← История

История · id 28174

نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب

ابن سعيد المغربي

Полный текст (734 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وما ذرفت عيناك إلا لتقدحي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل وبيضة خدر لا يرام خباؤها ... تمتعت من لهوبها غير معجل خرجت بها تمشي تجر وراءنا ... على أثرينا ذيل مرط مرحل إذا التفتت نحوي تضوع نشرها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل كبكر مقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل تصد وتبدي عن أسيل وتتقي ... بناظرة من وحش وجرة مطفل

стр. 212

ويضحي فتيت المسك فوق فراشها ... نؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل وهذا من باب التتبيع، وهو أول من نطق به، فإنهم كانوا يقولون: طويلة الجيد، فقال: بعيدة مهوى القرط، كما أنهم كانوا يقولون عن الفرس: يسبق الظليم؛ فقال: قيد الأوابد. ومن فرائده قوله: وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل مكر مفر مقبل مدبر معاً ... كجلمود صخر حطه السيل من عل له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تنفل ورحنا وراح الظرف ينفض رأسه ... متى ما ترق العين فيه تسهل كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل

стр. 213

ومما حاز فيه غاية الإحسان في وصف الفرس قوله: على هيكل يعطيك قبل سؤاله ... أفانين جرى غير كز ولا وان وهذا من بديع الوحي والإشارة. قال أبو هفان: لم يقل في الثقة بالصيد كقول امرئ القيس: إذا ما ركبنا قال ولدان أهلنا ... تعالوا إلى أن تأتي النار نحطب وذكر صاحب تواريخ الأمم أن الملك في كندة بعدهم صار في بني جبلة بن عدي بن ربيعة معاوية الأكرمين، واشتهر في الملك منهم: معدي كرب بن جبلة وقد مدحه أعشى بكر. ثم ملك بعده ابنه: قيس بن معدي كرب وعلى عهده قام الإسلام بمكة، وولده الأشعث بن قيس مذكور في الصحابة.

стр. 214

مراد وأما مراد من قبائل كهلان فبلادها إلى جانب زبيد من جبال اليمن، ولها أعلام مشهورون في الإسلام. أنمار ومن قبائل كهلان على ما فيها من الاختلاف: "أنمار بن إراش بن عمرو بن الغوث بن بنت بن مالك بن زيد بن كهلان. وقيل: أنمار هو ابن نزار بن معد". ولأنمار فرعان مشهوران: خثعم بن أنمار، و بجيلة بن أنمار، وبلادهم سروات اليمن وتبالة إلى الآن. خثعم فأما خثعم فمنها في الجاهلية: نفيل بن حبيب دليل الحبشة أصحاب الفيل إلى الكعبة بغير اختيار. ولما رمى الله عليهم الطير الأبابيل، وضلوا الطريق، جعلوا يسألون عنه وقد هرب منهم، فقال: وكل القوم يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا بجيلة وأما بجيلة فهي رهط جرير بن عبد الله صاحب رسول الله ﷺ .

стр. 215

من له ذكر في هذا الكتاب من سبأ بن يشجب بن يعرب من غير فرعي حمير وكهلان

стр. 216

قال ابن قتيبة في المعارف، والبيهقي في الكمائم: إن من ولده عمرو بن سبأ، والأشعر بن سبأ، وأنمار بن سبأ. تاريخ لخم ابن عدي بن عمرو بن سبأ. منهم بنو نمارة بن لخم جند الزباء ملكة عرب مشارق الشام، ومنهم بنو الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم رهط تميم بن أوس الداري صاحب رسول الله ﷺ . ومنهم: بنو نصر ملوك الحيرة عمرو بن عدي بن نصر اللخمي وأولهم عمرو بن عدي بن نصر اللخمي. ذكر صاحب تواريخ الأمم أنه ملك بعد خاله جذيمة الأبرش الدوسي مائة [وثمانيا] وعشرين سنة، وقيل: ثمان عشرة. منها في زمان ملوك طوائف العراق خمس وتسعون سنة، وفي زمان ملوك بني ساسان ثلاث وعشرون سنة. وكان سبب رجوع الملك في لخم بعدما كان في دوس بريف العراق أن جذيمة الأبرش كان له ساق يقال له: عدي بن نصر، وكان من أحسن شباب أهل زمانه، فعشقته

стр. 217

أخته رقاش. فلما وجد نشوة من جذيمة ورضي عنه، سأله أن يزوجه بها، فأنعم له فواقعها من حينه. ثم أفكر في عاقبة ذلك، فهرب. وعلقت منه رقاش بعمرو، فنشأ من أحسن أهل زمانه؛ فيقال: إن الجن استهوته، وصار في البرية في صورة المتوحشين. فمر يوماً بمالك وعقيل فجلس إليهما، فناولاه شيئاً من الطعام، فطلب أكثر منه، فقالت له جاريتهما أم عمرو: "أعطي العبد كراعاً فطلب ذراعاً". ثم لما شربا أجازت عنه الكأس، فقال: أجزت الكأس عنا أم عمرو ... وكان الكأس مجراها اليمينا وما شر الثلاثة أم عمرو=بصاحبك الذي لا تصبحينا فعلما أن له شأناً، فسألاه عن نفسه فعرفهما، فاستبشرا به وأكرماه، ثم حملاه إلى خالة جذيمة وكان قد فارقه صغيراً، فسيق له ثوب كان يلبسه، فضاق طوقه عنه، فقال: "شب عمرو عن الطوق"؛ ثم اعتكف خاله على حبه وآثره، ولم يكن له ولد ذكر فتبناه، وجعل له الملك بعده.

стр. 218

وذكر أبو عبيدة في الأمثال أن جذيمة الأبرش نزل منزلا، وأمر أن يجني له أناس الكمأة، فكان بعضهم إذا وجد منها شيئاً يعجبه ربما آثر نفسه على جذيمة، وكان عمرو بن عدي يأتيه بخير ما يجده، ويقول: "هذا جناي وخياره فيه ... إذ كل جان يده إلى فيه" وقد تقدم في تاريخ الزباء كيف قتلها عمرو وأخذ ثأر خاله جذيمة، وورث ملكه بعده. قال صاحب تواريخ الأمم: "إن الحيرة والأنبار بالعراق بنيتا في زمان بختنصر، فخربت الحيرة بتحول أهلها عند هلاك بختنصر إلى الأنبار، وعمرت الأنبار خمسمائة وخمسين سنة إلى أن بدأت الحيرة في العمارة أيام ملك عمرو بن عدي باتخاذه إياها منزلا، فعمرت الخيرة خمسمائة وبضعا وعشرين سنة إلى أن وضعت الكوفة وبناها عرب الإسلام. ولما مات عمرو بن عدي ملك بعده ابنه: امرؤ القيس بن عمرو مائة وأربع عشرة سنة: في زمن سابور بن أردشير، وزمن هرمز بن سابور، وزمن بهرام بن هرمز، وبهرام بن بهرام، وبهرام بن بهرام بن بهرام وفي زمن نرسي بن بهرام بن بهرام، وفي زمن هرمز بن نرسي، وفي زمن سابور ذي الأكتاف عشرين

стр. 219

سنة وخمسة أشهر. وكل هؤلاء الملوك قطعهم بحياته وملكه. ثم ملك بعده ابنه: عمرو بن امرئ القيس ثلاثين سنة: في زمن سابور ذي الأكتاف، وأردشير بن سابور؛ واستخلف بعد موته أردشير من غير بيته أوس بن قلام العمليقي خمس سنين، ثم عاد الملك إلى بيته، فتولى الحيرة والعرب: امرؤ القيس بن عمرو بن امرئ القيس ويقال له: محرق الأول، وإياه عنى الأسود بن يعفر الإيادي: ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد وكان بنو فاران - وهم من عمالقة الحيرة - قد ثاروا بأوس بن قلام فقتلوه، وعاد الملك إلى بني نصر، وقام منهم امرؤ القيس المذكور. وهو أول من عاقب بالنار، ولذلك قيل له: محرق. وكان ملكه خمساً وعشرين سنة في زمن أردشير بن سابور، وزمن سابور بن سابور، وزمن بهرام بن سابور، وزمن يزدجرد بن سابور.

стр. 220

ولما مات ولي مكانه ابنه: النعمان بن امرئ القيس وهو ابن الشقيقة؛ قال الطبري: "هي شقيقة بنت أبي ربيعة بن ذهل بن شيبان، وهو فارس حليمة، وصاحب الخورنق. وكان سبب بناء الخورنق أن يزدجرد الأثيم بن بهرام كان لا يبقى له ولد، فسأل عن منزل بريء صحيح من الأدواء والأسقام، فدل على ظهر الحيرة، فدفع ابنه بهرام جور إلى النعمان هذا، وأمره ببناء الخورنق مسكناً له، وأنزله إياه. وكان بانيه سنمار، فلما فرغ منه تعجبوا من بنائه وإتقان عمله، فقال: لو علمت أنكم توفوني أجري، وتصنعون بي ما أنا أهله [لبنيته] بناء يدور مع الشمس حيث دارت! فقالوا: فانك لتقدر على أن تبني ما هو أفضل منه ثم لم تبنه! فأمر به النعمان، فطرح من رأس الخورنق، فهلك. وفي ذلك قال أبو الطمحان القيني: جزاء سنمار جزاها وربها ... [وباللات والعزى جزاء المكفر]

стр. 221

قال الطبري: "وكان النعمان هذا قد غزا الشام مراراً، وأكثر المصائب في أهلها، وسبى وغنم؛ وكان من أشد الملوك نكاية في عدوه، وأبعدهم مغاراً فيهم. وكان ملك الفرس قد جعل معه كتيبتين يقال لإحداهما: دوسر، وهي لتنوخ؛ وللأخرى: الشهباء، وهي لفارس، فكان يغزو بهما بلاد الشام، ومن لم يدن له من العرب". وذكروا "أنه جلس يوماً في مجلسه من الخورنق، فأشرف على النجف وما يليه من البساتين والنخل والجنان والأنهار مما يلي المغرب، وعلى الفرات مما يلي المشرق، وهو على متن النجف في يوم من أيام الربيع، فأعجبه ما رأى، فقال لوزيره: هل رأيت مثل هذا المنظر! فقال: لا، لو كان يدوم! قال: فما الذي يدوم؟ قال: ما عند الله في الآخرة! قال: فبم ينال ذلك؟ قال: بترك الدنيا وعبادة الله. فترك مكله من ليلته، ولبس المسوح، وخرج مستخفياً هارباً لا يعلم به، وأصبح الناس لا يعلمون بحاله إلى أن علموه. وفي ذلك يقول عدي بن زيد العبادي: وتبين رب الخورنق إذ أش ... رف يوماً وللهدى تبصير سره حاله وكثرة ما يم ... لك والبحر معرض والسدير

стр. 222

فارعوى قلبه وقال: وما غب ... طة حي إلى الممات يصير؟ " قال صاحب تواريخ الأمم: كان ملكه إلى أن ساح في الأرض ثلاثين سنة. ويقال له: السائح الأعور، وهو باني الخورنق والسدير في جهة الحيرة على مياه الفرات. وملك بعده ابنه: المنذر بن النعمان وهو الذي دفع إليه يزدجرد ابنه بهرام فرباه عنده، وسعى له في الملك، حتى ملك على ما تقدم في تاريخ الفرس. قال صاحب تواريخ الأمم: كان ملكه أربعاً وأربعين سنة في زمن يزدجرد، وبهرام جور، ويزدجرد بن بهرام، وفيروز بن يزدجرد. وملك بعده ابنه: الأسود بن المنذر عشرين سنة في زمن فيروز، وبلاش بن فيروز، وقباذ بن فيروز. ثم ولي بعده آخر: المنذر بن المنذر سبع سنين في زمن قباذ بن فيروز. ثم ملك بعده ابن أخيه:

стр. 223

النعمان بن الأسود أربع سنين في زمن قباذ. ثم ملك بعده من غير بيت الملك: أبو يعفر بن علقمة الذميلي وذميل: بطن من لخم؛ ملك ثلاث سنين في زمن قباذ، ثم ملك بعده من بيت الملك: امرؤ القيس بن النعمان الأعور السائح قال صاحب تواريخ الأمم: "وهو الذي غزا بكراً يوم أوارة، وكانوا أنصار بني آكل المرار ملوك كندة، فهزمهم. وهو أيضاً باني الحصن الذي بناه سنمار الرومي، وقتله حين فرغ منه. وملك سبع عشرة سنة في زمن قباذ". وملك بعده ابنه: المنذر بن امرئ القيس وهو الذي يقال له: المنذر بن ماء السماء؛ وهي أمه مارية بنت ربيعة أخت كليب ومهلهل، سميت بذلك لجمالها. قال: ويقال له ذو القرنين، وكان ملكه تسعاً وأربعين سنة في زمن قباذ وزمن أنوشروان بن قباذ. وقتله الحارث الأعرج، وهو الحارث الوهاب الجفني،

стр. 224

يوم عين أباغ، وهو الذي قيل فيه: "ما يوم حليمة بسر"، ظهرت فيه الكواكب في الظهر. وفي معارف ابن قتيبة أن "الذي قتله الحارث الأعرج في يوم حليمة هو المنذر بن امرئ القيس، وكان يوم أباغ بعد يوم حليمة؛ والمقتول في يوم أباغ هو المنذر بن المنذر، خرج يطلب بدم أبيه، فقتله الحارث الأعرج أيضاً". قال: "وقد قيل: إن قاتله مرة بن كلثوم أخو عمرو بن كلثوم سيد تغلب". وطلب قباذ ملك الفرس المنذر بن امرئ القيس بما دان به من دين مزدك من إباحة النساء والاشتراك فيهن، فأبى ذلك، ولم تساعده عليه غيرة العرب، وهرب من الحيرة، ونزل على بني كلب. وملك قباذ على الحيرة بذلك الشرط الحارث بن عمرو ملك كندة؛ وقد تقدم ذكره في تاريخهم. قال الأصفهاني: وليس بمعدود في ملوك الحيرة لأنه لم ينزلها وإنما كان جوالا في بلاد العرب. ولما استقل أنوشروان بالملك، وقتل المزدكية، رد المنذر بن امرئ القيس إلى ملكه بالحيرة. وقتله الحارث بن أبي شمر الغساني قبل مولد النبي ﵇ بنحو أربعين سنة.

стр. 225

وملك بعده ابنه: عمرو بن هند نسب إلى أمه لاشتهارها، وهي عمة امرئ القيس بن حجر الشاعر؛ لأنها بنت الحارث بن عمرو المذكور. ولدت للمنذر من ماء السماء: عمراً، وقابوساً، والمنذر. وعمرو بن هند هو مضرط الحجارة لشدته، وهو محرق الثاني، وهو الذي فتك به عمرو بن كلثوم فقتله. وعمرو بن هند هو الذي حرق بني تميم بالنار: وكان نبو دارم قد قتلوا أخاه أسعد بن المنذر، فحلف أن يقتل منهم مائة بالنار، فهجم عليهم يوم أوارة الثاني، وحمل له تسعة وتسعون فرماهم في النار، فعلا لهبها ودخانها، فرأى ذلك أحد البراجم، فظن أنها قرى، فأقبل إليها، فجيء به إلى عمرو فقال له: من تكون؟ فانتسب له، فقال عمرو: "إن الشقي وافد البراجم"، ثم تمم به المائة، ورمى به في النار. وكان ملك عمرو بن هند ست عشرة سنة في زمان أنو شروان، وكان يضرب المثل بجوره حتى قال أحد شعراء العرب:

стр. 226

فآليت لا آتي السدير وأهله ... ولو جاء منه بالحياة بشير به البق والحمى وكل مصيبة ... وعمرو بن هند يعتدي ويجور وملك بعده أبوه: قابوس بن المنذر وكان أهوج، له يوم بؤس ويوم نعيم، وفيه يقول طرفة: لعمرك إن قابوس بن عمرو ... ليخلط ملكه نوك كثير لنا يوم وللكروان يوم ... تطير البائسات ولا نطير فأما يومهن فيوم شر ... يصيدهن بالحدب الصقور وأما يومنا فنظل ركباً ... حيارى لا نعود ولا نسير

стр. 227

قال صاحب تواريخ الأمم: "ملك أربع سنين في زمن أنوشروان وقد ولد النبي صلى الله عليه، وكان في قابوس لين، فسموه: قنية العرس. ويقال: إنه كان ضعيفاً مهينا، فقتله رجل من يشكر". وولى أنوشروان على الحيرة فتشهرب الفارسي سنة، ثم ملك أخوه: المنذر بن المنذر أربع سنين في زمن أنوشروان (وابنه هرمز) ، وخرج إلى جهة الشام طالباً بدم أبيه، فقتله الحارث بن أبي شمر الغساني قاتل أبيه. وملك بعده ابنه: النعمان بن المنذر أبو قابوس "وهو قاتل عبيد بن الأبرص الشاعر يوم بؤسه، وقاتل عدي بن زيد العبادي، وصاحب النابغة الذبياني وله فيه الأمداح الجليلة والاعتذارات، وهو غازي قرقيسياء، وباني الغريين وهما طربالان كان يغريهما بدم من يقتله في يوم بؤسه. وكان هو وآباؤه يعبدون الأوثان على مذهب العرب، فاتفق أن خرج يوماً متنزها ومعه عدي بن زيد العبادي، فوقف بظهر الحيرة

стр. 228

على مقابر، فقال له عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول؟ قال: لا؛ قال: فإنها تقول: أيها الركب المخبو ... ن على الأرض المجدون مثل ما أنتم سنبلى ... وكما نحن تكونون فقال: أعد، فقال: إنها تقول: رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا لعب الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال فارعوى وتنصر من حينئذ. وكان ملكه اثنتين وعشرين سنة في زمن هرمز وزمن أبرويز بن هرمز". قال صاحب تواريخ الأمم: "وقتله أبرويز، فانقطع الملك في لخم، وبسبب قتله وقعت حرب ذي قار" بين الفرس والعرب. وذكر الطبري: أن المنذر أبا النعمان كان قد ترك عشرة أولاد ذكور يقال لهم: الأشاهب، من حسنهم. وكان النعمان

стр. 229

من بينهم قصيراً أحمر أبرش، وأمه بنت صائغ من فدك؛ وكان أبوه قد جعله في حجر عدي بن زيد. ولما مات المنذر جعل أبرويز ملك الفرس على أمره وولده إياس بن قبيصة الطائي، وجعل يختبر أولاد النعمان، ويقال إنهم كانوا ثلاثة عشر، فخلا عدي بن زيد بكل واحد منهم وجعل يقول له: إذا سألك كسرى وقال لك: أتكفيني أمر العرب؟ فقل: نعم إلا النعمان! وقال للنعمان: إن سألك عن إخوتك فقل: إن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز؛ فكان ذلك سبب ولاية النعمان. وكان عدي بن مرينا الشاعر يريد ولاية أخيه الأسود بن المنذر، فاتفق معه في الباطن على السعي في هلاك عدي بن زيد، وأخذ ابن مرينا في إلطاف النعمان بالهدايا والتحف - وكان كثير الأموال، وكان عدي بن زيد غائباً عن النعمان بباب أبرويز يرسم النيابة لملك العرب والترجمة على عادتهم في ذلك. فجعل ابن مرينا إذا جرى ذكر عدي بن زيد أثنى عليه، ووضع من يقول إثر ذلك: إلا أنه يمن على الملك ويقول: لولاي ما ملك! ويتبعون ذلك بما يملأ قلب النعمان عليه، إلى أن وضعوا عليه كتاباً بما يسوء النعمان، وعرضوا حامله لأن يعثر عليه، فحمل للنعمان، فلم يملك النعمان حلمه، وأرسل إلى عدي بن زيد يستعجله ويستزيره؛ فلما وصل إليه حبسه، وجعل عدي يخاطبه بالأشعار المشهورة التي منها:

стр. 230

أبلغ النعمان عني مألكاً ... أنه قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري ولما طال حبسه كتب إلى أخيه أبي زيد شعراً، وكان نائبه بباب أبرويز، فكتب أبرويز إلى النعمان في إطلاقه، وأرسل رسولاً بكتابه، فنم بذلك أعداؤه إلى النعمان وقالوا له: بادر بقتله قبل أن يصل إليك الكتاب، فيخرج على غير اختيارك، ويسعى في هلاك الجميع! فبادر النعمان بأن بعث إليه من قتله. فلما وصل الرسول، ودفع إليه الكتاب، أمر بإطلاقه، وأنعم عليه بمال جزيل، فسار إلى الحيرة ليخرجه، فأعلم أنه قد مات منذ أيام ولم يجسر أحد [أن] يخبر الملك بذلك. ثم كتب النعمان إلى أبرويز يعزيه فيه، وأرسل إليه ابنه زيد بن عدي عوضاً منه، فجعله أبرويز في مكان أبيه، فأعجب به كسرى وقربه، وصار يكثر من الدخول عليه. وكانت لملوكهم صفة في النساء مكتوبة عندهم، فكانوا يبعثون في تلك الأرضين بتلك الصفة غير أنهم لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشيء من ذلك. فكتب كسرى بتلك الصفة، فأعلمه زيد بن عدي أن عند النعمان من بناته وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة! وقال: الرأي في ذلك أن تبعثني إليه في هذا الشأن فإن العرب

стр. 231

تتكرم ببناتها عن العجم فلا آمن أن يغبهن، ويكون معي رجل من حرسك يفقه العربية؛ فكان ذلك. وشق [ذلك] على النعمان وقال لزيد: أما كان في عين السواد وفارس ما تبلغون به حاجتكم؟ فقال الرسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر! ثم انفصلا عنه، وكتب إلى أبرويز بالاعتذار. فلما رجعا إلى كسرى قال زيد للرسول: اصدق الملك! فأخبره بما سمع منه، وأنه قال: أما في بقر السواد ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا؟ فظهر الغضب في وجه أبرويز وتغير عليه، وبلغ ذلك النعمان فاستعد لوقوع البلاء. وبعد أشهر كتب إليه أبرويز يستدعيه، فجمع ماله وأهله، وسار إلى جبل طيء ليجيروه، وكان عنده بنت سعد بن حارثة بن لأم، فلم يجيروه. فسار إلى سيد بني شيبان، فترك عنده ماله وأهله وسار إلى أبرويز، فلقي عدي بن زيد على قنطرة ساباط، فقال: انج نعيم، فقد والله وضعت لك أخية لا يقطعها المهر الأرن. فلما بلغ كسرى أنه بالباب بعث إليه من قيدع وحمله إلى خانقين، فلم يزل في سجنها حتى وقع الطاعون فمات،

стр. 232

واشتهر عند الناس أن أبرويز ألقاه بساباط تحت أرجل الفيلة حتى هلك. وولى كسرى على العرب والحيرة: إياس بن قبيصة الطائي بقي في الملك سبع سنين. قال صاحب تواريخ الأمم: "ولسنة وستة أشهر من ملك إياس بعث النبي صلى الله عليه". ومن تاريخ الطبري أن أبرويز أرسل في طلب وديعة النعمان، وكانت عند هانئ بن مسعود سيد بني شيبان، فامتنع أن يخفر ذمته، وكان فيها ثمانمائة درع، فأرسل إليهم أبرويز جيشاً من الفرس والعرب، فهجم عليهم في ذي قار، فتذامرت بكر وبنو عجل، وقاتلوا دون نسائهم. وكانت الرياسة يومئذ لحنظلة بن ثعلبة بن

стр. 233

سيار العجلي، وهو الذي قطع ذلك اليوم وضن الهوادج لئلا تهرب العرب بنسائها إن هربوا، فسمي: مقطع الوضن؛ وضرب قبة ببطحاء ذي قار، وآلى ألا يفر حتى تفر القبة، فكادت العجم تهلك من العطش والحر، وجعلت نساء العرب يحرضن فرسانهن، وامرأة منهم تقول: إن تهزموا نعانق ونفرش النمارق أو تهزموا نفارق فراث غير وامق ثم إن إياداً أرسلت في الباطن إلى العرب أن تنهزم بالأعاجم، ويسرت أسباب السعادة هزيمة الفرس، وكانت وقعة ذي قار المشهورة. وقال النبي صلى الله عليه فيها: "اليوم انتصف العرب من العجم، وبي نصروا". قال صاحب تواريخ الأمم: وملك الحيرة والعرب بعد إياس بن قبيصة زاذبة الفارسي سبع عشرة سنة زمن أبرويز وشيرويه بن أبرويز، وأردشير

стр. 234

٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠

стр. 235

تاريخ جرهم الثانية ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ وكان ممدحا بالأشعار. ثم ولي بعده ابنه: نفيلة بن عبد المدان وكان تحت طاعة سبأ ملك اليمن، وكذلك كان إياد وبنوه في طاعة التبابعة. وفي كتاب التيجان أنه كان مكتوبا على قبره: عشت خمسمائة عام، وقطعت الأرض في طلب الثروة والملك، ولم يكن بد من الموت. وتحت ذلك هذه الأبيات: قد قطعت البلاد في طلب الثر ... وة والملك قالص الأثواب

стр. 236

فأصاب الردى صميم فؤادي ... بسهام من المنايا صياب فانقضت شرتي وأقصر جهلي ... واستراحت عواذلي من عتابي ودفعت السفاه بالحلم لما ... نزل الشيب في محل الشباب صاح أبصرت أو سمعت براع ... رد في الضرع ما قرى في الحلاب وملك بعده ابنه: عبد المسيح بن نفيلة فغزا بالجيوش، وعلا صيته، وكان مكتوباً على قبره ما ذكره صاحب التيجان: "أنا فلان بن فلان عشت مائة سنة، وركبت مائة فرس، وافتضضت مائة بكر، وقتلت مائة مبارز، وآخر أمري أن أخذني الموت غصبا. فأودعني أرضي. وتحته:

стр. 237

حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد وكافحت الأمور وكافحتني ... فلم أخضع لمعضلة كؤود وكدت أنال بالشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود" ثم ملك بعده ابنه: مضاض بن عبد المسيح فغزا وعلا ذكره، "وكان مكتوباً على قبره: عشت ثلاثمائة عام، وأخذت مصر وبيت المقدس، وهزمت الروم بالدرب، ولم يكن لي بد مما تراه؛ وأبيات منها: كل شيء تأتي عليه الليالي ... آخر الحزن والسرور الممات" ثم ملك بعده ابنه: عمرو بن مضاض ذكر صاحب التيجان "أنه كان من عادتهم أن يعلقوا التاج على رؤوسهم يوماً، وعلى رتاج الكعبة يوماً؛ وأنه أتى رجل من بني إسرائيل، ومعه در وياقوت للتجارة. فلما وصل إلى مكة غيب عن عمرو أفخر ما عنده، فغضب عمرو، ونزع ما وجد عند التاجر وجعله في التاج. فترصد

стр. 238

التاجر الإسرائيلي الغفلة في الذي يحمل التاج إلى الكعبة في يومها، فقتله وأخذ التاج، وركب وسرى تحت الليل، وخفي أمره إلى أن جاء الخبر من بيت المقدس؛ وكان صاحب أمرهم فاران بن يعقوب من سبط يامين. فأرسل له في التاج أن يرده، فأبى وقال: إني أعلقته على بيت المقدس! فنشأ بينهما في ذلك حرب، فخرج إليه عمرو في مائة ألف فارس، ونصرته قضاعة، ونصر فاران إخوته الروم". وسار فاران حتى نزل جبل فاران عند مكة، فسمي باسمه، وكان معه ابن ملك الروم. ولما تقعقعت السلاح بينهم سمي ذلك الموضع: قعيقعان. وأدرك عمر وفاران على تل فقتله، فسمي: تل فاران؛ وقتل ابن ملك الروم. ثم مضى عمرو إلى بيت المقدس وأخذ التاج، فأذعن له بنو إسرائيل بالطاعة، وتزوج برة بنت شمعون أجمل نسائها، ورحل بها. فلما نزلوا أجياداً عند مكة، عمدت برة إلى حسكة من حديد فسمتها، ثم ألقتها على فراش عمرو عند نومه، وأعدت جمالاً وخيلاً وهربوا بها، ومضوا هاربين إلى بيت الحسكة، وداخله السم فمات. وركبت الخيل في طلب الهاربين، فأدركوهم وردوهم، فقتلوا بأجياد. وكان الأول منهم قد قال للسياف: تحفظ ولا ترفع ولا تخفض، وأنزل السيف على الأجياد؛ فسمي ذلك المكان بأجياد.

стр. 239

الحارث بن مضاض قال الحارث بن مضاض: ثم وليت بعد أخي عمرو. وسرت إلى بني إسرائيل والروم وأهل الشام في مائة ألف من جرهم، ومائة ألف من العمالقة، فهزمتهم. وكانوا قد زحفوا إلي بتابوت داود الذي فيه السكينة فألقوه، فأخذته العمالقة وجرهم، ودفنوه في مزبلة، فاستخرجته ودفعته للهميسع بن نبت بن قيدار بن إسماعيل ﵇. وذكر حكاية طويلة في استبقاء برة قاتلة أخيه عمرو، وتلخيصها: أن سبب ذلك كان حملها بمضاض بن عمرو إلى أن ولدته، فنشأ وليس بمكة أجمل منه، فمات من العشق. قال صاحب الكمائم: والحارث بن مضاض هذا هو الذي يضرب به المثل في طول الغربة. قال صاحب التيجان: ثم إن جرهم هلكت بالوباء في مدة الحارث بن مضاض، فخرج الحارث هارباً يجول في الأرض، فجال فيها ثلاثمائة عام، فضربت العرب به الأمثال؛ قال أبو تمام: غربة تقتدي بغربة قيس ب ... ن زهير والحارث بن مضاض قال: وطال عمر الحارث حتى اجتمع بإياد بن نزار حين تغرب إياد من مكة بالإبل التي حصلت له في الوراثة. وتعيش بكرائها، فاكتراها من الشام إلى المدينة. قال:

стр. 240

فبينا أنا بالمدينة التمس من يكتريها إلى مكة [إذ] سمعت شيخا وهو ينادي: من يحملني إلى البيت الحرام وله وقر جمله دراً وياقوتا؟ والناس يستهزئون به، ويتحامونه لفقره وعظم جثته، [فقلت لنفسي: ومالي لا أعطيه جملا! فإن كان صادقاً كان في ذلك الغنى، وإن كان كاذباً فلم يضرني ذلك. فلم أزل أتبع الصوت حتى ظهر لي] ، فإذا به الحارث بن مضاض الجرهمي، ملك مكة صاحب الغربة الدائمة والعمر الطويل، قد سلب ملكه، وعمي بصره مما بكى على أهله ووطنه وملكه. ثم أمره أن يحمله إلى مواضع من جهات مكة، أخرج منها دفائن استغنى بها إياد وولده. قال إياد: ولقد كان يقول لي: اعدل ذات اليمين! اعدل ذات اليسار! ويدخلني إلى شعاب وأماكن ما دخلتها قط. وهي مسقط رأسي، وكنت بها فاتكاً. ثم أوصاه بوصية، وأسر إليه بأن محمداً خاتم الأنبياء الذي يعز الله به العرب من ولد مضر. وقال له: إن أدركته فصدق وحقق، وقبل الشامة التي بين كتفيه؛ وقل له: يا خير مولود دعا إلى خير معبود! فعند ذلك إما تأتيك ملك أو هلك!

стр. 241

فلما بلغ إلى مكان يقال له: الموت، بكى وقال شعراً أوله: أموت فقيداً والعيون كثيرة ... ولكنها جهلا علي جوامد ثم حدثه بأحاديث طوال إلى أن قال له: شكرت مسارعاً خير الأيادي ... لخير الناس كلهم إياد ثم حفر الأرض حتى بلغ إلى صخرة فقلعها، ودخل في سرب وإياد معه، فإذا بحيات تصفر عن اليمين والشمال، حتى أفضيا إلى دار تحت الأرض! قال إياد: فعجبت من ضيائها من أين يكون، ثم أدخلني إلى بيت قبلي لجهة مكة، وإذا فيه أربعة أسرة: ثلاثة عليها ثلاثة رجال، وواحد ليس عليه شيء؛ وفي وسط البيت كرسي من در وياقوت ولجين وعقيان، فقال لي: خذ وقر جملك ليس لك غيره، قال: ثم قال لي: أتدري من هؤلاء الموتى؟ فقلت: لا؛ قال: هذا مضاض أبي، وهذا عبد المسيح أبوه، وهذا نفيلة أبوه. وكان على رأس كل واحد منهم ما تقدم ذكره من النظم والنثر.

стр. 242

قال: ثم نظرت إلى اللوح الذي على السرير الخالي، فإذا فيه مكتوب: أنا الحارث بن مضاض، عشت أربعمائة عام، وجلت في الأرض مائة عام مغترباً بعد هلاك قومي جرهم، وتحته شعر. قال: ثم قال لي: أعطني القارورة التي في تلك الكوة، فأعطيته إياها، فشرب بعضاً ثم انطلى ببعضها على جسده، ثم قال لي: إذا أنت أتيت إخوتك فقالوا لك: من أين هذا المال؟ فقل لهم: إن الشيخ الذي حملته هو الحارث بن مضاض الجرهمي؛ فهم يكذبونك، فقل لهم: آية ذلك أن تعمدوا إلى الحجر المدفون بجوار زمزم، فتجدوا فيه مقام إبراهيم، وتجدوا في الحجر الآخر شعر الحارث بن مضاض الذي بكى به أهله وملكه ووطنه: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر

стр. 243

بلى نحن كنا أهلها فأذا لنا ... صروف الليالي والجدود العواثر فما فرج آت بما أنت خائف ... وما حذر ينجيك مما تحاذر وكنا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بهذا البيت والخير ظاهر فأخرجنا منها المليك بقدرة ... كذاك بآمر الله تجري المقادر قال إياد: ثم حرم علي أن أعود إلى الموضع بعدها. وامتد الحارث على ذلك السرير، وصاح صيحة ما ظننت إلا أن أهل مكة سمعوها، ثم مات. وهجم التنين فاستدار في وسط البيت على ما بقي من المال. قال صاحب التيجان: وكان الشعر المكتوب على قبر الحارث بن مضاض: يا لدمعي لفرقة الأحباب ... واعترافي من بعدهم واغترابي أوطنوا الجزع جزع آل أبي مو ... سى إلى النخل بين سدر وغاب

стр. 244

من ملوك متوجين لديه ... وكهول أعفه وشباب وبهاليل كالليوث مصالي ... ت صعاب على الأمور الصعاب ونساء خواطر عاطرات ... وبدور محجوبة في القباب نازلات من الحجون إلى الخي ... ف حسان مثل الدمى أتراب أسعدتهم أيامهم ثم ولت ... ما على الدهر بعدهم من عتاب فهم المطعمون جودا وعادوا ... طعمة للثرى وصم الهضاب فلي الويح بعدهم وعليهم ... وإليهم من بعد ذاك مآبي وذكر إياد أنه خرج من المكان بالمال ووصل إلى مكة، فجري له مع إخوته ما قدره الحارث حتى وقفوا على الآية. وذكر صاحب التيجان أن الحارث كان ملكاً في زمن شرحبيل وعمرو ذي الأذعار من التبابعة، وامتد عمره إلى أن اجتمع في غربته مع إياد بن نزار بعد مبعث المسيح ﵇.

стр. 245

وذكر أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: [أخبرني عبد مناف عن أبيه عبد المطلب بن هاشم أنه قال] : أدركت الحكماء المعمرين، وأهل الآثار بالعلم الأول من أهل تهامة، يذكرون غربة الحارث بن مضاض الجرهمي الملك المتوج، فإن الحارث قال لإياد: كنت ملك مكة وما والاها من الحجاز إلى هجر وحصن العلمين إلى مدين، وكنا أهل تيجان. وذكر أنه قال هذا الشعر عند موته: أموت فقيداً والعيون كثيرة ... ولكنها جهلا علي جوامد ولكن ستبكيني الغمام بدمعها ... وتشجى على قبري البروق الرواعد تمادت بي الأيام حتى تركنني ... كمثل حسام أفردته القلائد يهنا بي الأعداء يرزا بي الندى ... ويأمن كيدي الكاشحون الأباعد قالوا: وبلغ الحارث بن مضاض في غربته إلى ما نطق به قوله: تجشمت من كرمان كل تنوفة ... وجاوزت حد القصر من أرض فارس

стр. 246

وملك في غيبة الحارث بن مضاض ابنه: عمرو بن الحارث وكان مضعفا غير صالح للملك، ثم مات، وملك بعده أخوه: بشر بن الحارث قال صاحب التيجان: فأقام دهراً تحت طاعة بلقيس، صاحبة اليمن، إلى أن مر سليمان النبي ﵇ بمكة، فأمره تسليم مفتاح الكعبة والرياسة إلى بني إسماعيل، فانقرضت حينئذ دولة الجرهميين من الحجاز. أتباع هذه الدولة الجرهمية من أبناء الملوك مضاض بن عمرو بن مضاض الجرهمي ذكر صاحب الكمائم أن أباه الذي كان ملك مكة، وأن برة بنت شمعون الإسرائيلية أمه، وقد تقدم ذكرها. ونشأ مضاض في دولة عمه الحارث بن مضاض متأدبا لطيف المزاج. وكانت في زمانه مي بنت مهلهل بن عامر - وهي من بنات عمه - أجمل من رأته العيون، فعشقها. فاتفق أن وقع بينهما ما أوجبته الغيرة، ووشى بينهما أبو قبيس الذي ينسب إليه جبل مكة، فقال مضاض:

стр. 247

يعشى عن الناس طرف عيني ... وعنك يامي غير عاش أتهجريني بغير ذنب ... وتقتليني بقول واش وكانت قد رحلت من مكة إلى أخوالها قضاعة بالجار، فتبعها مضاض إلى هنالك، فتعرض لها في طريقها وأنشدها: علام قبست النار يا أم غالب ... بقدح قبيس إذ أطيرت شراره سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى ... عليه وهجرانا وحبك جاره فتجهمته ولم تقبل عليه، فقال لأصحابه: تصد بلا جرم علي بوجهها ... وتبعدني إما أردت التقربا كأني أنادي صخرة حين أقبلت ... تراض فما تزداد إلا تصعبا قال: فسمي ذلك المكان بالجار لما تقدم في شعره.

стр. 248

وفي كلام التيجان ما يدل على أنه رفض تاج الملك في طلب الهوى. قال: ثم تعرض لها في مكة بالمكان الذي يقال له: الدار، فقال: فإن لم يكن وصل فلفظ مكانه ... وإلا فإن الموت لاشك داره وبهذا سمي ذلك المكان الدار. فقالت له: والله لا ألقاك أبداً! فقال: وأنا لا أشرب بعدها ماء أبداً! وصار إلى الموضع المعروف بالموت - وهو مدفن ملوك بني جرهم - وبقي هنالك يعالج سكرات الموت والعطش إلى أن مات. وذكر صاحب التيجان أن صديقين له أدركاه وهو يجود بنفسه، فعللاه، ونظر إليهما فقال: خليلي هذا موطن الموت فاندبا ... مضاض بن عمرو حين شط مزاره سلا صاحب الخيمات عن قبر هالك ... لدى جرعات الموت قر قراره ويروى: لدى دوحة الزيتون. ابنة عمه مي بنت مهلهل الجرهمية ذكر صاحب الكمائم والتيجان أنها من بنات سلاطينهم، وأن جمالها كان يضرب به المثل في وقتها. وعشقها ابن عمها مضاض بن عمرو المتقدم الذكر، فبينما هما يطوفان

стр. 249

بالبيت إذ كانت هنالك رقية بنت البهلول الجرهمية، وكان لها قدره جمال مشهور، فعطشت من شدة الحر وهي تطوف، فنادت: يا مضاض بن عمرو، بدالة الشباب والقرابة اسقني، فاني أخشى الموت! فاحتال لها في ماء وسقاها، فلما بصرت به مي جعلت ترعد غيرة، ورجعت إلى أبيها وقالت له: الموت لا يكتم، وإليك شكواي لأنك عمادي، وقد انصدع قلبي انصداعاً لا يلتئم أبداً! وأخبرته بما جرى، وأقسمت لا تقيم بموضع يكون فيه مضاض أبداً، ورحلت إلى أخوالها من قضاعة، وقالت شعراً منه: مضاض غدرت العهد والحب صادق ... وللحب سلطان يعز اقتداره غدرتم ولم أغدر وللحر موثق ... وليس فتى من لا يقر قراره ثم إن أبا قبيس أتاها وأنشدها أشعاراً صنعها على لسان مضاض في رقية، فألهب قلبها عليه، وصنع أيضاً جواباً على لسان رقية؛ فكان ذلك سبب طلب مضاض أبا قبيس ليقتله حتى فر أمامه. وآل الأمر بمضاض إلى أنه آلى ألا يشرب ماء؛ لأنه كان سبب التهاجر بينه وبين ابنة عمه، فمات عطشاً. وبلغ ذلك ميا، فقالت: أيا موطن الموت الذي فيه قبره ... سقتك الغوادي الساريات الهوامع ويا ساكناً بالدوحتين مغيباً ... لئن طرت عن إلف فالفك تابع

стр. 250

ثم أقسمت أن تموت عطشاً كما مات، وأن تدفن إلى جواره. ومن شعراء جرهم بن قحطان: أبو قبيس بن شارج الجرهمي ذكر البيهقي أنه كان من شعرائهم، وله ينسب الجبل المشهور فوق مكة بأبي قبيس، وأخبر بما لخصته أيضاً من التيجان، وهو أن أبا قبيس عشق مي بنت مهلهل المذكورة، وأراد الايقاع بينها وبين ابن عمها حتى يخلو له وجهها منه فجعل يصنع الأشعار على لسان مضاض، ويتعزل في بنت البهلول؛ فمما صنعه قوله: رقية قلبي قد تباين صدعه ... وللحب منه شاهد ودليل رأيت الهوى إن دام يهوي بربه ... فهل لك أن يلقى الخليل خليل؟ وصنع على لسان رقية تخاطب مضاضا: أصون الهوى والطرف مني كاتم ... ولا يعلم الأقوام في الدهر ما دائي سوى أنني قد فزت منك بنظرة ... تجرعت فيها النار منك مع الماء فآلى مضاض أن يقتله، فهرب أمامه في البرية.
следующие страницы →