Полный текст (734 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
عبد كلال بن مثوب الحميري
كان أخا عمرو المذكور من أمه، ومن بيت الملك، فحصلت له التبعية باليمن بعده. وبلغه قوة دين النصرانية، فمال إليها، وكان يكتم ذلك. واشتهر بالزهد وطلب الآخرة. وفي مدته عاثت العرب في بلادها وأرياف العراق، فخرج عليها سابور ذو الأكتاف، وفعل فيهم الأفعال الشنيعة.
وذكر صاحب الكمائم أن عبد كلال كان قد هم بأن يحمل أهل اليمن على دين المسيح لما رأى من غلبته على دين اليهود الذي دانت به اليمانية في ذلك الأوان، فبلغه ما فعل سابور بأهل هذه الملة، وأنه حصر مدينتهم العظيمة القسطنطينية وأقسم أن يكسر الصلبان ويفني أهل هذا الدين، فخاف إن أظهر ذلك أن يجعله سببا لغزوه مع ما كان يعتقده من إفناء العرب واستئصالهم، فمات وهو كاتم له، ولم يظهره إلا لبعض خواصه، ووجد الصليب في بيته حين مات.
وكان ملكه أربعاً وثلاثين سنة.
تبع بن حسان بن أسعد
ذكروا أن اسمه تبع وإن كانت هذه صفة لكل واحد منهم. وقيل له: تبع الأصغر؛ لأنه كان آخر العظماء من التبابعة، واختلت التبعية بعده. وكان مهيباً مشهوراً بالعظمة وعلو الهمة، وعندما صار إليه الملك بعث ابن أخته الحارث بن عمرو الكدني ملكاً على بلاد المضرية.
стр. 107
"وأتاه قوم من الأوس والخزرج النازلين على اليهود بيثرب فشكوا إليه، وذكروا سوء مجاورتهم، ونقضهم الشروط التي كانت بينهم، ومتوا إليه بالرحم، فأحفظه ذلك. وسار إلى يثرب، وبعث إلى اليهود فقتل منهم نيفا على ثلاثمائة صبراً. وأراد إحراق المدينة وإخراجها واستئصال اليهود، فقال إليه رجل منهم قد أتت له مائتان وخمسون سنة، فقال: أيها الملك، مثلك لا يقبل على الغضب، ولا يقبل قول الزور، وأمرك أعظم من أن يطير بك نزق أو يسرع بك لجاج، وإنك لا تستطيع أن تخرب هذه القرية. قال: ولم؟ قال: لأنها مهاجر نبي من ولد إسماعيل يخرج من هذه البنية - يعني البيت - فكف عنهم، وانصرف لشأنه".
وملكه ثمان وسبعون سنة.
مرثد بن عبد كلال الحميري
ذكروا أنه كان أخا تبع بن حسان لأمه، فولته التبابعة عليها.
قال ابن قتيبة: "وكان ذا رأي وبأس وجود، وبعده تفرق ملك حمير وضعف، وكان ملكه إحدى وأربعين سنة".
стр. 108
وليعة بن مرثد
ولي بعد أبيه، وليس له أخبار مدونة. قال صاحب المعارف: "كان عاقلاً حسن التدبير، وملك سبعاً وثلاثين سنة".
أبرهة بن الصباح الحميري
ذكروا أنه ولي اليمن بعد وليعة، "وكان عالماً جواداً. ومدته في الملك ثلاث وسبعون سنة".
حسان بن عمرو بن أسعد
ذكروا أنه ولي اليمن بعد أبرهة، "وهو الذي أتاه خالد بن جعفر العامري في أساري قومه، فأطلقهم له، ومدحه خالد. وكان ملكه سبعاً وخمسين سنة".
ذو شناتر الحميري
ذكروا أنه "لم يكن من أهل بيت الله، وإنما ولي لاضطرابه واختلال عمود السلطنة. وكان من أبناء المقاول فظاً غليظاً قتالا، ولا يسمع بغلام قد نشأ من أبناء المقاول والكبراء إلا بعث عنه وأفسده. ثم إنه بعث إلى غلام منهم يقال له: ذو نواس؛ وكان له ذؤابتان تنوسان على عاتقيه. فأدخل عليه ومعه سكين لطيفة مخفية، فلما دنا منه للعمل الذميم شق بطنه، واحتز رأسه. وكان ملكه سبعاً وعشرين سنة".
стр. 109
ذو نواس أسعد بن تبان
لما قتل ذا شناتر وهو من ذرية الملك "قالوا له: لا نرى أحق [معك] بالملك فملكوه. وهو صاحب الأخدود المذكور في القرآن: وذلك أنه كان على اليهودية، فبلغه عن أهل نجران أنهم دخلوا في النصرانية برجل أتاهم من قبل آل جفنة ملوك غسان فعلمهم إياها وحببها إليهم. فسار ذو نواس إلى غزوهم بنفسه، فمن تابعه على دينه خلى عنه، ومن أقام على النصرانية قذفه فيها، حتى أتي [بامرأة] معها صبي لها ابن سبعة أشهر، فقال لها الصبي: يا أماه، أمضي على دينك، فإنه لا نار بعدها! فرمى بالمرأة وابنها بالنار، وكف.
ومضى رجل من اليمن يقال له: ذو ثعلبة، في البحر إلى ملك الحبشة وهو على النصرانية، فخبره ما صنع ذو نواس بأهل ملته. فكتب ملك الحبشة إلى قيصر يعلمه بذلك، ويستأذنه في التوجه إلى اليمن؛ فكتب له أن يصير إليها، وأعلمه أنه سيظهر عليها.
فأقبل ملك الحبشة في سبعين ألفاً، وجازوا البحر إلى اليمن، فخرج إليهم ذو نواس وحاربهم، فهزموه وقتلوا خلقا كثيراً من أصحابه، ومضى منهزماً وهم في أثره حتى أتى البحر، فاقتحم فيه بفرسه، فكان آخر العهد به".
стр. 110
ذو جدن الحميري
ذكروا أنه قام مكان ذي نواس لما أغرق نفسه، ورام ارتجاع ملك حمير وقد أدبر، فلم تكن له بالحبشة طاقة، ولم يزالوا به حتى "هزموه، وألجأوا للبحر أيضاً، فاقتحم فيه، فغرق هو ومن تبعه من أصحابه".
قال صاحب المعارف: "وكان ملك ذي نواس ثمانية وستين عاماً"، وأما ذو جدن فهلك عن قرب.
قال السهيلي صاحب الروض الأنف: "قام بأمر أهل اليمن بعدما غرق ذو نواس ذو جدن - والجدن: حسن الصوت - ويقال: إنه أول من أظهر الغناء باليمن". وزعم البكري أن جدن مفازة باليمن نسب إليها.
وقال البيهقي: كان ذو جدن من المقاول الذين يلون الجهات الكبار من اليمن. وكان له بينون - مدينة جليلة بين عمان والبحرين - ومدينة سلحين، وكانت
стр. 111
الحبشة قد خرجتهما في أول خروجها، فكان قلبه عليهم قد امتلأ غيظا لذلك. فقام بالأمر عند إدباره، وبذل فيها جهده. وقال لما قيل له: ابن بنياناً تمتنع فيه من الحبشة، وقاتلهم دونه:
أبعد بينون لا عين ولا أثر ... وبعد سلحين يبني الناس أبياتا
стр. 112
تغلب الحبشة على اليمن وانقراض ملك حمير إلى أن رجع ثم ذهب وما آلت إليه اليمن إلى أن جاء الإسلام
قال الجوزي في المنتظم: كان ملك اليمن لا مطمع فيه إلى أن ظهرت الحبشة عليه من البحر. وكان المقدم على الحبشة أرياط الحبشي ومعه أبرهة الأشرم. فلما غرق ذو جدن نفسه في البحر، وخلصت اليمن للحبشة، عمد أبرهة الأشرم الحبشي إلى أرياط فقتله، واستبد بملك اليمن. فحلف النجاشي ملك الحبشة أن يطأ بلاده ويريق دمه. فبعث له أبرهة بقارورة من دمه، وجراب فيه من تراب أرضه، ليخرج بذلك عن يمينه، ويسكن غيظه، فرضي بذلك وأقره.
ثم إن أبرهة بنى باليمن البيت العظيم الارتفاع الذي سماه القليس، وعزم على أن يصرف حج العرب إليه، ويزهدهم في الكعبة. فأحدث فيه رجل من فقيم، فغضب أبرهة، وتجهز بالفيل لهدم الكعبة. وكان دليله أبا رغال الثقفي، فأهلكه الله، وجعل قبره مرجوما إلى يوم القيامة، وأرسل على الحبشة الطير الأبابيل "ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول". وكانوا قد استقبلوا الكعبة بالفيل في اليوم الذي عزموا على هدمها، فلم يرد إليها وجهه البتة، وكلما ضربوه ليسير إلى ما قدامه رد وجهه إلى ما خلفه وسار.
стр. 113
قال ابن قتيبة: "وقعت الاكلة في صدر أبرهة، فحمل إلى اليمن، فهلك بها؛ وفي ذلك العصر كان مولد النبي ﷺ . ثم ملك بعد أبرهة ابنه يكسوم، فساءت سيرته وسيرة الحبشة باليمن، وركبوا في أهلها العظائم".
ثم مات، وولي بعده أخوه مسروق بن أبرهة.
سيف بن ذي يزن
واجتمعت حمير في السر إلى سيف بن ذي يزن بن مالك بن سهل بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس بن واثل بن الغوث بن قطن بن عريب بن زهير بن يمن بن الهميسع بن حمير، وشكت له ذهاب ملكها بالعبيد، وتكمهم في حرمهم وأموالهم [فامتعض] لذلك. وتجهز في طلب الثأر إلى قيصر ملك الروم، فاعتذر له بأن الحبشة قائلة بالنصرانية، ولا يسوغ له أن ينصره على أهل ملته.
فقدم الحيرة على النعمان بن المنذر، وشكا إليه ذل العرب مع الحبشة، فقال له: إن لي على كسرى وفاده كل عام، فأقم عندي إلى حين وفادتي. فأقام معه حتى وفدوا على كسرى أنوشروان، فدخلا عليه، [وتكلم] النعمان فيما شكا إليه سيف، فاستنطقه عن ذلك، فقال له فيما تكلم به: أنت، أيها الملك، خير لنا منهم. ونحن طالبو ثأر لا ملك، والدماء لنا والأرض لك! فقال: بعدت
стр. 114
أرضك من أرضنا، وهي مع ذلك قليلة الخير! وأمر له بعشرة آلاف درهم وخلعة. فلما قبضها خرج وجعل ينثر الدراهم، فنهبتها العبيد والصبيان.
وبلغ ذلك كسرة، فقال: إن لهذا الرجل شأنا، وأمر أن يلام على ذلك. فقال: إن جبال أرضي ذهب وفضة، وإنما رغبت في إزالة الظلم، ورفع الذل الذي لا يقدر عليه إلا الملك. فاستشار أنوشروان ثقاته في ذلك، فأشير عليه أن يبعث معه رجالا كانوا في سجونه، فإن نصروا كان الاسم للفرس من غير مرزئة، وإن هلكوا استرحنا منهم. وكانوا ثمانمائة، فغرق مائتان في البحر، وسلم ستمائة.
وكان المقدم على الفرس وهرز، فقرن سيف بن ذي يزن رجله مع رجله، وتحالفا. وعندما نشبت المعركة قتل الحبشة أبنا لوهرز فزاد حنقه، وأقبل مسروق بن أبرهة وهو على فيل، وبين عينية ياقوتة حمراء، ثم تحول عنه إلى بغلة، فقال: انتقل إلى بنت الحمار! ذلك ملكهم! ثم ضربه بنشابة خرجت من قفاه، وهلك، وانقرضت مدة الحبشة. وقد اختلف فيها، والأكثر يقولون: إنها اثنتان وسبعون سنة.
قال صاحب تواريخ الأمم: "كان قدوم سيف بن ذي يزن مع وهرز إلى اليمن وللنبي ﷺ ثلاثون سنة. وأقام ملك اليمن ولكنه تحت طاعة أنوشروان ومعترف له".
стр. 115
ولما ملك اليمن وقتل الحبشة وفدت عليه الوفود من الأقطار. وكان فيمن وفد عليه عبد المطلب بن عبد مناف، فسر به وأكرمه وحباه، وبشره بأن النبي الذي يعز الله به العرب من صلبه. وكان فيمن وفد عليه أبو الصلت بن ربيعة الثقفي، وأنشده قصيدته التي منها:
ليطلب الملك أمثال ابن ذي يزن ... لجج في البحر حتى غاب أميالا
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
стр. 116
ثم إن سيف بن ذي يزن أساء الرأي "فاتخذ من بقايا الحبشة خدماً، فخلوا به يوماً في متصيد، فزرقوه بحرابهم، فوقع ميتاً، وهربوا في رؤوس الجبال".
وتفرق أهل اليمن بعده في مخاليفهم، وصاروا ملوك طوائف لا ينقاد بعض لبعض. وكان بصنعاء الأبناء - وهم أبناء الفرس الذين فتحوا اليمن - ومنهم عمال الأكاسرة.
ودخل زمان الهجرة النبوية وباذان الفارسي عامل أبرويز ملك الفرس، ثم أسلم في زمان ابنه شيرويه بن أبرويز.
قال صاحب تواريخ الأمم: "ليس في جميع التواريخ أسقم من تاريخ ملوك حمير؛ لما يذكر فيه من كثرة عدد سنيهم مع قلة ملوكهم".
قال: "وقد زعموا أن جميع ملوك حمير باليمن ستة وعشرون ملكاً في مدة ألفين وعشرين سنة. ثم ملك بعدهم من الحبشة ثلاثة، ثم من الفرس ثمانية، وانتقل الملك بها إلى قريش".
стр. 117
من له من حمير ذكر في الجاهلية من غير عمود سلطنة اليمن
стр. 118
بنو هزان بن يعفر
ابن السكسك بن واثل بن حمير. ذكر صاحب الكمائم أنهم كانوا أحسن حمير صوراً، وأطول أجساماً وأعناقاً. وكان (يعفر بن) السكسك قد ولى ابنه هزان على اليمامة، فتوالى ملكها في بني هزان، ثم انقرض على يد:
جعفر بن قرط الهزاني
وقد ذكر صاحب التيجان، وأخبر أن قومه بني هزان كان يقال لهم: الغرانيق؛ لطولهم وحسنهم، وكان جعفر أعظمهم يأكل من النخلة السحوق وهو قاعد، وعلى يديه انقرض ملك هزان من اليمامة، وصار إلى طسم الذين كانوا ملوكها من قبل.
وكان له حصن بالحفيف من جهة الأحقاف، فخرج يزور قبر هود ﵇ ومعه ظعائن له، فخرج عليه عمرو بن عباد الفاتك في أصحاب له قد استعدوا لذلك، فطالبوه بأن يسلم الظعائن، فقال شعراً منه:
خل الظغائن تسلك جانب الوادي ... واصرف عنانك عنها يا ابن عباد
لا تعرضن لقوم حول أظعنة ... فان خلفهم ضرغامة عاد
стр. 119
فأبى عمرو إلا لجاجاً، فأسره جعفر، ثم أحسن إليه وأطلقه. فجاءه عمرو بعد ذلك بهدية احتفل فيها شكراً على ما صنعه معه، فقبلها جعفر، وأنس به، وأحضره شرابه. فلما سكر جعفر ملك اليمامة قتله عمرو. وكان عمرو قد عشق ابنته جدجاد فطلبها حينئذ، وكانت بلقيس ملكة اليمن قد هربت من ذي الأذعار، واستجارت بجعفر، فتحيلت على عمرو بن عباد حتى قتله كما تقدم في تاريخ بلقيس.
وملكت جدجاد بنت جعفر بن قرط اليمامة، وكان قومها قد طردوا طسماً وجديسا إلى بريتهما، فلما سمعوا ما جرى على جعفر، وأن الملك في يد امرأة عادوا إلى الحرب حتى أخذوا اليمامة، وانقرض ملك بني هزان.
(وذكر صاحب التيجان أن جعفر بن قرط هو القائل وقد بلغ ثلاثمائة سنة:
إن الليالي أسرعت في نقضي ... أكلن بعضي وتركن بعضي
الأعقب بن هزان
ذكر صاحب التيجان أنه كان من شعرائهم، وأنشد له قوله حين تحارب بنو هزان مع جديس على أرض عدن، فانهزم بنو هزان إلى اليمامة:
قد غرنا من دهرنا طول المنى ... وشتت الله علينا شملنا)
стр. 120
بنو همدان
أفعى نجران ملكها
ذكر البيهقي أن سلفه [كانوا] يلون نجران وطاعته للتبابعة، وكان كل ملك منهم لقبه الأفعى. والمشهور منهم بهذه الصفة القلمس بن عمرو بن همدان بن مالك بن منتاب بن زيد بن واثل بن حمير.
قال صاحب التيجان: "كان داعياً من دعاة سليمان" ﵇، أرسلته إليه بلقيس وكان نائبها على نجران، فرأى من سليمان ما علم به أنه نبي وآمن وحسن إيمانه. وخطب الناس بعد موت سليمان وأحسن ذكره، ورثاه بشعر قال فيه في ذكر ذي القرنين:
وكان الصعب في دنياه صعباً ... وحكم الدهر كان له قرين
وكان عليه للأيام دين ... فقد قضيت عن المرء الديون
وطال عمره حتى جرى له مع أولاد نزار ما هو مذكور في تاريخ العدنانية.
стр. 121
عمه القلمس بن همدان
ذكر صاحب التيجان أنه أول من حرم الخمر في الجاهلية على نفسه؛ لأنه سكر وأغار على بلاد أخيه والد أفعى نجران، وواقع أم الأفعى، فحملت منه بالأفعى، فلذلك قال فيه بنو نزار: إنه لزنية، وقال عمه شعراً ندم فيه على ما فعل، وذكر الخمر:
لها سورة تدعو الحليم إلى الصبا ... وتظهر من أحواله كل فاضح
وذكر أن المشلل والبحرين كانا لأفعى نجران، واستولى على نجران بعدهم بنو مذحج، والملك منهم في بني الحارث ابن كعب.
قضاعة بن مالك بن حمير
في تقدم في عمود سلطنة التبابعة أن مالك بن حمير نافس أخاه واثل بن حمير، فخرج عليه ببلاد الشحر، وما زال يحاربه وواثل في قصر غمدان، حتى مات مالك وولي بعده ابنه قضاعة.
ذكر صاحب التيجان أنه حارب السكسك بن واثل إلى أن قهره السكسك، واقتصر قضاعة على ما بيده من بلاد الشحر.
ووجد قبر قضاعة في جبل الشحر بقرب قبر هود ﵇، وعليه مكتوب بالمسند: هذا قبر قضاعة بن مالك بن
стр. 122
حمير. ومكتوب أيضاً بعده: كنا زينة للناظرين، فصرنا عبرة للزائرين! وأبيات تدل أنه ملك غمدان وذمار والعراقين.
وملك بعده ولده:
إلحاف بن قضاعة
ثم ملك بعده ابنه:
مالك بن إلحاف
وجرت له حروب مع التبابعة، فأخرجوه من البلاد، وطردوه إلى الحبشة، ثم آل أمره إلى أن ملك بعمان.
قال البيهقي: وملك مهرة بن حيدان بن إلحاف بن قضاعة بلاد الشحر، وحارب عمه مالك بن إلحاف صاحب عمان عليها، فتغلب هو وولده على الصقع، ونسب إليهم إلى اليوم، فقيل بلاد مهرة.
قال البيهقي: ولما دخلت فضاعة بالفتنة التي كانت بينها وبين بني عمها التبابعة إلى الحجاز، خمد ذكرهم في اليمن وجهاته، واشتهروا بالحجاز، ونسبوا إلى معد بن عدنان، فقيل: قضاعة بن معد بن عدنان. وإنما الأصح والأشهر ما قاله شاعرهم:
نحن بنو الشيخ الهجان الأزهر ... قضاعة بن مالك بن حمير
стр. 123
وأشهر قبائل قضاعة وأضخمها:
كلب بن وبرة
ابن ثعلبة بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة، وهي من الأرحاء المذكورة في العرب، تديرت في الجاهلية دومة الجندل، وتيماء وتبوك، وأطرار الشام، وجاورت النصرانية فغلبت عليها.
ولما جاء الإسلام دخل منهم خلق كثير ممن أبى الإسلام إلى بلاد الروم، فكانوا بها ضاحية، ونال بلاد الإسلام منهم شر كثير.
وأعلام كلب في الجاهلية ممن له ترجمة:
زهير بن جناب الكلبي
من واجب الأدب: كان رئيس كتاب كلب في الجاهلية وقائدها في حروبها، وطال عمره. وهو من شعراء كتاب الأغاني، وله البيتان المشهوران:
стр. 124
إذا ما شئت أن تسلى حبيباً ... فأكثر دونه عدد الليالي
فلما سلى حبيبك مثل نأي ... ولا أبلى جديدك كابتذال
وأنشد له أبو تمام في حماسته:
فارس يكلأ الصحابة منه ... بحسام يمر مر الحريق
لا تراه لدى الوغى في مجال ... يعتلي العير لا ولا في مضيق
من يراه يخله في الحرب يوماً ... أنه أخرق مضل الطريق
وذكر صاحب قطب السرور أنه أسره همام بن مرة سيد وائل، فعرض عليه في فدائه مائة من الإبل، فأبى أن يقبلها، وقال: أحسن من ذلك عندي أن أطلقك على ألا تشرب شراباً أبداً إلا بدأت بذكري وحياتي، وشربت قبل نفسك. فأطلقه على ذلك الشرط.
زهير بن شريك الكلبي
من واجب الأدب: كان من رؤساء كلب في الجاهلية، وكان منهوماً في الخمر، وهو القائل:
ألا أصبحت أسماء في الخمر تعذل ... وتزعم أني بالسفاه موكل
стр. 125
وأني جعلت المال فيها خسارة ... فليس على مال لدى معول
فقلت لها: كفي عتابك نصطحب ... وإلا فبيني فالتعزب أمثل
عمرو بن حذام الكلب
من واجب الأدب: هو الذي عناه امرؤ القيس في قوله: نبكي الديار كما بكى ابن حذام قال ابن الكلبي: إذا سئلت كلب عما وصف به جذام الديار أنشدوا أبياتا من قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وذكروا أن أمرئ القيس أغار عليها وكان يصحبه، وهو أول من وصف الديار.
حارثة بن شراحيل الكلبي
هو أبو زيد بن حارثة مولى النبي صلى الله عليه. وكان ابنه زيد قد أصابه سباء في الجاهلية، فصار إلى خديجة زوج النبي ﵇، فوهبته له فتبناه.
وأنشد ابن عبد البر في كتاب الصحابة لحارثة المذكور يبكي ابنه زيداً لما فقده:
стр. 126
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي يرجى أم أتى دونه الأجل؟
فيا ليت شعري هل لك الدهر رجعة ... فحسبي من الدنيا رجوعك أن يحل
تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكره إذا قارب الطفل
وإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل!
وحج جماعة من كلب، فزاروا زيداً بمكة، فأعلموا أباه فسار إلى مكة في طلبه، واجتمع بالنبي ﷺ في شأنه، فأحضره وخيره، فاختار النبي ﵇ على أبيه وأهله.
ومن قبائل قضاعة المشهورة في الجاهلية والإسلام:
جهينة
قال الحازمي: "هي قبيلة عظيمة ينتسب إليها بطون كثيرة". وكانت منازلها أطراف الحجاز الشمالي من جهة بحر جدة. وهي الآن قبيلة ضخمة باقية على أنبه ما كانت عليه، ومنازلها بصعيد مصر، وتجاورها إلى جهة الحجاز بلي، وهي أيضاً من قبائل قضاعة الضخمة إلى الآن. وللقبيلتين تراجم في الإسلام، ولم أقع من تراجمهم في الجاهلية إلا على:
стр. 127
عبد الشارق بن عبد العزى الجهني
من شعراء الجاهلية، أنشد له أبو تمام في حماسته أبياتاً تقع في منصفات العرب، منها:
ولما لم ندع قوساً وسهماً ... مشينا نحوهم ومشوا إلينا
فآبوا بالرماح مكسرات ... وأبنا بالسيوف قد انحنينا
فباتوا بالصعيد لهم كلوم ... ولو خفت لنا الكلمى سرينا
ومن قبائل قضاعة المشهورة:
تنوخ
قال الحازمي: "ينتسبون إلى تنوخ، واسمه مالك بن فهم بن تيم الله بن أسد بن وبرة"، وأسد أخو كلب.
стр. 128
وذكر البيهقي أنه كان لتنوخ ملك في عين التمر، ولهم محاربات في الجاهلية مع ملوك بني نصر أصحاب الحيرة. قال: ثم انقرضوا من هنالك وتفرقوا على البلاد.
ومن قبائل قضاعة المشهورة في الجاهلية:
بنو سليح
وهو عمرو بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. قال الحازمي: "منهم نفر يسير بالشام ومصر". قال البيهقي: كان لهم صيت في الجاهلية بالشام، ثم قلوا وذلوا.
ومن تواريخ الأمم أن بني سليح ملكوا بادية الشام وهم عمال للقياصرة، إلى أن نزل عليهم غسان الذين خرجوا من اليمن عند سيل العرم، فغلبوا عليهم، وأذهبوا ملكهم.
ومن قبائل قضاعة:
بنو نهد
سكنت أجواز السروات باليمن؛ والمذكور منها:
الصقعب بن عمرو النهدي
ذكر صاحب العقد أن اسمه جشم بن عمرو، وكان سيد نهد في الجاهلية، وكان قصيراً أسود دميماً. وكان
стр. 129
النعمان قد سمع بشرفه، فلما بصر به نبت عينه عنه، فقال: "تسمع بالمعيدي خير من أن تراه"، فقال: أبيت اللعن، إن الرجال ليست بمسوك فيستقى فيها الماء، وإنما المرء بأصغريه، إن نطق نطق ببيان، وإن صال صال بجنان؛ قال: صدقت. ثم قال: كيف علمك بالأمور؟ قال: أنقض منها المفتول، وأبرم السحيل، وليس لها بصاحب من لا ينظر في العواقب.
(ومن أمثال أبي عبيدة: كان الصقعب من حكماء العرب، فقال له النعمان بن المنذد: ما الداء العياء؟ فقال: جار السوء إن خاصمك بهتك، وإن غبت عنه سبعك) .
ومن واجب الأدب: كان ابنه خالد بن الصقعب رئيساً في الإسلام مشهوراً بالشجاعة. والصقعب القائل في وصف رقاص:
стр. 130
عجبت من رجليه يتبعانه
يعلوهما طوراً ويعلوانه
كأن أفعيين يلسعانه
ومن قبائل قضاعة المشهورة في الجاهلية:
بنو العبيد
ملوك سنجار والحضر من بلاد الجزيرة. وقد ذكر ابن إياس صاحب تاريخ الموصل أنهم ينتسبون إلى بني سليح. قال: والعبيد هو ابن الأبرص (بن عمرو) ابن أشجع بن سليح بن حلوان بن عمران بن إلحاف بن قضاعة. كانوا في خلق كثير بالجزيرة؛ والمذكور منهم:
الضيزن بن معاوية بن العبيد
قال: هو صاحب الحضر بأرض الثرثار، والعجم تعرفه بالساطرون، وفيه قال أبو دواد الايادي:
стр. 131
وأرى الموت قد تدللى من الحض ... ر على رب أهله الساطرون
وقد قيل: إنه الذي غزا الأعرج من ولد سليمان النبي ﵇ بالقدس، وكاتبه بختنصر. ولما قتل سابور الضيزن قال عمرو بن كلثوم سيد بني تغلب، وكان معه:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني العبيد
قال: وملك بختنصر الحضر بعد ملك الضيزن؛ وقد تقدم ذكره في تاريخ السريان.
ومن تاريخ الطبري أنه اختلف في الضيزن: فقيل: إنه من قضاعة، وقيل: إنه من الجرامقة. قال: وذكروا "أنه ملك أرض الجزيرة، وكان معه من قبائل قضاعة ما لا يحصى، وكان ملكه قد بلغ الشام، وتطرف بسواد العراق في غيبة سابور بخراسان. فلما قدم سابور شخص إليه، وأناخ على حصنه، فلم يقدر عليه نحو أربع سنين".
"ثم إن النضيرة بنت الضيزن عركت، فأخرجت إلى ربض المدينة، وكانت من أجمل أهل زمانها، وكان
стр. 132
سابور من أجمل أهل زمانه؛ فرأى كل منهما صاحبه، فتعاشقا وتراسلا، إلى أن قالت له: ما تجعل لي إن دللتك على ما تهدم به سور المدينة وتقتل أبي؟ قال: أحكمك، وأرفعك على نسائي، وأخصك بي دونهن. قالت: عليك بحمامة ورقاء مطوقة، فاكتب في رجلها: بحيض جارية بكر زرقاء؛ ثم أرسلها، فإنها تقع على سور المدينة فتتداعى - وكان ذلك طلسم المدينة. ففعل، فتداعى سور المدينة، وفتحها عنوة، وقتل الضيزن، وأباد بني قضاعة الذين كانوا معه فلم يبق منهم باقية؛ فقال عمرو بن إله وكان مع الضيزن:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت سراة بني العبيد
ومصرع ضيزن وبني أبيه ... وأحلاس الكتائب من تزيد
أتاهم بالفيول مجللات ... وبالأبطال سابور الجنود
стр. 133
قال: "وكانت أم الضيزن من تزيد بن حلوان [بن عمران بن إلحاف] ابن قضاعة".
"وأخرب سابور المدينة، واحتمل النضيرة بنت الضيزن، فأعرس بها في عين التمر. فذكر أنها لم تزل ليلتها تتضور من خشونة فرشها، وهي من حرير محشوة بالقز، فالتمس ما كان يؤذيها، فإذا ورقة آس ملتزقة بعكنة من عكنها قد أثرت فيها. وكان ينظر إلى مخها من لين بشرتها، فقال لها سابور: ويحك! بأي شيء كان يغذوك أبوك؟ قالت: بالزبد والمخ وشهد الأبكار من النحل وصفو الخمر! قال: وأبيك لأنا أحدث عهداً [بك] وأوثر لك من أبيك الذي غذاك بما تذكرين؟ وأمر رجلاً فركب فرساً جماحاً، ثم عصب غدائرها بذيله، ثم استركض الفرس فقطعها قطعاً؛ فذلك قول الشاعر:
أقفر الحضر من نضيرة فالمر ... باع منها فجانب الثرثار
стр. 134
قال الطبري: "وقد أكثر الشعراء ذكر الضيزن، وإياه عنى عدي بن زيد في قوله:
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج ... لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمراً وجلله كل ... ساً فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ... ملك عنه فبابه مهجور
стр. 135
تاريخ بني كهلان بن سبأ إخوة حمير
стр. 136
هم أهل العدد والقبائل الكثيرة في أقطار المشرق والمغرب. وعظماء قبائلها الكبار: الأزد، وطيء، ومذحج (وهمدان) ، ثم كندة، ثم مراد.
تاريخ الأزد
قال الحاتمي: "الأزد هو دراء بن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان".
وجاء في الحديث النبوي: "الأزد جرثومة العرب"، وقد جاء ذكرهم والثناء عليهم في غير حديث. وقال ﷺ : "الأزد أسد الله في الأرض، يريد الناس أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم. وليأتين على الناس زمان يقول الرجل: يا ليتني كان أبي أزدياً، أو كانت أمي أزدية".
ومن الكامل للمبرد: "إن علي بن أبي طالب ﵁ قال للأزد: أربع ليست لحي: بذل لما ملكت أيديهم، ومنع لحوزتهم، وحي عمارة لا يحتاجون إلى غيرهم، وشجعان لا يجبنون".
فمن الأزد غسان الذين منهم ملوك الشام، ومن غسان الأوس والخزرج. ومن (الأزد) خزاعة، ومنهم بارق، ومنهم دوس، ومنهم العتيك، ومنهم غافق.
стр. 137
من له ذكر في الجاهلية
من الأوس والخزرج ويعرف من أسلم منهم بالأنصار الأوس والخزرج هما ابنا قيلة وهي أمهما، وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن مازن بن مالك بن الأزد.
وكان حارثة بن ثعلبة قد سار في قضية سيل العرم التي كانت باليمن إلى الشام، فجري لهم مع الروم ما أوجب رجوع حارثة بأهله إلى أرض العرب فنزل المدينة المنورة، وهي حينئذ لليهود وملكهم شريف بن كعب اليهودي، فقال لحارثة: لا تنزلوا علينا إلا على شرط، وهو أن اليهود لغسان حاضرة وغسان لليهود بادية. فكتبوا بذلك عهداً، إلى أن جرى خصام بين يهودي وغساني، فقال شريف للغساني: أنتم معشر غسان لكم أنفة تحملكم على شهادة الزور! فقال أحد غسان: كذبت، بل لنا أحساب تمنعنا من شهادة الزور، ولكن يا شريف، أنتم أذلاء إلا بأرض العرب، فكيف لا تسرع بلسنك إلى سبهم؟ ولو ألسبوك الذلة لعرفت لهم حقهم! ثم إن جذع بن سنان الغساني الفاتك هاج الحرب بين الفريقين. وأعانتهم غيبة ملك اليهود عن يثرب في حصنه - وبينهما عشرة أميال - ففتكت غسان باليهود، وسبت نساءهم، وملكت ديارهم؛ ولم يصل الملك إلا وقد ملكوا المدينة. فطلبوا الصلح، واستنصروا بإخوانهم الذين بخيبر وجهات الشام، فوقع الصلح والهدنة على المشاركة في سكنى يثرب، إلى أن كانت الغلبة للعرب، وأخرجتهم
стр. 138
للحصون. وملكت الأوس والخزرج المدينة إلا أنه كانت الحرب كثيراً ما تقع بين الفريقين، ولم يستقم لهم أن يستبد بهم ملك، إلى أن رحل إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة:
عمرو بن الإطنابة الخزرجي
فملكه على المدينة. وكان شاعراً مشهوراً في الجاهلية، وله الأبيات المشهورة التي أنشدها أبو تمام في الحماسة:
أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإقحامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح
стр. 139
قال المسعودي: غلبت الخزرج على الأوس فيما قرب من الإسلام، وهمت أن تتوج عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، فوافق ذلك مجيء النبي صلى الله عليه، فبطل ملكه.
أحيحة بن الجلاح الأوسي
ذكر صاحب الكمائم وغيره أنه كان من رؤساء الأوس في الجاهلية ببيته وماله، وكان له بالزوراء في المدينة ما لم يكن لأحد من التمر، فرآه شخص وهو يلقط تمرة فعاتبه، فقال: "التمرة إلى التمرة تمر"، ثم قال:
استغن أو مت ولا يغررك ذو نشب ... من ابن عم ولا عم ولا خال
إني مقيم على الزوراء أعمرها ... إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
كل النداء إذا ناديت يخذلني ... إلا نداي إذا ناديت يا مالي
فاشتهر بالبخل لذلك. وقالت له الأوس: فضحتنا ببخلك، كلما أردنا أن نقدمك قالوا: بخيل لا يصلح للتقديم. فقال: أنتم إنما أردتم تقديمي وإكرامي بسبب
стр. 140
مالي، ولم يجتمع إلا من بخل عليه، وأنا لا أريد أن أضيع شيئاً أكرم من أجله.
وأدرك ابنه محمد بن أحيحة الإسلام.
قيس بن الخطيم الأوسي
قال البيهقي: هو وإن كان معروفاً بالشعر في الجاهلية فإنه كان من أبطال الأوس وشجعانها والمشهوين فيها. وقد لخصت ترجمته من كتاب الأغاني.
كان قد قتل أباه الخطيم رجل من الخزرج، وقتل جده عدياً رجل من عبد قيس. وكان في صباه يسأل أمه عن أبيه، فصنعت له قبراً مزوراً وقالت: هذا قبره؛ خفية أن يخرج في طلب الثأر. فلما كبر جرى بينه وبين شخص منازعة، فعيره بقعوده عن طلب أبيه وجده، فبحث عن ذلك، فعلم الحقيقة.
فخرج إلى خداش بن زهير من سادات عبس، وسأله الإعانة، فأعانه حتى بلغ الغرض مما كان في نفسه، وقتل الشخصين اللذين قتلا أباه وجده، وقال أبياته المشهورة المختارة التي أوردتا أبو تمام في حماسته:
стр. 141
ثأرت عدياً والخطيم فلم أضع ... وصية أشياخ جعلت إزاءها
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها
وإنا إذا ما ممتر والحرب بلحوا ... أقمنا بأسياد العرين لواءها
متى بأت هذا الموت لا يلف حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
إذا ما شربت أربعاً خط مئزري ... وأتبعت دلوي في السماح رشاءها
قال: وكان أجمل أهل زمانه، لا تراه امرأة إلا فتنت به. وكان يتغزل في عمرة زوج حسان بن ثابت، وكان حسان يتغزل في ليلى بنت الخطيم.
وقتل قيس بن الخطيم قبل الهجرة النبوية، قتله الخزرج.
стр. 142
"وقال أنس بن مالك: جلس رسول الله ﷺ في مجلس ليس فيه إلا خزرجي، ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم أتعرف رسماً كاطراد المذاهب فأنشدها بعضهم، فلما بلغ إلى قوله:
أجالد في يوم الحديقة حاسراً ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
التفت الرسول ﷺ ، فقال: هل كان كما ذكر؟ فشهد له (ثابت بن) قيس بن شماس، وقال: والذي بعثك بالحق لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه وعليه غلالة، ومخلقة مورسة، وهو يجالدنا بسيفه كما ذكر".
ولما أنشد النابغة الذبياني هذه القصيدة وأولها:
أتعرف رسماً كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشاً غير موقف راكب
стр. 143
قال له: أنت أشعر الناس! ومنها:
تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
ومنها:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
ومن واجب الأدب أن جريراً قدمه بقوله:
أني سريت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب
ما تمنعي يقظي فقد نولته ... في النوم غير مصرد محسوب
стр. 144
فرأيت مثل الشمس عند طلوعها=في الحسن أو كدنوها لغروب وله:
وإذا تكون عظيمة في عامر ... فهو المدافع عنهم والكافي
أبو صرمة الخزرجي
ذكر البيهقي أنه من بني البخار، شاعر جاهلي، أدرك ابنه صرمة الإسلام فأسلم؛ ومن شعره:
لنا صرم يؤول الحق فيها ... وأخلاق يسود بها الفقير
ونصح للعشيرة حيث كانت ... إذا امتلأت من العسر الصدور
وحلم لا يصوب الجهل فيه ... وإطعام إذا اشتد الصبير
بذات يد على ما كان منها ... تجود به قليل أو كثير
стр. 145
ثابت بن المنذر بن حرام
ذكر صاحب الكمائم أنه من بني النجر، وهو أبو حسان بن ثابت، كان شاعراً، وأبوه حرام شاعراً، وابنه حسان، ثم عبد الرحمن بن حسان، ثم سعيد بن عبد الرحمن، كلهم شعراء على نسق.
ومات ثابت قبل الإسلام. ومن شعره قوله في أبيات في عمرو بن الإطنابة الخزرجي، لما ملكه النعمان بن المنذر على المدينة:
ألكني إلى النعمان قولا محضته ... وفي النصح للألباب يوماً دلائل
بعثت إلينا بعضنا وهو أحمق ... فيا ليته من غيرنا وهو عاقل
الفريعة بنت خالد الخزرجية
ذكر البيهقي أنها من بني ساعدة من الخزرج، وهي أم حسان بن ثابت. كانت من شواعر الجاهلية، وهي القائلة فيمن كانت تحبه:
للناس بيت يديمون الطواف به ... ولي بمكة لو يدرون بيتان
فواحد لجلال الله أعظمه ... وآخر لي به شغل بانسان
следующие страницы →