١٠٣ - وحدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا ابراهيم بن المنذر، قال: حدّثنا عمر بن أبي بكر الموصلي، عن بني عدي بن كعب (؟) قال:
حدّثني الضحّاك بن عثمان الجرامي، قال: حدّثني ابن عروة بن الزبير عن أبيه عروة، عن ابن حكيم بن حزام، قال: لما حضر عبد الدار الموت جعل الندوة واللواء والرفادة إلى ابنه عثمان بن عبد الدار، فقال أمية بن عبد شمس لعثمان بن عبد الدار: لتخرج لي عن طيب نفس عن واحدة من هذه الثلاث، فأبى، فقال: إذا لا أدعك، فاستخرج عثمان بن عبد الدار قريشا، فقالت له بنو مخزوم وجمح وسهم وعدي: نحن معك، ويقع لك هذه الخصال، ونحالفك. قال: نعم، فتحالفوا، فمنعوها له (١).
١٠٤ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا عبد الله بن يزيد، قال: حدّثني ابن لهيعة، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن بن الأسود، قال: فذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، أخذه عبد الدار، لأنه أكبر إخوته، فحسده إخوته، فذهب مخالف بني مخزوم، وعدي (٢).
١٠٥ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ثم هلكت أعيان بني عبد مناف، فأقام عبد شمس بن عبد مناف على ما كان بيد عبد مناف، وكان أكبر ولده، فأقام أمر بني عبد مناف فلما انتشرت قريش سكّان مكة، قلت عليهم المياه، واشتدت عليهم المؤونة (٣).
стр. 1752
١٠٦ - وقال الفاكهي: وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني عمر بن أبي بكر الموصلي، عن زكريا بن عيسى، عن ابن شهاب أنهما كانا حلفين اثنين: فأما حلف قريش الأول، فإن بني كلاب تكثروا على بطون بني كعب ابن لؤي، فتحالفت عليهم تلك الأحلاف: مخزوم، وعدي، وسهم، وجمح، فانطلق المطيبون، وكان حلفهم أن جعلوا جفنة من طيب، فتطيّبوا بها، فسمّوا المطيّبين بذلك الطيب في الجفنة، وسمّيت الأحلاف بتحالفهم عليه، أن جعلوا جفنة فيها دم، فغمسوا أيديهم فيها. زاد الزبير بن أبي بكر في حديثه: وأن الأحلاف عبوا لكل قبيلة قبيلة، وأنكروا شأن بني عبد الدار وولايتهم الكعبة، واللواء، والندوة، فقالوا: ما شأن هؤلاء إخواننا يلون علينا هذا وهم قليل؟ لننزعنه من أيديهم، وانهم عمدوا إلى مفتاح الكعبة، فأخذوه من عثمان بن عبد الدار وبنيه، وان بني عبد الدار أضافوا إلى الأحلاف فحالفوهم، فشدّوا الحلف بينهم، وأن الأحلاف لكل قبيلة، فبعث بنو سهم لبني عبد مناف. اهـ باختصار (١).
ذكر
رؤساء قريش بعد قصي
١٠٧ - وحدّثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، قال: كانت الرياسة أيام بني عبد مناف إلى عبد مناف بن قصي، وكان القائم بأمور قريش والمنظور إليه فيها، ثم أفضى ذلك إلى هاشم ابنه، فربّ ذلك
стр. 1753
بحسن القيام، فلم يكن له نظير من قريش ولا مساو. ثم صارت الرياسة لعبد المطلب، وفي كل قريش رؤوس، غير انهم كانوا يعرفون لعبد المطلب فضله وتقدّمه، وشرفه، فلما مات عبد المطلب صارت الرياسة لحرب بن أمية، فلما مات حرب بن أمية تفرقت الرياسة ببني عبد مناف وغيرهم من قريش (١).
١٠٨ - حدّثنا الزبير، قال: نا محمد بن الحسن: كان هؤلاء الأربعة من بني عبد مناف: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، ونوفل أول من رفع الله بهم قريشا، إنما كانت تتجر بمكة، وتبضع مع من يخرج من الأعاجم، فركب هاشم فأخذ له خيلا (؟) من قيصر، فتجروا إلى الشام، وركب المطلب فأخذ له خيلا من ملوك اليمن، فتجروا إلى اليمن بذلك الخيل، وركب نوفل فأخذ لهم خيلا من النجاشي فتجروا بذلك الخيل إلى أرض الحبشة (٢).
١٠٩ - حدّثنا الزبير، حدّثنا محمد بن الحسن، عن العلاء بن حسين، عن أفلح بن عبد الله بن العلي، عن أبيه، وغيره من أهل العلم قالوا: هاشم، وعبد شمس، والمطلب، ونوفل، هم: الزينون، وبنو هاشم يد، وبنو المطلب يدان، فإن دهمهم غيرهم صاروا يدا واحدة، على ذلك كانوا في الجاهلية دون بني عبد مناف، وبنو عبد مناف يدان: هاشم والمطلب البدران، وعبد شمس ونوفل يد وهم الأبهران، قال: وكانت العرب تسمّي هاشما والمطلب وعبد شمس ونوفلا أقداح النظار، فإن دهمهم غيرهم اجتمعوا فصاروا يدا واحدة (٣).
стр. 1754
١١٠ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: وحدّثني أبو الحسن الأثرم عن أبي عبيدة، قال: كان يقال لهاشم وعبد شمس والمطلب بني عبد مناف:
المجرون.
١١١ - وحدّثني الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني محمد بن الحسن، قال:
كان هاشم رئيس بني عبد مناف، وعبد شمس رئيس بني أمية.
قال الزبير: وذلك النسب عندنا. قال آدم بن عبد العزى بن عمرو بن عبد العزى:
اللهم إني قائل قو ... ل ذي دين وبر وحسب
عبد شمس لا تهنها إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب
عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب
١١٢ - وحدّثنا حسن بن الحسين، قال: حدّثنا أبو جعفر بن حبيب، عن ابن الكلبي، قال: فلما مات هاشم خرج المطلب بن عبد مناف إلى اليمن، فأخذ من ملوكهم عهدا لمن نفر قبلهم من قريش قبل أن يأخذ الإيلاف ممن مرّ به من العرب، حتى على مثل ما كان هاشم أخذ، وكان المطلب أكبر ولد عبد مناف (١).
стр. 1755
ذكر
ولاية عبد المطّلب
١١٣ - حدّثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: ولي السقاية، والرفادة بعد المطّلب بن عبد مناف، عبد المطّلب بن هاشم، وتزعّم بنو أسد أن الحويرث ابن أسد قد ولي الرفادة في بعض الزمان. وقد كانت بنو أسد تقول ذلك ولم يسمع ذلك بتاتا (١).
ذكر
قبائل الأحابيش
١١٤ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحاق، قال: فلما هلك قصي أقام عبد مناف على أمر قريش، وهو أقام أمرهم بعده، واختطّ بمكة رباعا بعد الذي كان قصي قطع لقومه: فكان يعطيها في قريش وفي غيرهم، وهو عقد حلف الأحابيش. والأحابيش:
عضل، والقارة، ودوس، ورعل رهط سفيان بن عوف، والحليس بن زيد، وخالد بن عبيد بن أبي فايض بن خالد (٢).
ذكر
تقسيم ما كان بيد قصي على أولاده من بعده
١١٥ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثني عبد الجبّار بن سعيد
стр. 1756
المساحقي، قال: حدّثني محمد بن فضالة النمري، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر-رضي الله تعالى عنهما-،قال: كانت الرفادة إلى عبد العزى بن قصي، وكانت الحجابة، واللواء والندوة إلى عبد الدار بن قصي. وولدت عبد مناف بن قصي خمسة نفر:
عمر، وهاشما، وعبد شمس، والمطّلب، ونوفل.
١١٦ - وحدّثني عبد (الله) بن أبي سلمة، قال: حدّثنا عبد الله بن زيد، قال: حدّثني ابن لهيعة، قال: حدّثني محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود، قال: يذكر أنه لما توفي عبد بن قصي، وكان اللواء بيده، أخذه عبد الدار لأنه أكبر إخوته، فحسده إخوته فذهب فحالف بني مخزوم، وعدي: وتوفي عبد مناف، فأخذ السقاية هاشم، لأنه كان أكبر ولده، وتوفي أسد، فأخذ الندوة المطّلب، لأنه أكبر ولده، فلم يزل في أيديهم حتى باعها زمعة بن الأسود لمعاوية، فلذلك يقول الشاعر:
وبعتم مجدكم وسناكم ... ولم تبقوا بمكة دارا (١)
ذكر
الفجار الأول وما كان فيه بين قريش وقيس عيلان
وسبب ذلك
١١٧ - حدّثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن محمد بن إسحاق، قال: ثم هاج يوم الفجار الأول بين قريش ومن كان إلفها من كنانة
стр. 1757
كلها، وبين قيس عيلان، وسببه أن رجلا من بني كنانة كان عليه دين لرجل من بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، فواعده به الكناني، فوافاه النصري بسوق عكاظ يقرّد معه فوقفه بالسيوف فقال: من يبيعني مثل هذا بمالي على فلان الكناني، وإنما أراد ذلك النصري الكناني وقومه، فمرّ به رجل من كنانة فضربه بالسيف فقتله إنفاعا، فصرخ النصري في قيس والكناني في بني كنانة فتحاوز الناس حتى كادوا أن يكون بينهم قتال. ثم تداعوا بمنى للصلح وسرى الخطب من أنفسهم، فتراجع الناس وكفّ بعضهم عن بعض ولم يكن بينهم إلا ذلك. ويقال: بل قعد فتية من العرب من قريش غدية إلى امرأة من بني عامر ذات هيبة عليها برقع وهي في درع فضل، وكذلك نساء العرب يفعلن، فأعجبهم ما رأوه من حسن هيئتها فقالوا لها: يا أمة الله أسفري لنا وجهك ننظر إليك، فأبت عليهم، فقام غلام منهم فشكّ درعها إلى ظهرها بشوكة والمرأة لا تدري، فلما قامت انكشف الدرع عن دبرها، فضحكوا وقالوا منعتنا أن ننظر إلى وجهك فقد نظرنا إلى دبرك، فصاحت المرأة في بني عامر فضجّت فتحاوز الناس ثم ترادّوا، ورأوا أن الأمر دون. ويقال بل قعد رجل من بني غفار بن خليل بن حمزة يقال له: أبو معشر، كان عارفا متصنعا في نفسه بسوق عكاظ ومدّ رجله، وقال: أنا مدركة بن خندف، أنا والله أعزّ العرب، فمن زعم أنه أكرم مني فليضربها بالسيف، فضربه رجل من قيس فخدشها خدشا غير كبير فتحاوز الناس عند ذلك، حتى كاد أن يكون بينهم. قال: ثم تراجع الناس ورأوا أن لم يكن بينهم شيء كبير فكل هذا الحديث يقال في يوم الفجار. والله أعلم أي ذلك كان.
قال عبد الملك: قال زياد: قال ابن إسحاق: وقد قال بعض الشعراء شعرا قد ذكر فيه عكاظ وما أصابوا من بني كنانة وضرب رجل أبي معشر فقال:
стр. 1758
عمرك الله سائلي أي قوم ... معشري في سوالف الأعصار
تحن كنا الملوك من أهل نجد ... زمن جزناه بميل الدمار
منعنا الحجاز: من كل حي ... وقمعنا الفجار يوم الفجار
وضربنا به كنانة ضربا ... حالفوا بعده سني العسار
قال زياد في حديثه هذا: وقال ابن إسحاق فأجابه أمية بن الأسكر بشعر (١).
ذكر
حرب الفجار الآخر
١١٨ - وحدّثني عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن إسحق، قال: ثم كان الفجار الآخر بعد الفيل بعشرين سنة، فلم يكن في العرب يوم أعظم ولا أذهب ذكرا في الناس منه بين قريش ومن حالفها من كنانة وبين قيس بن عيلان، فالتقوا فيها بعكاظ،وإنما سمّي يوم الفجار بما استحلّ هذان الحيان كنانة وقيس فيه من المحارم، وقد كان قبله يوم بين بني جبلة وتميم، وروى أشعارا كثيرة اختصرناها مخافة التطويل ولذلك موضع غير هذا.
١١٩ - وحدّثني حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة، أن فجار البراض بين كنانة وبين قيس أربعة أيام، في كل سنة يوم، وكان أوله يوم شطيمة من عكاظ،وعلى الفريقين الرؤساء من
стр. 1759
قريش غير أبي براء، وكانت هوازن من وراء المسيل، وقريش دون المسيل، وبنو كنانة في بطن الوادي. وقال لهم حرب بن أمية: إن أبيحت فلا تبرحوا مكانكم، وعبأت هوازن فأخذوا مصافهم، وعبأت قريش فكان على إحدى المجنبتين ابن جدعان وعلى الأخرى كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وحرب بن أمية في القلب فكانت الدائرة أول النهار لكنانة على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار وصبرت فاستحرّ القتل في قريش، فلما رأى ذلك الذين في الوادي من كنانة مالوا إلى قريش وتركوا مكانهم فلما فعلوا ذلك استحرّ القتل بهم فقتل تحت رايتهم ثمانون رجلا. وقال آخرون: لما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناف نجابهم رئيسهم استبقاء لقومه فاعتزل بهم إلى جبل يقال له: رخم.
وقال: ادعوهم، ولوددت أنه لم يفلت منهم أحد، فكان يوم شطيمة لهوازن على كنانة، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، وزالت آخر النهار من بني بكر.
ذكر
يوم العبلاء
١٢٠ - حدّثني الأزدي، قال: حدّثني محمد، عن أبي عبيدة، قال:
وجمع هؤلاء وأولئك فالتقوا بالعبلاء، وهو الجبل إلى جنب عكاظ ورؤساؤهم الذين كانوا يوم الشطيمة بأعيانهم فكانت الدائرة أيضا فيه لهوازن على كنانة.
стр. 1760
ذكر
يوم شرب
١٢١ - حدّثني الأزدي قال: حدّثني محمد، عن أبي عبيدة، قال: ثم جمع الفريقان على قرن الخيول في اليوم الثاني من عكاظ فالتقوا فيه بشرب من عكاظ،وعليهم رؤساؤهم الذين كانوا قبلا ولم يكن يوم أعظم منه، فحمل يومئذ ابن جدعان ألفا على ألف بعير فالتقوا، وقد كان لهوازن على كنانة يومان متواليان يوم شطيمة ويوم العبلاء، فخشوا مثلها وحافظوا يومئذ وقيدت بنو أمية فيه أنفسهم، وحافظت مخزوم فصبرت، وبنو عبد مناة بن كنانة ليعفى على صنيعها يوم شطيمة، وصبرت نصر وثقيف، وذلك أن عكاظ بلد لهم به نخل وأموال فلم يعبوا شيئا، فقاتلوا حتى أمسوا وانهزموا، وذكر شعرا لابن الزبعرى يمدح به نفرا من قريش.
١٢٢ - وحدّثني الزبير بن أبي بكر، قال: وحدّثني محمد بن الضحّاك، عن أبيه، قال: العنابس حرب وأبو حرب، وأبو سفيان بنو أمية، وإنما سمّوا العنابس لأنهم عقلوا أنفسهم يوم عكاظ وقاتلوا قتالا شديدا فشبّهوا بالأسد، والأسد يقال له: العنبس.
١٢٣ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني مصعب بن عثمان، ومحمد ابن الضحاك الحزامي، أن خويلد بن أسد يوم عكاظ على ابن أسد بن عبد العزى.
стр. 1761
ذكر
يوم الحريرة
١٢٤ - حدّثني الأزدي حسن بن حسين، قال: حدّثني محمد بن حبيب الهاشمي، عن أبي عبيدة، قال: كانت فيه الدائرة لهوازن على كنانة، وهو آخر أيامهم، وحريرة إلى جنب عكاظ مما يلي مهب جنوبها لمن يقبل يريد مكة من مهب شمالها حتى تقطع دوين قرن. فكان رؤساؤهم الذين كانوا قبلا إلاّ قيسا فإنه مات وكان بعده الرئيس عليهم ختار بن قيس، وقتل يومئذ أبو سفيان بن أمية، ومن كنانة ثلاثة رهط قتلهم عثمان بن أسيد بن مالك بن ربيعة ابن عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وقتل ورقاء بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن عمرو بن عامر أبا مكنف وعمرو وابن أيوب وقد ذكرهم خداش بن زهير في شعره.
فهذه أيام الفجار الخمسة التي تراجفوا فيها في أربع سنين: أولهن يوم نخلة حين تبعتهم هوازن، فكان كفاء لا على هؤلاء ولا على هؤلاء. ثم يوم شطيمة فكان لهوازن على كنانة، ثم يوم عكاظ الأول وهو يوم العبلاء فكان لهوازن على كنانة، ويوم عكاظ الثاني وهو يوم شرب كان لبني كنانة على هوازن، ولم يكن بينهم يوم أعظم منه، ثم يوم الحريرة، وهو آخر أيامهم.
قال: ثم كان الرجل يلقى الرجل والرجلين أو أكثر من ذلك أو أقل فيقتتلون فربّما قتل بعضهم بعضا. فلقي ابن محمية أخو بني الدئل بن بكرا أخا خدّاش بن زهير بالصفاح، فقال أخو زهير بن خداش: جئت معتمرا. فقال:
لا يلقى الدين أن قلت معتمرا، فقتله ثم ندم فقال:
اللهمّ إنّ العامري المعتمر ... لم آت فيه عذرا لمعتذر
стр. 1762
ثم إنّ الناس تداعوا إلى السلم على أن يرى الفضل من القتلى التي فيهم أي الفريقين أفضل على الآخر، فتواعدوا عكاظا ليتعادّوا القتلى، وتعاقدوا وتواثقوا أن يتمّوا على ذلك وجعلوا بينهما موعدا يلتقون فيه لذلك، فأبى وهب بن متعب، وحالف على قومه وجعل لا يرضى بذلك حتى يدركوا ثأرهم، فقال:
في ذلك أمية بن جدعان بن الأشكر:
المرء وهب وهب آل متعبة ... مل الغواة وان يماطل يملل
يسعى يعوذها بجزل وقودها ... وإذا تعايى صلح قومك فاعمل
وهي في شعره، واندسّ وهب حتى مكرت هوازن بكنانة وهم على رأس الصلح، فبعثت خيلا عليها سلمة بن شعل البكائي، وخالد بن هوذة، فيهم ناس من بني هلال، ورئيسهم ربيعة بن أبي طبّان وناس من بني نصر عليهم مالك بن عوف، فأغاروا على بني ليث بصحراء الغميم، وهم غارون فقاتلوهم وجعل مالك يقاتل ويرتجز وهو أمرد يومئذ يقول: أمرد يبدي حلّه شيب اللحا.
وهو أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف، فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف البكائي، وسبيع بن أبي المؤمل من بني محارب، ثم انهزمت بنو ليث، فاستحرّ القتل ببني الملوّح بن يعمر، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا وساقوا نعما، ثم أقبلوا فعرضت لهم خزاعة وطمعوا فيهم فقاتلوهم، فلما رأوا أنه لا بدّ لهم منهم قالوا: عرضونا من غنيمتكم عراضة فأبوا فخلّوا سبيلهم.
ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح ورهنوا رهانا بوفاء بديات من كان له الفضل في القتلى، وتمّ الصلح ووضعت الحرب أوزارها (١).
стр. 1763
ذكر
حلف الفضول، وسببه وتفسيره،
وغيره من الحلف
١٢٥ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: كان سبب حلف الفضول أن رجلا من أهل اليمن قدم مكة ببضاعة فاشتراها رجل من بني سهم، فلوى الرجل عنقه، فسأله ماله فأبى عليه، فسأله متاعه فأبى عليه، فقام على الحجر وقال:
يال فهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض حرمته ... بين الإله وبين الحجر والحجر
أقائم من بني سهم بذمتهم ... أم ذاهب في ضلال مال معتمر
١٢٦ - وحدّثني الزبير، قال: حدّثني محمد بن فضالة، عن عبد الله بن زياد بن سمعان، عن ابن شهاب، قال: كان شأن حلف الفضول، أن رجلا من بني زبيد قدم مكة معتمرا في الجاهلية، ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم فآواها إلى بيته ثم تغيّب، فابتغى متاعه الزبيدي فلم يقدر عليه، فجاء إلى بني سهم يستعد يهم عليه، فأغلظوا عليه فعرف أن لا سبيل إلى ماله، فطوف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها، ثم قال بأعلى صوته:
يا لفهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الأهل والوطن (؟)
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يا آل فهر وبين الحجر والحجر
هل محضر من بني سهم بحضرتهم ... فعادل، أم ضلال مال معتمر
стр. 1764
فلما نزل من الجبل أعظمت ذلك قريش، فتكالموا فيه. وقال المطيّبون:
والله لئن قمنا في هذا لنقضين على الأحلاف. وقال الأحلاف: والله لئن تظلمنا في هذا لنقضين على المطيّبين. فقال ناس من قريش: تعالوا فلنكرّر حلف الفضول دون المطيّبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم يومئذ طعاما كثيرا وكان رسول الله ﷺ يومئذ معهم قبل أن يوحى إليه، وهو ابن خمس وعشرين سنة، فاجتمعت بنو هاشم وأسد، وزهرة، وتيم، وكان الذي تعاقد عليه القوم وتحالفوا أن لا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حرّ ولا عبد، إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقّه، ويردّوا إليه مظلمته من أنفسهم، ومن غيرهم، ثم عمدوا إلى ماء زمزم فجعلوه في جفنة ثم بعثوا به إلى البيت فغسلت به أركانه ثم أتوا به فشربوه فحدث هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين-﵂-أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان، من حلف الفضول مالو دعيت إليه لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم».
١٢٧ - حدّثنا الزبير، قال: حدّثني عبد العزيز بن عمر العنبسي، أن الذي اشترى من الزبيدي المتاع العاص بن وائل السهمي، وقال: حلف الفضول بنو هاشم وبنو المطّلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم، وتحالفوا بينهم بالله لا يظلم أحد بمكة إلا كنا جميعا مع المظلوم على الظالم حتى نأخذ له مظلمته ممن ظلمه شريفا أو وضيعا، منّا أو من غيرنا. ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل، فقالوا: والله لا نفارقك حتى تؤدي إليه حقّه، فأعطى الرجل حقّه فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقّه بمكة إلا أخذوه له، فكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلا وحده خرج من قومه لخرجت من بني شمس حتى أدخل في حلف الفضول، وليست عبد شمس في حلف الفضول.
стр. 1765
١٢٨ - وحدّثنا الزبير، قال: وحدّثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن ابراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن فضالة، عن هشام، بن عروة، وعن ابراهيم بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد أن بني هاشم وبني المطلب وأسد بن عبد العزى، وتيم بن مرة، تحالفوا على أن لا يدعوا بمكة كلها، ولا في الأحابيش مظلوما يدعوهم إلى نصرته إلا أنجدوه، حتى يردوا إليه مظلمته أو يبلغوا في ذلك عذرا وعلى أن لا يتركوا لأحد عند أحد فضلا إلاّ أخذوه، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك سمّي حلف الفضول بالله على الظالم حتى نأخذ للمظلوم حقّه ما بل بحر صوفة، وعلى الناس في المعاش.
١٢٩ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: وقال بعض العلماء أن قيس السلمي باع متاعا من أبي بن خلف فلواه وذهب بحقّه، فاستجار برجل من بني جمح فلم يقم بجواره، فقال قيس:
يال قصي كيف هذا في الحرم ... وحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع مني من ظلم
وبلغ الخبر عبّاس بن مرداس فقال:
ان كان جارك لم تنفعك ذمته ... وقد شربت بكأس الذل أنفاسا
فأت البيوت وكن من أهلها صددا ... ولا تبديهم فحشا ولا بأسا
وثم كن ببناء البيت معتصما ... يبغي ابن حرب ويبغي المرء عباسا
ساقي الحجيج وهذا يا سرفلح ... والمجد يورث أسداسا وأخماسا
وقام العبّاس وأبو سفيان حتى ردّا عليه متاعه، واجتمعت بطون قريش فتحالفوا على ردّ الظلم بمكة، وأن لا يظلم أحد إلاّ منعوه وأخذوا له بحقّه. وكان حلفهم في دار ابن جدعان، فقال رسول الله ﷺ : «شهدت حلفا في دار ابن
стр. 1766
جدعان ما أحبّ أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به لأجبت» فقال قوم من قريش: هذا والله فضل من الحلف فسمّى حلف الفضول. قال: وقال الآخرون: فحالفوا على مثال حلف تحالفت عليه قوم من جرهم في هذا الأمر ألا يلفوا ظلما ببطن مكة إلا غيّروه، وأسماهم: الفضل بن شراعة، والفضل ابن وداعة، والفضل بن قضاعة. والله أعلم أي ذلك كان.
١٣٠ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني علي بن صالح، عن جدّي عبد الله بن مصعب، عن أبيه فذكر قصته، ثم قال: فبلغ ذلك معاوية، وعنده جبير بن مطعم، فقال له معاوية: يا أبا محمد كنّا في حلف الفضول؟ قال له جبير بن مطعم: لا، وقد مرّ رجل من ثمالة فباع سلعة له من خلف بن وهب بن حذافة بن جمح فظلمه، وكان سيء المخالطة، فأتى الثمالى أهل حلف الفضول فأخبرهم، فقالوا: اذهب فأخبره بأنك قد أتيتنا فإن أعطاك حقّك وإلا فارجع إلينا. فأتاه فأخبره ما قال له أهل حلف الفضول، وقال له:
فما تقول؟ فأخرج إليه حقّه، فأعطاه إياه. فقال:
أتلحوني ببطن مكة ظالما ... وإني ولا قومي لدى ولا صحبي
وناديت قومي بارقا لتجيبني ... وكم دون قومي من فياف ومن شهب؟
ويأبى لكم حلف الفضول ظلامتي ... بني جمح والحق يؤخذ بالغصب
١٣١ - وحدّثنا الزبير، قال: حدّثني غير واحد من قريش منهم عبد العزيز ابن عمر العنبسي، عن مضاض بن عبد الله بن عتبة: أن رجلا من خثعم قدم مكة تاجرا ومعه ابنة له يقال لها القبول أوضأ نساء العالمين، فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، فلم يبرح حتى نقلها إليه، وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول، فأتاهم وشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج، وقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل وهو يومئذ بناحية
стр. 1767
مكة وهي معه وإلا فانا من قد عرفت، فقال: يا قوم متعوني بها الليلة، فقالوا: قبحك الله ما أجهلك، لا والله ولا شخب لقحة، فأخرجها إليهم فأعطوها أباها وركب معهم الخثعمي، فلذلك يقول نبيه بن الحجاج:
راح صبحي ولم أحي القبولا ... لم أودعهم وداعا جميلا
وذكر بقية الأبيات. وقال نبيه في ذلك أبياتا أخر (١).
١٣٢ - قال الفاكهي: ثم ان قريشا تداعت إلى الفضول وذلك بعد رجوعهم من عكاظ،ويقال: بعد فراغهم من بنيان الكعبة، وكان حلفا جميلا على قريش، لأن رسول الله ﷺ حالف فيه فاجتمعوا في ذلك في دار ابن جدعان لشرفه وموضعه في قومه، وكانت له أسباب، سأذكرها-إن شاء الله تعالى-.
١٣٣ - حدّثني عبد الله بن شبيب الربعي مولى بني قيس بن ثعلبة، قال:
حدّثني أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الخزاعي، قال: حدّثني عمرو بن أبي بكر العدوي، قال: حدّثنا عثمان بن الضحّاك عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، قال: سمعت جدّي حكيم بن حزام يقول: انصرفت قريش من الفجار وكان رسول الله ﷺ ابن عشرين سنة، وكان حلف الفضول، في شوال، وكان أشرف حلف وأعظم بركة، وذلك أن الرجل من العرب أو غيرها من العجم كان يقدم مكة بسلعة فربّما ظلم ثمنها، وكان آخر من ظلم بها رجل من بني زبيد فقدم مكة بسلعة له فباعها من العاص بن وائل فظلمه ثمنها، فطاف في الأحلاف: عبد الدار، وجمح، وسهم ومخزوم، فسألهم أن يعينوه على العاص بن وائل، فزجروه وتجهموه، وأبو
стр. 1768
أن يغلبوه على العاص، فلما نظر إلى سلعته قد حيل دونها رقي على جبل أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتها، فصاح بأعلى صوته:
يا لفهر لمظلوم بضاعته ... ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته ... يال الرجال وبين الحجر والحجر
هل قائم من بني سهم بخفرته ... وعادل أم ضلال مال معتمر
فقال الزبير بن عبد المطلب: ان هذا الأمر ما ينبغي لنا أن نمسك عنه فطاف في بني هاشم، وزهرة، وأسد، وتيم، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان وتحالفوا بالله القائل لنكونن يدا للمظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقّه ما بل بحر صوفة، ومارسا حراء وثبير في مكانهما، وعلى الناس في المعاش، ثم نهضوا إلى العاص بن وائل فنزعوا سلعة الزبيدي ودفعوها إليه فقالت قريش:
إنه قد دخل هؤلاء في فضل من الأمر، فسمّى حلف الفضول، فقال الزبير بن عبد المطّلب:
حلفت لنعقدن حلفا عليهم ... وإن كنّا جميعا أهل دار
نسمّيه الفضول إذا عقدنا ... مقربة الغريب لدى الجوار
ويعلم من حوالي البيت أنا ... أباة الضيم تمنع كل عار
قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدّثني عمرو بن أبي بكر، قال: كان يقال:
كان في جرهم مثل هذا الحلف فمشى فيه رجال، منهم فضل وفضال وفضالة فسمّوه حلف الفضول، وقال الزبير بن عبد المطلب:
ان الفضول تحالفوا وتعاقدوا ... أن لا يقيم ببطن مكة ظالم
أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا ... فالجار المظلوم فيهم سالم (١)
стр. 1769
ذكر
شيء من خبر عبد الله بن جدعان التيمي
الذي كان في داره حلف الفضول
١٣٤ - وعن هشام بن الكلبي قال: كان لعبد الله بن جدعان مناديان يناديان، أحدهما بأسفل مكة والآخر بأعلى مكة، وكان المناديان سفيان بن عبد الأسد، وأبو عبد قحافة وكان أحدهما ينادي: ألا من أراد اللحم، والشحم، فليأت دار ابن جدعان. وهو أول من أطعم الفالوذج بمكة (١).
ذكر
موت أهل الشرف من قريش بمكة ومراثيهم
١٣٥ - قال الفاكهي: ثم هلك عبد الله بن جدعان بن عمرو التيمي، فبكته الجن والأنس فأما بكاء الجن:
فحدّثني ابراهيم بن يوسف المكي، قال: حدّثنا اسماعيل بن زياد عن ابن جريج أن عبد الله بن عبّاس-﵄-كان يحدث أن النباش بن زرارة التميمي وكان حليفا لقريش قال: خرجنا إلى الشام تجّارا في الجاهلية وعبد الله بن جدعان حيّ حين خرجنا، فلما سرنا نحوا من خمس عشرة ليلة نزلنا ذات ليلة واشتهينا أن نصبح بذلك المكان. قال: فقام أصحابي وأصابني أرق شديد فإذا هاتف يهتف يقول:
стр. 1770
ألا هلك الهلوك غيث بن فهر ... وذو العز والمجد المؤثل والفخر
قال: فأجبته فقلت:
ألا أيها الناعي أبا المجد والذكر ... من المرء تنعاه لنا من بني فهر؟
فأجابه الهاتف فقال:
نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا الندى ... وذا الحسب المعدود والمنصب الوفر
قال: فأجبته فقلت:
لعمري لقد نوهت بالسيد الذي ... له الفضل معلوم على ولد النضر
فأخبر وأخبران علمت وفاته ... فإنك قد أخبرت جلا من الأمر
فأجابه الهاتف فقال:
مررت بنسوان تخمش أوجها ... عليه صياحا بين زمزم والحجر
قال فأجبته فقلت:
متى إنما عهدي به منذ جمعة ... وستة أيام لغرة ذا الشهر
قال: فأجابه الهاتف فقال:
ثوى منذ أيام ثلاث كوامل ... مع الصبح أو في الصبح في وضح الفجر
قال: فاستيقظت الرفقة وهي تتراجع بنعي ابن جدعان، وقالوا: إن كان أحد نعى لعز وشرف فقد نعى ابن جدعان. فقال الجني:
أرى الأيام لا تبقي عزيزا ... لعزّته ولا تبقي ذليلا
стр. 1771
فأجبته فقلت:
ولا تبقى من الثقلين حيا ... ولا تبقى الجبال ولا السهولا
فقال الجني: صدقت (١).
ذكر
١٣٦ - شيء من رثاء الأنس لعبد الله بن جدعان (٢)
ذكر
أزواد الركب من قريش
١٣٧ - حدّثنا حسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا أبو جعفر، عن هشام ابن الكلبي، قال: وكانوا إذا سافروا لم يختبز معهم أحد، ولم يطبخ إلاّ الأسود ابن عبد المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي ومسافر بن أبي عمرو وابن أمية ابن عبد شمس وأبو أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وزمعة، بن عبد المطلب بن أسد (٣).
ذكر
الحكّام من قريش بمكة
١٣٨ - حدّثنا محمد بن علي النجّار الصنعاني، قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني بشير بن تميم بن الحارث بن عبيد بن عمرو بن
стр. 1772
مخزوم، قال: كان أول من حكم في الجاهلية بالقسامة والدية عبد المطلب، حكم بالقسامة في رجل، وبمائة من الإبل في رجل، وكان عقل أهل الجاهلية الغنم (١).
١٣٩ - وحدّثني الحسن بن حسين الأزدي، قال: حدّثنا محمد أبو جعفر، عن الكلبي، في الحكّام من قريش قال: فمن بني هاشم: عبد المطلب بن هاشم، والزبير، وأبو طالب ابنا عبد المطلب، ومن بني أمية: حرب بن أمية، وأبو سفيان بن حرب، ومن بني زهرة: العلاء بن الحارثة الثقفي، حليف بني زهرة، ومن بني مخزوم: العدل وهو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ومن بني سهم: قيس بن عدي بن سعد بن سهم، والعاص ابن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم. ومن بني عدي بن كعب [الخطاب] بن نفيل بن عبد العزى بن رزاح (٢).
ذكر
انحاء نكاح الجاهلية وتفسيرها،
وذكر البغايا وراياتهن *
١٤٠ - عن ابن أبي ملكية قال: تبرز عمر بأجياد، فدعا بماء فأتته أم مهزول، وهي من البغايا التسع اللاتي كنّ في الجاهلية، فقالت: هذا ماء ولكنه في إناء لم يدبغ. فقال: هلمّ فإن الله جعل الماء طهورا (٣).
١٤١ - عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن عمر: أن امرأة كان يقال لها
стр. 1773
أم مهزول، تسافح في الجاهلية، فأراد بعض الصحابة أن يتزوّجها، فنزلت:
﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إِلاّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ (١).
١٤٢ - عن مجاهد في هذه الآية قال: هن بغايا كنّ في الجاهلية، معلومات لهن رايات يعرفن بها (٢).
١٤٣ - وعن عاصم بن المنذر، عن عروة بن الزبير مثله، وزاد (كرايات البيطار) (٣).
ذكر
١٤٤ - من ولي الإجازة بالناس من عرفة ومزدلفة ومنى
من العرب في ولاية جرهم، وفي ولاية قريش،
وفي ولاية خزاعة وقريش على مكة (٤)
ذكر
انتقال الإجازة من صوفة إلى عدوان *
١٤٥ - حدّثني الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني ابراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران قال: أخبرني عقال بن شبة قال: فلم تزل الإجازة إلى عقد صوفة حتى أخذتها عدوان، فلم تزل في عدوان حتى أخذتها قريش، ثم كان الحج مختلفا فكانت قريش تدفع بمن معها من المزدلفة، وكان أبو سيارة يدفع بقيس من عرفة، وأبو سيارة من بني عبد بن معيص بن عامر بن لؤي وقيس أخواله.
стр. 1774
١٤٦ - وحدّثني أحمد بن سليمان، قال حدّثنا زيد بن مبارك، قال: حدّثني أبو ثور، عن ابن جريج، قال: وقال مولى بن عبّاس: وكانت الحمس من عدوان، قال: وكانوا يقومون بالمزدلفة حتى يدفعوهم، ومن يعرف بعرفة من المزدلفة غداة جمع، وكان يدفع بهم أبو سيارة على حمار له، وكان يقول:
أشرق ثبير كيما نغير.
١٤٧ - وحدّثنا حسن بن الحسين الأزدي، عن أبي عبد الله بن الأعرابي، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، نحوا من الأحاديث الأولى، وزاد فيه: فكان كرب بن صفوان بن شحنة بن عطارد يأخذ بالطريق فلا يفيض أحد من عرفات حتى تغيب الشمس. وكان يلي ذلك منهم-يعني الإجازة-كرب بن صفوان، وكانوا يقفون ولا يعرفون الوقوف بها فيقيمون يفتخرون بآبائهم، وبأفعالهم، ويسألون لدنياهم، فأنزل الله- : ﴿فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ الآية، فإذا غربت الشمس سارع نحو جمع ويسيرون خلفه، لكل حي مجيز سوى ذلك حتى يأتوا الحمس في جوف الليل فيقضوا معهم، وقد أخذ الطريق لا يخرج أحد قبل طلوع الشمس، فإذا أصبحوا قام أبو سيارة عميلة بن الأعزل بن خالد بن الحرث العدواني فقال:
أشرق ثبير كما نغير، اللهم إني أسألك طريقة قريش فبيّن لنا يا رب حقنا، ثم يقول: اللهم أصلح بين نسائنا، وبغض بين رعائنا، واجعل أموالنا عند سمحائنا، ثم يفيض من مزدلفة إلى منى على فرس له وان حمير عرضت لأبي سيارة ذات عام، فقالوا: نحن أولى بهذا منك. فقال: كذبتم في بلدي ونسكي، وديني، هذا أمر نحن شرعناه أولا وبنا اقتدت العرب فيه، وهذا ميراث لنا عن آبائنا، والحرمة حرمتنا، فأبوا عليه، وتعلّقوا بلجامه، فقال: يا آل قيس فلم يكن بها كثير أحد من قيس فقال: يا آل مضر فثار إليه بنو أسد بن
стр. 1775
خزيمة وبنو كنانة واستنقذوه. ثم قالوا: والله لا يجيز بهم إلاّ على حمار، فإنهم قد استيطنوا من الخيل، فحملوه، على حمار، ثمّ رفوا حوله قليلا قليلا، وهم يقولون:
نحن دفعنا عن أبي سياره ... وعن مواليه بني فزاره
حتى أجاز سالما حماره ... مستقبل الكعبة يدعو جاره
وقد قال ذو الإصبع العدواني: ومنهم من يجيز الحج بالسنة والفرض فإذا أتى الناس منى، قام فيهم رجل يقال له: صوفة، كان على صدقة الكعبة.
وكان الذي يجيز بهم من صوفة ثور بن أصفر فإذا جاز الناس في الأبطح اجتمعت كندة إلى بكر بن وائل فأجازوا بهم حتى يبلغ البيت وقال الشاعر:
وكندة إذا ترعى عشية حجّنا ... يجيز بها حجاج بكر بن وائل
قال فلم يزل أبو سيارة يجيز بالناس حتى أتاهم قصي بن كلاب (١).
١٤٨ - حدّثنا الحسن بن عثمان عن الواقدي قال: وحدّثني عمران بن أبي أنس عن محمد بن سعيد بن المسيب، عن أبيه عن حويطب بن عبد العزي قال: رأيت أبا سيارة يدفع بالناس من جمع على أتان له عقوق (٢).
ذكر
سبب تسمية «صوفة» ب (صوفة) *
١٤٩ - عن الزبير بن بكار، قال أبو عبيدة: وصوفة وصوفان يقال لكل من ولي البيت من غير أهله أو أقام بشيء من خدمة البيت أو بشيء من أمر المناسك
стр. 1776
يقال لهم: صوفة وصوفان. قال أبو عبيدة: وانهم بمنزلة الصوف، فيهم القصير والطويل والأسود والأحمر ليسوا من قبيلة واحدة.
١٥٠ - وذكر أبو عبد الله-يعني الزبير أنه حدّثه أبو الحسن الأثرم، عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي، قال: إنما سمّي الغوث بن مر «صوفة» لأنه كان لا يعيش لأمه ولد، فنذرت لئن عاش لتعلقّن برأسه صوفة ولتجعلنه ربيطا للكعبة. ففعلت فقيل له صوفة ولولده من بعده وهو الربيط.
١٥١ - وعن ابراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: أخبرني عقال بن شبة، قال: قالت أم تميم بن مر وولدت نسوة، فقالت: لله عليّ نذر لئن ولدت غلاما لأعبدنه للبيت، فولدت الغوث أكبر من ولد من مر، فلما ربطته عند البيت أصابه الحر فمرت به، وقد سقط وزوى واسترخى، فقالت:
ما صار ابني إلاّ صوفة فسمّي صوفة (١).
ذكر
أن الإجازة كانت في مضر
١٥٢ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثنا عبد العزيز بن عمر الفهري، عن عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم، عن عمرة، عن عائشة، قالت: وقد كانت في بعض ولد مضر بن نزار من ولد اسماعيل خلال أربع لا ينكرها العرب ولا يدفعونهم عنها، يعدون فيها ولاية جرهم الإجازة للناس بالحج من عرفة، وكان الذي يلي ذلك من
стр. 1777
مضر الغوث بن مر بن أد بن طابخة بن خندق بن مضر بن نزار، وولده من بعده. ويقال للغوث وولده من بعده: إن لهم صوفا، فقالت: أجيزوا صوفه.
١٥٣ - حدّثنا الحسن بن عثمان، عن الواقدي، قال: حدّثني ربيعة بن عثمان قال: سألت الزهري هل كانت الإجازة من عرفة أو من جمع عند جمرة العقبة في أحد من اليمن في الجاهلية؟ فقال: لا، هذا لا يعرف، إن الصبيان ليعلمون أنه إنما كان في مضر. قال الواقدي: وسألت عبد الله بن جعفر الزهري، هل سمعت الإجازة في شيء من المشاعر في الجاهلية كانت في كنانة؟ فقال: لا.
ذكر
آخر رجل من المشركين أجاز
الناس ومتى كان *
١٥٤ - وقال الواقدي: وسألت ربيعة بن عثمان التيمي وعبد الله بن جعفر عن آخر رجل من المشركين دفع بالناس من عرفة، والمزدلفة، ومنى، فقال ربيعة: آخرهم كرب. وقال عبد الله بن جعفر: دفع بهم سنة ثمان وأنسي أبو تمامة بمنى (١).
стр. 1778
ذكر
من ولي انساء الشهور من العرب بمكة
١٥٥ - عن الفاكهي: قال الكلبي: فكان أول من أنسأ الشهور من مضر مالك بن كنانة، وذلك أن مالك بن كنانة نكح إلى معاوية بن ثور الكندي، وهو يومئذ في كندة، وكانت النساءة قبل ذلك في كندة لأنهم كانوا قبل ذلك ملوك العرب من ربيعة ومضر، وكانت كندة من أرداف المقاول، فنسيء ثعلب ابن مالك، ثم نسيء بعده الحارث بن مالك بن كنانة، وهو القلمّس، ثم نسيء القلمس سويد بن القلمس، ثم كانت النساءة في بني فقيم من بني ثعلبة، حتى جاء الإسلام، وكان آخر من نسيء منهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن أمية بن عبد الله بن فقيم، وهو الذي جاء في زمن عمر بن الخطّاب إلى الركن الأسود، فلما رأى الناس يزدحمون عليه، قال: أيها الناس أنا له جار فاخّروا، فخفقه عمر-﵁-بالدرة، ثم قال: «أيها الجلف الجافي قد أذهب الله عزّك بالإسلام» فكل هؤلاء قد نسيء في الجاهلية (١).
ذكر
أوّل من أنسأ الشهور من العرب بمكة
١٥٦ - قال الفاكهي عن الكلبي: ويقال: إن أوّل من أنسأ الشهور عدي ابن زيد بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم كان بعد عديّ ابن عبد الله بن فقيم، ثم كان بعده عباد بن حذيفة، ثم كان قلع بن عباد،
стр. 1779
ثم كان أمية بن قلع، ثم عوف بن أمية، ثم جنادة بن عوف، وقد أدركه الإسلام فيما يقال، وكان أبعدهم ذكرا وأطولهم أمدا، يقال إنه أنسأ أربعين سنة والله أعلم أكان ذلك أم لا، أم أقل أم أكثر (١).
ذكر
شيء من خبر خديجة قبل
زواجها من النبي ﷺ *
١٥٧ - عن أنس-﵁،أن النبي ﷺ كان عند أبي طالب فأستاذنه أن يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث بعده جارية له، يقال لها نبعة، فقال لها: انظري ما تقول له خديجة؟ قالت نبعة: فرأيت عجبا إلا أن سمعت به خديجة فخرجت إلى الباب، فأخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا الشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فأعرف حقي، ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي. قالت، فقال لها: والله لئن كنت أنا هو، قد احتنفت عندي مالا أضيعه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضّيعك أبدا (٢).
стр. 1780
ذكر
أول النساء إسلاما بعد صلح الحديبية
١٥٨ - ذكر الفاكهي: أن سبيعة بنت الحارث أوّل امرأة أسلمت بعد صلح الحديبيّة أثر العقد وطي الكتاب، ولم تخفي، فنزلت آية الامتحان فامتحنها النبي ﷺ وردّ على زوجها مهر مثلها وتزوّجها عمر (١).
ذكر
السبب في فتح مكة
١٥٩ - حدّثنا سعيد بن عبد الرحمن، حدّثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريج، قال: قال عطاء: وكانت خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ ، فأصابت بنو بكر منهم قتيلا، فقالت بنو بكر لقريش: لا تسلموا بني عمّكم، فركب بديل إلى رسول الله ﷺ ، فلم يصدّقه، وأرسل معه رسول الله ﷺ طليعة يستطلعهم، قال: فجاء به بديل بن ورقاء، فجعل يقف به على قريش ويكلّمهم، فقالوا: قد عرفنا إنما أنت مستطلع، فو الله لا نسلمهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فأنشأ حينئذ يتجهّز لنصر حلفائه (٢).
стр. 1781
ذكر
١٦٠ - جواب أبي بكر وعمر-﵄
لأبي سفيان حين جاء إلى المدينة يجدّد العهد،
ويزيد في مدته (١)
ذكر
١٦١ - سؤال أبي سفيان فاطمة-﵂
لتجير بين الناس وتشفع له عند رسول الله ﷺ
في تمديد العهد (٢)
ذكر
شيء من خبر صلح الحديبية، وفتح مكة *
١٦٢ - حدّثنا محمد بن ادريس بن عمر من كتابه، قال: حدّثنا سليمان بن حرب قال: حدّثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة، فذكر خبرا، يقتضي موادعة النبي ﷺ أهل مكة، ودخول خزاعة في صلح رسول الله ﷺ ودخول بني بكر في صلح قريش، وما كان بين خزاعة وبني بكر بعد ذلك من القتال، وإعانة قريش لهم بالسلاح، والطعام، وتخوف قريش أن يكونوا قد نقضوا، وإرسالهم أبا سفيان بن حرب إلى النبي ﷺ ليجدّد الحلف، ويصلح بين الناس، وقدوم أبي سفيان إلى المدينة، ثم قال: وقال رسول الله ﷺ : قد
стр. 1782
جاءكم أبو سفيان فيرجع راجيا بغير حاجة. قال: فأتى أبا بكر-﵁-فقال: يا أبا بكر، جدّد الحلف والصلح، بين الناس، أو قال: بين قومك، فقال أبو بكر-﵁:الأمر إلى الله، وقد قال له فيما قال: ان أعان قوم على قوم، وأمدهم بسلاح وطعام ما ان يكونوا نقضوا (١)، فقال أبو بكر-﵁:الأمر إلى الله وإلى رسول الله (٢).
١٦٣ - ذكر الفاكهي ما يوهم أن قدوم أبي سفيان بن حرب المدينة لتجديد الحلف والإصلاح بين الناس، كان قبل قدوم وافد خزاعة على رسول الله ﷺ المدينة، لإعلامه بما كان من قتال بني بكر، لهم، ومعاونة قريش عليهم، لأن في الخبر السابق بعد إتيان أبي سفيان لعمر، وقوله له نحوا ممّا قال لأبي بكر، وجواب عمر، لأبي سفيان بنحو من جوابه الذي أجابه، على نحو ما ذكره ابن عقبة، وإتيانه لفاطمة، وسؤاله لها، في تجديد الحلف والإصلاح بين الناس، وقولها له: ليس الأمر إلي، وإتيانه عليا، وقوله له نحوا ممّا قال لأبي بكر، وإشارة علي له بالجيرة، بين الناس: «ثم انطلق-يعني أبو سفيان- حين قدم مكة، فأخبرهم بالذي صنع، فقالوا: ما رأينا كاليوم وافد عشيرة، والله ما أتيتنا اليوم بحرب، فنحذر، ولا أتيتنا اليوم بصلح فنأمن، ارجع.
قال: وقدم وافد خزاعة على رسول الله ﷺ ، فأخبره بالذي صنع القوم، ودعاه إلى النصر، وأنشد في ذلك شعرا».
стр. 1783
ذكر
الموضع الذي أفطر فيه النبي ﷺ
وهو متوجه إلى فتح مكة
١٦٤ - حدّثنا أبو بشر بكر بن خلف، قال: حدّثنا ابن أبي عياش، قال:
حدّثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عبّاس، قال: صام رسول الله ﷺ عام الفتح حتى بلغ عسفان.
١٦٥ - حدّثنا هارون بن موسى المروزي، قال: حدّثني ابراهيم.
١٦٦ - وحدّثنا محمد بن يحيى الزماني، وحسين بن حسن المروزي، قالا:
حدّثنا عبد الوهاب الثقفي جميعا، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر ابن عبد الله-﵄-أن رسول الله ﷺ خرج إلى مكة عام الفتح، فصام حتى بلغ كراع الغميم فقيل له: إن الناس قد شقّ عليهم الصيام، فدعا بقدح من ماء بين الصلاتين فشربه، والناس ينظرون إليه، فأفطر بعض الناس، وصام بعضهم، فبلغ رسول الله ﷺ أن أناسا صاموا، فقال ﷺ : أولئك العصاة، ثلاث مرات (١).
ذكر
لقاء أبي سفيان لجيش المسلمين عند مرّ الظهران *
١٦٧ - وذكر الفاكهي في الخبر الذي رواه عن محمد بن ادريس بن عمر المشار إليه ما يقتضي أنّ أبا سفيان لما سأل عن العسكر، والنيران قيل له في
стр. 1784
ذلك: غير ما سبق، لأنه قال: فأمر رسول الله ﷺ بالرحيل، فارتحلوا، فسار حتى نزلوا مرّا، وجاء أبو سفيان ليلا، فرأى العسكر والنيران، فقال: ما هؤلاء؟ قالوا هذه تميم، أمحلت بلادها، وانتجعت بلادكم، قال: هؤلاء والله أكثر من أهل منى، أو قال مثل أهل منى (١).
ذكر
جوار العبّاس لأبي سفيان
بعد أن أخذه حرس المسلمين عنوة *
١٦٨ - وفي هذا موافقة لما في الخبر الذي ذكره الفاكهي من أن أبا سفيان علم خبر النبي ﷺ من غير العبّاس (٢).
ذكر
إسلام أبي سفيان *
١٦٩ - وذكر الفاكهي ما يقتضي أن أبا سفيان أسلم ليلا، لأنه قال في الخبر الذي رواه عن ابن ادريس تلو قوله: فأخبره العبّاس الخبر، وانطلق به إلى رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ في قبّة له، فقال رسول الله ﷺ : يا أبا سفيان أسلم تسلم، قال: فكيف أصنع باللات والعزى؟ قال أيوب: فحدّثني أبو الخليل، عن سعيد بن جبير، قال: فقال له عمر وهو خارج من القبة في
стр. 1785
عنقه السيف: أخر عليها، أما والله لو كنت خارجا من القبة ما قلتها أبدا، فقال أبو سفيان: من هذا؟ قالوا: عمر-ثم رجع إلى حديث أيوب عن عكرمة، قال: فأسلم أبو سفيان، وانطلق به العبّاس إلى منزله، فلما أصبحوا ثار الناس لظهورهم، فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل أو أسرّ الناس فيّ بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، انتهى باختصار (١).
ذكر
سبب حبس العبّاس لأبي سفيان
في خطم الجبل *
١٧٠ - حدّثني الحسين بن عبد المؤمن: حدّثنا علي بن عاصم، عن حصين عن عبيد الله بن عبد الله، قال: فلما جعل أبو سفيان يساير العبّاس بن عبد المطلب رأى من الناس انتشارا، والناس في حوائجهم ليسوا بحضرة عدوه.
قال: فهؤلاء يريد أن يغلبني ويقتلني محمد؟ قال يا عبّاس أنبئني من خلق السماء؟ قال: الله، قال: فأنبئني من خلق الأرض؟ قال: الله. وجعل يسأله عن أشياء نحوها، فعرف أن الإسلام لم يدخل قلبه فتخلف عنه، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال ﷺ : عم أدع إليّ خالد بن الوليد، فدعى له وهو على مقدمة رسول الله ﷺ قال: يا خالد، قال: لبّيك يا رسول الله، قال:
أضمم إليك الخيل. قال: نعم، ولم تكن بحضرة عدوك يا رسول الله، قال:
أضمم إليك الخيل، قال: نعم، فضمّ إليه الخيل، قال: ادع لي أبا عبيدة ابن الجرّاح، فدعا له، فقال: يا أبا عبيدة اضمم إليك الناس، قال: نعم،
стр. 1786
قال: فضمّ إليه الناس، قال: وبقي رسول الله ﷺ في الضعفاء، وفي المشاة، وفي الردافى، فقال للعبّاس: انطلق به، فقف به من مكان كذا، وكذا. قال: فذهب العبّاس فوقف بأبي سفيان في المكان الذي أمره رسول الله ﷺ فهو يحدثه إذ أقبل خالد بن الوليد-﵁-في الخيل فلما رآهم أبو سفيان في الخيل قال يا عبّاس: في هؤلاء محمد؟ قال: لا هذا خالد بن الوليد، هذا سيف الله. قال: فمضى خالد في الخيل، ثم أقبل أبو عبيدة بالناس، فلما رآهم قال: يا عبّاس أفي هؤلاء محمد؟ قال: لا، هذا أبو عبيدة بن الجراح، هذا أمين الله على الناس. قال: مضى أبو عبيدة في الناس، ثم أقبل النبي ﷺ في الردافى، والمشاة، وضعفاء الناس، فلما رآهم عرف أن النبي ﷺ فيهم. فقال: يا عبّاس، هذا محمد؟ قال: نعم، هذا رسول الله ﷺ قال: يا عبّاس لا تفلح قريش بعد اليوم أبدا. خذ لي من محمد الأمان. فأتى العبّاس النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن الله قد أرعبه وانه يسأل الأمان. قال: نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن (١).
ذكر
دخول النبي ﷺ وأصحابه مكة يوم الفتح
١٧١ - حدّثنا محمد بن إدريس بن عمر-من كتابه-قال: حدّثنا سليمان ابن حرب، قال: حدّثنا حماد، عن أيوب، عن عكرمة-فذكر حديثا طويلا في قصة الفتح-وفيه قال: فقال أبو سفيان: واصباح قريش، فقال العبّاس: يا رسول الله لو أذنت لي فأتيت أهل مكة فدعوتهم وأمنتهم وجعلت لأبي سفيان شيئا
стр. 1787
يذكر به؟ قال: فانطلق العبّاس-﵁-حتى ركب بغلة رسول الله ﷺ الشهباء، فانطلق فقال ﷺ : «ردّوا على عمي فإن عم الرجل صنو أبيه» قال: فانطلق العبّاس حتى قدم على أهل مكة، فقال: يا أهل مكة أسلموا تسلموا، قد استبطنتم بأشهب بازل، قال: وقد كان رسول الله ﷺ بعث الزبير من قبل أعلا مكة، وبعث خالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، فقال لهم العبّاس:
هذا الزبير من قبل أعلا مكة، وخالد بن الوليد من قبل أسفل مكة، وخالد وما خالد، وخزاعة المخزعة الأنوف. قال: ثم قال: من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قال: ثم جاء رسول الله ﷺ فتراموا بشيء من النبل، ثم إن رسول الله ﷺ ظهر عليهم فأمن الناس إلا خزاعة عن بني بكر. قال وذكر أربعة: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح، وابن خطل، وسارة مولاة بني هاشم. قال حماد:
وسارة لا أدري في حديث أيوب أو في حديث غيره قال: فقاتلتهم خزاعة إلى نصف النهار، فأنزل الله- : ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً﴾.الآية والتي بعدها، ثم قال بعد قوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ قال: خزاعة ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: خزاعة ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ قال خزاعة (١).
ذكر
الثنيّة التي دخل منها رسول الله ﷺ يوم الفتح
١٧٢ - حدّثني عبد الله بن شبيب، قال: حدّثنا ابراهيم بن المنذر، قال:
حدّثني معن بن عيسى، عن عبد الله بن عمر، عن حفص، عن نافع، عن
стр. 1788
ابن عمر-﵄-قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة رأى النساء يلطمن وجوه الخيل بالخمر، فتبسم رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: كيف قال حسّان بن ثابت يا أبا بكر؟ فأنشده أبو بكر-﵁:
عدمت بنيتي إن لم تروها ... تثير النقع من كتفي كداء
ينازعن الأعنّة مشعفات ... يلطمهن بالخمر النساء
فقال رسول الله ﷺ : من حيث قال حسّان، فدخل رسول الله ﷺ من كداء أعلى مكة (١).
ذكر
ما كان يلبس النبي ﷺ على
رأسه حين دخل مكة
١٧٣ - حدّثني أحمد بن عبيد، عن عاصم بن مضرس الأنصاري، قال:
أخبرني أبو بكر عمرو الضبي، عن المغيرة، عن ابراهيم، قال: كان النبي ﷺ يوم فتح مكة معتجرا بعمامة سوداء، والعبّاس بن عبد المطّلب كذلك. انتهى باختصار.
١٧٤ - وحدّثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن مساور الورّاق، قال: أخبرني جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه، قال: رأيت على النبي ﷺ عمامة سوداء يوم فتح مكة.
١٧٥ - حدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا بشير بن السري، حدّثنا حماد بن
стр. 1789
سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر-﵁،أن النبي ﷺ دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء (١).
ذكر
أخذ قيس بن سعد بن عبادة الراية من أبيه
١٧٦ - حدّثني الحسين بن عبد المؤمن، قال: حدّثنا علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، قال: حدّثني طاوس، وعامر، قالا: دخل رسول الله ﷺ فقدم خالد بن الوليد، فذكر شيئا من خبره، يأتي ذكره، ثم قال: ألا ان راية الأنصار في يد سعد بن عبادة (وقد مات سعد بن معاذ، وصار سعد ابن عبادة سيد القوم، الراية في يده) فبينما هو واقف، والأنصار حوله، إذ نظر فلم يرّ حوله إلاّ الأنصار. فقال:
اليوم يوم الملحمه ... اليوم تستحلّ الحرمه
ودخل معهم من المهاجرين من لا يفطن له، فاشتدّ وهم لا يعلمون فأتى النبي ﷺ ، فأخبره بما سمع من سعد بن عبادة. فقال له: أنت سمعته يقول هذا؟ قال: نعم، قال: من ههنا أدعو إلى قيس بن سعد بن عبادة، فجاء الرسول وهو واقف مع أبيه، والراية في يد أبيه، وقال: يا قيس يدعوك رسول الله ﷺ فجاءه، فقال: يا قيس، قال: لبّيك يا رسول الله، فقال: اذهب فخذ الراية من سعد، قال: نعم يا رسول الله، قال: فجاءه الأنصار حوله فقال: أعطني الراية، قال: لا، لا أم لك. قال: أعطنيها ولا تحمق نفسك.
قال لا: إلا أن يكون رسول الله ﷺ أمرك بهذا، قال: أمرني بذلك رسول الله
стр. 1790
صلّى الله عليه وسلم قال: فسمعا وطاعة، ودفع الراية إلى قيس ابنه، فدخل رسول الله ﷺ مكة، والراية مع قيس بن عبادة (١).
ذكر
من قال إن الذي أخذ الراية من سعد هو
الزبير بن العوام-﵁ *-
١٧٧ - حدّثنا عبد الله بن أحمد بن أبي مسرة، قال: حدّثنا محمد بن الحسن، قال: حدّثتني أم عروة، عن أمها عن جدّها، عن الزبير بن العوام، قال: أعطاني رسول الله ﷺ يوم فتح مكة لواء سعد بن عبادة، ودخل مكة بلواءين (٢).
ذكر
صفة راية رسول الله ﷺ يوم الفتح
١٧٨ - حدّثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال:
حدّثنا شريك بن عبد الله النخعي، عن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: دخل رسول الله ﷺ مكة ولواؤه أبيض. قال الحسن بن علي: يعني: يوم الفتح (٣).