← Фикх шафии

Фикх шафии · id 279

إتحاف الأريب بشرح الغاية والتقريب

أبو المعاطي الشبراوي

Полный текст (499 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

يَقولُ الشَّافعيُّ ﵀: «ولو لم يَزِدْ رَجلٌ في التَّشهُّدِ على أنْ يقولَ: التَّحيَّاتُ للهِ، أَشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصَّالحينَ، وصلَّى على رسولِ اللهِ؛ كَرِهْتُ له ذلك، ولم أرَ عليه إعادةً» (١). ١٦ - «وَالتَّسْلِيمَةُ الْأُولَى»؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالتْ: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبيرِ ... وكانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليمِ» (٢). ١٧ - «وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنَ الصَّلَاةِ»، مقرونةٌ بالتَّسليمةِ الأُولى. ١٨ - «وَتَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا»، لخبرِ المسيءِ في صلاتِه، وفيه عَطَفَ النَّبيُّ ﷺ الأركانَ على بَعْضِها بـ «ثُمَّ»، وهي للتَّرتيبِ، وأيضًا لفعلِ النَّبيِّ ﷺ المنقولِ في الأحاديثِ الثابتةِ الصَّحيحةِ. «فَصْلٌ» في سُننِ الصَّلاة قال أبو شجاع ﵀: «وَسُنَنُهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا شَيْئَانِ: ١ - الْأَذَانُ»، وهو في اللُّغةِ: الإعلامُ، وفي الاصطلاحِ: ذِكْرٌ مخصوصٌ للإعلامِ بدخولِ وقتِ صلاةٍ مفروضةٍ.

стр. 72

وألفاظُه: مَثنى إلَّا التكبيرَ أَوَّلَه فأربعٌ، وإلَّا التَّوحيدَ آخِرَه فواحدٌ، ويُضيفُ في أذانِ الفجرِ بعدَ «حيَّ على الفلاحِ» الثَّانيةِ: «الصَّلاةُ خيرٌ مِنَ النَّومِ»، يقولُ محمَّدُ بنُ عبدِ الملِكِ بنِ أبي مَحذورةَ، عن أبيه، عن جَدِّه ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ اللهِ، علِّمْني سُنَّةَ الأذانِ، قال: فمَسَحَ ﷺ مُقَدَّمَ رأسي، وقال: «تَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةُ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» (١). ٢ - «وَالْإِقَامَةُ»، وهي ذِكْرٌ مخصوصٌ للإعلامِ بإقامةِ الصَّلاةِ. يقولُ عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ ﵁ لمَّا أَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاقوسِ يُعْمَلُ ليُضْرَبَ به للنَّاسِ لجمعِ الصَّلاةِ طافَ بي وأنا نائمٌ رَجلٌ يَحْمِلُ ناقوسًا في يدِه، فقلتُ: يا عبدَ اللهِ أتبيعُ النَّاقوسَ؟ قال: وما تَصْنَعُ به؟ فقلتُ: ندعو به إلى الصَّلاةِ، قال: أفلا أدلُّكَ على ما هو خيرٌ مِن ذلك؟ فقلتُ له: بلى، قال: تقولُ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أنْ لا إلهَ

стр. 73

إلَّا اللهُ، أَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، أَشْهَدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلَاحِ، حيَّ على الفَلَاحِ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، قال: ثمَّ اسْتَأْخَرَ عنِّي غيرَ بعيدٍ، ثمَّ، قال: وتقولُ إذا أقمتَ الصَّلاةَ: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله، أشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الفَلَاحِ، قد قامتِ الصَّلاةُ، قد قامتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، فلمَّا أصبحتُ، أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فأخبرتُه، بما رأيتُ فقال: «إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ»، فقمتُ مع بلالٍ، فجعلتُ أُلْقيهِ عليه، ويؤذِّنُ به، قال: فَسَمِعَ ذلك عمرُ بنُ الخطَّابِ وهو في بيتِه فخَرَجَ يَجرُّ رداءَه ويقولُ: والَّذي بَعَثَكَ بالحقِّ يا رسولَ اللهِ، لقد رأيتُ مِثْلَ ما رأى، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» (١). ومِنَ الأذكارِ الثَّابتةِ عندَ سماعِ الأذانِ؛ حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرٍو ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» (٢).

стр. 74

وحديثُ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (١). ويُستثنى مِن موافَقةِ السَّامعِ للمؤذِّنِ قولُه: «حيَّ على الصَّلاةِ»، و «حيَّ على الفَلَاحِ»، فيَقولُ: «لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللهِ»؛ لثبوتِهِ عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). قال أبو شجاع ﵀: «وَبَعْدَ الدُّخُولِ فِيهَا شَيْئانِ: ١ - التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهمُ الظُّهرَ، فقامَ في الرَّكعتينِ الأُولييْنِ لم يَجْلِسْ، فقامَ النَّاسُ معه حتَّى إذا قضى الصَّلاةَ وانتظرَ النَّاسُ تسليمَه؛ كَبَّرَ وهو جالسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، ثمَّ سَلَّمَ» (٣). فالسُّجودُ لترْكِ التَّشهُّدِ الأوسطِ سهوًا؛ دليلُ سُنِّيَّتِه. ٢ - «وَالْقُنُوتُ فِي الصُّبْحِ، وَفِي الْوِتْرِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ»، أمَّا القُنوتُ في الصُّبحِ؛ فلحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ قال: «ما زالَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْنُتُ في الفجرِ حتَّى فارَقَ الدُّنيا» (٤).

стр. 75

وأمَّا القنوتُ في الوِترِ في النِّصفِ الثَّاني مِن شهرِ رمضانَ؛ فلحديثِ الحسَنِ بنِ عليٍّ ﵄ قال: عَلَّمَني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أقولُهنَّ في الوِترِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ» (١). قالَ التِّرمذيُّ بعدَ روايتِه لهذا الحديثِ: «وقد رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ أنَّه كانَ لا يَقْنُتُ إلَّا في النِّصفِ الآخِرِ مِن رَمضانَ، وكانَ يَقْنُتُ بعدَ الرُّكوعِ» (٢). وقال أبو داودَ: «ويُروى أنَّ أُبَيًّا، كانَ يَقْنُتُ في النِّصفِ مِن شهرِ رمضانَ» (٣). «فَصْلٌ» في هيئاتِ الصَّلاةِ قال أبو شجاع ﵀: «وَهَيْآتُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً: ١ - رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرامِ، وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكبيرَ في

стр. 76

الصَّلاةِ، فرَفَعَ يديه حينَ يُكَبِّرُ حتَّى يجعلَهما حذوَ مَنْكِبَيْهِ، وإذا كَبَّرَ للرُّكوعِ فَعَلَ مِثْلَه، وإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» فَعَلَ مِثْلَه، وقالَ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»، ولا يَفْعَلُ ذلك حينَ يسجدُ ولاحينَ يَرفعُ رأسَه مِنَ السُّجودِ (١). ٢ - «وَوَضْعُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ»؛ لحديثِ وائلِ بنِ حُجْرٍ ﵁ قال: «رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ واضعًا يمينَهُ على شِمالِه في الصَّلاةِ» (٢). وفي روايةٍ: «كنتُ فيمن أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقلتُ: لأنْظُرَنَّ إلى صلاةِ رسولِ اللهِ كيفَ يصلِّي، فرأيتُهُ حينَ كَبَّرَ رَفَعَ يديهِ حتَّى حاذتا أُذُنَيْهِ، ثمَّ ضَرَبَ بيمينِه على شِمالِه فأَمْسَكَها» (٣). ٣ - «وَالتَّوَجُّهُ»، وهو أنْ يقولَ بعدَ التَّكبيرِ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]؛ ولحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ قال: «﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ

стр. 77

الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ»، وإذا ركَعَ قال: «اللهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي»، وإذا رَفَعَ قال: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»، وإذا سَجَدَ قال: «اللهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»، ثمَّ يَكونُ مِن آخِرِ ما يقولُ بينَ التَّشهُّدِ والتَّسليمِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١). ٤ - «وَالاسْتِعَاذَةُ»؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. ٥ - «وَالْجَهْرُ فِي مَوْضِعِهِ»، يُسَنُّ لغيرِ المأمومِ أن يجهرَ بالقراءةِ فِي الصُّبْحِ، وأولتي العشاءين، والجُمُعَةِ، والعيدينِ، وخسوفِ القمرِ، والاستسقاءِ، والتراويح، ووتر رمضان (٢). ٦ - «وَالْإِسْرَارُ فِي مَوْضِعِهِ»، وهو غيرُ ما ذكر؛ إلَّا في نافلةِ

стр. 78

الليلِ المُطْلَقَة، فيتوسطُ فيها بين الإسرارِ والجهر (١). ٧ - «وَالتَّأْمِينُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا تلا: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: «آمِينَ»، حتَّى يَسْمَعَ مَن يليه مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ (٢). وفي روايةٍ: فَيَرْتَجُّ بها المسجدُ (٣). ويَكونُ تأمينُ المأمومِ مع تأمينِ الإمامِ، يقولُ أبو هُرَيْرَةَ ﵁: قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إِذَا قالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٤). وفي روايةٍ أنَّه ﷺ قال: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (٥). ٨ - «وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ»؛ أيْ: في الرَّكعتينِ الأُوليَيْنِ؛ لحديثِ أبي قَتادةَ ﵁ قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يصلِّي بنا فيقرأُ في الظُّهرِ والعصرِ في الرَّكعتينِ الأُوليَيْنِ بفاتحةِ الكِتابِ وسُورتينِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا، وكانَ يُطَوِّلُ الرَّكعةَ الأُولى مِنَ الظُّهرِ وَيُقَصِّرُ الثَّانيةَ، وكذلك في الصُّبحِ» (٦).

стр. 79

ولا يقرأُ المأمومُ غيرَ الفاتحةِ في الصَّلاةِ الجهريَّةِ؛ لحديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامتِ ﵁ قال: كنَّا خَلْفَ رسولِ اللهِ ﷺ في صلاةِ الفجرِ فقرأَ رسولُ اللهِ ﷺ فثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلمَّا انصرفَ قال: «لَعَلَّكُمْ تَقْرَءُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ»، قال: قلنا: يا رسولَ اللهِ، إي واللهِ، فقالَ ﷺ : «لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا» (١). ٩ - «وَالتَّكْبِيرَاتُ عِنْدَ الرَّفْعِ وَالْخَفْضِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّه كانَ يصلِّي لهم فيكبِّرُ كلَّما خَفَضَ ورَفَعَ، فلمَّا انصرفَ قال: «واللهِ إني لأَشْبَهُكُم صلاةً برسولِ اللهِ ﷺ » (٢). ١٠ - «وَقَوْلُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»؛ لحديثِ أنسِ بنِ مالكٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قال: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ» (٣). ١١ - «وَالتَّسْبِيحُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»؛ لحديثِ حذيفةَ ﵁ أنَّه صلَّى مع النَّبيِّ ﷺ ، فكانَ يقولُ في ركوعِه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ

стр. 80

الْعَظِيمِ»، وفي سجودِه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، وما مرَّ بآيةِ رحمةٍ إلَّا وَقَفَ عندها فَسَأَلَ، ولا بآيةِ عذابٍ إلَّا وَقَفَ عندها فَتَعَوَّذَ (١). ١٢ - «وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ فِي الْجُلُوسِ، يَبْسُطُ الْيُسْرَى وَيَقْبِضُ الْيُمْنَى، إِلَّا الْمُسَبِّحَةَ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ بِهَا مُتَشَهِّدًا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ إذا جلسَ في الصَّلاةِ وَضَعَ كفَّه اليُمنى على فَخِذِه اليُمنى، وقَبَضَ أصابعَه كلَّها وأشارَ بإصبعِه الَّتي تلي الإبهامَ، ووَضَعَ كفَّه اليُسرى على فَخِذِه اليُسرى» (٢). ١٣ - «وَالِافْتِرَاشُ فِي جَمِيعِ الْجَلَسَاتِ»، هو أنْ يَجْلِسَ الشَّخصُ على كعبِ اليُسرى، جاعلًا ظَهْرَها للأرضِ، ويَنْصِبَ قَدَمَه اليُمنى ويَضَعَ بالأرضِ أطرافَ أصابِعِها لجهةِ القِبلةِ، ويَكونُ الافتراشُ في جميعِ الجلساتِ؛ خلا الجلسةِ الَّتي هي للتَّشهُّدِ الأخيرِ، يَقولُ أبو حُمَيْدٍ السَّاعديُّ ﵁ وهو يصفُ صلاةَ النَّبيِّ ﷺ : «فإذا جلسَ في الرَّكعتينِ؛ جَلَسَ على رِجلِه اليُسرى ونَصَبَ اليُمنى، وإذا جَلَسَ في الرَّكعةِ الآخرةِ؛ قدَّمَ رِجْلَه اليُسرى ونَصَبَ الأُخرى وقَعَدَ على مَقْعَدَتِه» (٣). ١٤ - «وَالتَّوَرُّكُ فِي الْجَلْسَةِ الأَخِيرَةِ»، للحديثِ السَّابقِ،

стр. 81

فالتَّورُّكُ وهو مِثْلُ الافتراشِ إلَّا أنَّه يُفضي بوَرِكِه إلى الأرضِ ويَجعلُ يُسراهُ مِن جهةِ يُمناهُ، ويَقعدُ على مَقْعَدَتِه؛ ووَجْهُ الفرقِ بينَ الجلوسِ الأخيرِ وغيرِه؛ أنَّ الجلوسَ الأوَّلَ خفيفٌ، وللمصلِّي بَعْدَه حركةٌ، فناسَبَ أنْ يَكونَ على هيئةِ المستوفِزِ، بخلافِ الأخيرِ؛ فليس بَعْدَه عملٌ، فناسَبَ أنْ يكونَ على هيئةِ المستقِرِّ. ١٥ - «وَالتَّسْلِيمَةُ الثَّانِيَةُ»؛ لحديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ ﵁ قال: «كنتُ أرى رسولَ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ عن يمينِه وعن يَسارِه، حتَّى أرى بَياضَ خَدِّه» (١). «فَصْلٌ» في ما تُخَالِفُ المرأةُ فيه الرَّجُلَ في الصَّلاة قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَرْأَةُ تُخَالِفُ الرَّجُلَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ؛ فَالرَّجُلُ: ١ - يُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ مالكِ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ إذا صلَّى فَرَّجَ بينَ يديْهِ، حتَّى يَبْدُوَ بَياضُ إِبْطَيْهِ» (٢). وفي روايةٍ لأبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ ﵁: «نحَّى يديْهِ عن جَنْبَيْهِ، ووَضَعَ كفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» (٣).

стр. 82

٢ - «وَيُقِلُّ بَطْنَهَ عَنْ فَخِذَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»؛ لحديثِ أبي حُمَيْدٍ السَّاعديِّ ﵁ وهو يصفُ صلاةَ النَّبيِّ ﷺ قال: «وإذا سَجَدَ فَرَّجَ بينَ فَخِذَيْهِ غيرَ حاملٍ بَطْنَهُ على شيءٍ مِن فَخِذَيْهِ» (١). ٣ - «وَيَجْهَرُ فِي مَوْضِعِ الْجَهْرِ»، تَقَدَّمَ بيانُه في الفصلِ السَّابقِ. ٤ - «وَإِذَا نَابَهُ شَيْءٌ فِي الصَّلاةِ سَبَّحَ»؛ لحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ رَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إِذَا سَبَّحَ الْتُفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» (٢). ٥ - «وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ»؛ لحديثِ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَا فَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنَ الْعَوْرَةِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنَ السُّرَّةِ مِنَ الْعَوْرَةِ» (٣). وَالْمَرْأَةُ: ١، ٢ - «تَضُمُّ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ»؛ لأنَّه أَسْتَرُ للمرأةِ، ولحديثِ يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ مرَّ على امرأتينِ تصلِّيانِ، فقال: «إِذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ

стр. 83

لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» (١). ٣ - «وَتَخْفِضُ صَوْتَهَا بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ»، دفعًا للفِتنةِ. ٤ - «وَإِذَا نَابَهَا شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ؛ صَفَّقَتْ»، بأنْ تَضْرِبَ باليدِ اليُمنى على ظَهْرِ اليُسرى، وقد سَبَقَ الكلامُ عليه. ٥ - «وَجَمِيعُ بَدَنِ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ؛ إِلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا، وَالْأَمَةُ كَالرَّجُلِ»، وعورةُ الحُرَّةِ في الصَّلاةِ جميعُ بَدَنِها ما عدا الوجهَ والكَفَّيْنِ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النُّور: ٣١]، والمشهورُ عندَ الجمهورِ على أنَّ ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، المقصودُ به: «الوجهُ والكفَّانِ» (٢). وأمَّا الأمَةُ فعورتُها كالرَّجلِ؛ ما بينَ السُّرَّةِ والرُّكبةِ. «فَصْلٌ» في مُبطِلاتِ الصَّلاة قال أبو شجاع ﵀: «وَالَّذِي يُبْطِلُ الصَّلَاةَ أَحَدَ عَشَرَ شَيْئًا: ١ - الْكَلَامُ الْعَمْدُ»؛ لحديثِ زيدِ بنِ أَرْقَمَ ﵁ قال: «كنَّا نتكلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحبَه وهو إلى جَنْبِه في الصَّلاةِ، حتَّى نَزَلَتْ هذه الآيةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا

стр. 84

لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بالسُّكوتِ، ونُهِينَا عنِ الكلامِ» (١). ٢ - «وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ»، بخلافِ العملِ القليلِ؛ لحديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «جئتُ ورسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي في البيتِ، والبابُ عليه مُغْلَقٌ، فمشى حتَّى فَتَحَ لي، ثمَّ رَجَعَ إلى مكانِه»، وَوَصَفَتِ البابَ في القِبلةِ (٢). ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ» (٣). ولحديثِ أبي قتادةَ الأنصاريِّ ﵁ قال: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي وهو حاملٌ أمامَةَ بنتَ زينبَ بنتِ رسولِ اللهِ ﷺ ولأبي العاصِ بنِ الرَّبيعِ بنِ عبدِ شمسٍ فإذا سَجَدَ وَضَعَهَا وإذا قامَ حَمَلَها» (٤). ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَلَعَ نعليْهِ وهو في الصَّلاةِ، عندما أَخْبَرَهُ جبريلُ ﵇ أنَّ بهما أذًى، فَوَضَعَهما عن يَسارِهِ، وسيأتي قريبًا إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 85

فالعملُ القليلُ يُباحُ للحاجَة، وأمَّا الكثيرُ فيُبْطِلُ الصَّلاةَ، والمَرْجِعُ في معرفةِ القلَّةِ والكثرةِ هو العُرْفُ والعادةُ، فما يَعُدُّهُ النَّاسُ قليلًا فقليلٌ، وما يَعُدُّونَهُ كثيرًا فكثيرٌ، فالخَطوتانِ المتوسِّطتانِ، والضَّربتانِ، ونحوُهُما قليل، والثَّلاثُ مِن ذلك أو غَيْرِه كثيرٌ إنْ توالت، سواءٌ أكانتْ مِن جنسِ الخَطواتِ، أمْ أجناسٍ؛ كخَطوةٍ، وضَرْبةٍ، وخلعِ نعل، وسواءٌ أكانتِ الخَطواتُ الثَّلاثُ بقدرِ خَطوةٍ واحدةٍ أمْ لا، كما تَبْطُلُ الصَّلاةُ بالفعلةِ الفاحشةِ؛ كالوثبةِ لمنافاتِها للصَّلاةِ، ويُستثنى مِن ذلك صلاةُ الخوفِ في القِتالِ فيُحْتَمَلُ فيها الرَّكضُ والعَدْوُ عندَ الحاجَةِ؛ كما سيأتي إنْ شاءُ اللهُ تعالى. ٣ - «وَالْحَدَثُ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» (١). ٤ - «وَحُدُوثُ النَّجَاسَةِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]، ولأنَّ إزالةَ النَّجاسةِ مِنَ الطَّهارةِ الَّتي هي شرطٌ لصحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، فإنْ وَجَدَ نَجاسةً فَأَزالَها في الحالِ صحَّتْ صلاتُه؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: بينما رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي بأصحابِه إذ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُما عن يسارِه، فلمَّا رأى ذلك القومُ أَلْقَوْا نعالَهُم، فلمَّا قضى رسولُ اللهِ ﷺ صلاتَه، قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟»، قالوا: رأيناك أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فأَلْقَيْنَا نِعالَنا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ

стр. 86

فِيهِمَا قَذَرًا»، أو قال: «أَذًى»، وقال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» (١). ٥ - «وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ»؛ لأنَّ سَتْرَ العورةِ شرطٌ في صحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، فإنْ كَشَفَها عمدًا بَطَلَتْ صلاتُه، أمَّا إنْ كَشَفَتْها الرِّيحُ أو انْحَلَّ الإزارُ أو غيرُ ذلك؛ فاستترَ في الحالِ فلا تَبْطُلُ صلاتُه، كما ذَكَرْنا في إزالةِ النَّجاسةِ، ولأنَّهُ لم يَتَعَمَّدِ الكشفَ، وقد قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التَّغابن: ١٦]. ٦ - «وَتَغْيِيرُ النِّيَّةِ»؛ لقولِهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢). ٧ - «وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ»؛ لأنَّ استقبالَ القِبلةِ من شروطِ صحَّةِ الصَّلاةِ؛ كما سَبَقَ، قالَ تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. ٨ - «وَالْأَكْلُ»؛ لأنَّه عملٌ من غيرِ جِنسِ الصَّلاةِ. ٩ - «وَالشُّرْبُ»، للسَّببِ السَّابقِ. ١٠ - «وَالْقَهْقَهَةُ»، وهي الضَّحِكُ بالصَّوْتِ، ومنافاتُها للصَّلاةِ أَشَدُّ مِن منافاةِ الكلامِ، فكانت بالإبطالِ أَوْلى. ١١ - «وَالرِّدَّةُ»، لأنَّها محبِطةٌ للأعمالِ.

стр. 87

«فَصْلٌ» في ما تَشْتَمِلُ عليه الصَّلاة قال أبو شجاع ﵀: «وَرَكَعَاتُ الْفَرَائِضِ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فِيهَا: أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ سَجْدَةً، وَأَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ تَكْبِيرَةً، وَعَشْرُ تَسْلِيمَاتٍ، وَمِائَةٌ وَثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ تَسْبِيحَةً، وَجُمْلَةُ الْأَرْكَانِ فِي الصَّلَاةِ مِائَةٌ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُونَ رُكْنًا: فِي الصُّبْحِ ثَلَاثُونَ رُكْنًا، وَفِي الْمَغْرِبِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رُكْنًا، وَفِي الرُّبَاعِيَّةِ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ رُكْنًا، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ فِي الْفَرِيضَةِ صَلَّى جَالِسًا، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْجُلُوسِ صَلَّى مُضْطَجِعًا»؛ لحديثِ عِمرانَ بنِ حُصَيْنٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (١). «فَصْلٌ» في سجودِ السَّهْو قال أبو شجاع ﵀: «وَالْمَتْرُوكُ مِنَ الصَّلَاةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: فَرْضٌ، وَسُنَّةٌ، وَهَيْئَةٌ: ١ - فَالْفَرْضُ: لَا يَنُوبُ عَنْهُ سُجُودُ السَّهْوِ، بَلْ إِنْ ذَكَرَهُ وَالزَّمَانُ قَرِيبٌ أَتَى بِهِ، وَبَنَى عَلَيْهِ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: صلَّى بنا النَّبيُّ ﷺ الظُّهْرَ أو العصرَ، فسَلَّمَ فقالَ

стр. 88

له ذو اليدينِ: الصَّلاةُ يا رسولَ اللهِ أَنَقَصَتْ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ لأصحابِه: «أَحَقٌّ مَا يَقُولُ»؟ قالوا: نعم، فصلَّى ركعتينِ أُخْرَيَيْنِ ثمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ (١). ٢ - «وَالسُّنَّةُ: لَا يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِالْفَرْضِ؛ لَكِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا»؛ لحديثِ عبدِ اللهِ بنِ بُحَيْنَةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بهم الظُّهْرَ فقامَ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لم يَجْلِسْ، فقامَ النَّاسُ معه، حتَّى إذا قضى الصَّلاةَ وانْتَظَرَ النَّاسُ تسليمَه كبَّرَ وهو جالسٌ؛ فسجدَ سجدتينِ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، ثم سَلَّمَ» (٢). ٣ - «وَالْهَيْئَةُ: لَا يَعُودُ إِلَيْهَا بَعْدَ تَرْكِهَا وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ عَنْهَا»، الهيئاتُ هي الأمورُ المسنونةُ غيرُ الأبعاضِ كالتَّسبيحِ وتكبيرِ الانتقالاتِ والتَّعَوُّذِ ونَحْوِه، فلا يُسْجَدُ لها، سواءٌ ترَكَهَا عمدًا أو سهوًا؛ لأنَّها ليست أصلًا، ولعدمِ ورودِ سجودِ السَّهْوِ فيها. قال أبو شجاع ﵀: «وَإِذَا شَكَّ فِي عَدَدِ مَا أَتَى بِهِ مِنَ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ؛ وَهُوَ الْأَقَلُّ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَسُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ، وَمَحَلُّهُ قَبْلَ السَّلَامِ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ

стр. 89

كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ» (١). وفي روايةٍ: «فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ نَافِلَةً، وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً» (٢). فمَن صلَّى العِشاءَ -مثلًا- فشكَّ هل صلَّى ثلاثًا أو أربعًا، بنَى على اليقينِ، وهو الثَّلاثةُ الَّتي تَيقَّنَ من أنَّه أتى بها؛ ولكنَّه يَشُكُّ في الرَّابعةِ؛ فيَطْرَحُ الَّتي شَكَّ فيها، ويبني على الَّذي تَيَقَّنَ منه، وهو الثَّلاثةُ، ويأتي بالرَّكعةِ ثم يَسْجُدُ للسَّهْوِ قبلَ التَّسْليمِ. «فَصْلٌ» في الأوقاتِ الَّتي تُكْرَهُ فيها الصَّلاة قال أبو شجاع ﵀: «وَخَمْسَةُ أَوْقَاتٍ لَا يُصَلِّى فِيهَا إِلَّا صَلَاةً لَهَا سَبَبٌ: ١ - بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» (٣). ٢ - «وَعِنْدَ طُلُوعِهَا حَتَّى تَتَكَامَلَ وَتَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ»؛ لحديثِ

стр. 90

عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ قال: «ثلاثُ ساعاتٍ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينهانا أنْ نُصَلِّيَ فيهن، أو أنْ نَقْبِرَ فيهن موتانا: حينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بازغةً حتَّى تَرْتَفِعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تميلَ الشَّمْسُ، وحينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغروبِ حتَّى تَغْرُبَ» (١). ٣ - «وَإِذَا اسْتَوَتْ حَتَّى تَزُولَ»، للحديثِ السَّابقِ، وجاءَ في روايةٍ: «وحينَ يَقومُ قائمُ الظَّهيرةِ حتَّى تَزولَ الشَّمْسُ» (٢). ٤ - «وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»؛ لحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ السَّابقِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ» (٣). ٥ - «وَعِنْدَ الْغُرُوبِ حَتَّى يَتَكَامَلَ غُرُوبُهَا»؛ لحديثِ عُقبةَ بنِ عامرٍ ﵁ السَّابقِ: «وحينَ تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغروبِ حتَّى تَغْرُبَ» (٤). هذا كلُّهُ في الصَّلاةِ الَّتي ليس لها سببٌ، أمَّا الصَّلاةُ الَّتي لها سببٌ فلا كراهةَ فيها، كـ «تحيَّةِ المسجدِ»، و «ركعتيِ الطَّوافِ»، و «الصَّلاةِ الفائتةِ»، فرضًا كانت أو نفلًا؛ لحديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا

стр. 91

إِلَّا ذَلِكَ» (١). ولحديثِ أمِّ سلمةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى ركعتينِ بعدَ العصرِ، فسألَتْهُ عن ذلك، فقال: «أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ» (٢). «فَصْلٌ» في صلاةِ الجماعة قال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»، لمواظَبَتِه ﷺ عليها، ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٣). ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (٤). ولا تَعَارُضَ بينَ الحديثَيْنِ؛ لأنَّ الكثيرَ لا ينفي القليلَ، أو أنَّ ذلك يَخْتَلِفُ باختلافِ أحوالِ المصلِّينَ. قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِيَ الِائْتِمَامَ دُونَ

стр. 92

الْإِمَامِ»، لا بُدَّ للمأمومِ أنْ ينويَ أنه مُؤْتَمٌّ، فإنْ لم يَفْعَلْ كان مُنْفَرِدًا، ولم تَنْعَقِدْ جماعتُه، ولا يُشْتَرَطُ نيَّةُ الإمامِ ليصحَّ الاقتداءُ به، فلو صلَّى خَلْفَه جَمْعٌ ولم يَعْلَمْ بهم انعقدتْ جماعتُهم، ولم يَحْصُلْ له هو فضلُ الجماعةِ؛ إلَّا إذا نواها؛ لقولِهِ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْبَالِغُ بِالْمُرَاهِقِ»، أمَّا جوازُ الاقتداءِ بالعبدِ فلِمَا وَرَدَ أنَّ عائشةَ ﵂: «كانَ يَؤُمُّها عبدُها ذَكْوانُ» (٢). وأمَّا جوازُ الاقتداءِ بالصبي المُمَيِّز، أو المراهِقِ -وهو مَنْ قارب سِنَّ الاحتلامِ- فلحديثِ عمرِو بنِ سَلَمَةَ ﵁ أنَّه كانَ يؤمُّ قومَه وهو: «ابنُ سِتِّ أو سبعِ سِنينَ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ»، لا يصحُّ اقتداءُ الرَّجلِ بالمرأةِ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]. ولقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «أَخِّرُوهنَّ من حيثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» (٤). ولأنَّ «الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ»؛ كما في الحديثِ، وفي إمامتِها بالرِّجالِ فتنةٌ (٥).

стр. 93

وأمَّا اقتداءُ القارئِ بالأمِّيِّ؛ فلا يَجوزُ كما قالَ المصنِّفُ، والمقصودُ بالقارئِ: مَنْ يُحْسِنُ قراءةَ الفاتحةِ، والأُمِّيُّ: الَّذي لا يُحْسِنُ قراءةَ الفاتحةِ، ولم تصحَّ القدوةُ به؛ لأنَّ قراءتَها كاملةً ركنٌ كما سَبَقَ، وإنما صحَّتْ صلاةُ الأُمِّيِّ لنفْسِه لعدمِ قدرتِه على التَّعلُّمِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَأَيُّ مَوْضِعٍ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاتِهِ أَجْزَأَهُ؛ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ»، إذا كانَ الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ فأيُّ موضعٍ صلَّى فيه المأمومُ بصلاةِ الإمامِ؛ جازَ بشرطيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يكونَ عالمًا بصلاةِ الإمامِ؛ كأنْ يَسْمَعَه، أو يراه، أو يرى بعضَ الصَّفِّ، والثَّاني: أنْ لا يَتَقَدَّمَ عليه، فإذا جَمَعَهُما مسجدٌ أو جامعٌ صحَّ الاقتداءُ سواءٌ انقطعتِ الصُّفوفُ بَيْنَهُما أو اتَّصلتْ وسواءٌ حالَ بينهما حائلٌ أم لا وسواءٌ كانَ الإمامُ أعلى من المأمومِ أو أسفلَ؛ لأنَّه كُلَّه مكانٌ واحدٌ وهو مبنيٌّ للصَّلاةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاتِهِ وَلَا حَائِلَ هُنَاكَ؛ جَازَ»، إذا كانَ الإمامُ في المسجدِ والمأمومُ خارجَ المسجدِ وليس بينهما حائلٌ يَمْنَع الاستماعَ أو المشاهَدةَ؛ جازَ الاقتداءُ به؛ لحصولِ الاتِّصالِ، فإنْ حالَ جدارٌ لا بابَ فيه، أو بابٌ مُغْلَقٌ؛ مُنِعَ الاقتداءُ لعدمِ الاتِّصالِ.

стр. 94

«فَصْلٌ» في صلاةِ المسافر هذا الفصلُ في جوازِ قَصْرِ الصَّلاةِ للمُسافرِ، ودليلُ مَشْرُوعِيَّتِه مِنَ الكتابِ قولُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، يَقولُ يَعْلى بنُ أُمَيَّةَ: قلتُ لعمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁: قد أَمِنَ النَّاسُ؟! فقال: عجبتُ مما عَجِبْتَ منه، فسألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقال: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (١). وهذا يدلُّ على أنَّ قَصْرَ الصَّلاةِ ليس خاصًّا بحالةِ الخوفِ. ومعنى قولِه تَعَالَى: ﴿ضَرَبْتُمْ﴾، أيْ: سافرْتُم. قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ قَصْرُ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِخَمْسِ شَرَائِطَ: ١ - أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ»؛ لأنَّ القَصْرَ رخصةٌ وإنما جُعِلَتِ الرُّخصةُ لمن لم يَكُنْ عاصِيًا، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]. ٢ - «وَأَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهُ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا»، أيْ ما يقاربُ (٨١) كيلو مترًا تقريبًا، يقولُ البخاريُّ ﵀: «كانَ ابنُ عمرَ وابنُ عبَّاسٍ ﵄ يَقْصُرَانِ ويُفْطِرَانِ في أَرْبعَةِ بُرُدٍ، وهي ستةَ عشرَ فرسخًا» (٢).

стр. 95

وهذا لا يكونُ إلَّا بتوقيفٍ مِنَ النَّبيِّ ﷺ . ٣ - «وَأَنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ»؛ أيْ: يَقْصُرُ الصَّلاةَ الرُّباعيَّةَ، وهي الظُّهْرُ، والعصرُ، والعِشاءُ، ولا قَصْرَ في الفجرِ ولا في المغرِبِ، فيؤدِّي الرُّباعيَّةَ اثنتينِ حالَ السَّفَرِ، ولا بُدَّ أنْ يَكُونَ مؤدِّيًا للصَّلاةِ لا قاضيًا، أمَّا إذا كان قاضيًا لفائتةِ الحضرِ في السَّفَرِ؛ فلا يَقْصُرُ، وكذلك إذا قضى فائتةَ السَّفَرِ في الحَضَرِ. ٤ - «وَأَنْ يَنْوِيَ الْقَصْرَ مَعَ الْإِحْرَامِ»، لا يَجوزُ القصرُ حَتَّى يَنْوِيَ القصرَ عندَ الإحرامِ لأنَّ الأصلَ التَّمامُ فإذا لم ينوِ القصرَ انعقدَ إحرامُه على التَّمامِ؛ ولم يَجُزْ له القصرُ. ٥ - «وَأَنْ لَا يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ»؛ لحديثِ موسى بنِ سَلَمَةَ قال: كنَّا مع ابنِ عبَّاسٍ ﵄ بمكَّةَ فقلتُ: إنَّا إذا كنَّا معكم صَلَّيْنا أربعًا، وإذا رَجَعْنا إلى رحالِنا صَلَّيْنا ركعتينِ، قال: «تلك سُنَّةُ أبي القاسمِ ﷺ » (١). فمَن توافرتْ فيه هذه الشُّروطُ؛ جازَ له القَصْرُ والجَمْعُ إلى أنْ يَحْصُلَ واحدٌ مِنَ الأمورِ الآتيةِ: الأوَّلُ: أنْ يَنْوِيَ الإقامةَ المُطْلَقَةَ في المكانِ الَّذي وَصَلَ إليه، أو ينويَ الإقامةَ أربعةَ أيَّامٍ فأَكْثَرَ غيرَ يَوْمَيِ الدُّخولِ والخروجِ؛ فهذا يَنْقَطِعُ سفرُه بمجرَّدِ وصولِهِ إلى المكانِ الَّذي نوى فيه الإقامةَ، وينتهي في حَقِّه القصرُ والجمعُ.

стр. 96

الثَّاني: أنْ ينويَ الإقامةَ أقلَّ من أربعةِ أيَّامٍ غيرَ يومَيِ الدُّخولِ والخروجِ؛ فله أنْ يَقْصُرَ ويَجْمَعَ، فإذا اضْطُرَّ إلى تمديدِ إقامتِه أكثرَ من ذلك، فينقطعُ سَفَرُه بمضيِّ اليومِ الثَّالثِ؛ فلا يجوزُ له القصرُ والجمعُ بعدَ ذلك. ودليلُ التَّحديدِ بثلاثةِ أيَّامٍ؛ حديثُ العلاءِ بنِ الحَضْرميِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا»، كأنَّه يقولُ لا يَزيدُ عليها (١). وقد نَهى عُمرُ بنُ الخطاب ﵁ عن مُكْثِ تجَّارِ اليهودِ والنصارى بالمدينةِ فوقَ ثلاثٍ (٢). قال الشَّافعيُّ ﵀: «فأَشْبَهَ ما قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : من مُقامِ المهاجِرِ ثلاثًا حَدُّ مُقامِ السَّفرِ، وما جاوَزَه كانَ مُقامَ الإقامةِ، وليس يُحْسَبُ اليومُ الَّذي كان فيه سائرًا ثمَّ قَدِمَ، ولا اليومُ الَّذي كانَ فيه مُقِيمًا ثم سارَ، وأَجْلَى عمرُ ﵁ أهلَ الذِّمَّةِ من الحجازِ وضربَ لمن يَقْدَمُ منهم تاجرًا مُقامَ ثلاثٍ، فأَشْبَهَ ما وصَفْتُ مِنَ السُّنَّةِ، وأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى ثلاثًا يَقْصُرُ، وقَدِمَ في حَجَّتِهِ فأقامَ ثلاثًا قبْلَ مَسِيرِه إلى عَرَفَةَ يَقْصُرُ، ولم يَحْسِبِ اليومَ الَّذي قَدِمَ فيه مكَّةَ؛

стр. 97

لأنَّه كانَ فيه سائرًا، ولا يومَ التَّرويةِ لأنَّه خارجٌ فيه، فلمَّا لم يكنِ النَّبيُّ ﷺ مُقِيمًا في سفرٍ قَصَرَ فيه الصَّلاةَ أَكْثَرَ من ثلاثٍ لم يَجُزْ أنْ يَكونَ الرَّجُلُ مُقِيمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ إلَّا مُقامَ مسافرٍ؛ لأنَّ المعقولَ أنَّ المسافرَ الَّذي لا يُقيمُ، فكانَ غايةَ مُقامِ المسافرِ ما وَصَفْتُ استدلالًا بقولِ رسولِ اللهِ ﷺ ومُقامِه» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي وَقْتِ أَيِّهِمَا شَاءَ»؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يَجْمَعُ بينَ صلاةِ الظُّهرِ والعصرِ إذا كانَ على ظَهْرِ سيرٍ، ويَجْمَعُ بينَ المغربِ والعِشاءِ» (٢). ولحديثِ مُعاذٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ في غزوةِ تَبوكَ إذا ارْتَحَلَ قبْلَ أنْ تَزيغَ الشَّمسُ أَخَّرَ الظُّهرَ حتَّى يَجْمَعَها إلى العصرِ؛ فيصلِّيَهُما جميعًا، وإذا ارْتَحَلَ بَعْدَ زيغِ الشَّمسِ صَلَّى الظُّهرَ والعصرَ جميعًا، ثم سارَ، وكانَ إذا ارْتَحَلَ قبْلَ المَغْربِ أَخَّرَ المغربَ حتَّى يُصَلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْربِ عجَّلَ العِشاءَ فصلَّاها مع المَغْربِ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ لِلْحَاضِرِ فِي الْمَطَرِ أَنْ يَجْمَعَ

стр. 98

بَيْنَهُمَا فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا»؛ أي: جَمْعَ تقديمٍ؛ لحديثِ جابرِ بنِ يزيدَ عن ابنِ عبَّاسٍ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بالمدينةِ سبعًا، وثمانيًا؛ الظُّهْرَ والعصرَ، والمغربَ والعِشاءَ»، فقالَ أيُّوبُ: لعلَّه في ليلةٍ مطيرةٍ؟ قال: عسى (١). ويُشْتَرطُ لهذا الجَمْعِ استدامةُ المطرِ أوَّلَ الصَّلاتينِ، ولا يكْفي وُجودُه في أثناءِ الأُولى منهما، بل لا بُدَّ مِن وجودِه عندَ السَّلامِ مِنَ الأُولَى؛ سواءٌ استمرَّ المطرُ بعدَ ذلك أمْ لا. ويُشترطُ -أيضًا- أنْ تَكونَ الصَّلاةُ جماعةً بمسجدٍ بعيدٍ عُرفًا ويتأذَّى المسْلمُ بالمطرِ في طريقِهِ إليه. ولا يَجوزُ جَمْعُهما في وقتِ الثَّانيةِ؛ لأنَّه ربَّما انقطعَ المطرُ، فيكونُ أَخْرَجَ الصَّلاةَ عن وقتِها بغيرِ عُذْر. «فَصْلٌ» في صلاةِ الجُمُعة الأصلُ في وجوبِ صلاةِ الجُمعةِ قولُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجُمُعة: ٩]. وما رواه مسْلمٌ عن ابنِ عمرَ وأبي هُرَيْرَةَ ﵄ أنَّهما سمِعا النَّبيَّ ﷺ يقولُ على أعوادِ مِنبرِه: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ

стр. 99

الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (١). قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ سَبْعَةُ أَشْيَاءَ: ١ - الْإِسْلَامُ»، فلا تَجِبُ على الكافِرِ. ٢ - «الْبُلُوغُ»، فلا تَجِبُ على الصَّبيِّ. ٣ - «وَالْعَقْلُ»، فلا تَجِبُ على المجنونِ، وهذه الشُّروطُ الثَّلاثةُ لغيرِ الجُمعةِ مِنَ الصَّلواتِ -أيضًا- وقد تَقَدَّمَ الكَلامُ عليها في أوَّلِ كتابِ الصَّلاةِ. ٤ - «وَالْحُرِّيَّةُ»، فلا تَجِبُ على العبدِ المملوكِ؛ لحديثِ طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ» (٢). ٥ - «وَالذُّكُورِيَّةُ»، فلا تَجِبُ على المرأةِ؛ للحديثِ السَّابقِ. ٦ - «وَالصِّحَّةُ»، فلا تَجِبُ على المريضِ؛ للحديثِ السَّابقِ. ٧ - «وَالِاسْتِيطَانُ»، فلا تَجِبُ على المسافرِ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ قال: «لَيْسَ عَلَى مُسَافِرٍ جُمُعَةٌ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَشَرَائِطُ فِعْلِهَا ثَلَاثَةٌ: ١ - أَنْ يَكُونَ الْبَلَدُ مِصْرًا أَوْ قَرْيَةً»، تَنْعَقِدُ الجُمُعةُ في

стр. 100

الأمصارِ، والقرى المجتمِعةِ البناءِ، ووجهُ اشتراطِ ذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه ﵃ لم يُصَلُّوها إلَّا هكذا، وكانت قبائلُ الأعرابِ مُقِيمينَ حَوْلَ المدينةِ وما كانوا يُصَلُّونها، ولم يَأْمُرْهُمُ النَّبيُّ ﷺ بها، ولو جازت في غيرِ ذلك لفُعِلَتْ ولو مَرَّةً، ولو فُعِلَتْ لنُقِلَ. يقولُ عطاءٌ ﵀: «إذا كنتَ في قريةٍ جامعةٍ فنُودِيَ بالصَّلاةِ من يومِ الجُمُعةِ؛ فحقٌّ عليك أنْ تَشْهَدَها، سَمِعْتَ النِّداءَ أو لم تَسْمَعْه» (١). ٢ - «وَأَنْ يَكُونَ الْعَدَدُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْجُمَعَةِ»؛ لحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ ﵁: أنَّ أَوَّلَ مَن جَمَّعَ بهم أسعدُ بنُ زُرارةَ ﵁، وكانوا يَوْمَئِذٍ أربعينَ (٢). وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ ﵀: «كلُّ قريةٍ فيها أَرْبعونَ رجلًا فعليهم الجمعةُ» (٣). وقالَ أبو المَليحِ الرَّقِّيُّ ﵀: أتانا كتابُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ: «إذا بَلَغَ أهلُ القريةِ أربَعِينَ رجلًا فَلْيُجَمِّعُوا» (٤). ٣ - «وَأَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ عُدِمَتِ الشُّرُوطُ؛ صُلِّيَتْ ظُهْرًا»، من شروطِ صحَّةِ الجمعةِ أنْ تَقَعَ في

стр. 101

الوقتِ، ووقتُها وقتُ الظُّهرِ، لما جاءَ في حديثِ أنسٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ يصلِّي الجُمُعةَ حينَ تَميلُ الشَّمسُ» (١). أيْ: تَميلُ إلى جهةِ الغربِ، وتَزولُ عن وَسَطِ السَّماءِ، وهو وقتُ صلاةِ الظُّهرِ؛ كما سَبَقَ، وكذلك حديث سلمةَ بنِ الأكوعِ ﵁ قال: «كنَّا نصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ الجُمعةَ، ثمَّ نَنْصَرِفُ وليس للحيطانِ ظلٌّ نستظلُّ فيه» (٢). وفي روايةٍ: «كنَّا نُجَمِّعُ مع رسولِ اللهِ ﷺ إذا زالتِ الشَّمسُ، ثم نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ» (٣). وقال سهلُ بنُ سعدٍ ﵁: «ما كنَّا نَقِيلُ ولا نتغدَّى إلَّا بعدَ الجُمُعةِ» (٤). فإنْ خَرَجَ الوقتُ أو ضاقَ عنها بحيثُ لم يبقَ منه ما يكفي خُطْبَتَيْها ورَكْعَتَيْها، أو عُدِمتِ الشُّروطُ أو بعضُها؛ كأنْ فُقِدَ العددُ، أو الاستيطانُ؛ صُلِّيَتْ ظُهرًا. قال أبو شجاع ﵀: «وَفَرَائِضُهَا ثَلَاثَةٌ: ١ - خُطْبَتَانِ يَقُومُ فِيهِمَا»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَقْعُدُ بَيْنَهُما» (٥).

стр. 102

وأركانُ الخُطبةِ خمسةٌ؛ وهي: حَمْدُ اللهِ تعالى، والصَّلاةُ على النَّبيِّ ﷺ ، والوصيَّةُ بالتَّقوى، وقراءةُ آيةٍ في إحدى الخُطْبَتَيْنِ، والدُّعاءُ للمؤْمنينَ والمؤْمناتِ في الخُطبةِ الثَّانيةِ (١). ٢ - «وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا»، للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ -أيضًا- أنَّه قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائمًا، ثمَّ يَقْعُدُ، ثمَّ يَقومُ؛ كما تَفْعَلونَ الآنَ» (٢). ٣ - «وَأَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِي جَمَاعَةٍ»؛ لحديثِ عمرَ ﵁ قال: «صلاةُ الجُمُعةِ ركعتانِ ... على لسانِ محمَّدٍ ﷺ » (٣). وكونُها في جماعةٍ؛ لحديثِ طارقِ بنِ شهابٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ» (٤). قال أبو شجاع ﵀: «وَهَيْئَاتُهَا أَرْبَعُ خِصَالٍ: ١ - الْغُسْلُ وَتَنْظِيفُ الْجَسَدِ»؛ لحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيَغْتَسِلْ» (٥). ٢ - «وَلُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ»؛ لحديثِ سَمُرَةَ بنِ جُنْدَبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبِيَاضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ

стр. 103

وَأَطْيَبُ» (١). ٣ - «وَأَخْذُ الظُّفُرِ»؛ لحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يُقَلِّمُ أظفارَه، ويَقُصُّ شاربَه يومَ الجُمعةِ قبلَ أنْ يَخْرُجَ إلى الصَّلاةِ» (٢). ٤ - «وَالطِّيبُ»؛ لحديثِ سَلمانَ الفارسيِّ ﵁ قال: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُسْتَحَبُّ الْإِنْصَاتُ فِي وَقْتِ الْخُطْبَةِ»، للحديثِ السَّابقِ، ولحديثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (٤). وفي روايةٍ: «وَمَنْ لَغَا فَلَيْسَ لَهُ فِي جُمُعَتِهِ تِلْكَ شَيْءٌ» (٥).

стр. 104

قال أبو شجاع ﵀: «وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ يَجْلِسُ»؛ لحديثِ جابرٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» (١). «فَصْلٌ» في صلاةِ العِيدين العِيدُ في اللُّغةِ: مُشتقٌّ مِنَ العَوْدِ، وهو الرُّجوعُ والمعاوَدةُ سُمِّيَ بذلك لأنه يَعُودُ ويَتكرَّرُ، وقِيلَ: مشتقٌّ مِنَ العادةِ؛ لأنَّ النَّاسَ اعتادوه. وفي الاصطلاحِ: اسمٌ لما يَعودُ مِنَ الاجتماعِ العامِّ على وجهٍ مُعتادٍ (٢). وهو يومانِ: يومُ الفطرِ من رمضانَ، وهو أوَّلُ يومٍ من شوَّال، ويومُ الأضحى، وهو اليومُ العاشرُ من ذي الحِجَّةِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»؛ لحديثِ أمِّ عطيَّةَ ﵂ قالت: «أَمَرَنَا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نُخْرِجَهُنَّ في الفطرِ والأضحى، العواتقَ، والحُيَّضَ، وذواتِ الخدورِ، فأمَّا الحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلاةَ، ويَشْهَدْنَ الخيرَ، ودعوةَ المسْلمينَ» (٣).

стр. 105

والأمر يقتضي الوجوب؛ ولكنْ دليلُ عدمِ الوجوبِ؛ حديثُ طلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ ﵁ أنَّ أعرابيًّا جاءَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا رسولَ اللهِ، أَخْبِرْني ماذا فَرَضَ اللهُ عليَّ مِنَ الصَّلاةِ؟ فقالَ ﷺ : «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» (١). ووقتُها يبدأُ مِن ارتفاعِ الشَّمسِ قِيدَ رُمْحٍ إلى الزَّوالِ. قال أبو شجاع ﵀: «وَهِيَ: رَكْعَتَانِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا سِوَى تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ»، يقولُ عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁: «صلاةُ الفطرِ ركعتانِ، وصلاةُ الأضحى ركعتانِ ... على لسانِ محمَّدٍ ﷺ » (٢). وقال عمرُو بنُ عوفٍ المُزَنِيُّ ﵁: «كبَّر النَّبيُّ ﷺ في العيدينِ: في الأُولى سبعًا قبْلَ القراءةِ، وفي الآخرةِ خَمسًا قبْلَ القراءةِ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى تِسْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعًا»، يقولُ ابنُ عبَّاسٍ ﵄: «خرجتُ مع النَّبيِّ ﷺ يومَ فطرٍ أو أضحى، فصلَّى ثمَّ خَطَبَ» (٤).

стр. 106

وقال أبو سعيدٍ الخدريُّ ﵁: «كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يوَم الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةُ، ثم يَنصرفُ، فيقومُ مقابلَ النَّاسِ، والناسُ جلوسٌ على صفوفِهِم، فيَعِظُهم ويوصيهم ويَأْمُرُهُم» (١). وروى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ يومَ فطرٍ أو أضحى، فَخَطَبَ قائمًا، ثم قَعَدَ قَعدةً، ثم قامَ» (٢). وروى الشَّافعيُّ عن عُبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ ﵀ قال: «السُّنَّةُ في التَّكبيرِ يومَ الأضحى والفطرِ على المنبرِ قبْلَ الخطبةِ أنْ يبتدئَ الإمامُ قبْلَ أنْ يَخْطُبَ، وهو قائمٌ على الِمنبرِ؛ بتسعِ تكبيراتٍ تترى، لا يَفْصِلُ بينها بكلامٍ، ثمَّ يَخْطُبُ، ثم يَجْلِسُ جَلسةً، ثمَّ يَقومُ في الخُطبةِ الثَّانيةِ؛ فَيَفْتَتِحُها بسبعِ تكبيراتٍ تَتْرَى؛ لا يَفْصِلُ بينها بكلامٍ ثمَّ يَخْطُبُ» (٣). قال أبو شجاع ﵀: «وَيُكَبِّرُ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ، إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ، وَفِي الْأَضْحَى: خَلْفَ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَاتِ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إِلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ

стр. 107

التَّشْرِيقِ»؛ لقولِه تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وهذا في تكبيرِ عيدِ الفطرِ؛ كما هو معلومٌ، وقِيسَ عليه عيدُ الأضحى، وأيَّامُ التَّشريقِ هي: الحاديَ عشرَ والثَّانيَ عشرَ والثالثَ عشرَ من ذي الحِجَّةِ. يقولُ عمير بن سعيد ﵀: «قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (١). قالَ الشَّافعيُّ ﵀: «يقولُ: (اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ)، حتَّى يقولَها ثلاثًا، وإن زادَ تكبيرًا فَحَسَنٌ، وإنْ زادَ فقال: (اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسبحانَ اللهِ بُكرةً وأصيلًا، اللهُ أكبرُ، ولا نَعْبُدُ إلَّا اللهَ، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافرونَ، لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحزابَ وَحْدَهُ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ)، فحَسَنٌ، وما زادَ مع هذا مِن ذِكرِ اللهِ أَحْبَبْتُه» (٢). «فَصْلٌ» في صلاةِ الكسوفِ الكُسُوفُ في اللُّغة: التغيُّرُ إلى سوادٍ، ومنه: كَسَفَ وَجْهُه؛ إذا تَغَيَّرَ. والخُسوفُ: في اللُّغةِ النُّقصانُ قاله الأصمعيُّ، والخَسْفُ -أيضًا-: الذُّلُّ، ومنه: «سامَه خُطَّةَ خَسْفٍ»؛ أي: ذُلٍّ، فكسوفُ

стр. 108

الشمسِ والقمرِ وخسوفُهُما: تغيُّرهما، ونُقصانُ ضَوْئِهِما، فهما بمعنًى واحدٍ، والمشهورُ في استعمالِ الفقهاءِ أنَّ الكسوفَ للشَّمسِ والخُسوفَ للقمرِ. وفي الاصطلاحِ: هو انحجابُ ضوءِ الشَّمسِ أو القمرِ كلِّه أو بَعْضِه بسببٍ غيرِ معتادٍ. والكسوفُ آيةٌ من آياتِ اللهِ يُخَوِّفُ به عبادَهُ لِيَفْزَعوا إلى التَّوبةِ والاستغفارِ، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وصلاةُ الكسوفِ مشروعةٌ باتفاقِ المُسلمينَ، وقد تواترتْ بها السُّنَنُ الصَّحيحةُ. قال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ، وَيُصَلِّى لِكُسُوفِ الشَّمْسِ وَخُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَيْنِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قِيَامَانِ يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِيهِمَا، وَرُكُوعَانِ يُطِيلُ التَّسْبِيحَ فِيهِمَا دُونَ السُّجُودِ، وَيَخْطُبُ بَعْدَهَا خُطْبَتَيْنِ، وَيُسِرُّ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَيَجْهَرُ فِي خُسُوفِ الْقَمَرِ»، تقولُ أمُّ المؤْمنينَ عائشةُ ﵂: خَسَفَتِ الشَّمسُ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فصلَّى رسولُ اللهِ ﷺ بالنَّاسِ، فقامَ فأطالَ القيامَ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوعَ، ثم قامَ فأطالَ القِيامَ، وهو دُونَ القيِامِ الأوَّلِ، ثمَّ رَكَعَ فأطالَ الرُّكوعَ، وهو دُونَ الرُّكوعِ الأوَّلِ، ثمَّ سَجَدَ فأطالَ السُّجودَ، ثمَّ فَعَلَ في الرَّكعةِ الثَّانيةِ مِثْلَ ما فَعَلَ في الأُولَى، ثمَّ انْصَرَفَ وقدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فخَطَبَ النَّاسَ؛ فَحَمِدَ اللهَ وأَثْنَى عليه، ثم قال: «إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ،

стр. 109

فَادْعُوا اللهَ، وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» (١). وقال سَمُرَةُ بنُ جُنْدَبٍ ﵁: «صلَّى بنا النَّبيُّ ﷺ في كسوفٍ لا نَسْمَعُ له صوتًا» (٢). وقالت عائشةُ ﵂: «جَهَرَ النَّبيُّ ﷺ في صلاةِ الخسوفِ بقراءتِه» (٣). فَحُمِلَ الأوَّلُ على صلاةِ كسوفِ الشَّمسِ؛ لأنَّها نهاريَّةٌ، والثَّاني على صلاةِ خسوفِ القمرِ لأنَّها ليليَّةٌ. «فَصْلٌ» في صلاةِ الاستسقاء الاستسقاءُ في اللُّغةِ: طلبُ السُّقْيَا، أيْ طلبُ إنزالِ الغيثِ. وفي الاصطلاحِ: طلبُ إنزالِ المطرِ مِنَ اللهِ تَعَالَى بكيفيَّةٍ مخصوصةٍ عندَ الحاجَةِ إليه. قال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ مَسْنُونَةٌ، فَيَأْمُرُهُمُ الْإِمَامُ بِالتَّوْبَةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَمُصَالَحَةِ الْأَعْدَاءِ، وَصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِهِمْ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ، وَاسْتِكَانَةٍ وَتَضَرُّعٍ، وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ كَصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ»، الاستسقاءُ سُنَّةٌ مؤكَّدةٌ عندَ الحاجَةِ إليه، فإذا أَجْدَبَتِ الأرضُ، أو انْقَطَعَتِ

стр. 110

المياهُ، أو قلَّتْ؛ وَعَظَ الإمامُ النَّاسَ وأَمَرَهُم بالتَّوبةِ والصَّدقةِ ومصالَحَةِ مَن كانَ بينهم وبين أحدٍ مِنَ المسْلمينَ عداوةٌ دنيويَّةٌ، ويَأْمُرُهم بالصِّيامِ ثلاثةَ أيَّامٍ، كما نَقَلَه الشَّافعيُّ ﵀ عن بعضِ أئِمَّةِ السَّلَفِ، فقال: «وَبَلَغَنا عن بعضِ الأئمَّةِ أنَّه كانَ إذا أرادَ أنْ يَسْتَسْقِيَ أَمَرَ النَّاسَ فصاموا ثلاثةَ أيَّامٍ متتابِعَةٍ، وتَقَرَّبوا إلى اللهِ بما استطاعوا مِن خيرٍ ثمَّ خرَجَ في اليومِ الرَّابعِ فاستسقى بهم، وأنا أُحِبُّ ذلك لهم، وآمُرُهُم أنْ يَخْرُجُوا في اليومِ الرَّابعِ صيامًا مِنْ غيرِ أنْ أُوجِبَ ذلك عليهم، ولا على إمامِهِم» (١). وكذلك يَخْرُجُونَ في ثيابِ بِذْلَةٍ، وهي ثيابُ المهنةِ والخدمةِ؛ ليَكونوا على هيئةِ السَّائلِ، وعليهم السَّكينةُ في مِشيتِهِم، وكلامِهِم وجلوسِهِم. يقولُ إسحاقُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ كِنانَةَ: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ ﵄ عن صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ في الاستسقاءِ، فقال: «خَرَجَ رسولُ اللهِ ﷺ متواضعًا متبذِّلًا متخشِّعًا مترسِّلًا متضرِّعًا، فصلَّى رَكْعَتَيْنِ كما يصلِّي في العيدِ» (٢). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ زيدِ بنِ عاصمٍ الأنصاريُّ ﵁: «خَرَجَ
следующие страницы →