← Книги сунны

Книги сунны · id 27

أخبار مكة - الفاكهي - ط 4

أبو عبد الله الفاكهي

Полный текст (1 827 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ذكر قيام النبي ﷺ بمكة يعظ الناس في خطبه ويذكّرهم، وما حفظ عنه في ذلك ١٨٩٠ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، وحسين بن حسن، قالا: ثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبيه ﵁-عن النبي ﷺ قال: «أيّ شهر هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فسكت ﷺ حتى ظننت أنه سيسميه بغير اسمه. قال: «أليس ذا الحجة؟» قالوا: بلى. قال ﷺ : «أيّ بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. حتى ظننا أنه ﷺ سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس البلد الحرام؟» قلنا: بلى. قال ﷺ : «فأيّ يوم هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. فسكت ﷺ حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. فقال: «أليس يوم النحر؟» قلنا بلى يا رسول الله. قال ﷺ : «فإنّ دماءكم وأموالكم» قال محمد-وأراه قال: «وأعراضكم، عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، وستلقون ربّكم فيسألكم عن أعمالكم، فلا ترجعنّ بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلّغ الشاهد الغائب، فلعلّ من يبلغه أوعى من بعض من يسمعه».قال فكان محمد إذا ذكره يقول: صدق/رسول

стр. 982

الله ﷺ ، قد كان ذلك-ثم قال: «ألا هل بلّغت؟ ألا هل بلّغت؟». ١٨٩١ - حدّثنا عبد الرحمن بن يونس السرّاج، ويعقوب بن حميد، وغيرهما، قالا: ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله-﵄-قال: إنّ رسول الله ﷺ خطب الناس فقال: «إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا إنّ كلّ شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، ودماء أهل الجاهلية موضوعة، وأوّل دم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث -كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل-وربا الجاهلية موضوع، وأوّل ربا أضع ربا عباس بن عبد المطلب-﵁-فإنه موضوع كلّه، فاتقوا الله في النساء، [فإنكم] (١) أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله-تعالى-وإنّ لكم عليهن الا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده أبدا إن اعتصمتم به، كتاب الله- -وأنتم ستسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت. فقال ﷺ بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء، وينكبها إلى الأرض: «الّلهمّ اشهد، الّلهم اشهد، الّلهم اشهد». ١٨٩٢ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا مروان بن معاوية، قال: ثنا

стр. 983

هلال بن [عامر] (١) المزني، قال: سمعت رافع بن عمرو المزني، أنه أقبل مع والده يوم حجة الوداع، ورسول الله ﷺ يخطب الناس على بغلة شهباء، أو على بعير، يوم النحر بالضحى، قال: فانتزعت يدي من يد أبي، فتخلّلت الرجال، والناس بين قائم وقاعد، فأضرب بيدي كلتيهما على ركبتي، فأخذت بساق النبي ﷺ فمسحتها، حتى أدخلت يدي بين النعل والقدم، قال: فإنه يخيّل إليّ أني أجد برد قدمه الساعة على يدي. ١٨٩٣ - حدّثنا محمد بن سليمان، قال: ثنا زيد بن حباب، قال: ثنا معاوية بن صالح، قال: حدّثني سليم بن عامر-أبو يحيى-قال: سمعت أبا أمامة-﵁-يقول: سمعت رسول الله ﷺ في حجة الوداع على ناقة جدعاء وهو يقول: «أيّها الناس» فقال رجل من قوم آخر: «ماذا يقول وماذا يريد أن يقول؟» فقال: «ألا تسمعون؟ أطيعوا ربّكم، وصلّوا خمسكم، وأدّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم» قال: فقالوا له: ابن كم كنت حين سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: ابن ثلاثين سنة.

стр. 984

١٨٩٤ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا مروان بن معاوية، عن أبي مالك، عن نبيط بن شريط ﵁-قال: إنه رأى النبيّ ﷺ يخطب الناس بمنى. ١٨٩٥ - وحدّثنا أبو هشام الرفاعي، قال: ثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وأبي سعيد-﵄ قالا: خطبنا النبيّ ﷺ يوم النحر. ١٨٩٦ - وحدّثنا الحسن بن علي، قال: ثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن شبيب بن غرقدة، عن سليمان بن عمرو بن الأحوص، قال: أخبرني أبي أنه/شهد النبيّ ﷺ في حجة الوداع. ١٨٩٧ - وحدّثنا الحسن بن علي الحلواني، قال: ثنا زيد بن حباب،

стр. 985

قال: حدّثني موسى بن عبيدة، قال: حدّثني صدقة بن يسار، عن ابن عمر ﵄-قال: إنّ رسول الله ﷺ خطب الناس بالعقبة، فذكر نحو حديث أبي بكرة-﵁-الأول. ١٨٩٨ - حدّثنا يحيى بن عاصم بن جريري بن سعيد بن عبد الرحمن بن النضر بن عبد الله بن الكوا البخاري، قال: ثنا جعفر بن عون بن عمرو بن حريث، قال: ثنا المعلى بن عرفان بن [أخي] (١) أبي وائل، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود-﵄-قال: خطب النبي ﷺ بمنى فقال: «إنّ يومكم يوم حرام، وشهركم شهر حرام، وبلدكم بلد حرام، وإنّ دماءكم وأموالكم بينكم حرام إلا عن تجارة أو قراض». ١٨٩٩ - حدّثنا يعقوب بن حميد، قال: ثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، قال: حدّثتني هند بنت الحارث الخثعمية -امرأة عبد الله بن شداد-عن أم الفضل بن عباس-﵄ قالت: إنّ النبي ﷺ قام ليلة بمكة، فقال: «الّلهم هل بلغت؟» يقولها ثلاثا. فقام عمر بن الخطاب-﵁-وكان أوّاها فقال: الّلهم

стр. 986

نعم، فحرصت وجهدت ونصحت، فاصبر. فقال النبي ﷺ : «يظهر الإسلام حتى يردّ الكفر إلى مواطنه، وليخوضن رجال البحار بالإسلام، وليأتين على الناس زمان يقرأون القرآن فيقرأونه ويقيمونه، ويقولون: قد قرأنا وعلمنا، فمن هذا الذي هو خير منا، فما في أولئك خير».قالوا: يا رسول الله، من أولئك؟ قال ﷺ : «أولئك منكم، وأولئك هم وقود النار». ذكر خطبة يوم سابع الثمان بمكة لتعليم الحاج المناسك والسنة فيها ١٩٠٠ - حدّثني أبو نصر بن أبي عرابة، قال: ثنا إسحق بن ابراهيم الحنظلي، عن موسى بن طارق، عن ابن جريج، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر-﵁-قال: وقد كان-يعني: عليّ بن أبي طالب-﵁-قام قبل التروية بيوم فعلّمهم مناسكهم، وقرأ براءة حتى ختمها، فلما كان يوم النفر الأول، قام أبو بكر-﵁ فخطب الناس، فلما فرغ قام علي-﵁-فقرأ براءة حتى ختمها. ١٩٠١ - وحدّثني عبد الله بن أبي سلمة، قال: ثنا محمد بن عمر الواقدي،

стр. 987

قال: ثنا هشام بن عمارة، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن [يثربي] (١) الضمريّ، قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب قبل التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة بعرفة حين زاغت الشمس على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بمنى بعد الظهر. *والناس على هذا بمكة إلى اليوم، يخطب الإمام سابع الثمان فيعلم الناس مناسكهم بعد الظهر (٢). ١٩٠٢ - وحدّثني أيوب بن سليمن-أبو الحسن-قال: سمعت ابن عائشة، يقول: أشكل على الناس الهلال في أول حجة حجها عبد الملك بن مروان من خلافته، فشاور في ذلك/أقواما، فلم يجد عندهم بيانا لما يريد، فأمر فنصب المنبر في يوم سابع، وهو قبل يوم التروية بيوم، فخطب فحمد الله -تعالى-وأثنى عليه، ثم قال: أيّها الناس، إنّ الله- -جعل أمر الأمم من غيركم إلى أنفسهم يدبرون الأوان، ويقيمون الزمان، فيصرفون أعيادهم أنّى شاءوا بظن وحسبان، ألا وإن الله- -ملك عليكم

стр. 988

أمركم، فجعل الأهلّة مواقيت الناس، ألا وإن الله- -أخفى عليكم هذا ليبتليكم، فيعلم أيّكم المتّبع من المضيّع، ألا وإني شاورت أقواما فلم أجد عندهم شفاء لما في الصدور، وأتاني الركب من كل وجهة [يخبروني] (١) عن رؤية الهلال قبل اليوم الذي يأتي لكم، ولم أجد فيهم من أثق بشهادته عن ثبات معرفته عندي، وإنما تعبّدنا الله- -بإجازة شهادة المعروفين، ولعله أن يكون فيهم ممن لا أعرف قوم هم أوثق ممن أعرف، ولكن الحق والسنة أولى أن تتبع، ألا إني قد رأيت رأيا، فإن أصب فمن الله -تعالى-وإن أخطئ فمبلغ اجتهادي، والله أسأل التوفيق، وأنا خارج بالناس من غد يومنا هذا إلى منى، وهذا اليوم الذي يزعم من سبقنا إلى رؤية الهلال أنه يوم التروية وأقف بهم من غد ذلك اليوم، وهو الذي يزعم من تأخر في الرؤية أنّه يوم التروية، ثم أفيض بهم إلى جمع، ثم أصبح بهم راجعين إلى عرفات، فأقف بهم وقفة أخرى، وأؤخر نسكهم، فيحلّون وينحرون في اليوم الذي يزعم أولئك أنه يوم النفر، فإن يكن القول ما قالوا لم يضرّهم تأخير مناسكهم، ويكون ما فعلت زيادة في أعمالهم، وعلى الله أجر العاملين. قال: فوقف بالناس يومين، والحمد لله رب العالمين. ١٩٠٣ - وحدّثنا عبد الجبار بن العلاء، قال: ثنا بشر بن السري، قال: ثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، قال: كان ابن الزبير-﵄ يعلّم الناس المناسك.-قال:-يعني: يوم سابع-والله أعلم.

стр. 989

ذكر خطبة أبي ذرّ جندب بن جنادة الغفاري ﵁ بمكة، وقيامه بها ١٩٠٤ - حدّثنا إسماعيل بن محمد الأحمسي-بالكوفة وحدي-قال: ثنا مفضّل بن صالح الأسدي، عن أبي إسحق، عن حنش الكناني، قال: رأيت أبا ذر-﵁-آخذا بباب الكعبة، وهو يقول: يا أيها الناس من عرفني، فأنا من عرفتم، ومن أنكرني، فأنا أبو ذرّ، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها هلك» وزاد غيره في هذا الحديث: أن أبا ذرّ-﵁-أسند ظهره إلى الكعبة، فقال: يا أيها الناس هلم إلى أخ ناصح شفيق، قال: فاكتنفه الناس، ثم قال: أرأيتم لو أنّ أحدكم أراد سفرا، أليس كان يأخذ من الزاد ما يصلحه، السفر سفر الآخرة، فتزوّدوا ما يصلحكم. فقام إليه رجل من أهل الكوفة، فقال: وما الذي يصلحنا؟ قال: أحجج حجة لعظائم الأمور، وصم يوما شديدا حرّه للنشور، وصلّ ركعتين/في سواد الليل لظلمة القبور، وكلمة خير تقولها، وكلمة شرّ تسكت عنها، وصدقة منك

стр. 990

على مسكين لعلك تنجو من يوم عسير، اجعل الدنيا مجلسين: مجلسا في طلب الحلال، ومجلسا في طلب الآخرة. ثم الثالث يضرّ ولا ينفع، اجعل المال درهمين، درهما تنفقه على عيالك، ودرهما تقدمه لآخرتك، ثم الثالث يضرّ ولا ينفع. ثم قال: أوه. قيل له: ما ذاك؟ قال: قتلني طول الأمل، إنما الدنيا ساعتان، ساعة ماضية، وساعة باقية، فأما الماضية فذهبت لذتها، وأما الباقية فهي تخدعك حتى يقلّ صبرك فيها، تأخذ حلالها وحرامها، فإن أخذتها بحلالها فأنت أنت، وإن أخذتها بحرامها فما أدرى ما أصف من سوء حالك، والله وليّ نعمك ومعروفك. ذكر خطبة عبد الله بن الزبير-﵁ التي كان يخطب بها بمكة في النكاح ١٩٠٥ - حدّثنا الزبير بن أبي بكر، قال: حدّثني مصعب بن عثمان، قال: كانت خطبة عبد الله بن الزبير-﵄-التي يزوّج بها: الحمد لله الذي استحمد بفضله، ورضي الحمد شكرا من خلقه، أحمده وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد ألا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ . ثم إنّ الله- -أحلّ حلالا

стр. 991

رضيه، وحرّم حراما سخطه، فأمر بما أحلّ ووسّع فيه، ونهى عما حرّم وعذّب فيه، فقال- : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ، إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). ذكر خطبة عتبة بن أبي سفيان بمكة في سنة إحدى وأربعين ١٩٠٦ - حدّثنا أبو يحيى-عبد الله بن أحمد بن أبي مسرّة-قال: ثنا أبو هاشم، قال: ثنا ابن دأب، قال: حجّ عتبة بن أبي سفيان بالناس في سنة إحدى وأربعين، فخطب بعرفة، فقال: أما بعد أيّها الناس فقد ولّينا هذا الأمر الذي يضاعف الله فيه للمحسن الأجر، وعلى المسيء فيه الوزر، ونحن على طريقة قصدنا، فاقبلوا العافية فينا ما قبلناها منكم، وأنا أسأل الله -تعالى-أن يعين كلا على كلّ. قال: فقام أعرابي، فقال: يا أمير المؤمنين، قال: لست به، ولم تبعد. قال: يا أخاه، قال: قد أسمعت فقل، قال: والله لأن تحسنوا وقد أسأنا خير من أن تسيئوا وقد أحسنّا، فلئن كان

стр. 992

الإحسان لكم دوننا فإنكم لمحقوقون باستتمامه، ولئن كان لنا دونكم إنّكم لمحقوقون بمكافأتنا عليه، رجل من بني عامر بن صعصعة يمتّ إليكم بالعمومة، [ويختصك] (١) بالخؤولة، وطئة زمان، وكثرة عيال، وبه فقر، وعنده شكر. قال: فقال عتبة: نستغفر الله منكم ونتوب إليه فيكم. قد أمرت لك بغنى، ولوددت أن إسراعنا إليكم، يقوم بإبطائنا عنكم. قال: فأخذ ما أمر له به. ثم وقف الاعرابي على الموقف، فسمع يقول: الّلهم لا تحرمني/خير ما عندك لسوء ما عندي، فإن كنت لم تقبل تعبي ونصبي، فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته، الّلهم عجّت إليك الأصوات بضروب اللغات، يسألونك الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني على طول البلاء إذا نسيني أهل الدنيا. وسمعت عبد الرحمن بن محمد اليماني يذكر هذه الخطبة، ويزيد فيها: فلا تمدّوا الأعناق إلى غيرنا، فإنها تقطع، وربّ متمنّ حتفه في أمنيته، فاقبلوا العافية. ثم ذكر نحو حديث ابن دأب. ذكر خطبة الحجّاج بن يوسف بمكة ١٩٠٧ - حدّثنا أبو يحيى عبد الله بن أحمد بن أبي مسرّة قال: سمعت بعض أهل مكة يقول: خطب الحجاج بن يوسف في بعض قدماته مكة وهو والي الحج، فقال في خطبته: يا أهل مكة، إنّا قد أرملنا، ولكني سأبعث

стр. 993

إليكم-إن شاء الله-فأنظرونا. فقام رجل فقال: لا أنظر الله من أنظرك، ولا عذر من عذرك، أمير العراقين، وابن عظيم القريتين، ويقول: أنظروني!!.قال: فقال الحجاج: صدقت، لا عذر الله من عذرني، ولا أنظر من نظرني، ثم نزل، فتسلف من وجوه أهل العراق ممّن وافى الحجّ أربعين منهم، فجمع مالا فقسمه على أهل مكة. ذكر خطبة داود بن علي بن عبد الله بن عباس بمكة حين قدمها ١٩٠٨ - حدّثني الحسن بن عثمان، قال: حدّثني عثمان بن محمد، قال: حدّثني محمد بن يوسف المكي القرشي، قال: لمّا أن حج بالناس داود بن علي أول سنة استخلف أبو العباس (١)،وذلك في سنة إثنتين وثلاثين ومائة، خطب الناس، فحمد الله-تعالى-وأثنى عليه، ثم قال: شكرا شكرا، أظنّ عدو الله-يعني: مروان بن محمد-أن لن نقدر عليه، أرجئ له زمانه حتى عثر في فضل [خطامه] (٢)،الآن أخذ القوس باريها، وطلعت الشمس من

стр. 994

مطلعها، وعاد السهم إلى النزعة، وصار الأمر إلى أهل بيت نبيّكم ﷺ ، أهل الرأفة والرحمة والمعدلة، إنّا والله ما خرجنا لنجري فيكم نهرا، ولا لنبني فيكم قصرا، لكم ذمّة الله-تعالى-وذمة العباس، لا وربّ هذه البنيّة لا نهيج منكم أحدا، ثم نزل (١). فلم يمض يومان حتى تكلّم الناس في أبي العباس، فأمر بالمنبر، فوضع فركبه، فحمد الله-تعالى-وأثنى عليه ثم قال: عذرا عذرا يا أهل النكث والتبديل، ألم يزعكم الفتح المبين عن القول في أمير المؤمنين، كلا والله حتى يحمل أوزارهم وأوزار الذين خلوا من قبلهم، ها، ثم ما قامت شكاتكم، أحين احتصدتم لأمير المؤمنين فوفّركم، وأنزعتم دماءكم فحقنها، الآن يا منابت الدمن، إذ أصبح كبش الكفر فيكم نطيحا، ونابه مغلولا، وجمعه شذرا، أمسستم الغر (٢)،أو ذيّبتم في الجمر أم محمد والعباس؟ لئن عدتم إلى سقطات القول، لأحصدنكم [بظباة] (٣) الهند، وما ذلك [بعزيز] (٤) ثم يغني الله عنكم ويستبدل بكم قوما غيركم، ولا يكونوا أمثالكم.

стр. 995

ذكر خطبة أبي حمزة الشاري (١)، المختار بن عوف بمكة ١٩٠٩ - / حدّثني ابن أبي يقظة المديني، قال: ثنا أبو بكر عبد الرحمن بن شيبة، قال: أخبرني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، عن أبيه. واسماعيل بن محمد بن اسماعيل بن جعفر بن محمد، عن ثمال بن طليب الحروري. وجرير بن ميمون الدّيلي، عن عبد الله ومحمد ابني كثير بن مسافع. ومحمد بن مسلمة المخزومي، عن ابن عياض الكعبي. ويحيى بن محمد بن عبد الله، عن عبد الجبار بن عبد الرحمن المصبحي. وأزهر بن سعيد بن نافع، عن يزيد بن خالد الضمري.

стр. 996

وعمر بن أبي بكر بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن المؤمّل. ومحمد بن حسن وغيرهم. حدّثني كل واحد منهم بطائفة من هذا الحديث، فاجتمع حديثهم فيما سمعت من أمر الحروراء، الذين خرجوا في زمن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، قالوا: وأقبل أبو حمزة من عرفة حتى صعد المنبر-يعني: بمكة- وعليه ثوبان قطرّيان (١)،وهو متنكب قوسا عربية، فحمد الله-تعالى-وأثنى عليه بما هو أهله، وصلى على محمد ﷺ ثم قال: أما بعد، فإن رسول الله ﷺ كان لا يتقدم ولا يتأخر إلا بأمر الله- -ووحيه، أنزل عليه كتابا بيّن له ما يأتي وما يذر، فلم يكن في شك من دينه، ولا على شبهة من أمره، حتى قبضه الله-تعالى-إليه، فصلى الله عليه وسلّم، وقد علم المسلمون معالم دينهم، وولّى أبا بكر الصدّيق-﵁-صلاتهم، فعمل أبو بكر-﵁-بالكتاب والسنّة، وقتل أهل الردة، ثم مضى [لسبيله] (٢) -يرحمه الله-،وولي عمر بن الخطاب-﵁ الأمر بعده، فسار عمر-﵁-سيرة صاحبه، جبى الفيء وقسمه بين أهله، وفرض الأعطية، وجمع الناس في قيام شهر رمضان، وغزا العدوّ في بلادهم، وضرب في الخمر ثمانين، ثم مضى عمر بن الخطاب-﵁-لسبيله-يرحمه الله-وغفر له. ثم ولي عثمان بن عفان-﵁-الأمر على الناس من بعده، فسار ست سنين بسيرة صاحبيه، وسار في الست الآخرة بما أحبط سنيّه الأوائل، ثم قام من بعده علي بن أبي طالب ﵁-فلم يبلغ من الحق قصدا، ولم يرفع له منارا، ثم مضى

стр. 997

لسبيله، وهو في ذلك يلعنهما-لعن الله أبا حمزة-ثم قام من بعد علي بن أبي طالب-﵁-معاوية بن أبي سفيان-﵁-لعين رسول الله ﷺ وابن لعينه، فاتخذ عباد الله خولا (١) ومال الله دولا، ودين الله دغلا (٢)،ثم مضى إلى سبيله، فألعنوه لعنه الله أيها [الناس] (٣).قال: فلعنه جنده والناس الذين معه حتى ارتفع الصوت. ثم ولي يزيد بن معاوية-يزيد الخمور ويزيد القرود-فالعنوا يزيد، لعن الله يزيد وأبا يزيد. ثم ولي عمر ابن عبد العزيز، فلم يذكره. وحمده وحمد عمله، ثم استقرئ خلفاء بني أمية خليفة خليفة يقع بهم ويسبّهم، قال: ثم ولي يزيد بن عبد الملك الفاسق في بطنه، المأبون في دبره، الذي لم يؤنس منه رشد، وقد قال الله- -في كتابه في أموال اليتامى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ (٤) في نفس واحدة يطلب منها الرشد والمال لها، فكيف بمن يلي أمر هذه الأمة/،أمة محمد ﷺ ؟ فهذا أعظم، يأكل الحرام ويشرب الحرام، ويلبس الحلّة قد قوّمت عليه بألف دينار، قد ضربت فيها الأبشار، وتهتكت فيها الأستار، وأجلس حبّابة عن يمينه، وسلاّمة (٥) عن شماله تغنيانه ويشرب الخمر، حتى إذا أخذ الشراب كل مأخذ قال: ألا أطير؟ بلى، يطير إلى النار. وأما بنو أبيه-يعني بني أمية-ففرقة منهم بطشهم بطش جبرية، يأخذون بالظنّة ويقتلون على الغضب، ويحكمون بالشفاعة،

стр. 998

ويأخذون الفريضة من غير موضعها، ويضعونها في غير أهلها، وقد سمّى الله ﵎-أهلها، فجعلهم ثمانية أصناف، فقال-﵎ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ، وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).فأقبل صنف تاسع ليس منها، فلم يرض أن يكون كأحدها حتى أخذها كلها، فقلت له: إنّ ليس لك فيها حقّا، أفلا ترضى أن تكون فيها كمن له فيها حقّ؟ فأبى الا أخذها كلها. فأقبلنا عليكم، فقلنا: أعينونا عليهم، وقلتم: سلطان ولا نقوى عليه. فعذرناكم بذلك، ثم استدرتم إليه، فأعنتموه على أخذها، فلا أنتم إذ غلبكم تركتم عونه،-فأنتم تعلمون ظلمه- حتى صرتم له أعوانا على أخذها والظلم فيهم، تلكم الفرقة الحاكمة بغير ما أنزل الله- -وقد شهد لكم يا أهل مكة في حكمه أصابتكم في زمن هشام بن عبد الملك، فكتب إليهم بكتاب أرضاكم فيه، وأسخط الله- -عليه، فقال: قد تركت لكم صدقاتكم في عامكم هذا، فزاد فقيركم الذي جعل الله- -له ذلك فقرا، وزاد غنيّكم غنى، فقلتم: جزاه الله خيرا، فلا جزاه الله خيرا، ولا أثابكم خيرا. أمّا هذه الشيع فشيع تظاهرت بكتاب الله- -وأعظمت الفرية على الله-تعالى- لم يفارقوا الناس ببصر ناقد في الدين، ولا علم نافع في القرآن، ينقمون [المعصية] (٢) على أهلها، ويعملون إذا ولّوا بها، ينصرون الفتنة ولا يخرجون منها، جفاة عن الدين، أتباع كهان، يؤمّلون الدولة في بعث الموتى، ويوقنون ببعث إلى الدنيا قبل يوم القيامة، قلّدوا دينهم من لا ينظر إليهم

стр. 999

﴿قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١).يا أهل الحجاز، قد بلغني [أنكم] (٢) تعيّرونني بأصحابي، وتزعمون أنهم شباب، ويحكم وهل كان أصحاب رسول الله ﷺ إلا شبابا؟ شباب والله يكتهلون في شبابهم، غائبة عن الشرّ أعينهم، ثقيلة عن الباطل أرجلهم، أنضاء (٣) عبادة، وقد نظر الله- -إليهم في جوف الليل، محنيّة أصلابهم على أجزاء القرآن، إذا مر أحدهم بالآية فيها ذكر الجنة دعا شوقا إليها، وإذا مر بالآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه، موصول كلالهم بكلالهم، كلال الليل بكلال النهار، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وجباههم، فاستقلّوا ذلك في جنب الله- -حتى إذا رأوا السهام قد فوّقت (٤)،والرماح قد أشرعت، والسيوف قد انتضيت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت/استخفوا رعد الكتيبة في ذات الله-تعالى-فمضى الشباب منهم قدما، حتى اختلفت رجلاه على عنق فرسه، وتخضبت بالدماء محاسن وجهه، وأسرعت إليه سباع الأرض، وانحطت عليه طير السماء، فكم من عين في منقار طير طالما بكى صاحبها في جوف الليل في سجوده لله-تعالى-وكم من كف زالت عن معصمها طالما اعتمد عليها صاحبها في ركوع وسجود لله-تعالى-. ثم قال أبو حمزة: هاه، هاه، وانتحب، ووضع كمّه على وجهه، وبكى، وبكى الناس لبكائه، وقال للناس: لشتان [بين] (٥) من يدعوكم

стр. 1000

إلى الرحمن وبيعة القرآن، وبين من يدعو إلى سنّة الشيطان وبيعة مروان، وما أمر مروان برشيد. ثم نزل فما رؤي على منبر مكة أحد كان أحسن خطبة منه. ١٩١٠ - وأنشدني أبو يحيى بن أبي مسرّة لبعض الخوارج: لقد أخّرتني يوم مكة شقوتي ... غداة مضى المختار فيمن يقدّم غداة ينادي أيّها الناس أقبلوا ... إلى طاعة الرحمن قبل التندّم إلى الله يدعو أن يقام كتابه ... وبالسيّد الماضي يسير وينتمي ذكر خطبة سديف بن ميمون بين يدي داود بن علي وما لقي قبل خروج بني هاشم في دولتهم ١٩١١ - حدّثنا عبد الله بن أبي مسرّة، قال: ثنا محمد بن عبد الرحمن بن حسيب اللهبي، عن ابن دأب، قال: لما قدم داود بن علي بن عبد الله بن عباس-﵃-مكة، أخرج سديف بن ميمون من الحبس وخلع

стр. 1001

عليه، ثم وضع المنبر، فخطب فأرتج (١) عليه، فقام سديف بن ميمون، فقال: أما بعد، فإنّ الله- -بعث محمدا ﷺ ، فاختاره من قريش، نفسه من أنفسهم، وبيته من بيوتهم، فكان فيما أنزل عليه في كتابه الذي حفظه، وأشهد ملائكته على حقه ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٢)،وجعل الحقّ بعد محمد ﷺ إلى أهل بيته، فقاتلوا على سنته وملته، بعد عصر (٣) من الزمان، وتتابع الشيطان، بين ظهراني أقوام، إن رتق حقّ فتقوه، وإن فتق جور رتقوه، آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، أهل خمور وماخور (٤)، وطنابير ومزامير، إن ذكّروا الله لم يذكروا، وإن قوّموا الحقّ أدبروا، بهذا قام زمانهم، وبه كان يعمر سلطانهم، أيزعم (٥) الضلاّل-فأحبطت أعمالهم- أنّ غير (٦) آل محمد ﷺ أولى بالخلافة منهم؟ فبم (٧)،ولم أيها الناس؟ ألهم (٨) الفضل بالصحابة دون ذوي القربى في النسب، والورثة للسلب، مع ضربهم على الدين جاهلكم، واطعامهم في اللأواء جائعكم، وأمنهم في الخوف سائلكم، والله ما اخترتم من حيث اختار الله لنفسه، ما زلتم تولون تيميا مرّة، وعدويا مرة، وأسديا مرة، وأمويا مرة، حتى جاءكم من لا يعرف اسمه/ولا نسبه، فضربكم بالسيف فأعطيتموها عنوة وأنتم كارهون، أل

стр. 1002

محمد ﷺ أئمة الهدى ومنار سبل التقى، كم قصم الله بهم من منافق طاغ، وفاسق باغ، وأرباد أملاغ (١)،فهم السادة القادة الذادة، بنو عم الرسول ﷺ ، ومنزّل جبريل بالتنزيل، لم يسمع بمثل عباس، لم تخضع له الأمة إلا لواجب حق الحرمة، أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه، وإحدى يديه، وجلدة ما بين عينيه، والموثّق له يوم العقبة، وأمينه يوم القيامة، ورسوله يوم مكة، وحاميه يوم حنين، عند ملتقى الفئتين، والشافع يوم نيق العقاب (٢)،إذ سار رسول الله ﷺ قبل الأحزاب. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. ويقال: إن سديف بن ميمون كان في حبس بني أمية، وذلك أنه كان يتكلم في بني أمية، ويطلق فيهم [لسانه] (٣) ويهجوهم، وكان له في [الحساب] (٤) فيما يزعمون نظر، وفي الأدب حظ وافر، وكان يجلس مع لمّة له من أهل مكة وأهل الطائف يسمرون في المسجد الحرام إلى نصف الليل ونحوه، فيتحدثون [ويخبرهم] (٥) بدولة بني هاشم أنها قريبة، فبلغ ذلك من

стр. 1003

قوله الوليد بن عروة (١)،وهو على مكة واليا لمروان بن محمد. فسمعت بعض أهل الطائف يقول: فاتخذ عليه الأرصاد مع أصحابه حتى أخذوه، فأخذه فحبسه، ثم جعل يجلده كل سبت مائة سوط،كلما مضى سبت أخرجه فضربه مائة سوط حتى ضربه أسبتا، فلما أتّطأ (٢) الأمر لبني هاشم، وبويع لأبي العباس بالخلافة، بعث داود بن علي بن عبد الله بن عباس، فقدم مكة ليوم الأربعاء سنة إثنتين وثلاثين ومائة، فلما سمع الوليد بن عروة السعدي بداود أنه يريد مكة أيقن بالهلكة، فخرج هاربا إلى اليمن، وقدم داود بن علي مكة، فاستخرج سديفا من الحبس وخلع عليه، وأخلده، فعند ذلك يقول سديف قصيدته التي يمدح فيها بني العباس-﵃: أصبح الدين ثابت الأساس ... بالبهاليل من بني العباس (٣) ثم وضع داود بن علي المنبر، فخطب فأرتج عليه، فقام إليه سديف فخطب بين يديه الخطبة التي ذكرناها.

стр. 1004

ذكر البرك التي عمّرت بمكة وتفسير أمرها وقال بعض أهل مكة عن أشياخه: إنّ سليمان بن عبد الملك كتب إلى خالد بن عبد الله القسري: أن أجر لي عينا من الثقبة (١) يخرج من مائها العذب الزلال، حتى تظهر بين زمزم والمقام، تضاهي بها-فيما ذكروا- زمزم. قال: فعمل خالد بن عبد الله البركة التي بفم الثقبة، يقال لها: بركة القسري، ويقال لها بركة السروي (٢)،وهي قائمة إلى اليوم بأصل ثبير، فعملها بحجارة منقوشة طوال، وأحكمها وأنبط ماءها في ذلك الموضع، ثم شقّ لها فلجا يسكب فيها من الثقبة، [وبنى سدّ الثقبة وأحكمه] (٣) -والثقبة: شعب يفرع فيه وجه ثبير-ثم شقّ من هذه البركة عينا/تخرج إلى المسجد الحرام، فأجراها في قصب (٤) من رصاص حتى أظهرها من فوّارة (٥) تسكب في

стр. 1005

فسقيّة (١) من رخام بين زمزم والركن والمقام. فلما أن جرت وظهر ماؤها أمر القسري بجزر فنحرت بمكة، وقسمت بين الناس، وعمل طعاما فدعا إليه الناس، ثم أمر صائحا، فصاح: الصلاة جامعة، وأمر بالمنبر، فوضع في وجه الكعبة، ثم صعده فحمد الله-تعالى- وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، احمدوا الله، وادعوه لأمير المؤمنين، الذي سقاكم الماء العذب الزلال [النقاخ] (٢)،بعد الماء الملح الأجاج، الذي لا يشرب إلا صبرا (٣). قال الشاعر يذكر الماء النقاخ العذب: فمنهنّ ما يسقى بعذب مبرد ... نقاخ، فتلكم طافت واستقرّت ومنهنّ ما يسقى بأخضر آجن ... طريف فلولا خشية الله برّت (٤) يريد: أعلنت وأنارت. وقال العرجي (٥) -واسمه عبد الله بن عمرو بن

стр. 1006

عثمان-ويقال: بل قائل ذلك عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز-يذكر النقاخ أنه الماء العذب: [فإن] (١) ... شئت حرّمت النساء سواكم وإن شئت لم أشرب نقاخا ولا بردا (٢) وإن شئت غرنا معكم ثمّ لم نزل ... بمكة حتى تجلسي قائلا نجدا (٣) ثم تفرغ تلك الفسقية في سرب (٤) من رصاص يخرج إلى موضع وضوء كان عند باب المسجد، باب الصفا [في بركة] (٥) كانت في السوق. قال: فكان الناس لا يقفون على تلك الفسقية ولا يكاد أحد يقربها، وكانوا على شرب ماء زمزم أحرص، وفيه أرغب، فلما رأى ذلك القسري صعد المنبر، فتكلم بكلام يؤنّب فيه أهل مكة ثم نزل. فلم تزل تلك البركة على حالها حتى قدم داود بن علي مكة حين أفضت الخلافة إلى بني هاشم. فكان أول ما أحدث بمكة فيما يقولون: أن هدمها وكسر الفسقية، وصرف العين إلى بركة كانت بباب المسجد، فسرّ الناس بذلك سرورا عظيما حين هدمت. فكان ذلك السرب الرصاص على حاله (٦)،حتى قدم بشر الخادم مولى

стр. 1007

أمير المؤمنين في سنة ست وخمسين ومائتين فعمل القبّة التي إلى جانب بيت الشراب، وأخرج قصب خالد هذه التي من رصاص، التي كان عملها لسليمان بن عبد الملك، فأصلحه وجعله في سرب الفوّارة التي يخرج الماء منها من حياض زمزم، تصبّ في هذه البركة، وقد فسرنا عملها في موضعها (١). وقد كان أهل مكة فيما مضى قد ضاقوا من الماء ضيقا شديدا، حتى كانت الراوية تبلغ في الموسم عشرين درهما أو أكثر، وفي سائر السنة نصف دينار، وثلث دينار، ونحو ذلك. فأقاموا بذلك حينا، حتى أمر أمير المؤمنين هارون بعيون معاوية بن أبي سفيان الدوائر، فعملت وجمعت وصرفت في عين واحدة يقال لها: الرشا، وتسكب في الماجلين اللذين أحدثهما هارون أمير المؤمنين، ويعرفان اليوم: بماجلى (٢) هارون، بالمعلاة، ثم تسكب في البركة التي عند باب المسجد الحرام/.فتوسع الناس في ذلك بعض السعة، وكانوا إذا انقطع من هذه العيون شيء في شدة من الماء. فبلغ ذلك أمّ جعفر-زبيدة (٣) بنت أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين- وقيل لها: إنّ أهل مكة في ضيق من الماء وشدة، فأمرت بعمل بركتها هذه التي بمكة. فأجرت لها عينا من الحرم، فجرت بماء قليل لم يكن فيه ريّ لأهل مكة ولا فضل، وقد غرمت في ذلك غرما كبيرا، فبلغها ذلك، فأمرت المهندسين أن يجروا لها عيونا من الحل. وكان الناس يقولون: إنه لا يدخل ماء الحلّ إلى الحرم، لأنه يمر على

стр. 1008

عقاب وظراب وجبال، فأرسلت بأموال عظام، ثم أمرت من يزن عينها الأولى، فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العين، فعملت عينها هذه بأحكم ما يكون من العمل، وعظمت نيتها في ذلك، فلم يزل العمّال يعملون، حتى بلغوا ثنيّة خلّ (١)،فإذا الماء لا يظهر على ذلك الجبل إلا بعمل شديد، وعزم فظيع، وضرب في الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه بالزبر (٢)،وأنفقت في ذلك من الأموال ما لم يكن تطيب به نفس أحد، حتى أجراها الله-تعالى-وأجرت فيها عيونا من الحلّ منها: عين مشاش (٣)،واتخذت لها بركا تكون السيول إذا جاءت تجتمع فيها، ثم أجرت لها عيونا من حنين، واشترت حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدّا تجتمع فيه السيول، فأهل مكة يشربون من مائها إلى يومنا هذا (٤). وكان الناس يستقون من هذه البركة الكبيرة التي بأعلى مكة، حتى كانت سنة عشر ومائتين، فكتب صالح بن العباس إلى أمير المؤمنين المأمون يستأذنه في عمل البرك الصغار التي في فجاج مكة، وأن يكون ذلك منه، فكتب إليه يأمره أن يتخذ له بركا في الفجاج خمسا لئلا يتعنّى أهل المسفلة وأهل الثنيّة (٥)،وأجيادين، والوسط،إلى بركة أم جعفر بالمعلاة، فأجرى من بركة

стр. 1009

أم جعفر [فلجا يسكب فيه الماء من بركة أم جعفر] (١) إلى بركة عند شعب علي، ودار بن يوسف (٢)،ثم يمضي إلى بركة عملها عند الصفا، ثم يمضي إلى بركة عند الخياطين (٣)،ثم يمضي إلى بركة بفوّهة سكة الثنية دون دار رويس، ثم تمضي إلى بركة عند سوق الحطب (٤) بأسفل مكة. فلما فرغ منها صالح وخرج الماء فيها، ركب بوجوه أهل مكة إليها، فوقف عليها حتى جرى الماء، ونحر على كل بركة جزورا، وقسم لحمها على الناس، وبلغ ذلك أمّ جعفر زبيدة، فاغتمت لذلك، ثم حجت في سنة إحدى عشرة ومائتين، وعلى مكة يومئذ صالح بن العباس. فسمعت ابراهيم بن أبي يوسف يقول: فأتاها، فسلّم عليها، فلامته في أمر هذه البرك التي عمل، وقالت: هلا كتبت إليّ حتى كنت أنا أسأل أمير المؤمنين أن يجعل ذلك إليّ، فأتولى النفقة فيها كما أنفقت في هذه البركة، حتى استتم ما نويت في أهل حرم الله؟! فاعتذر إليها صالح من ذلك (٥). وقد قال شاعر من أهل مكة يذكر بركة أم جعفر، ودخول ماء الحل إلى الحرم: الحمد لله الأعزّ الأكرم ... الواسع الفضل الكثير المنعم أجرى على رغم أنوف الرغم ... /من كان ينبينا بما لم نعلم

стр. 1010

عينا من الحلّ جرت في الحرم ... تسكب في خابية قليدم (١) خضراء فيها ملعب للعوّم (٢) ... في قصيدة يرجز فيها. ثم عملت على البركة التي بالمعلاة (سفلا وعلوا يكون فيه قيم البركة الذي يحرسها ويقوم بمصلحتها، وجعل لذلك باب دار مبوّب بفرخ صغير فيه) (٣) وعليه طاق معقود، وكتب على وجه البركة كتاب هو قائم إلى اليوم: (بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وصلّى الله على محمده عبده ورسوله، بركة من الله، مما أمرت به أم جعفر بنت أبي الفضل جعفر بن أمير المؤمنين المنصور-رضي الله عن أمير المؤمنين-بإجراء هذه العيون، سقاية لحجاج بيت الله وأهل حرمه، طلب ثواب الله وقربة إليه، على يدي ياس خادمها ومولاها، سنة أربع وتسعين ومائة) وهذا الكتاب مكتوب بجص ومرمر، قد سوّد بالسواد. ثم تحت هذا الكتاب كتاب (بايقاس) (٤): (مما جرى على يدي أبي إسحاق اسماعيل بن إسحاق القاضي (٥)،أطال الله بقاءه وأدام عزّه وكرامته). وعلى هذه العيون أموال لأم جعفر في مخاليف (٦) مكة وبغداد وغيرها، وغلات محبوسة على هذه العيون إلى يومنا هذا.

стр. 1011

وقد كان إسحاق بن سلمة في سنة إحدى وأربعين ومائتين عمل البركة التي بالحصحاص (١)،إذا أشرفت من ثنية الحصحاص تريد التنعيم، وصرف ماء فخّ (٢) إليها، وجعل لها فلجا من عين فخّ يصب في بركة عملها عند الثنية. ثم تركت بعد ذلك. والبركة قائمة إلى يومنا هذا ليس فيها ماء.

стр. 1012

باب جامع (١) من أخبار مكّة في الإسلام ١٩١٢ - حدّثنا أبو الحين ابراهيم بن محمد النوفلي، قال: بلغني أن معاوية ﵁-قال لجبير بن مطعم: كيف أنا في قومي؟ وكيف أنا في عشيرتي؟ قال: أنت والله كما قال الشاعر (٢): نميل على جوانبه كأنّا ... إذا ملنا نميل على أبينا نقّلبه لنخبر حالتيه ... فنبلوا منهما كرما ولينا فأنت والله كذلك. قال: فأرسل إليه معاوية-﵁-بعشرة آلاف. ١٩١٣ - حدّثنا عمرو بن محمد، قال: ثنا عثمان بن يعقوب، قال: حدّثني محمد بن طلحة، عن الثقة عنده، قال: إنّ العباس بن عبد المطلب وأبا

стр. 1013

سفيان بن الحارث-﵄-كانا من المائة الصابرة يوم حنين. ١٩١٤ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا [عبيد الله] (١) بن أبي يزيد، قال: رأيت الغنم تقدم مكة مقلّدة. ١٩١٥ - حدّثنا أحمد بن حميد، عن ابن سلام، عن أبان بن عثمان، وغيره، قال: لمّا توجّه النبي ﷺ إلى الطائف، رأى على العقبة قبرا، فقال: «يا أبا بكر، ما هذا القبر؟» فقال: هذا قبر أبي أحيحة-لعنه الله- فإنه/كان شديد التكذيب بآيات الله-تعالى-شديد الردّ على رسول الله ﷺ . فقال أبان بن سعيد: بل لعن الله أبا قحافة، إنه كان لا يدفع الضيم، ولا يقري الضيف. فقال النبي ﷺ : «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات».

стр. 1014

١٩١٦ - حدّثنا أحمد بن حميد، عن الأصمعي، قال: استعمل أبان بن عثمان على الموسم، وكان صاحب الموسم يقيم ثلاثا ثم يتحيّن به صاحب مكة إلا أن يكون في كتابه أكثر من ذلك، فتحيّن بأبان، فقال الشاعر: فإن تنج منها يا أبان مسلّما ... فقد ألفت الحجّاج خيل شبيب (١) وقال رجل (٢) من أهل مكة يرد عليه: فلا تذكر الحجاج إلا بصالح ... فقد عشت من معروفه بذنوب (٣) قال: فما راع الرجل إلا والكساء قد جاءت من عند الحجاج. ١٩١٧ - حدّثنا محمد بن إسحاق بن شبّويه، قال: ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا سفيان الثوري، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس، عن ابن

стр. 1015

عمر-﵄-قال: قال النبي ﷺ : «الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة» (١). ١٩١٨ - حدّثني أحمد بن صالح-عرضته عليه-قال: حدّثني محمد بن اسماعيل القرشي، المدني، قال: حدّثني عبد الله بن نافع، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر-﵄-قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات بين الحرمين حاجّا أو معتمرا، بعثه الله-تعالى-يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب، ومن زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن جاورني بعد موتي، فكأنما جاورني في حياتي، ومن مات بمكة فكأنما مات في السماء الدنيا، ومن شرب من ماء زمزم [فماء] (٢) زمزم لما شرب له، ومن قبّل الحجر واستلمه شهد له يوم القيامة بالوفاء، ومن طاف حول بيت الله أسبوعا، أعطاه الله بكل طوف عشر نسمات من ولد اسماعيل عتاقة، ومن سعى بين الصفا والمروة ثبّت الله-تعالى-قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام». حدّثني بهذا أحمد بن صالح وعرضته عليه في الصف الأول. وهذا حديث منكر من حديث مالك بن أنس.

стр. 1016

١٩١٩ - حدّثنا أبو مروان محمد بن عثمان، قال: ثنا ابراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن أبيه، قال: لا والله ما قال رسول الله ﷺ لعيسى أحمر، ولكن رسول الله ﷺ قال: «بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة، فإذا رجل آدم، سبط الشعر، ينطف أو يهراق رأسه ماء، يتهادى بين رجلين، فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا عيسى بن مريم، فرأيته. فإذا رجل أحمر جسم، جعد الشعر، أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا الدّجال، فأقرب الناس به شبها ابن قطن» (١) رجل من خزاعة من بني المصطلق، هلك في الجاهلية. ١٩٢٠ - حدّثنا ابراهيم بن أبي يوسف، قال: ثنا يحيى بن سليم، عن عبيد الله بن عمر، عن أيوب بن موسى، حدّثه رجل من عمّال عمر-﵁-كتب إليه، يزعم أن رجلا قال لامرأته/:حبلك على غاربك. فكتب إليه عمر-﵁:أن مره فليوافني. قال: فقدم عليه الرجل مكة، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا الرجل الذي كتبت فيه إلى فلان أن

стр. 1017

يوافيك. قال له عمر: أنشدك بالله ربّ هذا البيت، وربّ هذا البلد، وربّ هذا المقام، ما أردت بقولك: حبلك على غاربك؟ قال: أما والله لولا أنك نشدتني في مكانك هذا ما أخبرتك. الّلهم أردت فراقها. قال: ففرّق بينهما. ١٩٢١ - حدّثنا محمد بن أبي عمر، ومحمد بن عبد الله المقريء، قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم هانئ بنت عبد المطلب ﵂-قالت: قدم علينا النبي ﷺ في بعض عمره مكة، وله أربع غدائر (١). ١٩٢٢ - حدّثنا الحسن بن علي، ومحمد بن شبّويه-يزيد أحدهما على

стр. 1018

صاحبه في اللفظ -قالا: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، قال: أخبرني أنس بن مالك-﵁-قال: دخل رسول الله ﷺ قال الحلواني: مكة في عمرة القضاء، وابن رواحة بين يديه، آخذ [بغرزه] (١) وهو يقول: خلّوا بني الكفّار عن سبيله ... قد أنزل الرحمن في تنزيله بأنّ خير القتل في سبيله ١٩٢٣ - حدّثنا الحسين عبد المؤمن، قال: ثنا علي بن عاصم، عن يحيى ابن أبي إسحاق، قال: حدّثني أنس بن مالك-﵁-قال: خرجنا مع النبي ﷺ من المدينة إلى مكة، إلى أن رجعنا المدينة نصلي ركعتين ركعتين إلا المغرب. قلت لأنس-﵁:كم أقمتم بمكة؟ قال: عشرة أيام.

стр. 1019

ذكر من مات من الولاة بمكة (١) ومات من الولاة بمكة عتّاب بن أسيد-﵁-عامل رسول الله ﷺ وهو على مكة. ومات بها نافع بن عبد الحارث، وكان عاملا لعمر بن الخطاب-﵁. ومات بها عبد الله بن خالد بن أسيد، وكان عاملا لعثمان-﵁. ومات بها هشام بن اسماعيل وابناه محمد وابراهيم ابنا هشام. ومات بها نافع بن علقمة-﵁. ومات بها من بني هاشم: عبيد الله بن قثم، وعلي بن عيسى بن جعفر، ومحمد بن سليمان الزيني، وعلي بن الحسن-﵃.

стр. 1020

ذكر من ولي مكة من العرب سوى قريش وأحداثهم فيها وأفعالهم وتفسيرها ١٩٢٤ - حدّثنا يعقوب بن حميد بن كاسب، قال: ثنا ابراهيم بن سعد بن ابراهيم، عن ابن شهاب، عن عامر بن واثلة أبي الطّفيل، قال: إن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بن الخطاب-﵁-بعسفان-وكان عامله على مكة-فقال له عمر-﵁:من استخلفت على أهل الوادي؟ قال: استخلفت عليهم ابن أبزى. قال: ومن ابن أبزى؟ قال: رجل من موالينا. فقال عمر-﵁:استخلفت عليهم مولى؟ قال: إنّه قارئ لكتاب الله- -عالم بالفرائض. فقال عمر-﵁:أما إنّ نبيكم ﷺ /قال: «إنّ الله- -يرفع بهذا القرآن أقواما ويضع به آخرين». ١٩٢٥ - حدّثنا عبد الله بن هاشم، قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن
следующие страницы →