١٣٥١ - فحدّثنا أبو عمار الحسين بن حريث، أنه سمع عبد الله بن رجاء المكّي-منذ ستين سنة-يحدّث عن اسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر-﵄-قال: لقد عابوا على عثمان-﵁-أشياء لو فعلها عمر-﵁-ما عابوها عليه.
ثم رجعنا إلى حديث الواقدي، قال: قال عثمان-﵁ واتبعت اثر عمر-﵁-في ذلك فصحتم، ثم أمر بهم إلى السجن، فكلم فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد.
ذكر
زيادة ابن الزبير-﵄-في المسجد
الحرام بعد عثمان بن عفان-رضي الله تعالى عنه -
وقال بعض المكيّين: كان المسجد الحرام على ما جعله عليه عثمان بن عفان-﵁-بحائط قصير غير مسقّف، إنما يجلس الناس في المسجد بالغداة والعشي يتبعون الأفياء، فإذا قلص الظل قامت المجالس (١).
وكان ابن الزبير-﵄-قد بلغ بالمسجد في بنائه إلى أن أشرعه على الوادي مما يلي الصفا، والوادي يومئذ في موضع المسجد الحرام اليوم، ثم مضى به مصعدا من وراء بيت الشراب لاصقا به ليس بين جدر بيت الشراب الذي يلي الصفا وبين جدر المسجد إلا قدر ما يمر الرجل، وهو منحرف، ثم أصعد به عن بيت الشراب مصعدا بقدر سبعة أذرع أو نحو
стр. 632
ذلك، ثم رده في العراض، وكانت زاوية المسجد [التي] (١) تلي المسعى، ونحر الوادي الزاوية الشرقية، ليس بينها وبين زاوية بيت الشراب الشرقية إلا نحو من سبعة أذرع، ثم رده عرضا على المطمار (٢) إلى باب دار شيبة/بن عثمان، وهي يومئذ أدخل منها اليوم في المسجد، ثم رد جدر المسجد منحدرا على وجه دار الندوة، وهي يومئذ داخلة في المسجد الحرام (٣).
قال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة يذكر نسوة رآهن هناك:
صبا قلبي بريم ساكن المروة ... رخيم الدّلّ مقتبع هضيم قاصر الخطوة
سيأتي ليلة الاثنين بين الحجر والنّدوة (٤) ...
وكان بابها في وسط الصحن بينه وبين الصف الأول مثل ما بينه وبين الطيقان الأولى من المسجد الحرام اليوم، فكان على النصف من ذلك أو نحوه من الاسطوانة الحمراء إلى موضع الصف الأول، فيقال: إنّ باب دار الندوة كان فيما هنالك (٥).ويروى عن داود بن عبد الرحمن العطار أنه قال: رأيت ابن هشام المخزومي وهو أمير مكة يخرج من باب دار الندوة وهو يومئذ في هذا الموضع. قال داود: فربما طفت سبعا بعد خروجه من الدار قبل أن يصل هو إلى الركن الأسود، وكان عظيما جسيما طويلا وكان يضع يديه على أكبر شيخين من قريش، ثم يمشي الاطاريح قليلا قليلا ويتقهقر أبدا حتى يبلغ الركن الأسود فيستلمه، وكان باب دار الندوة في موضعه هذا حتى زاد أبو جعفر أمير المؤمنين في المسجد فأخّره إلى ما هو عليه اليوم، فكان هذا بناء ابن
стр. 633
الزبير-﵄-غير أنه يقال: إنّ ابن الزبير-﵄ كان قد سقفه أو سقف بعضه (١).
ذكر
عمل عبد الملك بن مروان في المسجد الحرام
قال بعض أهل مكة: وعمّر عبد الملك بن مروان المسجد الحرام، ولم يزد فيه شيئا، ولكنه رفع جدرانه وسقّفه بالساج وعمّره عمارة حسنة (٢).
*قال سفيان بن عيينة فيما روي عنه، عن سعيد بن فروة، عن أبيه، قال: كنت فيمن عمل في المسجد الحرام في زمان عبد الملك، أو الوليد بن عبد الملك، قال: فجعل في رؤوس الأساطين على رأس كل اسطوانة خمسين مثقالا من ذهب (٣).فالذهب قائم عليها إلى اليوم، وفي بعضها في أربع اسطوانات منها مما يلي باب دار شيبة بن عثمان كتاب قائم بذهب مكتوب عليه: بسم الله أمر عبد الله أمير المؤمنين بعمل هذه الأساطين على يدي ابن أبي الأزهر سنة ثمانين.
ذكر
عمل الوليد بن عبد الملك في المسجد الحرام
وقال بعض أهل مكة: إنّ الوليد بن عبد الملك أخذ في عمل المسجد الحرام وابتدأ عمله في دخول سنة ثمان وثمانين، وكان إذا أخذ في بناء المساجد
стр. 634
زخرفها وزيّنها، فنقض عمل عبد الملك، وعمله عملا محكما، وهو أول من نقل إليه أساطين الرخام، فعمله بطاق واحد بأساطين الرخام، وسقّفه بالساج المزخرف، وجعل على رؤوس الأساطين الذهب على صفائح شبه من صفر، في كل اسطوانة ثلاثة وثلاثون مثقالا، وأزّر المسجد بالرخام من داخله، وجعل في وجوه الطيقان في أعلاها الفسيفساء، وهو أول من عمله في المسجد الحرام، فكانت هذه عمارة الوليد بن عبد الملك في خلافته (١).
/ ذكر
عمل أبي جعفر المنصور في المسجد الحرام
وعمارته إياه في الزيادة الأولى
وذكر بعض المكيّين عن أشياخه: أنّ أمير المؤمنين أبا جعفر كتب إلى زياد ابن عبيد الله الحارثي، وهو واليه على مكة، في عمارة المسجد الحرام، فعمره فكان من عمارته إيّاه أن زاد في شقه الشامي الذي فيه دار العجلة، ودار الندوة، وفي أسفله، ولم يزد في أعلاه ولا في شقه الذي يلي الوادي.
قال: فاشترى من الناس دورهم اللاصقة بالمسجد من أسفله حتى وضعه على منتهاه اليوم.
قال: وكانت زاوية المسجد التي تلي أجياد الكبير عند باب بني جمح، عند الأحجار النادرة من جدر المسجد الذي عنده بيت زيت قناديل المسجد، عند منتهى آخر آساطين الرخام من أول الاساطين المبيضة، فذهب به في العراض على المطمار حتى انتهى به إلى المنارة التي في ركن المسجد الذي عند
стр. 635
باب [بنى] (١) سهم، وهو من عمل أبي جعفر، ثم أصعد به على المطمار على وجه دار العجلة حتى انتهى به إلى موضع متزاور عند الباب الذي يخرج منه إلى دار حجير بن أبي إهاب، بين دار العجلة ودار الندوة.
وكان الذي ولي ذلك كله زياد بن عبيد الله الحارثي، وهو أمير على مكة، وعلى شرطة عبد العزيز بن عبد الله بن مسافع الحجبي جد مسافع بن عبد الرحمن.
قال: فلما انتهى إلى هذا الموضع المتزاور ذهب عبد العزيز ينظر-فيما ذكروا-فإذا هو إن مضى به على ذلك المطمار أجحف بدار شيبة بن عثمان وأدخل أكثرها في المسجد، فكلم زياد بن عبيد الله في أن يميل عنه المطمار شيئا ففعل.
قال جعفر بن محمد في المطمار يذكر ويمدح نفسه.
١٣٥٢ - حدّثني بذلك محمد بن حاتم، قال: ثنا يزيد بن أبي حكيم، قال:
روى [سفيان] (٢) الثوري لجعفر بن محمد:
لا اليسر يطربنا يوما فيبطرنا ... ولا لأزمة دهر نظهر الجزعا
إن سرّنا الدّهر لم نفرح ببهجته ... أو ساءنا الدّهر لم نظهر له طمعا
مثل النّجوم على مطمار اوّلها ... إذا تغيّب نجم آخر طلعا
ثم رجعنا إلى الخبر الأول. قال: فلما صار إلى هذا الموضع المتزاور في المسجد أمرّه على دار الندوة، فأدخل أكثرها في المسجد، ثم صار إلى دار شيبة ابن عثمان فأدخل منها إلى هذا الموضع الذي عنده آخر عمل الفسيفساء اليوم في الطاق الداخل من الأساطين التي تلي دار شيبة بن عثمان، ودار الندوة، فكان
стр. 636
هذا الموضع زاوية المسجد، وكانت فيه منارة من عمل أبي جعفر أمير المؤمنين، وردّه في العراض حتى وصله بعمل الوليد بن عبد الملك الذي في أعلى المسجد، وانما كان عمل أبي جعفر طاقا واحدا، وهو الطاق الأول الداخل اللاصق بدار شيبة ودار الندوة ودار العجلة ودار زبيدة، فذلك الطاق وهو من عمل أبي جعفر لم يغيّر ولم يحرك عن حاله إلى اليوم، وإنما عمل الفسيفساء فيه لأنه كان وجه المسجد يومئذ، وكان بناء المسجد من شق الوادي من الأحجار النادرة التي وضعت عند بيت الزيت من أول الأساطين المبيضة عند منتهى أساطين الرخام فكان هذا/الموضع مستقيما على المطمار حتى يلصق ببيت الشراب على ما وصفنا في أول الكتاب، وكان عمل أبي جعفر أمير المؤمنين إياه بأساطين الرخام طاقا واحدا، وأزّر المسجد كما يدور من بطنه بالرخام، وجعل في وجه الأساطين الفسيفساء، فكان هذا عمل أبي جعفر المنصور على ما وصفنا، وكتب على باب المسجد الذي يمر منه سيل المسجد وهو باب بني جمح الذي يقال له: باب ابراهيم، وهو آخر عمل أبي جعفر في تلك الناحية في فسيفساء مذهّب، وهو قائم إلى اليوم بسم الله الرّحمن الرّحيم، محمّد رسول الله أرسله ﴿بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ،﴾ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ أمر عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين-أكرمه الله-بتوسعة المسجد الحرام وعمارته والزيادة فيه نظرا للمسلمين واهتماما بأمورهم، وكان الذي زاد فيه الضعف مما كان عليه قبل، فأمر ببنائه وتوسعته في المحرم سنة سبع وثلاثين ومائة، وفرغ منه ورفعت الأيدي عنه في ذي الحجة سنة أربعين ومائة، تيسيرا من الله-تعالى-بأمر أمير المؤمنين، ومعونة منه له عليه، وكفاية منه له
стр. 637
وكرامة أكرمه الله- -بها، فأعظم الله أجر أمير المؤمنين فيما سوى من توسعة المسجد الحرام، وأحسن ثوابه عليه، وجمع له به خير الدنيا والآخرة، وأعزّ الله نصره، وأيّده (١).
ذكر
عمارة المهدي أمير المؤمنين المسجد الحرام
وزيادته الأولى
وقال بعض أهل مكة (٢):إن المهدي أمير المؤمنين حجّ في سنة إحدى وستين ومائة، فأمر بعمارة المسجد الحرام، وأمر أن يزاد في أعلاه، ويشترى ما كان في ذلك الموضع من الدور، وخلّف الأموال عند محمد بن عبد الرحمن ابن هشام الأوقص المخزومي، وهو يومئذ قاضي أهل مكة، فاشترى الأوقص تلك الدور، [وما] (٣) كان منها صدقة، عزل ثمنه فاشترى لأهل الصدقة بثمن دورهم مساكن في فجاج مكة عوضا من صدقاتهم تكون لأهل الصدقة على ما كانوا عليه من شروط صدقاتهم، ويزعمون أنه اشترى كل ذراع مكسّرا مما دخل في المسجد الحرام بخمسة وعشرين دينارا، وما دخل في الوادي بخمسة عشر دينارا، فيزعم بعض الناس (٤) أنّ مما دخل في ذلك الهدم دار
стр. 638
لرجل (١) من غسان، كانت لاصقة بالمسجد الحرام، وذلك أنّ أكثر تلك الدار دخل في المسجد زمن ابن الزبير-﵄-حين زاد فيه مما يلي شرقي المسجد ودخلت فيه أيضا دار خيرة (٢) بنت سباع، بلغ ثمنها ثلاثة وأربعين ألف دينار، دفعت إليها، وكانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخر المسعى، ودخلت فيه أيضا دار لآل جبير بن مطعم وبعض دار/شيبة بن عثمان، فاشترى جميع ما كان من المسجد والمسعى من الدور، فهدمها ووضع المسجد على ما هو عليه اليوم، شارعا على المسعى، وجعل موضع دار القوارير رحبة، فكانت كذلك حتى استقطعها جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك فيما يزعمون في خلافة أمير المؤمنين هارون، فبنى بها ثم قبضها حماد البربري بعد ذلك فبنى بطنها بالقوارير، فسميت دار القوارير، وبنى ظهرها بالرخام والفسيفساء. قال: فكان الذي زاد المهدي في المسجد الحرام في هذه الزيادة الأولى أن مضى بجدره الذي يلي الوادي إذ كان لاصقا ببيت الشراب حتى انتهى به إلى جدر باب بني هاشم الذي يقال له: باب بني هاشم الذي عليه العلم الأخضر الذي يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا، وموضعه ذلك بين لمن تأمّله، فكان هذا الموضع في زاوية المسجد، وكانت فيه منارة شارعة على الوادي والمسعى، وكان الوادي لاصقا بها يمر في بطن المسجد اليوم قبل أن يؤخر المهدي المسجد إلى [منتهاه] (٣) اليوم من شق الصفا والوادي، ثم رده على مطماره حتى انتهى به إلى زاوية المسجد التي تلي الحذّائين وباب بني شيبة الكبير، إلى موضع المنارة اليوم، ثم ردّ جدر المسجد منحدرا حتى لقي به جدر المسجد القديم الذي من بناء أبي جعفر أمير المؤمنين قريبا من دار شيبة، من
стр. 639
وراء الباب منحدرا عن الباب باسطوانتين من الطاق اللاصق بجدار المسجد منتهى عمل الفسيفساء من ذلك الطاق الداخل، وذلك الفسيفساء وحده، وجدر المسجد منحدرا إلى أسفل المسجد عمل أبي جعفر أمير المؤمنين، فكان هذا ما زاد المهدي في المسجد الحرام في الزيادة الأولى.
وكان أبو جعفر إنما عمل في المسجد من الظلال طاقا واحدا، وهو الطاق الأول اللاصق بجدر المسجد الحرام، فأمر المهدي بأساطين الرخام فنقلت في السفن من الشام حتى أنزلت بجدّة، ثم جرّت على العجل من جدّة إلى مكة، ثم هندم المهدي في أعلى المسجد ثلاثة صفوف، جعل بين يدي الطاق الذي كان بناه أبو جعفر مما يلي دار الندوة ودار العجلة وأسفل المسجد إلى موضع بيت الزيت عند باب بني جمح صفين حتى صارت ثلاثة صفوف، وهي الطيقان التي في المسجد اليوم لم تغيّر.
قال: ولما وضع الأساطين حفر لها أرباضا (١) [على] (٢) كل صف من الأساطين جدرا مستقيما، ثم رد بين الأساطين جدرات أيضا بالعرض حتى صارت كالمصلبة على ما أصف في كتابي هذا (٣) حتى إذا استوى البناء على وجه الأرض وضع (٤) فوقها الأساطين على ما هي عليه اليوم.
قال: ولم يكن المهدي حرّك في الهدم الأول من شق الوادي والصفا شيئا، أقره على حاله طاقا واحدا، وذلك لضيق المسجد في تلك الناحية، وانما كان بين جدر الكعبة/اليماني وبين جدر المسجد الذي يلي الوادي والصفا تسعة وأربعون ذراعا ونصف ذراع.
قال: فكانت هذه زيادة المهدي الأولى في عمارته إياه. والذي في
стр. 640
المسجد من الأبواب من عمل أبي جعفر أمير المؤمنين من أسفل المسجد: باب بني جمح، وهو طاقان، ومن تحته يخرج سيل المسجد الحرام كله، وبين يديه بلاط من حجارة يمر عليه سيل المسجد، وفي دار زبيدة بابان كانا يخرجان إلى زقاق كان بين المسجد والدار التي صارت لزبيدة، وكان ذلك الزقاق طريقا مسلوكا ما سدّ إلا حديثا، والبابان مبوّبان ومن عمل أبي جعفر إلى باب بني سهم، وهو طاق واحد، وباب دار عمرو بن العاص، وبابان في دار العجلة طاق طاق، كانا يخرجان إلى زقاق كان بين دار العجلة وبين جدار المسجد، كان طريقا مسلوكا فيما ذكر المكيّون يمر فيه سيل السويقة، وسيل ما أقبل من جبل شيبة بن عثمان، فلم تزل تلك الطريق على ذلك حتى سدها يقطين بن موسى حين بنى دار العجلة للمهدي، قدّم الدار إلى جدر المسجد، وأبطل الطريق، وجعل تحت الدار سربا مسقّفا يمر تحته السيل، وذلك السرب على حاله قائم إلى اليوم، وعلى باب هذا السرب سقاء يكون فيه، يسقي الماء، وسد أحد بابي المسجد الذي كان في ذلك الزقاق وهو الباب الاسفل منهما موضعه في جدر المسجد، وجعل الباب الآخر بابا لدار العجلة، فضيّقه وبوبه، فهو باب دار العجلة إلى يومنا هذا.
ومما جعل أبو جعفر أيضا الباب الذي يسلك منه إلى دار حجير بن أبي أهاب، بين دار العجلة وبين دار الندوة، وباب دار الندوة، فهذه الأبواب السبعة من جعل أبي جعفر أمير المؤمنين، وأما الأبواب التي من زيادة المهدي فمنها الباب الذي في دار شيبة بن عثمان، وهو طاق واحد، ومنها الباب الذي يدخل منه الخلفاء كان يقال له باب بني عبد شمس، ويعرف اليوم: ببني شيبة الكبير، وهو ثلاثة طيقان، وفيها اسطوانتان، وبين يديه بلاط مفروش من حجارة، وفي عتبة الباب حجارة طوال مفروشة بها العتبة يزعم بعض الناس انها كانت من أوثان الجاهلية. وقال آخرون: انما هي حجارة كانت فضلت مما قلع
стр. 641
خالد بن عبد الله القسري لبركته التي يقال لها: (البردى) (١) بفم الثقبة وأصل ثبير غيناء، كانت حول [البركة] (٢) مطروحة حتى نقلت حين بنى المهدي المسجد الحرام، فوضعت حيث هي الساعة. واحتج في ذلك بأن النبي ﷺ لم يدخل مكة حتى أمر بجميع الأصنام فكسرت ومحى كل صورة، ولم يبق أثرا من آثار المشركين إلا محي وطلس (٣).ومنها الباب الذي في دار القوارير، كان شارعا على رحبة في موضع الدار، وهو طاق واحد. ومنها باب النبي ﷺ وهو الباب الذي يقابل زقاق العطّارين، وهو الزقاق الذي يسلك منه إلى بيت النبي ﷺ وهو البيت الذي كان تسكنه خديجة بنت خويلد-﵂ /وهو بيت النبي ﷺ وهو طاق واحد. ومنها باب العباس بن عبد المطلب ﵁-وهو الباب الذي عنده العلم الأخضر الذي يسعى منه من أقبل من المروة يريد الصفا، وهو ثلاثة طيقان، وفيه اسطوانتان.
فهذه الخمسة الأبواب التي عملها المهدي في زيادته الأولى، فلما أن بنى المهدي المسجد الحرام زاد فيه زيادته هذه الأولى اتسع من أعلى المسجد وأسفله [و] شقه الذي يلي باب الندوة الشامي، وضاق شقه اليماني الذي يلي الصفا والوادي، فكانت الكعبة في شق المسجد، وذلك أنّ الوادي كان داخلا لاصقا بالمسجد في بطن المسجد اليوم، وكانت الدور وبيوت الناس من ورائه في موضع الوادي اليوم، إنما كان موضعه دورا للناس ورباعا، وإنما كان يسلك من المسجد إلى الصفا في بطن الوادي، ثم يسلك في زقاق ضيّق حتى يخرج إلى الصفا من إلتفاف البيوت فيما بين المسجد والصفا، وكان المسعى في موضع المسجد الحرام (٤).
стр. 642
وكان الوادي يمر دونها في موضع المسجد اليوم، وكان على مكة عام عمر المسجد الحرام جعفر بن سليمان (١) فتولى بعض عمارته هذه الأولى.
ذكر
زيادة المهدي الثانية في قدومه مكة
وصفة ما زاد وتفسيره
وقال بعض المكيّين: إن المهدي أمير المؤمنين اعتمر في سنة ست وستين ومائة، فدخل مكة في شهر رمضان، فنزل دار الندوة فبينما هو يطوف بالبيت في أيام مقامه إذ عرضت له فاطمة بنت محمد بن عبد الله بن حسن في ستارة، فقالت: يا أمير المؤمنين أمّني وزوجي. فقال لها: من أنت ومن زوجك؟ قالت: أنا فاطمة بنت محمد بن عبد الله بن حسن، وزوجي حسن بن ابراهيم ابن عبد الله. قال: وأين هو؟ قالت: معي في هذه الستارة. قال: قد أمن فليخرج، فخرج فأخذ أمير المؤمنين بيده، فطاف معه حتى قضى طوافه ثم جاء (٢) سبيله، وأقام أمير المؤمنين حتى حجّ بالناس تلك السنة، فدخل عليه سفيان الثوري بمنى.
١٣٥٣ - فحدّثنا محمد بن أبي عمر قال: ثنا سفيان بن عيينة، قال:
أخبرني-يعني الثوري-أنه دخل على [أبي هارون] (٣) بمنى. قال ابن أبي عمر-يعني المهدي-قال: (٤) قرأت ورأيت، فقلت أي شيء هذا؟ حجّ
стр. 643
عمر بن الخطاب-﵁-فانفق في حجه ستة عشر دينارا (١).وزاد محمد بن أبي عمر: فقال له المهدي يا أبا عبد الله كيف رأيت حجنا؟ فقال لولا ما يصنع هؤلاء-يعني الأعوان-.
ولقد حدّثني أبو عمران أيمن بن نابل، عن قدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي، قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر، لا طرد ولا ضرب ولا اليك اليك (٢).وإنّ اعوانك يا أمير المؤمنين هؤلاء قد آذوا الناس وطردهم، فسكت عنه.
وقد كان أمير المؤمنين المهدي أمر بعمارة المسجد الحرام والزيادة فيه في حجته الأولى، فعمر وزيد فيه ما وصفنا، فكان فيه تعويج، فلما قدم في هذه السنة رأى الكعبة في شق من المسجد، فكره ذلك، وأحبّ أن تكون /متوسطة في المسجد. قال: فدعا المهندسين، فشاورهم في ذلك، فقدروا ذلك، وإذا هو لا يستوى لهم من أجل الوادي والسيل، وقالوا: إنّ وادي مكة يسيل أسيالا عظيمة عارمة، وهو واد حدور، ونحن نخاف إن حوّلنا الوادي من مكانه أن لا ينصرف لنا على ما نريد، مع أن [ما وراءه] (٣) من الدور والمساكن ما تكثر فيه المؤونة، ولعله أن لا يتم، قال: فقال لهم أمير المؤمنين: لا بدّ لي من أن أوسعه حتى أوسط الكعبة في المسجد على كل حال، ولو أنفقت فيه ما في بيوت الأموال. وعظمت في ذلك نيته، واشتدت رغبته، ولهج بعمله، وكان من أكبر همه، فقدر ذلك وهو حاضر، ونصبت الرماح على الدور، من أول موضع الوادي إلى آخره، ثم ذرعوا من فوق الرماح حتى عرفوا ما يدخل في المسجد الحرام من ذلك وما يكون الوادي [فيه] (٤)
стр. 644
منه، فلما نصبوا الرماح على جنبتي الوادي، وعلم ما يدخل في المسجد من ذلك، وزنوه مرة أخرى وقدروا ذلك. فلما أراد أمير المؤمنين الشخوص إلى العراق خلّف أموالا عظيمة فاشتروا من الناس دورهم، وأرغبوهم، فكان ثمن ما دخل في المسجد من ذلك كل ذراع مكسر بخمسة وعشرين دينارا، وعن كل ذراع دخل في الوادي مكسرا خمسة عشر دينارا، وأرسل إلى مصر وإلى الشام، فنقلت له أساطين الرخام في السفن حتى أنزلت بجدة، ثم نقلت على العجل من جدة إلى مكة، ووضعوا أيديهم فهدموا الدور، وبنوا المسجد، وذلك في سنة سبع وستين ومائة، فكان ابتداؤهم فيما ذكروا من أعلى المسجد من باب بني هاشم الذي يستقبل الوادي والبطحاء، ووسع ذلك الباب وجعل بازائه من أسفل المسجد مستقبله بابا آخر، وهو الباب الذي يستقبل فج خط الحزامية، يقال له اليوم: باب البقّالين. فقال المهندسون: إن جاء سيل عظيم فدخل المسجد خرج من ذلك الباب ولم يحمل في شق الكعبة، وهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العايدي، وجعلوا المسعى والوادي فيها، وهدموا ما كان بين الصفا والوادي من الدور، ثم حرفوا الوادي في موضع الدور حتى لقوا به الوادي القديم بباب أجياد الكبير بفم خط الحزامية. فالذي زيد في المسجد من شق الوادي تسعون ذراعا من موضع جدر المسجد الأول إلى موضعه اليوم. وإنما كان عرض المسجد الأول من جدر الكعبة اليماني إلى جدر المسجد اليماني الشارع على الوادي الذي يلي باب الصفا تسعة وأربعين ذراعا ونصف ذراع، ثم بنى منحدرا حتى دخلت دار أم هانئ بنت أبي طالب-﵂-فيه، وكانت عندها بئر جاهلية، كان قصي بن كلاب حفرها فدخلت تلك البئر في المسجد، فحفر المهدي عوضا منها البئر التي على باب البقّالين في جدر ركن المسجد الحرام اليوم.
стр. 645
وهذه البئر قائمة في أصل المنارة إلى اليوم، ينتفع الناس بها ويسقون منها.
وقد كان الحارث بن عيسى عمّرها في سنة ستين ومائة وهو يومئذ على خراج مكة وصوافيها، مع ابراهيم بن محمد الهاشمي/وأحاط عليها بجدر من حجارة، وشيّده بالنورة، وجعل منتهى الحواط لاصقا بجدر المسجد الحرام اليماني، ثم أحاط البناء حواطا إلى باب البقالين، وأحكم العرصة التي يقوم فيها المستقى من البئر، وجعل على ذلك الحواط طاقا وجعل عليه بابا يغلق ويفتح، وكتب على وجه الطاق كتابا بالجص هو قائم إلى اليوم: بسم الله الرحمن الرحيم، الملك الحقّ المبين، وصلى الله على محمد سيد العالمين، سقاية مباحة لبادي المسلمين وحاضرهم، محرّم اجرتها، رحم الله من دعا لمن أباحها بخير.
ثم مضوا ببابه بأساطين الرخام، وسقّفه بالساج المذهب المنقوش فكان العمال يعملون كذلك في المسجد أحكم العمل، واتقنه، ويمدهم المهدي بالأموال ودخلت سنة تسع وستين ومائة وقد انتهوا إلى آخر منتهى أساطين الرخام من أسفل المسجد، فتوفي أمير المؤمنين المهدي في سنة تسع وستين ومائة، ولم يتم بناء المسجد (١).
ذكر
عمل أمير المؤمنين موسى في المسجد الحرام
وعمارته إيّاه
وقال: بعض أهل مكة: إن أمير المؤمنين موسى بن المهدي لما ولي الخلافة وذلك في سنة تسع وستين ومائة أمر بعمل المسجد الحرام، فأسرع العمال في عمله، وبنوا أساطينه المؤخرة بحجارة، ثم طليت بالجص، وإنما
стр. 646
أرادوا بذلك رواج العمل، وعمل سقفه الذي يلي مؤخره عملا دون عمل المهدي في الإحكام والحسن، فعمل المهدي من ذلك شق المسجد الذي يلي الوادي من أعلى المسجد إلى منتهى آخر أساطين الرخام، فمن ذلك الموضع عمل في خلافة موسى بن المهدي إلى المنارة الشارعة على باب أجياد الكبير، ثم ينحدر في عرض المسجد إلى باب بني جمح، إلى منتهى أساطين الرخام من باب بني جمح إلى الأحجار النادرد من بيت الزيت حتى وصل بعمل أبي جعفر والمهدي أمير المؤمنين في الزيادة الأولى (١)،لم يغير من ذلك شيء إلا اسطوانتين كانتا قد عمرتا فنقض سقف المسجد الحرام من ناحية باب الحناطين حتى وصل إليها، فهدم ما فوقها ثم ردّتا على حالهما، وذلك في سنة أربع وستين ومائتين في شهر ربيع الأول، وكان موضع الدار التي يقال لها دار جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك بين يدي باب البقالين وباب الحناطين، لاصقة بالمسجد، رحبة بين يدي المسجد، حتى استقطعها جعفر بن يحيى في خلافة أمير المؤمنين هارون، فبناها، فلم يتم بناءها حتى جاء نعيه من العراق (٢)،ثم صارت بعد ذلك لزبيدة.
ذكر
عمارة أبي أحمد الموفق بالله
في المسجد الحرام وتفسيره
وكانت عمارة المسجد الحرام كما وصفنا حتى كانت سنة إحدى وسبعين ومائتين فانقض جدر دار زبيدة التي يلي الحناطين مما يلي باب بني سهم على
стр. 647
سقف المسجد فخرب سقوف المسجد، وكبس خشبه، ومات في ذلك الهدم عشرة أناس من خيار الناس، وغيرهم، وسقطت من/أساطين المسجد اسطوانتان فأقامتا أشهرا حتى ورد كتاب أبي أحمد الموفق بالله إلى هارون بن محمد، وهو عامله على مكة يأمره بعمارة ذلك وردّه إلى ما كان عليه، فعمل ذلك وردّه وجدد له خشبا من الساج، وعمل له جصا طريا، وأقام العمال فيه يعملون عليهم سرادق قد ستروا به بينهم وبين الناس، حتى فرغوا منه وسقفوا سقفه وزوّقوه بالتزاويق، وردت الألواح المكتوبة التي كانت عليه بالذهب في سقفه، وكتب فيها كتاب: بسم الله الرحمن الرحيم أمر الإمام الناصر لدين الله أبو أحمد الموفق بالله ولي عهد المسلمين-أطال الله بقاءه- بعمارة المسجد الحرام، رجاء ثواب الله والزلفة إليه، وجرى ذلك على يدي هارون بن محمد بن اسحاق بن موسى (١) عامله على مكة ومخاليفها في سنة اثنتين وسبعين ومائتين. وكتب على الواح أخرى في سقفه وفي جدر المسجد الحرام الذي يلي دار زبيدة:
بسم الله الرحمن الرحيم أمر الناصر لدين الله ولي عهد المسلمين أخو أمير المؤمنين-أطال الله بقاءهما-القاضي يوسف بن يعقوب بعمارة المسجد الحرام لما رجا في ذلك من ثواب الله تعالى، واكفر به إليه، فأجزل الله ثوابه وأجره، وأجرى ذلك على يدي محمد بن العلاء بن عبد الجبار في سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
كتب هذا في غير موضع.
стр. 648
ذكر
الجلوس في المسجد الحرام والحديث فيه
١٣٥٤ - حدّثني محمد بن أبي مقاتل البلخي، عن نعيم بن حماد، قال:
ثنا عمران بن المعتمر الحضرمي، عن عمر بن قيس، عن عطاء، عن ابن عباس-﵄-عن النبي ﷺ قال: إنه بينما هو في المسجد الحرام إذ جاءه جبريل-﵊-يوحي إليه، فقال ﷺ : متى يكون نصف النهار يا جبريل؟ قال: أتريد أن تعلم ذلك؟ قال: نعم. قال:
فاقعد، فلما كان نصف النهار قال جبريل للنبي ﷺ : يا محمد، الساعة نصف النهار. قال محمد: الساعة؟ قال: لا، قد سارت منذ قلت إلى أن رددت عليّ اثني عشر ألف ميل.
١٣٥٥ - حدّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، عن أبيه، قال:
حدّثني حيّان بن عمير، عن عبيد بن عمير، أنه حدّثه وهو تجاه الركن، فقال: إنّ حمد الله يفتح له أبواب السماء، وإن تكبير الله يملأ ما بين السماء والأرض.
١٣٥٦ - وحدّثني أحمد بن محمد أبو علي القرشي، قال: ثنا الزبير، قال:
стр. 649
حدّثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري، قال: إن هشام بن عبد الملك دخل المسجد متكئا على يد سالم مولاه، ومحمد بن علي بن حسين جالس في المسجد الحرام، فقال له: يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن حسين. فقال له هشام: المفتون به أهل العراق؟ قال: نعم، قال: اذهب إليه فقل له: يقول أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس ويشربون إلى ان يفصل بينهم يوم القيامة؟ فقال محمد: يحشر الناس على مثل قرصة النّقيّ، فيها الأنهار مفجّرة، فرأى هشام ان قد/ظفر به فقال الله أكبر اذهب فقل له ما اشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ؟ فقال له محمد بن علي: قل له هم في النار اشغل ولم يشغلوا ان قالوا ﴿أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ (١) قال: فظهر عليه محمد بن علي.
١٣٥٧ - حدّثني أبو سعيد عبد الله بن شبيب، قال: حدّثني ابن عائشة، قال: أخبرني أبي، قال: دخل الفرزدق مكة، فإذا هو بعلي بن عبد الله بن جعفر يطوف بالكعبة في حلّته وهو محرم، فقال: ويحكم يا معشر أهل مكة من هذا الرجل الذي يطوف بالبيت؟ والله ما رأيت أحسن من وجهه ولا من حلّته؟ قالوا هذا علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ولفاطمة بنت رسول الله ﷺ فأنشأ يقول هذه الأبيات التي ينشدها الناس:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
стр. 650
إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم
أيّ القبائل ليست في رقابهم ... لأوّليّة هذا اوله النّعم (١)
ويقال: إنّ الرجل الذي قال فيه الفرزدق هذا محمد بن علي.
١٣٥٨ - وحدّثني أبو سعيد، قال: حدّثني الزبير، قال: هذا في قثم بن العباس-﵄-قال فيه بعض شعراء أهل المدينة، قد سماه وزاد في الشعر بيتين أو ثلاثة منها:
كم صارخ بك مكروب وصارخة ... تدعوك يا قثم الخيرات يا قثم
стр. 651
ذكر
مقلع الكعبة وتسمية مواضعه
وقال بعض أهل مكة: إن ابن الزبير-﵄-لما أراد هدم الكعبة سأل رجالا من أهل العلم من أهل مكة: من أين كانت قريش أخذت حجارة الكعبة حين بنتها؟ فأخبر انهم بنوها من حراء (١)،وثبير، ومن المقطّع، وهو الجبل المشرف على مسجد القاسم بن عبيدة بن الأسود بن خلف الخزاعي، على يمين من أراد المشاش من مكة مشرفا على الطريق. وإنما سمّي المقطّع، لأنه جبل صليب الحجارة. فكانوا يوقدون عليه بالنار ثم يقطع بالحديد. وقالوا: إنما سمي المقطّع لغير هذا الوجه، إنّ أهل الجاهلية كانوا إذا خرجوا من مكة قلّدوا أنفسهم ورواحلهم من عضاه (٢) الحرم-والعضاه كلما كان فيه شوك-فإذا لقيهم أحد قالوا: من أهل الله، فلا يعرض لهم، فسمّي بذلك المقطّع.
ومن الجبل الأبيض الذي بالثنيّة، الذي في طريق جدة، وهو الجبل المشرف على ذي طوى، يقال له: حلحلة، ويقال: منه بنيت دار العباس بن محمد التي على الصيارفة. ومن جبل بأسفل مكة على يسار من انحدر من ثنيّة عضل (٣)،ويقال لهذا الجبل: مقلع الكعبة. ومن مزدلفة من حجر لها يقال له: المفجري، فهذه الجبال تعرف بمقلع الكعبة فيما يقال (٤)،والله أعلم.
стр. 652
/ ذكر
ذرع المسجد الحرام وصفته
وذرع المسجد الحرام مكسرا مائة ألف ذراع وعشرون ألف ذراع.
وذرع المسجد طولا من باب بني جمح إلى باب بني هاشم الذي عند العلم الأخضر مقابل دار العباس بن عبد المطلب-﵁-فيما يزعمون أربعمائة ذراع وأربعة أذرع مع جدريه، يمر ذلك في بطن الحجر لاصقا بجدر الكعبة. وعرض المسجد من باب دار الندوة إلى الجدر الذي يلي الوادي عند باب الصفا لاصقا بوجه الكعبة ثلاثمائة ذراع وأربعة أذرع.
وعرض المسجد الحرام من المنارة التي عند باب المسعى إلى المنارة التي عند باب بني شيبة الكبير مائتا ذراع وثمانية وسبعون ذراعا.
وذرع المسجد من منارة باب أجياد إلى منارة بني سهم مائتا ذراع وثمانية وسبعون ذراعا.
ذكر
عدد أساطين المسجد الحرام
وعدد أساطين المسجد الحرام من شقه الشرقي مائة وثلاث اسطوانات، ومن شقه الغربي مائة اسطوانة وخمس أسطوانات، ومن شقه الشامي مائة وخمس وثلاثون اسطوانة، ومن شقه اليماني مائة وإحدى وأربعون اسطوانة.
فجميع ما فيه من الأساطين أربعمائة وأربع وثمانون اسطوانة، طول كل اسطوانة عشرة أذرع، وتدويرها ثلاثة أذرع. وبعضها يزيد على بعض في الطول والغلظ،منها على الأبواب عشرون اسطوانة، على الأول والذي يلي المسعى
стр. 653
منها (١) ست، ومنها على الأبواب التي تلي الوادي والصفا عشر، ومنها على الأبواب التي [تلي] (٢) باب بني جمح أربع، وذرع ما بين كل اسطوانتين من أساطينه ستة أذرع وثلاث عشرة اصبعا (٣).
ذكر
صفة الأساطين
الاساطين التي رؤوسها مذهبة، ثلاثمائة وإحدى وعشرون، منها في الظلال التي تلي دار الندوة مائة وثلاثون (٤).
وفيما هناك كان يصلي ابن جريج وغيره من الفقهاء، واسطوانة ابن جريج التي كان يصلي عندها رأسها مذهب مكتوب عليها بماء الذهب:
بسم الله، أمر عبد الله، عبد الله أمير المؤمنين بعمل هذه الاسطوانة.
والاسطوانة التي تليها مكتوب عليها: بسم الله، أمر عبد الله، عبد الله أمير المؤمنين، بصنعة هذه الأساطين في المسجد الحرام، على يدي ابن أبي الأزهر.
١٣٥٩ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سلام-أبو علي الخياط مولى عيسى-قال: سمعته يقول: صلى عبد الملك بن جريج تحت الظلال، فأرسل
стр. 654
إليه عبد العزيز بن أبي روّاد، ولقيه، فقال: إنك منظور إليك، ومن يراك تصلي تحت الظلال ظن أنها سنة فيأتمّ بك. فقال له ابن جريج: اني أجد صداعا. فقال عبد العزيز: فاخرج، فإنك إذا فعلت ذلك رجوت ان يذهب الله عنك الصداع، فخرج ابن جريج إلى مقدّم الصفوف، فذهب عنه الذي /كان يجد في رأسه.
١٣٦٠ - وسمعت ابن أبي عمر، يقول: عن رجل من أهل مكة، قال:
صليت العشاء الآخرة في المسجد الحرام، وجلست فيه طويلا، ثم انقلبت، فأمرّ مما يلي الظلال التي تلي دار الندوة، فإذا أنا برجل قائم يصلي، وهو يردد هذه الآية ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ (١) يرددها ويبكي فمكثت ليلا طويلا أسمعه ثم انصرفت إلى منزلي فنمت حتى إذا كان آخر الليل أتيت المسجد فإذا أنا بالرجل قائما وهو يردد الآية ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ﴾ ويبكي حتى إذا قلت قد طلع الفجر أو قرب طلوعه قال:
﴿بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٢) فجلست إلى جنبه حتى صليت معه الصبح، فالتفت فإذا أنا بسفيان الثوري.
هذا أو نحو هذا والله أعلم.
ومنها في الظلال [التي] (٣) يلي باب بني جمح، أربع وخمسون، ومنها في الظلال التي تلي الوادي، اثنتان وأربعون، ومنها في الظلال التي تلي المسعى، اثنتان وتسعون، وفي ثلاث أساطين من العدد كراسيها حمر، وهي في الشق الذي يلي الوادي منها مما يلي بطن المسجد كرسيان، ومنها في الظلال
стр. 655
واحدة، وفوق رؤوس الكراسي التي على الأساطين ملابن (١) ساج منقوشة بالزخرف والذهب، وفي الأساطين أربع وأربعون اسطوانة مبنية بالحجارة في الظلال التي تلي باب بني جمح، ست وعشرون. ومنها في الظلال التي تلي الوادي ثماني عشرة. وعلى ست عشرة اسطوانة من أساطين الرخام كراس (٢) من حجارة منقوشة بالجص، منها واحدة مما يلي باب بني جمح، ومنها في الشق الذي يلي الوادي خمس عشرة، أربع تلي بطن المسجد، واحدى عشرة في الظلال. ومن الأساطين الرخام سبع وعشرون كراسيها التي تلي الأرض حجارة، وهي من عمل أبي جعفر أمير المؤمنين.
منها في شق دار الندوة سبع، ومنها في شق بني جمح عشرون. وعدد الأساطين التي تلي أبواب المسجد من كل ناحية مائة واحدى وخمسون، مما يلي دار الندوة خمس وأربعون، ومما يلي باب بني جمح ثلاثون، ومما يلي الوادي أربع وأربعون، ومما يلي المسعى اثنتان وثلاثون، وفي الأساطين اسطوانتان حمراوان مخططتان ببياض، واسطوانتان مما يلي بطن المسجد على باب دار الندوة احداهما بنفسجية والأخرى حمراء، وفي شق باب شيبة الكبير اسطوانتان بيضاوان ملونتان (٣) محددتان (٤) مسيّرتان.
ومما يلي بطن المسجد أيضا اسطوانتان عدسيتان برشاوان.
وعلى باب المسعى اسطوانتان خضراوان مسيّرتان، وهما على باب العباس.
واسطوانة غبراء مما يلي بطن المسجد على باب الوادي مما يلي المسجد، وهي أغلظ اسطوانة في المسجد، خضراء.
стр. 656
ومما يلي بطن المسجد من شق الوادي اسطوانتان منقوشتان مكتوبتان بالذهب إلى أنصافهما وهما على باب الصفا، واسطوانتان أيضا على باب الصفا بحذائهما مما يلي السوق منقوشتان مكتوبتان بالذهب بينهما طريق النبي ﷺ من المسجد إلى الصفا/وفي وجه المسجد مما يلي الصفا اسطوانتان مسيرتان شارعتان في المسجد، إحداهما في أعلى هذا الشق، والأخرى في أسفله (١).
ذكر
الطاقات وعددها وذرعها
وعلى الأساطين أربعمائة طاقة وثمان وتسعون طاقة، منها في ظلال المسجد مما يلي دار الندوة والإمارة والعجلة مائة واثنتان وأربعون طاقة. ومنها في الظلال التي تلي باب بني جمح ودار زبيدة اثنتان وتسعون طاقة. ومنها في الظلال التي تلي الوادي مائة وخمس وأربعون طاقة.
ومنها في الظلال التي تلي المسعى تسع وأربعون (٢) طاقة، منها في الطيقان التي تلي بطن المسجد الحرام مائة واحدى وخمسون، من ذلك مما يلي دار الندوة ست وأربعون. ومما يلي باب بني جمح ودار زبيدة تسع وعشرون، ومما يلي الوادي خمس وأربعون. ومنها مما يلي المسعى احدى وثلاثون.
وذرع ما بين الركن الأسود إلى مقام ابراهيم تسعة وعشرون ذراعا وتسع أصابع. وذرع ما بين جدر الكعبة من وسطها إلى المقام سبعة وعشرون ذراعا.
وذرع ما بين شاذروان الكعبة إلى المقام ستة وعشرون ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. ومن الركن الشامي إلى المقام ثمانية وعشرون ذراعا وتسع عشرة اصبعا.
стр. 657
ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى حدّ حجرة زمزم، ستة وثلاثون ذراعا واثنتا عشرة اصبعا.
ومن الركن الأسود إلى رأس بئر زمزم أربعون ذراعا.
ومن وسط جدر الكعبة إلى حد المسعى مائتا ذراع وثلاثة عشر ذراعا.
ومن وسط جدر الكعبة إلى الجدر الذي يلي باب بني جمح مائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعا. ومن وسط جدر الكعبة إلى الجدر الذي يلي الوادي مائة ذراع وواحد وأربعون ذراعا وثماني عشرة اصبعا.
ومن وسط جدر الكعبة الذي يلي باب (١) الحجر إلى الجدر الذي يلي دار الندوة مائة ذراع وتسعة وثلاثون ذراعا وأربع عشرة اصبعا.
ومن ركن الكعبة الشامي إلى حد المنارة التي تلي المروة مائتا ذراع وأربعة وستون ذراعا.
ومن ركن حد الكعبة الغربي إلى حد المنارة التي تلي باب بني سهم مائتا ذراع وثمانية أذرع واثنتا عشرة اصبعا.
ومن الركن اليماني إلى المنارة التي تلي أجياد الكبير مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا وست عشرة اصبعا.
ومن الركن الأسود إلى المنارة التي تلي المسعى والوادي مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا.
ومن الركن الأسود إلى وسط باب الصفا مائة ذراع وخمسون ذراعا وست أصابع.
ومن الركن الشامي إلى وسط باب بني شيبة مائتا ذراع وخمسة وأربعون ذراعا وخمس أصابع.
стр. 658
ومن الركن الأسود إلى سقاية العباس-﵁-وهو بيت الشراب-خمسة وتسعون ذراعا.
ومن باب بني شيبة إلى المروة ثلاثمائة ذراع وتسعة وتسعون ذراعا.
ومن الركن الأسود إلى الصفا مائتا ذراع/واثنان وتسعون ذراعا وثماني عشرة اصبعا.
ذكر
صفة جدرات المسجد الحرام وحدودها
ومن المقام إلى جدر المسجد الذي يلي المسعى مائة ذراع وثمانية وثلاثون ذراعا (١).
ومن المقام إلى الجدر الذي يلي باب بني جمح مائتا ذراع وثمانية عشر ذراعا.
ومن المقام إلى الجدر الذي يلي دار الندوة مائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعا.
ومن المقام إلى الجدر الذي يلي الصفا مائة ذراع وأربعة وستون ذراعا واثنتا عشرة اصبعا، ومن المقام إلى حدّ حجرة زمزم اثنان وعشرون ذراعا.
ومن المقام إلى حرف رأس زمزم أربعة وعشرون ذراعا وعشرون اصبعا.
ومن وسط سقاية العباس-﵁-إلى جدر المسجد الذي يلي المسعى مائة ذراع.
ومن وسط السقاية إلى الجدر الذي يلي باب بني جمح مائتا ذراع وواحد وتسعون ذراعا.
ومن وسط السقاية إلى الجدر الذي يلي دار الندوة مائتا ذراع.
стр. 659
ومن وسط السقاية إلى الجدر الذي يلي الوادي خمسة وثمانون ذراعا (١).
وجدرات المسجد التي تلي بطن المسجد ملبسة فسيفساء، كلها مشجرة بالفسيفساء منها ألوان من الأشجار. والنقش بذلك الفسيفساء.
ذكر
صفة أبواب المسجد الحرام وعددها وذرعها
وفي المسجد الحرام من الأبواب ثلاثة وعشرون بابا فيها، أربعون طاقا.
منها في الشق الذي يلي المسعى-وهو الشرقي-خمسة أبواب، وهي إحدى عشرة طاقة.
من ذلك الباب الأول: وهو الباب الكبير، الذي يقال له اليوم (باب بني شيبة) (٢) وهو باب بني عبد شمس، وبهم كان يعرف في الجاهلية والإسلام عند أهل مكة، فيه اسطوانتان، وعليه ثلاث طاقات، والطاقات طولها عشرة أذرع، ووجوهها منقوشة بفسيفساء، وعلى الباب روشن (٣) ساج منقوش مزخرف بالذهب والزخرف، طول الروشن سبعة وعشرون ذراعا، وعرضه ثلاثة أذرع، واثنتا عشرة اصبعا. ومن الروشن إلى الأرض سبعة عشر ذراعا. وعلى باب المسجد في أعلى الجدر يواجه من دخل من الباب كتاب فيه مكتوب بفسيفساء، فيه ذكر عمارة المهدي له، واسم من عمله. وما بين جدري الباب أربعة وعشرون ذراعا، وجدرا الباب ملبسان رخاما أبيض وأحمر. وفي العتبة مراق داخلة في المسجد ينزل بها إليه.
стр. 660
والباب الثاني: طاق طوله عشرة أذرع، وعرضه سبعة أذرع، كان يفتح في رحبة كانت في موضع دار القوارير، وهو (باب دار القوارير) (١).
والباب الثالث: طاق واحد طوله عشرة أذرع، وعرضه سبعة أذرع، وهو (باب النبي) ﷺ كان يخرج منه ويدخله من منزله الذي في زقاق العطّارين، يقال له: مسجد خديجة-﵂.
والباب الرابع: فيه اسطوانتان وعليهما ثلاث طاقات/طول كلّ طاقة ثلاثة عشر ذراعا. ووجوه الطاقات وداخلها منقوشة بالفسيفساء. وعلى الباب روشن ساج منقوش بالزخرف والذهب، طوله ستة وعشرون ذراعا، وعرضه ثلاثة أذرع واثنتا عشرة اصبعا. ومن أعلى الروشن إلى العتبة ثلاثة وعشرون ذراعا. وما بين جدري الباب واحد وعشرون ذراعا. والجدران ملبسان رخاما أبيض وأحمر وأخضر، ورخاما مموّها منقوشا بالذهب، يرتقى إليه بسبع درجات. وهو (باب العباس) بن عبد المطلب-﵁-وعنده علم المسعى من خارج.
وعلى جدار الباب مستقبل من دخل المسجد كتاب بفسيفساء اسود كتب باسم عبد الله بن محمد بن داود، سنة عمل المسجد الحرام، يذكر أن الخليفة كتب إليه في عمارته، فعمره وذكر كلاما فيه (٢).
والباب الخامس: وهو باب بسوق الليل، وهو مستقبل الوادي. وسعة ما بين جدري الباب واحد وعشرون ذراعا. وفيه اسطوانتان عليهما ثلاث طاقات، طول كل طاقة ثلاثة عشر ذراعا. ووجوه الطاقات وداخلها منقوش بالفسيفساء وعارض الباب ملبّس صفائح رخام أبيض وأحمر وأصفر، ورخاما منقوشا مموّها
стр. 661
بالذهب. وفوق الباب روشن ساج منقوش بالذهب والزخرف، طوله أربعة وعشرون ذراعا. وعرضه ثلاثة أذرع واثنتا عشرة اصبعا. ومن أعلى الروشن إلى عتبة الباب ثلاثة وعشرون ذراعا. وفي عتبة [الباب] (١) خمس درجات إلى بطن الوادي (٢).
وفي الشق الذي يلي الوادي، وهو شق المسجد اليماني، سبعة أبواب، وسبعة عشر طاقا.
منها الباب الأول: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق في السماء ثلاثة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. وما بين جدري الباب أربعة عشر ذراعا، وثماني عشرة اصبعا. وفي العتبة خمس درجات، وهو الباب الأعلى يقال له (باب بني عائذ).
والباب الثاني: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق ثلاثة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. وما بين جدري الباب أربعة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا، وفي العتبة ثلاث درجات في بطن الوادي، وهو (باب أبي سفيان بن عبد الأسد).
والباب الثالث: وهو باب الصفا، فيه أربع أساطين عليها خمس طاقات، طول كل طاقة في السماء ثلاثة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. والطاق الأوسط أربعة عشر ذراعا. ووجوه الطاقات وداخلها منقوش بالفسيفساء.
[واسطوانتا] (٣) الطاق الأوسط أيضا منها منقوشتان مكتوب عليهما بالذهب. وما بين جدري الباب ستة وثلاثون ذراعا. وجدر الباب ملبّس رخاما منقوشا
стр. 662
بالذهب، ورخاما أبيض وأحمر وأخضر ولون لازورد. وفي عتبات الباب ست درجات. وفي الدرجة الرابعة، إذا خرجت من المسجد حذو الطاق الأوسط، رصاصة تشبه الحجر علامة من رصاص في ذلك الموضع، ذكر المكيّون أن النبي ﷺ وطئ في موضعها حيث خرج إلى الصفا، وكانت هذه الرصاصة في وسط الزقاق/يتحرّونها ويحذونها (١) موطئ طريق النبي ﷺ وزعموا انه كان يقال لهذا الباب (باب بني عدي بن كعب)،كانت دور بني عدي بن كعب ما بين الصفا إلى المسجد وموضع الجنبذ (٢) التي يسقى فيها الماء وعند بركة الصفا هلم جرا إلى رحبة المسجد فلما وقعت الحرب بين بني عبد شمس وبني عدي بن كعب تحولت بنو عدي إلى دور بني سهم وباعوا منازلهم جميعا فيما هنالك فيما يذكرون الا آل صداد، [وآل المؤمّل] (٣) فأما اليوم فيقال له (باب بني مخزوم) وبهم يعرف، وقد قالوا: هو لبني مخزوم (٤)،واحتجّوا في ذلك بالحديث.
١٣٦١ - حدّثنا سعيد بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد المجيد بن أبي روّاد، عن ابن جريج، قال: بلغني أن النبي ﷺ خرج من باب بني مخزوم. وفي أعلى هذا الباب كتاب مكتوب بفسيفساء أمر به عبد الله بن محمد (٥) ان يكتب لما عمل في المسجد الحرام.
стр. 663
١٣٦٢ - حدّثنا أحمد بن سليمان الصفّار، قال: ثنا زيد بن المبارك، قال:
ثنا ابن ثور، عن ابن جريج، قال: دخل النبي ﷺ المسجد فطاف سبعا، وقريش جلوس بين باب بني مخزوم وباب بني جمح، فقال ﷺ بيده وأشار إليهم وإلى أوثانهم ﴿إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ (١) ثم خرج ﷺ فجاء ابن الزبعري، وإذا قريش تسبّه، فقال:
ما لكم؟ [فقالوا] (٢):ان ابن أبي كبشة سبّنا، وسبّ أوثاننا. فلما ان كان من العشى لقي ابن الزبعري، فقال: يا محمد أهي لنا ولآلهتنا خاصة دون الأمم أو هي لجميع الأمم؟ قال: بل هي لكم ولجميع الأمم، قال ابن الزبعري:
خصمتك وربّ الكعبة، فإنك تثنى على عيسى وأمه خيرا، وقد عبد فنزلت ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ (٣) ابن الزبعري السهمي، قال ابن جريج في حديثه هذا: وقال: مجاهد (أولئك عنها مبعدون) عيسى وعزير والملائكة.
ويقال: إن عبد العزيز بن أبي رواد كان يصلي مما يلي باب الصفا.
١٣٦٣ - حدّثني أبو عبيدة محمد بن محمد المخزومي، قال: حدّثني حفص بن عمر بن رفيع، قال: كنّا جلوسا عند عبد الملك بن جريج، فإذا برجل من آل باذان يقال له: فلان، أتاه، فقال له: يا أبا الوليد، من الرافضي من
стр. 664
الناس؟ قال: من يرفض أحدا من أصحاب محمد ﷺ وكرهه. قال: فأقمنا بعد ذلك فإذا [بعبد العزيز] (١) بن أبي روّاد قد طلع، وكان يصلي عند باب الصفا، وكان ابن جريج يعظّمه إذا رآه ويوقّره ويفسح له في مجلسه. وقال لفلان سله: وهو مقبل إذا جاء وجلس واطمأن فنسأله عن مسألة ابن باذان، فلما جلس وتحدّث ساعة، سأله عن مسألة ابن باذان، فقال له: جعلت فداك يا أبا [عبد المجيد] (٢) من الرافضي؟ قال: الرافضي من كره أحدا من أصحاب النبي ﷺ أو كان له علي (٣) عيب سوء. قال: فلما قام الرجل وذهب وكان الناس يتهمون [عبد العزيز] (٤) بقول الإرجاء، وآخرون يقولون: بقول الخوارج. قال فلما قال هذا الكلام رفع ابن جريج يده، فقال: الحمد لله ربّ العالمين، كان الناس يقولون في هذا الرجل بهذه الأشياء، ولقد كنت أعلم أنّ مثل هذا لا يعيب (٥) لأحد من أصحاب النبي ﷺ إلا بخير.
/والباب الرابع: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق ثلاثة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا، وما بين جدري الباب خمسة عشر ذراعا. وفي عتبة الباب خمس درجات في بطن الوادي. ويقال لهذا الباب (باب بني مخزوم) أيضا.
والباب الخامس: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق ثلاثة عشر
стр. 665
ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. وما بين جدري الباب خمسة عشر ذراعا، وفي عتبة الباب سبع درجات. وهذا الباب من أبواب بني مخزوم.
والباب السادس: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق في السماء ثلاثة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. وما بين جدري الباب خمسة عشر ذراعا.
وفي عتبة الباب ست درجات، وكان يقال لهذا الباب (باب بني تيم بن مرّة).وكان بحذاء دار عبد الله بن جدعان، ودار عبيد الله بن معمر بن عثمان، فدخلتا في الوادي، حيث وسع المهدي المسجد الحرام. وقد فضلت من دار عبد الله (١) بن جدعان فضلة، كانت في أيديهم تلك الفضلة يحوزونها ويكرونها ويقبلونها، حتى كانت سنة ست وأربعين ومائتين، فاشتراها محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن ابراهيم الزينبي (٢)،وهو والي مكة، ثم صارت لابن يزداد مولى أمير المؤمنين.
والباب السابع: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق ثلاثة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا. وما بين جدري الباب أربعة عشر ذراعا وثماني عشرة اصبعا. وفي عتبة الباب خمس درجات. وهذا الباب مما يلي دور بني عبد شمس، وبني مخزوم. كان يقال له (باب أم هانئ) بنت أبي طالب-﵂.وعلى الأساطين التي على أبواب المسجد كراس مما يلي الوادي، وباب بني سهم، وباب بني جمح ساج منقوش بالزخرف والذهب (٣).
وفي الشق الذي يلي باب بني جمح ستة أبواب، وعشر طاقات.
الباب الأول: وهو الذي يلي باب المنارة التي تلي أجياد الكبير، فيه
стр. 666
اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاق ثلاثة عشر ذراعا، وما بين جدري الباب خمسة أذرع، وفي عتبة الباب سبع درجات وهو يقال له: باب حكيم بن حزام، وبني الزبير بن العوام والغالب عليه اليوم (باب الحزامية) (١) لأنه يلي الخط الحزامي.
والباب الثاني: فيه اسطوانتان عليهما ثلاث طاقات طول كل طاق في السماء ثلاثة عشر ذراعا، وما بين جدري الباب واحد وعشرون ذراعا. وفي عتبة الباب خمس درجات. والباب يستقبل دار عمرو بن عثمان بن عفان يقال له اليوم: (باب الخياطين) (٢).
والباب الثالث: فيه اسطوانة عليها طاقان، طول كل طاقة في السماء ثلاثة عشر ذراعا. ووجوه الطاقين منقوش بالفسيفساء. وما بين جدري الباب خمسة عشر ذراعا. وفي عتبة الباب سبع درجات. وبين يدي الباب بلاط يمر عليه سيل المسجد من سرب تحت هذا الباب. وذلك الفسيفساء من عمل أبي جعفر أمير المؤمنين، وهو آخر عمله إلى ذلك الموضع وهو (باب بني جمح) (٣).
والباب الرابع:/طاق طوله في السماء عشرة أذرع، وعرضه خمسة أذرع. وعليه باب مبوّب كان يشرع في زقاق كان بين يدي دار زبيدة وبين المسجد. كان ذلك الزقاق مسلوكا، وهو (باب أبي البختري) بن هاشم الأسدي. كان يستقبل داره التي دخلت في دار زبيدة، فيها بئر الأسود، للأسود بن المطلب بن أسد، وهي بئر جاهلية مدفونة في بعض حوانيت دار
стр. 667
زبيدة (١)،وذلك بعد أن بنيت دار زبيدة، وكانت بنيت في سنة ثمان وثمانين.
١٣٦٤ - فحدّثني علي بن حرب الموصلي، قال: دخلنا على ابن وهب في دار زبيدة، وهي ستا (٢) فسمعنا منه فيها سنة ثمان وثمانين ومائة.
حدّثني بعض المكيّين: أنّ ذلك الزقاق كان يباع فيه فيما مضى الدجاج والحمام، وكان مسلوكا مخترقا إلى السويقة وما ناحاها.
والباب الخامس: طاق طوله في السماء عشرة أذرع، وعرضه أربعة أذرع واثنتا عشرة أصبعا. والباب مبوّب يشرع في زقاق دار زبيدة أيضا وهو الباب الذي يصعد منه اليوم إلى دار زبيدة.
والباب السادس: طاق طوله في السماء عشرة أذرع، وعرضه سبعة أذرع واثنتا عشرة اصبعا، وفي العتبة خمس درجات وهو (باب بني سهم) (٣).
وفي الشق الذي يلي دار الندوة، وهو الشق الشامي من الأبواب ستة أبواب.
الباب الأول: وهو يلي المنارة التي تلي باب بني سهم، طاق طوله في السماء عشرة أذرع، وعرضه أربعة أذرع. وفي عتبة هذا الباب سبع درجات، فإذا كثر التراب من السيول ذهبت أربع، وبقيت منه ثلاث درجات. وهو
стр. 668
(باب دار عمرو بن العاص) ومنه يدخل سيل قعيقعان إذا عظم إلى المسجد الحرام حتى حزّ في جدري الباب حزا. وجعل عليه طبق من خشب الساج على قدر الباب يمنع السيل، يجعل ذلك الطبق عليه إذا جاء السيل وكثر الماء، فإذا نضب الماء رفع من موضعه.
والباب الثاني: قد سدّ موضعه، والباب بيّن. وهو (باب دار العجلة) قد بني وسد بالبناء وموضعه بين لمن تأمله.
والباب الثالث: وهو (باب دار العجلة).
والباب الرابع: وهو (باب قعيقعان) طاق طوله في السماء عشرة أذرع، وعرضه سبعة أذرع وست أصابع. وفي عتبة الباب ثماني درجات يقال له (باب حجير بن أبي إهاب).
والباب الخامس: وهو (باب دار الندوة).
والباب السادس: طاق طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه خمسة أذرع. وفي عتبة هذا الباب ثماني درجات في بطن المسجد، وهو (باب دار شيبة ابن عثمان) يسلك منه إلى السويقة (١).
وفي هذا الشق درجة يصعد منها إلى دار الإمارة درجات من رخام عليها درابزين.
وفي هذا الشق جناح من ساج شارع من دار العجلة، كان شرع للمهدي أيام بنيت في سنة ستين ومائة على يدي محمد بن ابراهيم إذ كان بمكة (٢).
стр. 669
١٣٦٥ - وسمعت عبد الرحمن بن محمد الجدي يذكر أنه رأى محمد بن ابراهيم خلف المقام يصلي فكان فيه ذلك الجناح على حاله حتى دخلت المبيّضة، فقطعه حسين بن حسن ووضع الجناح لاصقا بالكواء التي/كانت أبواب الجناح وذلك في سنة المائتين في الفتنة (١)،فأقامت على ذلك من الخراب حتى أمر أمير المؤمنين المعتصم بالله في سنة إحدى وعشرين ومائتين بعمارة دار العجلة، فأشرع الجناح وجعل شباكه بالحديد، وجعلت عليه أبواب مزررة تطوى وتنشر، فهو قائم إلى يومنا (٢).وكان حسين قد خرّب دار العجلة خرابا شديدا حتى قال في ذلك شاعر من أهل مكة، وذكر رجلا يدعو عليه ويتمثل في شعره بخراب دار العجلة، فقال:
عجّل الله لك الخزي كما ... عجّل الخزي لدار العجلة
بعد سكنى ريّس النّاس [بها] (٣) ... صار تلاّ وعاد فيها مزبلة
ذكر
ذرع طول جدرات المسجد الحرام
وذرع جدر المسجد الحرام الذي يلي المسعى-وهو الشرقي-ثمانية عشر ذراعا في السماء. وفي هذا الجدر تحت الشرافات المكشوفات كتاب مكتوب بفسيفساء، كان أمر به عبد الله بن محمد بن داود أن يكتب.
وطول الجدر الذي يلي الوادي-وهو الشق اليماني-اثنان وعشرون ذراعا.
وطول الجدر الذي يلي باب بني جمح-وهو الغربي-اثنان وعشرون
стр. 670
ذراعا، واثنتا عشرة اصبعا.
وطول الجدر الذي يلي دار الندوة-وهو الشق الشامي-سبعة عشر ذراعا واثنتا عشرة اصبعا.
وعلى جدار المسجد الحرام مقابل دار الإمارة مما يلي الصحن مكتوب بفسيفساء أسود: أمر بكتابته عبد الله بن محمد بن داود، يذكر فيه عمارته للمسجد الحرام (١).
ذكر
عدد الشرافات التي في ظهر المسجد وخارجه
وعدد الشرافات اللائي على جدرات المسجد الحرام من خارجه مائتا شرافة واثنتان وسبعون شرافة ونصف.
منها في الجدر الذي يلي المسعى ثلاث وسبعون.
ومنها في الجدر الذي يلي الوادي مائة وتسع عشرة.
ومنها في الجدر الذي يلي باب بني جمح، خمس وسبعون.
ومنها في الجدر الذي يلي دار الندوة خمس شرافات ونصف.
وفي جدرات المسجد من خارج روازن (٢) منقوشة بالجص نافذة إلى المسجد، ووجوهها منقوشة بالجص، وعلى الطاقات تشابيك حديد. ووجوه الشرف منقوش بالجص [وسيل] (٣) سطح المسجد من الشق الذي يلي المسعى، والشق الذي يلي دار الندوة يجري سيله في سربين محفورين على جدر المسجد، ثم يسيل في اسطوانة مبنية على باب بني عبد شمس الكبير، ثم يصير إلى سقاية