← Книги сунны

Книги сунны · id 27

أخبار مكة - الفاكهي - ط 4

أبو عبد الله الفاكهي

Полный текст (1 827 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ذات ليلة حتى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من القرآن، يقرأ بها ويسجد ويبكي ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ﴾ (١) إلى آخر الآية. ١٠٢٠ - حدّثنا حسين، قال: أنا المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز، قال: إنّ عبد الله بن عمر-﵄-كان إذا صلّى خلف المقام جعل بينه وبين المقام الصف والصفّين والرجل والرجلين. ١٠٢١ - حدّثنا ابراهيم بن أبي يوسف، قال: ثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن أبيه عن نافع، قال: ما رأيت ابن عمر-﵃-مصلّيا في المسجد الحرام قطّ إلا والمقام بينه وبين البيت. ١٠٢٢ - حدّثنا حسين بن حسن، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: إنّ ابن عمر-﵄ طاف، ثم صلّى خلف المقام ركعتين، ثم قال: ألا إنّ كل ركعتين تكفّر ما بينهما، أو قال: قبلهما، أو كلمة نحوها. ١٠٢٣ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: حدّثنا سفيان، عن سالم بن أبي

стр. 457

حفصة، قال: أول ما عرفت سعيد بن جبير بمكة، صلّيت ليلة وراء المقام، فلبثت قريبا من سعيد وأنا لا أعرفه بعد، فقلت: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت/على إبراهيم وآل إبراهيم، إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، فحصبني سعيد وكأنه أعجبه ما قلت، فقال: من أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، فسرّه ذلك. ١٠٢٤ - حدّثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: ثنا هشام بن سليمان، وعبد المجيد بن أبي روّاد-جميعا-عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن عبّاد بن جعفر، عن عبد الله بن السائب بن أبي السائب، قال: إنّي لأقوم بالناس في شهر رمضان إذ دخل عمر بن الخطاب-﵁-معتمرا، فسمعت تكبيره وأنا أؤم الناس، فدخل، فصلّى بصلاتي-يعني خلف المقام-. ١٠٢٥ - حدّثنا ميمون بن الحكم، قال: ثنا محمد بن جعشم، عن ابن جريج، عن محمد بن عبّاد بن جعفر، وعمرو بن عبد الله بن صفوان، وغيرهما قال: إنّ عمر-﵁-قدم فنزل في دار ابن سباع، فقال: يا أبا عبد الرحمن لعبد الله بن السائب، فأمره أن يجعل المقام في موضعه الآن، قال: وكان عمر-﵁-قد اشتكى رأسه، فقال: يا أبا عبد الرحمن صلّ للناس صلاة المغرب، فصلّيت وراءه، قال: فكنت أول

стр. 458

الناس صلّى وراءه حين وضع، ثم قام فأحسست عمر-﵁-وقد صلّيت ركعة، فصلّى ورائي ما بقي. ١٠٢٦ - حدّثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا عبّاد بن منصور، قال: رأيت عمر بن عبد العزيز-﵁ يصلّي خلف المقام مخبتا تطوعا. ١٠٢٧ - وحدّثنا أبو بشر-بكر بن خلف-قال: ثنا يحيى بن سعيد القطّان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄-قال: خير المسجد خلف المقام، وعن يمين الإمام. ١٠٢٨ - حدّثنا القاسم بن أحمد-أبو محمد عن-أحمد بن حميد، قال: قال سفيان بن عيينة: بينما أنا أطوف إذا أنا برجل مشرف على الناس حسن الشيب، فقال بعضنا لبعض: ما أشبه أن يكون هذا رجلا من أهل العلم، فاتّبعناه حتى إذا قضى طوافه، وصار إلى المقام صلّى ركعتين، فلما سلّم أقبل على القبلة، فدعا بدعوات، ثم التفت إلينا، فقال: هل تدرون ماذا قال ربّكم؟ قال: قلنا: ما قال ربّنا يرحمك الله؟ قال: قال ربّكم: أنا الملك أدعوكم أن تكونوا ملوكا، ثم أقبل على القبلة فدعا بدعوات، ثم التفت إلينا، فقال: هل تدرون ما قال ربّكم؟ قال: قلنا: ما قال ربّنا يرحمك الله؟ قال: قال ربّكم أنا الحيّ الذي لا أموت، أدعوكم إلى أن تكونوا أحياء لا تموتون،

стр. 459

ثم أقبل على القبلة، فدعا بدعوات، ثم أقبل إلينا، فقال: هل تدرون ما قال ربّكم؟ قال: قلنا: ماذا قال ربّنا يرحمك الله؟ قال: قال ربّكم: أنا الذي إذا أردت شيئا كان، أدعوكم إلى أن تكونوا بحال إذا أردتم شيئا كان لكم. ١٠٢٩ - حدّثنا عبد الله بن أحمد بن أبي مسرة، قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول: كان عمرو بن عبيد يصلي الصبح بوضوء العتمة بمكة. ١٠٣٠ - حدّثنا أبو يوسف القاضي، قال: ثنا الحميدي، عن سفيان، قال: سمعت أعرابيا عند مقام إبراهيم-﵊-يقول: اللهمّ لا تحرمني خير ما عندك لشر ما عندي، اللهمّ إن كنت لم تقبل تعبي ولا نصبي فأعطني أجر/المصاب على مصيبته، اللهمّ إنّ لك عندي حقوقا فأسألك أن تهبها لي، وإن للناس عندي تبعات فأسألك أن تحملها عنّي، ولكل ضيف قرى، فاجعل قراي في هذه العشية الجنّة. وذكر عن بعض المكّيين أن الموضع الذي ربط عنده المقام في وجه الكعبة بأستارها إلى أن حجّ عمر بن الخطاب-﵁-فردّه، وذلك أن يعدّ الطائف من باب الحجر الشامي من حجارة شاذروان الكعبة إلى أن يبلغ الحجر السابع، فإذا بلغ الحجر السابع فهو موضعه، وإلا فهو التاسع من حجارة الشاذروان (١).

стр. 460

ذكر الصلاة بين الركن والمقام وفضل ذلك ١٠٣١ - حدّثنا أبو جعفر-أحمد بن صالح-قال: ثنا علي بن عيسى، عن جرير، عن داود، عن الشعبي، عن عمر بن الخطاب-﵁ قال: إنّ النبي ﷺ قال: من صلّى أربع ركعات فيما بين الركن والمقام يقرأ فيهن بهذه الأربع السور: سورة يس، في ركعة، و؟؟ ﴿(تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ)؟؟﴾ في ركعة، و؟؟ ﴿(الم تَنْزِيلُ)؟؟﴾ السجدة في ركعة، و (الدخان) في ركعة، وكّل به ملك يضرب بجناحيه بين كتفيه، وهو يقول: أيها العبد ارفع رأسك، فقد غفرت لك. ١٠٣٢ - وحدّثني أحمد بن صالح، قال: ثنا محمد بن عبد الله، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة-﵂-قالت: قال لي النبي ﷺ : أيّ البقاع خير؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: قلت: يا رسول الله كأنك تريد بين الركن والمقام؟ قال ﷺ : صدقت، إنّ خير البقاع وأطهرها وأزكاها وأقربها من الله-تعالى-ما بين الركن والمقام، وإن فيما بين الركن والمقام روضة من رياض الجنة، فمن صلّى فيه أربع ركعات نودي من

стр. 461

بطنان العرش. أيها العبد غفر لك ما قد سلف منك، فاستأنف العمل. وذرع ما بين الركن الأسود إلى مقام إبراهيم تسعة وعشرون ذراعا وتسع أصابع (١). وذرع ما بين جدر الكعبة من وسطه إلى المقام سبعة وعشرون ذراعا (٢). وذرع ما بين شاذروان الكعبة إلى المقام ست وعشرون ذراعا واثنتا عشرة اصبعا (٣). ومن الحجر الأسود إلى رأس بئر زمزم أربعون ذراعا (٤). ذكر البيعة التي تكون بين الركن والمقام وجامع ذكر المقام ١٠٣٣ - حدّثنا محمد بن يوسف الجمحي، قال: ثنا أبو قرّة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: إنه سمع أبا هريرة-﵁ يحدّث أبا قتادة-﵁-أن رسول الله ﷺ قال: يبايع رجل بين الركن والمقام.

стр. 462

١٠٣٤ - حدّثنا علي بن المنذر، قال: ثنا محمد بن فضيل بن غزوان، قال: حدّثنا أشعث، عن ابن سيرين، قال: يبايع المهديّ بين الحجر والمقام على عدة أهل بدر. ثلاثمائة وثلاثة عشر. ١٠٣٥ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا حكّام بن سلم الرازي، عن المثنّى، عن عطاء، قال: لا يقام بشيء من البيت إلا بين الركن والمقام. ١٠٣٦ - حدّثنا سلمة بن شبيب، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، عن مسلم الأعور، عن حبّة العرني، عن علي-﵁-قال: لو أن رجلا قام اللّيل وصام النهار وذبح بين/الركن والمقام، لم يبعث يوم القيامة إلا مع من يحب بالغا ما بلغ، إن جنة فجنة، وإن نارا فنار. ١٠٣٧ - حدّثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن الوليد، عن سفيان، قال: أخبرني أبو الهيثم، قال: نهاني مجاهد أن أقوم بين الركن والمقام -يعني الحجر-. ١٠٣٨ - حدّثنا محمد بن اسماعيل، قال: ثنا بن أبي أويس، قال: حدّثني

стр. 463

أبي، عن حميد [بن] (١) قيس المكي-مولى بني أسد بن عبد العزى-عن عطاء بن أبي رباح، وغيره من أصحاب ابن عبّاس، عن ابن عبّاس-﵄-عن النبي ﷺ أنه قال: يا بني عبد المطّلب إني سألت الله- -لكم ثلاثا: أن يثبت قائمكم، وأن يهدي ضالكم، وأن يعلّم جاهلكم، وسألته أن يجعلكم جودا نجدا رحماء، ولو أن رجلا صفين (٢) بين الركن والمقام، وصلّى وصام، ثم لقي الله-تعالى-وهو مبغض لأهل بيت محمد ﷺ دخل النار. وقال الشاعر يذكر الصفون: لزم الصّفون فما يزال كأنّه ... ممّا يقوم على الثّلاث كسيرا (٣) ١٠٣٩ - حدّثنا أبو العباس الكديمي (٤) محمد بن يونس بن موسى، قال: ثنا زكريا بن يحيى الخزّاز، قال: ثنا اسماعيل بن عباد المري، قال: ثنا شريك بن عبد الله، عن منصور، عن ابراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن

стр. 464

مسعود-﵁-قال: خرج رسول الله ﷺ من بيت زينب بنت جحش-﵂-فدخل منزل أم سلمة-﵂-ثم قال ﷺ : يا أم سلمة اسمعي واشهدي وهو يقاتل المارقين، والقاسطين بعدي، يا أم سلمة اسمعي وأطيعي وهو يقاتل المارقين والقاسطين بعدي، يا ام سلمة اسمعي واشهدي، لو أنّ رجلا عبد الله-تعالى-ألف عام بين الركن والمقام، وألف عام بعد ألف عام، ثم لقي الله- -مبغضا لهذا-يعني علي بن أبي طالب-﵁-أكبّه الله- -يوم القيامة على وجهه في نار جهنّم. ١٠٤٠ - حدّثنا علي بن عبد العزيز، قال: ثنا أحمد بن محمد بن أيوب، قال: ثنا ابراهيم بن سعد، عن محمد بن اسحاق، قال: قال حمزة بن عبد المطلب-﵁-في قتل عمرو بن الحضرمي يحث قريشا، ويذكر حرمة زمزم والمقام، فقال: وقالوا: حرمة ربّهم أباحوا ... فحلّت حرمة الشّهر الحرام وهم كانوا هناك أشدّ جرما ... بمكّة بين زمزم والمقام ذكر ما تجوز فيه اليمين بين الركن والمقام وتعظيم ذلك والتشديد في اليمين بينهما ١٠٤١ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، ومحمد بن ميمون، قالا: ثنا سفيان،

стр. 465

قال: حدّثني وهب بن عقبة البكائي-وكان قد قلّد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان-﵁-قال: إنّ امرأة زوّجت ابنة لها من رجل، فطلبت منه جملا فمنعها وأبى عليها، فقالت: فإني قد أرضعتكما، فرفع ذلك إلى عثمان ابن عفّان-﵁-فقال: مروها فلتأت الكعبة، فلتحلف عندها. قال: فكأنها تأثّمت حين أتت الكعبة، وقالت: إني [إنّما أردت يعني أن أفرق بينهما] (١). ١٠٤٢ - وحدّثني ابراهيم بن أبي يوسف، قال: ثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن رجل من أصحاب/النبي ﷺ قال: لا تستحلفوا عند المقام على الشيء اليسير، أخشى أن يتهاون الناس به. ١٠٤٣ - حدّثنا ابن أبي أيوب (٢)،قال: ثنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عكرمة بن خالد، قال: قدم عبد الرحمن بن عوف

стр. 466

- ﵁-مكة فرأى جماعة بين الركن والمقام، فقال: ما هذا؟ قالوا: انسان يستحلف. [قال] (١) إلى دم؟ قالوا: لا. قال: إلى مال عظيم اقتطعه؟ قالوا: لا. قال: إني لأخشى أن يتهاون الناس هذا المقام. والناس بمكة لا يستحلفون بين الركن والمقام في أقل من عشرين دينار إلى اليوم. ١٠٤٤ - حدّثنا محمد بن اسحاق بن شبويه، قال: ثنا عبد الرزاق بن همّام، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيّب، قال: لما ولي معاوية بن أبي سفيان-﵁-اتهمت بنو أسد بن عبد العزى مصعب ابن عبد الرحمن الزهري، ومعاذ بن عبيد بن معمر التيمي، بقتل اسماعيل (٢) ابن هبار، فحجّ معاوية فاختصموا إليه، فقصر معاوية-﵁ القسامة فردّها على الذي ادّعى عليهم القتل، فجعلوا خمسين يمينا بين الركن والمقام، فبروا فكان ذاك أول من قضى بالقسامة. ١٠٤٥ - وحدّثني أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي-وسألته عنه

стр. 467

فحدّثني-قال: ثنا قريش بن أنس، قال: ثنا ابن عون، عن نافع، قال: إنّ رجلا مات فأوصى إلى ابن عمر-﵄-فجاءه رجل فادّعى عليه مالا، فقال: يا نافع خذ بيده فانطلق فاستحلفه بين الركن والمقام ثم أعطه، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كأنك تحبّ أن تسمع في أن الذي يراني ثم يراني (١) ها هنا، فقال: استحلفه وأعطه. وذكر بعض أهل مكة عن أشياخهم أنّ المهدي أمير المؤمنين حجّ في سنة ستين ومائة، فنزل دار الندوة، فجاءه عبيد الله بن عثمان بن ابراهيم الحجبي بمقام خليل الرحمن-صلّى الله على نبيّنا محمد وعليه وسلّم-في ساعة خالية نصف النهار مشتمل عليه، فقال للحاجب: ائذن لي على أمير المؤمنين، فإن معي شيئا لم يدخل به على أحد قبله، وهو يسرّ أمير المؤمنين، فأدخله عليه، فتكشّف عن المقام، فسرّ به المهدي، وتمسّح به، وسكب فيه ماء ثم شربه، وقال له: أخرج فارسل إلى بعض أهله فشربوا فيه، وتمسّحوا به ثم أدخله فاحتمله وردّه إلى مكانه، فأمر له بجوائز عظيمة، واقطعه خيفا بنخلة (٢) -من أعراض مكة يقال له: ذات القوبع (٣) -فباعه من منيرة-مولاة المهدي -بعد ذلك بسبعة آلاف دينار (٤). ثم رفع الحجبة بعد ذلك إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله-تعالى- في سنة احدى واربعين ومائتين أن الكرسي المنصوب المقعد فيه المقام ملبس صفائح من رصاص، وانه لو عمل مكان الرصاص فضة كان أشبه وأوفق له،

стр. 468

فأمر أمير المؤمنين بعمل ذلك، فوجّه اسحاق بن سلمة، فخرج في صنّاع جاء بهم من العراق من الصواغ والرخّاميين وغيرهم نيف وثلاثين رجلا، فأخذ في عمل المقام، فجعل الفضة على كرسي المقام مكان الرصاص الذي كان عليه، واتخذ له قبة من خشب الساج مقبوة الرأس بضبات قد جعلها لها من حديد ملبسة الداخل بالأدم، وكانت القبة/قبل ذلك مسطحة، ودخل في ذلك من الفضة آلاف الدراهم (١). وقد كان المقام في سنة احدى وستين ومائة وعلى مكة جعفر بن سليمان قد وهي، فذهب الحجبة يرفعونه فانثلم، وذلك أنّ المقام حجر رخو يشبه الشنان في المنظر، وهو أغبش ومكسره مكسر الرخام الأبيض، فخشوا أن يتفتّت أو يتداعى، فكتبوا إلى أمير المؤمنين المهدي، فبعث إليه بألف دينار أو أكثر، فضببوا بها أعلى المقام وأسفله (٢)،وهو الذهب الذي كان عليه إلى خلافة أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله، ثم أمر به أمير المؤمنين جعفر أن يجعل عليه ذهب فوق ذلك الذهب، ويعمل أحسن من ذلك العمل، فعمل في مصدر الحاج سنة ست وثلاثين، فعمل، ولم يقلع عنه الذهب الأول (٣)،فلم يزل ذلك الذهب حتى كان زمن الفتنة في سنة احدى وخمسين ومائتين (٤)،فأخذ جعفر ابن الفضل، ومحمد بن حاتم فضرباه دنانير وأنفقاه على حرب اسماعيل فيما ذكروا.

стр. 469

وبقي الذهب الذي عمله المهدي أمير المؤمنين، فلم يزل عليه حتى دخلت سنة ست وخمسين ومائتين، ثم ولي مكة علي بن الحسن عام (١)،إذ دخل عليه قوم من الحجبة وأنا عنده، فكلّموه في المقام، وقالوا: انه قد وهي وتسلّلت أحجاره، ونحن نخاف عليه، فإن رأيت أن تجدد عمله وتضبيبه حتى يشتدّ، فأجابهم إلى ما طلبوا من ذلك، فأخذ في عمل المقام في المحرم، فاحضر علي بن الحسن عامة الحجبة، فقلع الذهب والفضة عن المقام وخلوه عنه، فإذا الحجر سبع قطع قد كانت ملصقة بعضها إلى بعض، فزال عنها الإلصاق، فأخذت القطع فجعلت في ثوب، وختم عليه بخاتم، ثم دعا الصاغة إلى دار الإمارة، وأخذ في عمله، وحضرته في ذلك نية، فأمر أن يعمل له طوقان من ذهب طوق للأعلى وطوق للأسفل، وتحت الطوق الأسفل طوق من فضة يشد الطوق الأعلى وهو قطعتان يدخل المقام في احداهما، ثم يلصق عليه الأخرى، ثم يعلا عليها بالطوق الذهب من فوق الفضة، ثم تضبّب جوانبه بضباب من ذهب، ثم يسمّر بمسامير ذهب، وجعل في الطوق كما يدور أربع حلق من فضة يرفع بها المقام. وزاد فيها علي بن الحسن ما يصلحها من الذهب والفضة من عنده (٢)، وذلك أنّ الفضة عجزت بهم، فكان في الطوق الأسفل من الفضة ألف

стр. 470

وستمائة وأربعة وتسعون درهما، وفي الطوق الذهب الذي فوقه سبعمائة وأربعون مثقالا، وجعل الطوق الأعلى أيضا قطعتين يدخل المقام في إحداهما، ثم يلصق عليها الأخرى، ثم يذاب عليهما الرصاص، ثم تضبّب أركانها بضباب من ذهب، ثم يسمّر بعد ذلك. وجعل الطوق الأعلى ذهبا مضمنا وحده، فكل ما في الطوق من الذهب ألف دينار ومائة وتسعة وخمسين مثقالا، وجعل على الطوق الأعلى نجوما وهي مسامير من ذهب كما يدور الطوق، عدد النجوم ستون مسمارا إلا واحدا، ووزنها ثلاثة وتسعون مثقالا تجمع ما في الطوق الأعلى والأسفل/من الذهب بالنجوم ألفا مثقال إلا ثمانية مثاقيل (١)،وعمل على جنس من الصناعة يقال له: الألسن، فأقام الصاغة يعملونه بقية المحرم وصفر، حتى إذا كان يوم الاثنين، وذلك أول يوم من شهر ربيع الأول، أرسل علي بن الحسن إلى الحجبة يأمرهم بحمل المقام إلى دار الإمارة ليركبوا عليه الطوقين اللذين عملا له على ما وصفنا ليكون أقل لزحام الناس، فأتوا به إلى دار الإمارة وأنا عنده، وعنده جماعة من الناس من حملة العلم وغيرهم، في ثوب يحملونه حتى وضعوه بين يديه، فجاء بشر الخادم-مولى أمير المؤمنين- وقد قدم في هذه السنة على عمارة المسجد الحرام، ومسجد النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-واصلاحهما، فأمر علي بن الحسن الفعلة أن يذيبوا العقاقير، فأذابوها بالزئبق، ثم أخرج المقام وما سقط منه من الحجارة، فألصقها بشر بيده بذلك العلك حتى التأمت وأخذ بعضها بعضا، وتمسّح الناس بالمقام، ودعوا الله-تعالى-وذكروه، وذكروا خليله ابراهيم-﵊ وقلبوه ونظروا ونظرت معهم، فإذا في جوانب المقام كلها كما يدور خطوطا، في طول الجانب المستدق منه البارز عن الذهب سبع خطوط مستطيلة، ثم ترجع

стр. 471

الخطوط في أسفله حتى ترجع إلى الجانب الآخر حتى تستبين فيه من الجانب الاخر، وذلك في الترابيع ستة خطوط. وفيه حفر قياسه هذا الخط الذي أخطّه (١).وذلك في عرضه، وفيه أيضا دواوير قياسها هذا الذي أخطّه (٢)؛ وفي وسطه نكية من الحجر وفيه أيضا دوارة في عرضه من الجانب الآخر قياسها هذا الذي أخطّه (٣)،وإذا فيه كتاب بالعبرانية ويقال بالحميرية وهو الكتاب الذي وجدته قريش في الجاهلية فأخذت ذلك الكتاب من المقام بأمر علي بن الحسن بيدي وحكيته كما رأيته مخطوطا فيه ولم آل جهدي وهو الذي خططته الآن (٤). فهذا ما استبان لي من الخطوط وقد بقيت منه بقية لم تستبن لي، فلم أكتبها. ثم أتى بالطوقين فقدرا على المقام فضاقا عنه، فأمر برد المقام إلى موضعه، وأمرهما أن يوسعا حتى يأتي ذلك على القدر، فأقام ثلاثة أيام، فلما كان يوم السبت وذلك لست ليال خلون من شهر ربيع الأول/أرسل علي بن الحسن إلى الحجبة فأحضروا المقام، وحضره أيضا جماعة من الناس، فمسحوا المقام، وصبّوا فيه من ماء زمزم فشربوا وأخذوا في القوارير والكيزان. ودعوا الله -تعالى-وذكروه، وذكروا خليله إبراهيم-﵇-ثم ركب الطوق الأسفل فحضرت الصلاة، فردّ المقام إلى موضعه حتى كان الغد من يوم الأحد، فأمرهم بإحضاره، فأحضروه يوم الأحد، فركب الطوق الأعلى عليه، وحمل إلى موضعه يوم الاثنين لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة ست وخمسين ومائتين وكانت فيه مجالس حسنة ومشاهد جميلة والحمد لله على كل حال.

стр. 472

١٠٤٦ - فحدّثني أبو الحسن علي بن زيد الفرائضي، وأخذ مني هذا الكتاب على المقام، فقال: حدّثني أبو زكريا المغربي-بمصر-وقد أخذ مني هذه النسخة-يعني نسخة هذا الكتاب فقرأتها عليه-فقال لي: أنا أعرف تفسير هذا، أنا أطلب البرابي-والبرابي: كتاب في الحجارة بمصر من كتاب الأولين-قال: فأنا أطلبه منذ ثلاثين سنة، وأنا أرى أي شيء هذا المكتوب في المقام، في السطر الأول: إني أنا الله لا إله إلا أنا. والسطر الثاني: ملك لا يرام. والسطر الثالث: أصباوت، وهو اسم الله الأعظم، وبه تستجاب الدعوات. قال لي أبو الحسن علي بن زيد الفرائضي: وفي تفسير سنيد (١) قال: لما خلق الله-﵎-آدم أقعده بين يديه، فقال: من أنا يا آدم؟ فقال: أنت أصباوت أدناني. قال له الربّ-﵎:صدقت يا آدم، يعني أنت الله الصمد-يقول: اصباوت، الله الصمد. قال لي أبو الحسن علي بن زيد: وزعم أن هذا الكتاب الذي في المقام بالحميرية. ١٠٤٧ - حدّثنا أبو العباس الكديمي، قال: ثنا سهل [أبو] (٢) عتّاب،

стр. 473

قال: ثنا عيسى بن عبد الرحمن، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس-﵄-قال: إن في مقام ابراهيم-﵇ لكتابا لو غسل عنه لقرئ: هذا بيت الله، وضعه على ترابيع عرشه، يأتيه رزقه من كذا، وأول من يحلّه أهله. ذكر ذرع المقام وصفته وما كان عليه إلى اليوم وتفسير ذلك ذرع المقام مربع سعة أعلاه أربعة (١) عشر اصبعا في أربعة عشر اصبعا، ومن أسفله مثل ذلك. وفي طرفيه من أعلاه وأسفله كان فيما مضى من الزمان طوقان، طوق من ذهب، وبين الطوقين من حجر المقام بارز لا ذهب عليه، طوله من نواحيه كلها تسع أصابع، وعرضه عشر أصابع، وذلك قبل أن يجعل عليه الذهب الذي كان عليه [من] (٢) عمل أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله. وعرض حجر المقام من نواحيه أحدى وعشرون اصبعا، ووسطه مربع، والقدمان داخلتان في الحجر سبع أصابع، ودخولهما منحرفتان، وبين القدمين من الحجر اصبعان، ووسطه قد استدق من التمسّح به فيما مضى. والمقام في حوض من ساج مربع حوله رصاص، وعلى الحوض (صفائح

стр. 474

كانت وحياض تلبس بها) (١).وهي اليوم فضة، ومن المقام في الحوض اصبعان، وعلى المقام صندوق ساج مقبو،/ومن وراء المقام ملبن من ساج في الأرض، وفي طرفيه سلسلتان تدخلان في أسفل الصندوق، ويقفل فيهما قفلان (٢) لا يفارقهما حتى يخرج السلطان الى الصلاة، فإذا أقيمت الصلاة جاء القيّمان على المقام-وهما خادمان من خدم الكعبة-ففتحا القفلين، فإذا قام الإمام في مصلاه كشفا له عن المقام حتى يصلي بالناس والمقام مكشوف، فإذا قضى الصلاة أقفلاه إلى مثلها. وكذلك كان حتى كان سنة احدى وأربعين، فجاء اسحاق بن سلمة إلى مكة، وقد أمره أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله بعمله، فعمله عمله الذي وصفنا متقدما (٣).وانما كان المقام يكشف للخليفة ولوالي مكة لا غيرهما، حتى كان بعد ذلك يكشف لأصحاب الشرط، وأصحاب الحرس، فهو على ذلك إلى يومنا هذا. فكان المقام على ما ذكرنا حتى كانت سنة ثلاث وستين ومائتين، وعلى مكة يومئذ الفضل بن العبّاس فمطرت مكة مطرا شديدا، حتى سال الوادي، ودخل السيل من أبواب المسجد، فامتلأ المسجد، وبلغ الماء قريبا من الحجر، فجاء غلمان من غلمان الكعبة وخدمها إلى الفضل بن العبّاس، فأخبروه بذلك وانهم يخافون على المقام، فأمر برفع المقام من موضعه، وادخاله الى الكعبة (٤)،فلما كان بعد ذلك بأيام أمر بعمل المقام، فجعلت له احجار أربعة، فركب بعضها بعضا وهندمت وسويت ونقشت ورفعت على مقدار

стр. 475

موضع المقام، وذلك بعد أن حفر موضع المقام قدر ذراع وثلث في ذراع وثلث سخّا في الأرض، ووجدوا الماء قد عمل في كرسي الخشب، فأكله متقدما حتى أفسده وخرّبه، فأمر بعمله وهو حاضر ذلك، وأمر بفسطاط فضرب على المقام وهو حاضر، واحضر ابن أبي مسرّة، والعلاء بن عبد الجبّار، وناسا من الحجبة، فلما قرّر المقام، وأخرج ترابه، وكان الذي عمله وبناه رجل من أهل مكة يقال له: ابن حوار، فصبّ النورة والمرمر، ثم بنى ذلك بحضرته بهذه الأحجار المهندمة المنقوشة المربعة، وجعل حجرا منها منقوشا، فقرّر المقام عليه، وجعل أربعة أحجار حول كرسي الحجر يلتقي بعضها على بعض فألصقت، وقورت بينها في الإلصاق، وأظهر منها على وجه الأرض شبرا أو أقل حول الكرسي لئلا يصل الماء إذا جاء إلى البناء، ثم جعل كرسي الفضة وكرسي الخشب وسمّروا به، فصار ظهور الحجارة إذا كشف المقام ذراعين، ذراع بناء، وذراع ارتفاع المقام. وكان مقدار مكث المقام في الكعبة إلى أن ردّ إلى موضعه على هذا البناء شهرا واحدا، وكان الإمام في هذه الأيام التي كان فيها الفسطاط على المقام يصلي وهو مستتر، والناس من وراء الفسطاط، إلا من استقبل باب الفسطاط. وكانت على المقام قبل أن يعمل هذا العمل قبة من خشب الساج، فلما فرغ من عمله قدرت عليه فلم تقدر، فعملوا له قبة أخرى منقوشة مقبوة، فهي عليه إلى اليوم. وكان كذلك حتى كانت سنة ثمان وستين ومائتين، فأخذ الأمير الذهب الذي كان عليه من عمل المهدي القديم، فزاد عليه، وعمل المقام عملا جديدا/وأقام أياما في دار الإمارة، حتى عمل في صفر سنة تسع وستين ومائتين، فلما فرغ من عمله حمل إلى موضعه يوم الأحد لخمس ليال مضين من شهر ربيع الأول من سنة تسع وستين ومائتين.

стр. 476

انتهى-بحمد الله- المجلد الأول من القسم الثاني من كتاب: «أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه» للإمام أبي عبد الله محمد بن إسحاق الفاكهي ويليه المجلّد الثاني، وأوله: إخراج جبريل زمزم لاسماعيل وأمه -عليهم الصلاة والسلام- والحمد لله أولا وآخرا

стр. 477

ذكر إخراج جبريل ﵊ زمزم لاسماعيل بن ابراهيم وأمه عليهم الصلاة والسلام وتفسير ذلك ١٠٤٨ - حدّثنا حسين بن حسن بن حرب بن هانئ السلمي، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن حرملة، قال: سمعت سعيد بن المسيّب، يقول: قدم ابراهيم واسماعيل وأمّ اسماعيل إلى مكة، فقال ابراهيم: كلا من الشجر واشربا من الشعاب، فلما ضاقت الأرض وتقطعت المياه عطشا، فقالت امه: اصعد وانصبّ في هذا الوادي حتى لا أرى موتك ولا ترى موتي، ففعلت، فأنزل الله ﵎-على أم اسماعيل ملكا من السماء، فأمرها فصرخت به، فاستجاب لها، فطار الملك، وضرب بجناحه مكان زمزم، وقال: اشربا، فكان سيحا، لو تركته ما زال كذلك، ولكنها فرقت من العطش فقرت في السقاء، وحفرت له في البطحاء، فنضب الماء، فطفقا كلما نضب الماء طوياه، ثم هلك ودفنته السيول.

стр. 478

١٠٤٩ - حدّثني محمد بن أبي عمر، وسلمة بن شبيب، قالا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن أيوب وكثير بن كثير، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن عباس-﵄:قال النبى ﷺ : يرحم الله أم اسماعيل لو تركت زمزم، أو قال: لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا. ١٠٥٠ - حدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: حدّثني محمد بن يونس، قال: ثنا جرير بن حازم، عن أيوب، عن ابن سعيد بن جبير، عن أبيه سعيد بن جبير، عن ابن عباس-﵄-قال: حدّثني أبيّ بن كعب-﵁-قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: رحمة الله على هاجر لو تركت زمزم لكانت عينا معينا. ١٠٥١ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: ثنا سعيد بن سالم، قال: قال عثمان: وأخبرني علي بن عبيد الله بن الوازع، عن أيوب، عن سعيد ابن جبير، عن ابن عباس-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكر نحو الحديث الأول، وزاد فيه: قال: وقال لها الملك: لا تخافي على أهل هذا الوادي ظمأ فإنها عين يشرب بها ضيفان الله.

стр. 479

١٠٥٢ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: ثنا سعيد بن سالم، قال: ثنا عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن أبان، عن أبي إسحاق السبيعي، عن حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب-﵁ أنه قال: استأذن ابراهيم-﵇-امرأته سارة في جاريتها هاجر، فقالت: نعم على أن لا تسوءني، قال: نعم، فأطاف عليها، فولدت اسماعيل، فبينما هو يوما من الأيام جالس، استبق اسماعيل وإسحاق إليه فسبق اسماعيل، فأخذه أبوه، فأجلسه في حجره، فلما جاء إسحاق أخذه فأجلسه على يمينه وعن يساره اسماعيل، وسارة تطلع من فوق البيت قد رأت ما صنع ابراهيم، فلما دخل ابراهيم قالت: قد ساءني فاخرجهما عني، فانطلق بهما حتى نزل بهما مكة، وترك عندها شيئا/من طعام وشراب قليل، قال: أرجع فآتيكما بطعام وشراب أيضا، قال: فأخذت هاجر بثوبه، فقالت: يا ابراهيم إلى من تكلنا هاهنا؟ قال: أكلكم إلى الله-تعالى-فانطلق وتركها. فنفد طعامهم وشرابهم، وقالت: يا بني توار عني حتى تموت، فتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، وقد أيقن كل واحد منهما بالموت إذ نزل جبريل-﵊-في صورة رجل، فقال لهاجر: من أنت؟ قالت: أنا أم ولد ابراهيم. قال: من هذا معك؟ قالت: ابنه اسماعيل. قال لها جبريل-﵇:إلى من وكلكم ابراهيم حين ذهب؟ قالت: أما والله لقد أخذت بثوبه، فقلت: إلى من تكلنا؟ قال: اوكلكما إلى الله. قال: وكلكما إلى كاف. قال: ثم خط باصبعه في الأرض ثم طولها فإذا الماء ينبع وهي زمزم. ثم

стр. 480

قال: ادعي ابنك. قال: فجعلت تدعوه بالعبرانية، فجاء وهو ينجه (١) وقد كاد أن يموت، وأخذت قوتة (٢) عندها يابسة فجعلت ترش عليها الماء تبلها. قال لها جبريل-﵇:إنّها ريّ، ثم صعد جبريل-﵊-وجاء ابراهيم، فقال: جاءكم أحد بعدي؟ قالت: نعم جاءنا خير رجل في الناس، فحدثته، فقال: إن ذلك جبريل-﵊. ١٠٥٣ - حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي-ببغداد-قال: ثنا يونس ابن بكير، عن سعيد بن ميسرة، عن أنس بن مالك-﵁-قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: لما طردت هاجر أمّ اسماعيل سارة وضعها ابراهيم ﵇-بمكة، عطشت هاجر، فنزل عليها جبريل-﵇ فقال: من أنت؟ قالت: هذا ولد ابراهيم، قال: أعطشى أنت؟ قالت: نعم، فبحث الأرض بجناحه، فخرج الماء، فاكبت عليه هاجر تشربه، فلولا ذاك كانت عينا جارية. ١٠٥٤ - حدّثنا عبد الله بن عمران، قال: ثنا سعيد بن سالم، قال: قال عثمان: أخبرت أن عمر بن الخطاب-﵁-سأل كعبا عن أشياء،

стр. 481

فقال: حدّثني عن زمزم، قال: وطأة جبريل-﵇،خفقة من جناحه، حين خشيت هاجر على ابنها العطش. ١٠٥٥ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: ثنا سعيد بن سالم، قال: ثنا عثمان بن ساج، قال: بلغنا في الحديث المأثور عن وهب بن منبّه، قال: كان بطن مكة ليس فيه ماء، وليس لأحد فيه قرار حتى أنبط الله -تعالى-لاسماعيل-﵇-زمزم، فعمرت مكة يومئذ وسكنها من أجل الماء قبيلة من اليمن يقال لهم: جرهم، وليست من عاد كما يقال، ولولا الماء الذي أنبطه الله-تعالى-لاسماعيل-﵇-لما أراد من عمارة بيته، لم يكن لأحد بها يومئذ مقام. قال عثمان وذكر غيره: أن زمزم تدعى سابق، وكانت وطأة من جبريل وكان سقياها لاسماعيل يوم فرج له عنها جبريل-﵇-وهو يومئذ وأمه عطشانان، فحفر ابراهيم-﵇-بعد ذلك البئر ثم غلبه عليها ذو القرنين [وأظن أن ذا القرنين كان سأل ابراهيم أن يدعو الله له، فقال: كيف وقد أفسدتم بئري، فقال ذو القرنين] (١):ليس عن أمري كان، ولم يخبرني أحد أن البئر بئر ابراهيم، فوضع السلاح، وأهدى ابراهيم إلى ذي القرنين بقرا وغنما فأخذ ابراهيم-﵇-سبعة أكبش فأقرنهم وحدهم، فقال ذو القرنين: ما شأن/هذه الأكبش يا ابراهيم؟ فقال ابراهيم: هؤلاء يشهدون لي يوم القيامة أن البئر بئر ابراهيم-﵇ (٢).

стр. 482

١٠٥٦ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تريد شفاء شفاك الله، وان شربته لظمأ أرواك الله، وربما قال: ان شربته يقطع عنك الظمأ قطعه الله، وان شربته لجوع أشبعك الله. قال: وهي برة، وهي هزمة جبريل ﵇-بعقبه، وسقيا الله اسماعيل، وإنما سميت زمزم لأنها مشتقة من الهزمة، والهزمة: الغمزة بالعقب في الأرض. ١٠٥٧ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني حمزة بن عتبة اللهي، قال: قال سعيد مولى أبي لهب في زمزم وهو يذكر هذه الخصال: زمزم بئر لكم مباركة ... تمثالها في الكتاب ذى العلم طعام طعم لمن اراد وإن ... تبغي شفا أشفته من سقم ١٠٥٨ - حدّثنا عبد الله بن عمران المخزومي، قال: ثنا سعيد بن سالم، قال: ثنا عثمان بن ساج، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: حدّثني

стр. 483

عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد (١) أبي الحجاج انه قال: لم نزل نسمع ان زمزم هزمة جبريل بعقبه وسقيا الله اسماعيل. ١٠٥٩ - وحدّثنا عبد الله بن عمران، قال: ثنا سعيد بن سالم، عن عثمان، قال: أخبرني محمد بن إسحاق، قال: وقد قالت صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ -ورضي الله عنها-: نحن حفرنا للحجيج زمزما ... شفاء سقم وطعام مطعما ركضة جبريل ولمّا تعظما ... سقيا نبيّ الله في المحرما ابن خليل ربّنا المكرّما ذكر حفر عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف زمزم وتفسير أمره ١٠٦٠ - حدّثنا عبد الله بن أبي سلمة، قال: ثنا حسان بن عباد، عن عبد الأعلى بن أبي المساور، قال: حدثنا عكرمة، عن ابن عباس-رضي الله

стр. 484

عنهما-قال: أتي عبد المطلب في المنام، فقيل له: احتفر؟ قال: ما احتفر؟ قال: برّة. قال: وما برّة؟ قال: مضنونة ضنّ بها عن الناس واعطيتموها. قال: وأتاه بنو عمه، فقال: إني رأيت في المنام، قيل لي: احتفر، قلت: ما احتفر؟ قال: برّة. قلت: وما برّة؟ قال: مضنونة ضنّ بها عن الناس واعطيتموها. قالوا: أولا سألته؟ قال: فنام فأتي في المنام، فقيل: احتفر. فقال: وما احتفر؟ قال احتفر زمزم. قال: وما زمزم؟ قال: لا تنزف (١) ولا تذم (٢)،تسقي الحجيج الأعظم. قال: فانتبه فأخبرهم برؤياه. قالوا: أفلا سألته أين موضعها؟ قال: فنام فأتي في المنام فقيل له: احتفر. قال: وأين؟ قال: مسلك الذرّ (٣)،وموضع الغراب، بين الفرث والدم. قال: فاستيقظ فأخبرهم. قالوا: هذا موضع خزاعة ولا يدعونكم تحتفرون في موضع نصبهم. قال: وقد قالوا له في المنام: إنّ قومك يكونون عليك أول النهار ويكونون معك آخر النهار، قال: ولم يكن من ولده إلا الحارث بن عبد المطلب. قال: فأقبل هو والحارث يحفران، فحفرا، فاستخرجا غزالا من ذهب في أذنيه قرطان، ثم حفرا فاستخرجا/حلية ذهب وفضة. فقال بنو عمه: يا عبد المطلب أحد (٤) قومك. قال: ثم حفرا فاستخرجا سيوفا ملفوفة في عباءة ثم حفرا فاستخرجا الماء، فقالوا لعبد المطلب: [إن لنا معك من هذا شركا وحقا] (٥) قال: نعم، ائتوني بثلاثة قداح أسود وأبيض وأحمر، فأتوه

стр. 485

بثلاثة قداح فجعل لهم الأسود، وجعل الأحمر للبيت، والأبيض له، ثم اقرع بينهم، فأصاب الحلية البيت، وأصابته السيوف، وأصاب قومه الغزال، فنذر يومئذ نذرا: لئن ولد لي عشرة لانحرن أحدهم، فولد له عشرة فاقرع بينهم، فوقع على عبد الله أبي محمد رسول الله ﷺ ، ثم اقرع ثانية، فوقع على عبد الله، ثم اقرع الثالثة، فوقع على عبد الله، فأراد أن ينحره، فأتاه بنو محزوم-أخواله-فقالوا: تعمد إلى ابن اختنا فتنحره من بين ولدك؟ فقال: قد اقرعت بينه وبين اخوته فوقع السهم عليه ثلاث مرات، قالوا: فافده. قال: ففداه بمائة من الإبل. قال عكرمة: فمن ثم دية الناس اليوم مائة من الإبل. ١٠٦١ - حدّثنا ابن أبي سلمة، قال: ثنا يعقوب بن إبراهيم، وعبد العزيز، عن ابراهيم بن سعد، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب، عن ابن عباس-﵄-قال: نذر عبد المطلب أن ينحر ابنه، ففداه بمائة من الإبل. ١٠٦٢ - حدّثنا حسين بن حسن، عن يحيى بن سعيد القطان، عن ابن حرملة، عن سعيد بن المسيّب قال: ثم ان عبد المطلب أرى في المنام احفر زمزم لا تنزف ولا تذم تروى الحجيج الأعظم، ثم أرى مرّة: احفر الروا، اعطيتها على رغم أنف العدا. ثم أرى مرة أخرى: احفر المضنونة ضنّ بها عن

стр. 486

الناس إلا عنك، ثم أرى مرة أخرى: احفر تكتم (١)،بين فرث ودم، عند الأنصاب الحمر، في قرية النمل. قال: فاصبح فحفر حيث أرى فاستهترت به قريش، فلما نزل عن الطي جاءت قريش ليحفروا معه، فمنعهم فلما أنبط وجد غزالا من ذهب، وسيفا وحلية، فضرب عليها بالسهام ألي أم للبيت؟ فخرج سهم البيت، فكان أول حلي حليته الكعبة، فجعل حوضا للشراب، وحوضا للوضوء، وقال: اللهم اني لا أحلها لمغتسل، وهي لشاربها حل وبل (٢)، فروى الناس، فحسدته قريش، فطفقوا يحفرون الحوض ويغتسلون فيها، فما يغتسل منه أحد إلا حصب أو جدر، ولا يكسر حوضه أحد إلا ألقى في يده أو رجله حتى تركوه فرقا. ١٠٦٣ - حدّثنا حسين بن حسن، قال: أنا عمرو بن عثمان الكلابي، قال: ثنا زهير أبو خيثمة، قال: ثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس-﵄-قال: إنّ عبد المطلب رأى في المنام أن أحفر برة، فأصبح مهموما برؤياه، حتى إذا كانت الليلة الثانية قيل له: احفر برة، شراب الأبرار، فأصبح مهموما بما رأى، فلما كانت الليلة الثالثة أتى فقيل له: احفر زمزم لا تنزف ولا تذّم، بين الفرث والدم، اغد بكرة فسترى على الآلهة-يعني أصنام كفار قريش-فرثا يبحثه غراب. قال: فغدا فإذا هو بغراب يبحث فرثا/فحفر فإذا هو بالحسى، فنثلها، فوجد فيها أسيافا

стр. 487

وغزالا من ذهب، فأما الأسياف، فضربت على باب الكعبة، وعلق الغزال في بطنها. ١٠٦٤ - حدّثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد، قال: ثنا أحمد بن القاسم، قال: ثنا محمد بن عيسى القطان، قال: حدّثني أبو محمد الأنصاري، قال: لما احتفر عبد المطلب زمزم أصاب فيها أحجارا في حجر منها (ويل للعرب من شر قد اقترب).وعلى الآخر: لم تبق مكرمة يعتدّها أحد ... إلاّ التّكاثر أذهاب وأوراق وفي الثالث: بالدّهر قد خلا عجبه ... دهر يحوّل رأسه ذنبه دهر تداوله الإماء فأصبحت ... ترضى بملء بطونها عربه قال: فرّقه ابن الزبعرى فقدّم قافية وأخرّ أخرى فقال: لم تبق مكرمة يعتّدها أحد ... إلا التكاثر أوراق واذهاب ١٠٦٥ - حدّثني عبد الله بن عمران المخزومي، قال: ثنا سعيد بن سالم القدّاح، قال: قال عثمان-يعني ابن ساج-:أخبرني محمد بن إسحاق، قال: إنّ عبد المطلب بن هاشم بينما هو نائم في الحجر أتي فأمر بحفر زمزم وهي دفن بين صنمي قريش إساف ونائلة عند منحر قريش، وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة، وهي بئر اسماعيل التي سقاه الله حين ظمئ وهو صغير،

стр. 488

فلما حفرها عبد المطلب دلّه الإله عليها وخصّه بها، زاده الله بها شرفا وحظّا في قومه، وعطّلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت، فأقبل الناس عليها التماس بركتها ومعرفة فضلها بمكانها من البيت وانها سقيا الله- -لاسماعيل ابن خليله ابراهيم-عليهما الصلاة والسلام-. وكان أول ما ابتدئ به عبد المطلب من أمرها وهو نائم في الحجر كما حدّثني يزيد بن أبي حبيب المصري، عن [مرثد] (١) بن عبد الله اليزني، عن عبد الله بن زرير الغافقي، قال: إنّه سمع علي بن أبي طالب-﵁ يحدّث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها، قال: قال عبد المطلب: إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت، فقال: احفر طيبة. فقلت: وما طيبة؟ ثم ذهب عني، فرجعت إلى مضجعي، فنمت الغد، فجاءني، فقال: احفر برّة. قلت: وما برّة؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي، فنمت، فجاءني، فقال: احفر زمزم. قال: قلت: وما زمزم؟ قال: لا تنزف ولا تذمّ، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم (٢)،عند قرية النّمل. قال: فلما تبيّن له شأنها ودلّ على موضعها، وعرف أنه صدق، غدا بمعوله، ومعه الحارث بن عبد المطلب، ليس معه ولد غيره، فلما بدا لعبد المطلب الطّوي كبّر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته قاموا، وقالوا: يا عبد المطلب ميراثنا من أبينا اسماعيل، وإنّ لنا فيها شركا فأشركنا معك فيها. قال [ما أنا بفاعل] (٣) إنّ هذا أمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. قالوا: فأنصفنا فانّا غير تاركيك حتى نحاكمك

стр. 489

فيها، قال: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم، اخاصمكم إلى كاهنة بني سعد ابن هذيم؟ قالوا: نعم/وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب في نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة نفر. قال: والأرض إذ ذاك مفاوز، فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه وظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم، وقالوا: إنا بمفاوز ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم تخوّف على نفسه وأصحابه، وقال: ماذا ترون؟ قالوا: ما رأينا الا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال: فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرة لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته وواروه حتى يكون آخركم رجلا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعا. قالوا: نعم ما أمرتنا به. فقام كلّ رجل منهم فحفر حفرة له، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا. ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هلكا (١) للموت لا نضرب في الأرض ونستبق أنفسنا لعجز، فعسى الله-تعالى-أن يرزقنا ماء ببعض البلاد، ارتحلوا، فارتحلوا حتى فرغوا، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون، تقدم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به انفجر من تحت خفها عين من ماء عذب، فكبّر عبد المطلب، وكبّر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال: هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واسقوا، فشربوا، ثم قالوا: والله لقد قضي لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إنّ الذي أسقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك. وإنه بداله، فرجع ورجعوا، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلّوا بينه وبينها.

стр. 490

فهذا بلغني عن حديث علي بن أبي طالب-﵁-في زمزم (١). قال عثمان في حديثه هذا: وسمعته من أبي القاسم، يقول: أخبرنا سعيد ابن سالم، عن عثمان بن ساج، قال: وسمعت من يحدّث عن عبد المطلب انه قيل له حين أمر بحفر زمزم: ادع بالماء الرّوا غير الكدر ... سقيا الحجيج في كلّ مبّر ليس يخاف فيه شيء ما عمر وخرج عبد المطلب حين قيل له ذلك إلى قريش، فقال: تعلمون أنّي قد أمرت أن أحفر زمزم؟ قالوا: هل بيّن لك أين هي؟ قال: لا. قالوا: ارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت فإن يك حقا من الله بيّن لك، وإن يكن من الشيطان فلن يعود (٢) لك، فرجع عبد المطلب إلى مضجعه، فنام فيه، فأتى فقيل له: احفر زمزم، إن حفرتها لم تندم، وهي تراث أبيك الأعظم، لا تنزف أبدا ولا تذمّ، تروى الحجيج الأعظم، مثل نعام جافل (٣) لم يقسم، ينذر فيها ناذر ليغنم، تكون ميراثا وعقدا محكم، ليس كبعض ما قد تعلم، وهي بين الفرث والدم. زعموا لأنه حين قيل له ذلك، قال: وأين هي؟ قيل: عند قرية النمل، حيث ينقر الغراب غدا. فالله أعلم أيّ ذلك كان. وغدا عبد المطلب ومعه الحارث، وليس له يومئذ ولد غيره، فوجد قرية النمل، ووجد الغراب ينقر عندها/بين الوثنين إساف ونائلة اللذين

стр. 491

كانت قريش تنحر عندهما، فجاء بالمعول، وقام ليحفر حيث أمر، فقالت قريش حين رأوه وحده (١):والله لا ندعك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما. فقال لابنه الحارث: دعني (٢) حتى أحفر، فو الله لامضين لما أمرت. فلما عرفوا انه غير نازع خلّوا بينه وبين الحفر وكفّوا عنه، فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطيّ، فكبّر، وعرف ان قد صدق (٣). فلما فرغ وبلغ ما أراد، أقام سقاية زمزم للحاج، وعفت على الآبار التي كانت قبلها يستقي عليها الحاج، وانصرف الناس إليها لمكانها من المسجد الحرام ولفضلها على ما سواها من المياه، ولأنها بئر اسماعيل بن ابراهيم-عليهما الصلاة والسلام-ففخرت بها يومئذ بنو عبد مناف على قريش لما ولوا عليهم من السقاية والرّفادة، وما أقاموا عليه للناس من ذلك، وبزمزم حين ظهرت، وإنما كانوا بني عبد مناف أهل بيت واحد شرف بعضهم لبعض شرف، وفضل بعضهم لبعض فضل (٤). ولما انتشرت قريش وكثر ساكن مكة قبل حفر عبد المطلب زمزم قلّت على الناس المياه، واشتدت عليهم فيه المؤنة. ١٠٦٦ - حدّثنا عبد الملك بن محمد، عن زياد بن عبد الله، عن ابن اسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مرثد اليزني، ثم الحميري، عن عبد الله بن

стр. 492

[أبي] (١) رزين، عن علي بن أبي طالب-﵁-بنحو خبر عليّ الأول. وعن ابن إسحاق من قوله نحو ذلك، قال ابن إسحاق: ويقال فيما يتحدث عن زمزم وزاد فيه: وجد فيها غزالين من ذهب، وهما الغزالان اللذان كانت جرهم دفنتهما حين أخرجت من مكة، ووجدوا أيضا أسيافا مع الغزالين، فقالت قريش: لنا معك يا عبد المطلب في هذا شرك وحق.! قال: لا ولكن هلم إلى النصف بيني وبينكم، اضرب عليها القداح. قالوا: وكيف تصنع؟ قال: اجعل للكعبة قدحين، ولي قدحين، ولكم قدحين، ثم اضرب فمن خرج له شيء كان له. فقالوا: انصفت قد رضينا، فجعل قدحين أصفرين للكعبة، وقدحين أسودين لعبد المطلب، وقدحين أبيضين لقريش، ثم أعطوهما رجلا يضرب بها، فقام عبد المطلب يدعو ويقول: الّلهم انت الملك المحمود ... وأنت ربي المبدي المعيد وممسك الراسية الجلمود ... من عندك الطارف والتليد ان شئت ألهمت لما تريد (٢) ... بموضع الحلية والحديد إني نذرت عاهد العهود ... فاجعله يا رب فلا أعود قال: وضرب صاحب القداح، فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة فضربهما عبد المطلب في باب الكعبة، فكان أوّل ذهب حلّيته الكعبة، وخرج الأسودان على السيوف لعبد المطلب فأخذها، وكانت قريش ومن سواهم إذا اجتهدوا في الدعاء [سجعوا وألّفوا] (٣) الكلام، وكانت فيما يزعمون لا يردها

стр. 493

داع. ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحاج. وقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس (١)،وهو يذكر فضل بني عبد مناف وما أقاموا عليه من سقاية الحاج والرفادة، ويفخر بزمزم حين أظهرها الله لبني عبد مناف: /ورثنا المجد عن آبا ... ئنا فرقا بنا صعدا وأي مناقب الخير ... لم تشدد بنا عضدا ألم نسق الحجيج ونن ... حر الدّلاّفة الرّفدا (٢) ونلقى عند تصريف ال ... منايا سادة سددا وزمزم من ارومتنا ... وبرغم أنف من حسدا (٣) وخير النّاس أوّلنا ... وخير النّاس إن بعدا فإن نهلك فلن نملك ... وهل من خالد خلدا وأيّ النّاس لم نملك ... ونمجده وان مجدا وقد كان عبد المطلب قال حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، نذر لئن ولد له عشرة ذكور ثم بلغوا حتى ينفعوه أن ينحر أحدهم عند الكعبة،

стр. 494

فلما توافى بنوه عشرة جمعهم ثم أخبرهم بنذره، منهم الحارث وحجل، وهما لأم، وعباس وضرار وهما لأم، وحمزة والمقوّم، وهما لأم، وأبو طالب واسمه عبد مناف، والزبير وعبد الله، وهم لأم، وأبو لهب لأم، واسمه عبد العزى (١). ١٠٦٧ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني ابراهيم بن المنذر، عن عبد العزيز بن عمران، قال: حدّثني عبد الله بن عثمان ابن أبي سليمان، قال: سمعت أبي يقول: لما حفرت زمزم وأدرك فيها عبد المطلب ما أدرك، وجدت قريش في أنفسها بما أعطي عبد المطلب، فلقيه خويلد (٢) بن أسد بن عبد العزّى، فقال: يا ابن سلمى لقد سقيت ماء رغدا، ونثلت عاديّة حتدا (٣)، قال: يا ابن أسد أما انك تشرك في فضلها، والله لا يساعفني أحد عليها ببر، ولا يقوم معي بأزر إلا بذلت له خير الصهر، فقال خويلد بن أسد: أقول وما قولي عليهم بسبّة ... إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم حفيرة ابراهيم يوم ابن آجر ... وركضة جبريل على عهد آدم (٤)

стр. 495

فقال عبد المطلب: ما وجدت أحدا أوزن في العلم ولا ورقة غير خويلد ابن أسد. ١٠٦٨ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، عن الكلبي، قال: إنّ عبد المطلب أعطى مطعم بن عدي حوضا من وراء زمزم يسقي فيه الحاج. ١٠٦٩ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، عن بعض القرشيين، قال: كان بين بديل بن أم صرم الخزاعي وبين القرشيين شيء، فقال ابن أم صرم: إن يك ضيّقا داركم وفناؤكم ... فإنّي لآت قبلكم آل زمزم هم دمّروا امواهكم فتهدّمت ... وعزّكم أن تهدموه فيهدم فلا الجفر يسقى حالم منه قطرة ... وزمزم حوضاها بمزان تردم ١٠٧٠ - وحدّثنا الزبير بن أبي بكر قال: قال الأعشى، أعشى بن قيس بن ثعلبة في زمزم أيضا: ولا أنت من أهل الحجون ولا الصّفا ... ولا لك حقّ الشّرب من ماء زمزم
следующие страницы →