخلوا في ذمةِ المسلمين لم يكنْ ظالمًا، وإنَّما كانَ عادلًا كلَّ العدلِ؛ لأنَّه ما شرعَها إلَّا لتكونَ في مقابلِ ما فُرِضَ على المسلمين منَ الزكاةِ، والتي هي عبادةٌ لا تَصِحُّ مِن كافرٍ، فكلٌّ مِنَ الفريقين يبذلُ جزءًا مِن مالِه ليُنفَقَ في مصارفِه، مِن أرزاقِ الجندِ، والمرافِقِ العامةِ، ونحوِ ذلك مما ينتفعُ به الجميعُ.
وقد سبقَ أنَّ الإسلامَ وضعَ الجزيةَ عنِ النساءِ والصبيانِ والعبيدِ مِنْ أهلِ الكتابِ، بلْ لمَّا مرَّ عمرُ بنُ الخطابِ ﵁ ببابِ قومٍ وعليه شيخٌ كبيرٌ ضريرُ البصرِ يسألُ؛ ضربَ عضدَه مِن خلفِه، وقال: «مِن أيِّ أهلِ الكتابِ أنتَ؟»، فقالَ: يهوديٌّ، قالَ: «فما ألجأَكَ إلى ما أرَى؟»، قالَ: أسألُ الجزيةَ، والحاجةُ والسنُّ، فأخذَ عمرُ ﵁ بيدِه، وذهبَ به إلى منزلِه، فرَضخَ له بشيءٍ منَ المنزلِ، ثُمَّ أرسلَ إلى خازنِ بيتِ المالِ فقالَ: «انظرْ هذا وضرباءَه، فوَاللهِ ما أنصفْناه أنْ أكلْنا شَبِيبتَه؛ ثُمَّ نخذلُه عندَ الهَرَمِ» (٢).
стр. 432
وقالَ ﵁ في وصيتِه الأخيرةِ عندَ موتِه للخليفةِ الذي سيأتي بعدَه: «وأوصيه بذِمَّةِ اللهِ وذمةِ رسولِه أن يُوفَّى لهم بعهدِهم، وأن يُقاتَلَ مِن ورائِهم، ولا يُكلَّفوا إلا طاقتَهم» (١).
وكتبَ عليُّ بنُ أبي طالبٍ ﵁ لعاملِه على الجزيةِ: «إذا قدِمْتَ عليهم فلا تبيعَنَّ لهم كسوةً؛ شتاءً ولا صيفًا، ولا رزقًا يأكلونه، ولا دابةً يعملون عليها، ولا تضربَنَّ أحدًا منهم سوطًا واحدًا في درهمٍ، ولا تُقِمْه على رجلِه في طلبِ درهمٍ، ولا تبعْ لأحدٍ منهم عَرَضًا في شيءٍ منَ الخَراجِ؛ فإنَّا إنَّما أُمرْنا أنْ نأخذَ منهم العفوَ، فإنْ أنتَ خالفْتَ ما أمرتُك به يأخذْك اللهُ به دوني، وإنْ بلغَني عنك خلافُ ذلك عزلْتُك»، قالَ: إذنْ أرجِعَ إليك كما خرجتُ مِن عندَك، قالَ: «وإنْ رجعتَ كما خرجتَ» (٢).
وكتبَ خالدُ بنُ الوليدِ ﵁ في عهدِ ذمتِه لأهلِ الحِيرةِ: أيُّما شيخٍ ضعُفَ عنِ العملِ، أو أصابتْه آفةٌ منَ الآفاتِ أو كانَ غنيًّا فافتقرَ وصارَ أهلُ دينِه يتصدقون عليه؛ طرحْتُ جزيتَه وعِيلَ من بيتِ مالِ المسلمين وعيالُه» (٣).
هذا هو الإسلامُ، وهذا هو الجهادُ، مهما حاولَ أعداءُ الإسلامِ والحاقدون عليه أن يُشوِّهوا صورتَه؛ سواءٌ كانَ بالكذبِ
стр. 433
والبهتانِ، أو بإثارةِ الشُّبهاتِ، وإلا فأينَ هُم منْ هذهِ الأحكامِ والتشريعاتِ؟! وأينَ هم مما يفعلُه أهلُ الكفرِ من الممارساتِ الوحشيةِ في شتَّى بقاعِ الأرضِ باسمِ الاستعمارِ والتحريرِ؟! أينَ هُم منَ القتلِ والسلبِ والنهبِ وذبحِ الأطفالِ واغتصابِ النساءِ والفظائعِ والمظالمِ التي تحدثُ يوميًّا على مرأَى ومسمعِ العالمِ بأسرِه؟! أينَ هُم منَ الدمارِ والهلاكِ الذي تتورعُ عنه الوحوشُ في غابِها؟! هذا النَّبيُّ ﷺ يقولُ عندَما فتحَ مكةَ: «مَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» (١).
يقولُ هذا لمَنْ أخرجوه مِن بلدِه، وتآمروا على قتلِه، وقد مكنَه اللهُ تعالى مِن رقابِهم، يقولُ: إنَّه لن يُقاتلَ إلا مَنْ حملَ السلاحَ، أمَّا مَن دخلَ دارَه فهو آمنٌ، ومَن خرجَ مِن دارِه ولم يحملْ سلاحًا فهو آمنٌ.
إنَّ الإسلامَ عندَما شرعَ الجهادَ إنَّما شرعَه لمقاصدَ عظيمةٍ، وغاياتٍ نبيلةٍ؛ منها: ردُّ العدوانِ، وحمايةُ الدعوةِ، لا لإكراهِ الناسِ على أنْ يتركوا أديانَهم ويعتنقوه، قالَ تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
شرعَ اللهُ تعالى الجهادَ لإتاحةِ الفرصةِ للضعفاءِ الذين يريدونَ اعتناقَ الإسلامِ، ويمنعُهم المجرمون والظلمةُ ممَّنْ يسومونَهم سوءَ
стр. 434
العذابِ، قالَ تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥].
شرعَ اللهُ تعالى الجهادَ لإقامةِ العدلِ بينَ الناسِ، ولرفعِ الظلمِ عنِ المستضعفين؛ حتَّى ولو لم يدخلوا في الإسلامِ، فلم يسمحْ لأحدٍ أنْ يظلمَ أحدًا؛ سواءٌ كانَ مسلمًا أو كافرًا، ولذلك لا يُعادي هذا الدينَ إلا الظلمةُ والمفسدون في الأرضِ، الذين يريدون أنْ يستعبدوا الناسَ، وكذلك الدجالون والخونةُ منَ المنافقين الذين لا عملَ لهم إلا في كَنَفِ هؤلاءِ الظلمةِ.
واللهُ تعالى أعلمُ.
стр. 435
كتابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِح
الصيدُ في اللُّغةِ: مصدرُ صادَ يصيدُ صيدًا، والمرادُ به هنا المصيدُ، كما في قولِه تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ﴾ [لقمان: ١١]؛ أيْ: مخلوقُ اللهِ.
وفي الاصطلاحِ: كلُّ حيوانٍ حلالٍ متوحشٍ طبعًا، غيرِ مملوكٍ، ولا يمكنُ أخذُه إلا بحيلةٍ؛ إِمَّا لطيرانِه أو لعدْوِه.
والذبائحُ في اللغةِ: جمعُ ذَبيحةٍ، وهي بمعنى مذبوحةٍ، كقتيلةٍ بمعنى مقتولةٍ.
والذبحُ في الاصطلاحِ: إزهاقُ روحِ حيوانٍ مباحٍ بقطعٍ في حلْقِه أو لَبَّتِه.
ودليلُ مشروعيةِ الصيدِ قولُه تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢]، والأمرُ بالاصطيادِ يقتضي حِلَّ المصيدِ.
ودليلُ مشروعيةِ الذبحِ قولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: إلَّا ما أدركتموه حيًّا فذبحتموه، فإنه حلالٌ لكم (١).
والتذكيةُ في اللُّغةِ: التَّطييبُ، مِن قولِهم: رائحةٌ ذكيَّةٌ؛ أي:
стр. 436
طيبةٌ، والحيوانُ البريُّ إذا ذُبحَ وأسيلَ دمُه طابَتْ رائحتُه.
وفي الاصطلاحِ: ما يُتوصلُ به إلى حلِّ أكلِ الحيوانِ البريِّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَذَكَاتُهُ فِي حَلْقِهِ وَلَبَّتِهِ، وَمَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَكَاتِهِ فَذَكَاتُهُ عَقْرُهُ حَيْثُ قُدِرَ عَلَيْهِ»، الحيوانُ البريُّ المأكولُ اللحمِ إذا كانَ مقدورًا عليه فذكاتُه تكونُ في حلْقِه، والحلقُ: هو أسفلُ مجمعِ اللَّحْيَينِ في أعلَى العُنقِ، وكذلك تكونُ في لَبَّتِه، واللَّبَّةُ: هي الثُّغرةُ التي أسفلُ العنقِ مما يلي الصدرَ، والتذكيةُ منَ الحلقِ يقالُ لها: الذبحُ، ومن اللَّبَّة يقالُ لها: النَّحرُ، يقولُ أبو هريرةَ ﵁ بعثَ رسولُ اللهِ ﷺ بديلَ بنَ ورقاءَ الخزاعيَّ على جملٍ أورقَ يصيحُ في فجاجِ مِنى: «أَلَا إِنَّ الذَّكَاةَ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ» (١).
والسُّنَّةُ في الإبلِ النَّحرُ؛ لقولِه تعالى في الإبلِ: ﴿فصل لربك وانحر﴾ [الكوثر: ٢]، قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: «صَلِّ لِرَبِّكَ ثُمَّ انْحَرِ الْبُدْنَ» (٢).
وقالَ تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قالَ ابنُ عباسٍ ﵄: «قيامًا على ثلاثِ قوائمَ معقولةً، يقولُ: بسمِ اللهِ واللهُ أكبرُ، اللهُمَّ منكَ وإليكَ» (٣).
وقالَ جابرٌ ﵁: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه ينحَرون
стр. 437
البُدْنَ معقولةَ اليُسرى، قائمةً على ما بقيَ مِن قوائمِها» (١).
والسُّنَّةُ في البقرِ والغنمِ الذبحُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، قال تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]؛ والمرادُ به الكبشُ الذي فُدي به إسماعيلُ ﵇، وذِبْحٌ بمعنى مَذْبُوحٍ، كرِزْقٍ بمعنى مَرْزُوقٍ.
والمعنى في نحرِ الإبلِ: أنَّه أسرعُ لخروجِ الرُّوحِ منها لطولِ عنقِها، وقياسُ هذا إلحاقُ كلِّ ما طالَ عنقُه بالإبلِ، كالنَّعامِ والإوَزِّ والبطِّ.
هذا -كما سبقَ- إذا كانَ الحيوانُ مقدورًا عليه، فإنْ لم يكنِ الحيوانُ مقدورًا عليه؛ لكونِه شاردًا مثلًا، أو متردِّيًا في بِئرٍ، أو غيرَ ذلك ممَّا لا يمكنُ معه الوصولُ إلى رقبتِه، فذكاتُه جَرحُه جُرحًا مزهقًا لروحِه في أيِّ موضعٍ من جسدِه، ودليلُ ذلك حديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ قال: أصبْنا نهْبَ إبلٍ وغنمٍ، فندَّ منها بعيرٌ، فرماه رجلٌ بسهمٍ فحبسَه، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا» (٢).
قال الشافعيُّ ﵀: «والذَّكاةُ ذكاتان، فما قُدِرَ على ذكاتِه مما يحلُّ أكلُه فذكاتُه في اللَّبَّةِ والحلقِ، لا يحلُّ بغيرِهما؛ إنسيًّا كان أو
стр. 438
وحشيًّا، وما لم يُقدَرْ عليه فذكاتُه أن يُنالَ بالسلاحِ حيثُ قُدرَ عليه؛ إنسيًّا كان أو وحشيًّا، فإن تردَّى بعيرٌ في نهرٍ أو بئرٍ فلم يقدرْ على مَنْحَرِهِ ولا مَذْبَحِهِ حيثُ يُذَكَّى فَطُعِنَ فيه بسكينٍ أو شيءٍ تجوزُ الذكاةُ به فأنهرَ الدمَ منه، ثُمَّ ماتَ أُكِلَ، وهكذا ذكاةُ ما لا يُقدرُ عليه. قد تردَّى بعيرٌ في بئرٍ فَطُعِنَ في شاكلتِه، فسُئلَ عنه ابنُ عمرَ ﵄ فأمرَ بأكلِه وأخذَ منه عَشِيرًا بدرهمينِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَكَمَالُ الذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ:
١ - قَطْعُ الْحُلْقُومِ»، وهو مجرى النَّفسِ.
٢ - «وَالْمَرِيءِ»، وهو مجرَى الطعامِ والشرابِ.
٣، ٤ - «وَالْوَدَجَيْنِ»، وهما العرقانِ الغليظانِ اللذان في صفحَتيِ العُنقِ.
وقطعُ هذه الأربعةِ كلِّها مستحبٌّ؛ لأنَّهُ أسهلُ وأسرعُ في خروجِ الرُّوحِ، فهو مِنَ الإحسانِ إلى الذبيحةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمُجْزِئُ مِنْهَا شَيْئَانِ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ»، المجزئُ في التذكيةِ منَ الأربعةِ السابقةِ شيئان، وهما: قطعُ الحلقومِ والمريءِ؛ لحديثِ رافعِ بنِ خديجٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ» (٢)،
стр. 439
وقطعُ الحُلقومِ والمريءِ مُنْهِرٌ للدَّمِ، ومُزْهِقٌ لِلرُّوحِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ الاصْطِيَادُ بِكُلِّ جَارِحَةٍ مُعَلَّمَةٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَمِنْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ»، يحلُّ أكلُ المصيدِ بكلِّ جارحةٍ معلَّمةٍ؛ سواءٌ كانَتْ مِن سباعِ البهائمِ، كالكلبِ والفَهْدِ والنَّمِرِ، أو مِن سباعِ الطيرِ، كالبازيِّ والصقرِ والعُقَابِ، والجارحةُ مشتقةٌ منَ الجَرحِ، وهو الكسبُ، قالَ تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠]؛ أي: كسبْتُم، وسميَتْ سباعُ البهائمِ والطيورِبذلك؛ لأنَّها تكسِبُ الصيدَ لأصحابِها، وقيلَ: لأنَّها تجرحُ الصيدَ عندَ إمساكِه، فإذا أُرسلَتْ جارحةٌ معلَّمةٌ على صيدٍ فقتلَتْه بأنيابِها أو بمخالبِها أو بمنقارِها حلَّ أكلُه، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤].
و ﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ أي: مُعلِّمينَ، وأصلُه منَ التكلِيبِ وهو تعليمُ الكلابِ الاصطيادَ، ثُمَّ كثرَ ذلك حتَّى قيلَ لكلِّ مَنْ علَّمَ شيئًا من الجوارحِ: مُكلِّبٌ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ تَعْلِيمِهَا أَرْبَعَةٌ:
١ - أَنْ تَكُونَ إِذَا أُرْسِلَتِ اسْتَرْسَلَتْ»؛ أي: إذا أُغريَتْ وهُيجَتْ على الصيدِ هاجَتْ وانبعثَتْ عليه.
٢ - «وَإِذَا زُجِرَتْ انْزَجَرَتْ»؛ أي: إذا استُوقِفَتْ في ابتداءِ الأمرِ أو بعدَ عدْوِها وقفَتْ.
٣ - «وَإِذَا قَتَلَتْ صَيْدًا لَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا»؛ أي: إذا قتلَتِ
стр. 440
الجارحةُ صيدًا لم تأكلْ منه؛ سواءٌ قبلَ القتلِ أو بعدَه.
٤ - «وَأَنْ يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهَا»؛ أي: هذه الشرائطُ الثلاثةُ السابقةُ، بحيثُ يُظَنُّ تأدُّبُ الجارحةِ، ولا ينضبطُ ذلك بعددٍ؛ بلِ بالرجوعِ إلى أهلِ الخبرةِ بالجوارحِ.
ودليلُ هذه الشروطِ قولُه تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، فإن استرسلَ الجارحُ بنفسِه لم يحلَّ أكلُ صيدِه؛ لأنَّه إنَّما أمسكَ على نفسِه لا على صاحبِه، وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ لعديِّ بنِ حاتمٍ ﵁: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ وَسَمَّيْتَ فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ عُدِمَتْ إِحْدَى الشَّرَائِطِ لَمْ يَحِلَّ مَا أَخَذَتْهُ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ حَيًّا فَيُذَكَّى»؛ لحديثِ أبي ثعلبةَ الخشنيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّمِ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ» (٢)؛ أي: أدركتَه حيًّا وذبحتَه.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَجُوزُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ مَا يَجْرَحُ إِلَّا بِالسِّنِّ وَالظُّفُرِ»، تجوزُ الذكاةُ بكلِّ ما لَه حدٌّ يقطعُ؛ سواءٌ كانَ منَ الحديدِ، كالسيفِ، والسكينِ، والسهمِ، والرمحِ، أو منَ النحاسِ أو الذهبِ أو القصبِ أو الزجاجِ أو الحجرِ، فيحصلُ الذبحُ بجميعِها،
стр. 441
ويحلُّ الصيدُ المقتولُ بها؛ إلا السنَّ والظُفرَ وبقيةَ العظامِ، فإنَّه لا يحلُّ التذكيةُ بها؛ سواءٌ كانَ هذا العظمُ لآدميٍّ أو غيرِه، وسواءٌ كانَ منفصلًا أومتصلًا؛ لحديثِ رافعِ بنِ خَديجٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ» (١).
والمعنى: لا تذبحوا بالعظامِ؛ لأنَّها تَنْجُسُ بالدَّمِ، وقد نُهيتُم عنْ تنجيسِ العظامِ في الاستنجاءِ؛ لكونِها زادَ إخوانِكم منَ الجنِّ، وكذلك لا تذبحوا بالظُّفرِ؛ لأنَّه مُدَى الحبشةِ، ولا يجوزُ التشبُّهُ بهم ولا بشعارِهم؛ لأنَّهم كفَّارٌ، وكانَ الأحباشُ يُدْمون مَذَابِحَ الشاةِ بأظفارِهم حتَّى تزهقَ النفسُ خنقًا وتعذيبًا، ويحلُّون هذا محلَّ الذَّكاةِ، فلذلك ضربَ النَّبيُّ ﷺ المثلَ بهم، وقد سبقَ أنَّ ما قتلَتْه الجارحةُ بظُفرِها أو نابِها فهو حلالٌ.
وخرجَ بقولِ المصنِّفِ ﵀: «بِكُلِّ مَا يَجْرَحُ»؛ ما لو قُتِلَ الصيدُ بِمُثَقَّلٍ، كأنْ رُمِيَ بحجرٍ، أو ضُرِبَ بسوطٍ أو عصًا أو نحوِ ذلك مما لا حدَّ له يجرحُ، ودليلُ ذلك حديثُ عُدَيِّ بنِ حاتمٍ ﵁ عندَما سألَ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «إني أرمي الصيدَ بالمعراضِ، فَأُصِيبُ، فقالَ ﷺ : «إِذَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» (٢).
стр. 442
وفي روايةٍ: «مَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْهُ، وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْ؛ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ» (١).
والمِعْرَاضُ: عصًا غليظةٌ في طرفِها حديدةٌ يشبهُ السهمَ، يُرمَى به الصيدُ، فربَّما أصابَ الصيدَ بحدِّه، فخزقَ؛ أي: جرحَ وقتلَ، فيباحُ أكلُ الصيدِ، وربَّما أصابَ بعَرْضِه، فقتلَ بثِقَلِه، فيكونُ موقوذًا، والموقوذُ هو الذي يُضربُ حتّى يُوقذُ؛ أي: يشرفُ على الموتِ، ثُمَّ يُتركُ حتّى يموتُ، وهو مِنْ ضمنِ المحرماتِ التي ذكرَها اللهُ في قولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
والمرادُ بالمنخنقةِ: الميِّتةُ خنقًا، والموقوذةِ: المقتولةُ ضربًا، والمترديةِ: السَّاقطةُ مِن أعلى إلى أسفلَ فماتَتْ، والنطيحةِ: المقتولةُ بنطحِ أُخرى لها، وما أكلَ السبعُ؛ أي: مِنه؛ إلا ما ذكَّيتُم؛ أي: أدركْتُم فيه الروحَ مِن هذه الأشياءِ فذبحتموه، وكذلك ما ذُبحَ على اسمِ النُّصبِ، وهي الأصنامُ، وأنْ تستقسموا بالأزلامِ؛ أي: تطلبوا القسمَ والحكمَ بالقِدَاحِ التي لا ريشَ لها ولا نصلَ، وكانَتْ سبعةً عندَ سادنِ الكعبةِ، وكانوا يحكِّمونها، فإنْ أمرَتْهم ائتمروا وإنْ نهَتْهم انتهوا، فهذا كلُّه فِسقٌ وخروجٌ عن طاعةِ اللهِ (٢).
стр. 443
وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ مغَفلٍ ﵁ قالَ: نهى رسولُ اللهِ ﷺ عنِ الخَذْفِ، وقالَ: «إِنَّهُ لَا يَقْتُلُ الصَّيْدَ، وَلَا يَنْكَأُ العَدُوَّ، وَإِنَّهُ يَفْقَأُ العَيْنَ، وَيَكْسِرُ السِّنَّ» (١).
والخَذْفُ: هو الرميُ بالحصى، والمخذفةُ هي التي يوضعُ فيها الحجرُ ويُرمَى به، ويُقالُ له: المقلاعُ، قالَ الخليلُ بنُ أحمدَ ﵀: «المِخْذَفةُ من خشبٍ تَرمي بها بينَ إبهامِك والسَّبابةِ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَحِلُّ ذَكَاةُ كُلِّ مُسْلِمٍ وَكِتَابِيٍّ وَلَا تَحِلُّ ذَكَاةُ مَجُوسِيٍّ وَلَا وَثَنِيٍّ»، تحلُّ ذَكَاةُ وصيدُ كلِّ مُسلمٍ، وكذلك كلُّ كتابيٍّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، والمرادُ بالطعامِ هنا الذبائحُ، ولا فرقَ في الحلِّ بينَ ذبيحةِ الذكرِ والأنثى بالإجماعِ.
ولا تحلُّ ذكاةُ مجوسيٍّ ولا وثنيٍّ، ولا غيرِهما ممَّنْ لا كتابَ له، وكذلك المرتدُ؛ لأنَّه لا يُقرُّ على الدينِ الذي انتقلَ إليه، وذلك لمفهومِ الآيةِ السابقةِ، فقد دلَّت على أنَّه لا تحلُّ ذبيحةُ غيرِ المسلمِ والكتابيِّ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كتبَ إلى مجوسِ هجرَ يعرضُ عليهم الإسلامَ، فمَنْ أسلمَ قبلَ منه، ومَن أبى ضُربَت عليهم الجزيةُ، على أنْ لا تؤكلَ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكحَ لهم امرأةٌ» (٣).
стр. 444
قال أبو شجاع ﵀: «وَذَكَاةُ الْجَنِينِ بِذَكَاةِ أُمِّهِ إِلَّا أَنْ يُوجَدَ حَيًّا فَيُذَكَّى»، الجنينُ الذي يوجدُ في بطنِ أمِّه المذكاةِ ميِّتًا يحلُّ أكلُه؛ لأنَّ ذكاتَها التي أحلَّتْها أحلَّتْهُ تبعًا لها، ولأنَّه جزءٌ مِن أجزائِها، وذكاتُها ذكاةٌ لجميعِ أجزائِها، ولأنَّه لو لم يحلَّ بذكاةِ أمِّه لحرُمَت ذكاتُها معَ ظهورِ الحملِ، كما لا تُقْتَلُ الحاملُ قَوَدًا، يقولُ أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁ سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عنِ الجنينِ، فقالَ: «كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (١).
أما إذا خرجَ الجنينُ بعدَ تذكيةِ أمِّه وبه حياةٌ مستقرةٌ، فإنَّه يُذكَّى تذكيةً مستقلةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَمَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ؛ إِلَّا الشَّعْرَ»؛ أي: ما قُطعَ من حيٍّ فله حكمُ ميتتِه، وذلك مِن حيثُ الأكلُ وعدمُه، ومِن حيثُ الطهارةُ والنجاسةُ، فما قُطعَ منَ السمكِ يؤُكلُ، وهذا لحِلِّ ميتتِه -كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالى- وما قُطعَ مِن إنسانٍ فهو طاهرٌ -أيضًا- لعمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، وما قُطعَ مما لا تحلُّ ميتتُه كسنامِ بعيرٍ، أو أليةِ شاةٍ، أو نحوِ ذلك، فحكمُه حكمُ الميتةِ؛ أي: أنَّه نجسٌ، لا يجوزُ أكلُه ولا الانتفاعُ به، ودليلُ ذلك حديثُ أبي واقدٍ الليثيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لما قَدِمَ المدينةَ وجدَ الناسَ يَجُبُّونَ أسْنِمَةَ الإبلِ، ويقطعون أَلَيَاتِ الغنمِ، فقالَ ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ» (٢).
стр. 445
ويُستثنى مِن ذلك الشعرُ، فيجوزُ الانتفاعُ به إذا أُخذَ مِن مأكولِ اللحمِ حالَ حياتِه، وكذلك بعدَ تذكيتِه، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠].
وأُلحقَ بالشعر ما يقومُ مقامَه مِن كلِّ حيوانٍ مأكولِ اللحمِ، كالريشِ ونحوِه.
وأمَّا شعرُ الميتةِ فلا يجوزُ الانتفاعُ به؛ لقولِه تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ [المائدة: ٣]، وكذلك غيرُ مأكولِ اللحمِ لأنَّ الذكاةَ لا تعملُ فيه.
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الأطعمة
الأطعمةُ في اللُّغةِ: جمعُ طعامٍ، وهو كلُّ ما يؤكلُ مطلقًا، ولا يخرجُ المعنى الاصطلاحيُّ عنِ المعنى اللغويِّ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَكُلُّ حَيَوَانٍ اسْتَطَابَتْهُ الْعَرَبُ فَهُوَ حَلَالٌ؛ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَحْرِيمِهِ، وَكُلُّ حَيَوَانٍ اسْتَخْبَثَتْهُ الْعَرَبُ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَّا مَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَتِهِ»، كلُّ حيوانٍ لم يردْ فيه نصُّ تحليلٍ ولا تحريمٍ، ولا جاءَ الأمرُ بقتلِه ولا النهيُ عن قتلِه؛ فالمرجعُ فيه إلى غالبِ عاداتِ العربِ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا
стр. 446
أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤]؛ فدلَّ على أنَّ ما كانوا يستطيبونه فهو حلالٌ لهم، وما كانوا يستخبثونه فهو حرامٌ، ويرجعُ فيه إلى أهلِ الريفِ وذوي اليسارِ، وأهلِ القرى منَ العربِ دونَ الأجلافِ مِن أهلِ الباديةِ والقفرِ، أو أهلِ الضرورةِ، أمَّا ما استطابوه وجاءَ الشرعُ بتحريمِه كالحمارِ الأهليِّ فلا ينظرُ لاستطابةِ العربِ له، وكذلك ما استخبثوه وجاءَ الشرعُ بإباحتِه كالضبِّ، فلا ينظرُ لاستخباثِهم له.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحْرُمُ مِنَ السِّبَاعِ مَا لَهُ نَابٌ قَوِيٌّ يَعْدُو بِهِ، وَيَحْرُمُ مِنَ الطُّيُورِ مَا لَهُ مِخْلَبٌ قَوِيٌّ يَجْرَحُ بِهِ»؛ أي: يحرمُ منَ السباعِ كلُّ ما له نابٌ حادٌّ يسطو به على غيرِه ويفترسُه، كالأسدِ، والنمرِ، والفهدِ، والذئبِ، والدُّبِّ، والكلبِ، وكذلك يحرمُ كلُّ ذِي مخلبٌ يقطعُ به الجلدَ ويمزقُه، كالصقرِ، والنسرِ، والعُقابِ، والبازيِّ، والشَّاهينِ، ودليلُه حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَحِلُّ لِلْمُضطَّر فِي الْمَخْمَصَةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنَ الْمَيْتَةِ الْمُحَرَّمَةِ مَا يَسُدُّ بِهِ رَمَقَهُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾؛ إلى قولِه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثُمَّ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣].
والمخمصةُ: خُلوُّ البطنِ منَ الطعامِ عندَ الجوعِ، وأصلُه من
стр. 447
الخمصِ الذي هو ضمورُ البطنِ، والمتجانفُ: المنحرفُ المائلُ، والإثمُ: أنْ يتعَدَّى عندَ الاضطرارِ فيأكلَ فوقَ الشِّبَعِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَنَا مَيْتَتَانِ حَلَالَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَدَمَانِ حَلَالَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قالَ: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (١).
«فَصْلٌ»
في أحكامِ الأُضْحِيَة
الأضحيةُ في اللغةِ: اسمٌ لِمَا يُضَحَّى به؛ أي: يُذبَحُ أيَّامَ عيدِ الأضحى، وقيلَ: مأخوذةٌ مَن ضحوةِ النهارِ، وهي ما بعدَ طلوعِ الشمسِ، سميَتْ بذلك لأنَّ أولَ زمانِ فعلِها هو وقتُ الضُّحى.
وفي الاصطلاحِ: ما يُذبَحُ من بهيمةِ الأنعامِ في يومِ الأضحى إلى آخِرِ أيَّامِ التَّشريقِ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى.
قال أبو شجاع ﵀: «وَالْأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»، ودليلُ ذلك قولُه تعالى: ﴿فَصَل لربكَ وَانْحرْ﴾ [الكوثر: ٢]؛ قال جماعةٌ منَ المفسرين: المرادُ صلاةُ العيدِ، ونحرُ الأضحيةِ (٢).
стр. 448
وقال أنسٌ ﵁: «ضحَّى النَّبيُّ ﷺ بِكَبشيْنِ أمْلَحَيْنِ أقرَنينِ، ذَبَحَهما بِيَدِهِ، وَسَمى وَكَبرَ، وَوَضعَ رجْلَهُ عَلى صِفاحِهِمَا» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُجْزِئُ فِيهَا الْجَذَعُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْمَعْزِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْإِبِلِ، وَالثَّنِيُّ مِنَ الْبَقَرِ»، ويجزئُ في الأضحيةِ الجذعُ منَ الضأنِ، وهو ما له سَنَةٌ وطعنَ في الثانيةِ، والثَّنيُّ منَ المعزِ، وهو ما له سنتان وطعَنَ في الثالثةِ، والثَّنيُّ منَ الإبلِ، وهو ما له خمسُ سنينَ وطعنَ في السادسةِ، والثَّنيُّ منَ البقرِ، وهو ما له سنتانِ وطعنَ في الثالثةِ، وتجزئُ التضحيةُ في هذه الأنواعِ بالذكرِ والأنثى بالإجماعِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتُجْزِئُ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ»، المرادُ بالبُدنةِ: واحدةُ الإبلِ، وتقعُ على الذكرِ والأنثى، وهي تجزئُ عن سبعةٍ، وكذلك البقرةُ تجزئُ عن سبعةٍ، ودليلُ ذلك حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: «نحرْنا معَ رسولِ اللهِ ﷺ عامَ الحديبيةِ البدنةَ عنْ سبعةٍ، والبقرةَ عنْ سبعةٍ» (٢).
وحديثُ أمِّ بلالٍ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ضَحُّوا بِالْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ» (٣).
стр. 449
وقالَ أبو أيوبَ الأنصاريُّ ﵁: «كنَّا نُضحِّي بالشاةِ الواحدةِ، يذبحُها الرجلُ عنه وعن أهلِ بيتِه» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الضَّحَايَا:
١ - الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا»؛ أي: التي لا تُبصرُ بإحدى عينيها، وقيدَ العورَ بالبيِّنِ؛ لأنَّ العورَ بياضٌ يغطي الناظرَ، وإذا كان كذلك فتارةً يكونُ يسيرًا فلا يضرُّ.
٢ - «وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا»، وذلك بأنْ يشتدَّ عرَجُها؛ بحيثُ تسبقُها الماشيةُ إلى المرعى وتتخلفُ عنِ القطيعِ، فلو كانَ عرجُها يسيرًا بحيثُ لا تتخلفُ به عنِ الماشيةِ لم يضرَّ.
٣ - «وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا»، وذلك بأن يظهرَ بسببِه هزالُها وفسادُ لحمِها، فلو كانَ مرضُها يسيرًا لم يضرَّ.
٤ - «وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي ذَهَبَ مُخُّهَا مِنَ الْهُزَالِ»، وهي التي ذهبَ لحمُها السمينُ بسببِ ما حصلَ لها من الهُزالِ.
ودليلُ ذلك حديثُ البراءِ بنِ عازبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أَرْبَعٌ لَا يُضَحَّى بِهِنَّ: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلَعُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي» (٢).
стр. 450
ومعنى «لَا تُنْقِي»؛ أي: ليسَ لها نِقْيٌ وهو الشحمُ، وأصلُه مخُّ العظمِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُجْزِئُ الْخَصِيُّ وَالْمَكْسُورُ الْقَرْنِ»، يجزئُ الخصيُّ في الأضحيةِ، وهو المقطوعُ الخصيتين، ودليلُ ذلك ما جاءَ عنْ أبي هريرةَ وعائشةَ ﵄ قالا: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ إذا ضحَّى اشترى كبشينِ عظيمينِ سمينينِ أقرنينِ أملحينِ موجُوأينِ، فيذبحُ أحدَهما عن أمتِه ممَّنْ أقرَّ بالتوحيدِ وشهدَ له بالبلاغِ، ويذبحُ الآخرَ عن محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ» (١).
وكذلك يجزئُ في الأضحيةِ المكسورُ القرنِ ما لم يُعَبِ اللحمُ، وإنْ دَمِيَ بالكسرِ؛ لأنَّ القرنَ لا يتعلقُ به كبيرُ غرضٍ، ولذلك تجزئُ الأضحيةُ بفاقدةِ القرونِ خِلْقَةً، وهي المسماةُ بالجلحاءِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُجْزِئُ الْمَقْطُوعَةُ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ»، لا تجزئُ المقطوعةُ الأذنِ في الأضحيةِ، وكذلك المقطوعةُ الذنَبِ؛ سواءٌ كانَ المقطوعُ كُلًّا أو بعضًا، وذلك لنقصِ اللحمِ وذَهابِ جزءٍ مأكولٍ منها.
قال أبو شجاع ﵀: «وَوَقْتُ الذَّبْحِ مِنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ»، وقتُ ذبْحِ الأضحيةِ
стр. 451
يبدأُ من دخولِ وقتِ صلاةِ العيدِ، وهو طلوعُ الشَّمسِ، ومُضِيُّ وقتٍ يسعُ الصلاةَ والخطبتين، والأفضلُ فعلُها بعدَ الفراغِ منَ الصلاةِ وسماعِ الخطبتين؛ لحديثِ البراءِ بنِ عازبِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا نُصَلِّي، ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَنْحَرُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ، فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ» (١).
وحديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعمٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ فِجَاجِ مِنًى مَنْحَرٌ، وَفِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الذَّبْحِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ:
١ - التَّسْمِيَةُ»؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ» (٣).
٢ - «وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ »؛ لأنَّ اللهَ تعالى أعلى ذِكرَه ﷺ ، فلا يُذكرُ إلا ويُذكرُ معَه، يقولُ الشافعيُّ ﵀: «وأحبُّ له أنْ يُكثِرَ الصلاةَ عليه، فقد صلَّى اللهُ عليه في كلِّ
стр. 452
الحالاتِ؛ لأنَّ ذكرَ اللهِ ، والصلاةَ عليه إيمانٌ باللهِ تعالى، وعبادةٌ له يُؤجرُ عليها -إن شاءَ اللهُ تعالى- مَنْ قالها» (١).
٣ - «وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ»؛ لما روى نافعٌ عنِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّه كانَ يستحبُ أنْ يستقبلَ القبلةَ إذا ذبحَ» (٢).
٤ - «وَالتَّكْبِيرُ»؛ لحديثِ أنسٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ ضحَّى بِكَبشيْنِ أمْلَحَيْنِ أقرَنينِ، ذَبَحَهما بِيَدِهِ، وَسَمَّى وَكَبرَ، وَوَضعَ رجْلَهُ عَلى صِفاحِهِمَا» (٣).
٥ - «وَالدُّعَاءُ بِالْقَبُولِ»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَ بكبشٍ أقرنَ، يطأُ في سوادٍ، ويبركُ في سوادٍ، وينظرُ في سوادٍ، فأُتِي به ليضحيَ به، فقالَ لها: «يَا عَائِشَةُ، هَلُمِّي الْمُدْيَةَ»، ثُمَّ قال: «اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ»، ففعلَتْ: ثُمَّ أخذَها، وأخذَ الكبشَ فأضجعَه، ثُمَّ ذبحَه، ثُمَّ قال: «بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ ضَحَّى بِهِ» (٤).
стр. 453
وقالَ ابنُ عباسٍ ﵄: «إذا ذبحْتَ فقلْ: بسمِ اللهِ، اللهُمَّ منك ولك، اللهُمَّ تقبلْ» (١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَأْكُلُ الْمُضَحِّي شَيْئًا مِنَ الْأُضْحِيَةِ الْمَنْذُورَةِ»، وهي التي أوجبَها على نفسِه بشرطٍ؛ كأنْ يقولُ: للهِ عليَّ إنْ شفى اللهُ مريضي جعلتُ هذهِ الشاةَ أضحيةً، فيحرمُ عليه الأكلُ منها، ومثلُ الأكلِ الانتفاعُ، فلا ينتفعُ بجلدِها -مثلًا-، بل عليه أنْ يتصدقَ به، فلو أكلَ شيئًا منها، أو انتفعَ به ضمِنَه بالبدلِ أو بالقيمةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَأْكُلُ مِنَ الْمُتَطَوَّعِ بِهَا»، يُسَنُّ الأكلُ منَ الأضحيةِ المتطوعِ بها؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذا ضحَّى أحدُكم فلْيأكلْ مِن أضحيتِه» (٢).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَبِيعُ مِنَ الْأُضْحِيَةِ»، لا يجوزُ بيعُ أيِّ جزءٍ منَ الأضحيةِ؛ سواءٌ كانَ لحمًا أو جلدًا؛ لأنَّها قربةٌ إلى اللهِ تعالى، فلا يجوزُ له إلا ما رخَّصَ الشرعُ له فيه وهو الأكلُ، وليسَ له إعطاءُ الجلدِ أو بعضِ اللحمِ للجزَّارِ مقابلَ الأجرةِ، بل يعطيه أجرتَه كاملةً، وإنْ أهداه شيئًا بعدَ ذلك جازَ، ودليلُ ذلك حديثُ عليٍّ ﵁ قالَ: أمرني رسولُ اللهِ ﷺ أنْ أقومَ على بُدْنِه، وأنْ أتصدقَ بلحمِها وجلودِها وأجِلَّتِها، وأن لا أعطيَ
الخيلِ منَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوداعِ، وأجرى ما لم يُضَمَّرْ منَ الثنيَّةِ إلى مسجدِ بَني زُرَيْقٍ»، ثُمَّ قال: «وكنتُ فيمَنْ أجرى» (١).
وفي روايةٍ: «فجئتُ سابقًا، فطفَّفَ بي الفرسُ مسجدَ بني زريقٍ» (٢).
وقد زادَ النَّبيُّ ﷺ في المسافةِ للخيلِ المضمرةِ لقُوَّتِها، ونَقَّصَها في الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ لقصورِها عنْ شأْوِ ذاتِ التضميرِ؛ ليكونَ عدلًا منه ﷺ بينَ النوعينِ، وكلُّ ذلك إعدادٌ للقوةِ في إعزازِ كلمةِ اللهِ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ على اشتراطِ المسافةِ، فلا بدَّ أنْ تكونَ معلومةً؛ ابتداءً وغايةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَالْمُنَاضَلَةُ بِالسِّهَامِ إِذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً، وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةً»، تجوزُ المسابقةُ على الدوابِّ، كالخيلِ والإبلِ والبغالِ والحميرِ والفيلةِ، وكذلك المراماةُ بالسهامِ وما أشبهَها من آلاتِ الحربِ، كالرَّصاصِ والصواريخِ وغيرِهما؛ سواءٌ كانَت بعِوَضٍ، أو
стр. 460
بغيرِ عوَضٍ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (١).
والمعنى: لا يحلُّ أخذُ المالِ بالمراهنةِ إلا في الثَّلاثةِ المذكورةِ، وقد كانتْ هذه الثلاثةُ هي آلاتِ الحربِ والقتالِ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ ، فيلحقُ بها كلُّ ما كانَ كذلك حسبَ الزمانِ والمكانِ (٢).
ويُشترطُ في الرميِ أنْ تكونَ المسافةُ التي بينَ موقفِ الرامي والغرضِ الذي يُرمي إليه معلومةً؛ ابتداءً وغايةً.
قال أبو شجاع ﵀: «وَيُخْرِجُ الْعِوَضَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ حَتَّى إِنَّهُ إِذَا سَبَقَ اسْتَرَدَّهُ، وَإِنْ سُبِقَ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ»، يُخرِجُ المالَ المشروطَ أحدُ المتسابقينِ، حتَّى إذا سَبَقَ استردَ مالَه، وإن سُبِقَ أخذَ العوضَ صاحبُه السابقُ، وليسَ هذا منَ القِمارِ المحرَّمِ؛ لأنَّ الدفعَ من طرفٍ واحدٍ، يقولُ الرافعيُّ ﵀: «القِمارُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مُتَرَدِّدًا بينَ أنْ يغنمَ ويغرمَ، وليسَا ولا واحدٌ منهما