← История

История · id 28174

نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب

ابن سعيد المغربي

Полный текст (734 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

ثأرت عدياً والخطيم فلم أضع ... وصية أشياخ جعلت إزاءها طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها وكنت امرأ لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها وإنا إذا ما ممتر والحرب بلحوا ... أقمنا بأسياد العرين لواءها متى بأت هذا الموت لا يلف حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها إذا ما شربت أربعاً خط مئزري ... وأتبعت دلوي في السماح رشاءها قال: وكان أجمل أهل زمانه، لا تراه امرأة إلا فتنت به. وكان يتغزل في عمرة زوج حسان بن ثابت، وكان حسان يتغزل في ليلى بنت الخطيم. وقتل قيس بن الخطيم قبل الهجرة النبوية، قتله الخزرج.

стр. 142

"وقال أنس بن مالك: جلس رسول الله ﷺ في مجلس ليس فيه إلا خزرجي، ثم استنشدهم قصيدة قيس بن الخطيم أتعرف رسماً كاطراد المذاهب فأنشدها بعضهم، فلما بلغ إلى قوله: أجالد في يوم الحديقة حاسراً ... كأن يدي بالسيف مخراق لاعب التفت الرسول ﷺ ، فقال: هل كان كما ذكر؟ فشهد له (ثابت بن) قيس بن شماس، وقال: والذي بعثك بالحق لقد خرج إلينا يوم سابع عرسه وعليه غلالة، ومخلقة مورسة، وهو يجالدنا بسيفه كما ذكر". ولما أنشد النابغة الذبياني هذه القصيدة وأولها: أتعرف رسماً كاطراد المذاهب ... لعمرة وحشاً غير موقف راكب

стр. 143

قال له: أنت أشعر الناس! ومنها: تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب ومنها: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب ومن واجب الأدب أن جريراً قدمه بقوله: أني سريت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب ما تمنعي يقظي فقد نولته ... في النوم غير مصرد محسوب

стр. 144

فرأيت مثل الشمس عند طلوعها=في الحسن أو كدنوها لغروب وله: وإذا تكون عظيمة في عامر ... فهو المدافع عنهم والكافي أبو صرمة الخزرجي ذكر البيهقي أنه من بني البخار، شاعر جاهلي، أدرك ابنه صرمة الإسلام فأسلم؛ ومن شعره: لنا صرم يؤول الحق فيها ... وأخلاق يسود بها الفقير ونصح للعشيرة حيث كانت ... إذا امتلأت من العسر الصدور وحلم لا يصوب الجهل فيه ... وإطعام إذا اشتد الصبير بذات يد على ما كان منها ... تجود به قليل أو كثير

стр. 145

ثابت بن المنذر بن حرام ذكر صاحب الكمائم أنه من بني النجر، وهو أبو حسان بن ثابت، كان شاعراً، وأبوه حرام شاعراً، وابنه حسان، ثم عبد الرحمن بن حسان، ثم سعيد بن عبد الرحمن، كلهم شعراء على نسق. ومات ثابت قبل الإسلام. ومن شعره قوله في أبيات في عمرو بن الإطنابة الخزرجي، لما ملكه النعمان بن المنذر على المدينة: ألكني إلى النعمان قولا محضته ... وفي النصح للألباب يوماً دلائل بعثت إلينا بعضنا وهو أحمق ... فيا ليته من غيرنا وهو عاقل الفريعة بنت خالد الخزرجية ذكر البيهقي أنها من بني ساعدة من الخزرج، وهي أم حسان بن ثابت. كانت من شواعر الجاهلية، وهي القائلة فيمن كانت تحبه: للناس بيت يديمون الطواف به ... ولي بمكة لو يدرون بيتان فواحد لجلال الله أعظمه ... وآخر لي به شغل بانسان

стр. 146

ومن العقد لابن عبد ربه: قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت لعطاء بن [أبي] صيفي: إن أصبت زكرة مملوءة بالبقيع خمراً، ما كنت صانعاً بها؟ قال: كنت أعرضها في بني النجار، فإن لم تكن لهم فهي لك، ولكن أخبرني: الفريعة أكبر أم ثابت؟ قال: لا أدري، قال: فلم تساب الناس وأنت لا تدري هذا؟ وقد تزوجها قبل ثابت أربعة، كلهم يلقاها بمثل ذراع ألبكر، ثم يطلقها عن قلى؛ فيقال لها: لم تطلقين وأنت جميلة وحلوة؟ فتقول: يريدون الضيق ضيق الله عليهم"!. فاطمة بنت الأحجم الخزرجية من واجب الأدب: هي من بني النجار، شاعرة جاهلية، لها الأبيات التي أنشدها أبو تمام في حماسته:

стр. 147

قد كنت لي جبلا ألوذ بظله ... فتركتني أضحى بأجرد ضاح ?قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراز وكنت أنت جناحي فاليوم أخضع للذليل وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح قال: وكان لها إخوة سبعة، فاطلعت في بئر، فسقطت لها مدرى من فضة، فنزل أحدهم يخرجها، فأسن فمات. ومازال ذلك دأبهم واحداً بعد واحد إلى أن هلك السبعة. وفيهم تقول الأبيات التي أنشدها صاحب الأغاني: إخوتي لا تبعدوا أبدا ... وبلى والله قد بعدوا لو تملتهم عشيرتهم ... لاصطناع العرف أو ولدوا هان من بعد التذكر أو ... هان من وجدي الذي أجد

стр. 148

ملوك عرب الشام الغسانيين النسب في الأزد كما تقدم، وغسان ماء شربوا منه فعرفوا به؛ قال حسان بن ثابت: إما سألت فأنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والماء غسان وقد تقدم أنهم لما خرجوا من اليمن عند سيل العرم تفرقوا على البلاد. ومن تواريخ الأمم: "نزلت غسان من الأزد بادية الشام، والملك بها في سليح بن حلوان بن قضاعة وهم من قبل القياصرة، فضربت عليهم ملوك سليح وهم الضجاعمة الاتاوة. فلما أتى سبيط والي الجباية لأخذها من ثعلبة بن عمرو الغساني وأغلظ له، رفق به ثعلبة وكان حليماً، وقال له: هل لك فيمن يزيح عللك في الإتاوة؟ قال: نعم؛ قال: عليك بأخي جذع بن عمرو، وكان فاتكاً. فأتاه سبيط، وأغلظ له في المقال، فسل جذع سيفه، وضربه حتى برد، فقيل: "خذ من جذع ما أعطاك"،

стр. 149

وذهبت مثلا. ووقعت الحرب بين سليح وغسان، فأخرجت غسان سليحا من الشام، وصارت ملوكها". وكان أول ملوكهم: جفنة بن عامر مزيقيا الأزدي وقد تقدم ذكر أبيه في التبابعة ملوك اليمن ولم سمي مزيقيا. وقيل: إنه "سمي بذلك لأن الأزد تمزقت على عهده عند الخروج من اليمن بسبب سيل العرم". قال صاحب تواريخ الأمم: "وكان سيل العرم قبل الإسلام بأربعمائة سنة". قال: "ولما ملك جفنة بني جلق - وهي دمشق - وعدة مصانع، وكان ملكه خمسا وأربعين سنة وثلاثة أشهر". ثم ولي ابنه: عمرو بن جفنة وبني الأديار، ودان بالنصرانية، ثم ملك ابنه: ثعلبة بن عمرو وبنى المباني بالبلقاء، ثم ملك ابنه: الحارث بن ثعلبة

стр. 150

ثم ملك ابنه: جبلة بن الحارث وبنى القناطر، ثم ملك ابنه: الحارث بن جبلة وأمه مارية ذات القرطين بنت عمرو بن جفنة. وكان مسكنه بمعان، ثم ملك ابنه: المنذر بن الحارث ثم ملك أخوه: النعمان بن الحارث ثم ملك أخوه: جبلة بن الحارث ثم ملك أخوه: الأيهم بن الحارث وبنى أدياراً، ثم ملك أخوه: عمرو بن الحارث

стр. 151

وبنى مباني، ثم: جفنة بن المنذر الأكبر بن الحارث ابن مارية، وهو محرق، سموه بذلك لأنه حرق الحيرة، فعرف ولده بآل محرق. وكان جوالا في الآفاق. وملكه ثلاثون سنة. وملك بعده: النعمان الأصغر ابن المنذر الأكبر بن الحارث بن مارية. ثم: النعمان بن عمرو بن المنذر الذي بنى قصر السويداء، وقصر حارب عند صيداء. قال: وأبوه عمرو لم يكن ملكاً، وإنما كان يغزو بالجيوش، وفيه يقول النابغة الذبياني: لعمرو علينا نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب وذكر أباه فقال وقبر بصيداء الذي عند حارب ثم ملك ابنه:

стр. 152

جبلة بن النعمان وكان منزله بصفين، وهو صاحب عين أباغ، وكانت له الوقعة المشهورة على المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة، حتى ظهرت النجوم بالنهار من شدة العجاج، وقتل المنذر في ظهر اليوم. ويعرف أيضاً هذا اليوم بيوم حليمة، وهي بنت جبلة الملك، وفيه قيل: "ما يوم حليمة بسر". ثم ملك: النعمان بن الأيهم بن الحارث بن مارية ثم ملك: الحارث بن الأيهم ثم ملك ابنه: النعمان بن الحارث ثم ملك ابنه: المنذر بن النعمان ثم ملك أخوه: عمرو بن النعمان ثم ملك أخوه: حجر بن النعمان

стр. 153

ثم ملك ابنه: جبلة بن الحارث وهو ابن أبي شمر. ثم ملك أخوه: أبو كرب النعمان بن الحارث ولقبه قطام، وبكاه النابغة الذبياني بقوله: بكى حارث الجولان من فقد ربه ... وحوران منه خاشع متضائل وحارث: قصر كان له بالجولان، وحوران بلد في جهات دمشق ثم ملك: الأيهم بن جبلة بن الحارث وهو صاحب تدمر المدينة المشهورة بالشام والموقع الحرب بين جسر وعاملة. ثم ملك أخوه: المنذر بن جبلة

стр. 154

ثم ملك أخوه: إسرافيل بن جبلة ثم ملك أخوه: عمرو بن جبلة ثم ملك ابن أخيه: جبلة بن الحارث ثم ملك: جبلة بن الأيهم ابن جبلة بن الحارث بن مارية. قال: وهو آخر ملوك غسان بالشام، أسلم ثم تنصر". وهو باني مدينة جبلة على ساحل الشام. وذكر البيهقي أن طوله كان اثني عشر شبراً. وحكايته طويلة استوفاها ابن عبد ربه في العقد، واختصارها أنه لما أسلم ووفد على عمر بن الخطاب ﵁، طاف بالبيت، فوطئ فزاري على إزاره، فلطمه جبلة فهشم أنفه، فاستعدى عليه عمر، فقال: إما أن ترضيه وإلا أقدته.

стр. 155

فرغب منه أن يمهله إلى غد ذلك اليوم، فلما كان الليل فر بأصحابه إلى القسطنطينية وتنصر. وقال بعد ذلك: تنصرت الأشراف من أجل لطمة ... وما كان فيها لو صبرت لها ضرر تكنفني فيها لجاج ونخوة ... وبعت لها لعين الصحيحة بالعور فيا ليت أمي لم تلدني وليتني ... رجعت إلى الأمر الذي قاله عمر ويا ليتني أرعى المخاض بقفرة ... وكنت أسيراً في ربيعة أو مضر ولما جاء رسول عمر ﵁ إلى هرقل بالقسطنطينية اجتمع بجبلة - وهو في رفاهية عظيمة كما يكون الملوك، والجواري تغنيه بشعر حسان بن ثابت، وكان مداحا له في الجاهلية - فدعاه ذلك الرسول إلى الإسلام، فقال: إن كنت تضمن لي زواج بنت عمر، والأمر من بعده، رجعت إلى الإسلام. فضمن له التزويج ولم يضمن له الأمر ثم سأله عن حسان الشاعر، فأمر له بكسوة وجمال موقرة براً، وقال: إن وجدته حياً فادفع إليه الهدية، وإن وجدته ميتاً فادفع إلى أهله، وانحر الجمال على قبره.

стр. 156

فلما أخبر عمر بذلك، قال له: هلا ضمنت له الأمر، فإذا أفاء الله به إلى الإسلام قضى عليه بحكمه. وبعث عمر ﵁ إلى حسان، فأقبل وقد كف بصره، فقال: يا أمير المؤمنين، إني لأجد ريح آل جفنة عندك. قال: نعم، هذا رجل أقبل من عند جبلة. قال: هات ما بعث معك، فقال له: وما علمك بذلك؟ قال: إنه كريم من عصبة كرام، مدحته في الجاهلية فحلف ألا يلقى أحداً يعرفني إلا أهدى إلي شيئاً. فدفع إليه تلك الهدية، وأخبره بما حد له في الجمال، فقال: وددت أنك وجدتني ميتا، فنجرتها على قبري! ثم عاد الرسول، فأمره عمر أن يضمن له الأمر من بعده، فعندما دخل القسطنطينية وجد الناس منصرفين من جنازته. ومن عقبه البرجلوني أحد ملوك النصارى بالأندلس. قال صاحب تواريخ الأمم: "جميع ملوك بني جفنة من غسان اثنان وثلاثون ملكا، وملكهم ستمائة سنة وسنة". ومن الكمائم: هؤلاء الملوك كانوا لا يستقرون في مدينة يتوارثون فيها الملك مثل بني نصر بالحيرة. نزلوا في أول أمرهم بجلق، وأحيوا رسومها بعدما خرجت.

стр. 157

ودفن جفنة أول ملوكهم بالبريص، وهي قرية عند وادي الشقراء بظاهر دمشق. ولذلك يقول حسان فيهم: لله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلق في الزمان الأول أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل وبردى: نهر دمشق. قال: وبالبريص كان قصر ملكهم، ثم استحسنت الروم دمشق، فأخذتها منهم، وصارت متنزها لملوكهم. وأخرجتهم إلى عمان مدينة البلقاء، فتولوها، ونزلوا اليرموك من حوران، والجولان، وصيداء، وجبلة، وترددوا في هذه الأماكن إلى أن جاء الإسلام. وكان آخر ملوكهم جبلة، فانقرضت دولتهم، وصار كثير من فرسان غسان إلى بلاد الروم وتنصروا، وورث الأرض من العرب غيرهم، إلى أن استقر بها الآن العرب المعروفون بالأمراء من بني طيء.

стр. 158

خزاعة وأما خزاعة فإنها قبيلة مشهورة انخزعت عن غيرها من قبائل اليمن الذين تفرقوا أيدي سبا من سيل العرم، ونزلت ببطن مر على قرب من مكة، ثم حصلت لها سدنة البيت والرياسة. قال الحازمي: "خزاعة هو كعب بن عمرو بن ربيعة، وهو لحي بن حارثة بن عمرو" مزيقيا الأزدي. وقد تقدم عمرو مزيقيا في التبابعة. قال البيهقي: وقد اختلف في نسب خزاعة بين المعدية واليمانية، والأكثرون يقولون: إنها يمانية من الفرق التي خرجت من سيل العرم. وذكر المؤرخون أنه لما سارت قبائل اليمن في البلاد بعد سيل العرم أقام حارثة بن مزيقيا بمكة، فولي أمرها، وغلب على من كان فيها من جرهم والمعدية، ثم أخذه الرعاف فمات. وصار كل من يليها منهم لا يقيم إلا سبعة أيام ويموت بالرعاف. فهربوا إلى جهة المدينة، وتخزعت خزاعة، فأقامت ببطن مر من جهة مكة، وسميت خزاعة. وقال فيها عمرو بن أنيف الغساني:

стр. 159

ولما هبطنا بطن مر تخزعت ... خزاعة منا في بطون كراكير حمت كل واد من تهامة واعتلت ... بسمر القنا والمرهفات البواتر وأول من عظم بمكة من خزاعة، ورأس وأخذ مفتاح الكعبة واشتهر: عمرو بن لحي ابن حارثة بن مزيقيا الأزدي. هذا هو النسب المشهور عند اليمانية، ونساب المعدية تجعله منها لشرفه وسمو ذكره في الجاهلية، وتقول: إنه عمرو بن لحي بن قمعة بن إلياس بن مضر. وإن الرياسة وولاية البيت لم تزل في بني إسماعيل إلى أن انتهت إلى عمرو المذكور، فدانت له العرب، واتخذته رباً تمتثل كل ما أمرها به في أديانها. ومنهم من قال: إنه من ولد قنص بن معد، وإنهم عادوا إلى مكة فملكوها. واليمانية تذكر ما تقدم، وأنه ورث سلطنة مكة عن آبائه، وأنه من نسل مزيقيا المذكور في التبابعة. قال البيهقي: ولم يكن لخزاعة في ولاية البيت نصيب، إلى أن صار لعمرو بن لحي. وذلك أن خزاعة لما ملكوا مكة كان الشرط على أن يخلوا مفتاح البيت في أيدي بني

стр. 160

إسماعيل، وعاهدوهم على ذلك. فاستقر بنو إسماعيل على سدانة البيت، وخزاعة على ولاية الأمر. وكان بنو إياد قد بقيت منهم بقايا في مكة، فرغب المضريون إلى خزاعة أن يعينوهم على إخراجهم، فأخرجوهم، فعمدوا إلى الحجر الأسود، ودفنوه في الليل في موضع خفي حسداً لبني مضر؛ وبصرت به امرأة من خزاعة. وأصبح الناس من فقده في أمر عظيم؛ وجاءت المرأة فأعلمت بذلك عمراً، فجمع بني إسماعيل وخزاعة، وقال: يا بني إسماعيل، إن الله ملككم البيت وأمر الناس ما شاء، ثم نزعه منكم إلى ما يشاء، والأديام دول، والأحوال تحول، وإنما يأبي قضاء الله من فسد حسه. وقد أصبح الملك فينا، وولاية البيت كانت لكم بشرط عقدناه بيننا. وكان الحجر الأسود أعظم ما بمكة، وبه كمال الحج، فكيف ترون أمركم بعد فقده؟ فقالوا: ما لنا حياة بعده، وما بقي لنا منسك دونه! قال: فإن رده أحد عليكم، أتسندون له ولاية البيت؟ فقالوا: كيف لنا به وإياد قد حملته معها! قال: جاوبوني على ما قلت لكم؛ قالوا: نعم. فأحضر المرأة الخزاعية، ودلتهم على المكان الذي دفنوه فيه، فأخرجوه، وردوه إلى مكانه. وصارت حجابة البيت في يد عمرو وولده من بعده، ولم يبق لبني إسماعيل لا سلطنة ولا سدانة. قال البيهقي: وحين استوى لعمرو أمره بالملك والسدانة، قال في خاطره أن يغير دين بني إسماعيل، ويخرج من عنده دينا يتبع؛ وأعانه على ما أراده كثرة المال والكرم وعز القوم.

стр. 161

قال صاحب الروض الأنف: "قال رسول الله ﷺ : "قد عرفت أول من سيب السائبة ونصب النصب عمرو بن لحي وجدته يؤذي أهل النار بريح قصبه". قال: "وكان عمرو بن لحي حين غلبت خزاعة على الحرم قد جعلته العرب رباً لا يبتدع بدعة إلا اتخذوها شريعة، وربما كان ينحر في الموسم عشرة آلاف بدنة، ويكسو عشرة آلاف ثوب. وكان يلت السويق على صخرة اللات، ثم أمرهم بعبادتها، وأن يبنوا عليها بيتاً سموه اللات. ويقال: دام أمره وأمر ولده على هذا ثلاثمائة سنة".

стр. 162

"وذكر الأزرقي في أخبار مكة أن عمرو بن لحي فقأ أعين عشرين بعيراً، وكانوا من بلغت إبله ألفا فقأ عين بعير. وفيهم قيل: وكان شكر القوم عند المنن ... كي الصحيحات وفقء الأعين" "وكانت التلبية في عهد إبراهيم ﵇: اللهم لبيك لا شريك لك، حتى كان عمرو بن لحي، فبينما هو يلبي إذ تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه، فقال عمرو: لبيك لا شريك لك؛ فقال الشيخ: إلا شريكاً هو لك! فأنكر ذلك عمرو، فقال الشيخ: تملكه وما ملك؛ فإنه لا بأس بهذا! فقالها عمرو ودانت بها العرب". قال صاحب الكمائم: وتوالى الملك بمكة وحجابة البيت في ولد عمرو بن لحي، ثم قويت قريش، وصار كل رئيس له أمر أهل بيته، إلا أن مفتاح الكعبة كان في يد: أبي غبشان الخزاعي قال الأصفهاني في كتاب أفعل: "وما قولهم: "أحمق من أبي غبشان" فإنه رجل من خزاعة. ومن حديثه أن

стр. 163

خزاعة كانت لها سدانة البيت قبل قريش، وكان أبو غبشان يلي ذلك، فاتفق عليه أن اجتمع مع قصي بن كلاب في شرب بالطائف، فخدعه قصي عن مفاتيح الكعبة بأن أسكره، ثم اشترى المفاتيح منه بزق خمر وأشهد عليه، ودفع المفاتيح لابنه عبد الدار بن قصي، وطيره إلى مكة. فلما أشرف عبد الدار على دور مكة رفع عقيرته وقال: معاشر قريش، هذه مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل، قد ردها الله عليكم من غير غدر ولا ظلم. فأفاق أبو غبشان من سكرته أنجم من الكسعي، فقال الناس: "أحمق من أبي غبشان" و"أندم من أبي غبشان" و"أخسر صفقة من صفقة أبي غبشان". وأكثر الشعراء القول في ذلك، فقال بعضهم: باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزق خمر فبئست صفقة البادي باعت سدانتها بالنزر وانصرفت ... عن المقام وظل البيت والنادي وقال آخر: إذا افتخرت خزاعة في قديم ... وجدنا فخرها شرب الخمور

стр. 164

وبيعا كعبة الرحمن حمقاً ... بزق بئس مفتخر الفخور" ومن كتاب مروج الذهب: "إن قصي بن كلاب كان قد تزوج في خزاعة، فجعل أبو زوجته ولاية البيت لها، فجعلته لأبي غبشان الخزاعي، فباعه إلى قصي ببعير وزق خمر". قال البيهقي: وجمع قصي أشتات قريش، وظهر على خزاعة، وأخرجها من مكة إلى بطن مر، فسكنت هنالك إلى جهات المدينة، ثم أخنى عليها الذي أخنى على لبد، وتفرقت في البلاد. وشعراؤها في تاريخ الإسلام: مطرود بن سعد بن كعب الخزاعي فانه كان من شعراء الجاهلية، وأنشد له صاحب السيرة النبوية:

стр. 165

يا أيها الرجل المحول رحله ... هلا نزلت بال عبد مناف هبلتك أمك لو حللت بدارهم ... منعوك من خزي ومن إقراف المطعمون إذا النجوم تغورت ... والظاعنون لرحلة الايلاف

стр. 166

بارق وأما بارق فذكر النسابون أنهم ينتسبون إلى سعد بن عدي بن عمرو مزيقيا الأزدي، نزلوا جبلا بجانب اليمن يقال له بارق، فسموا به. ومن شعراء الجاهلية منهم: معقر بن حمار البارقي ذكره صاحب الأغاني، وأخبر أن اسمه سفيان، وأنه لقب بذلك لقوله كما نهدت للزوج حسناء عاقر. ومن مشهور هذه القصيدة: وحلت سليمى في هضاب وأيكة ... فليس عليها بعد ذلك قادر وألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عيناً بالاياب المسافر قال: "وحضر يوم جبلة وهو شيخ كبير أعمى".

стр. 167

دوس وأما دوس فهو ابن عدثان بن عبد الله بن وهزان بن كعب بن الحارث بن كعب بن مالك بن نصر بن الأزد، سكنوا إحدى السروات المطلة على تهامة، وكانت لهم دولة بالعراق. وأصل خبرها - على ما ذكر صاحب تواريخ الأمم: "أن مالك بن فهم بن غنم بن دوس سار في جمهور من الأزد، ومالك بن تيم الله بن أسد بن وبره بن تغلب بن حلوان بن إلحاف بن قضاعة [في جمهور من قضاعة] ، فتنخوا - أي أقاموا - بالبحرين، وتحالفوا على من سواهم، فقيل لهم: تنوخ، وكان ذلك في مدة ملوك الطوائف. فسارت الأزد إلى العراق مع مالك بن فهم الدوسي؛ وسارت قضاعة إلى الشام، فصار الملك بالشام في سليح القضاعيين إلى أن غلب عليهم الغسانيون. وتملك على تنوخ بالعراق مالك بن فهم، وحل بالأنبار". وقال مسكويه: أما تنوخ فهم قبائل كانوا يسكنون بالمظال وبيوت الشعر والوبر في غربي الفرات ما بين الحيرة والأنبار، وأبوا الإقامة في مملكة أردشير بن بابك ملك الفرس، فخرجوا إلى الشام. وأول ملوك الدوسيين بالعراق:

стр. 168

مالك بن فهم ابن غنم بن دوس. ذكر صاحب تواريخ الأمم: أنه ملك بالأنبار وريف العراق في مدة ملوك الطوائف، وكان قد أغري بأن يعلم ولده سليمة الرمي إلى أن برع في الرماية، فاتفق أن رمى سليمة بالليل، فوقع السهم في أبيه مالك وهو لا يدري، فلما علم مالك أن ابنه رماه قال: جزاني لا جزاه الله خيراً ... سليمة إنه شراً جزاني أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني ومات في أثر ذلك، وهرب سليمة إلى عمان، فعقبه بها. وأخذ الملك بعد مالك جذيمة الأبرش، فبعضهم يقول: جذيمة بن مالك هذا، وبعضهم يقول: إنه من وبار من العرب البائدة، وقد تقدم ذكره فيها. وقد قيل: إن الذي ورث ملك مالك بن فهم بالعراق ابنه:

стр. 169

جهضم بن مالك قالوا: وإليه تنسب الجهاضمة رهط أبي حمزة الخارجي المختار. قال الحازمي: "والجهاضم أثنتا عشرة فخذاً" منها الفراهيد رهط الخليل بن أحمد، وثمالة رهط المبرد. وقيل: إنهم ينتسبون إلى جهضم بن جذيمة الأبرش؛ وقيل: لم يعقب جذيمة، ولذلك ورث ملكه بالعراق ابن أخته عمرو بن عدي بن نصر اللخمي. العيتك وغافق وأما العيتك وغافق من الأزد فأعلامهم مذكورة في تاريخ الإسلام شرقاً وغرباً.

стр. 170

بنو نصر بن الأزد ومن بني نصر بن الأزد: بنو الجلندا الذين توارثوا ملك عمان إلى وقت النبي ﷺ . وقد ذكر البيهقي أن الجلندا لقب كل ملك منهم، ومنهم الجلندا الذي كان "يأخذ كل سفينة غصباً". وكان ملك عمان في أول الإسلام إلى حبقر وعبد ابني الجلندا، وأسلما مع أهل عمان على يدي عمرو بن العاص؛ ثم ارتدت العرب بعد موت النبي صلى الله عليم وسلم، فارتدت الأزد بعمان وعليها حينئذ لقيط بن مالك الأزدي ذو التاج، ووجه إليه أبو بكر جيشاً قتله، وردهم إلى الإسلام.

стр. 171

تاريخ طيء وهي الرحى الجليلة التي نزلت حين خرجت من اليمن بعد سيل العرم على بني أسد، فحاربتها إلى أن اصطلحتا على الجوار، فحلت طيء بجبلي أجأ وسلمى من نجد الحجاز إلى اليوم، وانتشرت في الأقطار؛ ولها اليوم دولة العرب بالحجاز والشام. قالوا: وطيء وهو أدد بن زيد بن كهلان. قال البيهقي: طيء كثيرة الكرماء والسادة، وكانت الرياسة في الجاهلية في بني تيم الذين يقول فيهم امرؤ القيس بن حجر ملك كندة حين استجار بهم: أقر حشا امرئ القيس بن حجر ... بنو تيم مصابيح الظلام وكان ملكهم المعلى الذي يقول فيه من هذه الأبيات: فما ملك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا الملك الشآمي وذكر البيهقي: من بلاد طيء المشهورة في طريق الحجاج: سميرا وفيد؛ ونحن نذكر أعلامهم المشهورين في الجاهلية على ما بني عليه شرط هذا الكتاب.

стр. 172

حاتم بن عبد الله بن سعد ابن الحشرج بن أخزم بن امرئ القيس بن عدي بن ربيعة بن جرول بن ثعل. وثعل من أكبر قبائل طيء، ينتسبون إلى ثعل بن عمرو بن عدي بن طيء، وهم مشهورون بالرماية. وشهرة حاتم بالجود أجل من أن ينبه عليها، وقد اختصرت ترجمته في الأغاني. "كان حاتم من شعراء الجاهلية، جواداً يشبه جوده شعره، ويصدق قوله فعله. وكان حيثما نزل عرف منزله، وكان مظفراً، إذا قاتل غلب، وإذا غنم أنهب، وإذا ضرب بالقداح فاز، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق. وكان أقسم بالله ألا يقتل واحد أمه؛ وكان إذا أهل رجب - والعرب تعظمه في الجاهلية - نحر في كل يوم عشراً من الإبل، وأطعم الناس، واجتمعوا إليه. وكان ممن يقصده من الشعراء: الحطيئة وبشر بن أبي خازم". "وكان قد تزوج ماوية بنت عفزر، وكانت تعذله على إتلاف المال وتلومه"، فلا يقبل منها. وكان لها ابن عم يقال له: مالك، فقال له يوماً: ما تصنعين بحاتم؟ فوالله لئن وجد مالا ليتلفنه، ولئن لم يجد ليتكلفن له، ولئن مات ليتركن ولدك عيالا على قومك!

стр. 173

قالت: صدقت، إنه لكذلك - وكان النساء [أو بعضهن] يطلقن الرجال في الجاهلية، وعلامة الطلاق أن تحول بيتها إلى الجهة الأخرى - ووعدها أن يتزوجها وله المال الكثير. فأتى حاتم وقد حولت باب الخباء، فقال لولده: يا عدي، أما ترى أمك عدا عليها فلان! ثم هبطا بطن واد، ونزلا فيه. وجاء قوم فنزلوا على باب الخباء كما كانوا ينزلون، فاجتمعوا خمسين رجلا؛ فضاقت بهم ماوية ذرعاً، وقالت لجاريتها: اذهبي إلى مالك، فقولي له: إن أضيافا لحاتم قد نزلوا بنا وهم خمسون رجلا، فأرسل إلينا بلحم نقريهم ولبن نسقيهم؛ وقالت لجاريتها: انظري إلى جبينه وفمه، فإن شافهك بالمعروف فاقبلي منه، وإن هز بلحيته على زوره وأدخل يده في رأسه، فأقبلي ودعيه. ففعل ما قدرته فيه من اللؤم، وقال: قولي لها هذا الذي أمرتك أن تطلقي حاتما فيه، وما عندي ما يكفي هؤلاء. فرجعت وأخبرت سيدتها، فقالت: اذهبي إلى حاتم. فعندما عرفته بمكان الأضياف، قام إلى الإبل فأطلق ثنيتين من عقاليهما، ثم صاح بهما حتى أتيا الخباء، ثم ضرب عراقيبهما، فطفقت ماوية تصيح: هذا الذي طلقتك من أجله، تترك أولادك وليس لهم شيء".

стр. 174

وقيل لماوية: "حدثينا ببعض عجائب حاتم، فقالت: كان كل أمره عجباً: أصابت الناس سنة أذهبت الخف والظلف، فإني وإياه ليلة وقد أسهرنا الجوع، فأخذ عدياً، و [أخذت] بنته سفانة نعللهما حتى ناما، فأقبل علي يحدثني ويعللني حتى أنام، فأمسكت عن كلامه لينام، فقال: نمت؟ فلم أجبه، فسكت. ثم نظر في فتق الخباء فإذا شيء من أقبل، فرفع رأسه فإذا امرأة، فقال لها: من هذا؟ قالت: يا أبا سفانة أتيتك من عند صبية يتعاوون كالذئاب جوعا، فقال: أحضري صبيانك، فوالله لأشبعنهم! قالت: فقمت سريعاً فقلت: بماذا يا حاتم؟ فوالله ما نام صبيانك من الجوع إلا بالتعلل! فقال: والله لأشبعن صبيانك مع صبيانها. ثم قام إلى فرسه فذبحها، ثم قدح ناراً وأججها ثم دفع لها شفرة، وقال لها: اشوي وكلي. ثم قال لي: أيقظي صبيانك، ثم قال: والله إن هذا للؤم، تأكلون وأهل الصرم حالهم مثل حالكم! فجعل يأتي القوم بيتاً بيتاً، فيقول: انهضوا عليكم بالنار. قال: فاجتمعوا حول تلك الفرس، وتقنع بكسائه وجلس ناحية، فما أصبحوا وعلى الأرض منها قليل أو كثير إلا عظم أو حافر، وإنه لأشد جوعاً منهم وما ذاقه".

стр. 175

ومن مشهور شعره قوله: أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر وقد علم الأقوام لو أن حاتماً ... يريد ثراء المال كان له وفر أماوي إن يصبح صادي بقفرة ... من الأرض لا مال لدي ولا خمر تري أن ما أبقيت لم أك ربه ... وأن يدي مما بخلت به صفر قال البيهقي: أعجب ما في جود حاتم أنه أطعم أضيافه وهو ميت؛ ولذلك قال أحد شعراء طيء: ومنا الذي قد جاد حياً بنفسه ... وجاد على أضيافه وهو في القبر وذلك أن قوماً من العرب باتوا على قبره، وفيهم رجل يقال له: أبو الخيبري، فجعل يقول: يا حاتم، أضيافك الليلة جياع! فلما ناموا رأى أبو الخيبري في نومه حاتماً

стр. 176

قد قام من قبره بسيفه ونحر ناقته، فقام مذعوراً، فوجد الناقة منحورة لأكلها. فلما أصبحوا جاء عدي بن حاتم بناقة بدلها لأبي الخيبري، وعرف أنه رأى أباه في النوم، وأمره بذلك. وأنشد أبو تمام لحاتم: وما أنا بالساعي بفضل زمامها ... لتشرب ماء الحوض قبل الركائب وما أنا بالطاوي حقيبة رحلها ... لأبعثها خفاً وأترك صاحبي إذا كنت رباً للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفها غير راكب وقوله: وإني لأستحيي رفيقي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا وإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا

стр. 177

وقوله: متى ما يجئ يوماً إلى المال وارثي ... يجد جمع كف غير ملأى ولا صفر يجد فرساً ملء العنان وصارماً ... حساماً إذا ما هز لم يرض بالهبر وأسمر خطياً كأن كعوبة ... نوى القسب قد ألقى ذراعاً على عشر وقوله: أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحل جديب

стр. 178

وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب أبوه عبد الله بن سعد من واجب الأدب أنه كان فارساً كريماً سيداً في قومه شاعراً. وله تنسب الأبيات التي أنشدها أبو تمام في حماسته لعنترة الطائي: أطل حمل الشناءة لي ودعني ... وعش ما شئت فانظر من تضير فما بيديك نفع أرتجية ... وغير صدودك الخطب الكبير إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور وكيف تعيب من تمسي فقيراً ... إليه حين تخز بك الأمور ألم تر أن شعري سار عني ... وشعرك حول بيتك يستدير

стр. 179

وأمه عنبة أم حاتم من واجب الأدب: كانت نهاية في الجود، وأسرفت حتى لم تبق شيئاً، فقال قومها: لو سلبناها مالها فقاست الفقر لرجعت! فلما فعلوا ذلك ثم ردوا إليها مالها - وقد ظنوا أنها تصير أبخل خلق الله لما كابدته من الحاجة - أنهبته، وأفرطت في الإحسان به، وقالت: لعمري لقدماً عضني الجوع عضة ... فاليت ألا أمنع الدهر جائعا فقولا لهذا اللائمي اليوم أعفني ... وإن أنت لم تسطع فعض الأصابعا وهل ما ترون اليوم إلا طبيعة ... وكيف بتركي يا ابن أم الطبائعا! أوس بن حارثة بن لأم من بني ثعلبة بن جدعان بن طيء، وكان يضارع حاتماً في الكرم والرياسة. ومن العقد أنه "كان سيد وطيء". وهو ابن سعدي الذي عناه جرير بقوله لعمر بن عبد العزيز:

стр. 180

وما كعب بن مامة وابن سعدي ... بأجود منك يا عمر الجوادا ومن واجب الأدب: كان سيد قومه، ونشر الله عقبه، فمنهم بنو لأم الذين هم الآن مشهورون في بلاد طيء، وإن كان فيهم من أولاد حارثة بن لأم من خرج عن عقبة، فإنهم قليل والأغلب ولده. وكان بينه وبين حاتم على الاشتراك في الرياسة والمنافسة ألطف ما يكون بين اثنين، فتحدث في ذلك جلساء النعمان بن المنذر، وأظهروا التعجب منه. فقال النعمان: والله لأفسدن بينهما! قالوا: لا تقدر على ذلك؛ قال: قلما جرت الرجال في شيء إلا بلغته. فدخل عليه أوس، فقال: يا أوس، ما الذي يقول حاتم؟ قال: وما يقول؟ قال: يزعم أنه أفضل منك وأشرف. قال: صدق أبيت اللعن، لو كنت أنا وأهلي وولدي لأنهبنا حاتم في مجلس واحد! ثم خرج وهو يقول: يقول لي النعمان لا من نصيحة ... أرى حاتماً في فعله متطاولا له فوقنا باع كما قال حاتم ... وما النصح فيما بيننا كان حاولا ثم دخل حاتم على النعمان، فقال له مثل ذلك، فقال: صدق، وأين أقع منه، وله عشرة ذكور [أخسهم] أفضل مني؟ ثم خرج، وهو يقول
следующие страницы →