السحاب يخرج في السماء، فقال: «إنّ السحاب لتنتصر بنصر بني كعب غدا».فقال له رجل من بني عدي: مع بني كعب؟،فقال: ترب نحرك، وهل عديّ إلا كعب، وهل كعب إلا عدي؟
فقال: فكان أول رجل قتل يوم دخل النبي ﷺ مكة في نصر خزاعة ذلك الرجل العدوى. قال: وذلك لقول النبي ﷺ -ترب نحرك.
الصفاح (١):من وراء جبال عرفة، بينها وبين مكة عشرة أميال، وكان الناس يلتقون هنالك عند دخولهم بالحجّ والعمرة.
٢٩١٥ - حدّثني أبو زرعة الجرجاني، قال: ثنا سعيد بن يحيى الأموي، قال: ثنا الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: حدّثني أبو عمرو بن العلاء، قال:
نفى ابن محمية بن عبد الدئل زهير بن ربيعة أبا خراش بالصفاح، فقال زهير: إنّني حرام، وقد جئت معتمرا! فقال: لا. قلت (٢):معتمرا. فقتله ثم ندم، فقال:
اللهم إنّ العامريّ المعتمر ... لم آت فيه عذرة لمعتذر
[فقال] (٣) ابن عبس وهو السويعري احد بني سعد بن ليث في كلمته:
تركنا ثاويا يرقوا صداه ... وكانوا بالعويل وبالصفاح
وابن محمية بن عبيد ... فأعجله التوسّد بالبطاح
стр. 1682
/ورد عليه عبد الله بن ثور البكّائي:
ألا هل جاء أبا حسان أنا ... ثأرناه بأطراف الرماح
فإما تقتلوه فإنّ هاما ... بمجتمع الغوائل فالصفاح
٢٩١٦ - وحدّثني محمد بن سليمان، قال: ثنا ابن نمير، عن الأعمش، عن ابن ظبيان، عن جرير، قال: نزلت الصفاح، فإذا رجل نائم في ظلّ شجرة، قد أدركته الشمس، فأمرت الغلام فظلّل عليه بالنطع، فلما استيقظ إذا هو سلمان بن الفارسي-﵁-فحيّاني وحييته، ثم قال: يا جرير إنّه من تواضع لله-تعالى-في الدنيا رفعه الله في الآخرة، يا جرير لو التمست في الجنة مثل هذا-وأخذ عودا من الأرض بين إصبعيه-لم تجده.
قال: قلت: يا أبا عبد الله فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها ذهب ولؤلؤ، وأعلاها ثمر.
وقال الحارث بن خالد يذكر الصّفاح:
ألمم بحور بالصّفاح حسان ... هيّجن منك روادع الأحزان (١)
شعب آل محرّق (٢):مما يلي طريق جدّة، وفيها يقول بعض الشعراء:
يا قبر بين بيوت آل محرّق ... جادت عليه رواعد وبروق
هل تنفعنّك ذمّة مرعيّة ... فيها أداء أمانة وحقوق
стр. 1683
ذكر
حدود مخاليف مكة ومنتهاها وتفسير ذلك
وأعمال مكة ومخاليفها (١) كثيرة، ولها أسماء نقصر عن ذكرها لاختصار الكتاب، ولكنّا نذكر منتهى حدودها التي تنتهي إليه. فآخر أعمالها ممّا يلي طريق المدينة الشريفة موضع يقال له: جنابذ ابن صيفي (٢):فيما بين عسفان ومرّ، وذلك على يوم وبعض يوم.
وآخر أعمالها ممّا يلي طريق الجادة، في طريق العراق: الغمير (٣) وهو قريب من ذات عرق، وذلك على يوم وبعض يوم.
وآخر أعمالها ممّا يلي اليمن في طريق تهامة اليوم موضع يقال له:
ضنكان (٤):وذلك على عشرة أيام من مكة.
стр. 1684
وقد كان آخر أعمالها فيما مضى: بلادعكّ (١) داخلا في اليمن إلى قريب من عدن.
وآخر أعمالها ممّا يلي اليمن في طريق البحر، وطريق صنعاء موضع يقال له: نجران (٢)،فهو آخر مخاليفها وأبعده من مكة. ونجران على عشرين يوما من مكة، وهي أرض طيبة عذبة، وقد كان بينهم وبين النبي ﷺ صلح، ثم كان بينهم وبين عمر بن الخطّاب-﵁-صلح بعد ذلك.
٢٩١٧ - حدّثنا أبو بشر بكر بن خلف، قال: ثنا صفوان بن عيسى، عن محمد بن عمارة، عن أبي بكر بن حزم، قال: كان في كتاب جدّي الذي كتبه له رسول الله ﷺ حين بعثه إلى نجران «أن لا يمسّ القرآن إلا طاهرا».
٢٩١٨ - حدّثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: في كتاب النبي ﷺ لأهل نجران: «لهم جوار الله -تعالى-وذمّة محمّد ﷺ ، ما نصحوا وأصلحوا/وعليهم ألفا حلّة من حلل الأوراق شهد أبو سفيان بن حرب، والأقرع ابن حابس-﵄».
стр. 1685
٢٩١٩ - حدّثنا عبد الله بن هاشم الطوسي، قال: ثنا وكيع، عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال: كان أهل نجران قد بلغوا سبعين ألفا، وكان عمر-﵁-يخافهم أن يميلوا على المسلمين، فتحاسدوا بينهم، فجاءوا إلى عمر-﵁-فقالوا: إنّا قد تحاسدنا بيننا، فأجلنا. قال: وكان النبي ﷺ قد كتب لهم كتابا: أن لا تجلوا، فاغتنمها عمر-﵁-فأجلاهم، فلما أجلاهم ندموا، فجاءوا عمر-﵁-فقالوا: أقلنا فأبى أن يقيلهم، فلما قام عليّ ﵁-أتوه فقالوا: إنا بحطك بيمينك بلسانك الا أقلتنا، فقال: عليّ ﵁:ويحكم إنّ عمر-﵁-كان رشيد الأمر.
قال سالم: فكانوا يرون أنّ عليا-﵁-لو كان طاعنا على عمر-﵁-في شيء من أمره طعن عليه في أمر أهل نجران.
٢٩٢٠ - وحدّثني بعض الأشراف من أهل مكة قال: كنّا في بيت بنجران فرأيت مكتوبا فيه:
أحقّ حقّ بالحبّ وأولى به ... من بين حقّ بين آل الزبير
ففخّ فالأكناف من ذي طوى ... فبئر ميمون إلى قصر ثور
стр. 1686
سوف لا أندم مستنصرا ... أقول من حد خروجي وسيري
حليف نجران وسكّانها ... لا أخلف الله عليهم بخير
قال الذي حدثني بهذا: والشعر للحجازي، وهو رجل من شعراء أهل مكة-والله أعلم (١).
تمّ الجزء الثاني وبتمامه تمّ جميع كتاب
«أخبار مكة في قديم الدّهر وحديثه»
للإمام: أبي عبد الله محمد بن إسحق بن العبّاس الفاكهي المكّي
-رحمة الله عليه-
في يوم الإثنين التاسع والعشرين من شهر شوال،
أحد شهور سبع وسبعين وثماني مائة-بمكة المشرفة.
والحمد لله وحده، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
فحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 1687
خاتمة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمد، وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فقد انتهينا-بحمد الله-من إكمال تحقيق وطباعة القسم الثاني من كتاب «أخبار مكة في قديم الدّهر وحديثه» للإمام الفاكهي-﵀-ونرجو أن نكون قد وفقّنا في إخراجه على الصورة التي ترضي الباحثين من طلبة العلم. وكنا قد وعدنا في مقدّمة الكتاب بإتباع هذا الكتاب بملاحق ... منها: الملحق الأول وهو (نصوص) وقفنا عليها من الجزء الأول الضائع، وستراه بعد هذه الخاتمة-إن شاء الله-.والملحق الثاني -ملحق تصويري-لبعض الأماكن التاريخية والجغرافية التي ذكرها الفاكهي في كتابه، ممّا سنحت لنا الفرصة بتصويره ممّا نراه مهمّا، وهناك مواضع أغفلنا تصويرها لذهابها، وعدم تصوير البعض لشهرتها. وهذا الملحق ستجده-إن شاء الله-بعد الملحق الأول.
وكنا قد وعدنا بإعداد ملحق آخر يشتمل على خرائط لحدود المشاعر المقدّسة، وأيضا حدود الحرم الشريف.
وهذا الملحق الأخير وقفنا عنده طويلا نتأمل ما نستطيع أن نضعه من خرائط فيه، فرأينا أن الأمر أكبر من كونه ملحقا، لأننا عندما وقفنا على مواضع حدود الحرم التي عليها أنصاب الحرم، وقفنا على أكثر من (٩٠٠) علم على ما يقارب من (٥٠) موضعا ما بين جبل وثنية وسهل، وكل موضع يحتاج إلى خريطة مفصّلة بمفرده، فرأينا أن هذا العمل يمكن أن يخرج مستقلا بذاته فيكون مبحثا واسعا عن (حدود الحرم الشريف) أو (حدود المشاعر المقدّسة) والبحث بخرائطه وصوره ومباحثه جاهز عندي ولله الحمد، وسوف يخرج كما ذكرت مستقلاّ عن كتاب الفاكهي-إن شاء الله تعالى-.
والملحق الثالث: يشمل على خرائط توضيحية لبعض ما ذكره الفاكهي في كتابه عن المسجد الحرام، وأبوابه، وأساطينه، ومقاساته، وخريطة للتوزيع العمراني لمكّة
стр. 1688
المكرمة في القرن الثالث، وكذلك خرائط لآبار مكة، وأسواقها، وشوارعها، ومداخلها، وبساتينها، وثناياها، وجبالها، وكذلك خريطة تاريخية شاملة لمكة المكرمة في القرن الثالث الهجري كما يصوّرها الإمام الفاكهي في كتابه. واستعنت ببعض المهندسين المختصين في مثل ذلك، وأرجو أن أوفّق لخدمة التاريخ المكي خدمة نافعة.
هذا ولا يفوتني في نهاية تحقيق هذا السفر المبارك أن أنبّه إلى أنني قد أفرغت جهدي فيه، وحاولت الوصول إلى الصواب فيه قدر المستطاع، وأعترف أن أشياء أخرى فاتتني، وأن أخطاء مطبعية قد يراها القارئ اللبيب فاتنا تصحيحها على الوجه المطلوب، لكنها لا تفوت القارئ الفطن، والباحث الحريص، فالرجاء منهم تصحيح هذه الأخطاء جزاهم الله عنّا كل خير.
كما نرجو من الباحثين أن يكتبوا إلينا بآرائهم وانتقاداتهم واقتراحاتهم حول هذا الكتاب، ويشيروا إلى أوجه الخطأ، حتى نتجنّبها ولهم من الله الأجر، ومنّا جزيل الشكر والامتنان.
ولا يفوتني أن أشكر جميع من ساعدني في هذا الأمر، وأعانني فيه، وخاصّة أولادي الذين صحبوني في جولات ميدانية للوقوف على بعض المواضع وتصويرها.
وأخيرا أرجو الله أن ينزل وابل رحمته على الفقيد (الشريف محمد بن فوزان الحارثي) الذي فارق الدنيا وكنت أحوج الناس إليه، وقد ساعدني-﵀-في الوقوف على كثير من المواضع المذكورة في هذا الكتاب، فرحمه الله ورضي عنه.
هذا وأرجو الله أن يقبل هذا العمل مني، ويجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة، وأن ينفعني به والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
كتبه
عبد الملك بن عبد الله بن دهيش
١٤٠٨/ ١/١٠ هـ
стр. 1689
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا الملحق الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فهذا الملحق هو الذي كنا قد وعدنا به في مقدّمة التحقيق، وقد طالعنا له عشرات المجلّدات، فخرجنا به-ولله الحمد-ليعطينا صورة تكاد تكون واضحة لما حواه القسم الأول (القسم الضائع) من كتاب «أخبار مكة» للإمام الفاكهي. وقد وجدنا في هذا الملحق مصادر اعتمدها الفاكهي في كتابه لم ينقل عنها في القسم الثاني، ومصادر قد أكثر النقل عنها في القسم الأول، ولم ينقل عنها في القسم الثاني إلاّ قليلا.
ولم نشأ أن ندرس هذا الملحق دراستنا للقسم الثاني، لأن الغرض من هذا الملحق هو إعطاء صورة واضحة وإن لم تكن مكتملة لما حواه القسم الضائع من كتاب الفاكهي، والدراسة إذا قامت على جزء غير مكتمل تأتي غير مكتملة كذلك. وكذلك لم نعلّق على نصوص هذا الملحق تعليقنا على نصوص القسم
стр. 1690
الثاني، وذلك لأننا لا زال الأمل يحدونا في الحصول على القسم الضائع فنخدمه-بعون الله-كما خدمنا قسمه الثاني، ثم إن بعض النصوص محذوفة الأسانيد، وبعضها مبتورة المتون أيضا، وهذا يجعل العمل ليس بالسهل إذ لا بدّ من اكتمال رجال السند حتى تحكم عليه، ولا بدّ من تمام الخبر حتى تخرّجه التخريج المطلوب.
وقد سرنا في هذا الملحق على الضوابط الآتية:
١.حرصنا على أن تكون الترجمة هي التي نقلها أو أشار إليها صاحب المصدر الذي نقلنا منه النص. وإذا كانت الترجمة من عندنا فقد وضعنا عليها علامة (*) للدلالة على أنها من وضعنا نحن.
٢.كثير من النصوص المنقولة من «شفاء الغرام» اعتورها تحريف أو تصحيف، وقد أصلحنا ذلك ولم ننبّه عليه، وكذلك إذا وجدنا تصحيفا أو تحريفا في غير هذا المصدر أصلحناه دون تنبيه عليه، والبعض منها أثبتناه كما هو.
٣.إذا وجدنا ترجمة منقولة عن الفاكهي أثبتناها كما هي، وكذلك التراجم المشار إليها، وجعلنا ما يتبعها بياضا، للتدليل على أن الفاكهي قد طرق هذا الباب وبحثه، لكننا لم نجد بحثه، بل وجدنا عنوان البحث فقط فأثبتناه.
٤.بعض الأخبار لم نكتب مصدرها تحتها، وهذا يعني أنها تبع لما بعدها في المصدر.
٥.هناك نصوص أورد بعضها الفاكهي في القسم الثاني لمناسبة ما، مع أن موضعها الأصلي هو القسم الأول، فأوردناها في هذا الملحق في الموضع الأنسب. والذي دعانا إلى ذلك هو أن المصادر الناقلة لهذا الخبر أوردته في مباحث القسم الأول.
٦.حاولنا قدر الإمكان ترتيب مادة هذا الملحق على حسب ترتيب مادة «شفاء الغرام» للفاسي إلاّ قليلا.
٧.حاولنا في تراجم هذا الملحق أن نسير على منهج الفاكهي في ذكره لها، وتقسيمه إيّاها.
٨.رقّمنا نصوص هذا الملحق لتسهيل الإحالة إليها.
стр. 1691
هذا وقد وجدنا أغنى الكتب نقلا عن الفاكهي فيما يتعلّق بالقسم الضائع هو كتاب «شفاء الغرام» للفاسي. ومن المعلوم أنّ الفاسي صنّف كتابه هذا مرتّين. مرّة قبل وقوفه على كتاب الفاكهي، ومرّة بعده. والسبب الذي دعاه إلى ذلك هو كثرة المادّة العلمية التي حواها كتاب الفاكهي وزيادتها على الكتب المؤلفة في هذا الموضوع والتي اعتمدها الفاسي زيادة ظاهرة، ممّا جعله يعيد النظر في تأليفه، ويثبت ما زاده الفاكهي في أواخر أغلب مباحث كتابه «شفاء الغرام» على ما اعتمده من مصادر أخرى في الباب نفسه.
ولو قدّر وقوف الفاسي على كتاب الفاكهي قبل تصنيفه الأول لشفاء الغرام لما وجدناه يتعدّى ما أورده الفاكهي في كل ما يتعلق بالبلد الحرام إلا قليلا، إلا فيما يتعلق بالفترة التي تلت عهد الفاكهي. ولذلك فإن الأخبار التي أوردها غير الفاكهي فيما يتعلق بالبلد الحرام، وخاصّة تلك الأخبار التي تذكرها المصادر التي سبقت الفاكهي، فإننا نرى الفاسي يثبتها عن غير الفاكهي، ولا ينقل عن الفاكهي إلا ما زاده في الباب، ولذلك نستطيع أن نقول: إنّ أغلب ما نقله الفاسي عن الفاكهي إنما هو ممّا زاده الفاكهي على المصادر التي سبقته أو عاصرته. ولذلك نرى ما نقله الفاسي عن الفاكهي -على كثرته بالنسبة لغيره من المصادر-قليلا، لأنه أثبت زوائد الفاكهي على من سبقه وعاصره.
ومع هذا فإن الفاسي لا يشير إلى ذلك إلا قليلا، فإنه مثلا يورد في مبحث ما مادّة علمية نقلها عن الزبير بن بكّار، ويكاد أن يتأكّد عندي أن الفاكهي أوردها في كتابه، لكن الفاسي ينقلها عن الزبير (شيخ الفاكهي) ويسكت عنها. وربّما أشار إلى إيراد الفاكهي لها وهذا قليل جدا. وما أشار إليه أوردته بكامله في هذا الملحق، وأثبت فيه عبارة الزبير كما نقلها الفاسي.
وأخيرا، فمن شاء أن يعرف المصادر التي رجعنا إليها في استخراج هذا الملحق فليرجع إلى مقدّمتنا لتحقيق القسم الثاني من هذا الكتاب، فقد سردنا هناك الكتب التي ذكرت كتاب الفاكهي ونقلت عنه، وعليها كان اعتمادنا وبالله التوفيق، هو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 1692
ذكر
أوّل خلق الله لبيته *
١ - حدّثنا الزبير بن بكار، حدّثني حمزة بن عتبة، حدّثني محمد بن عمران، عن جعفر بن محمد بن علي-هو الصادق بن الباقر-قال: كنت مع أبي بمكة في ليالي العشر، وأبي قائم يصلي في الحجر، فدخل عليه رجل أبيض الرأس واللحية شثن الأراب، فجلس إلى جنب أبي، فخفّف فقال:
إني جئتك-رحمك الله-تخبرني عن أول خلق هذا البيت قال ومن أنت؟ قال أنا رجل من أهل هذا المغرب، قال: إنّ أول خلق هذا البيت أنّ الله لما ردّ عليه الملائكة حيث قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ غضب فطافوا بعرشه فاعتذروا، فرضي عنهم، وقال: اجعلوا لي في الأرض بيتا يطوف به من عبادي من غضبت عليه فأرضى عنه كما رضيت عنكم. فقال له الرجل: أي يرحمك الله، ما بقي من أهل زمانك أعلم منك، ثم ولّى، فقال لي أبي:
أدرك الرجل فردّه عليّ. قال: فخرجت وأنا أنظر إليه، فلما بلغ باب الصفا فكأنه لم يك شيئا، فأخبرت أبي، فقال: تدري من هذا؟ قلت: لا، قال:
هذا الخضر (١).
стр. 1693
ذكر
سبب مجيء ابراهيم بهاجر إلى مكة *
٢ - عن حارثة بن مضرب، عن علي-﵁-قال: إنّ ابراهيم استوهب هاجر من سارة، فوهبتها له، وشرطت عليه أن لا يسرها فالتزم ذلك، ثم غارت منها، فكان ذلك السبب في تحويلها مع ابنها إلى مكة (١).
ذكر
قدوم ابراهيم بإسماعيل وأمه هاجر
إلى مكة وأين أنزلهما *
٣ - روى الفاكهي بسنده عن الواقدي عن أبي جهم بن حذيفة خبرا في قدوم ابراهيم باسماعيل-﵉-قال فيه: فعمد ابراهيم إلى موضع الحجر فأنزل فيه هاجر واسماعيل، وأمر هاجر أن تتخذ فيه عرشا.
ذكر
نفاد الماء الذي كان مع أم اسماعيل وتطلبها للماء*
واخراج جبريل زمزم، ونزول العمالقة
على أم اسماعيل
٤ - روى الفاكهي من طريق الواقدي، عن أبي جهم بن حذيفة خبرا ذكر فيها نفاد الماء الذي كان مع أم اسماعيل وتطلّبها للماء حين عطش ابنها اسماعيل
стр. 1694
وسقي الله لها، وإخراج جبريل لهما الماء في موضع زمزم وغير ذلك. وفيه قال:
قال: ويقبل غلامان من العماليق يريدان بعيرين لهما قد أخطآه، وقد عطشا، وأهلهما بعرفة، فنظرا إلى طير يهوي قبل الكعبة فاستنكرا ذلك، وقالا: أنّى يكون هذا الطير على غير ماء؟ قال أحدهما لصاحبه: كما ترى هذا الطير يذهب إلى غير ماء؟ قال الآخر: فأمهل حتى نبرد ثم نسلك في مهوى أو مهد الطير، فأبردا ثم نزحا، فإذا الطير يرد ويصدر، فاتبعا الواردة منها حتى وقعا على أبي قبيس، فنظرا إلى الماء وإلى العريش، فنزلا وكلما هاجر وسألاها متى نزلت؟ فأخبرتهما، وقالا: لمن هذا الماء؟ فقالت: لي، ولابني. فقالا:
ومن حفره؟ فقالت: سقيا الله، فعرفا أنّ أحدا لا يقدر على أن يحفر هنالك ماء، وعهدهما بما هنالك قريب وليس به ماء. فرجعا إلى أهلهما من ليلتهما وأخبراهم، فتحوّلوا حتى نزلوا معها على الماء. وأنست بهم ومعهم الذريّة، ونشأ اسماعيل مع ولدانهم، وكان ابراهيم يزور هاجر كل شهر على البراق يغدو غدوة فيأتي مكة ثم يرجع فيقيل في منزله بالشام. ونظر من هنالك من العماليق وإلى كثرتهم وعمارة الماء فسرّ بذلك (١).
ذكر
حفر زمزم وعلاجها
٥ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدّثنا سعيد بن سالم، قال: حدّثنا عثمان بن ساج، قال: بلغنا في الحديث المأثور عن وهب ابن منبّه، قال: كان بطن مكة ليس فيه ماء، وليس لأحد فيه قرار، حتى أنبط
стр. 1695
الله لاسماعيل زمزم، فعمرت يومئذ مكة، وسكنها من أجل الماء قبيلة من اليمن يقال لهم: جرهم، وليست من عاد كما يقال، ولولا الماء الذي أنبطه الله -تعالى-لاسماعيل من عمارة لم يكن لأحد بها يومئذ مقام. قال عثمان:
وذكر غيره: أنّ زمزم تدعى سابق، وكانت وطأة من جبريل. وكانت سقياها لاسماعيل يوم فرج له عنها جبريل، وهو يومئذ وأمه عطشانان، فحفر ابراهيم بعد ذلك البئر، ثم غلبه عليها ذو القرنين، وأظن أنّ ذا القرنين كان سأل ابراهيم أن يدعو الله له، فقال: كيف وقد أفسدتم بئري؟ فقال ذو القرنين:
ليس عن أمري كان، ولم يخبر أحدا أن البئر بئر ابراهيم، فوضع السلام وأهدى ابراهيم إلى ذي القرنين بقرا وغنما، فأخذ ابراهيم سبعة أكبش، فأقرنهم وحدهم، فقال ذو القرنين: ما شأن هذه الأكبش يا ابراهيم؟ فقال ابراهيم:
هؤلاء يشهدون في يوم القيامة أن البئر بئر ابراهيم (١).
وفي حاشية كتاب الفاكهي في هذا الحديث مكتوب ما صورته (عطاشا) ما أقرأ عبد الله بن عمران (عطاشا).قال أبو عبد الله: والصواب (عطشانان) (٢).
ذكر
ذبح ابراهيم لاسماعيل-﵉
والكبش الذي فدى به اسماعيل-﵇ -*
قال الفاكهي: وكان من حديث ذبح اسماعيل وقصته في ذلك ما أذكره الآن.
стр. 1696
٦ - حدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن اسحاق، قال: حدّثت-وعند الله العلم-أن ابراهيم أمر بذبح ابنه، قال: أي بني خذ الحبل والمدية وهي الشفرة ثم امش بنا إلى هذا الشعب لنحتطب لأهلك منه، قبل أن يذكر له ما أمر به. فلما توجّه به اعترضه إبليس عدو الله ليصده عن أمر الله- -في صورة رجل، فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال:
أريد هذا الشعب لحاجة لي. فقال: والله اني لأرى الشيطان قد أتاك في منامك فأمرك أن تذبح ابنك هذا فأنت تريد أن تذبحه، فعرفه ابراهيم. فقال: عنّي أي عدو الله، فو الله لأمضين لأمر ربي. فلما يئس من ابراهيم اعترض لاسماعيل وهو وراء أبيه يحمل الحبل والمدية، فقال: أيها الغلام، هل تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: نحتطب لأهلنا. قال: لا والله ما يريد إلاّ أن يذبحك. قال:
ولم؟ قال: يزعم أنّ ربّه أمره بذلك. قال: فليفعل ما أمره به ربّه سمعا وطاعة.
فلما امتنع منه الغلام ذهب إلى هاجر أم اسماعيل وهي في منزلها. فقال: يا أم اسماعيل أتدرين أين ذاهب ابراهيم باسماعيل؟ قالت: ذهبا يحتطبان. فقال:
ما ذهب إلاّ ليذبحه. قالت: كلاّ إنه أرحم من ذلك وأحبّ إليه. قال:
يزعم أن الله أمره بذلك. قالت: إن كان الله أمره بذلك سلّمنا لأمر الله، فرجع عدوّ الله بغيظه لم يصب منهم شيئا ممّا أراد، وقد منع الله منه ابراهيم وآل ابراهيم وأجمعوا لأمر الله بالسمع والطاعة. فلما خلا ابراهيم في الشعب ويقال ذلك إلى ثبير، قال له: ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ، فَانْظُرْ ماذا تَرى. قالَ: يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ قال:
فحدّثت أن اسماعيل قال له عند ذلك: يا أبتاه إذا أردت ذبحي فاشدد رباطي لا يصيبك من دمي فينقص أجري فإن الموت شديد ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدت مسّه، واشحذ شفرتك حتى تجهز عليّ فتذبحني، فإذا أنت أضجعتني فأكببني على جنبي ولا تضجعني لشقي فإني أخشى إن أنت نظرت إلى
стр. 1697
وجهي أن تدركك الرقة فتحول بينك وبين أمر ربّك فيّ، وإن رأيت أن ترد قميصي إلى أمي فإنه عسى أن يكون أسلى لها فافعل. فقال ابراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله. ويقال إنه ربطه كما أمره بالحبل فأوثقه، ثم شحذ شفرته، ثم تلّه للجبين واتقى النظر إلى وجهه، ثم أدخل الشفرة حلقه فقلبها جبريل-﵇-لقفائها في يده، ثم اجتذبها إليه ونودي ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ فهذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه.
٧ - ثم قال الفاكهي: قال ابن اسحق: فحدّثني من لا أتهم من أهل البصرة، عن الحسن، أنه كان يقول: ما فدي إلاّ بتيس من الأروى هبط عليه من ثبير.
ثم قال الفاكهي: ويزعم أهل الكتاب وكثير من العلماء أن ذبيحة ابراهيم التي فدي به اسماعيل كبش أملح أقرع أعين.
٨ - ثم قال الفاكهي: وحدّثنا محمد بن سليمان، قال: حدّثنا قبيصة بن عقبة، قال: حدّثنا سفيان، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس-﵄-قال: الكبش الذي ذبحه ابراهيم هو الكبش الذي قرّبه ابن آدم.
٩ - ثم روى الفاكهي بسنده عن ابن عبّاس أنّ الكبش الذي فدى به اسماعيل هو القربان المتقبل من أحد بني آدم، ثم قال في هذا الخبر: فلم يزل ذلك الكبش محبوسا عند الله حتى أخرجه في فداء اسماعيل، فذبحه على هذا الصفا في ثبير عند منزل سمرة الصراف وهو على يمينك متى ترمي الجمار (١).
стр. 1698
ذكر
بيان سن اسماعيل حين بنى مع أبيه البيت *
١٠ - روى الفاكهي بسنده من طريق الواقدي، عن أبي جهم بن حذيفة، قال: فلما بلغ اسماعيل ثلاثين سنة، وسيدنا ابراهيم الخليل يومئذ ابن مائة سنة أوحى الله- -إلى ابراهيم أن ابن لي بيتا، وذكر بناء البيت (١).
ذكر
موضع ذبح الكبش، وزمانه *
١١ - وحدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا ابن أبي الوزير، والفضل بن خالد، قالا: حدّثنا محمد بن جابر، قال: حدّثنا أبو إسحق، عن حارثة بن مضرب، عن عليّ فذكر خبرا يأتي ذكره، ثم قال: وقال علي ابن أبي طالب: ثم أوحى الله-تعالى-إليه: ناد بالحج، فنادى عند كلّ ركن: حجّوا يا عباد الله، فلبّى كل شيء حتى النحلة، فكانت أول التلبية «لبّيك اللهمّ لبّيك» ثم أتاه جبريل قبل يوم عرفة، فذهب به إلى منى، فنزل بها، وبات حتى أصبح غاديا إلى عرفات، ثم راح إلى الجبل الذي يفيض منه الناس فوقف به، ثم أراه الموقف، ثم خرج إلى جمع فبات بها ليلة جمع، ثم إنه أمر بذبح اسماعيل فأصبح حزينا، فقال له: هل عرفت المواقف؟ قال:
لا. فذهب به مرة أخرى، فقال: أعرف، فمن ثم سمّيت عرفات، ثم ردّه إلى جمع، فلما صلّى الغداة وقف فدعا حتى أضاء النهار، ثم أفاض فأتى
стр. 1699
جمرة العقبة فرماها بسبع حصيات، ثم قيل له: اذبح ما أمرت به، فدعا اسماعيل، فقال: إني أمرت بذبحك. فقال له اسماعيل: امض على ما أمرت به فإني سوف أطيعك. ولا أحسب إلاّ أنه قال: أخاف أن أجزع، فإن خفت فشدّ يدي وراء ظهري، فإني أجدر أن لا أضطرب، فوضعه لجبينه فجعل ينظر ويعرض، فقال له: اعرض وضع السكّين، فوضعها فانقلبت، وناداه مناد من السماء: أن قد وفيت بنذرك وأرضيت ربّك، اذبح الذي أنزل عليك، فنزل عليه كبش من ثبير، فاضطرب الجبل، ثم جاء به يجري حتى نحره بين الجمرتين (١).
ذكر
من هو الذبيح *؟
١٢ - قال الفاكهي: وقد قال الناس في الذبيح ما قالوا. فقالت العرب:
هو اسماعيل. وقالت طائفة من المسلمين وأهل الكتاب جميعا: انه اسحاق، فإن أقوال العرب في ذلك أثبت.
واستدل الفاكهي على ذلك بما معناه أنّ الله-تعالى-عبر عن قصة اسماعيل بقوله: ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾.وأخبر عن قصة إسحاق بقوله: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وان ذكر قصة اسحاق بعد القصة التي قبلها دليل على أن اسحاق غير الذبيح، وأن ذلك يتأيد بكون سارة بشّرت بإسحاق، ومن وراء إسحاق
стр. 1700
يعقوب، ويعقوب هو ابن اسحاق، والبشارة بيعقوب تقتضي حياة أبيه لتصحّ البشرى، فكيف يؤمر بذبح ابنه؟ (١).
ذكر
أن الذبيح هو اسماعيل-﵇ *-
١٣ - نقل الفاكهي ذلك من طريق: مجاهد عن ابن عبّاس، ومن طريق: عكرمة عن ابن عبّاس، ونقله عن مجاهد نفسه، وعن سعيد بن المسيّب، وعن سعيد بن جبير، عن أبي الخلد، وعن عبد الله بن سلام، ولفظه: كنا نقرأ في كتب اليهود أنه اسماعيل. ونقله أيضا عن محمد بن كعب القرظي، وعن سعيد بن جبير، وعن الحسن وذكر في ذلك شعرا لأمية بن أبي الصلت الثقفي حيث يقول:
ولابراهيم الموفي بالنذر ... احتسابا وحامل الأجزال
بكره لم يكن ليصبر عنه ... لو رآه في معشر اقبال
بينما يخلع السراويل عنه ... فكّه ربّه بكبش حلال
١٤ - ثم قال الفاكهي: قال ابن اسحاق في حديثه: فحقق قول أمية بن أبي الصلت في شعره أن الذي أمر بذبحه ابراهيم من ولده بكره، وبكره اسماعيل، وهو أكبر من إسحاق في علم الناس كلهم العرب من بني اسماعيل وأهل الكتاب (٢).
стр. 1701
ذكر
زواج اسماعيل امرأة من العماليق وأولاده منها *
١٥ - روى الفاكهي بسنده عن طريق الواقدي، عن أبي جهم بن حذيفة، قال: لما بلغ اسماعيل تزوّج امرأة من العماليق ابنة صدي قال: فجاء ابراهيم زائرا لاسماعيل، واسماعيل في ماشيته يرعاها ويخرج متنكّبا قوسه فيرمي الصيد مع رعيته، وكان يرعى بأعلى مكة السدر وما والاها، فجاء ابراهيم إلى منزله فقال: السلام عليكم يا أهل البيت. فسكتت فلم ترد عليه إلاّ أن تكون ردّت عليه في نفسها. فقال: هل من منزل؟ قالت: لاها الله إذن. قال:
كيف طعامكم ولبنكم وماشيتكم؟ قال: فذكرت جهدا، فقالت: أما الطعام، فلا طعام، وأما الشاة فلا تحلب الشاة بعد الشتاء المضير-قال الواقدي: المضير السحب-وأما الماء فعلى ما ترى من الغلظ.قال: فأين رب البيت؟ قالت في حاجته، قال: فإذا جاء فاقرئيه السلام وقولي: غيّر عتبة بيتك (١).
١٦ - ثم روى بإسناده عن عثمان بن عفّان أمير المؤمنين: أنه سئل متى نزل اسماعيل مكة؟ قال: فذكر نحو حديث أبي جهم الأول، إلاّ أنه قال: تزوّج اسماعيل امرأة منهم فولدت له عشرة ذكور (٢).
стр. 1702
ذكر
زواج اسماعيل ببنت مضاض
ابن عمرو الجرهمية *
١٧ - روى الفاكهي بسنده من طريق الواقدي، عن أبي جهم بن حذيفة، قال: وفيه نظر اسماعيل إلى بنت مضاض بن عمرو فأعجبته فخطبها من أبيها فتزوّجها، فجاء ابراهيم زائرا لاسماعيل، فجاء إلى بيت اسماعيل فسلّم عليه فقال: السلام عليكم يا أهل البيت، ورحمة الله، فقامت إليه المرأة فردّت إليه ورحبت به، فقال: كيف عيشكم ولبنكم وماشيتكم؟ قالت: خير عيش، نحمد الله، ونحن في لبن كثير، ولحم كثير، وماء وبلّ وصيب، قال: هل من حبّ؟ قالت: يكون-إن شاء الله-ونحن في نعم، قال:
بارك الله لكم-قال أبو جهم: فكان أبي يقول ليس أحد يخلو على اللحم والماء بغير مكة إلاّ اشتكى بطنه، ولعمري لو وجد عندها حبّا لدعى فيه بالبركة، وكانت أرض زرع-قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم واللبن.
قال: فما شرابكم؟ قالت: اللبن والماء، قال: بارك الله لكم في طعامكم، أو قال: في طعام وشراب، قالت: انزل رحمك الله فاطعم واشرب قال: إنّي لا أستطيع النزول. انتهى باختصار. ثم قال بعد غسلها لرأسه وهو راكب: فلما فرغت قال لها: إذا جاء اسماعيل قولي له: اثبت عتبة بيتك، فإنها صلاح المنزل (١).
стр. 1703
ذكر
أن اسماعيل أوّل من ذلّلت له الخيل العراب
وأنه أوّل من تكلم بالعربية *
١٨ - روى الفاكهي بسنده عن ابن عبّاس أن النبي ﷺ قال: «إنّ أباكم اسماعيل أول من ذلّلت له الخيل العراب فأعتقها وأورثكم حبّها».
١٩ - وروى الفاكهي عن محمد بن علي بن الحسين-يعني: الباقر-أنه سئل: أول من تكلّم بالعربية؟ فقال: اسماعيل بن ابراهيم النبي-﵉-وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة (١).
٢٠ - وروى الفاكهي بسنده عن ابن عبّاس قال: من الأنبياء خمسة من تكلم بالعربية، محمّد رسول الله ﷺ ، واسماعيل بن ابراهيم، وشعيب، وصالح، وهود، وسائرهم بالسريانية، ما خلا موسى، فإنه تكلم بالعبرانية، والعبرانية هي من السريانية وتكلم بها ابراهيم ثم اسحاق ثم يعقوب، فورثها ولده من بعده بنو اسرائيل فهي لغتهم، وبها قرأ موسى التوراة عليهم (٢).
ذكر
قدوم جرهم وقطورا إلى مكة ولغتهما *
٢١ - روى الفاكهي بسنده عن ابن اسحاق، من طريق عثمان بن ساج، ومن طريق زياد البكائي، عنه خبرا في قدوم جرهم وقطورا إلى مكة، وفيه:
وجرهم وقطورا أول من تكلم بالعربية منهم (٣).
стр. 1704
ذكر
اسم نبي الله اسماعيل *
٢٢ - روى الفاكهي بسنده عن حارثة بن مضرّب، عن علي، قال:
سمعت النبي ﷺ يذكر أن هاجر دعت اسماعيل هكذا: ياشمويل ياشمويل ثلاث مرات ومدّها (١).
ذكر
أن اسماعيل أبو العرب *
٢٣ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا ابراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن صالح، عن ثور بن زيد، عن مكحول، قال: قال رسول الله ﷺ : العرب بنو اسماعيل إلاّ أربعة قبائل:
السلف، والأوزاع، وحضرموت، وثقيف (٢).
стр. 1705
ذكر
أن النبوّة والملك إنما تكون في ذرية اسماعيل
إلى آخر الزمان *
٢٤ - حدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: أخبرنا الهيثم بن عدي، عن مجاهد، عن الشعبي، عن ابن عبّاس، قال: جاء اسماعيل إلى اسحق فطلب ميراثه من أبيه، فقال له اسحاق: أما رضيت أن تركناك وأمك لم نأخذ كما في الميراث. فآوى إلى جذم حائط كئيبا يبكي فأوحى الله- -إلى اسماعيل: مالك؟ قال: ما أنت أعلم به يا رب. قال الله-تعالى-:لا تبك يا اسماعيل فإنّي جاعل الملك والنبوّة في آخر الزمان في ولدك، وأجعل الذلّ والصغار في ولده إلى يوم القيامة (١).
ذكر
شيء من أخبار هاجر أم اسماعيل
﵉ *-
٢٥ - وسمعت من بعض من يروي العلم يقول: أوحي إلى ثلاث من النساء:
إلى مريم بنت عمران، وإلى أم موسى، وإلى هاجر أم اسماعيل-صلوات الله عليهم أجمعين- (٢).
стр. 1706
ذكر
أولاد اسماعيل
٢٦ - حدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا يعقوب بن محمد بن محمد ابن طلحة التيمي، عن عبد المجيد وعبد الرحمن بن سهيل، عن عبد الرحمن ابن عمرو العجلان، قال: سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: ولد اسماعيل اثني عشر رجلا، وأمهم بنت الحارث بن مضاض بن عمرو الجرهمي فأكبر أولاد اسماعيل نابت، وقيدر، والذيل، ومنشا، ومسمع، ودومها، وناس، وأدد، وصيبا، ومصور، وتيش، وقيدم، كلهم بنو اسماعيل، وكان عمر اسماعيل مائة وثلاثين سنة، فمن نابت وقيدار نشر الله العرب (١).
ذكر
شيء من خبر بني اسماعيل-﵇ -
٢٧ - وحدّثني الزبير بن أبي بكار، قال: وجدت في الكتاب الذي ذكر أنه من كتب عبد الحكيم بن أبي غمر: أن الله-تعالى-لما نشر ولد اسماعيل توالدوا وكثروا وضاقت عليهم مكة، واشتدت المعيشة بها عليهم، فجعلوا ينبسطون في الأرض وينتشرون، فخرج أهل القوة منهم يتخذون أموالا من الإبل والبقر والغنم يتطلّبون بها الرعي، فلا تلبث أموالهم أن تربو وتكثر، فجعل الناس يتداعون إلى ذلك رغبة فيه وكراهة أن يحدثوا في الحرم حدثا، يقولون:
نحن عباد الله وهذا بيته وحرمه، ومن أحدث فيه أخرج منه ولم يعد فيه،
стр. 1707
فيخرج إلى ظلّ الله ومظهر من حرمه ومن أحداثنا، فمن أحدث منا لم يحرم عليهم دخول الحرم ولا زيارة البيت. فلم يبرحوا يصنعون ذلك ويخرجون حتى ضاقت مكة وما يقيم بها أحد من ولد اسماعيل إلاّ متديّن حبس نفسه بجوار البيت وعمارته، أو مضعف لا مال له صبر على لأوائها وشدتها حسبة، أو خائف مستجير بالبيت والحرم فيأمن بذلك. وكان الناس إذ ذاك يدعون من أقام بها أهل الله، يقولون: هؤلاء أهل الله، أقاموا عنده بفناء بيته وحرمه وفي حرمته، من بين حابس له نفسه، أو صابر على لأوائها وشدّتها لوجهه (١).
ذكر
تبديل دين ابراهيم الخليل،
وأوّل من فعله وإنكار إلياس بن مضر
ابن نزار عليهم *
٢٨ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدّثنا سعيد بن سالم، قال: حدّثنا عثمان-يعني: ابن ساج-قال: أخبرني محمد بن اسحاق.
٢٩ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله البكائي [عن محمد] بن اسحاق-يزيد أحدهما على صاحبه في اللفظ -أن بني اسماعيل والعماليق من سكّان مكة ضاقت عليهم البلاد، فتفسحوا في البلاد، والتمسوا المعاش فخلف الخلوف بعد الخلوف، وتبدلوا بدين اسماعيل غيره، وسلخوا إلى عبادة الأوثان، فيزعمون أنّ أول ما كانت عبادة الأوثان أو الحجارة في بني
стр. 1708
اسماعيل أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن حين ضاقت عليهم، والتمسوا التفسح في البلاد، إلاّ احتملوا معهم من حجارة الحرم، تعظيما للحرم وصيانة لمكة والكعبة، فأينما حلّوا وضعوه، فطافوا به طوافهم بالكعبة، حتى سلخ ذلك بهم إلى أن كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم حتى خلف الخلوف ونسوا ما كانوا عليه، واستبدلوا بدين ابراهيم الخليل-﵇-غيره، وعبدوا الأوثان، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم قبلهم من الضلالة، وانتحوا ما كان يعبد قوم نوح منها على إرث ما كان بقي فيهم من ذكرها، وفيهم على ذلك بقايا من عهد ابراهيم واسماعيل يتمسكون بها من تعظيم البيت والطواف به، والحج والعمرة، والوقوف على عرفة، ومزدلفة، وهدي البدن، وإهلال الحج والعمرة، مع إدخالهم فيه ما ليس فيه [حتى كان فيهم إلياس بن مضر ابن نزار، فأنكر على بني اسماعيل ما غيّروا من دين آبائهم، وبان فضله فيهم حتى جمعهم على رأيه، ورضوا به رضى ما لم يرضوه من أحد من ولد اسماعيل بعد أدد، فردّهم إلى دين آبائهم حتى رجعت سنته تامة، وهو أول من أهدى البدن إلى البيت، وهو أول من وضع الركن الأسود بعد ذهابه في الطوفان وانهدامه زمن نوح-﵇-فكان أول من ظفر به الياس، فوضعه في زاوية البيت، وكانت العرب تعظم الياس تعظيم أهل الحكمة لقمان وأشباهه].
وكان أول من غير دين اسماعيل-﵇-ونصب الأوثان، وسيب السائبة، وبحر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، عمرو بن لحيّ ابن قمعة بن خندف، جدّ خزاعة، إلا أنهم من ولد عمرو بن عامر بن غسّان (١).
стр. 1709
ذكر
أول نبيّ من ولد اسماعيل-﵈ *-
٣٠ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، قال ابن إسحاق: يقال: إنّ أول نبي كان بين ولد اسماعيل الحارث، كان بين سعد العشيرة وبين معد، ويقال: كانوا يسمعون أنّ دعوة ابراهيم لولد اسماعيل في معد بن عدنان لسعد العشيرة، وهم أخرجوا من اليمن إلى أرض نجد، إلاّ أن كنانة أقامت بهذا الحرم، وانما اقتتلوا على المياه، فقال عامر بن الظرب العدواني في حرب معه، وسعد العشيرة، يذكر قرابتهم وفضل معد فيهم وينتمي إلى عوف من البيت (١) على صلة معد:
أبونا مالك والصلب زيد ... معدّ ابنه خير البنينا
أتاهم من ذوي شمران آت ... فظلّت حولها أمد السنينا
فيا عوف بن بيت (٢) ... يا لعوف
وهل عوف لتصبح موعدينا
فلا تعصوا معدّا ان فيها ... بلاد الله والبيت الكمينا
وشمران من اليمن (٣).
ذكر
خبر وفد عاد إلى مكة
٣١ - ذكر الفاكهي في خبر وفد عاد للاستسقاء لقومهم بسبب جدب بلادهم، أنهم نزلوا على بكر بن معاوية سيّد العماليق يومئذ بمكة، فأقاموا
стр. 1710
عنده شهرا يسقيهم الخمر، ويطعمهم اللحم، وتغنيهم الجرادتان، فلهوا عمّا جاؤوا له، واستحيا بكر من مشافهتهم بذلك، فعمل شعرا غنتهم به الجراداتان، فأفاقوا من غفلتهم، فنهضوا فلما رآهم بكر بن معاوية قال لهم:
اعلوا هذا الجبل-يعني: أبا قبيس-فإنه لم يعله خاطئ يعرف الله-تعالى- منه إلاّ أجابه إلى ما دعاه إليه. وذكر بقية الخبر في دعاء كل من الوفد واستجابة دعائه (١).
ذكر
لماذا سمّي العماليق ب «العماليق» *
٣٢ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي العائذي، قال: حدّثنا سعيد بن سالم القدّاح، قال: قال عثمان بن ساج: أخبرنا محمد بن اسحاق، قال:
كان البيت في زمن هود معروفا، والحرم قائم فيما يذكرون، والله أعلم. وأهل مكة يومئذ العماليق، وانما سمّوا العماليق لأن أباهم عملاق بن لاوذ بن سام ابن نوح، وكان سيّد العماليق فيما يزعمون يومئذ رجل يقال له: بكر بن معاوية، وهو الذي نزل عليه وفد عامر حين بعثوا إلى مكة يستسقون (٢).
стр. 1711
ذكر
بناء العماليق للبيت
٣٣ - وحدّثنا حسين بن حسن، قال: حدّثنا عمرو بن عثمان، قال: حدّثنا موسى بن أعين، عن اسرائيل، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عمر، عن علي بن أبي طالب، قال: أول من بنى البيت ابراهيم، ثم هدم، فبنته جرهم، ثم هدم البيت، فبنته العماليق، ثم هدم فبنته قريش (١).
ذكر
شيء من أخبار العماليق
٣٤ - وحدّثنا محمد بن علي المروزي، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال: قال ابن اسحاق: فحدّثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حصن، عن عروة بن الزبير، قال: كانت الحجاز أسحر أرض الله وأكثرها ماء، وانّما كانت الخرق مظلة عليها. قال يقول عروة: لقد بلغني أن العماليق تسرح بها في الغداة الواحدة ألفي ناضح، بين أحمر وجون (٢).
٣٥ - وعن أبي الجهم بن حذيفة: أن جبريل-﵇-كان لا يمرّ بقرية إلاّ قال له ابراهيم: بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول له جبريل: لا، حتى مرّ به على مكة، وهي إذ ذاك عضاه وسلم. والعماليق يومئذ حول الحرم وهم يكونون بعرنة، وهم أول من نزل حول مكة، وكانت المياه يومئذ قليلة (٣).
стр. 1712
ذكر
نسب جرهم
٣٦ - وحدّثني حسن بن حسين أبو سعيد، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي، عن أبي المقوّم الأنصاري-واسمه: يحيى بن ثعلبة-،عن الكلبي، عن أبي صالح، قال: كنا عند ابن عبّاس فذكرنا جرهما، فقال ابن عبّاس: كان الملك من الملائكة إذا أذنب ذنبا عظيما أهبط إلى الهوى، ونزعت منه روحانية الملائكة، وجعل في خلق ابن آدم، فأذنب ملك من الملائكة يقال له: عرعرا-أو نحوها-ذنبا فكان في الهوى، ثم هبط مكة، فتزوّج امرأة من العماليق فولدت له جرهما، فذلك قول الحارث بن مضاض الجرهمي:
اللهم إنّ جرهما عبادك ... الناس طرف وهم قلادك (١)
ذكر
أن جرهما كان في السفينة مع نوح
﵇ -
٣٧ - عن ابن عبّاس أنه قال: كان في السفينة ثمانون إنسانا وفيهم جرهم (٢).
стр. 1713
ذكر
السبب في خروج جرهم من مكة
٣٨ - قال الفاكهي: ويقال في رواية أبي عمرو الشيباني: إن حجابة البيت صارت إلى خزاعة، لأن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوّج فهيرة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، فولدت له عمرو بن ربيعة، فلما شبّ وساد وشرف طلب حجابة البيت، فعند ذلك نشب القتال بينهم وبين جرهم.
ثم قال بعد أن ذكر شيئا من خبر عمرو وأولاده: وكانت بينهم حرب طويلة وقتال شديد، ثم إنّ خزاعة غلبوا جرهما على البيت، وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم فهلكوا فيه.
وفي هذا الخبر شيء من جرهم، لأن فيه: وذكروا-والله أعلم-أن اسافا كان رجلا من بني قطورا أخذ امرأة من جرهم يقال لها نائلة، ففجر بها في الكعبة، فمسخهما الله حجرين، فغضب عمرو من ذلك فأخرج بني مضاض وكانوا أخواله، وكانوا أخرجوهم خروجا من مكة فلحقوا باليمن، فتفرقوا في القبائل، فقال بكر بن غالب بن الحارث بن مضاض:
وأخرجنا عمرو سواها لبلدة ... بها الذئب تعوي والعدوّ المحاصر
وقال أيضا:
وكنا ولاة البيت والقاطن الذي ... إليه يوفي نذره كلّ محرم
سكنا بها قبل الظباء وراثة ... ورثنا بني حي بن نبت بن جرهم
فأزعجنا منه وكنا عقيلة ... قبائل من كعب وعوف وأسلم (١)
стр. 1714
ذكر
سبب آخر في خروج جرهم من مكة *
٣٩ - وحدّثني حسن بن حسين، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، قال: ذكر ابن الكلبي أن الله-تعالى-سلّط على الذين يلون البيت من جرهم دواب شبيهة بالنغف، فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب، حتى جلوا عن مكة إلى إضم (١).
ذكر
فناء جرهم بالنمل *
٤٠ - حدّثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي، قال: بينما الناس سمّار حول الكعبة إذا هم بخلق يطوف بها يداري رأسه بها، فأجفل الناس هاربين، فناداهم لا تراعوا، فأقبلوا إليه وهو يقول:
لا همّ ربّ البيت ذي المناكب
ثم يقول بعد أن ذكر شعرا زيادة على ما ذكرناه قال: فنظروا فإذا هو امرأة، فقالوا: ما أنت؟ إنسية أم جنية؟ قالت: بل إنسية من جرهم.
ثم قالت: من ينحر لي كل يوم جزورا، ويعد لي زادا وبعيرا، ويبلغني بلاد الغور أعطيه مالا كثيرا. قال: فانتدب لها رجلان من جهينة، فسارا بها أياما وليالي حتى انتهيا إلى جبل جهينة، فأتت على قرية نمل وذرّ، وقالت: يا
стр. 1715
هذان ههنا هلك قومي، فاحتفروا هذا المكان، فاحتفروا عن مال كثير من ذهب وفضة، فأوقرا بعيرهما، وقالت لهما: إيّاكما أن تلتفتا فيختلس ما معكما، وأقبل الذر حتى غشيها، فمضينا غير بعيد، ثم التفتنا فاختلس ما كان احتملا، فنادياها: هل من ماء؟ قالت: نعم في موضع هذه الهضبات، وقالت وقد غشيها الذر:
يا ويلي يا ويلي من أجلي ... أرى صغار الذر يبغي هبلي
سلطن نفرين على محملي ... لما رأيت أنه لا بدّ لي
من منعة أحرز فيها معقلي
ودخل الذر منخريها ومسمعيها، فخرت تشهق، فهلكت. ووجد الجهينيان الماء حيث قالت، الماء يقال له: مسخى، وهو بناحية فرس حلل إلى جانب مشعر، فهو اليوم لجهينة (١).
ذكر
بعض شعر الحارث بن مضاض الجرهمي *
٤١ - وقال الحارث بن مضاض-يعني: بكرا وغبشان وساكن مكة الذين خلفوا فيها بعدهم-:
يا أيها الناس سيروا ان قصركم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطيّ وأرخوا من أزمّتها ... قبل الممات وقضّوا ما تقضونا
قضوا أموركم بالحزم إن له ... أمرا رشيدا وراء الحزم مأمونا
[ما] إن عمرنا بدهر كان يعجبنا ... حتى أتانا زمان أظهر الهونا (١)
стр. 1716
٤٢ - وقال أيضا يعظ بكرا وغبشان حيث تهيئوا لقتال جرهم، ويعظّم عليهم القتال في الحرم، ويحذرهم الهلاك إن هم فعلوا ذلك، أوّله:
نعوذ برب الناس من كل ظالم ... بغى من كعب الملوك وجرهم
وقال أيضا في شأن بكر وغبشان حين أخرجوا من مكة، وأوله:
لقد نهضت بكر وغبشان كلّها ... تريد تسامي جرهما في فعالها (١)
ذكر
من بقي من جرهم *
٤٣ - وحدّثني الزبير بن بكار قال: حدّثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى عن ابن شهاب، قال: هلكت جرهم فلم يبق منها غير حيّ في بني ملكان، وهم قليل، وآخرون في بني الجون.
ذكر
شيء من خبر عمرو بن الحارث بن
مضاض الجرهمي وطول حياته
٤٤ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز الزهري، عن أبيه، قال: حدّثني سعد بن ابراهيم، عن أبي سلمة
стр. 1717
ابن عبد الرحمن، أن أبا سلمة بن عبد الأسد خرج في ناس من قريش نحو اليمن قال: وأخطأوا الطريق، فأصابهم عطش شديد، قال: فقال أبو سلمة ابن عبد الأسد لمن معه من قريش: أي قوم، أطيعوني فإنّ ناقتي عارفة بالطريق، قالوا: فإنا نطيعك. قال: فخلى عن رأس ناقته، فساروا يومهم وليلتهم حتى كان عند الصبح فإذا الناقة قد بركت، قال أبو سلمة: ما بركت إلاّ على ماء، قال: فنزلوا فإذا هم ببعر الغنم، فما كان بأسرع من أن انفجر الفجر، فنظروا فإذا بئر، وعلى رأس البئر رجل طويل لم ير مثله، فتقدموا إليه، فقال الرجل: ممن القوم؟ فقلنا: من قريش، فقال: من أي قريش؟ قلنا: من بني مخزوم. قال: فسعى فأتى شجرة طويلة، فإذا قفة معلقة في الشجرة فمدّ يده فأنزل القفة وفتح رأسها، فإذا شيخ فيها، فرفع حاجبيه ثم قال: أبت، ثلاث مرات قال: ففتح عينيه، فقال: ما تشاء؟ قال: هؤلاء قوم من قريش، قال: ادعهم إليّ، فجاءوا، فقال: تقدموا إلى الشيخ، فتقدّمنا إليه، ففعل به مثل فعله الأول ثلاث مرات، ففتح عينيه، فقال: ما أنت؟ قال: هؤلاء قوم من قريش، فقال: من أي قريش أنتم؟ قال أبو سلمة: فقلت: من بني مخزوم، فقال: ها أنا ومخزوم، فقال: هل تعرفون لم سمّيت أجياد أجيادا؟ قلنا: لا. قال: لأنها جادت فيها الخيل، ثم قال: لم سميت قعيقعان قعيقعان؟ قلنا: لا. قال: لأنها تقعقعت فيها السيوف، ثم أنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... كروب الليالي والجدود العواثر
فهل فرح يأتي بشيء تريده ... وهل جزع ينجيك مما تحاذر؟
يا ابن أخي أتدري لم سميت قعيقعان باسمها؟ قلت: لا. قال: خرج القوم
стр. 1718
علينا منها عليهم السلاح تقعقع فسمّيت بقعيقعان. أتدري يا ابن أخي لم سميت أجياد أجيادا؟ قلت: لا، قال: جادت بالدماء، فسميت أجيادا (١).
ذكر
ولاية إياد بن نزار البيت وحجابتهم إياه
وتفسير ذلك
٤٥ - حدّثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، قال: قال عيسى بن بكر الكناني: ثم وليت حجابة البيت إياد، فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له: وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد، فبنى صرحا بأسفل مكة عند سوق الخياطين اليوم، وجعل فيه أمة يقال لها الحزورة، فيها سميت حزورة مكة، وجعل فيه سلّما، وكان يرقاه، ويقول بزعمه إنه يناجي الله-تعالى-وكان ينطق بكثير من الخير يقوله، وقد أكثر فيه علماء العرب فكان أكثر من قال فيه أن قال: إنه كان صدّيقا من الصدّيقين، وكان يتكّهن، ويقول مرضعة فاطمة ووادعة وقاطعة والقطيعة، والفجيعة وصلة الرّحم، وحسن الكلم، يقول: ربّكم ليجزين بالخير ثوابا، وبالشر عقابا، وكان يقول: من في الأرض عبيد لمن في السماء، هلكت جرهم وأزيلت إياد، وكذلك الصلاح والفساد. حتى إذا حضرته الوفاة جمع إيادا، فقال: اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان، والأمر بعد البيان: من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلّقة برجليها. فكان أول من قالها، فأرسلها مثلا، فمات وكيع، فنعى على رؤوس الجبال، فقال بشر بن الحجر:
стр. 1719
ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلّم
ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان النخاع على جرهم
ثم قال: وقامت نائحة وكيع على أبي قبيس، فقالت:
ألا هلك الوكيع أخو إياد ... سلام المرسلين على وكيع
مناجي الله مات فلا خلود ... وكل شريف قوم في وضيع
ثم إنّ مضر أديلت بعد إياد، وكان أول من ديل منها عدوان وفهم وأن رجلا من إياد ورجلا من مضر خرجا يصيدان، فمرّت بهما أرنب فاكتنفا بها يرميانها، فرماها الإيادي، فنزل سهم، فنظم قلب المضري فقتله، فبلغ الخبر مضر، فاستغاثت بفهم وعدوان يطلبون لهم قود صاحبهم، فقالوا: انما أخطأه، فأبت فهم وعدوان إلا قتله فتناوش الناس بينهم بالمدوّر، وهو مكان، فسمّت مضر من إياد ظفرا فقالت لهم إياد: أجّلونا ثلاثا فلن نساعيكم أرضكم، فأجلوهم ثلاثا، فظعنوا قبل المشرق، فلما ساروا يوما أتبعتهم فهم وعدوان حتى أدركوهم، فقالوا: ردّوا علينا نساء مضر المتزوّجات فيكم، فقالوا: لا تقطعوا قرابتنا، اعرضوا على النساء، فأية امرأة اختارت قومها رددتموها، وإن أحبّت الذهاب مع زوجها أعرضتم لنا عنها، قالوا: نعم، فكان أول من اختار أهله امرأة من خزاعة.
٤٦ - فحدّثنا الزبير بن بكار، قال: لما هلك وكيع الإيادي واتضعت إياد، وهي إذ ذاك تلي أمر بيت الله الحرام، وقاتلوهم وأخرجوهم وأجلوهم ثلاثا يخرجون عنهم، فلما كانت الليلة الثانية حسدوا مضر أن تلي الركن الأسود، فحملوه على بعير، فبرك فلم يقم، فغيّروه، فلم يحملوه على شيء إلاّ رزح وسقط،فلما رأوا ذلك بحثوا له تحت شجرة فدفنوه، ثم ارتحلوا من ليلتهم،
стр. 1720
فلما كان بعد يومين افتقدت مضر الركن، فعظم في أنفسها، وقد كانت شرطت على إياد كل متزوجة فيهم، فكانت امرأة من خزاعة فيما يقولون، يقال لها: قدامة. متزوجة في إياد، وخزاعة إذ ذاك فيما يزعمون-والله أعلم- ينتسبون لبني عمرو بن لحي بن قمعة بن الياس بن مضر، فأبصرت إيادا حين دفنت الركن.
-اجتمع الزبير والكلبي وحديثهما كل واحد منهم بنحو من حديث صاحبه-فقالت لقومها حين رأت مشقة ذهاب الركن إلى مضر: خذوا عليهم أو يولوكم حجابة البيت وأدلكم على الركن، فأخذوا بذلك عليهم، فوليتها خزاعة على العهد والميثاق الذي كان. فهذا سبب ولايتهم البيت. وقال الكلبي في حديثه: فقالوا لهم إن دللناكم على الركن. أتجعلونا ولاة؟ قالوا: نعم.
وقالت مضر جميعا: نعم، فدلتهم عليه. فأعادوه في مكانه وولّوه فلم يبرح في أيدي خزاعة حتى قدم قصي مضر، فكان من أمره الذي كان (١).
وكان العدد والشرف من بني نزار بن معد في إياد، قال: فلم يزالوا كذلك حتى بغوا على مضر وربيعة، فأهلكهم الله-تعالى-فكانوا أول من أهلكهم بعد ابن آدم. سلّط الله- -عليهم النخاع وجعل الشرف والعدد والملك والنبوّة في مضر، فدخلوا إلى أرض العراق (٢).