← История

История · id 28174

نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب

ابن سعيد المغربي

Полный текст (734 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وملك في غيبة الحارث بن مضاض ابنه: عمرو بن الحارث وكان مضعفا غير صالح للملك، ثم مات، وملك بعده أخوه: بشر بن الحارث قال صاحب التيجان: فأقام دهراً تحت طاعة بلقيس، صاحبة اليمن، إلى أن مر سليمان النبي ﵇ بمكة، فأمره تسليم مفتاح الكعبة والرياسة إلى بني إسماعيل، فانقرضت حينئذ دولة الجرهميين من الحجاز. أتباع هذه الدولة الجرهمية من أبناء الملوك مضاض بن عمرو بن مضاض الجرهمي ذكر صاحب الكمائم أن أباه الذي كان ملك مكة، وأن برة بنت شمعون الإسرائيلية أمه، وقد تقدم ذكرها. ونشأ مضاض في دولة عمه الحارث بن مضاض متأدبا لطيف المزاج. وكانت في زمانه مي بنت مهلهل بن عامر - وهي من بنات عمه - أجمل من رأته العيون، فعشقها. فاتفق أن وقع بينهما ما أوجبته الغيرة، ووشى بينهما أبو قبيس الذي ينسب إليه جبل مكة، فقال مضاض:

стр. 247

يعشى عن الناس طرف عيني ... وعنك يامي غير عاش أتهجريني بغير ذنب ... وتقتليني بقول واش وكانت قد رحلت من مكة إلى أخوالها قضاعة بالجار، فتبعها مضاض إلى هنالك، فتعرض لها في طريقها وأنشدها: علام قبست النار يا أم غالب ... بقدح قبيس إذ أطيرت شراره سألتك بالرحمن لا تجمعي هوى ... عليه وهجرانا وحبك جاره فتجهمته ولم تقبل عليه، فقال لأصحابه: تصد بلا جرم علي بوجهها ... وتبعدني إما أردت التقربا كأني أنادي صخرة حين أقبلت ... تراض فما تزداد إلا تصعبا قال: فسمي ذلك المكان بالجار لما تقدم في شعره.

стр. 248

وفي كلام التيجان ما يدل على أنه رفض تاج الملك في طلب الهوى. قال: ثم تعرض لها في مكة بالمكان الذي يقال له: الدار، فقال: فإن لم يكن وصل فلفظ مكانه ... وإلا فإن الموت لاشك داره وبهذا سمي ذلك المكان الدار. فقالت له: والله لا ألقاك أبداً! فقال: وأنا لا أشرب بعدها ماء أبداً! وصار إلى الموضع المعروف بالموت - وهو مدفن ملوك بني جرهم - وبقي هنالك يعالج سكرات الموت والعطش إلى أن مات. وذكر صاحب التيجان أن صديقين له أدركاه وهو يجود بنفسه، فعللاه، ونظر إليهما فقال: خليلي هذا موطن الموت فاندبا ... مضاض بن عمرو حين شط مزاره سلا صاحب الخيمات عن قبر هالك ... لدى جرعات الموت قر قراره ويروى: لدى دوحة الزيتون. ابنة عمه مي بنت مهلهل الجرهمية ذكر صاحب الكمائم والتيجان أنها من بنات سلاطينهم، وأن جمالها كان يضرب به المثل في وقتها. وعشقها ابن عمها مضاض بن عمرو المتقدم الذكر، فبينما هما يطوفان

стр. 249

بالبيت إذ كانت هنالك رقية بنت البهلول الجرهمية، وكان لها قدره جمال مشهور، فعطشت من شدة الحر وهي تطوف، فنادت: يا مضاض بن عمرو، بدالة الشباب والقرابة اسقني، فاني أخشى الموت! فاحتال لها في ماء وسقاها، فلما بصرت به مي جعلت ترعد غيرة، ورجعت إلى أبيها وقالت له: الموت لا يكتم، وإليك شكواي لأنك عمادي، وقد انصدع قلبي انصداعاً لا يلتئم أبداً! وأخبرته بما جرى، وأقسمت لا تقيم بموضع يكون فيه مضاض أبداً، ورحلت إلى أخوالها من قضاعة، وقالت شعراً منه: مضاض غدرت العهد والحب صادق ... وللحب سلطان يعز اقتداره غدرتم ولم أغدر وللحر موثق ... وليس فتى من لا يقر قراره ثم إن أبا قبيس أتاها وأنشدها أشعاراً صنعها على لسان مضاض في رقية، فألهب قلبها عليه، وصنع أيضاً جواباً على لسان رقية؛ فكان ذلك سبب طلب مضاض أبا قبيس ليقتله حتى فر أمامه. وآل الأمر بمضاض إلى أنه آلى ألا يشرب ماء؛ لأنه كان سبب التهاجر بينه وبين ابنة عمه، فمات عطشاً. وبلغ ذلك ميا، فقالت: أيا موطن الموت الذي فيه قبره ... سقتك الغوادي الساريات الهوامع ويا ساكناً بالدوحتين مغيباً ... لئن طرت عن إلف فالفك تابع

стр. 250

ثم أقسمت أن تموت عطشاً كما مات، وأن تدفن إلى جواره. ومن شعراء جرهم بن قحطان: أبو قبيس بن شارج الجرهمي ذكر البيهقي أنه كان من شعرائهم، وله ينسب الجبل المشهور فوق مكة بأبي قبيس، وأخبر بما لخصته أيضاً من التيجان، وهو أن أبا قبيس عشق مي بنت مهلهل المذكورة، وأراد الايقاع بينها وبين ابن عمها حتى يخلو له وجهها منه فجعل يصنع الأشعار على لسان مضاض، ويتعزل في بنت البهلول؛ فمما صنعه قوله: رقية قلبي قد تباين صدعه ... وللحب منه شاهد ودليل رأيت الهوى إن دام يهوي بربه ... فهل لك أن يلقى الخليل خليل؟ وصنع على لسان رقية تخاطب مضاضا: أصون الهوى والطرف مني كاتم ... ولا يعلم الأقوام في الدهر ما دائي سوى أنني قد فزت منك بنظرة ... تجرعت فيها النار منك مع الماء فآلى مضاض أن يقتله، فهرب أمامه في البرية.

стр. 251

القسم الثالث تاريخ العرب المستعربة

стр. 252

العرب المستعربة هم بنو إسماعيل بن إبراهيم ﵉، قيل لهم ذلك لأنهم تعلموا من أخوالهم جرهم بن قحطان العاربة. دخول الخليل ﵇ أرض العرب وما يتصل منه بذكر ابنه إسماعيل وتناسل العرب المستعربة منه ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠ قال البيهقي: الأشهر والأظهر أن مالك أمر البيت وسلطنة الحجاز بعد إسماعيل ابنه: قيدار بن إسماعيل قال السهيلي: وقد ذكر "أن قيدار كان الملك في زمانه، ومعنى قيدار الملك". قال صاحب الكمائم: وفي شأن الملك بين بني إسماعيل وبني جرهم بن قحطان اختلاف كثير: فمن قائل: إن سلطنة الحجاز كانت في جرهم، ومفتاح الكعبة وسدانتها في يد ولد إسماعيل؛ ومن قائل: إن قيدار توجته أخواله بنو جرهم وملكته عليها. ودانت له عرب الحجاز، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأظهر أحكام النبوة. وإن العمالقة وقع بينهم وبين جرهم

стр. 253

ما أوجت حرباً في الحرم، فقام قيدار فيهم خطيباً، وقال: "اعلموا معشر العرب أن هذا الحرم كنتم قد عثتم فيه، وأبحتم حرمته، وسفكتم الدماء في أرجائه، فشتت الله شملكم منه، وأبعدكم عنه، وزالت البركة منكم، وارتفعت الرحمة عنكم. ثم رحمكم الله بنبيه إبراهيم وابنه إسماعيل، فعمرت بهما بلادكم، وردكم الله ببركتهما إلى أوطانكم؛ فلا يكن شكر نعمة الله التعرض لنقمته. أين عقولكم؟ أين أفكاركم؟ اعتبروا بما تقدم، وانظروا فيما تأخر! ". ثم نزل فاصطلحوا، ودانوا له على ألا يكون الملك لا في العمالقة ولا في جرهم، وتوارثته بنو إسماعيل من حينئذ. وذكر السهيلي وغيره أنه كان فيمن ملك بور بن شوحا، وهو أول من عتر العتيرة، وأن أباه شوحا ملك قبله، وهو أول من سن تعظيم رجب وحرمته، فتبعته العرب. ومنهم يزن، وهو الطعان الذي تنسب إليه الرماح اليزنية، ومنهم دوس العتيق، وكان أحسن الناس وجها، وكان قطورا بن كركر بن عملاق قد غلب بنوه على الحرم، فأخرجهم دوس منه. وذكر صاحبا التيجان والكمائم أن الذي ولي ملك مكة وسدانة البيت بعد قيدار ابنه: نبت بن قيدار ثم تغلب بنو جرهم على ذلك، فجاء سليمان ﵇ إلى مكة، وسلطان الحجاز حينئذ البسر بن الأغلب بن عمرو

стр. 254

بن مضاض الجرهمي، وهو تحت طاعة بلقيس صاحبة اليمن. فأمر سليمان البسر أن يبرأ من ملك مكة والكعبة إلى نبت بن قيدار. وعظم نبت في العرب وأيده سليمان، ورغب إليه أخواله أن يكون الملك له، ويشرفهم بمفتاح البيت وولايته، فدفع لهم ذلك عارية؛ ولهذا قال الحارث بن مضاض الجرهمي في شعره المتقدم: وكنا ولاة البيت من عند نابت ... نطوف بذاك الركن والبيت عامر وذكر البيهقي أن نبتاً قال للبسر الجرهمي الذي كان صاحب الأمر قبله: قد سلبك الله ملكك فلا يسلبك عقلك، اخرج عني من مكة وإلا أخرجت روحك من بدنك؛ فبأي عين تنظرني بعدما أخذت ملكك! وبأي عين أنظرك وأنا أعتقد أنك تطمع في رد ما أخذ منك! فرحل عنه، وولي سدانة البيت غيره من بينهم. الهميسع بن نبت ثم مات نبت وترك ابنه الهميسع صغيراً، فلم يقدر على الملك مع أخواله جرهم. وملك سلطنة الحجاز عمرو بن مضاض الذي جرى له الحروب العظيمة مع بني إسرائيل، ثم أخوه الحارث بن مضاض. وكانت جرهم والعمالقة قد أخذوا التابوت من بني إسرائيل، ودفنوه في مزبلة، فنهاهم الهميسع عن ذلك فلم ينتهوا، وأعلمهم الحارث أن ذلك مما لا يبقي الله [على] من فعله، فاستخرجه

стр. 255

الحارث بالليل ودفعه إلى الهميسع، فتوارثوه بنوه بعده، وجاء الحارث الهميسع بمفتاح البيت لما كبر. ثم إن جرهم والعمالقة أخذهم الوباء فهلكوا وتفانوا، وكبر بنو إسماعيل فأظهرهم الله، وولوا البيت وبقي ضم الملك، فرأى الحارث بن مضاض الذي في نفسه، وأيقن لدولة جرهم بالإبادة، ولدولة بني إسماعيل بالإقبال، فخرج من مكة على وجهه، وكانت غربته المشهورة. وقد تقدم في دولته من ولي بعد الحارث، وأن أمرهم انقرض عن قرب وتغلب عليهم بنو إسماعيل، ولم يبقوا جرهميا ولا عمليقيا بالحرم، وصارت السدانة والسلطنة للهميسع. قال البيهقي: وكان اسمه زندا _ بالنون _ فلقبوه الهميسع، وهي السلطان عندهم، كما أن السميدع سلطان العمالقة. قال: والهميسع أول من قال الشعر من بني إسماعيل، علمه ذلك الحارث بن مضاض، فرويت عنه قصيدة يذكر فيها طغيان جرهم والعمالقة في الحرم، وكيف أبادهم الله، وشتت شملهم، وأولها: سلوا من بقي عمن مضى فهو مخبر ... لقد كفروا في بيته وتجبروا صبرنا فنلنا الملك بعد فنائهم ... كذلك عقبى من يتوق فيصبر

стр. 256

ولو صحبتنا سرعة في مرادنا ... بهم أصبحت أعمارنا وهي تقصر وذكر صاحب التيجان أنه ولي بعده أمر مكة ابنه: أدد بن الهميسع وكذلك ذكر البيهقي، وأخبر أنه كتب إلى أفعى نجران سلطان التبابعة في شأن كعبة نجران التي أحدثوها كتاباً منه: وقد انتهى إلينا أنكم أقمتم بجهتكم كعبة للشيطان، وجعلتموها مناظرة لكعبة الرحمن. ولسنا ممن نترككم في سنة الغفلة، ولا نتعجل بالانتصار، والله أنظر في بيته، وأحكم بين عباده. وكذلك بلغنا أن سوق عكاظ أقمتموها معاندة لموسم الحرم، فما الذي تركتم لبني إسماعيل؟ وكيف عمدتم إلى ما أسسه الله فأردتم هدمه وإزالته؟ والأقدار معينة لهم، وعليهم مقبلة، والظلم بئس القرين، والكفر بالنعمة مصارع إذا أمكنته فرصة لا يدعها. وذكر صاحب التيجان أنه ولي بعده ابنه: عدنان بن أدد وقال صاحب الكمائم: إن ولده كثروا وتفرقوا في أرض العرب، وطال عمره، ولم تكن الشهرة إلا لولده معد، وكذلك العقب العظيم. قال: وكان عدنان كثير الغارات والغزوات، فعز به الحرم، وأقام الملة الحنفية حق قيامها. ثم إن العرب طغت وعاثت في أرضها، ثم تعدت إلى الحرم فانتهكت حرمته. وقبض الله إليه عدنان، فنهضت طوائف العرب إلى البيت وقالت: هذا يجعل لبني إسماعيل علينا ولاية ورياسة،

стр. 257

ونحن نهدمه حتى نستريح منهم! فوعظهم أصحاب العقول منهم، وطلبوا بني إسماعيل ليقتلوهم، ففروا على وجوههم. معد بن عدنان وكان معد بن عدنان حينئذ صغيراً. قال البيهقي: فاختفي من طوائف العرب في غار، وكان له من يتفقده فيه بما يعيش به، إلى أن بعث الله له بختنصر فخلصه. قال الطبري: كان معد في زمان بختنصر ابن اثنتي عشرة سنة. وإن الله أوحى إلى إرميا أن اذهب إلى بختنصر فمره أن يهلك العرب، ويحمل معداً على البراق إلى الشام. قال السهيلي: "فنشأ معد مع بني إسرائيل، ومن ثم وقع في كتب الإسرائيليين نسب معد". وكان بختنصر حينئذ قد سلطه الله على بني إسرائيل وعلى العرب، على ما تقدم في التاريخ، وذلك قبل أن يولد المسيح ﵇. وكانت العرب حينئذ قد طغت فقتلت بأرض اليمن حنظلة بن صفوان النبي ﵇ وقد تقدم ذكره، وقتلت بحضوراء من أرض الحجاز شعيب بن ذي مهدم. قال صاحب الروض الأنف: "وكان رجوع معد بن عدنان إلى الحجاز مدة رفع الله بأسه عن العرب،

стр. 258

ورجعت بقاياهم التي كانت في الشواهق إلى مواطنهم بعد أن دوخ بختنصر بلادهم، وخرب المعمور، واستأصل أهل حضور". قال البيهقي: ثم إن معداً رده الله في حق بني إسماعيل، فدانت له، وملكته عليها. قال: وحفظ عنه من الكلمات المفيدة أن أحد أعزاء العرب طلب منه أن يميل معه في الحكم وقال له: كن معي! فقال: لا أكون إلا مع من ردني إلى أن أحكم عليك وعلى غيرك بغير طاقة ولا مقدرة! فأقر ذلك الرجل، وعلم أنه مع الحق، واعترف لخصمه. ولما حضرته الوفاة قيل له: من تقدم من ولدك على الناس، فقد جرت العادة بذلك؟ فقال: أما أنا فأريد أن أقدم قنصاً، والله يريد أن يقدم نزاراً! قم قضى نحبه. قال صاحب التيجان: ثم ولي أمر مكة بعد موت معد ابنه قنص بن معد بن عدنان . قنص بن معد بن عدنان ذكر صاحب الكمائم أن أخاه نزاراً كان أولى بالسلطنة منه، ولكن غلب حب قنص على قلب أبيه فولاه، وكان أيضاً أكبر ولده.

стр. 259

وعندما ولي أراد إخراج أخيه من الحرم، فوعظه واستعطفه فلم يفعل، فقال له: علام تخرجني وأنت أخي؟ فقال: الملك ليس معه إخوة، وإن لم أخرجك تخرجني، بذلك يحدثني خاطري؛ فقال: إذ عزمت على هذا فأمهلني قليلاً حتى أرحل بمن معي؛ فقال: ما أجد في خاطري أن في مهلتك ما يعود علي بخير، [ومع] ذلك فقد أمهلتك! فمضى نزار، واشتغل بنقله أهله وماله عن الحرم، فلما أبصره أهل مكة على تلك الحال قالوا: كنا نخاف على بني إسماعيل من غيرهم، وأما وقد بدأ هذا الظالم بأن يسلط بعضهم على بعض، ويفتح عليهم باب النفي والخلاف لا نتركه لذلك. قال: فما تصنعون؟ قالوا: نجعلك تقيم على رغمه. فقال: إذاً أذوق مرارة العيش من ملك من لا يريدني، ومجاورة من يقدر علي ولا أقدر عليه. فقالوا: فإن كان لك قلب يصبر على إخراجه أخرجناه؛ قال: لم يكن لي قلب يصبر على ذلك، ولكن قد قساه عليه وسهل عليه ما يصعب عقوقه. واتفق رأيهم على إخراجه، فرجعوا إليه وأنذروه بالخروج وإلا قتلوه! قال: قد كنت أعلم ذلك من إمهال نزار، وأنا خارج عنكم! فخرج بأهله وماله إلى أرياف العراق، ونزلوا بجهات الحيرة، وصادفوا وقت غلبة الإسكندر على سلطنة الفرس وتفرقها على ملوك الطوائف، فعاثوا هنالك وكثروا، واجتمعت إليهم أخلاط العرب، إلى أن كبر سابور [ذو] الأكتاف، فوضع فيهم السيف وأفناهم، فكان من بقاياهم على

стр. 260

ما قيل رهط النعمان بن المنذر. وزعم بعض النسابين أنهم ضميمة في لخم. واستقل بملك الحجاز: نزار بن معد وذكر البيهقي أنه كان ممن غزا مع شمر تبع صاحب اليمن، فأعانه على ملك الحجاز، وعظمت به صولته على العرب. وذكر صاحب التيجان أن نزاراً لما حضرته الوفاة قسم أمواله بين أولاده وكانوا أربعة أكبرهم إياد، فقال يا إياد لك الحلة والعصا، وأنت وصي ولدي ومن كان مكياً؛ وقال: يا مضر، لك القبة الحمراء - وكانت من أدم، وقال: يا ربيعة، لك الفرس؛ وقال: يا أنمار لك الحمار. وأعطاهم أربع قلل مختومة، وأوصاهم أنهم بعد موته يتحاكمون في الميراث إلى أفعى نجران - قال البيهقي: وهو ملكها وحكيمها في ذلك الأوان. فلما مات رحلوا إليه، فبينا هم في طريق نجران إذ مر بهم أعرابي يطلب جملا شرد له، فسألهم عنه، فقال أحدهم: أما إنه لأعور؟ قال: نعم؛ وقال الآخر: أما إنه لأزور؟ فقال: كذلك هو؛ فقال الآخر: أما إنه لأبتر؟ فقال:

стр. 261

صدقتم؛ فقال الآخر: أما إنه لشرود مخدر؟ فقال: جملي عندكم! ولزمهم إلى أن وصل معهم إلى أفعى نجران، وسبق إليه الأعرابي فأخبره، فعلم أن لهم شأنا. فأحسن نزلهم، وأرسل إليهم خروفاً مشوياً وخمراً وعسلاً، فأكلوا وشربوا وسكروا؛ فقال أحدهم: نعم ما أكرمنا به الملك لولا أن الخروف أرضعته كلبة، وقال الآخر: ولولا أن الخمر معصورة من كرمة عرمت في قحف ميت، وقال الآخر: ولولا أن العسل وضعته النحل في جوف حمار، وقال الآخر: ولولا أن الملك ولد زنى! فنقل ذلك للملك، فأحضرهم وسألهم عن قصة الجمل في الأول، فقال أولهم: علمت أن أعور لأني رأيته في أثره يأكل من جهة واحدة وهي التي تبصرها عينه السالمة، وقال الثاني: علمت أنه أزور لأني رأيت آثار مشيه عادلة عن الطريق، وفي الجهة الواحدة تقل وطئاً عن الأخرى؛ وقال الثالث: علمت أنه أبتر لأني رأيت بعره ينزل في مكان واحد مجتمعاً، ولو كان بذنب لفرقه؛ وقال الرابع: علمت أنه شرود مخدر لأني أبصرته لا يستقر في مكان ولا يأكل بطيءاً! فقال: أحسن جميعكم! ثم قال للأعرابي: قم فاطلب جملك؛ فالقوم حكماء وليسوا بلصوص! ثم صرفهم للكرامة، وسأل في باطن منزله عن المعاني التي ذكروها في الخروف والعسل والخمر فوجدها كما ذكروا، وسأل أمه في الخفية عما قالوه في حقه، فأخبرته أن أباه

стр. 262

كان لا يولد له، فخافت من انقطاع الملك عن عقبه فتحيلت في ولادته من غيره. فتعجب من القوم، وأحضرهم وسألهم عما ترك لهم أبوهم فأخبروه، فقال أفعى نجران: القبة والخاتم لمضر وإليه حكومتهم، والحلة الشمطاء والعصا لإياد وإليه أمر حاشيتكم، ولربيعة القنا واللواء والفرس وإليه أمر حريمكم، وأما أنمار صاحب الحمار فاحملوا عليه كل فادح؛ فإن الحمار يحمل الأثقال، وهو صاحب خدمة الدنيا. ثم نظر في القلال، فوجد في قلة إياد تقليم الأظفار، فقال له: خذ ما لأبيك من عبد وأمة. ووجد في قلة مضر قطعة من ذهب وفضة، فحكم له بالذهب والفضة. ووجد في قلة ربيعة قطعة من حافر، فحكم له بذوات الحافر. ووجد في قلة أنمار ظلفا، فحكم له بذات الظلف والخف. فتراضوا بحكمه، وقبل إياد الشمطاء، ومضر الحمراء، وربيعة الفرس، وأنمار الحمار. تفرق بني نزار من الحرم ذكر صاحب تواريخ الأمم أن العدنانية كانت في أول أمرها تؤرخ من نزول إسماعيل بالحرم، ثم صارت تؤرخ بتفرق بني نزار من الحرم. وكذلك ذكر البيهقي، وأخبر أن بني نزار الأربعة المذكورين لما رجعوا إلى مكة غلب على الرياسة وسدانة البيت مضر بن نزار، وعلاصيته في العرب؛ وكان إياد أكبر منه، فلم تحمل نفسه أن يقيم تحت رياسته، فخرج بولده وأهله إلى أرياف العراق والجزيرة، فتناسلوا هنالك؛ وسيذكر تاريخهم.

стр. 263

قال البيهقي: ثم إن القحط توالى على مكة وأجائها، وضاقت بني إسماعيل، فغلب القوي الضعيف، وخرج من أراد الراحة من المغالبة، فسار ربيعة بخيله التي توالدت عنده إلى أطراف نجد وأرياف الشام والجزيرة، فتناسل بنوه هنالك؛ وسيذكر تاريخهم. وفي ولده وولده مضر العدد والعز، إلا أن النبوة في ولد مضر، والناس يقولون: هم على عدد ربيعة ومضر. ومضى أنمار إلى السروات وتبالة من بلاد اليمن، فتناسل بنوه بتلك الجهات، وحسبوا من العرب اليمانية؛ وقد تقدم نسبهم فيهم، وهم: بجيلة وخثعم.

стр. 264

تاريخ المضرية

стр. 265

إليها انتهى الشرف والعدد أولاً وآخراً، وخصها الله بالنبوة والخلافة، وبها عز الإسلام وعظمت فتوحه لما دخلت فيه أفواجاً. وقد كان رسول الله صلى الله عليه يشكو إلى ربه من عصيانهم وعتوهم حتى قال: "اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف. وقد طبقت قبائل مضر إلى وقتنا أقطار المشرق والمغرب وقلت ربيعة، ثم انقسمت مضر على جذمين: خندف وقيس. تاريخ خندف ينتسبون إلى أمهم خندف. وأبوهم إلياس بن مضر، وفيهم النبوة والشرف. قال ابن حزم: والجمهور أن من ولد خندف [اللذين] إليهما النسب الأعظم: مدركة وطابخة. تاريخ مدركة بن خندف فيها الشرف والنبوة والخلافة، وافترقت مدركة على خزيمة وهذيل. تاريخ خزيمة بن مدركة فيه العدد والنبوة والخلافة. وخزيمة جذمان عظيمان، وهما: أسد وكنانة، ولها جدم دونهما وهو الهون.

стр. 266

تاريخ كنانة ابن خزيمة بن مدركة بن خندف بن مضر، فيها النبوة والخلافة، والفخر منهم لقرسش، فنبدأ بتاريخهم ثم نذكر باقي كنانة. تاريخ قريش هم ولد النضر بن كنانة، وهم معدن النبوة والخلافة والشرف. ذكر البيهقي أن قريشا لم تكن تسمى بهذا الاسم حتى قرشها قصي بن كلاب رئيسها _ أي جمعها حول الحرم _ فعظمت من ذلك الحين. وقد أرخت العرب من حينئذ. وقيل: إنما سميت قريشا باسم دابة في البحر تلتقم دوابه، ولها الغلبة والصولة يقال لها: القرش، وهي معروفة إلى اليوم. ومن كتاب المعاقل في فضل قريش: عن النبي صلى الله عليه: "فضل الله قريشاً بسبع خصال: أني منهم، وأن الله أنزل فيهم سورة في كتابه العزيز لم يذكر فيها أحداً غيرهم، وأنهم عبدوا الله عشر سنين ما عبده أحد قبلهم، وأن الله نصرهم يوم الفيل، وأن الخلافة والسدانة والسقاية فيهم". قال ابن حزم: من ولده النضر بن كنانة فهو من قريش، ومن لم يلده فليس بقرشي. وصار لقريش الحرم. وأخرجوا إلى ضواحي مكة سائر كنانة، فكان لهم الشرف بذلك.

стр. 267

وأول من ضم أمرهم وجمعهم - كما تقدم - وأخذ مفتاح البيت من خزاعة. قصي بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قال البيهقي: لما صار له مفتاح البيت، ووقعت الحرب بين خزاعة وبين بني فهر فأخرجتهم بنو فهر من مكة، صار لهم المفتاح والسلطنة إلا أن خزاعة لم تدن بسلطتهم ولا سائر كنانة، ولم ينقد بعض رؤسائهم إلى بعض. فاتفقوا على الرياسة بأسطارها المعلومة عندهم، وهي ستة: السدانة، وهي ولاية مفتاح الكعبة؛ والثانية: الرفادة وهي الطعام الذي يصنع في الموسم لفقراء الحجاج؛ والثالثة: السقاية، وهي حياض من أدم كانت على عهد قريش توضع بفناء الكعبة ويشرب الحجاج منها؛ والرابعة: دار الندوة، كانوا يجتمعون فيها للمشاورة؛ والخامسة: اللواء؛ والسادسة: إمارة الجيوش والكتائب. وأعلى هذه من جهة الدين الكعبة، ومن جهة الدنيا الإمارة، وكان قصي قد جمعها كلها. وقيل في قريش: أبوكم قصي كان يدعى مجمعاً ... به جمع الله القبائل من فهر قال صاحب تواريخ الأمم: "وكان قصي بن كلاب في زمن فيروز بن يزدجرد" ملك الفرس.

стр. 268

وقال البيهقي: إن العرب أرخت بموت جده كعب بن لؤي لعظمته عندها، ثم أرخت باجتماعها لقصي وأخذه مفتاح الكعبة. قال البيهقي: وكان قصي معدوداً في السلطنة، ولما كثرت الحروب بين قريش وخزاعة، وكانت الرسل تتردد بين الفريقين فلا تؤدي من الكلام ما يقضي بانفصال الحرب، قال لقومه: قد طال الخطب بيننا وبين هؤلاء القوم، وسببه أن الرسل الذين تتردد بيننا تقصر في الكلام، فيطول أمد الحرب. فقالوا: فما الرأي؟ قال: أن أكون المتكلم معهم؛ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: نرسل إلى إخواننا من قبائل كنانة ويدخلون بيننا، وأكون أنا المتكلم والحيان متقابلان. وحضرت كنانة وأميرها الشداخ الشاعر البطل، وحضرت خزاعة، وحضرت قريش، وتقابلوا على هيئة الحرب، فبرز قصي على فرسه وقال: يا معشر خزاعة، لما كان لكم مفتاح البيت والملك علينا، أنازعناكم في شيء من ذلك؟ قالوا: لا؛ قال: فلما أعاد الله لنا بيت آبائنا، لم حسدتمونا فيه وجعلتم تقاتلونا عليه؟ وأيم الله، لو قاتلنا عليه ولم نكن نأخذه بحق، لكنا في ذلك معذورين؛ فإن طلب الوراثة في الرياسة بالسيف مكرمة، وقد علمتم أنا لا نخليه أبداً! وهؤلاء أخواننا بنو كنانة معنا لا معكم، وأنتم غرباء بعداء من اليمانية في أرض المعدية، فإن جنحتم إلى السلم وطلبتم القرار في مهاد العافية، فأقيموا ما شئتم في بطن مر، ولكن رياستكم، ونحن لا نؤمر عليكم ولا نعترضكم، ولسنا طالبي ملك، ولا حاجة لنا في غير هذا البيت وجوره. فإن

стр. 269

انقدتم إلى ما قلته انقدنا إلى حسن جواركم، وشدخت هذه الدماء التي بيننا؛ وإن أبيتم فالسيوف لها الحكم، والنصر من السماء. وللأمور دلائل، وللإقبال علامات، والشقي من عاند السعد عند إقباله! قال: فامتلأت أسماع خزاعة بهذا الكلام، وعلم عقلاؤهم أنه الحق، فقالوا: ومن يشدخ هذه الدماء، ويضمن ما سلف منها ألا يطالب أحد به، وما يستقبل ألا يراق هدراً؟ فقال قصي: يتولى ذلك سيد بني كنانة يعمر بن عامر الليثي، وهو شداخها، فسمي في ذلك الحين: بالشداخ وعقدوا الأيمان على ذلك، وقر كل أحد في مكانه. قال صاحب الكمائم: ولما استقر بقصي القرار بمكة خاف على قريش من التحاسد والتباغض في المجاورة مع المكاثرة، فنظر المستحقين لقرب البيت والقادرين على ذلك قد نازعهم الفريق الآخر، فألزمهم السكنى بمكة والحرم فيما قرب من المدينة والبطاح، وسماهم: قريش البطاح، وأخرج الآخر إلى ظواهر مكة، وسماهم: قريش الظاهر، فصارت كنانة وخزاعة وقريش الظواهر بادية لقريش البطاح.

стр. 270

تاريخ قريش البطاح وفيهم العز والنبوة والخلافة ومجاورة الكعبة. قال ابن حزم: جميع ولد قصي بن كلاب المذكور من قريش البطاح، وانضاف لها في السكنى معها من قريش سائر بني كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي. وانضاف لقريش البطاح من بني الحارث بن فهر بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، وبنو هلال بن ضبة بن الحارث؛ ومن سوى هؤلاء فهم من قريش الظواهر. قال ابن حزم: "المطيبون من قريش هم: بنو عبد مناف، وبنو عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تميم، وبنو الحارث بن فهر؛ والأحلاف منهم وهم لعقة الدم: بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي". فأما الأول فإنهم تحالفوا على طيب تطيبوا به، والأخر تحالفوا على دم لعقوه. وقال هشام بن محمد الكلبي: الواصلون الذين انتهى إليهم الشرف من قريش في الجاهلية فوصلوه بالإسلام عشرة رهط من عشر أبطن: هاشم، وأمية، ونوفل، وعبد الدار وأسد، وتيم، ومخزوم، وعدي، وجمح، وسهم.

стр. 271

تاريخ بني عبد مناف بن قصي ذكر البيهقي أنه كان أعظم ولد قصي، وبعده عبد الدار، ثم عبد العزى. وكان عبد مناف في الجاهلية عبد مناة، منسوب للصنم المشهور، ثم كره ذلك، فقيل: عبد مناف. وكان أبوه قصي قد أعطاه من رياسات قريش: الإمارة مكان المقدم على جيوشهم وكتائبهم، والرفادة فكان يطعم الحجاج في الموسم، والسقاية فكان له سقي الحجيج من بئر زمزم عند الكعبة. قال: وذهب شرفه كل مذهب، وصار أعظم بني قصي. وكان في زمان قباذ، سلطان الفرس، الذي تزندق واتبع مذهب مزدك، وعزل بني نصر عن الحيرة لأنهم أنفوا من ذلك المذهب، وولى عليها الحارث الكندي جد امرئ القيس الشاعر، وأمر الحارث أن يأخذ العرب المعدية من أهل نجد وتهامة بذلك. فلما انتهى إلى مكة راسل قريشا في الزندقة، فمنهم من تزندق - وجاء الإسلام ومنهم جملة يشار إليهم بذلك - ومنهم من امتنع؛ وكان رأس الممتنعين عبد مناف، جميع قومه وقال: صارت الأديان بالملك، وأذهبت نواميس الأنبياء والشرائع! أنا لا أتبع دينا بالسيف وأترك دين إسماعيل وإبراهيم! فبلغ ذلك الحارث، فكتب به إلى قباذ، فأمره أن ينهض إلى مكة ويهدم البيت، وينحر عبد مناف عنده، ويزيل رياسة بني قصي. فكره ذلك الحارث، وداخلته حمية للعرب فدارى عنهم، وشغل قباذ بغيرهم.

стр. 272

وذكر الطبري أن اسم عبد مناف المغيرة، وكانت أمه قد أخدمته مناف الصنم، فقيل: عبد [مناف] . قال الزبير بن بكار: فنظر قصي فوجده يوافق عبد مناة بن كنانة، فحوله إلى عبد مناف. قال الطبري: وكان يقال له: قمر البطحاء. قال الأصفهاني في كتاب أفعل في الأمثال: "وساد الأربعة من أولاد عبد مناف: هاشم وعبد شمس ونوفل والطلب بعده، ولم يسقط لهم نجم، وجبر الله بهم قريشاً فقيل: "أقرش من المجبرين"؛ لأنهم كانوا سببا في جبر قريش، والتقرش: التجمع، وذلك بالإيلاف الذي صنعوه، وفدوا على الملوك بتجائرهم، فأخذوا منهم لقريش العصم، فأخذ لهم هاشم حبلا من ملوك الشام حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الشام وأطراف الروم، وأخذ لهم عبد شمس حبلا من النجاشي حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض الحبشة، وأخذ لهم نوفل حبلا من ملك الفرس حتى اختلفوا بذلك السبب إلى أرض العراق وبلاد فارس، وأخذ لهم المطلب حبلا من ملوك حمير حتى اختلفوا بذلك السبب إلى بلاد اليمن".

стр. 273

وقيل فيهم: "أوفد من المجبرين" لكثرة وفادتهم على الملوك. قال صاحب الكمائم: كانت قريش قد انقطعت عند البيت، وكانت العرب التي حولها تمنعهم من الخروج في طلب المعاش، ولم يكن لهم عيش إلا ما يأتي الموسم أيام الحج. فلما نشأ بنو عبد مناف المذكورون أخذوا العرب بالسياسة والمهاداة إلى أن انقادوا لهم، وفتحوا الطريق لسفارهم حيث شاءوا، فاخترعوا الإيلاف الذي ذكره الله ، فقال: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" (السورة) ، وقد تقدم في تاريخ خزاعة مدح مطرود الخزاعي لهم بذلك. ذكر هاشم بن عبد مناف وعقبه ذكر البيهقي وغيره أن اسمه عمرو، وقيل له: هاشم؛ لأنه لما رحل إلى الشام جاء معه بكعك كثير لم يكن لقريش به عهد، وقد توالى عليها القحط، فهشمه لهم في الرفادة وأطعمهم إياه، فقيل في ذلك:

стр. 274

عمرو الذي هشم الثريد لمعشر ... بفناء مكة مسنتين عجاف قال البيهقي: وهاشم معدود في خطباء العرب وبلغائهم، وكان مولده بغزة من بلاد الشام. ولما رحل في شأن الإيلاف على قيصر، قال له قيصر: وما قدر الحاجة إليكم حتى نتكلف لكم هذه الذمة؟ قال: ليس كل من يحسن إليه الملك يكون الملك محتاجاً لما عنده، ولو كان ذلك لقل إحسان الملوك؛ ولأن نأتيك بوجه الضراعة والحاجة إليك خير من أن نأتيك بوجه الاستغناء عنك والدالة عليك! ففسر له كلامه فأعجبه، وأمضى له ما أحب. وهو كان أكبر ولد عبد مناف سنا وقدراً، وكانت له من رياسات قريش الرفادة والسقاية، ولم يكن له ولد ذكر غير: عبد المطلب بن هاشم وبنو هاشم كلها ترجع إليه. قال البيهقي: الصحيح في اسمه أنه شيبة، وعاش مائة وأربعين سنة. وذكر ابن

стр. 275

قتيبة أن شيبة "كان عند أخواله بالمدينة، فقدم به عمه المطلب إلى مكة، فقالوا: عبد المطلب؛ ولزمه هذا الاسم". قال البيهقي: أما بنو هاشم فذهبوا في الشرف كل مذهب نبوة وخلافة وكثرة وشهرة. ومن كتاب الإنباه: "إن النبي ﵇ قال: "إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم". ومن كتاب المعاقل: عن عائشة ﵂، عن النبي ﵇، عن جبريل قال: "فتشت مشارق الأرض ومغاربها، فلم أر بني أب أفضل من بني هاشم"؛ وهم الموصوفون بالأشراف. وذكر صاحب الكمائم أن عبد المطلب معدود في خطباء قريش وبلغائهم. ولما وفد وفدهم على سيف بن ذي يزن يهنئونه بأخذ ثأره من الحبشة والاستيلاء على اليمن، خلا معه سيف وبشره بأن النبي صلى الله عليه من ولده، ووهب له وخلع عليه، فخرج وقومه يهنئونه بما يبصرونه عليه وفي يده؛ فقال لهم تهنئوني بما تبصرون، وأنا أهنئ نفسي بما أودعه الملك خاطري مما لم تطلعوا عليه!

стр. 276

ولما جاء ملك الحبشة صاحب الفيل إلى هدم الكعبة خرج له عبد المطلب، فحسب أنه يكلمه في البيت، فلم يقل له في ذلك حرفاً بل سأله في إبل له أغارت الحبشة عليها، فاستقصر همته في ذلك وقال: كنت أحسب أنك تكلمني في هذا البيت الذي هو شرفكم! فقال: إن الإبل لي فكلمتك فيها، وأما البيت فله رب غيري سيمنعه منك! فرد عليه الإبل، وأصبح عبد المطلب ممسكاً بباب الكعبة وهو يقول: لا غرو أن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن محالهم ... وصليبهم كيداً محالك وانصر على آل الصلي_ب وعابديه اليوم آلك وكانت قريش لعظمتها في العرب، وتوارثها حماية البيت يقال لهم: آل الله.

стр. 277

ومات عبد المطلب والنبي ﷺ في ثمان سنين وهو الذي كان يكفله. ذكر بني عبد المطلب في المعارف: "ليس في الأرض هاشمي إلا من ولد عبد المطلب". وفي الشهاب، من كلام رسول الله صلى الله عليه: "من أولى رجلا من بني عبد المطلب معروفاً في الدنيا، فلم يقدر أن يكافئه، كافأته عنه يوم القيامة". قال ابن قتيبة: "ولد لعبد المطلب عشرة بنين وست بنات". ومن كتاب ابن فارس أن كل واحد من العشرة كان يأكل جذعة. ومن نسب ابن حزم: عبد المطلب وأبو طالب والزبير وعبد الكعبة والبيضاء - وهي أم حكيم توأمة عبد الله - وعاتكة وبرة وأروى وأميمة، أمهم جميعاً فاطمة بنت عمرو المخزومية. وحمزة والمقوم وحجل - واسمه المغيرة - وصفية، أمهم هالة الزهرية. والعباس وضرار أمهما

стр. 278

قرية. والحارث وقثم وأبو لهب والغيداق. زاد على من عدهم غيره ثلاثة، وهم: عبد الكعبة وحجل وقثم. ويذكر منهم في تاريخ الإسلام: حمزة والعباس وصفية وأبو الزبير ﵃. وعمات النبي صلى الله عليه كلهن روى لهن صاحب السيرة أشعاراً، إلا أنهن نازلات عن طبقة الاختيار. وكان [من أعمامه] في الحياة حين [بعث] النبي صلى الله عليه: أبو طالب فلم يؤمن به وكان يحبه ويكافح عنه، وأبو لهب وكان يعاديه. عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله صلى الله عليه، مات شاباً قبل أن يولد، ولم يكن له ولد غيره. وأنشد له ابن رشيق في العمدة: وأحور مخضوب البنان محجب ... دعاني فلم أعرف إلى ما دعا وجها

стр. 279

بخلت بنفسي عن مقام يشينها ... فلست مريداً ذاك طوعا ولا كرها الزبير بن عبد المطلب ذكر البيهقي أنه كان من وجوه قريش المشار إليهم بالتعظيم؛ لأن ماله من شرف اتلبيت أعطى قوة في بدنه، وشجاعة في نفسه، وفصاحة في لسانه. وقد كان سيد حلف الفضول الذي عقدته قريش في دار عبد الله بن جدعان. فإن قريشاً كانت تتظالم في الحرم، فأنكر ذلك الزبير، وأبت نفسه الأبية الظلم، واستعان على ذلك مع ابن جدعان، فحلفوا على ألا يظلموا، وأن يتناصروا على الظالم. قال: وكان محبا في النبي صلى الله عليه، ولم يلحق نبوته، وذكره ﵇، فقال: "كان يرحمني". قال: ومن شعره قوله _ وينسب لعبد الله بن جعفر الطالبي الأصغر: إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حليماً ولا توصه

стр. 280

وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيباً ولا تعصه ولا تورد الدهر في مجلس ... حديثاً إذا أنت لم تحصه ونص الحديث إلى أهله ... فان الوثيقة في نصه وذكر صاحب المعارف انه "من رجالات قريش في الجاهلية، وأنه القائل: ولولا الحمس لم يلبس رجال ... ثياب أعزة حتى يموتوا" والحمس: قريش، من الحماسة في دينهم وهي الشدة والشجاعة. وقيل: الحمس: كنانة كلها. وأنشد له الحاتمي في حلية المحاضرة: إن القبائل من قريش وغيرها ... ليرون أنا هام هذا الأبطح ونزالنا فضلا على نظرائنا=فضل المهار على الطريق الأوضح

стр. 281

وولده عبد الله بن الزبير في الصحابة. أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب ذكر الأزرقي في كتاب مكة أن أبا طالب ورث الرفادة وهي إطعام الحجاج. وأقامه في الإسلام أبو بكر ثم من بعده من ولاة الأمر. ومن صحيح مسلم: "قال العباس لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات النار، فأخرجته إلى ضحضاح". ومنه: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه". وفي السيرة من نصرته النبي صلى الله عليه، وأشعاره في مخاطبة قريش من أجله، ما يطول ذكره. وأحسن مدحه له ﵇ قوله من قصيدة أنشدها صاحب السيرة:

стр. 282

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وتواصل كذبتم وبيت الله نقتل محمداً ... ولما نقاتل دونه ونناضل ولا ننتهي حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ومن المشهور أن النبي ﵇ لما استسقى فسقي، وجاء الناس يصيحون: الغرق! الغرق! فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانجابت عن المدينة حتى صارت كالإكليل، ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب لو كان حياً لأقررت عينه! من ينشدها

стр. 283

قوله؟ فقام علي وقال: يا رسول الله، أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه؟ قال: أجل". وكان صلى الله عليه حريصاً على إسلامه حتى نزلت "إنك لا تهدي من أحببت". ولما احتضر حرص به أن يقول الكلمة ليموت على الإسلام، وتشهد له بها، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك! ومن المعارف: "مات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر"، و"كان أعرج". وقال البيهقي: كان معدوداً في خطباء قريش. وذكر أن أبا جهل وغيره من مردة قريش قالوا له: كم تحامي عن محمد! إن كنت تعلم أن على الحق فصدقه واتبعه؛ فقال: الأنفة تمنعني أن أكون تبعاً لابن أخي، وأن أقر أن أبي كان ضالا، وكذلك أنا حتى هداني؛ والحمية تمنعني أن أسلمه إليكم. وذكر أنه كان يرى ابنه علياً يصلي، فيقول له: نعم ما تصنع! اتبع ابن عمك! وكانوا يحرضون به أن يصلي فيقول: والله لا علتني أبداً! يعني عجيزته عند السجدة.

стр. 284

وكان له أربعة أولاد: طالب ولا عقب له، وهو المذكور هنا لأنه لم يسلم؛ والثلاثة: عقيل وجعفر وعلي مذكورون في تاريخ الإسلام. وكان كل واحد من هؤلاء يزيد على الذي يليه عشر سنين. طالب بن أبي طالب من كتاب السيرة: "كان في المشركين الذين خرجوا من مكة في نصرة أهل بدر، فقالت قريش: والله لقد عرفنا يا بني هاشم، وإن خرجتم معنا، أن هواكم مع محمد، فرجع إلى مكة، وقال: يا رب إما يغزون طالب في مقنب من هذه المقانب فليكن المغلوب غير الغالب" وفقد فلم يوجد له خبر. وأنشد له صاحب السيرة من شعر يذكر فيه تألب قريش على النبي صلى الله عليه: فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا وما إن جنينا في قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا

стр. 285

أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب من المعارف: "كان أحول. وقيل له أبو لهب لجماله، وأصابته العدسة فمات بمكة. وهو سارق غزال الكعبة وكان من ذهب". وذكر البيهقي أنه كان من أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه، وهو وامرأته حمالة الحطب بنت حرب بن أمية، كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه. وكان أبو لهب من خطباء قريش. وقال له أبو جهل: إن محمداً قد هجاك حين نزلت "تبت يدا أبو لهب وتب"، وأنت قدير على الكلام، فلم لا تهجوه؟ فقال: والله إن لساني حيث أردت إلا في جواب محمد، فاني أراه معقولا! قال: ولما كنت قضية بدر لم يخرج من المشركين فيها بل وجه بديلا عنه؛ ولما بلغه تأييد النبي صلى الله عليه حسده، ومات غماً عقب ذلك، وقبره في الثنية المشرفة على مكة في طريق حاج الشام، وبعض الناس يرجمونه. ومن نكت الماوردي: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه، فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك؟ قال: كما يعطى المسلمون؛ قال: مالي عليهم فضل! قال وأي شيء تبتغي؟ قال: تباً لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء! فنزلت "تبت يدا أبي لهب وتب". قال: وذكره الله بكنيته لأنها أشهر من اسمه، ولأن اسمه كان عبد العزى، وهي صنم.
следующие страницы →