Полный текст (445 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَمَضَيْتُ لِوَجْهِي، فَلَقِيتُ رَجُلاً
стр. 247
فِي يَدِهِ مَذَبَّةُ، فَقُلْتُ: هَذَا وَاللهِ صَاحِبي، وَقُلْتُ لَهُ مَا سَمِعْتُ مِنْهُ
стр. 248
فَنَاوَلنِي مِسْرَجَةً، وَأَوْمَأَ إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ مُظْلِمٍ، فَقَالَ: دُونَكَ الغَارَ، وَمَعكَ النَّار، قَالَ: فَدَخَلْتُهُ فَإِذَا أَنَا بإِبِلي قَدْ أَخَذَتْ سَمْتَهَا، فَلَوَيْتُ وَجُوهَهَا وَرَدَدْتُهَا، وَبَيْنَا أَنَا في تِلْكَ الحَالةِ في الغِيَاضِ أَدُبُّ الخَمَرَ، إِذْ بِأَبِي الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيِّ تَلَقَّانِي بِالسَّلاَمش، فَقُلْتُ: مَا حَدَاكَ وَيْحَكَ إِلَى هَذَا المَقامِ؟ قَالَ: جَوْرُ الأَيَّامِ، فِي الأَحْكَامِ، وَعَدَمُ الكِرَامِ، مِنَ الأَنَامِ، قُلتُ: فَاحْكُمْ حُكْمَكَ يا أَبَا الفَتْحِ، فَقَالَ: احْمِلنِي عَلَى قَعُودٍ، وَأَرِقْ لي مَاءً فِي عُودٍ،
стр. 249
فَقلْتُ: لَكَ ذَلِكَ، فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
نَفْسِي فِدَاءُ مُحَكِّمٍ ... كَلَّفْتُهُ شَطَطَاً فَأَسْجَحْ
مَا حَكَّ لِحْيَتَهُ، وَلاَ ... مَسَحَ المُخَاطَ، وَلاَ تَنَحْنَحَ
ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِخَبرِ الشَّيْخِ، فَأَوْمأَ إِلى عِمَامَتِهِ، وَقَالَ: هَذِهِ ثَمَرَةُ بِرِّهِ، فَقُلتُ: يَا أَبَا الفَتْحِ شَحَذْتَ عَلى إِبْلِيسَ؟ إِنَّكَ لَشَحَّاذٌ!!
стр. 250
المَقَامَةُ الأَرْمَنِيَّةَ
حدَثَّنَاَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: لَمَّا قَفَلْنَا مِنْ تِجَارَةِ إِرْمِيِنِّيَة أَهْدَتْنَا الفَلاَةُ إِلَى أَطْفَالِهَا، وَعَثَرْنَا بِهِمْ فِي أَذْيَالِهَا، وَأَنَاخُونَا بِأَرْضِ نَعَامَةٍ، حَتَّى اسْتَنْظَفُوا حَقَائِبَنا، وأَرَاحُوا رَكَائِبنَا، وَبقِينَا بَياضَ اليَوْمِ، وَقَدء نَظَمَنا القِدُّ أَحْزَاباً، وَرُبِطَتْ خُيُولُنَا اغْتِصَاباً.
стр. 251
حتَّى أَرْدَفَ اللَّيْلُ أَذْنَابَهُ، وَمَدَّ النَّجْمُ أَطْنَابَهُ، ثُمَّ انْتَحَوْا عَجُزَ الفَلاَةِ، وَأَخَذْنَا صَدْرَها، وَهَلُمَّ جَرَّا، حَتَّى طَلَعَ حُسْنُ الفَجْرِ مِنْ نِقَابِ الحِشْمَةِ،
стр. 252
وانْتُضِىَ سَيْفُ الصَّبْحِ مِنْ قِرَابِ الظُّلْمَةِ، فَمَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهَارِ، إَلاَّ عَلَى الأَشْعَارِ وَالأَبْشَارِ، وَمَا زِلْنَا بِالأَهْوَالِ نَدْرَأُ حُجُبَهَا، وَبِالْفَلَوَاتِ نَقْطَعُ نَجَبَها، حَتَّى حَلَلْنا المَرَاغَةَ، وَكُلٌّ مِنَّا انْتَظَمَ إِلى رَفِيقٍ، وَأَخَذَ فِي طَرِيقٍ، وَانْضَمَّ إِلَىَّ شَابٌّ يَعْلُوهُ صَفَارٌ، وَتعْلوهُ
стр. 253
أَطْمَارٌ، يُكْنَى أَبَا الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيَّ، وَسِرْنَا فِي طَلَبِ أَبي جَابرٍ فَوَجَدْنَاهُ يَطْلُعُ مِنْ ذَاتِ لَظيً، تُسْجَرُ بِالغَضَا، فَعَمَدَ الإِسْكَنْدَرِيُّ إِلى رَجُلٍ فَاسْتَمَاحَهُ كفَّ مِلحٍ، وَقَالَ لِلْخَبَّازِ: أَعِرْنِي رَأْسَ التَّنُّورِ، فَإِنَّي مَقْرُورٌ، وَلَمَّا فَرَعَ سَنَامَهُ جَعَلَ يُحَدِّثُ القَوْمَ بِحَالِهِ، وَيُخْبِرُهُمْ بِاخْتِلاَلَهِ، وَيَنْشُرُ المِلْحَ فشي التَّنُّورِ مِنْ تَحْتِ أَذْيَالهِ، يُوهِمُهُمْ أَنَّ أَذَىً بِثِيَابِهِ، فَقَالَ الخَبَّازُ: مَا لَكَ لا أَبَا لَكَ؟! اجْمَعْ أَذْيَالَكَ
стр. 254
فَقَدْ أَفْسَدْتَ الخُبْزَ عَلَيْنَا، وَقَامَ إِلَى الرُّغْفَانِ فَرَمَاهَا، وَجَعَل الإِسْكَنْدَرِيُّ يَلْتَقِطُهَا، وَيَتَأَبَّطُهَا، فَأَعْجَبَتَني حِيَلتُهُ فِيمَا فَعَلَ، وَقاَل: اصْبِرْ عَلَيَّ حَتَّى أَحْتَالَ عَلَى الأَدْمِ، فَلاَ حِيلَةَ مَعَ العُدْمِ، وَصَارَ إِلى رَجُلٍ قَدْ صَفَّفَ أَوانيَ نَظِيفةً فيها أَلوانُ الأَلْبَانِ، فَسأَلَهُ عَنِ الأَثْمَانِ، وَاسْتَأْذَنَ في الذَّوْقِ، فَقَالَ: أفْعَلْ، فَأَدَارَ في الآنِيةِ إِصْبَعَهُ، كَأَنَّهُ يَطْلُبُ شَيْئَاً ضَيَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ مَعِي ثَمَنُهُ، وَهَلْ
стр. 255
لَكَ رَغْبَةٌ في الحِجَامَةِ؟ فَقالَ: قَبَّحَكَ اللهُ! أَنْتَ حَجَّامٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَعَمَدَ لأَعْرَاضِهِ يَسُبَّهَا، وإِلَى الآنِيَةِ يَصُبُّهَا، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: آثِرْنِي عَلَى الشَّيْطانِ، فَقالَ: خُذْهَا لاَ بُورِكَ لَكَ فِيها، فَأَخَذَهَا وَأَوَيْنَا إِلى خَلْوَةٍ، وَأَكَلْنَاهَا بِدَفْعَةٍ، وَسِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا قَرْيَةً اسْتَطَعَمْنا أَهْلَهَا، فَبَادَرَ مِنْ بَيْنِ الجَمَاعَةِ فَتىً إِلَى مَنْزِلِهِ، فَجاءَنَا بِصَفْحَةٍ قَدْ سَدَّ اللَّبَنُ أَنْفاسَها، حَتَّى بَلَغَ رَأْسَهَا، فَجَعَلْنا نَتَحَسَّاها، حَتَّى اسْتَوفَيْناها، وسَأَلْناهُمُ الخُبْزَ، فَأَبَوا إِلاَ بِالثَّمَنِ، فَقَالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: مَا لَكُمْ تَجُودُونَ بِاللَّبَنِ، وَتَمْنَعُونَ الخُبْزَ إِلاَّ بِالثَمَنِ؟ فَقَالَ الغُلاَمُ:
стр. 256
كَانَ هَذَا اللَّبَنُ فِي غَضَارةٍ، قَدْ وَقَعَتْ فَيهَ فَارَةٌ، فَنَحْنُ نَتَصَدَّقُ بِهِ على السَّيَّارَةِ، فَقالَ الإِسْكَنْدَرِيُّ: إِنَّا للهِ! وَأَخَذَ الصَّحْفَةَ فَكَسَرَهَا، فَصَاحَ الغُلاَمُ: وَاحَرَبَاهُ، وَامَحْرُوبَاهُ، فَاقْشَعَرَّتْ مِنَّا الجِلْدَةُ، وَانْقَلَبَتْ عَلَيْنَا المَعِدَةُ، وَنَفَضْنَا مَا كُنَّا أَكَلْنَاهُ، وَقُلْتُ: هَذا جَزَاءُ مَا بِالأَمْسِ فَعَلْنَاهُ، وَأَنْشأَ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ يَقُولُ:
يَا نَفْسُ لاَ تَتَغَثَّى ... فَالشَّهْمُ لاَ يَتَغَثَّا
مَنْ يَصْحَبِ الدَّهْرِ يَأْكلْ ... فِيهِ سَمِيناً وَغَثَّا
فَالْبَسْ لِدَهْرٍ جَدِيداً ... وَالْبَسْ لآخَرَ رَثَّا
стр. 257
المَقَامَةُ النَّاجِمِيَّةُ
حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بِتُّ ذَاتَ لَيْلةٍ في كَتِيبَةِ فَضْلٍ مِنْ رُفَقَائِي، فَتَذَاكَرْنَا الفَصَاحَةَ، وَمَا وَدَّعْنَا الحَدِيثَ حَتَّى قُرِعَ عَلَيْنَا البَابُ، فَقُلْتُ: مَنِ المُنْتَابُ؟ فَقَالَ: وَفْدُ الَّليْلِ وَبَرِيدُهُ، وَفَلُّ الجُوعِ وَطَرِيدُهُ، وَغَرِيبٌ نِضْوُهُ طَلِيحُ وَعَيْشُهُ تَبْرِيحٌ،
стр. 258
وَمِنْ دُونِ فَرْخَيْهِ مَهَامِهُ فِيحٌ، وَضَيْفٌ ظِلُّهُ خَفِيفٌ، وَضَالَّتُهُ رَغِيفُ، فَهَلْ مِنْكُمْ مُضِيفٌ؟ فَتَبَادَرْنَا إِلى فَتْحِ البَابِ وَأَنَخْنَا رَاحِلَتَهُ، وَجَمَعْنَا رُحْلَتَهُ، وَقُلْنَا: دَارَكَ أَتَيْتَ، وَأَهْلَكَ وَافَيْتَ، وَهَلُّمَّ البَيْتَ، وَضَحِكْنَا إِلَيْهِ، وَرَحَّبْنَا بِهِ، وَأَرَيْنَاهُ ضَالَّتَهُ، وَسَاعَدْنَاهُ حَتَّى شَبِعَ، وَحَادَثْنَاهُ حَتَّى أَنِسَ، وَقُلْنَا: مَنِ الطَّالِعُ بِمَشْرِقِهِ، الفَاتِنُ بِمَنْطِقِهِ؟؟ فَقَالَ: لاَ يَعْرِفُ العُودَ كَالعَاجِمِ، وَأَنَا المَعْرُوفُ بِالنَّاجِمِ، عَاَشْرتُ الدَّهْرَ لأَخْبُرَهُ، فَعَصَرْتُ أَعْصُرَهُ، وَحَلَبْتُ
стр. 259
أَشْطُرَهُ، وَجَرَّبْتُ النَّاسَ لأَعْرِفَهُمْ، فَعَرَفْتُ مِنْهُمْ غَثَّهُمْ وَسَمينَهُمْ، وَالغُرْبَةَ لأَذُوقَهَا، فَما لَمَحَتْني أَرْضٌ إِلاَّ فَقَأْتُ عَيْنَهَا، وَلا انْتَظَمَتْ رُفْقَةٌ إِلاَّ وَلَجْتُ بَيْنَها، فَأَنَا في الشَّرْقِ أُذْكَرُ، وفي الغَرْبِ لا أُنْكَرُ، فَما مَلِكٌ إِلاَّ وَطِئْتُ بِساطَهُ، وَلا خَطْبٌ إِلاَّ خَرَقْتُ سِمَاطِهُ، وَمَا سَكَنَتْ حَرْبٌ إِلاَّ وَكُنْتُ فِيها سَفِيراً، َقْد جَرَّبَنِي الدَّهْرُ فِي زَمَنَي رَخَائِهِ وَبُوسِهِ، وَلَقِيَنِي بِوَجْهِي بِشْرِهِ وَعُبُوسِهِ.
стр. 260
فَمَا بُحْتُ لِبُوسِهِ إِلاَّ بِلَبُوسِهِ:
وَإِنْ كَاَنَ صَرْفُ الدَّهْرِ قِدْماً أَضَرَّ بِيوَحَمَّلَنِي مِنْ رَيْبِهِ مَا يُحَمِّلُ
فَقَدْ جَاءَ بِالإِحْسَانِ حَيْثُ أَحَلَّنِيمَحَلَّةَ صِدْقٍ لَيْسَ عَنْهَا مُحَوَّلُ
قُلْنَا: لا فُضَّ فُوكَ، واللهِ أَنْتَ وَأَبْوكَ، مَا يَحْرُمُ السُّكُوتُ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَلا يَحِلُّ النُّطْقُ إِلاَّ لَكَ، فَمِنْ أَيْنَ طَلَعْتَ؟ وَأَيَْ تَغْرُبُ؟ وَمَا الَّذِي يَحْدُو أَمَلَكَ أَمَامَكَ، وَيَسُوقُ غَرَضَكَ قُدَّامَكَ؟؟ قَالَ: أَمَّا الوَطَنُ فَاليَمَنُ، وَأَمَّا الوَطَرُ فَالمَطَرُ، وَأَمَّا السَّائِقُ فَالضُّرُّ، وَالْعَيْشُ المُرُّ، قُلْنَا: فَلَوْ أَقَمْتَ بِهَذَا المَكَانِ لَقَاسَمْنَاكَ العُمْرَ
стр. 261
فَمَا دُونَهُ، وَلَصَادَفْتَ مِنَ الأَمْطَارِ ما يُزْرَعُ، وَمِنَ الأَنْوَاءِ ما يُكْرَع، قَالَ: مَا أَخْتَارُ عَلَيْكُمْ صَحْباً، وَلَقَدْ وَجَدْتُ فِنَاءَكُمْ رَحْباً، وَلَكِنَّ أَمْطَارَكُمْ مَاءٌ وَالمَاءُ لا يُرْوِي العِطَاشَ، قُلْنَا فَأَيُّ الأَمْطَارِ يُرْوِيكَ؟ قَالَ: مَطَرٌ خَلفَيٌّ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
سِجِسْتَانَ أَيَّتُهَا الرَّاحِلَةْ ... وَبَحْراً يَؤُّمُّ المُنَى سَاحِلَهْ
стр. 262
سَتَقْصِدُ أَرْجان إِنْ زُرْتَها ... بِوَاحِدَةٍ مَائَةٍ كَامِلَةْ
وَفَضْلُ الأَمِيرِ عَلَى ابْنِ العَمِيدِ ... كَفَضْلِ قُرَيْشٌ عَلَى بَاهِلَةْ
стр. 263
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَخَرَجَ وَوَدَّعْناهُ
стр. 264
وَأَقَمْنَا بَعْدَهُ بُرْهَةً نَشْتَاقُهُ،
стр. 265
وَيُؤْلِمُنَا فِرَاقُهُ، فَبَيْنَا نَحْنُ بِيَوْمِ غَيْمٍ فِي سِمْطِ الثُّرَيَّا جُلُوسٌ إِذْ
стр. 266
المَرَاكِبُ تُسَاقُ، وَالْجَنَائِبُ تُقَادُ، وَإِذَا رَجُلٍ قَدْ هَجَمَ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: مَنِ الهَاجِمُ؟ فَإِذَا شَيْخُنَا الناَّجِمُ، يَرْفُلُ في نَيْلِ المُنَى، وَذَيْلِ الغِنَى، فَقُمْنَا إِلَيْهِ مُعَانِقِينَ، وَقُلْنَا: مَا وَرَاءَكَ يَا عِصَامُ، فَقَالَ:
стр. 267
جِمالٌ مُوَقَرَةٌ، وَبِغَالٌ مُثْقَلَةٌ، وَحَقَائِبَ مُقْفَلَةٌ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ:
مَوْلايَ أَيُّ رَذِيلَةٍ لَمْ يَأَبَهَا ... خَلَفٌ؟ وَأَيُّ فَضِيلَةٍ لَمْ يَأْتِها؟
стр. 268
مَا يُسْمِعُ العَافِينَ إِلاَّ هَاكَهَا ... لَفْظاً، وَلَيْسَ يُجَابُ إِلاَّ هَاتِها
стр. 269
إِنَّ المَكَارِمَ أَسْفَرَتْ عَنْ أَوْجُهٍ ... بِيضٍ، وَكَانَ الخَالَ في وَجَنَاتِهَا
بِأَبِي شَمَائِلهُ الَّتِي تَجْلو العُلاَ ... وَيَداً تَرَى البَرَكَاتِ فِي حَرَكَاتِهَا
مَنْ عَدَّهَا حَسَنَاتِ دَهْرٍ إِنَّنِي ... مِمَّنْ يَعُدُّ الدَّهْرَ مِنْ حَسَنَاتِهَا
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَسَأَلْنَا اللهُ بَقَاءَهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا لِقَاءَهُ، وَأَقَامَ النًّاجِمُ أَيَّامَاً مُقْتَصِراً مِنْ لِسَانِهِ، عَلَى شُكْرِ إِحْسَانِهِ، وَلا يَتَصَرَّفُ مِنْ كَلاَمِهِ، إِلاَّ في مَدْحِ أَيَّامِهِ، وَالتَّحَدُّثِ بِإِنْعَامِهِ.
المَقَامَةُ الخَلْفِيَّة
حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:
لَمَّا وُلِّيتُ أَحْكامَ البَصْرةِ، وَانْحَدَرْتُ إِلَيْهَا عَنْ الحَضْرَةِ، صَحِبَنِي فِي المَرْكَبِ شَابٌ كَأَنَّهُ
стр. 270
العَافيَةُ فَي البَدَنِ، فَقَالَ: إِنِّي في أَعْطَافِ الأَرْضِ وَأَطْرَافِهَا ضَائِعٌ، لَكِنِّي أُعَدُّ مُعَدَّ أَلْفٍ، وَأَقُومُ مَقَامَ صَفٍّ، وَهَلْ لَكَ أَنْ تَتَّخِذَني صَنِيعَةً، وَلا تَطْلُبَ مِنِّي ذَرِيعَةً، فَقُلْتُ: وَأَيُّ
стр. 271
ذَرِيعَةٍ آكَدُ مِنْ فَضْلِكَ؟ وَأَيُّ وَسِيلَةٍ أَعْظَمُ مِنْ عَقْلِكَ؟؟ لا بَلْ أَخْدِمُكَ خِدْمَةَ الرَّفِيقِ، وَأَشَارِكُكَ في السَّعَةِ وَالضِّيقِ، وَسِرْنَا فَلَمَّا وَصَلْنَا البَصْرَةَ غَابَ عَنِّي أَيَّامَاً، فَضِقْتُ لِغَيْبَتِهِ ذَرْعاً، وَلَمْ أَمْلِكْ صَبْراً، فَأَخَذْتُ أُفَتِّشُ جُيُوبَ البَلَدِ حَتَّى وَجَدْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا الَّذِي أَنْكَرْتَ؟ وَلِمَ هَجَرْتَ؟ فَقَالَ: إِنَّ الوَحْشَةَ تَقْدَحُ فِي الصَدْرِ اقْتِدَاحَ النَّارِ فِي الزَّنْدِ، فَإِنْ أُطْفِئَتُ بَادَتْ وَتَلاشَتْ،
стр. 272
وَإِنْ عَاشَتْ، طَارَتْ وَطَاشَتْ، وَالقَطْرُ إِذَا تَتَابَعَ على الإِنَاءِ امْتَلأَ وَفَاضَ، وَالعَتَبُ إِذَا تُرِكَ فَرَّخَ وَبَاضَ، وَالحُرُّ لا يَعْلَقُهُ شَرَكٌ كَالعَطَاءِ، وَلا يَطْرُدُهُ سَوْطٌ كَالجَفَاءِ، وَعَلَى كُلِّ حالٍ،
стр. 273
نَنْظُرُ مِنْ عَالٍ، عَلى الكَريمِ نَظَرَ إِدْلالٍ، وَعَلى الْلَّئِيمِ نَظَرَ إِذْلالٍ، فَمَنْ لَقِينَا بِأَنَفٍ طَويلٍ، لَقِيناهُ بِخُرْطُومِ فِيلٍ، وَمَنْ لَحَظَنَا بِنَظَرٍ شَزْرٍ، بِعْنَاهُ بِثَمَنٍ نَزْرٍ،
стр. 274
وَأَنْتَ لَمْ تَغْرِسْنِي لِيَقْتَلِعُنِي غُلاَمَكَ، وَلا اشْتَرَيْتَني لِتَبِيعَني خُدَّامَكَ، وَالمَرْءُ مِنْ غِلْمِانِهِ، كَالْكِتَابِ مِنْ عُنْوَانِهِ، فَإِنْ كَانَ جَفَاؤُهُمْ شَيْئاً أَمَرْتَ بِهِ فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ؟ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَلِمْتَ بِهِ كَانَ أَعْجَبَ!! ثُمَّ قَالَ:
стр. 275
ظَفِرَتْ يَدَا خَلَفِ بْنِ أَحْمَدَ؛ إِنَّهُ ... سَهْلُ الفِنَاءِ مُؤَدَّبُ الخُدَّامِ
أَوْ مَا رَأَيْتَ الجُودَ يَجْتَازُ الوَرى ... وَيَحِلُّ مِنْ يَدِهِ بِدَارِ مُقَامِ
قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ أَعْرَضَ وَتَبِعْتُهُ أَسْتَعْطِفُهُ، وَمَا زِلْتُ
стр. 276
أُلاطِفُهُ حَتَّى انْصَرفَ، بَعْدَ أَنْ حَلَفَ أَنْ لا أَوْرَدْتُ مَنْ أَسَاءَ عِشْرَتَهُ، فَوَهَبْتُ لَهُ حُرْمَتَهُ.
المَقَامَةُ النَّيْسابُورِيَّةُ
حَدَّثَنا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ:
كُنْتُ بِنَيْسابُورَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَحَضَرْتُ المَفْرُوضَةَ، وَلَمَّا قَضَيْتُهَا اجْتَازَ بِي رَجُلٌ قَدْ لَبِسَ دَنِّيَّةً
стр. 277
وَتَحَنَّكَ سُنِّيَّةً، فَقُلْتُ لِمُصَلٍّ بِجَنْبي: مَنْ هَذا؟ قَالَ: هَذا سُوسٌ لا يَقَعُ إِلاَّ فِي صُوفِ الأَيْتامِ، وَجَرَادٍ لا يَسْقُطُ إِلاَّ عَلى الزَّرْعِ الحَرَامِ
стр. 278
وَلِصٌّ لا يَنْقُبُ إِلاَّ خِزَانَةَ الأَوْقَافِ، وَكُرْدِيٌّ لاَ يُغِيرُ إِلاَّ عَلى الضِّعَافِ، وَذِئْبٌ لا يَفْتَرِسُ عِبَادَ اللهِ إِلاَّ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَمُحَارِبٌ لا يَنْهَبُ مَالَ اللهِ إِلاَّ بَيْن العُهُودِ وَالشُّهُودِ
стр. 279
وَقَدْ لَبِسَ دَنِّيَّتَهُ، وَخَلَعَ دِينِيَّتَهُ، وَسَوَّى طَيْلَسَانَهُ، وَحَرَّفَ يَدَهُ وَلِسَانَهُ، وَقَصَّرَ سِبَالَهُ، وَأَطَالَ حِبَالَهُ، وَأَبْدَى شَقَاشِقَهُ، وَغَطَّي مَخَارِقَهُ
стр. 280
وَبَيَّضَ لِحْيَتَهُ، وَسَّوَدَ صَحِيفَتَهُ، وَأَظْهَرَ وَرَعَهُ، وَسَتَرَ طَمَعَهُ فَقُلْتُ لَعَنَ اللهُ هَذَا فَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا رَجْلٌ أُعْرَفُ بِالإِسْكَنْدَرِيِّ، فَقُلْتُ: سَقي اللهُ أَرْضَاً أَنْبَتَتْ هَذا الفَضْلَ، وَأَباً خَلًّفَ هذا النَّسْلَ، فَأَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: الكَعْبَةَ، فَقُلْتُ: بَخٍّ بَخٍّ بِأَكْلِهَا وَلَما تُطْبَخْ، وَنَحْنُ إِذاً رِفَاقٌ فَقَالَ: كَيْفَ
стр. 281
ذلِكَ وَأَنَا مُصَعِّدٌ وَأَنْتَ مُصَوِّبُ؟! قُلْتُ: فَكَيْفَ تُصَعِّدُ إِلَى الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي أُرِيدُ كَعْبَةَ المُحْتَاجِ، لاَ كَعْبَةَ الحُجَّاجِ، وَمَشْعَرَ الكَرَمِ، لاَ مَشْعَرَ الحَرَمِ، وَبَيْتَ السَّبْيِ، لا بَيْتَ الهَدْيِ،
стр. 282
وَقِبْلَةَ الصِّلاتِ، لا قِبْلِةَ الصَّلاةِ، وَمِنَى الضَّيْفِ، لا مِنَى الخَيْفِ، قُلْتُ: وَأَيْنَ هَذِهِ المَكَارِمُ؟ فَأَنْشَأَ يَقُولُ:
بِحَيثُ الدِّينُ وَالمَلِكُ المُؤَيَّدْ ... وَخَدُّ المَكْرُمَاتِ بِهِ مُوَرَّدْ
стр. 283
بِأَرْضٍ تَنْبُتُ الآمَالُ فِيهَا ... لِأَنَّ سَحَابَهَا خَلَفُ بْنُ أَحْمَدُ.
المَقَامَةُ العِلْمِيَّة
حَدَّثَنا عَيسَى بْنُ هِشامٍ قَالَ: كُنْتُ فِي بَعْضِ مَطَارحِ الغُرْبَةِ مُجْتَازَاً، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يَقُولُ لآخَرَ: بِمَ أَدْرَكْتَ العِلْمَ؟ وَهُوَ يُجِيبُهُ، قَالَ: طَلَبْتُهُ فَوَجَدْتُهُ بَعِيدَ المَرَامِ، لا يُصْطَادُ بِالسِّهَامِ، وَلا يُقْسَمُ بالأَزْلامِ،
стр. 284
وَلا يُرَى في المَنَامِ، وَلا يُضْبَطُ بِالِّلجَامِ، وَلا يُورَثُ عَنِ الأَعْمَامِ، وَلا يُسْتَعَارُ مِنَ الكِرَامِ، فَتَوَسَّلْتُ إِلَيْهِ بِافْتِرَاشِ المَدَرِ،
стр. 285
وَاسْتِنَادِ الحَجَرِ، وَرَدِّ الضَّجَرِ، وَرُكُوبِ الخَطَرِ، وَإِدْمَانِ السَّهَرِ، وِاصْطِحَابِ السَّفَرِ، وَكَثْرةِ النَّظَرِ، وَإِعْمَالِ الفِكَرِ، فَوَجَدْتُهُ شَيْئاً لا يَصْلُحُ إِلاَّ لِلْغَرْسِ، وَلاَ يُغْرَسُ إِلاَّ بِالنَّفْسِ، وَصَيْداً لاَ يَقَعُ إِلاَّ فِي النَّدْرِ، وَلا يَنْشَبُ إِلاَّ فِي الصَّدْرِ، وَطَائِراً لا يَخْدَعُهُ إِلاَّ قَنَصُ الَّلفْظِ، وَلاَ يَعْلَقُهُ إِلاَّ شَرَكُ الحِفُظِ، فَحَمَلْتُهُ عَلى الرُّوحِ، وَحَبَسْتُهُ عَلى العَينِ.
следующие страницы →