← Адаб

Адаб · id 28113

مقامات بديع الزمان الهمذاني

بديع الزمان الهمذاني

Полный текст (445 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وَنَزَلْتُ مَعَ مَنْ نَزلَ، قُلْتُ لِغُلامي: أَجِدُ شَعْرِي طَوِيلاً، وَقَدْ اتَّسَخَ بَدَنِي قَليلاً، فَاخْتَرْ لَنَا حَمَّامَاً نَدْخُلهُ، وَحَجَّامَاً نَسْتَعْمِلهُ، وَلِيَكُنْ الحَمَّامُ وَاسِعَ الرُّقْعَةِ، نَظِيفَ البُقْعَةِ،

стр. 212

طَيِّبَ الهَوَاءِ، مُعْتَدِلَ المَاءِ، وَلْيِكُنْ الحَجَّامُ خَفِيفَ اليَدِ، حَدِيدَ المُوسَى، نَظيفَ الثِّيابِ، قَليلَ الفُضُولِ، فَخَرَجَ مَلِيّاً وَعَادَ بَطِيّاً، وَقالَ: قَدْ اخْتَرْتُهُ كَمَا رَسَمْتَ، فَأَخَذْنَا إِلَى الحَمَّامَ السَّمْتَ، وَأَتَيْناهُ فَلَمْ نَرَ قَوّامَهُ، لَكِنِّي دَخَلْتُهُ وَدَخَلَ عَلى أَثَرِي رَجُلٌ وَعَمَدَ إِلى قِطْعَةِ طِينٍ فَلطَّخَ بِها جَبِينِي، وَوَضَعَها على رأَسِي، ثُمَّ خَرَجَ وَدَخَل آخَرُ فَجَعَلَ يَدْلِكُنِي دَلْكَاً يَكُدُّ العِظامَ، وَيَغْمِزُنِي غَمْزَاً يَهُدُّ الأَوْصالَ

стр. 213

وَيُصَفِّرُ صَفِيراً يَرُشُ البُزَاقَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى رَأَسِي يَغْسِلْهُ، وَإِلَى المَاءِ يُرْسِلهُ، وَمَا لَبِثَ أَنْ دَخَلَ الأَوَّلُ فَحَيَّا أَخْدَعَ الثَّانِي بِمَضُمومَةٍ قَعْقَعَتْ أَنْيابَهُ، وَقَالَ: يَا لُكَعُ مَا لَكَ وَلِهَذا الرَّأْسِ وَهُوَ لي؟ ثُمَّ عَطَفَ الثَّاني عَلى الأَوَّلِ بِمَجْمُوعَةٍ هَتَكَتْ حِجَابَهُ، وَقالَ: بَلْ هَذَا الرَّأْسُ حَقِّي وَمِلْكِي وَفِي يَدِي،

стр. 214

ثُمَّ تَلاكَمَا حّتَّى عَيِيَا، وَتَحَاكَمَا لِما بَقِيا، فَأَتَيا صَاحِبَ الحَمَّامِ، فَقَالَ الأَوَّلُ: أَنَا صَاحِبُ هَذا الرَّأْسِ؛ لأَنِّي لَطَّخْتُ جَبِينَهُ، وَوَضَعْتُ عَلَيْهِ طِيَنهُ، وَقَالَ الثَّاني: بَلْ أَنَا مَالِكُهُ؛ لأَنشي دَلَكْتُ حَامِلَهُ، وَغَمَزْتُ مَفَاصِلَهُ، فَقَالَ الحَمَّامِيُّ: ائْتُونِي بِصَاحِبِ الرَّأْسِ أَسْأَلهُ، أَلَكَ هذَا الرَّأْسُ أَمْ لَهُ، فَأَتَيَانِي وَقَالا: لَنَا عِنْدَكَ شَهَادَةٌ فَتَجَشَّمْ، فَقُمْتُ وَأَتَيْتُ، شِئْتُ أَمْ أَبَيْتُ، فَقَالَ الحَمَّامِي: يَا رَجُلُ لاَ تَقُل غَيْرَ الصِّدْقِ، وَلا تَشْهَدْ بِغَيْرِ الحَقِّ، وَقُلْ لِي: هذَا الرَّأْسُ لأيِّهِمَا، فَقُلْتُ: يَا عَافَاكَ اللهُ هذَا رأْسِي، قَدْ صَحِبَنِي فِي الطَّرِيقِ، وَطَافَ مَعِي بِالْبَيْتِ العَتِيقِ، وَمَا شَككْتُ أَنَّهُ لِي، فَقالَ لِي: اسْكُتْ يِا فُضُولِيُّ، ثُمَّ مالَ إِلى أَحَدِ الخَصْمَيَنِ فَقَالَ: يَا هَذَا

стр. 215

إِلَى كَمْ هَذِهِ المُنافَسَةُ مَعَ النَّاسِ، بِهذَا الرَّأْسِ؟ تَسَلَّ عَنْ قَلِيلِ خَطَرِهِ، إِلى لَعْنَةِ اللهِ وَحَرِّ سَقَرِهِ، وَهَبْ أَنَّ هَذا الرَّأْسَ لَيْسَ، وَأَنَا لَمْ نَرَ هذَا التَّيْسَ. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَقُمْتَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ خَجِلاً، وَلَبِسْتُ الثِّيابَ وَجِلاً، وَانْسَلَلْتُ مِنْ الحَمَّامِ عَجِلاً، وَسَبَبْتُ الغُلاَمَ بِالعَضِّ وَالمصِّ، وَدَقَقْتُهُ دَقَّ الجِصِّ، وَقُلْتْ لآخَرَ: اذْهَبْ فَأْتِني بِحَجَّامٍ يَحُطُّ عَنِّي هَذا الثِّقَلَ، فَجَاءَني بِرَجُلِ لَطِيفِ البِنْيَةِ، مَلِيحِ الحِلْيَةِ، في صُورَةِ الدُّمْيَةِ،

стр. 216

فارْتَحْتُ إِلَيْهِ، وَدَخَلَ فَقَالَ: السَّلاَمُ عليْكَ، وَمِنْ أَيِّ بَلَدٍ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ قُمَّ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اللهُ! مِنْ أَرْضِ النِّعْمَةِ وَالرَّفَاهَةِ وَبَلَدِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَلَقَدْ حَضَرْتُ فِي شَهْرِ رَمضانَ جَامِعَها وَقَدْ أُشْعِلَتْ فِيهِ المَصَابِيحُ، وَأُقِيَمتِ التَّرَاويحُ، فَمَا شَعَرْنا إِلاَّ بِمَدِّ النِّيلِ، وَقَدْ أَتَى عَلَى تِلْكَ القَنَادِيلِ، لكِنْ صَنَعَ اللهُ لِي بِخُفِّ قَدْ كُنْتُ لَبِسْتُهُ رطْباً فَلَمْ يَحْصُلْ طِرَازُهُ على كُمِّهِ، وَعَادَ الصَّبيُّ إِلِى أُمِّهِ، بَعْدَ أَنْ صَلَّيْتُ العَتَمَةَ واعْتَدَلَ الظِّلُّ، وَلَكِنْ كَيفَ كَانَ حَجُّكَ؟ هَلْ قَضَيْتَ منَاَسِكَهُ كَما وَجَبَ، وَصَاحُوا العَجَبَ العَجَبَ؟ فَنَظَرْتُ إِلى المَنَارَةِ، وَمَا أَهْوَنَ الحَرْبَ عَلى النَّظَّارَةِ، وَوجَدْتُ

стр. 217

الهَرِيسَةَ عَلى حالِهَا، وَعَلِمْتُ أَنَّ الأَمْرَ بِقَضَاءٍ ِمنَ اللهِ وَقَدرٍ، وَإِلَى مَتَى هَذَا الضَّجَرُ؟ وَاليَوْمُ وَغَدُ، وَالسَّبْتُ وَالأَحَدُ، وَلا أَطِيلُ وَمَا هَذا القَالَ وَالقِيلَ؟ وَلَكِنْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ المُبَرِّدَ فِي النَّحْوِ حَدِيدُ المُوسَى

стр. 218

فَلاَ تَشْتَغِلْ بِقَوْلِ العَامَّةِ؛

стр. 219

فَلَوْ كَانَتْ الاسْتِطاعَةُ

стр. 220

قَبْلَ الفِعْلِ لَكُنْتُ قَدْ حَلَقْتُ رَأَسَكَ، فَهَلْ تَرَى أَنْ نَبْتَدِئَ؟.

стр. 221

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَبَقَيْتُ مُتَحَيِّراً مِنْ بَيَانِهِ، فِي هَذَيَانِهِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَطُولَ مَجْلِسَهُ، فَقُلْتُ: إِلى غَدٍ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَسَأَلْتُ عَنْهُ مَنْ حَضَرَ، فَقَالوا: هَذا رَجُلٌ مِنْ بِلادِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ لَمْ يُوَافْقُهُ هَذا المَاءُ، فَغَلَبَتْ عَلْيِهِ السَّوْدَاءُ، وَهُو طُولَ النَّهارِ يَهْذِي كَمَا تَرَى، وَوَرَاءَهُ فَضْلٌ كَثِيرٌ، فَقُلْتُ: قَدْ سَمِعْتُ بِهِ، وَعَزَّ عَلَيَّ جُنُونُهُ، وَأَنْشأْتُ أَقُولُ: أَنَا أُعْطِي اللهَ عَهْداً ... مُحكَماً في النَّذْرِ عَقْدَا لا حَلَقْتُ الرَّأْسَ مَا عِشْ ... تُ وَلَوْ لاقَيْتُ جَهْدَا

стр. 222

المَقَامَةُ النَّهيديَّةُ حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: مِلْتُ مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحابي إِلى فِنَاءِ خَيْمَةٍ أَلْتَمِسُ القِرى مِنْ أَهْلِها، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَجُلٌ حُزُقَةٌ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقُلْنَا: أَضْيافٌ لمْ يَذُوقُوا مُنْذُ ثَلاثٍ عَدُوفاً، قَالَ: فَتَنَحْنَحَ، ثُمَّ قَالَ: فَمَا رَأْيُكُمْ يَا فِتْيَانُ فِي نَهِيدَةِ فِرْقٍ كَهامَةِ الأَصْلَعِ، في جَفْنَةٍ رَوْحاءَ، مُكَلَّلَةٍ بِعَجْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ أَكْتارِ جَبَّارٍ

стр. 223

رَبُوضٍ الوَاحِدَةُ مِنْهَا تَمْلأُ الفَمَ، مِنْ جَماعَةٍ خُمْصٍ عُطْشِ خِمْسِ، يَغِيبُ فِيهَا الضِّرْسُ، كَأَنَّ نَوَاهَا أَلْسُنُ الطَّيْرِ يَجْحَفُونَ فِيهَا

стр. 224

النَّهِيدَةَ مَعْ أَقْعُبٍ قَدِ احْتُلِبنَ مِنَ الجِلادِ الهَزْمِيَّةِ الرَّبْلِيَّةِ أَتَشْتَهُونَهَا يا فِتْيَانُ؟ فَقُلْنَا: إِي وَاللهِ نَْشَتهيهَا، فَقَهْقَهَ الشَّيْخُ وَقالَ: وَعَمُّكُمْ أَيْضَاً يَشْتَهِيهَا، ثُمَّ قَالَ: فَما رَأْيُكُمْ يا فِتْيَانُ فِي دَرْمَكٍ كَأَنَّهَا قِطَعُ السَّبَائِكِ تُجَرْثمُ عَلى سُفْرَةٍ حَرْتِيَّةٍ بِها رِيحُ القَرَظِ فَيَثِبُ

стр. 225

إِلَيْهَا مِنْكُمْ فتى رَفِيفٌ، لَبِقٌ خَفِيفٌ، فَيَعَجُنُهُ مِنْ غَيْرِ أَن يَرْجُفَهُ أَوْ يَخْشِفَهُ، فَيُزِيُلهُ دُونَ مَلْكٍ نِاعِمٍ، ثُمَّ يَلُتُّهُ بِالسَّمَارِ أُوْ المَذْقِ لَتّاً غَزِيراً، ثُمَّ يَعْمَدُ إِلَيْهِ فَيَلْويهِ وَيَدَعُهُ في نَاحِيَةِ الصَّيْدَاءِ، حَتَّى إِذَا تَخَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتْزُرَ عَمَدَ إِلى قَصَدِ الغَضَا فَأَشْعَلَ فِيهِ النَّارَ

стр. 226

فَلَمَّا خبَتْ نَارُهُ، مَهَّدَ لِقُرْمُوصِهِ، ثُمَّ عَمَدَ إِلى عَجِينِهَ فَفَرْطَحَهُ بَعْدَ مَا أَنْعَمَ تَلْويِثَهُ، ثُمَّ دَحَا بِهِ عَلَيْهَا، ثُمَّ خَمَّرَهُ فَلَمّضا قَفَّ وَقّبَّ أَحالَ عَلَيهِ مِنَ الرَّضْفِ ما يَلْتَقِي بِهِ الأَوَارَانِ، حَتّضى إِذَا غَطَّاهُمَا عَلى المَلَّةِ المُشاكِهَةِ بِطَبَقٍ وَتَفَلَّجَ شِقَاقَاً، وَحَكى قِشْرُها رُقَاقاً، وَاحْمِرَارُهَا احْمِرارَ بُسْرِ الحِجازِ المَشْهُورِ بِأُمِّ الجِرْذَانِ أَوْ عَذِقِ بْنُ طَابٍ شُنَّ عَلَيْهَا ضَرْبٌ بَيْضاءُ كَالثَّلْجِ إِلَى أَوَانِ رُسُوخِها فِي خِلالِ الدِّهانِ، وَيَشْرَبُ لُبُّ الدَّرْمَكِ ما عَلَيْهِ مِنَ الضَّرْبِ، قُدِّمَتْ إِلَيْكُمْ فَتَلْقَمُونَها

стр. 227

لَقْمَ جُوَيْنٍ أَوْ زَنْكَلٍ أَفَتَشْتَهُونَهَا يَا فِتْيَانُ؟ قَالَ: فَاشْرَأَبَّ كُلُّ مِنَّا إِلى وَصْفِهِ، وَتَحَلَّبَ رِيقُهُ وَتَلَمَّظَ، وَتَمَطَّقَ، قُلْنَا: إِي وَاللهِ نَشْتَهيها، قَالَ: فَقَهْقَهَ الشَّيْخُ وَقَالَ: وَعَمُّكُمْ واللهِ لا يُبْغِضُهَا ثُمَّ قَالَ: ما رَأْيُكُمْ يا فِتْيِانُ في عَنَاقٍ نَجْدِيٍة، عُلْوِيَّةٍ بَرِّيَّةٍ، قَدْ أَكَلَتِ البَرَمَ وَالشِّيحَ النَّجْدِيَّ وَالقَيْصُومَ وَالهَشِيمِ، وَتَبَرَّضَتِ الحَمِيمَ، وَتَملاتْ مِنَ القَصِيصِ فَوَرى مُخُّها، وَزَهِمَتْ كُشْيَتُهَا

стр. 228

تُشْحَطُ مُعْتَبَطَةٍ ثُمَّ تُنْكَسُ في وَطِيسٍ حَتَّى تَنْضَجَ مِنْ غَيْرِ امْتِحَاشٍ أَوْ إِنْهَاءٍ، ثُمَّ تُقَدَّمَ إِلَيْكُمْ وَقَدْ عُطَّ إِهَابُهَا عَنْ شَحْمَةٍ بَيْضاءَ عَلَى خِوانٍ مُنَضَّدٍ بِصَلاِئَق كَأَنَّهَا القَبَاطِيُّ المُنَشَّرُ، أَوِ القُوهِيُّ المُمَصَّرُ، وَقًدْ احْتَفَّتْها نُقْرَاتٌ فِيها صِنَابٌ وَأَصْباغٌ شَتَّى، فَتُوضَعُ

стр. 229

بَيْنَكُمْ تَهَادَرُ عَرَقاً، وَتَسايَلُ مَرَقاً، أَفَتَشْتَهُونَهَا يا فِتْيَانُ؟ قُلْنا: إِي وَاللهِ نَشْتَهِيها، قَالَ: وَعَمُّكُمْ واللهِ يَرْقُصُ لَهَا، فَوَثَبَ بَعْضُنَا إِلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَقَالَ: مَا يَكْفِي مَا بِنَا مِنَ الدَّقَعِ حَتَّى تَسْخَرَ بِنَا؟ فَأَتتْنا ابْنَتُهُ بِطَبَق عَلَيْهِ جِلْفَةٌ وَحُثَالَةٌ وَلَوِيَّةٌ

стр. 230

وَأَكْرَمَتْ مَثْوَانَا، فَانْصَرَفْنَا لَهَا حَامِدِينَ، وَلَهُ ذَامِّينَ. المَقَامَةُ الإِبْلِيسِيَّةُ حَدَّثَنْا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ إِبِلاً لِي، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهَا، فَحَلَلْتُ بِوادٍ خَضِر، فَإِذَا أَنْهَارٌ مُصَرَّدَةٌ، وَأَشْجَارٌ بَاسِقَةٌ، وَأَثْمَارٌ يَانِعَةٌ، وَأَزْهَارٌ مُنَوِّرَةٌ، وَأَنْمَاطٌ مَبْسُوطَةٌ، وَإِذَا شَيْخٌ جَالِسٌ، فَرَاعَنِي مِنْهُ مَا يَرُوعُ الوَحِيدَ مِنْ مِثْلِهِ، فَقَالَ: لاَ بَأْسَ عَلَيْكَ،

стр. 231

فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَأَمَرَنِي بالجُلُوسِ فَامْتَثَلْتُ، وَسَأَلَنِي عَنْ حَالِي فَأَخْبَرْتُ، فَقَالَ لِي: أَصَبْتَ دَالَّتَكَ وَوَجَدْتَ ضَالَّتِكَ، فَهَلْ تَرْوِي مِنْ أَشْعَارِ العَرَبِ شَيْئاً؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَنْشَدْتُ لاِمْرِئِ القَيْسِ،

стр. 232

وَعَبيدٍ

стр. 233

وَلَبِيدٍ

стр. 234

وَطَرَفَةَ

стр. 235

فَلَمْ يَطْرَبُ

стр. 236

لِشَيْئٍ مِنْ ذلِكَ، وَقالَ: أُنْشِدُكَ مشِنْ شِعْري؟ فَقُلتُ لَهُ: إِيهِ، فَأَنْشَدَ:

стр. 237

بَانَ الخَلِيطُ وَلَوْ طَوَّعْتَ ما بَانَاوَقَطَّعُوا مِنْ حِبَالِ الوَصْلِ أَقْرَانا حَتَّى أَتَى عَلىَ القَصِيدَةِ كُلِّها، فَقُلُتُ: يَا شَيْخُ هَذِهِ القَصِيدَةُ لِجَرِيرٍ قَدْ حَفِظَتْهَا الصِّبْيَانُ، وَعَرَفَها النِّسْوانُ، وَوَلَجتِ الأَخْبِيةَ.

стр. 238

وَوَرَدِتْ الأَنْدِيَة، فقالَ: دَعْني مِنْ هذَا، وَإِنْ كُنْتَ تَرْوِي لأَبي

стр. 239

نُوَاسٍ شِعْراً

стр. 240

فَأَنْشِدْنِيهِ، فَأَنْشَدْتُهُ:

стр. 241

لا أَنْدُبُ الدَّهْرَ رَبْعاً غَيْرَ مَأْنُوسِوَلَسْتُ أَصْبُو إِلَى الحَادِينَ بِالْعِيسِ أَحَقُّ مَنْزِلَةٍ بِالهَجْرِ مَنْزِلَةٌ ... وَصْلُ الحَبِيبِ عَلَيْهَا غَيْرُ مَلْبُوسِ يَا لَيْلَةً غَبَرَتْ مَا كَانَ أَطْيَبَهَاوَالْكُوسُ تَعْمَلُ فِي إِخْوَانِنَا الشُّوسِ وَشَادِنٍ نَطَقَتْ بِالْسِّحْرِ مُقْلَتُهُ ... مُزَنَّرٍ حلْفَ تَسْبِيحِ وَتَقْدِيسِ

стр. 242

نَازَعْتُهُ الرِّيقَ وِالصَّهْبَاءَ صَافِيَةًَفِي زيِّ قَاضٍ وَنُسْكِ الشَّيْخِ إِبْلِيسِ لَمَّا ثَمِلْنَا وَكلُّ النَاسِ قَدْ ثَمِلوُا ... وَخِفْتُ صَرْعَتَهُ إِيَّاي بِالْكُوسِ غَطَطْتُ مُسْتَنْعِساً نوْماً لأُنْعِسَهُفَاسْتَشْعَرَتْ مُقْلتَاهُ النَّوْمَ مِن كِيسِي وَامْتَدَّ فَوْقَ سَرِيرٍ كَانَ أَرْفَقَ بِي ... عَلى تَشَعُّثِهِ مِنْ عَرْشِ بَلْقِيسِ وَزُرْتُ مَضْجَعَهُ قَبْلَ الصَّبَاحِ وَقَدْدَلَّتْ عَلى الصُّبْحِ أَصْوَاتُ النَّوَاقِيسِ فَقَالَ: مَنْ ذَا؟ فَقُلْتُ: القَسُّ زَارَ، وَلاَبُدُّ لِدَيْرِكَ مِنْ تَشْمِيسِ قِسْيسِ

стр. 243

فَقَالَ: بِئْسَ لَعَمْرِي أَنْتَ مِنْ رَجُلٍفَقُلْتُ: كَلاَّ فَإِنِّي لَسْتُ بِإِبْليسِ قَالَ: فَطَربَ الشَّيْخُ وَشَهَقَ وَزَعَقَ، فَقُلْتُ: قَبَّحَكَ اللهُ مِنْ شَيْخٍ لاَ أَدْري أَبِانْتِحَالِكَ، شِعْرَ جَرِيرٍ أَنْتَ أَسْخَفُ أَمْ بِطَرَبِكَ مِنْ شِعْرِ أَبي نُوَاسٍ وَهْوَ فُوَيْسِقٌ عَيَّارٌ؟؟. فَقَالَ: دَعْنِي مِنْ هَذاَ وَامْضِ عَلى وَجْهِكَ، فَإِذَا لَقِيتَ فِي طَرِيقِكَ رَجُلاً مَعَهُ نِحيٌ صَغِيرٌ يَدُورُ فِي الدُّورِ، حَوْلَ القُدُورِ، يُزْهِى بِحِلْيَتِهِ، وَيُبَاهِي بِلِحْيَتِهِ، فَقُلْ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى

стр. 244

حُوتٍ مَصْرُورٍ، فِي بَعْضِ البُحورِ، مُخْطَفِ الخُصورِ، يَلْدَغُ كالزُّنْبُورِ، وَيَعْتَمُّ بِالنُّورِ، أَبُوهُ حَجَرٌ، وَأُمُّهُ ذَكَرٌ، وَرَأْسُهُ ذَهَبٌ، وَاسْمُهُ لَهَبٌ، وَباقِيهِ ذَنَبٌ، لهُ فِي المَلْبُوسِ، عَمَلُ السُّوسِ، وَهُوَ في البَيْتِ، آفَةُ الزَّيْتِ، شِرِّيبٌ لا يَنْقَعُ، أَكُولٌ لا يَشْبَعُ، بَذُولٌ لا يَمْنَعُ، يُنْمى إِلى الصُّعُودِ، وَلاَ يَنْقَصُ مَالُهُ مِنْ جُودٍ، يَسُوءُكَ مَا يَسُرُّهُ، وَيَنْفَعُكَ مَا يَضُرُّهُ، وَكُنْتُ أَكْتُمُكَ حَدِيثي، وَأَعِيشُ مَعَكَ في رَخَاءٍ، لَكِّنَكَ أَبَيْتَ فَخُذَ الآنَ، فَمَا أَحَدٌ مِنَ الشُّعَرَاءِ إِلاَّ وَمَعْهُ مُعِينٌ مِنَّا، وَأَنَا أَمْلَيْتْ عَلَى جَرِيرٍ هذِهِ القَصِيدَةَ، وَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُرَّةَ.

стр. 245

قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ غَابَ وَلَمْ أَرَهُ

стр. 246

وَمَضَيْتُ لِوَجْهِي، فَلَقِيتُ رَجُلاً

стр. 247

فِي يَدِهِ مَذَبَّةُ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ صَاحِبي، وَقُلْتُ لَهُ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ

стр. 248

فَنَاوَلنِي مِسْرَجَةً، وَأَوْمَأَ إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ مُظْلِمٍ، فَقَالَ: دُونَكَ الغَارَ، وَمَعكَ النَّار، قَالَ: فَدَخَلْتُهُ فَإِذَا أَنَا بإِبِلي قَدْ أَخَذَتْ سَمْتَهَا، فَلَوَيْتُ وَجُوهَهَا وَرَدَدْتُهَا، وَبَيْنَا أَنَا في تِلْكَ الحَالةِ في الغِيَاضِ أَدُبُّ الخَمَرَ، إِذْ بِأَبِي الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيِّ تَلَقَّانِي بِالسَّلاَمش، فَقُلْتُ: مَا حَدَاكَ وَيْحَكَ إِلَى هَذَا المَقامِ؟ قَالَ: جَوْرُ الأَيَّامِ، فِي الأَحْكَامِ، وَعَدَمُ الكِرَامِ، مِنَ الأَنَامِ، قُلتُ: فَاحْكُمْ حُكْمَكَ يا أَبَا الفَتْحِ، فَقَالَ: احْمِلنِي عَلَى قَعُودٍ، وَأَرِقْ لي مَاءً فِي عُودٍ،

стр. 249

فَقلْتُ: لَكَ ذَلِكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ: نَفْسِي فِدَاءُ مُحَكِّمٍ ... كَلَّفْتُهُ شَطَطَاً فَأَسْجَحْ مَا حَكَّ لِحْيَتَهُ، وَلاَ ... مَسَحَ المُخَاطَ، وَلاَ تَنَحْنَحَ ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِخَبرِ الشَّيْخِ، فَأَوْمأَ إِلى عِمَامَتِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ ثَمَرَةُ بِرِّهِ، فَقُلتُ: يَا أَبَا الفَتْحِ شَحَذْتَ عَلى إِبْلِيسَ؟ إِنَّكَ لَشَحَّاذٌ!!

стр. 250

المَقَامَةُ الأَرْمَنِيَّةَ حدَثَّنَاَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ تِجَارَةِ إِرْمِيِنِّيَة أَهْدَتْنَا الفَلاَةُ إِلَى أَطْفَالِهَا، وَعَثَرْنَا بِهِمْ فِي أَذْيَالِهَا، وَأَنَاخُونَا بِأَرْضِ نَعَامَةٍ، حَتَّى اسْتَنْظَفُوا حَقَائِبَنا، وأَرَاحُوا رَكَائِبنَا، وَبقِينَا بَياضَ اليَوْمِ، وَقَدء نَظَمَنا القِدُّ أَحْزَاباً، وَرُبِطَتْ خُيُولُنَا اغْتِصَاباً.
следующие страницы →