← Фикх шафии

Фикх шафии · id 279

إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

أبو المعاطي الشبراوي

Полный текст (499 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال أبو شجاع ﵀: «وَالْعَقِيقَةُ مُسْتَحَبَّةٌ وَهِيَ الذَّبِيحَةُ عَنِ الْمَوْلُودِ يَوْمَ سَابِعِهِ»، العقيقةُ عنِ المولودِ مستحبةٌ، وتكونُ في اليومِ السابعِ من ولادتِه، ويحسبُ يومُ الولادةِ منَ السبعِ، ولا تفوتُ بالتأخيرِ بعدَه، فإن تأخرَتْ للبلوغِ سقطَ حكمُها في حقِّ العاقِّ عنِ المولودِ؛ أمَّا هو فمخيرٌ في العقِّ عن نفسِه أو التركِ (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُذْبَحُ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ»، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمرَهم عنِ الغلامِ شاتانِ متكافئتانِ، وعنِ الجاريةِ شاةٌ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُطْعِمُ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ»، فهي كالأضحيةِ في جنسِها وسلامتِها منَ العيوبِ، والأكلِ منها، والتصدقِ، والإهداءِ، وامتناعِ بيعِها؛ لكنَّ العقيقةَ يسنُّ طبخُها كسائرِ الولائمِ بخلافِ الأضحيةِ، ويُروى عنْ عائشةَ ﵂: «شاتانِ عنِ الغلامِ، وشاةٌ عنِ الجاريةِ تطبخُ جُدُولًا، لا يكسرُ لها عظمٌ» (٣). ويُسنُّ أنْ تطبخَ بحلوٍ تفاؤلًا بحلاوةِ أخلاقِ المولودِ، وكذلك يُسَنُّ أن يُؤَذَّنَ في أُذنِ المولودِ اليُمنى حينَ يولدُ، ويُقَامَ في أذنِه

стр. 457

اليُسرى، وأن يُحنَّكَ بتمرٍ؛ فيُمْضَغُ ويُدْلَكُ به حنكُه داخلُ فمِه لينزلَ منه شيءٌ إلى جوفِه؛ فإن لم يوجدْ تمرٌ فرطبٌ، وإلا فشيءٌ حلوٌ، وأنْ يُسمَّى المولودُ يومَ سابعِ ولادتِه، وتجوزُ تسميتُه قبلَ السابعِ وبعدَه (١). واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 458

كتابُ السَّبْقِ والرَّمي السَّبْقُ بالسكونِ: مصدرُ سبَقَ؛ أي: تقدمَ، وبالتحريكِ: المالُ الموضوعُ بينَ أهلِ السباقِ، والرميُ يشملُ الرميَ بالسهامِ وغيرِهما. والأصلُ في ذلك قبلَ الإجماعِ الكتابُ والسُّنَّةُ قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. يقول عقبة بن عامر ﵁: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ وهو على المنبرِ يقولُ: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» (١). وقال سلمةُ بنُ الأكوعِ ﵁: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ على نفرٍ مِنْ أسلمَ ينتضلون، فقالَ: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ»، فأمسكَ أحدُ الفريقين بأيديْهم، فقالَ ﷺ : «مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ؟!»، قالوا: كيفَ نرمي وأنتَ معهم؟! فقالَ ﷺ : «ارْمُوا فَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ» (٢). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ ﵄: «أجرى النَّبيُّ ﷺ ما ضُمِّرَ منَ

стр. 459

الخيلِ منَ الحَفْيَاءِ إلى ثَنِيَّةِ الوداعِ، وأجرى ما لم يُضَمَّرْ منَ الثنيَّةِ إلى مسجدِ بَني زُرَيْقٍ»، ثُمَّ قال: «وكنتُ فيمَنْ أجرى» (١). وفي روايةٍ: «فجئتُ سابقًا، فطفَّفَ بي الفرسُ مسجدَ بني زريقٍ» (٢). وقد زادَ النَّبيُّ ﷺ في المسافةِ للخيلِ المضمرةِ لقُوَّتِها، ونَقَّصَها في الخيلِ التي لم تُضَمَّرْ لقصورِها عنْ شأْوِ ذاتِ التضميرِ؛ ليكونَ عدلًا منه ﷺ بينَ النوعينِ، وكلُّ ذلك إعدادٌ للقوةِ في إعزازِ كلمةِ اللهِ، وفي هذا الحديثِ دليلٌ على اشتراطِ المسافةِ، فلا بدَّ أنْ تكونَ معلومةً؛ ابتداءً وغايةً. قال أبو شجاع ﵀: «وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ، وَالْمُنَاضَلَةُ بِالسِّهَامِ إِذَا كَانَتْ الْمَسَافَةُ مَعْلُومَةً، وَصِفَةُ الْمُنَاضَلَةِ مَعْلُومَةً»، تجوزُ المسابقةُ على الدوابِّ، كالخيلِ والإبلِ والبغالِ والحميرِ والفيلةِ، وكذلك المراماةُ بالسهامِ وما أشبهَها من آلاتِ الحربِ، كالرَّصاصِ والصواريخِ وغيرِهما؛ سواءٌ كانَت بعِوَضٍ، أو

стр. 460

بغيرِ عوَضٍ؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» (١). والمعنى: لا يحلُّ أخذُ المالِ بالمراهنةِ إلا في الثَّلاثةِ المذكورةِ، وقد كانتْ هذه الثلاثةُ هي آلاتِ الحربِ والقتالِ في عهدِ النَّبيِّ ﷺ ، فيلحقُ بها كلُّ ما كانَ كذلك حسبَ الزمانِ والمكانِ (٢). ويُشترطُ في الرميِ أنْ تكونَ المسافةُ التي بينَ موقفِ الرامي والغرضِ الذي يُرمي إليه معلومةً؛ ابتداءً وغايةً. قال أبو شجاع ﵀: «وَيُخْرِجُ الْعِوَضَ أَحَدُ الْمُتَسَابِقَيْنِ حَتَّى إِنَّهُ إِذَا سَبَقَ اسْتَرَدَّهُ، وَإِنْ سُبِقَ أَخَذَهُ صَاحِبُهُ»، يُخرِجُ المالَ المشروطَ أحدُ المتسابقينِ، حتَّى إذا سَبَقَ استردَ مالَه، وإن سُبِقَ أخذَ العوضَ صاحبُه السابقُ، وليسَ هذا منَ القِمارِ المحرَّمِ؛ لأنَّ الدفعَ من طرفٍ واحدٍ، يقولُ الرافعيُّ ﵀: «القِمارُ أنْ يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مُتَرَدِّدًا بينَ أنْ يغنمَ ويغرمَ، وليسَا ولا واحدٌ منهما

стр. 461

كذلك، أمَّا المُخرجُ فإنَّه مُتردِّدٌ بينَ أنْ يغرمَ وبينَ ألا يغرمَ، ولا يغنمُ بحالٍ، وأمَّا الآخرُ فمترددٌ بينَ أنْ يغنمَ، وبينَ أنْ لا يغنمَ، ولا يغرمُ بحالٍ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ أَخْرَجَاهُ مَعًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا، فَإِنْ سَبَقَ أَخَذَ الْعِوَضَ وَإِنْ سُبِقَ لَمْ يَغْرَمْ»، إنْ أخرجَ المتسابقانِ العوضَ معًا لم يجزْ حينئذٍ إلا أنْ يُدخِلَا بينهما محلِّلًا، وسمِّيَ محلِّلًا لأنَّه يحللُ العقدَ، ويخرجُه عن صورةِ القمارِ المحرمةِ فإنَّ المحللَ إنْ سبقَ المتسابقَينِ أخذَ ما أخرجاه مِن العوضِ لنفسِه؛ سواءٌ أجاءَا معًا أم مرتبًا لسبقِه لهما، وإنْ سبقاه وجاءَا معًا لم يغرَمْ لهما شيئًا ولا شيءَ لأحدِهما على الآخرِ، وإن جاءَ المحلِّلُ معَ أحدِ المتسابقينِ وتأخرَ الآخرُ فمالُ هذا لنفسِه؛ لأنَّه لم يسبقْه أحدٌ، ومالُ المتأخرِ للمحلِّلِ. ويجوزُ أنْ يكونَ العوضُ مشروطًا مِن غيرِهما، كأنْ يشرطَه الإمامُ منْ بيتِ المالِ، أو أحدُ الرعيةِ منْ مالِه، للسابقِ منهما. واللهُ تعالى أعلمُ.

стр. 462

كتابُ الأَيْمَانِ والنُّذُور الأيمانُ في اللغةِ: جمعُ يمينٍ، وهو القَسَمُ، واليَمينُ: اليدُ اليُمنى، وكانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمانِ تأكيدًا لما عقدوا، فسمِّي القَسَمُ يمينًا؛ لاستعمالِ اليمينِ فيه. وفي الاصطلاحِ: تأكيدُ ما يحتمِلُ المخالفةَ بذكرِ اسمٍ منْ أسماءِ اللهِ تعالى، أو صفةٍ منْ صفاتِه. والأصلُ فيه قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وأحاديثُ، منها: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قالَ: أكثرُ ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يحلفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (١). والنَّذرُ في اللُّغةِ: مصدرُ نذَرْتُ أنْذرُ -بضمِّ الذالِ وكسرِها- أي: أوجبْتُ على نفسي شيئًا لم يكنْ واجبًا عليَّ. وفي الاصطلاحِ: هو التزامُ قربةٍ غيرِ لازمةٍ بأصلِ الشَّرعِ. والأصلُ فيه آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾

стр. 463

[الحج: ٢٩]، وقولُه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. وأحاديثُ، منها: حديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ إِلَّا بِاللهِ تعالى، أَوْ بِاسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ»، لا يصحُّ اليمينُ ولا يترتبُ عليه آثارُه إلا إذا كانَ باللهِ تعالى، أو باسمٍ منْ أسمائِه الحُسنى، كقولِ: «واللهِ لأفعلَنَّ كذا»، أو «والرحمنِ لأفعلَنَّ كذا»، أو بصفةٍ منْ صفاتِه الحُسنى، كقولِه: «وعزةِ اللهِ لأفعلَنَّ كذا»، أو «وعظمةِ اللهِ لأفعلَنَّ كذا»، ودليلُ ذلك حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (٢). وقد سبقَ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أنَّ أكثرَ ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يحلفُ: «لَا وَمُقَلِّبِ القُلُوبِ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ بِصَدَقَةِ مَالِهِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ»، إذا حلفَ إنسانٌ بصدقةِ مالِه، كقولِه -مثلًا-: «للهِ عليَّ أنْ أتصدقَ بمالي إنْ فعلتُ كذا»، فالحالفُ مخيرٌ بينَ الوفاءِ بما حلفَ عليه والتزامِه منَ الصدقةِ بمالِه، أو الكَفَّارةِ، وهذا يعبرُ عنه العلماءُ تارةً بيمينِ اللَّجَاجِ والغضبِ، وتارةً بنذرِ اللَّجَاجِ والغضبِ، وأضيفَ إلى اللجَاجِ -وهو التمادي في

стр. 464

الخصومةِ- وإلى الغضبِ؛ لأنَّه غالبًا يحصلُ عندَهما، وسواءٌ كان يمينًا أو نذرًا فقدْ جاءَ في حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا شَيْءَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ»، لغوُ اليمينِ: هو ما يجري على اللسانِ دونَ قصدِ الحلفِ، وهذا لا كفارةَ فيه ولا إثمَ، قالَ تعالى: ﴿لَاّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]؛ أي: قصدتموه وعزمْتُم عليه. وقد سُئلتْ عائشةُ ﵂ عن لَغْوِ اليمينِ فقالَت: «هو قولُ الرَّجلِ: لا واللهِ، وبلى واللهِ» (٢). وفي روايةٍ: «هو كلامُ الرَّجلِ في بيتِه: كلَّا واللهِ، وبلى واللهِ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِفِعْلِهِ لَمْ يَحْنَثْ»، الحِنْثُ هو عدمُ الوفاءِ باليمينِ، وهو في الأصلِ الذنبُ، قالَ تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]، وأُطلقَ الحِنْثُ على ما ذكر؛ لأنَّه سببٌ له، ومَنْ حلفَ أنْ لا يفعلَ شيئًا فأمرَ غيرَه بفعلِه لم يحنَثْ؛ لأنَّه لم يباشرِ الفعلَ، والفعلُ يُنسبُ إلى مَنْ باشرَه.

стр. 465

قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ أَمْرَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَحْنَثْ»، وذلك كما لو حلفَ أنْ لا يلبسَ هذينِ الثوبينِ، أو أنْ لا يكلمَ زيدًا وعمْرًا، فلبسَ أحدَ الثوبينِ، أو كلَّمَ أحدَ الرجُلينِ، فلا يحنَثُ؛ لأنَّ يمينَه على مجموعِ الأمرين، أمَّا لو قالَ: واللهِ لا ألبسُ هذا ولا هذا، أولا أكلِّمُ زيدًا ولا عمْرًا، فإنه يحنثُ بلبسِ أحدِ الثوبين، أو بتكليمِ أحدِ الرجُلينِ، لأنَّ إعادةَ حرفِ النَّفيِ تجعلُ كلًّا منهما مقصودًا باليمينِ على انفرادٍ. قال أبو شجاع ﵀: «وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِيهَا بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: ١ - عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ»، بلا عيبٍ يخِلُّ بعملٍ أو كسْبٍ. ٢ - «أَوْ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، كُلُّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ كِسْوَتُهُمْ ثَوْبًا ثوبًا»، ويكونُ المُدُّ مِن غالبِ قُوتِ أهلِ البلدِ، وهو يُساوي بالوزنِ (٦٠٠) جرامًا تقريبًا، وكذلك الثوبُ يكونُ مما يُعتادُ لُبسُه، كقميصٍ، أو عمامةٍ، أو خمارٍ، أو إزارٍ، ولا يشترطُ كونُه جديدًا؛ فيجوزُ دفعُه ملبوسًا لم تذهبْ قوتُه. ٣ - «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»، إذا لم يجدِ المُكَفِّرُ شيئًا من الثلاثةِ السابقةِ، فيلزمُه صيامُ ثلاثةِ أيامٍ، ولا يجبُ تتابعُها لقولِه تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].

стр. 466

«فَصْلٌ» في أحكامِ النَّذر قال أبو شجاع ﵀: «وَالنَّذْرُ يَلْزَمُ فِي الْمُجَازَاةِ عَلَى مُبَاحٍ وَطَاعَةٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ شَفَى اللهُ مَرِيضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ أَوْ أَصُومَ أَوْ أَتَصَدَّقَ، وَيَلْزَمُهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ»، يصحُّ النذرُ وتترتبُ عليه آثارُه ويلزمُ الوفاءُ به إنْ كانَ بالتزامِ فعلِ طاعةٍ مكافأةً على حصولِ أمرٍ مباحٍ محبوبٍ للنفسِ طبعًا؛ من إصابةِ خيرٍ أو دفعِ شرٍّ، كأنْ يقولَ: إنْ شفى اللهُ مريضي فللهِ عليَّ أنْ أصلِّيَ أو أصومَ أو أتصدقَ، فإنْ شفى اللهُ مريضَه لزمَه من ذلك ما يقعُ عليه الاسمُ من صلاةٍ، وأقلُّها ركعتان، أو صومٌ وأقلُّه يومٌ، أو الصدقةُ وهي أقلُّ شيءٍ مما يُتموَّلُ، وهذا كلُّه إذا أَطلقَ ولم يعينْ، فإنْ عيَّنَ عددًا أومقدارًا لزمَه ما عيَّنَهُ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، كَقَوْلِهِ: إِنْ قَتَلْتُ فُلَانًا فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا»، لا ينعقدُ النَّذرُ في معصيةِ اللهِ، ولا يترتبُ عليه شيءٌ؛ إلا إنْ نوى به اليمينَ فتلزمُه كفارةُ يمينٍ، ودليلُ ذلك حديثُ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» (١). وحديثُ عمرانَ بنِ حصينٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ» (٢).

стр. 467

والمرادُ أنَّه لا ينعقدُ ولا يترتبُ عليه شيءٌ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَلْزَمُ النَّذْرُ عَلَى تَرْكِ مُبَاحٍ، كَقَوْلِهِ: لَا آكُلُ لَحْمًا، وَلَا أَشْرَبُ لَبَنًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ»، لا ينعقدُ النذرُ على تركِ مُباحٍ، كما لو نَذَرَ أنْ لا يأكلَ لحمًا ولا يشربَ لبنًا، ومثلُ التَّركِ الفعلُ، كما لو نذرَ أنْ يأكلَ لحمًا أو يشربَ لبنًا، ودليلُ ذلك حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: بينَما النَّبيُّ ﷺ يخطبُ، إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسألَ عنه، فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أن يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظلَّ ولا يتكلمَ، ويصومَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (١). والأمرُ بإتمامِ الصومِ لأنَّه طاعةٌ، ويلزمُ الوفاءُ بها إذا نذرَها. واللهُ تعالى أعلم.

стр. 468

كتابُ الأقْضِيَةِ والشَّهَادَات الأقضيةُ في اللغةِ: جمعُ قضاءٍ، وهو إحكامُ الشيءِ وإمضاؤُه. وفي الاصطلاحِ: فصلُ الخصومةِ بينَ خَصمينِ فأكثرَ بحكمِ اللهِ تعالى. والأصلُ في مشروعيتِه قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: ٤٩]، وقولُه تعالى: ﴿فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: ٤٢]. وأحاديثُ، منها: حديثُ عمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» (١). والشهاداتُ في اللغةِ: جمعُ شهادةٍ، وهي الخبرُ القاطعُ، والشاهدُ حاملُ الشهادةِ ومؤدِّيها؛ لأنَّه مشاهدٌ لما غابَ عن غيرِه. وفي الاصطلاحِ: إخبارُ الشَّخصِ بحقٍّ لغيرِه على غيرِه بلفظِ "أشهدُ".

стр. 469

والأصلُ في مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿ولا تكتموا الشهادة﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وأحاديثُ، منها: حديثُ الأشعثِ بنِ قيسٍ ﵁ قالَ: كانَتْ بيني وبينَ رَجُلٍ خصومةٌ في بئرٍ، فاختصمْنا إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَ الْقَضَاءَ إِلَّا مَنِ اسْتَكْمَلَتْ فِيهِ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: ١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تصحُّ ولايةُ كافرٍ ولو على كفَّارٍ، وما جرَت به العادةُ مِن نصْبِ شخصٍ منهم للحكمِ بينَهم، فهو تقليدُ رياسةٍ وزعامةٍ لا تقليدُ حكْمٍ وقضاءٍ، ولا يلزمُ أهلَ الذِّمَّةِ الحكمُ بإلزامِه بل بالتزامِهم، ولا يُلزمون بالتَّحاكمِ عندَه (٢). ٢، ٣ - «وَالْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ»، فلا تصحُّ ولايةُ الصبيِّ والمجنونِ للقضاءِ؛ لأنَّه لا يتعلَّقُ بقولِهما حكمٌ على أنفسِهما؛ فعلى غيرِهما من بابِ أَولَى. ٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تصحُّ ولايةُ العبدِ للقضاءِ؛ لأنَّ أمرَه بيدِ سيدِه.

стр. 470

٥ - «وَالذُّكُورَةُ»، فلا تصحُّ ولايةُ المرأةِ للقضاءِ؛ لحديثِ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (١). ٦ - «وَالْعَدَالَةُ»، فلا تصحُّ ولايةُ الفاسقِ للقضاءِ؛ لأنَّه لا يُوثقُ بقولِه، ولا يؤمنُ الجَوْرُ في حُكمِه. ٧ - «وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»، يُشترطُ في مَن يَلي القضاءَ أن يكونَ على معرفةٍ بالأحكامِ الثابتةِ بالكتابِ العزيزِ، والسنةِ المطهرةِ، أمَّا الكِتابُ فيَعرفُ منه العامَّ والخاصَّ، والمحكَمَ والمتشابِهَ، والمجمَلَ والمبيَّنَ، والمطلقَ والمقيَّدَ، والناسخَ والمنسوخَ، وهكذا، وأمَّا السنَّةُ فيَعرفُ منها الآحادَ والمتواترَ، والمتصلَ والمنقطعَ، وحالَ الرواةِ قوةً وضعفًا، وهكذا؛ لأنَّه بذلك يَتَمَكَّنُ منَ الترجيحِ عندَ تعارُضِ الأدلَّةِ، فيُقَدِّمُ الخاصَّ على العامِّ، والمقيَّدَ على المطلقِ، والمبيَّنَ على المجملِ، والناسخَ على المنسوخِ، والمتواترَ على الآحادِ، والمتصلَ على المنقطعِ، ومَن ثبتَتْ عدالةُ رواتِه وضبطُهم على مَن لم تثبتْ، وهكذا. ٨ - «وَمَعْرِفَةُ الْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ على علمٍ بأقوالِ الصحابةِ والتابعين والأئمةِ المجتهدينَ، وما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه، ليتَّبعَ ما أجمعوا عليه، ويجتهدَ فيما اختلفوا فيه، قال الغَزِّيُّ ﵀: «ولا يشترطُ معرفتُه لكلِّ فردٍ من أفرادِ الإجماعِ، بل يكفيه في المسألةِ التي يُفتي

стр. 471

بها، أو يحكمُ فيها؛ أنَّ قولَه لا يخالفُ الإجماعَ» (١). ٩ - «وَمَعْرِفَةُ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ على معرفةٍ بطرقِ الاجتهادِ المؤديةِ إلى استنباطِ الأحكامِ مِن أدلتِها الشرعيةِ. ١٠ - «وَمَعْرِفَةُ طَرَفٍ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ على معرفةِ طرفٍ من لسانِ العربِ من لغةٍ ونحوٍ وصرفٍ؛ وما لا بدَّ منه في فَهْمِ الكتابِ والسُّنَّةِ. ١١ - «وَمَعْرِفَةُ تَفْسِيرِ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى»، يُشترطُ في مَنْ يلي القضاءَ أنْ يكونَ على معرفةِ طرفٍ مِن تفسيرِ كتابِ اللهِ تعالى؛ ليعرفَ به الأحكامَ المأخوذةَ منه. ١٢ - «وَأَنْ يَكُونَ سَمِيعًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ سميعًا، فلا يُولَّى أصمُّ؛ لأنَّه لنْ يتمكنَ من سماعِ الخصومِ، ولا التمييزِ بينَ الإقرارِ والإنكارِ. ١٣ - «وَأَنْ يَكُونَ بَصِيرًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أن يكونَ بصيرًا، ليميزَ بينَ الخصومِ والشهودِ، ويعرفَ الطالبَ من المطلوبِ؛ لأنَّ الأعمى لا يميزُ إلا بالصوتِ، والصوتُ قد يشتبهُ. ١٤ - «وَأَنْ يَكُونَ كَاتِبًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ كاتبًا؛ لاحتياجِه إلى أنْ يكتبَ إلى غيرِه، ولأنَّ فيه أمنًا مِنْ تحريفِ القارئِ عليه.

стр. 472

١٥ - «وَأَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِظًا»، يُشترطُ في مَن يلي القضاءَ أنْ يكونَ يقِظًا غيرَ مغفَّلٍ، بحيثُ لا يُخدعُ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ فِي مَوْضِعٍ بَارِزٍ لِلنَّاسِ وَلَا حَاجِبَ لَهُ»، يُستحبُ أنْ ينزلَ القاضي في وسطِ البلدِ؛ ليتساوى أهلُه في القُربِ منه، ويجلسَ في موضعٍ فسيحٍ ظاهرٍ للناسِ، بحيثُ يراه المستوطنُ والغريبُ والقويُّ والضعيفُ، ويكونَ مجلسُه مَصونًا مِن أذى حَرٍّ وبردٍ، ولا يتخذَ حاجبًا يحجبُ الناسَ ويمنعُهم منَ الدخولِ عليه وقتَ جلوسِه للحكمِ؛ لحديثِ أبي مريمَ الأزديِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ وَلَّاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْعُدُ لِلْقَضَاءِ فِي الْمَسْجِدِ»، لا يجلسُ القاضي للقضاءِ بينَ الخصومِ في المسجدِ؛ صَونًا له عنِ الصِّياحِ واللَّغطِ والخصوماتِ، ولأنَّه قد يحضرُ إلى مجلسِ القضاءِ مَن ليسَ لهم أنْ يمكثوا في المسجدِ، كالحُيَّضِ، وكذلك مَن لا يليقُ دخولُهم المسجدَ، كالصغارِ والمجانينِ والكُفَّارِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسَوِّي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: ١ - فِي الْمَجْلِسِ»؛ يجبُ على القاضي أن يسوَيَ بينَ

стр. 473

الخصومِ في المجلسِ كأنْ يُجلسَهما بينَ يديهِ، فلا يجعلُ أحدَهما أقربَ إليه مِن الآخرِ؛ لأنَّ هذا مِنَ العدلِ. ٢ - «وَاللَّفْظِ»، يجبُ على القاضي أنْ يسمعَ مِن جميعِ الخصومِ، فلا يسمعُ كلامَ أحدِهما دونَ الآخرِ. ٣ - «وَاللَّحْظِ»، يجبُ على القاضي أنْ يسوِّيَ بينَ الخصومِ في اللَّحظِ والنظرِ ما استطاعَ إلى ذلك سبيلًا، فلا ينظرُ إلى أحدِ الخَصمينِ ويُقبلُ عليه أكثرَ مِنَ الآخرِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ أَهْلِ عَمَلِهِ»؛ أي: الذين يرجعون إليه في حلِّ خصوماتِهم والفصلِ في منازعاتِهم؛ لحديثِ أبي حُميدٍ الساعديِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعْملَ عاملًا، فجاءَه العاملُ حينَ فرغَ من عملِه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، هذا لكم، وهذا أُهْديَ لي، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ : «أَفَلَا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟!»،ثُمَّ قامَ النَّبيُّ ﷺ عَشِيَّةً بعدَ الصلاةِ، فتشهدَ وأثنى على اللهِ بما هو أهلُه، ثُمَّ قالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ العَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ، فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، أَفَلَا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَنَظَرَ: هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَهُ رُغَاءٌ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَهَا خُوَارٌ، وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ، فَقَدْ بَلَّغْتُ» (١).

стр. 474

قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجْتَنِبُ الْقَضَاءَ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ: ١ - عِنْدَ الْغَضَبِ»، وهو ثورانُ دمِ القلبِ؛ لإرادةِ الانتقامِ. ٢، ٣ - «وَالْجُوعِ، وَالْعَطَشِ»؛ أي: المفرِطَين. ٤ - «وَشِدَّةِ الشَّهْوَةِ»، وهي التَّوقانُ للجماعِ. ٥، ٦ - «وَالْحُزْنِ، وَالْفَرَحِ الْمُفْرِطِ»، لو قال ﵀: المفرِطَينِ لكان أولى؛ لأنَّه قيدٌ في الحزنِ أيضًا. ٧ - «وَعِنْدَ الْمَرَضِ»؛ أي: المؤلمِ المُقْلِقِ. ٨ - «وَمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ»؛ أي: البولِ والغائطِ. ٩ - «وَعِنْدَ النُّعَاسِ»؛ أي: إذا غلبتْه عيناه. ١٠ - «وَشِدَّةِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ»؛ أي: المفرِطَينِ. ودليلُ ذلك حديثُ أبي بكرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ» (١). فقد دلَّ الحديثُ على النَّهيِ عن القضاءِ حالَ الغضبِ، وقِيس على الغضبِ ما ذُكر؛ لأنَّه في معناه من حيثُ تغيُّرُ النفسِ، وخروجِها عن الطبيعةِ التي تؤهِّلُها للنظرِ والفكرِ والاجتهادِ لمعرفةِ

стр. 475

الحكمِ، يقولُ ابنُ حجرٍ ﵀ في شرحِ هذا الحديثِ: «وفيه النَّهيُ عن الحكمِ حالةَ الغضبِ؛ لما يحصلُ بسببِه من التغيرِ الذي يختلُّ به النَّظرُ، فلا يحصلُ استيفاءُ الحُكمِ على الوجهِ، وعدَّاه الفقهاءُ بهذا المعنى إلى كلِّ ما يحصلُ به تغيُّرُ الفكرِ، كالجوعِ والعطشِ المفرِطَينِ، وغلبةِ النُّعاسِ، وسائرِ ما يتعلقُ به القلبُ تعلُّقًا يشغلُه عن استيفاءِ النَّظرِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَسْأَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ كَمَالِ الدَّعْوَى، وَلَا يُحَلِّفُهُ إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِ الْمُدَّعِي»، لا يسألُ القاضي المدَّعَى عليه الجوابَ إلا بعدَ فراغِ المدعِي مِن بيان دعواه، وكذلك لا يجوزُ للقاضي أنْ يُحلِّفَ المدَّعَى عليه إلا بعدَ طلبِ المدعِي تحليفَه؛ لأنَّ استيفاءَ اليمينِ مِن المدعَى عليه حقٌّ للمدَّعِي، فيتوقُف على إذنِه وطلبِه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُلَقِّنُ خَصْمًا حُجَّةً، وَلَا يُفْهِمُهُ كَلَامًا»، لا يلقنُ القاضي خصمًا من الخصومِ حجةً يستظهرُ بها على خَصمِه، ولا يُفهمُه كلامًا يعرفُ به كيفيةَ الدَّعوى وكيفيةَ الجوابِ أو الإقرارِ أو الإنكارِ؛ لما في ذلك من إظهارِ المَيلِ له والإضرارِ بخَصمِه. قال أبو شجاعٍ ﵀: «وَلَا يَتَعَنَّتُ بِالشُّهَدَاءِ»؛ أي: لا يَشُقُّ عليهم ويؤذيهم بالقولِ ونحوِه، كأنْ يهزأَ بهم، أو يعارضَهم في أقوالِهم، أو يُشدِّدَ عليهم في التعرفِ على كيفيةِ تحمُّلِهم

стр. 476

للشهادةِ، وهذا إذا كان ظاهرُ حالِهم الصدقَ، وكمالَ العقلِ؛ لأنَّ مثلَ ذلك ينفِّرُ من الشَّهادةِ وتحمُّلِها أو أدائِها، والناسُ في حاجةٍ إليها، قال تعالى: ﴿ولا يضارَ كاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإن تَفْعَلُوا فَإنَّه فسوقٌ بِكمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ إِلَّا مِمَّنْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ»، وتثبتُ العدالةُ بمعرفةِ القاضي للشاهدِ، أو بتزكيةِ عدلَينِ له عندَه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ، وَلَا شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَلَا وَلَدٌ لِوَالِدِهِ»، وذلك لتُهمةِ التَّحاملِ على العدوِّ، والمحاباةِ للوالدِ أو الولدِ، والأصلُ في ردِّ الشهادةِ للتهمةِ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّصلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» (١). وفي روايةٍ لعائشةَرضي الله عنها: «وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يُقْبَلُ كِتَابُ قَاضٍ إِلَى قَاضٍ آخَرَ فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ يَشْهَدَانِ بِمَا فِيهِ»، إذا حكم قاضٍ على غائبٍ، وكتب إلى القاضي الذي في بلدِه بما حكمَ به ليُنفذَه عليه، اشترط أنْ يشهدَ على الكتابةِ شاهدَينِ، يشهدانِ أمامَ القاضي المكتوبِ إليه بمضمونِ الكتابِ.

стр. 477

«فَصْلٌ» في أحكامِ القِسْمَة القِسمةُ في اللُّغةِ: مأخوذةٌ من قَسَمَ الشيءَ يَقْسِمُه قَسْمًا، والقِسْمُ: النَّصيبُ والحظُّ، وجمعُه أقسامٌ، يُقالُ: هذا قِسْمُك، وهذا قِسْمِي، قال تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]، وهي الملائكةُ تُقَسِّمُ ما وُكِّلَتْ به. وفي الاصطلاح: تمييزُ الأنصباءِ بعضِها من بعضٍ. والقاسمُ: هو الذي يُنصِّبُه القاضي ليقسِمَ الأشياءَ المشتركةَ بينَ الناسِ، ويميزَ نصيبَ كلِّ شريكٍ من نصيبِ غيرِه. والأصلُ في مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى في الميراثِ: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [النساء: ٨]. وأيضًا فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يقسمُ الغنائمَ بينَ مستحقِّيها، وكذلك الخلفاءُ الراشدونَ مِن بعدِه. قال أبو شجاع ﵀: «وَيَفْتَقِرُ الْقَاسِمُ إِلَى سَبْعَةِ شَرَائِطَ: ١ - الْإِسْلَامُ»، يُشتَرطُ في القاسمِ أن يكونَ مسلمًا؛ لأنَّ له نوعًا من الولايةِ على من يقسمُ لهم، وقسمتُه مُلزِمةٌ، ولا وَلايةَ لكافرٍ على مسْلمٍ. ٢ - «وَالْبُلُوغُ»؛ لأنَّ له نوعًا من الولايةِ -كما سبق- والصبيُّ لا يلِي أمرَ نفسِه، فلا يلي أمرَ غيرِه من بابِ أولى.

стр. 478

٣ - «وَالْعَقْلُ»؛ لأنَّ المجنونَ ممنوعٌ من التصرفِ لنفْسِه، فلا يَكونُ متصرِّفًا لغيْرِه. ٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»؛ لأنَّ هذا العملَ يستدعي فراغًا، والعبدُ مشغولٌ بخدمةِ سيِّدِه. ٥ - «وَالذُّكُورَةُ»؛ لحديثِ أبي بكرةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (١). ٦ - «وَالْعَدَالَةُ»؛ لأنَّ الفاسقَ غيرُ مؤتمنٍ. ٧ - «وَالْحِسَابُ»، يشترطُ في القاسمِ أنْ يكونَ على معرفةٍ بالحسابِ، وكذلك المساحةِ، وما يُحتاجُ إليه حسبَ المقسومِ؛ لأنَّ ذلك آلةُ القسمةِ، كما أنَّ معرفةَ أحكامِ الشرعِ آلةُ القضاءِ. قال أبو شجاع ﵀: «فَإِنْ تَرَاضَى الشَّرِيكَانِ بِمَنْ يَقْسِمُ بَيْنَهُمَا، لَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى ذَلِكَ»، وإذا لم يكنِ القاسمُ منصوبًا من جهةِ القاضي ورضي الشريكانِ بأنْ يقسمَ بينهمالم يفتقرِ القاسمُ إلى جميعِ الشروطِ السابقةِ؛ لأنَّه وكيلٌ عنهما، ولكنْ يُشترطُ فيه أنْ يكونَ مُكَلَّفًا؛ أي: بالغًا عاقلًا. قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ لَمْ يُقْتَصَرْ فِيهِ عَلَى أَقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ»، إن كان في القسمةِ تقويمٌ لم يكْفِ إلا قاسمانِ؛ لأنَّ التقويمَ تقديرُ قيمةِ الشيءِ المقسومِ، فهو شهادةٌ بالقيمةِ، فيشترطُ فيه العددُ.

стр. 479

قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا دَعَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ شَرِيكَهُ إِلَى قِسْمَةِ مَا لَا ضَرَرَ فِيهِ، لَزِمَ الْآخَرُ إِجَابَتَهُ»، إذا دعا أحدُ الشريكينِ شريكَه إلى قسمةِ ما لا ضررَ فيه، كدارٍ كبيرةٍ، أو دراهمَ أو ثيابٍ متعددةٍ، أو نحوِ ذلك، لزم الشريكَ الآخرَ إجابتُه إلى القسمةِ؛ إذ قد يكونُ في استمرارِ الشركةِ ضررٌ عليه، أما لو كان في القسمة ضررٌ، فإنَّه لا تلزمُه إجابتُه؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (١). «فَصْلٌ» في أحكام البَيِّنَة البينةُ في اللغة: الدَّلالةُ الواضحةُ؛ سواءٌ كانت عقليةً أو حِسِّيَّةً. وفي الاصطلاحِ: اسمٌ لما يُبيِّنُ الحقَّ ويُظهرُه. والأصلُ في مشروعيتِها أحاديثُ، منها: حديثُ ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» (٢). وحديثُ الأشعثِ بنِ قيسٍ ﵁ قال: كان بيني وبين رجلٍ أرضٌ باليمنِ، فخاصمتُه إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟»، فقلتُ: لا، قال: «فَيَمِينُهُ» (٣).

стр. 480

وفي روايةٍ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا كَانَ مَعَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ سَمِعَهَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ لَهُ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، فَإِنْ نَكَلَ عَنِ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ»، إذا كان مع المدعِي بينةٌ على ما ادَّعاه سمِعها منه القاضي وحكم له بها، فإن لم تكنْ معه بينةٌ فالقولُ حينئذٍ قولُ المُدَّعَى عليه لموافقتِه الظاهرَ؛ ولكن بيمينِه، فإن امتنع المدَّعَى عليه عن اليمينِ بعدَ عرضِها عليه رُدَّتْ اليمينُ حينئذٍ على المدَّعِي فيحلفُ ويستحقُّ بيمينِه لا بنكولِ خَصمِه؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ : «رَدَّ الْيَمِينَ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ» (٢). ويبينُ القاضي حكمَ النُّكولِ للجاهلِ به؛ بأنْ يقولَ له: إن نكلتَ عن اليمينِ حلفَ المدعِي وأخذ منك الحقَّ. قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا تَدَاعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ أَحَدِهِمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْيَدِ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي يَدَيْهِمَا تَحَالَفَا، وَجُعِلَ بَيْنَهُمَا»، إذا ادعى الخصمانِ عينًا في يدِ أحدِهما، ولا بينةَ لواحدٍ منهما، فالقولُ حينئذٍ قولُ صاحبِ اليدِ بيمينِه إنها ملكُه؛ إذ اليدُ من الأسبابِ المرجِّحةِ، فإن كانت العينُ في يديهما ولا بينةَ لهما حلفَ كلٌّ منهما على نفيِ أنْ تكونَ ملكًا للآخرِ؛ لحديثِ أبي موسى الأشعريِّ ﵁ أنَّ رجلين ادَّعيَا بعيرًا إلى النَّبيِّ ﷺ ، وليست لواحدٍ

стр. 481

منهما بينةٌ، فجعله النَّبيُّ ﷺ بينهما» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ حَلَفَ عَلى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ: فَإِنْ كَانَ إِثْبَاتًا حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، وَإِنْ كَانَ نَفْيًا حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ»، مَن حلفَ على فعلِ نفسِه نفيًا أو إثباتًا حلفَ على سبيلِ الجزمِ والقطعِ؛ لعلمِه بحالِ نفسِه، ومَن حلفَ على فعلِ غيرِه ففيه تفصيلٌ: إنْ كان إثباتًا حلفَ على سبيلِ الجزمِ والقطعِ؛ لسهولةِ الاطلاعِ على المثبتِ والعلمِ به، وإنْ كان نفيًا حلفَ على نفيِ العلمِ، كأنْ يقولَ: واللهِ لا أعلمُ أنَّ فلانًا فعلَ كذا. «فَصْلٌ» في أحكامِ الشَّهادات قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ إِلَّا مِمَّنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: ١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ كافرٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، والكافرُ ليس بعدلٍ، وليس منَّا، ولأنه يكذبُ على اللهِ تعالى، فلا يُؤمنُ من الكذبِ على خلقِه. ٢ - «وَالْبُلُوغُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ صبيٍّ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].

стр. 482

٣ - «وَالْعَقْلُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ المجنونِ؛ لأنَّه لا يتعلقُ بقولِه حكمٌ على نفسِه؛ فعلى غيرِه من بابِ أولى. ٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ رقيقٍ، لأنَّ أداءَ الشهادةِ فيها نوعُ ولايةٍ، والرقيقُ ليس من أهلِها. ٥ - «وَالْعَدَالَةُ»، فلا تُقبلُ شهادةُ فاسقٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]. قال أبو شُجاعٍ ﵀: «وَلِلْعَدَالَةِ خَمْسُ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا لِلْكَبَائِرِ»، الكبائرُ: جمعُ كبيرةٍ، وهي كلُّ ما وردَ فيه وعيدٌ شديدٌ في كتابٍ أو سنةٍ، ودلَّ ارتكابُه على تهاونٍ في الدينِ، كشربِ الخمرِ والتعاملِ بالرِّبا وقذفِ المؤمناتِ بالزِّنا، قال تعالى في شأنِ القاذفينَ: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. ٢ - «غَيْرَ مُصِرٍّ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ الصَّغَائِرِ»، الصغائرُ: جمعُ صغيرةٍ، وهي ما لم ينطبقْ عليه تعريفُ الكبيرةِ، كالنَّظرِ المحرمِ، وهجرِ المسلمِ فوقَ ثلاثٍ، ونحوِ ذلك. ٣ - «سَلِيمَ السَّرِيرَةِ»، سليمُ السريرة: أي سليمُ الاعتقادِ، فلا تُقبلُ شهادةُ مبتدعٍ كمَن يعتقدون جوازَ سبِّ الصحابةِ ﵃. ٤ - «مَأْمُونَ الْغَضَبِ»؛ أي: لا يتجاوزُ الحدَّ في تصرفاتِه عندَ الغضبِ، ولا يقعُ في الباطلِ والزورِ.

стр. 483

٥ - «مُحَافِظًا عَلَى مُرُوءَةِ مِثْلِهِ»؛ أي: متخلِّقًا بأخلاقِ أمثالِه من أبناءِ عصرِه؛ ممن يراعون آدابَ الشرعِ في الزَّمانِ والمكانِ، ويُرْجَعُ في هذا غالبًا إلى العرفِ. «فَصْلٌ» في حقوقِ الله تعالى وحقوقِ الآدمين قال أبو شجاع ﵀: «وَالْحُقُوقُ ضَرْبَانِ: حُقُوقُ اللهِ تَعَالَى، وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ؛ فَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: ١ - ضَرْبٌ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ ذَكَرَانِ، وَهُوَ مَا لَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ»، كالنكاحِ والطلاقِ والوصيةِ ونحوِ ذلك؛ لقولِه تعالى في الوصيةِ: ﴿يَا أيهَا الذين آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنكُمْ إذا حَضَرَ أحَدَكُمْ المَوْتُ حِينَ الوَصِيةِ اثنَانِ ذَوا عَدْل منْكُمَ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وقولِه تعالى في الطلاقِ: ﴿فأمسِكُوهُن بمعرُوفٍ أوْ فَارِقُوهُن بمَعْروفٍ وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدل مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وفي حديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ» (١). فَفِي النصوصِ الثلاثةِ وردَ الشهودُ بلفظِ التذكيرِ، وقِيس ما لم يُذكرْ من الحقوقِ على ما ذُكرَ. ٢ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ شَاهِدٌ

стр. 484

وَيَمِينُ الْمُدَّعِي، وَهُوَ مَا كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْمَالَ»، كالبيعِ والإجارةِ والرَّهنِ ونحوِ ذلك، ودليلُه قولُه تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَين مِنْ رِجَالِكُمْ فَإنْ لَمْ يكُونارَجُلَيْن فَرَجُلٌ وَامْرأتَان مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدَاءِ أنْ تَضِل إحْدَاهمَا فَتُذكرَ إحدَاهمَا الأخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]، و ﴿تضل﴾؛ أي: تنسَى. وقال ابنُ عباسٍ ﵄: «قَضَى النَّبيُّ ﷺ بِيَمِينٍ وَشَاهدٍ» (١). قال عمرٌو -أي: ابن دينار- ﵀: «إنَّما ذاكَ في الأموالِ» (٢). ٣ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، أَوْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَهُوَ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ»، كبكارةٍ، وولادةٍ، وحيضٍ، ورَضاعٍ، وعيبِ امرأةٍ تحتَ ثوبِها، واستهلالِ ولدٍ. يقولُ الزهريُّ ﵀: «مضتِ السُّنةُ أنْ تجوزَ شهادةُ النساءِ فيما لا يطَّلعُ عليه غيرُهن من ولاداتِ النساءِ وعيوبِهن» (٣). وقِيس على ما ذُكر غيرُه مما يشاركُه في معناه، واشتُرِطَ العددُ، لأنَّ الشارعَ جعل شهادةَ المرأتينِ بشهادةِ رجلٍ واحدٍ، وإذا قُبِلَت شهادةُ النساءِ منفرداتٍ في شؤونِهن، فقبولهُا مع اشتراكِ رجلٍ وامرأتينِ أولى؛ لأنَّ الأصلَ في الشهادةِ الرجالُ، وكذلك إذا انفردَ الرجالُ بالشهادةِ.

стр. 485

قال أبو شجاع ﵀: «وَأَمَّا حُقُوقُ اللهِ تَعَالَى فَلَا تُقْبَلُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: ١ - ضَرْبٌ لَا يُقْبَلُ فِيهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، وَهُوَ الزِّنَا»؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثُمَّانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. ٢ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ اثْنَانِ، وَهُوَ مَا سُوَى الزِّنَا مِنَ الْحُدُودِ»، كالرِّدةِ، وقتلِ النَّفسِ، والسرقةِ، وشربِ الخمرِ، ونحوِ ذلك. ٣ - «وَضَرْبٌ يُقْبَلُ فِيهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ هِلَالُ رَمَضَانَ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَه وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى إِلَّا فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ: ١ - الْمَوْتُ»، وذلك لأنَّ الموتَ يثبتُ بالتسامعِ، ولأنَّ أسبابَه كثيرةٌ، منها ما يخفَى ومنها ما يظهرُ، وقد يعسرُ الاطلاعُ عليها، فجاز أنْ يعتمدَ فيه على الاستفاضةِ. ٢ - «وَالنَّسَبُ»، وإنْ لم يعرفْ عينَ المنسوبِ إليه من أبٍ أو جَدٍّ، فيشهدُ أنَّ هذا ابنُ فلانٍ، أو أنَّ هذه بنتُ فلانٍ؛ لأنَّه لا مدخلَ للرؤيةِ فيه، فإنَّ غايةَ الممكنِ أنْ يشاهدَ الولادةَ على

стр. 486

الفراشِ، وذلك لا يفيدُ القطعَ، بل الظاهرَ فقط، والحاجةُ داعيةٌ إلى إثباتِ الإنسانِ إلى الأجدادِ المتوفَّينَ فسُومِح فيه. ٣ - «وَالْمِلْكُ الْمُطْلَقُ»، كأنْ يدَّعِي شخصٌ ملكَ شيءٍ ولا منازعَ له فيه، فيشهدُ الأعمى أنَّ هذا الشيءَ مملوكٌ دون أن ينسبَه لمالكٍ معينٍ. ٤ - «وَالتَّرْجَمَةُ»، إذا اتخذَ القاضي مترجمًا أعمَى فإنَّه تُقبلُ شهادتُه فيها؛ لأنَّ الترجمةَ تعتمِدُ على اللفظِ لا على الرؤيةِ. ٥ - «وَمَا شَهِدَ بِهِ قَبْلَ الْعَمَى، وَعَلَى الْمَضْبُوطِ»، لو تحملَ الأعمى شهادةً فيما يحتاجُ للبصرِ قبلَ أنْ يطرأ عليه العمَى، شهِدَ بما تحمَّله إن كان المشهودُ له وعليه معروفَيِ الاسمِ والنسبِ؛ لإمكانِ الشهادةِ عليهما، فيقولُ مثلًا: أشهدُ أنَّ فلانَ ابنَ فلانٍ أقرِّ لفلانِ ابنِ فلانٍ بكذا، وكذلك على المضبوطِ عندَه، كأنْ يُقرَّ شخصٌ في أذنِه بنحوِ طلاقٍ أو عتقٍ أو مالٍ لشخصٍ معروفِ الاسمِ والنسبِ، فيتعلقُ الأعمى به ويضبطُه حتى يشهدَ عليه بما سمِعَ منه عندَ القاضي. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ جَارٍّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا، وَلَا دَافِعٍ عَنْهَا ضَرَرًا»، لا تُقبَلُ شهادةُ شخصٍ جارٍّ لنفسِه نفعًا، كأنْ يشهدَ الوارثُ أنَّ مُورِّثه مات قبلَ أنْ يندملَ جرحُه الذي جرحَه شخصٌ ما، وغرضُه من هذه الشهادةِ أخذُ الديةِ، فلا تُقبَلُ شهادتُه، وكذلك لا تُقبَلُ شهادةُ شخصٍ دافعٍ عن نفسه ضررًا؛ كأنْ تشهدَ العاقلةُ في قتلِ الخطإِ أنَّ الشهودَ الذين شهِدوا على القتلِ كانوا

стр. 487

فسقةً حتى لا يتحمَّلوا الديةَ، فحينئذٍ لا تُقبَلُ شهادتُهم، والسببُ في رد هذه الشهادةِ التهمةُ. والله تعالى أعلم.

стр. 488

كتابُ العِتْق العتقُ في اللُّغةِ: خلافُ الرِّقِّ، وهو الحريةُ، يُقالُ: عَتَقَ فلانٌ؛ أي: صار حُرًّا بعدَ أن كان رقيقًا. وفي الاصطلاحِ: إزالةُ الرِّقِّ عن آدميٍّ. والأصلُ في مشروعيتِه قبل الإجماعِ آياتٌ، منها: قولُه تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣]. وأحاديثُ، منها: حديثُ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَصِحُّ الْعِتْقُ مِنْ كُلِّ مَالِكٍ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ، وَيَقَعُ بِصَرِيحِ الْعِتْقِ، وَالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّةِ»، يصحُّ العتقُ من كلِّ مالكٍ للرقبةِ مطلقِ التَّصرفِ فيما يملكُ، وهو كلُّ بالغٍ عاقلٍ غيرِ محجورٍ عليه لسفهٍ أو فلسٍ؛ لأنَّ العتقَ تبرُّعٌ، ولا يصحُّ التبرُّعُ إلَّا ممَّنْ كان على هذا الوصفِ، ويقعُ العتقُ باللفظِ الصَّريحِ، كأنت عتيقٌ أو أنت حرٌّ، ولا يحتاجُ اللفظُ الصريحُ إلى نيةٍ، ولا فرقَ فيه بين هازلٍ وجادٍّ، وكذلك يقعُ العتقُ بغيرِ اللفظِ

стр. 489

الصريحِ إذا كان مقترنًا بالنيةِ، كقولِ السيدِ لعبدِه: لا ملكَ لي عليك، أو لا سلطانَ لي عليك، ونحوِ ذلك. قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا أَعْتَقَ بَعْضَ عَبْدٍ عَتَقَ جَمِيعُهُ، وَإِنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَهُوَ مُوسِرٌ سَرَى الْعِتْقُ إِلَى بَاقِيهِ وَكَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ»، إذا أعتقَ المالكُ بعضَ عبدٍ معينٍ، كيدِه، أو شائعٍ منه كرُبعِه؛ عتقَ جميعُه، وهذا إذا كان باقِيه له، فإنْ كان باقِيه لغيرِه وهو موسرٌ سرَى إلى باقي العبدِ، والمرادُ بالموسِرِ هنا: مَن له من المالِ وقتَ الإعتاقِ ما يفِي بقيمةِ نصيبِ شريكِه، فاضلًا عن قوتِه وقوتِ مَن تلزمُه نفقتُه في يومِه وليلتِه، ودليلُ ذلك حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوِّمَ العَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» (١).

стр. 490

وحديثُ أبي هريرةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ» (١). والمرادُ أنَّ المعتقَ إذا لم يكنْ موسِرًا عتقَ نصيبُه، وتُرِك العبدُ ليعملَ ويتكسبَ قيمةَ باقِيه، ثُمَّ يدفعُها إلى الشركاءِ؛ حتى يصبحَ حرًّا بالكليةِ. قال أبوشُجاعٍ ﵀: «وَمَنْ مَلَكَ وَاحِدًا مِنْ وَالِدَيْهِ أَوْ مَوْلُودَيْهِ عَتَقَ عَلَيْهِ»، مَن ملكَ أحدَ أصولِه مهما علَو كجَدِّه أوجَدتِه، أو فروعِه مهما نزلوا كابنِ ابنِه أوبنتِ ابنِه؛ أصبح حرًّا فورَ تملُّكِه له؛ لحديثِ أبي هريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» (٢). والمرادُ: أنَّه لا يقومُ ولدٌ بما لِوالدِه عليه من الحقِّ إلَّا أنْ يصادفَه مملوكًا فيشتريَه، فيكونُ شراؤُه له سببًا لعتقِه، فيعتقُ بنفسِ الشِّراءِ، ولا يحتاجُ إلى لفظِ العتقِ، وقِيس على الشراءِ غيرُه من أسبابِ الملكِ، كالهبةِ والميراثِ وغيرِها، وقِيس بالأصولِ الفروعُ بجامعِ البعضيةِ؛ أي: إن الولدَ الذي هو الفرعُ بعضُ الوالدِ الذي هو الأصلُ، فكما أنَّ الأصلَ لا يملكُه فرعُه، فكذلك الفرعُ لا يملكُهُ أصلُه. «فَصْلٌ» في أحكامِ الوَلَاء الولاءُ في اللُّغةِ: النُّصرةُ، وكذلك الولايةُ -بالفتحِ والكسرِ- ومن أسماءِ اللهِ تعالى الوليُّ، وهو النَّاصرُ، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].

стр. 491

وفي الاصطلاحِ: عصوبةٌ سببُها زوالُ الملكِ عن الرَّقيقِ بالعتقِ. والأصلُ في مشروعيتِه قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وقالت عائشةُ ﵂: جَاءَتْني بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي، فَقَالَتْ: إِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إلى أهْلِهَا، فَقَالَتْ لهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِم وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِم فَأَبَوْا إِلَاّ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ فَأَخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: «خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ»، ففعلت عائشةُ، ثُمَّ قام رسولُ اللهِ ﷺ في الناسِ، فحمِدَ اللهَ وأثنَى عليه، ثُمَّ قال: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَالْوَلَاءُ مِنْ حُقُوقِ الْعِتْقِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ التَّعْصِيبِ عِنْدَ عَدَمِهِ»، الولاءُ من حقوقِ العتقِ اللازمةِ له، فيثبتُ للمعتِقِ بمجردِ عتقِه، ولا يملكُ إسقاطَه أو التنازلَ عنه، ويكونُ له ما للعصبةِ من النَّسبِ، كالولدِ والوالدِ والأخِ، عندَ فقدِه،

стр. 492

من استحقاقِ الميراثِ وولايةِ التزويجِ وتحمُّلِ الدِّيةِ والمطالبةِ بها، ودليلُه حديثُ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَنْتَقِلُ الْوَلَاءُ عَنِ الْمُعْتِقِ إِلَى الذُّكُورِ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَتَرْتِيبُ الْعَصَبَاتِ فِي الْوَلَاءِ كَتَرْتِيبِهِمْ فِي الْإِرْثِ»، ينتقلُ الولاءُ عن المعتِقِ بعدَ موتِه إلى الذُّكورِ من عصبتِه، وترتيبُ العصباتِ في الولاءِ كترتيبِهم في الإرثِ، وقد سبق تفصيلُه في «كتابِ الفرائضِ»، ولا ترثُ المرأةُ بالولاءِ إلَّا من شخصٍ باشرت عتقَه، أو من أولادِه وعتقائِه. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْوَلَاءِ وَلَا هِبَتُهُ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ» (٢). «فصل» في أحكام التَّدْبِير التَّدبيرُ في اللُّغةِ: النَّظرُ في عواقبِ الأمورِ. وفي الاصطلاحِ: تعليقُ المالكِ عتقَ عبدِه على موتِه. فهو مأخوذٌ من الدُّبُرِ؛ لأنَّ السيدَ أعتقَه بعدَ موتِه، والموتُ دُبرُ الحياةِ.

стр. 493

وقد كان التَّدبيرُ معروفًا في الجاهلية، فأقرَّه الشَّرعُ، وقد دبَّرَ المهاجرونَ والأنصارُ، ودبَّرَتْ عائشةُ ﵂ أمةً لها (١)، وأجمع المسلمون على مشروعيتِه (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إِذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهُوَ مُدَبَّرٌ يَعْتِقُ بَعْدَ وَفَاتِهِ مِنْ ثُلُثِهِ»، إذا قال السيدُ لعبدِه -مثلًا-: إذا أنا مِتُّ فأنتَ حُرٌّ؛ فهو مدبَّرٌ، يَعتِقُ بعدَ وفاةِ السيدِ من ثلثِ مالِه بعدَ الدَّينِ؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ ﵄ قال: «الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ» (٣). فإن استغرقَ الدينُ التركةَ لم يَعتِقْ منه شيءٌ، وإن لم يكن دَينٌ ولا مالَ غيرُه عَتِقَ ثُلُثُه؛ لأنَّه تبرُّعٌ معلَّقٌ بالموتِ، فأشبهَ الوصيَّةَ، وهي من الثُّلثِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ وَيَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ»، يجوزُ للسيدِ أنْ يبيعَ المدبرَ في حال حياتِه، ويبطُلُ تدبيرُه، وله -أيضا- التَّصرفُ فيه، كهبتِه، أو جعلِه صَداقًا، أو نحوِ ذلك، يقولُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: أعْتَقَ رجلٌ مِن بنِي عُذْرةَ غُلامًا له عن دُبُرٍ، فاحْتَاج، فأخذَه النَّبيُّ ﷺ فقال: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي»، فاشتراه نُعَيْمُ بنُ عبدِ اللهِ بِثَمَانِمِائةِ درهمٍ، فجاء بها النَّبيَّ ﷺ

стр. 494

فدفعَها إليه (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ فِي حَالِ حَيَاةِ السَّيِّدِ حُكْمُ الْعَبْدِ الْقِنِّ»؛ أي: التدبيرُ لا يُزِيلُ الملكَ عن العبدِ، فللسيدِ اكتسابُه، وإنْ قُتِل العبدُ فللسيدِ القيمةُ، أو قُطِعَ فللسيدِ الأَرْشُ. «فَصْلٌ» في أحكام الكِتَابَة الكتابةُ في اللُّغةِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، ومنها الكَتيبةُ إذا اجْتَمَعَ فُرسانُها، وسُمِّي ابتياعُ العبدِ نفسَه من سيدِه بما يؤدِّيه من كسبِه كتابةً؛ لأنَّ فيها ضمَّ نجمٍ إلى نجمٍ، والنجمُ يُطلَقُ على الوقتِ الذي يحلُّ فيه مالُ الكتابةِ. وفي الاصطلاحِ: عقدٌ يُوجِبُ عتقًا على مالٍ مؤجَّلٍ من العبدِ موقوفٍ على أدائِه فإذا أدَّى ما عليه من المالِ صار العبدُ حُرًّا. ودليلُ مشروعيتِها قبلَ الإجماعِ قولُه تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]. وقال عبدُ اللهِ بنُ سهلِ بنِ حنيفٍ إن سهلًا ﵁ حدَّثَه أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ غَارِمًا فِي عُسْرَتِهِ، أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَالْكِتَابَةُ مُسْتَحَبَّةٌ إِذَا سَأَلَهَا الْعَبْدُ،

стр. 495

وَكَانَ مَأْمُونًا مُكْتَسِبًا»، تستحبُّ الكتابةُ إذا طلبَها العبدُ من سيدِه، وكان العبدُ أمينًا قادرًا على الكسبِ، وبهما فسَّر الشافعيُّ ﵀ الخيرَ في قوله تعالى: ﴿والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا﴾ [النور: ٣٣]. واعتُبرتِ الأمانةُ؛ لئلَّا يضيعَ ما يُحَصِّلُه فلا يَعْتِق، والقدرةُ على الكسبِ؛ ليوثقَ بتحصيلِ النُّجومِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِمَالٍ مَعْلُومٍ وَيَكُونُ مُؤَجَّلًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، أَقَلُّهُ نَجْمَانِ»، لا تصحُّ الكتابةُ إلا بمالٍ في ذمَّةِ المكاتبِ نقدًا كان أو عرضًا معلومًا عندَهما قدرًا وجنسًا وصفةً ونوعًا؛ لأنَّه عِوضٌ في الذمةِ فاشتُرط فيه العلمُ بذلك كدينِ السَّلَمِ، ويكونُ إلى أجلٍ معلومٍ؛ ليحصِّلَه ويُؤدِّيه، وأقلُّه نجمان؛ لأنَّه المأثورُ عن الصحابةِ ﵃ (١)، ولو جازتْ على أقلَّ من نجمينِ لفعلوه؛ لأنهم كانوا يبادرونَ إلى القرباتِ والطاعاتِ ما أمكنَ، ولأنَّها مشتقةٌ من ضمِّ النجومِ بعضِها إلى بعضٍ، وأقلُّ ما يحصلُ به الضمُّ نجمانِ، والمرادُ بالنَّجمِ هنا الوقتُ. قال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ مِنْ جِهَةِ السَّيِّدِ لَازِمَةٌ، وَمِنْ جِهَةِ الْمُكَاتَبِ جَائِزَةٌ، فَلَهُ فَسْخُهَا مَتَى شَاءَ»، الكتابةُ من جانبِ السيدِ لازمةٌ، ليس له فسخُها؛ لأنَّها عُقِدت لحظِّ مُكاتبِه، لا لحظِّه، وهي من جهةِ العبدِ المكاتبِ جائزةٌ، فله الامتناعُ من
следующие страницы →