٤٢ - وقال أيضا يعظ بكرا وغبشان حيث تهيئوا لقتال جرهم، ويعظّم عليهم القتال في الحرم، ويحذرهم الهلاك إن هم فعلوا ذلك، أوّله:
نعوذ برب الناس من كل ظالم ... بغى من كعب الملوك وجرهم
وقال أيضا في شأن بكر وغبشان حين أخرجوا من مكة، وأوله:
لقد نهضت بكر وغبشان كلّها ... تريد تسامي جرهما في فعالها (١)
ذكر
من بقي من جرهم *
٤٣ - وحدّثني الزبير بن بكار قال: حدّثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى عن ابن شهاب، قال: هلكت جرهم فلم يبق منها غير حيّ في بني ملكان، وهم قليل، وآخرون في بني الجون.
ذكر
شيء من خبر عمرو بن الحارث بن
مضاض الجرهمي وطول حياته
٤٤ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز الزهري، عن أبيه، قال: حدّثني سعد بن ابراهيم، عن أبي سلمة
стр. 1717
ابن عبد الرحمن، أن أبا سلمة بن عبد الأسد خرج في ناس من قريش نحو اليمن قال: وأخطأوا الطريق، فأصابهم عطش شديد، قال: فقال أبو سلمة ابن عبد الأسد لمن معه من قريش: أي قوم، أطيعوني فإنّ ناقتي عارفة بالطريق، قالوا: فإنا نطيعك. قال: فخلى عن رأس ناقته، فساروا يومهم وليلتهم حتى كان عند الصبح فإذا الناقة قد بركت، قال أبو سلمة: ما بركت إلاّ على ماء، قال: فنزلوا فإذا هم ببعر الغنم، فما كان بأسرع من أن انفجر الفجر، فنظروا فإذا بئر، وعلى رأس البئر رجل طويل لم ير مثله، فتقدموا إليه، فقال الرجل: ممن القوم؟ فقلنا: من قريش، فقال: من أي قريش؟ قلنا: من بني مخزوم. قال: فسعى فأتى شجرة طويلة، فإذا قفة معلقة في الشجرة فمدّ يده فأنزل القفة وفتح رأسها، فإذا شيخ فيها، فرفع حاجبيه ثم قال: أبت، ثلاث مرات قال: ففتح عينيه، فقال: ما تشاء؟ قال: هؤلاء قوم من قريش، قال: ادعهم إليّ، فجاءوا، فقال: تقدموا إلى الشيخ، فتقدّمنا إليه، ففعل به مثل فعله الأول ثلاث مرات، ففتح عينيه، فقال: ما أنت؟ قال: هؤلاء قوم من قريش، فقال: من أي قريش أنتم؟ قال أبو سلمة: فقلت: من بني مخزوم، فقال: ها أنا ومخزوم، فقال: هل تعرفون لم سمّيت أجياد أجيادا؟ قلنا: لا. قال: لأنها جادت فيها الخيل، ثم قال: لم سميت قعيقعان قعيقعان؟ قلنا: لا. قال: لأنها تقعقعت فيها السيوف، ثم أنشأ يقول:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... كروب الليالي والجدود العواثر
فهل فرح يأتي بشيء تريده ... وهل جزع ينجيك مما تحاذر؟
يا ابن أخي أتدري لم سميت قعيقعان باسمها؟ قلت: لا. قال: خرج القوم
стр. 1718
علينا منها عليهم السلاح تقعقع فسمّيت بقعيقعان. أتدري يا ابن أخي لم سميت أجياد أجيادا؟ قلت: لا، قال: جادت بالدماء، فسميت أجيادا (١).
ذكر
ولاية إياد بن نزار البيت وحجابتهم إياه
وتفسير ذلك
٤٥ - حدّثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، قال: قال عيسى بن بكر الكناني: ثم وليت حجابة البيت إياد، فكان أمر البيت إلى رجل منهم يقال له: وكيع بن سلمة بن زهير بن إياد، فبنى صرحا بأسفل مكة عند سوق الخياطين اليوم، وجعل فيه أمة يقال لها الحزورة، فيها سميت حزورة مكة، وجعل فيه سلّما، وكان يرقاه، ويقول بزعمه إنه يناجي الله-تعالى-وكان ينطق بكثير من الخير يقوله، وقد أكثر فيه علماء العرب فكان أكثر من قال فيه أن قال: إنه كان صدّيقا من الصدّيقين، وكان يتكّهن، ويقول مرضعة فاطمة ووادعة وقاطعة والقطيعة، والفجيعة وصلة الرّحم، وحسن الكلم، يقول: ربّكم ليجزين بالخير ثوابا، وبالشر عقابا، وكان يقول: من في الأرض عبيد لمن في السماء، هلكت جرهم وأزيلت إياد، وكذلك الصلاح والفساد. حتى إذا حضرته الوفاة جمع إيادا، فقال: اسمعوا وصيتي: الكلام كلمتان، والأمر بعد البيان: من رشد فاتبعوه، ومن غوى فارفضوه، وكل شاة معلّقة برجليها. فكان أول من قالها، فأرسلها مثلا، فمات وكيع، فنعى على رؤوس الجبال، فقال بشر بن الحجر:
стр. 1719
ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلّم
ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان النخاع على جرهم
ثم قال: وقامت نائحة وكيع على أبي قبيس، فقالت:
ألا هلك الوكيع أخو إياد ... سلام المرسلين على وكيع
مناجي الله مات فلا خلود ... وكل شريف قوم في وضيع
ثم إنّ مضر أديلت بعد إياد، وكان أول من ديل منها عدوان وفهم وأن رجلا من إياد ورجلا من مضر خرجا يصيدان، فمرّت بهما أرنب فاكتنفا بها يرميانها، فرماها الإيادي، فنزل سهم، فنظم قلب المضري فقتله، فبلغ الخبر مضر، فاستغاثت بفهم وعدوان يطلبون لهم قود صاحبهم، فقالوا: انما أخطأه، فأبت فهم وعدوان إلا قتله فتناوش الناس بينهم بالمدوّر، وهو مكان، فسمّت مضر من إياد ظفرا فقالت لهم إياد: أجّلونا ثلاثا فلن نساعيكم أرضكم، فأجلوهم ثلاثا، فظعنوا قبل المشرق، فلما ساروا يوما أتبعتهم فهم وعدوان حتى أدركوهم، فقالوا: ردّوا علينا نساء مضر المتزوّجات فيكم، فقالوا: لا تقطعوا قرابتنا، اعرضوا على النساء، فأية امرأة اختارت قومها رددتموها، وإن أحبّت الذهاب مع زوجها أعرضتم لنا عنها، قالوا: نعم، فكان أول من اختار أهله امرأة من خزاعة.
٤٦ - فحدّثنا الزبير بن بكار، قال: لما هلك وكيع الإيادي واتضعت إياد، وهي إذ ذاك تلي أمر بيت الله الحرام، وقاتلوهم وأخرجوهم وأجلوهم ثلاثا يخرجون عنهم، فلما كانت الليلة الثانية حسدوا مضر أن تلي الركن الأسود، فحملوه على بعير، فبرك فلم يقم، فغيّروه، فلم يحملوه على شيء إلاّ رزح وسقط،فلما رأوا ذلك بحثوا له تحت شجرة فدفنوه، ثم ارتحلوا من ليلتهم،
стр. 1720
فلما كان بعد يومين افتقدت مضر الركن، فعظم في أنفسها، وقد كانت شرطت على إياد كل متزوجة فيهم، فكانت امرأة من خزاعة فيما يقولون، يقال لها: قدامة. متزوجة في إياد، وخزاعة إذ ذاك فيما يزعمون-والله أعلم- ينتسبون لبني عمرو بن لحي بن قمعة بن الياس بن مضر، فأبصرت إيادا حين دفنت الركن.
-اجتمع الزبير والكلبي وحديثهما كل واحد منهم بنحو من حديث صاحبه-فقالت لقومها حين رأت مشقة ذهاب الركن إلى مضر: خذوا عليهم أو يولوكم حجابة البيت وأدلكم على الركن، فأخذوا بذلك عليهم، فوليتها خزاعة على العهد والميثاق الذي كان. فهذا سبب ولايتهم البيت. وقال الكلبي في حديثه: فقالوا لهم إن دللناكم على الركن. أتجعلونا ولاة؟ قالوا: نعم.
وقالت مضر جميعا: نعم، فدلتهم عليه. فأعادوه في مكانه وولّوه فلم يبرح في أيدي خزاعة حتى قدم قصي مضر، فكان من أمره الذي كان (١).
وكان العدد والشرف من بني نزار بن معد في إياد، قال: فلم يزالوا كذلك حتى بغوا على مضر وربيعة، فأهلكهم الله-تعالى-فكانوا أول من أهلكهم بعد ابن آدم. سلّط الله- -عليهم النخاع وجعل الشرف والعدد والملك والنبوّة في مضر، فدخلوا إلى أرض العراق (٢).
стр. 1721
ذكر
أولاد نزار بن معد بن عدنان
وشيء من خبرهم *
٤٧ - وحدّثني حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا علي بن الصبّاح ومحمد بن حبيب، ومحمد بن سهل، قالوا: حدّثنا ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن معاوية بن عميرة بن منجوس الكندي، عن ابن عبّاس قال:
ولد نزار بن معد بن عدنان أربعة: مضر، وربيعة، وإيادا، وأنمارا، وأمّ مضر وإياد سودة بنت عك، وأمّ ربيعة وأنمار الجدلة بنت وعلان بن جوشم بن جلهمة بن جرهم، فلما حضر نزارا الموت جمع بنيه هؤلاء الأربعة فقال: أي بني هذه القبّة الحمراء، وهي من أدم، وما أشبهها من المال فلمضر، وهذه البدرة والمجلس فلأنمار، وهذا الفرس الأدهم والخباء الأسود وما أشبهها من مالي فلربيعة، وهذا الخادم-وكانت شمطاء-وما أشبهها من مالي فلاياد، وان أشكل عليكم كيف تقتسمون، فأتوا الأفعي الجرهمي ومنزله بنجران، وان أنتم رضيتم-وهنا قد خفت صوته إذ لم يسمع الصوت فألمع-ثم مات، فتشاجروا في ميراثه ولم يهتدوا إلى القسم، فتوجّهوا إلى الأفعي يريدونه، وهو بنجران، فرأى مضر أثر بعير قد رعى فقال: إن الذي رعى هذا الموضع لبعير أعور، فقال ربيعة: إنه لأزور، فقال إياد: إنه لأبتر. فقال أنمار: إنه لشرود. فساروا قليلا، فإذا برجل يوضع على جمله، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: أزور؟ قال: نعم، قال إياد: أبتر، قال نعم. قال أنمار: شرود؟ قال نعم. فسألهم عن البعير. وقال:
стр. 1722
هذه صفة بعيري، فدخلوا نجران. فقال صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري وصفوا لي صفته، وقالوا: لم نره. فاختصموا إلى الأفعي، وهو يومئذ حكم العرب، فأخبروه بقولهم، فحلفوا له ما رأوه. فقال الرجل: نعتوا لي صفة بعيري. قال الأفعي لمضر: كيف عرفت أنه أعور؟ قال: إنه رعى جانبا وترك جانبا، فعرفت أنه أعور. فقال لربيعة: كيف عرفت أنه أزور؟ قال: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر، والأخرى فاسدة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه. فقال لإياد: كيف عرفت أنه أبتر؟ قال: باجتماع بعره، ولو كان ذيالا لمصع به. فقال لأنمار: كيف عرفت أنه شرود؟ قال: انه رعى في المكان المكليء ولم يجزه إلى مكان أغزر منه نبتا. فقال للرجل: ليسوا بأصحاب بعيرك فاطلبه. ثم سألهم من أنتم؟ فأخبروه، فرحّب بهم، وأخبروه ما جاء بهم.
فقال: تحتاجون إليّ وأنتم كما قد أرى؟ فذبح لهم وأقاموا عنده، ثم قام إلى خازن له يستحثه بالطعام، ثم جلس معهم، ثم أكلوا وشربوا، وتنحّى عنهم الأفعي حيث لا يرى وهو يسمع كلامهم. فقال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أطيب منه، لولا أن شاته غذيت بلبن كلبة. فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا، لولا، أن حبلته نبتت على قبر. فقال اياد: لم أر كاليوم رجلا أسرى، لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعي إليه. فقال أنمار: لم أر كاليوم كاملا أنفع في حاجتنا، وكان كلامهم بأذنه، فقال: ما هؤلاء إلاّ شياطين. فدعا القهرمان فقال:
أخبرني خبر هذه الكرمة، فقال: إن حبلته غرستها على قبر أبيك، وسأل الراعي عن العناق فقال: هي عناق أرضعتها بلبن كلبة. ولم يكن ولد في الغنم غيرها وماتت أمها، ثم أتى أمه فقال: اصدقيني من أبي، فأخبرته أنها كانت تحت ملك كثير المال، لا يولد له، فخفت أن يموت ولا يولد له، فمر بي رجل فوقع علي، وكان نازلا عليه، فولدت. فرجع إليهم وقال: قصوا عليّ قصتكم، فقال: ما أشبه القبة الحمراء من مال فلمضر. فذهب بالدنانير
стр. 1723
والإبل، فسمّيت مضر الحمراء. وأما صاحب الخباء الأسود فله كل أسود، فأخذ ربيعة الفرس وما أشبهه. وكان الفرس أدهم فسميت ربيعة الفرس. وأما الدراهم والأرض فلأنمار. وذهب إياد بالخيل البلق والغنم والنعم، فانصرفوا من عنده، فقال الأفعي: مساعدة الخاطل تعدّ من الباطل، وان العصا من العصية، وان خشينا من أخشن (١).
ذكر
من ولي مكة من مضر بن نزار قديما
وتفسير أمورهم
٤٨ - حدّثنا أحمد بن حميد الأنصاري، قال: حدّثني محمد بن زكريا، قال: حدّثنا العبّاس بن بكار، قال: حدّثنا الفضيل بن محمد، قال: كان محلّم بن سويد الرئيس الأول ظننا أول من رأس معدا، وكانت معدّ قبل ذلك تسترضي رأيه جماعة رحل (٢) رجل، فكان أول من قاد معه ميمنة وميسرة ولواء، وفي ذلك يقول الفرزدق:
زيد الفوارس وابن زيد منهم ... وأبو قبيصة والرئيس الأول
أما قوله: ابن زيد، فهو حصين بن زيد بن صباح الضبّي، وهو الذي قال:
أوصى أبونا ضبّة الملقى ... سيف سليمان الذي يبقى
إنّ على كل رئيس حقا ... أن يخضب القناة أو تندقا
стр. 1724
قال: وكان ضبّة ينزل مكة، وكان قد ولي الحجاز واليمن لسليمان بن داود ﵉-وفي ذلك يقول الشاعر:
ضبّة ربّ الحجاز ... نجبي إليه أتاواتها
من كل ذي إبل ناقة ... ومن كل ذي غنم شاتها
وكان البيت في ضبة من مضر، فلما أن مات صار البيت من مضر في سعد بن ضبة، فلما مات صار البيت في أسد بن خزيمة، فكان سادن الكعبة.
٤٩ - فحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا الوليد بن عطاء المكي، عن أبي صفوان، عن عبد الملك بن عبد العزيز، عن عكرمة، عن ابن عبّاس-﵄-قال: أسد بن خزيمة خازن الكعبة في الزمن الأول.
٥٠ - وحدّثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: حدّثني موسى بن صالح بن شيخ بن عميرة قال: حدّثني أبي قال: قال لي أبو جعفر المنصور: يا شيخ أين قبر جدّك؟ قلت بخرمان. قال: فقال لي: لا، هو هذا. وهو على أبي قبيس انه كان من الفريقين عظيما يعني أسد بن خزيمة.
ثم رجعنا إلى حديث الأنصاري، قال: فلما مات صار البيت في تميم، فلما مات صارت الرياسة إلى ابنه عمرو بن تميم، ثم صار البيت في أسيد بن عمرو، فلما مات أسيد صارت مضر لا رأس لها، حتى نشأ أبو الخفاد الأسدي، وكان من المعمرين، عاش دهرا طويلا، وفيه يقول ربيعة أبو لبيد الجعفري:
стр. 1725
أبو الخفاد إقبال الكبر ... فالدهر صرفان فسد مضر
في الدهر ان يحيى لك ... من قيس عيلان وأحياء أخر
وكان الذي يسعى لأبي الخفاد في جميع صدقاته الحارث بن عمرو بن تميم، فكان إذا نزل بقوم لم يبرح حتى يأكل من طعامهم، فأكثر يوما من ذلك، فعظم بطنه، فسمّوه الحارث الحنط وهو أبو الحنطات، فلما مات أبو الخفاد صار البيت في بني جمعان بن سعد، ثم تحوّل البيت بعد الجمانيين إلى الأضبط بن تريع، ثم تحوّل البيت إلى بني حنظلة بن دارم بن حنظلة، وضرب عليهم القبة الحمراء، وهي قبة مضر الحمراء، وبها سميت مضر الحمراء، فلما مات صارت إلى ابنه حاجب بن زرارة، وكان الحاجب والنباش إبنا زرارة من أشرف بني تميم وذوي القدر بمكة.
٥١ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن ثور بن يزيد، قال: تزوج رجل امرأة على عهد النبي ﷺ فلامه أخ له، فذكر منها صلاحا، فقال النبي ﷺ : ما عليك إلاّ أن تكون تزوجت ابنة حاجب ابن زرارة، إن الله- -جاء بالإسلام، فسوّى بين الناس ولا لوم على مسلم.
٥٢ - وحدّثنا الزبير بن بكار، قال: حدّثني حماد بن نافع، قال: سمعت سليما المكي يقول: كان يقال في الجاهلية: والله لأنت أعز من آل النباش، وأشار بيده إلى دور حول المسجد، فقال: كانت هذه رباعهم.
ثم رجعنا إلى حديث الفضيل قال: ثم صارت إلى ابنه عطارد بن حاجب، فلما مات صارت الرياسة في بني تميم في عمير بن عطارد، فلما مات صارت إلى ابنه بجيد بن عمير، وكان أحد الأجواد، وكان صاحب ربع بني تميم وهمدان بالكوفة، وكان على أذربيجان في ولاية معاوية، فمر به ألف رجل
стр. 1726
من بني بكر بن وائل كانوا وجّهوا في بعث فحملهم على ألف فرس. وكان البيت من ضبة في الكبر من بني ثعلبة بن بكر، وهم الفرسان والعدد من بني صباح في الحصين بن يزيد، ثم تحول البيت-يعني: الشرف والرياسة-يوم القرنين أو القريتين-شك أبو العبّاس-في ضرار بن عمرو، فلما مات صار إلى زيد الفوارس، فلما قتل صار إلى قبيصة بن ضرار، وكان قبيصة على أصحابه يوم الكلاب، فلما مات صارت إلى المنذر بن حسّان بن ضرار، وكان المنذر ابن حسّان هو الذي قتل مهران الملك يوم القادسية. فلما مات المنذر صارت إلى غيلان بن حرشة بن عمرو بن ضرار. فلما مات صار إلى ابنه مكحول بن غيلان (١).
ذكر
شيء من خبر خزاعة وولايتهم لمكة في الجاهلية
وسبب ولايتهم ومدّتها
٥٣ - قال الفاكهي، بعد أن روى في هذا المعنى أخبارا: قال ابن أبي سلمة، وابن اسحاق في حديثهما: فلم يزل الأمر بجرهم، وغبشان وبكر، حتى اقتتلوا، فغلبتهم بكر وغبشان، وظهروا عليهم، ووطئوهم ونفوهم من مكة إلى ما حولها، وولّوا عليهم البيت، وما كانوا يلون بمكة من الحكم وغيره (٢).
стр. 1727
ذكر
تغلّب خزاعة على جرهم، وولايتهم مكة،
وأوّل ملوكهم *
٥٤ - وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أنّ عمرو بن لحي أول ملوك خزاعة، وفيه ذكر شيء من خبره، وخبر جرهم. لأنه قال: ويقال في رواية أبي عمرو الشيباني: إنّ حجابة البيت صارت إلى خزاعة، لأن ربيعة بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن تزوج فهيرة بنت الحارث بن مضاض الجرهمي، فولدت له عمرو بن ربيعة، فلما شب عمرو وساد وشرف طلب حجابة البيت، فعند ذلك نشبت الحرب بينهم وبين جرهم وذكروا: أن عمرو بن ربيعة عاش ثلاثمائة وخمسا وأربعين سنة، وبلغ ولده في حياته ألف مقاتل من ولد كعب وعدي وسعد ومليح وعوف بن عمرو، وكانت بينهم حروب طويلة وقتال شديد، ثم إنّ خزاعة غلبوا جرهما على البيت، وخرجت جرهم حتى نزلت وادي إضم فهلكوا فيه، وكان عمرو بن ربيعة أول من غير دين ابراهيم-﵇-وأنه خرج إلى الشام فاستخلف على البيت رجلا من بني عبد بن ضخم يقال له: آكل المروة، وعمرو يومئذ وأهل مكة على دين ابراهيم-﵇-فلما قدم الشام نزل البلقاء فوجد قوما يعبدون أوثانا فقال: ما هذه الأنصاب التي أراكم تعبدون؟ فقالوا: أربابا نتخذها نستنصر بها على عدونا، فننصر، ونستشفي بها من المرض فنشفى، فوقع قولهم في نفسه. فقال هبوا لي منها واحدا نتخذه ببلدي، فإني صاحب بيت الله الحرام واليّ وفدت العرب من كل صوب، فأعطوه صنما يقال له: هبل، فحمله حتى نصبه للناس بمكة.
فتابعه العرب على ذلك، وذكر بقية الخبر (١).
стр. 1728
ذكر
أول من ولي البيت من خزاعة
٥٥ - قال الفاكهي: قال الواقدي: وحدّثني حرام بن هشام عن أبيه، قال: أول من وليه من غبشان من خزاعة، وكان الذي وليه منهم عمرو بن الحارث بن لؤي بن ملكان بن قصي، نصب هبل صنما بمكة. فقال الحارث ابن مضاض، وهو يعظ عمرا:
يا عمرو لا تفجر بمكة ... إنّها بلد حرام (١)
ذكر
من ولي البيت من خزاعة
٥٦ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: حدّثنا سعيد بن سالم، قال: قال عثمان-يعني ابن ساج-:أخبرني محمد بن اسحاق.
٥٧ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن اسحاق -يزيد أحدهما على صاحبه في اللفظ -قال: ثم إن غبشان من خزاعة وليت البيت من بعد جرهم دون بكر بن كنانة، فكانت بكر لهم عضدا وناصرا ممن بغى عليهم، وقد حاربتهم، وقريش إذ ذاك حلول وأضرام، وهم بيوتات متفرقون في قومهم من بني كنانة، وكان الذي يلي البيت من غبشان عمرو بن الحارث بن لؤي بن ملكان بن قصي، وهو الذي يقول:
نحن وليناه فلم نغشّه ... وابن مضاض قائم يهشّه
يأخذ ما يهدى له يعسه ... نترك مال الله لا نمسّه
стр. 1729
وقال أيضا:
نحن ولينا البيت بعد جرهم ... لنمنعه من كل باغ وظالم
ونمنعه من كل باغ يريده ... فيرجع منا عنده غير سالم
ونحفظ حق الله فيه وعهدنا ... ونمنعه من كل باغ وآثم
ونترك ما يهدى له لا نمسّه ... نخاف عقاب الله عند المحارم
وكيف نريد الظلم فيه وربّنا ... بصير بأمر الظلم من كل غاشم
فو الله لا ينفك يحفظ أمره ... ويعمره ما حجّ أهل المواسم
ونحن نفينا جرهما عن بلادها ... إلى بلدة فيها صنوف المآثم
قال: فوليت خزاعة البيت زمانا طويلا، وهم أخرجوا إسافا ونائلة من الكعبة فوضعوهما على زمزم (١).
ذكر
أن قيس عيلان أرادت إخراج خزاعة من الحرم
فلم يتم لهم ذلك *
٥٨ - وذكر الفاكهي خبرا يقتضي بأن قيس بن عيلان أرادوا إخراج خزاعة من مكة، فلم يتم لهم أمر، لأنه قال بعد أن ذكر شيئا عن الواقدي: فلما مات عمرو بن لحي ولي البيت من بعده كعب بن عمرو، فاجتمعت قيس على عامر بن الظرب العدواني، فسار بهم إلى مكة ليخرج خزاعة، فقاتلتهم خزاعة، فانهزمت قيس، ووليت خزاعة البيت لا ينازعهم أحد (٢).
стр. 1730
ذكر
بعض ما قالت عدوان من الشعر
ينالون فيه من خزاعة
٥٩ - وذكر الفاكهي لبعض عدوان شعرا، نال فيه من خزاعة، لأن بعض خزاعة قال شعرا تعرض فيه لعدوان فيما يظهر والله أعلم ونصّ ما ذكره الفاكهي: وقال حليل:
نحن بنو عمرو ولاة المشعر ... نذبّ بالمعروف أهل المنكر
حسا ولسنا بهذا المحصر
وقال: وأجابه نصر بن الأحت العدواني:
انّ الخنا منكم وقول المنكر ... جئنا كمو بالزحف في المسنور (١)
بكل ماض في اللقاء مسعر
٦٠ - وذكر الفاكهي: عن حليل بن حبشية هذا شعرا آخر، لأنه قال:
وقال حليل بن حبشية:
واد حرام طيره ووحشه ... وابن مضاض قائم يهشّه
وقد سبق فيما ذكره الفاكهي عن ابن اسحاق أنّ عمرو بن الحارث الغبشاني هو الذي يقول:
نحن وليناه فلم نغشّه ... وابن مضاض قائم يهشّه (٢)
стр. 1731
ذكر
آخر من ولي البيت ومكة من خزاعة
٦١ - روى الفاكهي بسنده، عن عائشة، وابن اسحاق، وغيره من أهل الأخبار أن: حليل بن حبشية هو آخر من ولي البيت وأمر مكة من خزاعة (١).
ذكر
من كان شريكا لحليل بن حبشية في ولاية الكعبة
٦٢ - وذكر الفاكهي خبرا يقتضي أن أبا غبشان الخزاعي كان شريك حليل في الكعبة، وأبو غبشان هو على ما ذكره الزبير عن الأثرم عن أبي عبيدة: سليم ابن عمرو بن لؤي بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر، ونصّ الخبر الذي ذكره الفاكهي.
٦٣ - قال الواقدي: وسمعت ان جريج يقول: كان حليل يفتح البيت، فإذا اعتلّ أعطى ابنته المفتاح حتى تفتحه، فإذا اعتلّت أعطت زوجها قصيا يفتحه، وكان قصي يعمل في أخذ البيت وحيازته إليه، وقطع ذكر خزاعة منه، وكان شريك حليل فيه أبو غبشان. وكان حليل يتنزّه عن أشياء يفعلها أبو غبشان.
стр. 1732
ذكر
أن أبا غبشان كان وصيا على البيت من قبل
حليل بن حبشية الخزاعي *
٦٤ - حدّثنا حسن بن حسين الأزدي قال: حدّثنا محمد بن حبيب قال:
قال عيسى بن بكر الكناني، المدني قال: قال ابن الكلبي أو، غيره: يقال:
ان قصيا دعا أبا غبشان الملكاني فقال: هل لك أن تدع الأمر الذي أوصى به إلى حبي وعبد المدان فتخلي بينهما وبينه، وتصيب عرضا من الدنيا؟ فطابت نفس أبي غبشان وأجابهم إلى ذلك، فأعطاهم قصي أثوابا وأبعرة، ولم يكن أبو غبشان وارثا لحليل، ولا وليا، إنما كان وصيا فجازت وصيته، وصيرت حبّي إلى ابنها حجابة البيت، ودفعت المفاتيح إليه (١).
ذكر
سبب بيع أبي غبشان نصيبه من ولاية البيت
وكم كان الثمن *
٦٥ - نقل الفاكهي عن الواقدي، عن ابن جريج: وكانت البحائر تنحر عند البيت عند إساف ونائلة، فكان أبو غبشان له من كل بحيرة رأسها والعنق، ثم أنه استقلّ ذلك، فأبى أن يرضى بذلك، فقال: يزيدون الأكتاف ففعلوا، ثم أدب لهم: فقال: يزيدون العجز، فأبى الناس ذلك
стр. 1733
عليه. فأتى رجل من بني عقيل يقال له: مرة بن كثير أو كبير ببدنة له، وكانت سمينة، فنحرها وأبو غبشان قائم. فقال: أبدأ بالعنق، والرأس والكتف، والعجز، فقال العقيلي: فما بقي إذا لمن سيقت إليه؟ قال:
الأكارع، قال: فرفده الناس ومن حضر من قريش وغيرهم وقالوا: عبث، كنت أولا تقول: الرأس والعنق. فكان هذا أخف من غيره، ثم تعديت إلى الأكارع فقال: لا أقيم في هذا البلد أبدا إلاّ على ذلك. فلما أبوا عليه. قال:
من يشتري نصيبي من البيت بأداوة تبلغني إلى اليمن أو بزق خمر. فاشترى نصيبه في ذلك قصي وارتحل أبو غبشان إلى اليمن. فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان: قال الواقدي: ورأيت مشيخة خزاعة تنكر هذا (١).
ذكر
المكان الذي اشترى فيه قصي مفتاح
الكعبة من أبي غبشان
٦٦ - ونقل الفاكهي عن الزبير بن بكار ما يقتضي أن قصيا اشترى مفتاح البيت من أبي غبشان بالطائف.
ذكر
أخبار تبّع الحميري
٦٧ - حدّثني حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا ابراهيم بن عبد الله، عن هشام بن الكلبي، قال: أخبرني جرير بن يزيد البجلي، عن جعفر بن
стр. 1734
محمد، عن أبيه، قال: لما أقبل تبع يريد هدم البيت وصرف وجوه العرب إلى اليمن فبات صحيحا، فأقبل وقد سالت عيناه على خدّيه، فبعث إلى الأحبار والسحرة والكهان والمنجّمين، فقال: مالي؟ فو الله لقد بت ليلتي وما أجد شيئا، ثم صرت إلى ما ترون؟ فقالوا: لعلّك حدّثت نفسك لهذا البيت بسوء؟ فقال: نعم، فقالوا: فحدّث نفسك أن تصنع به وبأهله خيرا، ففعل، وقد رجعت عيناه فارتدّ بصيرا، وكسى البيت الخصف (١).
ذكر
كيف انتقلت أصنام قوم نوح إلى العرب *
٦٨ - عن ابن الكلبي قال: كان لعمرو بن ربيعة رئي من الجن فأتاه فقال:
أجب أبا ثمامة، وادخل بلا ملامة، ثم أئت سيف جدّة، تجد بها أصناما معدّة، ثم أوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب.
قال: فأتى عمرو ساحل جدة، فوجد بها ودّا وسواعا، ويغوث ويعوق ونسرا، وهي الأصنام التي عبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك، فسفى عليها الرمل، فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم، فدعا إلى عبادتها فأجيب. قال ابن حجر: وعمرو بن ربيعة هو: عمرو بن لحي (٢).
٦٩ - عن ابن إسحاق قال: كانت أنعم من طي، وجرش بن مذحج، اتخذوا يغوث لجرش (٣).
стр. 1735
وكانت خيوان بطن من همدان، اتخذوا يعوق بأرضهم (١).
وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، اتخذوه بأرض حمير (٢).
ذكر
أوّل حدوث الأصنام على الأرض وسببه *
٧٠ - عن عبيد الله بن عبيد بن عمير، قال: أول ما حدّثت الأصنام على عهد نوح، وكانت الأبناء تبر الآباء، فمات رجل منهم فجزع عليه؟ فجعل لا يصبر عنه، فاتخذوا مثالا على صورته، فكلّما اشتاق إليه نظره، ثم مات ففعل به كما فعل، حتى تتابعوا على ذلك، فمات الآباء، فقال الأبناء: ما اتخذ آباؤنا هذه إلاّ أنها كانت آلهتهم، فعبدوها (٣).
ذكر
(ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر)
ومواضعها ومن كان يعبدها *
٧١ - عن محمد بن ثور، عن ابن جريج، عن عطا، عن ابن عبّاس ﵄-قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد. أما ودّ: فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواغ فكانت لهذيل، وأما
стр. 1736
يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي كلاع. أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسمّوها بأسمائهم ففعلوا، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسّخ العلم عبدت (١).
ذكر
خبر مناة وموضعها *
٧٢ - عن عثمان بن ساج، عن ابن اسحاق، قال: نصب عمرو بن لحي مناة على ساحل البحر مما يلي قديد فكانت الأزد وغسّان يحجونها ويعظمونها، إذا طافوا بالبيت وأفاضوا من عرفات وفرغوا من منى أتوا مناة فأهلوا لها، فمن أهلّ لها لم يطف بين الصفا والمروة. قال: وكانت مناة للأوس والخزرج والأزد من غسّان ومن دان دينهم من أهل يثرب (٢).
ذكر
صنمي إساف ونائلة وموضعهما *
٧٣ - عن الشعبي، قال: كان صنم بالصفا يدعى إساف، ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية يسعون بينهما، فلما جاء الإسلام رمي بهما،
стр. 1737
وقالوا: إنما كان يصغه أهل الجاهلية من أجل أوثانهم فأمسكوا عن السعي بينهما، قال: فأنزل الله-تعالى-: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ﴾
الآية (١).
٧٤ - وعن أبي مجلز، نحوه وزاد فيه: يزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخا حجرين، فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا (٢).
ذكر
اللات وأصل عبادتها ومكانها *
٧٥ - عن مجاهد، قال: كان رجل في الجاهلية على صخرة بالطائف، وعليها له غنم، فكان يسلوا من رسلها، ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسا، ويطعم من يمرّ به من الناس، فلما مات عبدوه (٣).
٧٦ - عن ابن عبّاس-﵁-أن اللاتّ لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت ولكنه دخل الصخرة، فعبدوها، وبنوا عليها بيتا (٤).وكانت اللات بالطائف.
стр. 1738
ذكر
من كان يعبد الشعرى *
٧٧ - عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، في قوله تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ قال: نزلت في خزاعة، وكانوا يعبدون الشعرى، وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء (١).
ذكر
فرق العرب في الأشهر الحرم *
٧٨ - روى الفاكهي بسنده، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، قال:
كانت العرب في أشهر الحج على ثلاثة أهواء، منهم من يفعل المنكر، وهم المحلّون الذين يحلون الأشهر الحرم فيغتالون فيها ويسرقون، ومنهم من كان يكفّ عن ذلك، ومنهم أهل هوى، شرعة صلصل بن أوس بن مجاسر بن معاوية بن شريف من بني عمرو بن تميم، في قتال المحلين. ثم قال بعد أن ذكر المحرمين: وكانوا يسمونهم الصلاصل، لأن صلصلا شرع ذلك، وكانوا ينزلون على بئر قريبة من مكة، ثم يتفرقون في الناس منها، وكانت البئر تسمّى ببئر صلاصل (٢).
стр. 1739
ذكر
شيء من أخبار قريش بمكة في الجاهلية
وذكر ما وصفت به بطون قريش
٧٩ - حدّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد، قال: حدّثنا إسحاق بن البهلول، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن القرشي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : عبد مناف عزّ قريش، وأسد ركنها وعضدها، وعبد الدار رئتها وأوائلها، وعدي جناحاها، ومخزوم ريحانتها وأراكتها، وجمح وسهم عديدها، وعامر ليوثها وفرسانها، والناس تبع لقريش، وقريش تبع لولد قصي (١).
٨٠ - وحدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثني ابراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، عن عبد الملك بن عبد العزي، عن عمر بن عبد العزيز، قال: عبد مناف عزّ قريش، وأسد بن عبد العزي عضدها، وزهرة الكبد، وتيم وعدي رئتها، ومخزوم فيها كالأراكة في بطونها، وجمح وسهم جناحاها، وعامر ليوثها وفرسانها، وكلّ تبع لولد قصي، والناس تبع لقريش.
٨١ - وحدّثني حسن بن حسين، قال: حدّثنا محمد بن أبي السري، قال:
حدّثنا هشام بن الكلبي.
٨٢ - وعن سفيان بن عيينة، عن محمد بن قيس الأسدي، قال: عن ابن الكلبي، عن علي بن ربيعة، عن محمد بن قيس، قال: سئل علي بن أبي
стр. 1740
طالب-﵁ وكرّم الله وجهه-عن بني هاشم، فقال: أطيب الناس أنفسا عند الموت، وذكر كرائم الأخلاق. وسئل عن بني أمية، فقال:
أشدنا حجرا، وأدركنا للأمور إذا طلبوا. وسئل عن بني المغيرة من بني مخزوم فقال: أولئك ريحانة قريش التي تشمّونها. وسئل عن بطن آخر كنى عنهم سفيان بن عيينة، قال عثمان: وهم بنو تيم فذكر شيئا.
٨٣ - قال حسن بن حسين: وأخبرني محمد بن سهل الأزدي، قال: سمعت هشام بن الكلبي يذكر عن أبيه، قال: سئل علي بن أبي طالب-رضي الله تعالى عنه وكرّم وجهه-عن قريش فقال: أما بنو هاشم فأفصح وأسمح، وأصبح، وما إخوتها من بني عبد شمس فأنكر نكرا، وأعذر وأفجر.
وسئل مرة أخرى فقال: أما بنو هاشم فأصدق قريش في النوم واليقظة، وأكرمها أحلاما وأضربها بالسيف، وأما بنو عبد شمس فأبعدنا همّا، وأمنعنا لما وراء ظهورهم، وأما بنو مخزوم فريحانة من ريحانة قريش، يحبّ ويشتهى تزوّج نسائهم (١).
ذكر
أهل البطاح والظواهر من قريش
٨٤ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثنا محمد بن الحسن المخزومي، عن العلاء بن الحسن، عن عمّه أفلح بن عبد الله بن المعلّى، عن أبيه وغيره من أهل العلم، قال: إن قريش البطاح بنو كعب بن لؤي، وإنّما سمّوا
стр. 1741
قريش البطاح لأن قريشا حين أقتسموا بلادهم احتلّت كعب بن لؤي الأباطح، فكعب وبنوه قريش البطاح حيث ما كانوا، وقريش الظواهر هم خالد بن النضر، والحارث بن مالك، وقدد بن رجا، والحارث ومحارب ابنا فهر، وعوف بن فهر، ودرج. والأدرم: وهم بنو تيم بن غالب بن فهر، وقيس بن فهر، وقدد، وعامر بن لؤي. وإنما سمّوا الظواهر لأن قريشا حين اقتسموا دارهم أخذوا منهم ظواهر مكة، بحيث سكنوا بالظاهرة.
٨٥ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني أبو الحسن الأثرم، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: كانت قريش الظواهر: محارب والحارث ابنا فهر، ومن هناك من جيرانهم عامر بن لؤي، والأدرم بن غالب، يغيرون على بني كنانة، يغير بهم عمرو بن عبد ودّ، إلاّ أن الحارث بن فهر دخلت بعد ذلك مكة، فهي من البطاح، وهم يد مع المطيّبين (١).
ذكر
قريش العارية
٨٦ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: وأما ولد سامة بن لؤي وهم قريش (العارية) وإنما سمّوا العارية لأنهم عريوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم ناجية بنت حرام بن ريّان، وهو: غلاف، وكان أول من اتّخذ من الرجال الغلافية فنسب إليها، فقيل: غلاف. واسم ناجية: ليلى، وإنما سمّيت ناجية لأنها سارت في مفازة فعطشت فاستسقت سامة بن لؤي، فقال لها: بين يديك، وهو يريها السراب، حتى جاءت الماء، فنجت، فسمّيت: ناجية (٢).
стр. 1742
ذكر
قريش العائدة
٨٧ - وقد ذكر الفاكهي عن الزبير سبب تسميتهم بذلك، لأنه قال: وإنما قيل لخزيمة بن لؤي: عائدة، لأن عبيدة بن خزيمة تزوّج عائدة بنت الحمس ابن قحافة بن خثعم، فولدت له مالكا وتيما فسمّوا عائدة بأمهم. قال لنا الزبير: قال علي بن المغيرة عن حسن بن علي العقيلي. قال: وإنما قيل عائدة قريش، لأن عدادهم في بني أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان في الجاهلية والإسلام. فقيل: عائدة قريش لئلا يضلوا.
٨٨ - وحدّثني الزبير بن أبي بكر، قال: كان أهل الظواهر من قريش في الجاهلية يفخرون على أهل الحرم فيعقد لواء فخارهم للناس. قال الزبير:
وكانت العرب تنفس قريشا وتعير أهل الحرم منها بالمقام بالحرم فأسموهم الصب (١).
ذكر
نسب قريش وأول من سمّي ب «القرشي»
وسبب ذلك
٨٩ - روى الفاكهي بسنده: أنّ عبد الملك بن مروان سأل محمد بن جبير عن ذلك (٢)،فقال إن ذلك لتجمعها في الحرم. وأنّ عبد الملك قال له: ما
стр. 1743
سمعت بهذا، ولكن سمعت: أن قصيا كان يقال له القرشي، ولم يسم قرشي قبله.
٩٠ - ونقل الفاكهي ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف من طريقين.
٩١ - ونقل الفاكهي ما يخالف ذلك، لأنه قال: قال أبو بكر: وحدّثني أبو بكر بن عبد الله وابن أبي جهم، قالا: النضر بن كنانة، كان يسمّى القرشي (١).
٩٢ - روى الفاكهي بسنده إلى ابن عبّاس-﵄-أنه سأل عمرو بن العاص-﵁-بحضرة معاوية-﵁-لماذا سمّيت قريش قريشا؟ ثم أجاب ابن عبّاس عن ذلك أن بسبب دابة في البحر تسمّى (القرش) ثم أنشد قول المسروح بن عمرو الحميري على ذلك:
وقريش هي التي تسكن البح ... ر بها سميت قريش قريشا
تأكل الغث والسمين ولا تت ... رك منه لذي جناحين ريشا (٢)
ذكر
خبر قصي بن كلاب
٩٣ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: قال أبو الحسن الأثرم، قال أبو عبيدة، قال محمد بن حفص: قدم رزاح، وقد نفى قصيّ خزاعة. وقال
стр. 1744
بعض مشيخة قريش: إن مكة لم يكن بها بيت في الحرم، إنما كانوا يكونون بها، حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلّون أن يصيبوا فيها جنابة، ولم يكن بها بيت قائم، فلما جمع قصي قريشا-وكان أدهى من رؤي من العرب-قال لهم: أرى أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت، فو الله لا تستحلّ العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه، وتسكنونه، فتسودوا العرب أبدا (١).
ذكر
ولاية قصي للكعبة وكيف أخذ مفتاحها
من أبي غبشان
٩٤ - عن الزبير، قال: حدّثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن عبد الحكيم، وسفيان بن أبي نمر، قال: كان أبو غبشان الخزاعي يلي البيت، وكان هو وقصي بمكة، فتحالفا على أن لا يبغي أحدهما على صاحبه، ثم ابتاع قصي المفتاح، فقدم مكة، فقال لقومه: هذا مفتاح بيت أبيكم اسماعيل، قد ردّه الله عليكم من غير غدر ولا ظلم. فلما أفاق أبو غبشان ندّمه أصحابه، وعابوا عليه ما صنع، فجحد البيع، فقال: إنما رهنته عنده رهنا بحقّه، فقال الناس: أخسر من صفقة أبي غبشان، فذهبت مثلا. ووقعت الحرب بين قصي وبين أبي غبشان وفوقهما قريش وخزاعة، فذلك قول الشاعر:
أبو غبشان أظلم من قصيّ ... وأظلم من بني فهر خزاعه
فلا تلحو قصيا في شراه ... ولوموا شيخكم إذ كان باعه (٢)
стр. 1745
ذكر
الثمن الذي دفعه قصي لأبي غبشان
عن مفتاح البيت *
٩٥ - روى الفاكهي بسنده إلى كرامة بن المقداد بن عمرو الكندي عن أبيها المعروف ب «المقداد بن الأسود» أن قصيا اشترى مفاتيح الكعبة من أبي غبشان بزق خمر (١).
ذكر
قدوم رزاح على قصي، واستقرار قريش بمكة
٩٦ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: قال أبو الحسن الأثرم، قال أبو عبيدة: قال محمد بن حفص: قدم رزاح وقد نفى قصي خزاعة. وقال بعض مشيخة قريش: إن مكة لم يكن بها بيت في الحرم. إنما كانوا يكونون بها حتى إذا أمسوا خرجوا لا يستحلون أن يصيبوا فيها جنابة. ولم يكن بها بيت قائم، فلما جمع قصي قريشا وكان أدهى من رؤي في العرب، قال لهم: أرى أن تصبحوا بأجمعكم في الحرم حول البيت، فو الله لا يستحل العرب قتالكم، ولا يستطيعون إخراجكم منه وتسكنونه فتسودون العرب أبدا. فقالوا: أنت سيّدنا، رأينا لرأيك تبع. فجمعهم ثم أصبح بهم في الحرم حول البيت، فمشت إليه أشراف كنانة، وقالوا: إن هذا عند العرب عظيم، ولو تركناك ما تركتك
стр. 1746
العرب. فقال: والله لا أخرج منه، فثبت وحضر الحج، فقال لقريش: قد حضر الحج وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظّمون، ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام، فليخرج كل انسان منكم من ماله خرجا، ففعلوا فجمع من ذلك شيئا كثيرا، فلما جاء أوائل الحاج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا، ونحر بمكة، وجعل حظيرة فجعل فيها الطعام من الخبز والثريد واللحم، فمن مرّ باللحم والثريد أكل، ومن قدم قصد الحظيرة، فأكل وسقي الماء واللبن المحض، ثم صدروا على مثل ذلك، فصدر روادهم يقولون:
أشبعهم زيد قصي لحما ... ولبنا محضا وخبزا هشما
ولم يكن بنو عامر بن لؤي ترفد مع قريش شيئا (١).
ذكر
شيء من خبر الحجر الأسود *
٩٧ - عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنها حدّثت أن جرهما كانت أهل البيت، وهم العرب الذين كانوا يتكلمون بالعربية، ونكح إليهم اسماعيل ﵇-فأحلّوا حرم البيت، واقتتلوا، حتى كانوا يتفاوتون، فسلّط الله عليهم العرب، فخرجوا من مكة إلى اليمن. وكان حول البيت غيضة، والسيل يدخله، ولم يرفع البيت حينئذ، فإذا قدم الحاج وطنّوه، حتى يذهب الغيضة، فإذا خرجوا بثبت (٢).فقدم قصي فقطع الغيضة، وابتنى حول البيت
стр. 1747
دارا، ونكح حبي بنت حليل، فولدت له عبد الدار بن قصي أوّل ما ولدت، فسمّاه عبد الدار بداره تلك، وجعل الحجابة له لأنه أكبرهم. وعبد مناف، بمناف، وجعل السقاية له. والرفادة ودار الندوة، لعبد العزي. واللواء لعبد قصي، ويقال: عبد بن قصي. فقال قصي لامرأته: قولي لجدّتك تدل بنيك على الحجر. فلم يزل بها حتى قالت: إني أفعل، إنهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه ونزلوا منزلا وهو معهم، فبرك الجمل الذي عليه، فضربوه، فقام، ثم برك فضربوه فقام، فبرك الثالثة، فقالوا: ما برك إلاّ من أجل الحجر، فدفنوه، وذلك في أسفل مكة، وإني أعرف حين برك، فخرجوا بالحديد، وخرجوا بها معهم، فأرتهم حيث برك أولا وثانيا وثالثا. فقالت: احفروا ها هنا، فحفروا حتى يئسوا منه، ثمّ ضربوا فأسابوه وأخرجوه، فأتى به قصي فوضعه في الأرض، وكانوا يتمسّحون به وهو في الأرض، حتى بنى قصي البيت، ومات قصي ودفن بالحجون (١).
ذكر
إخراج قصي الحجر الأسود بعد دفن جرهم له *
٩٨ - حدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا عبد الله بن يزيد، قال:
حدّثنا ابن لهيعة، عن محمد بن عبد الرحمن أبي الأسود: أن يعقوب بن عبد الله بن وهب حدّثه، عن أبيه أن أم سلمة زوج النبي ﷺ وهي جدته قالت: قدم قصي بن كلاب، يعني مكة فقطع غيضة كانت، ثم ابتنى حول
стр. 1748
البيت دارا، ونكح حبى بنت حليل الخزاعي، فولدت له عبد الدار، وعبد مناف، وعبد العزي بن قصي، ثم قال: قال قصي لامرأته: قولي لأمك تدل بنيك على الحجر الأسود، فإنما هم يلون البيت، فلم تزل بها: يا أمّة دليني عليه فإنما هم بنوك، ولم تزل بها حتى قالت: فإني أفعل انهم حين خرجوا إلى اليمن سرقوه، فنزلوا منزلا وهو معهم، فبرك الجمل الذي عليه الحجر فضربوه، فقام، ثم ساروا فبرك، فضربوه، ثم ساروا الثالثة فقالوا: ما يبرك إلاّ من أجل الحجر، فدفنوه. وذلك في أسفل مكة وإني لأعرف حيث برك، فخرجوا بالحديد، وخرجوا بها، فأرتهم حيث برك أول الشأن، ولا شيء، ثم ان المكان الثاني، فلا شيء. ثم الثالث، فقالت: احفروا ههنا، فحفروا حتى أيسوا منه، ثم ضربوا فأصابوه فأخرجوه، فأتى به قصي فوضعه موضعه في الأرض، فكانوا يتمسحون به وهو في الأرض، حتى بنت قريش الكعبة (١).
٩٩ - ثم روى الفاكهي بسنده عن أم سلمة أنها قالت: منزل الجمل الأول عند الجزارين، ثم دلّتهم على المنزل الثاني عند سوق البقر (٢).
ذكر
شيء من أخبار بني قصي بن كلاب،
وذكر الأحلاف والمطيّبين
١٠٠ - حدّثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن اسحاق، قال: ثم إن بني عبد مناف، وعبد شمس، وهاشم، والمطلب
стр. 1749
اختلفوا ثم إن بني عبد مناف أجمعوا على أن يأخذوا ما بأيدي بني عبد الدار بن قصي من الحجابة، والسقاية، والرفادة، فتفرقت عند ذلك قريش فكانت طائفة مع بني عبد مناف في رأيهم يرون أنهم أحقّ بذلك من بني عبد الدار.
وكانت طائفة مع بني عبد الدار لا يرون أن يغيّر عنهم ما كان قصي جعل إليهم.
فكان صاحب أمر بني عبد مناف عبد شمس بن عبد مناف، وذلك أنه أسن بني عبد مناف، وكان صاحب أمر بني عبد الدار عامر بن هاشم بن عبد مناف ابن عبد الدار وكان بنو أسد بن عبد العزى بن قصي، وبنو زهرة بن كلاب، وبنو تيم بن مرة بن كعب، وبنو الحارث بن فهر بن مالك بن النضر، مع بني عبد مناف. وكان بنو مخزوم بن يقظة بن مرة، وبنو سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، وبنو جمح بن عمرو بن هصيص، وبنو عدي بن كعب مع بني عبد الدار. وخرجت عامر بن لؤي ومحارب بن فهر فلم يكونوا مع واحد من الفريقين فعقد كل قوم على أمرهم حلفا مؤكّدا على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بل بحر صوفة، فأخرجت عاتكة بنت عبد المطلب طيبا فوضعته لأحلافهم، ثم غمس القوم فيه حين تعاقدوا وتعاهدوا، ثم مسحوا بها الكعبة فسمّوا: حلف المطيّبين (١).
١٠١ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني محمد بن فضالة، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، قال: حدّثني ابن شهاب، قال: كانت السقاية في بني المطلب، وكانت الرئاسة في بني عبد مناف كلهم، وكانت الرفادة في بني أسد بن عبد العزى، واللواء والحجابة في بني عبد الدار، فجاءوا إلى سهم فحالفوهم، وقالوا لهم: إمنعونا من بني عبد مناف فلما رأت ذلك البيضاء التي يقال لها: أم حكيم بنت عبد المطلب، أخذت جفنة فملأتها خلوقا، ثم وضعتها
стр. 1750
في الحجر. فقالت: من تطيّب بهذا الطيب فهو منّا. فتطيّب بنو عبد مناف، وأسد، وزهرة، وبنو تيم وبنو الحرث بن فهر، فسمّوا: المطيّبين. فلما سمعت بذلك بنو سهم نحروا جزورا، وقالوا: من أدخل يده في دمها فلعق منها فهو منّا، فأدخلت أيديها بنو سهم، وبنو عبد الدار، وبنو جمح، وبنو عدي، وبنو مخزوم، فلما فعلوا ذلك وقع الشر بينهم. فتراجعوا وقالوا: والله لئن اقتتلنا لتدخلن العرب علينا، فأقروهم على حالهم، فسمّي هؤلاء: المطيّبين، وهؤلاء الأحلاف، فقال أبو طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار:
أتاني أن عمرو بن هصيص ... أقام وأنني لهم حليف
وأنهم إذا حدثوا لأمر ... فلا نكل أكون ولا ضعيف (١)
١٠٢ - حدّثنا حسن بن الحسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، عن الكلبي، قال: ثم إن بني عبد مناف لما زاد شرفهم وكثرتهم، أرادوا أخذ البيت من بني عبد الدار، فأرسلوا إلى أبي طلحة، وهو عبد الله بن عبد العزى ابن عثمان بن عبد الدار: أن أرسل إلينا بمفتاح الكعبة، وكانت أم بني سهم عاطرة بنت زهرة، وأم عدي بن سعد هند بنت عبد الدار بن قصي، فعدادهم من بني عبد مناف، وذكر نحو حديث ابن شهاب، إلاّ أنه قال: لما غمسوا أيديهم قالوا: والله لا يسلم أحد منّا أحدا، وخلطوا نعالهم بفناء الكعبة، فسمّوا: الأحلاف، بخلطهم نعالهم، وتحالفهم في البيت.
ثم قال: وقال أبو طلحة عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار شعرا ذكره، وهما البيتان في حديث ابن شهاب، فقال:
بنو سهم نحن نكفيهم ... إن قاتلوا قتلنا
وإن رفدوا رفدنا ... وإن فعلوا فعلنا (٢)
стр. 1751
١٠٣ - وحدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا ابراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن بني عدي بن كعب (؟) قال:
حدّثني الضحّاك بن عثمان الجرامي، قال: حدّثني ابن عروة بن الزبير عن أبيه عروة، عن ابن حكيم بن حزام، قال: لما حضر عبد الدار الموت جعل الندوة واللواء والرفادة إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، فقال أمية بن عبد شمس لعثمان بن عبد الدار: لتخرج لي عن طيب نفس عن واحدة من هذه الثلاث، فأبى، فقال: إذا لا أدعك، فاستخرج عثمان بن عبد الدار قريشا، فقالت له بنو مخزوم وجمح وسهم وعدي: نحن معك، ويقع لك هذه الخصال، ونحالفك. قال: نعم، فتحالفوا، فمنعوها له (١).
١٠٤ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدّثني ابن لهيعة، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، قال: فذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، أخذه عبد الدار، لأنه أكبر إخوته، فحسده إخوته، فذهب مخالف بني مخزوم، وعدي (٢).
١٠٥ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ثم هلكت أعيان بني عبد مناف، فأقام عبد شمس بن عبد مناف على ما كان بيد عبد مناف، وكان أكبر ولده، فأقام أمر بني عبد مناف فلما انتشرت قريش سكّان مكة، قلت عليهم المياه، واشتدت عليهم المؤونة (٣).
стр. 1752
١٠٦ - وقال الفاكهي: وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب أنهما كانا حلفين اثنين: فأما حلف قريش الأول، فإن بني كلاب تكثروا على بطون بني كعب ابن لؤي، فتحالفت عليهم تلك الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح، فانطلق المطيبون، وكان حلفهم أن جعلوا جفنة من طيب، فتطيّبوا بها، فسمّوا المطيّبين بذلك الطيب في الجفنة، وسمّيت الأحلاف بتحالفهم عليه، أن جعلوا جفنة فيها دم، فغمسوا أيديهم فيها. زاد الزبير بن أبي بكر في حديثه: وأن الأحلاف عبوا لكل قبيلة قبيلة، وأنكروا شأن بني عبد الدار وولايتهم الكعبة، واللواء، والندوة، فقالوا: ما شأن هؤلاء إخواننا يلون علينا هذا وهم قليل؟ لننزعنه من أيديهم، وانهم عمدوا إلى مفتاح الكعبة، فأخذوه من عثمان بن عبد الدار وبنيه، وان بني عبد الدار أضافوا إلى الأحلاف فحالفوهم، فشدّوا الحلف بينهم، وأن الأحلاف لكل قبيلة، فبعث بنو سهم لبني عبد مناف. اهـ باختصار (١).
ذكر
رؤساء قريش بعد قصي
١٠٧ - وحدّثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، قال: كانت الرياسة أيام بني عبد مناف إلى عبد مناف بن قصي، وكان القائم بأمور قريش والمنظور إليه فيها، ثم أفضى ذلك إلى هاشم ابنه، فربّ ذلك
стр. 1753
بحسن القيام، فلم يكن له نظير من قريش ولا مساو. ثم صارت الرياسة لعبد المطلب، وفي كل قريش رؤوس، غير انهم كانوا يعرفون لعبد المطلب فضله وتقدّمه، وشرفه، فلما مات عبد المطلب صارت الرياسة لحرب بن أمية، فلما مات حرب بن أمية تفرقت الرياسة ببني عبد مناف وغيرهم من قريش (١).
١٠٨ - حدّثنا الزبير، قال: نا محمد بن الحسن: كان هؤلاء الأربعة من بني عبد مناف: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل أول من رفع الله بهم قريشا، إنما كانت تتجر بمكة، وتبضع مع من يخرج من الأعاجم، فركب هاشم فأخذ له خيلا (؟) من قيصر، فتجروا إلى الشام، وركب المطلب فأخذ له خيلا من ملوك اليمن، فتجروا إلى اليمن بذلك الخيل، وركب نوفل فأخذ لهم خيلا من النجاشي فتجروا بذلك الخيل إلى أرض الحبشة (٢).
١٠٩ - حدّثنا الزبير، حدّثنا محمد بن الحسن، عن العلاء بن حسين، عن أفلح بن عبد الله بن العلي، عن أبيه، وغيره من أهل العلم قالوا: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، هم: الزينون، وبنو هاشم يد، وبنو المطلب يدان، فإن دهمهم غيرهم صاروا يدا واحدة، على ذلك كانوا في الجاهلية دون بني عبد مناف، وبنو عبد مناف يدان: هاشم والمطلب البدران، وعبد شمس ونوفل يد وهم الأبهران، قال: وكانت العرب تسمّي هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا أقداح النظار، فإن دهمهم غيرهم اجتمعوا فصاروا يدا واحدة (٣).
стр. 1754
١١٠ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: وحدّثني أبو الحسن الأثرم عن أبي عبيدة، قال: كان يقال لهاشم وعبد شمس والمطلب بني عبد مناف:
المجرون.
١١١ - وحدّثني الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني محمد بن الحسن، قال:
كان هاشم رئيس بني عبد مناف، وعبد شمس رئيس بني أمية.
قال الزبير: وذلك النسب عندنا. قال آدم بن عبد العزى بن عمرو بن عبد العزى:
اللهم إني قائل قو ... ل ذي دين وبر وحسب
عبد شمس لا تهنها إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب
١١٢ - وحدّثنا حسن بن الحسين، قال: حدّثنا أبو جعفر بن حبيب، عن ابن الكلبي، قال: فلما مات هاشم خرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم عهدا لمن نفر قبلهم من قريش قبل أن يأخذ الإيلاف ممن مرّ به من العرب، حتى على مثل ما كان هاشم أخذ، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف (١).
стр. 1755
ذكر
ولاية عبد المطّلب
١١٣ - حدّثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ولي السقاية، والرفادة بعد المطّلب بن عبد مناف، عبد المطّلب بن هاشم، وتزعّم بنو أسد أن الحويرث ابن أسد قد ولي الرفادة في بعض الزمان. وقد كانت بنو أسد تقول ذلك ولم يسمع ذلك بتاتا (١).
ذكر
قبائل الأحابيش
١١٤ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: فلما هلك قصي أقام عبد مناف على أمر قريش، وهو أقام أمرهم بعده، واختطّ بمكة رباعا بعد الذي كان قصي قطع لقومه: فكان يعطيها في قريش وفي غيرهم، وهو عقد حلف الأحابيش. والأحابيش:
عضل، والقارة، ودوس، ورعل رهط سفيان بن عوف، والحليس بن زيد، وخالد بن عبيد بن أبي فايض بن خالد (٢).
ذكر
تقسيم ما كان بيد قصي على أولاده من بعده
١١٥ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثني عبد الجبّار بن سعيد