← История

История · id 28174

نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب

ابن سعيد المغربي

Полный текст (734 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وولده عبد الله بن الزبير في الصحابة. أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب ذكر الأزرقي في كتاب مكة أن أبا طالب ورث الرفادة وهي إطعام الحجاج. وأقامه في الإسلام أبو بكر ثم من بعده من ولاة الأمر. ومن صحيح مسلم: "قال العباس لرسول الله ﷺ : إن أبا طالب يحوطك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: "نعم، وجدته في غمرات النار، فأخرجته إلى ضحضاح". ومنه: "أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه". وفي السيرة من نصرته النبي صلى الله عليه، وأشعاره في مخاطبة قريش من أجله، ما يطول ذكره. وأحسن مدحه له ﵇ قوله من قصيدة أنشدها صاحب السيرة:

стр. 282

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وتواصل كذبتم وبيت الله نقتل محمداً ... ولما نقاتل دونه ونناضل ولا ننتهي حتى نصرع دونه ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل ومن المشهور أن النبي ﵇ لما استسقى فسقي، وجاء الناس يصيحون: الغرق! الغرق! فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"، فانجابت عن المدينة حتى صارت كالإكليل، ضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله در أبي طالب لو كان حياً لأقررت عينه! من ينشدها

стр. 283

قوله؟ فقام علي وقال: يا رسول الله، أردت قوله: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه؟ قال: أجل". وكان صلى الله عليه حريصاً على إسلامه حتى نزلت "إنك لا تهدي من أحببت". ولما احتضر حرص به أن يقول الكلمة ليموت على الإسلام، وتشهد له بها، فقال: لولا أن تعيرني قريش لأقررت بها عينك! ومن المعارف: "مات أبو طالب قبل الهجرة بثلاث سنين وأربعة أشهر"، و"كان أعرج". وقال البيهقي: كان معدوداً في خطباء قريش. وذكر أن أبا جهل وغيره من مردة قريش قالوا له: كم تحامي عن محمد! إن كنت تعلم أن على الحق فصدقه واتبعه؛ فقال: الأنفة تمنعني أن أكون تبعاً لابن أخي، وأن أقر أن أبي كان ضالا، وكذلك أنا حتى هداني؛ والحمية تمنعني أن أسلمه إليكم. وذكر أنه كان يرى ابنه علياً يصلي، فيقول له: نعم ما تصنع! اتبع ابن عمك! وكانوا يحرضون به أن يصلي فيقول: والله لا علتني أبداً! يعني عجيزته عند السجدة.

стр. 284

وكان له أربعة أولاد: طالب ولا عقب له، وهو المذكور هنا لأنه لم يسلم؛ والثلاثة: عقيل وجعفر وعلي مذكورون في تاريخ الإسلام. وكان كل واحد من هؤلاء يزيد على الذي يليه عشر سنين. طالب بن أبي طالب من كتاب السيرة: "كان في المشركين الذين خرجوا من مكة في نصرة أهل بدر، فقالت قريش: والله لقد عرفنا يا بني هاشم، وإن خرجتم معنا، أن هواكم مع محمد، فرجع إلى مكة، وقال: يا رب إما يغزون طالب في مقنب من هذه المقانب فليكن المغلوب غير الغالب" وفقد فلم يوجد له خبر. وأنشد له صاحب السيرة من شعر يذكر فيه تألب قريش على النبي صلى الله عليه: فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا ... فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا وما إن جنينا في قريش عظيمة ... سوى أن حمينا خير من وطئ التربا

стр. 285

أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب من المعارف: "كان أحول. وقيل له أبو لهب لجماله، وأصابته العدسة فمات بمكة. وهو سارق غزال الكعبة وكان من ذهب". وذكر البيهقي أنه كان من أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه، وهو وامرأته حمالة الحطب بنت حرب بن أمية، كانت تضع الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه. وكان أبو لهب من خطباء قريش. وقال له أبو جهل: إن محمداً قد هجاك حين نزلت "تبت يدا أبو لهب وتب"، وأنت قدير على الكلام، فلم لا تهجوه؟ فقال: والله إن لساني حيث أردت إلا في جواب محمد، فاني أراه معقولا! قال: ولما كنت قضية بدر لم يخرج من المشركين فيها بل وجه بديلا عنه؛ ولما بلغه تأييد النبي صلى الله عليه حسده، ومات غماً عقب ذلك، وقبره في الثنية المشرفة على مكة في طريق حاج الشام، وبعض الناس يرجمونه. ومن نكت الماوردي: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه، فقال: ماذا أعطى إن آمنت بك؟ قال: كما يعطى المسلمون؛ قال: مالي عليهم فضل! قال وأي شيء تبتغي؟ قال: تباً لهذا من دين، أن أكون أنا وهؤلاء سواء! فنزلت "تبت يدا أبي لهب وتب". قال: وذكره الله بكنيته لأنها أشهر من اسمه، ولأن اسمه كان عبد العزى، وهي صنم.

стр. 286

قال: ولما نزلت "وأنذر عشيرتك الأقربين" صعد الرسول ﷺ على الصفا، فنادى: يا صباحا فاجتمعوا فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من صخرة بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ قالوا: نعم؛ قال: فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد! فقال أبو لهب: تباً لك آخر الدهر ما دعوتنا إلا لهذا! فنزلت السورة. وقيل: إنه كان إذا وفد وفد على رسول الله صلى الله عليه، انطلق إليهم أبو لهب فسألوه عنه، فيقول: إنه ساحر كذاب! فيرجعون عنه ولا يلقونه. فأتاه مرة وفد، وفعل معهم مثل هذا، فقالوا: لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه؛ فقال أبو لهب: إنا من نزل نعالجه من الجنون، فبلغ الرسول صلى الله عليه ذلك، فاكتأب له، ونزلت السورة. وفي عقب أبي لهب شرف وخير كثير في الإسلام. ذكر عبد شمس بن عبد مناف وولده ذكروا أنه كان توأما مع هاشم وكان الخارج أولا هاشم، فقدر الله أن يكون بين أولادهما في الجاهلية والإسلام من المقاطعة والحرب ما ملئت به السير والتواريخ. وشرف هذا البيت دائر على العنابس والأعياص، فالعنابس من ولد عبد شمس شبهوا بالأسود لشجاعتهم. وسيدهم الذي له العقب النابه:

стр. 287

حرب بن أمية بن عبد شمس كانت بيده العقاب، وهي راية قريش التي من كانت له ولي إمارة الحرب، وكان أمير قريش يوم الفجار الرابع الذي كان بين كنانة وقيس، والدائرة على قيس الذين فجروا بابتداء القتال في الأشهر الحرم. في هذا الانفجار قيد حرب ابن أمية وأخواه سفيان وأبو سفيان أنفسهم لكيلا يفروا، فسموا: العنابس. وذكر صاحب الكمائم أن حرب بن أمية وصف له طريق منقطع بسبب الجن، وأنها تعبث فيه ببني آدم. وكان لا يبالي من لقي، فركب فرسه وقال: والله لأضربن عليهم مكانهم ناراً، وأخذ الزند وسار إلى مكانهم، وحرق ما به من الأشجار والنبات، فقتلته الجن، وقالت فيه الشعر المشهور: وقبر حرب بمكان قفر ... وليس دون قبر حرب قبر وكان موته عظيماً على أهل مكة: خرجت نساء قريش حواسر يصحن: واحرباه! ومن ذلك اليوم صار النساء إذا ندبن أحداً قلن: واحرباه! تعظيما لأمر من يندبه، وتهويلا للمصيبة.

стр. 288

قال البيهقي: وهو من المعدودين في بلغاء قريش وفصائحهم: أرسل إليه عيينة بن حصن قائد غطفان يقول: إذا كنت شجاعاً فابرز إلي إذا ناديت باسمك في الحرب؛ فأجابه: إن كنت صادقاً في الشجاعة فاثبت إلي إذا برزت إليك! وقال له عبد المطلب: كم تنفس علينا وكم تفخر! فقال: إني أفخر عليكم بي وبإخوتي، وأفخر بكم على كل من وطئ الحصى! وابنه أبو سفيان ورث إمارة قريش بعده، وهو مذكور في تاريخ الإسلام. وبنته: أم جميل بنت حرب هي حمالة الحطب المذكورة في القرآن، وهي زوجة أبي لهب، وقد تقدم ذكرها في ترجمته. ومن النكت للماوردي: أنها كانت تحطب، فتلقي الشوك في طريق رسول الله صلى الله عليه. فلما نزلت "تبت يدا أبي لهب" وجاء فيها "وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد" أقبلت تولول وبيدها فهر، وهي تقول: مذمماً قلينا وأمره عصينا ودينه أبينا

стр. 289

والرسول صلى الله عليه وأبو بكر ﵁ في المسجد، فقال: يا رسول الله، إني أخاف أن تراك؛ فقال: إنها لن تراني، وقرأ قرآنا اعتصم به، فلم تره. فقالت: أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب الكعبة ما هجاك! فولت فعثرت في مرطها وهي تقول: تعس من محمد! عقبة بن أبي معيط ذكوان بن أبي عمرو بن أمية. ذكروا أن أبا عمرو أخا حرب من العنابس؛ وقيل: إن ذكوان ولده؛ وقيل: مولاه. وفي عقبه نباهة. وكان عقبة أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه، فلما أسر يوم بدر قدمه ليضرب عنقه، فقال: أقتل من بين قريش صبرا؟ فقال عمر بن الخطاب: "حين قدح ليس منها"، وقال له رسول الله صلى الله عليه: "إنما أنت

стр. 290

يهودي من أهل صفورية". فقال: من للصبية بعدي؟ قال رسول الله صلى الله عليه: "النار لهم بعدك"؛ ثم ضربت عنقه. وقيل له بمكة: إن محمداً قد نصرته الأوس والخزرج، فقال: لو نصره الثقلان - الإنس والجن - ما ازددت في تكذيبه إلا بصيرة؛ وإن الرياسة علينا قعدت به من جهة الدنيا، فجاء يطلبها بالآخرة! ومن الأعياص وهم رهط عثمان بن عفان ﵁ ومروان بن الحكم والأشدق: أبو أحيحة سعيد بن العاص بن أمية كان يقال له: سيد البطحاء، وكان إذا اعتم لا يعتم أحد على صورة عمامته إجلالا له ومزية لعظم قدره؛ ولذلك قيل: أبو أحيحة من يعتم عمته ... يضرب ولو كان ذا مال وذا عدد

стр. 291

وفي عقبه نباهة. ومن بني ربيعة بن عبد شمس: عتبة بن ربيعة ذكر البيهقي أنه ساد في قريش. ولما كان أبو سفيان وارث الإمارة عن أبيه غائباً مع العير التي جاءت من الشام، أمرت قريش على النفير الذي نهز لنصرته عتبة، وجرى المثل "لا في العير ولا في النفير". وقتل عتبة يوم بدر عبيدة بن الحارث بن المطلب، وكان قتله فاجعاً لقريش، وبكته ابنته هند أم معاوية ورثته، ولم تزل تبكيه حتى قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، فأكلت من كبده ثأراً بأبيها وبابنها حنظلة بن أبي سفيان. قال صاحب الكمائم: وكان عتبة معدوداً في فصحاء قريش. قال له أبو جهل وقد رأى منه تأخراً يوم النفير: أما لو كنت قائد النفير ما تأخرت؛ فقال: أما لو كنت ممن يقدمك ما سفهت رأيك، وإني لبصير بموضع التقدم ومكان التأخر، ولذلك قدموني. أخوه شيبة بن ربيعة قالوا: لم يسد رئيس وهو فقير إلا شيبة بن ربيعة؛ وقتله يوم بدر حمزة بن عبد المطلب.

стр. 292

قال البيهقي: وكان غير مقصر عن أخيه في البلاغة: قيل له يوم بدر والقتل يعمل في أصحابه: سقتم أنفسكم إلى النحر؛ فقال: لأن نسوقها خير من أن تساق. بنو نوفل بن عبد المطلب وساد في الجاهلية من بني نوفل بن عبد المطلب: المطعم بن عدي بن نوفل كان ممن يقدم في قريش، وساد بجوده وبيته. وذكر عنه صاحب الكمائم أنه كان نسابة، وأن ابنه جبير بن مطعم الصحابي ما أخذ علم النسب إلا منه. وكان له حظ من البلاغة. ولما خرج النبي ﵇ إلى الطائف لينصروه فلم يفعلوا ورجع إلى مكانه، لم يقدم أحد على إجارته غير المطعم؛ فقال له أحد بني نوفل: لا تضرم ناراً قد خمدت؛ فقال: يا بني إن خمدت والله صار بنو عبد مناف رماداً! ثم أجاره، وقال له: انظر لنفسك في الخروج من بين أظهر هؤلاء القوم؛ فإن الواحد كم يغالب الجميع؟ فنظر رسول الله صلى الله عليه في شأن الهجرة للمدينة. بنو عبد الدار بن قصي بن كلاب ومن بني عبد الدار بن قصي بن كلاب أعلام في الإسلام، ولهم ذكر ورياسة في الجاهلية. قال الماوردي: إن قوله تعالى "إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون" نزلت في بني عبد الدار.

стр. 293

وذكر الأزرقي أن قصياً كان يحب ابنه عبد الدار، فأراد أن يبقى له ذكراً مع أخيه عبد مناف، وكان قد ذهب شرفه كل مذهب، فأعطاه من أشطار رياسة قريش الحجابة للبيت، ودار الندوة التي كانوا يجتمعون فيها للأواء واللواء. وورث مفتاح البيت منهم بنو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى بن عثمان ابن عبد الدار إلى اليوم؛ لأن النبي صلى الله عليه دفع مفتاح الكعبة يوم الفتح إلى شيبة وقال: "خذوها يا بني [أبي] طلحة خالدة مؤبدة لا يأخذها أحد منكم إلا ظالم". والعبدريون منسوبون إلى عبد الدار. هذا ومنهم أعلام كثيرة في الإسلام، ومنهم في الجاهلية: النضر بن الحارث بن كلدة ابن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار. ذكر ابن حزم أنه كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه، فأخذ يوم بدر، فقتله صلى الله عليه بالصفراء منصرفه من بدر؛ وتولى ضرب عنقه علي بن أبي طالب ﵁. قال البيهقي: كان رسول الله ﷺ إذا شرع في أن يتلو سورة أو آية جمع النضر لنفسه جماعة، وكان

стр. 294

قد ابتاع كتب الدجالين الذين يقرأونها على العامة في الخلق، فإذا قرأها على جماعته قال: أليس هذا أحسن مما يسمعه محمد أصحابه، فنزلت في حقه "ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله". وذكر الماوردي في كتاب النكت أنه أنزلت في النضر بضع عشرة آية، منها: "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك.."، ومنها: "عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب"، ومنها: "سأل سائل..". بنو أسد بن عبد العزى ومن بني أسد بن عبد العزى بن قصي رهط الزبير بن العوام ﵁: عثمان بن الحويرث بن أسد ذكر ابن حزم أنه وفد على قيصر، وتوصل إلى أن ملكه على مكة، فأعلن ابن عمه الأسود بن المطلب بانكار ذلك وتابعته قريش، فانصرف عثمان إلى قيصر، فدست قريش إلى عمرو بن جفنة ملك عرب الشام أن يريحهم منه، فوضع له من سمه.

стр. 295

قال البيهقي: لما رجع إلى الشام صنع له بنو جفنه طعاماً، ووضعوا السم أمامه، فلم ينصرف إلا وقد وجد أثره وأيقن بالموت. فقال له أحد من حضره: بئس ما صنعت، لا أنت بالملك ولا أنت بروحك! فقال: هل كان لي بد من الموت؟ ولأن أموت واسمي في أسماء الملوك خير من أن يكون في أسماء أهل اللؤم والعجز والفضول! ثم قضى نحبه. ومنهم: الأسود بن المطلب بن أسد كان من سادات قريش في الجاهلية وشعرائهم، وهو الذي صد ابن عمه عثمان المذكور عن ملك مكة. وذكر صاحب السيرة أنه "كان قد أصيب له يوم بدر ثلاثة من ولده، وكان يحب أن يبكي عليهم وكانت قريش قد حرمت البكاء على قتلاها حتى تصيب بثأرها. فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة في الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحلت قريش البكاء والنحيب على قتلى بدر، لعلي أبكي على زمعة - وهو أحدهم - فإن جوفي قد احترق! فقال: إنها تبكي على بعير لها أضلته؛ فقال: أتبكي أن يضل لها بعير ... ويمنعها من النوم السهود

стр. 296

فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا" ومن الاستيعاب أن الأسود كان من المستهزئين الذين قال الله فيهم "إنا كفيناك المستهزئين". وذكروا أن جبريل رمى في وجهه بورقة فعمي. ومنهم: ورقة بن نوفل بن أسد ذكره صاحب المعارف فيمن كان على غير دين العرب في الجاهلية؛ لأنه "رغب عما كانت تعبده من الأوثان، وطلب الدين فتنصر. وذكرت له خديجة شيئاً من أمر النبي ﵇، فقال: إنه ليأتيه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى". وذكر البيهقي أنه قال للنبي صلى الله عليه حين أخبره بما رأى: هذا الناموس الذي أنزله الله على موسى؛ يا ليتني فيها جذع! يا ليتني معك حين يخرجك قومك! فقال: أو مخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي وكذب، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً.

стр. 297

وتروى له الأبيات المذكورة في ترجمة عمر بن الخطاب ﵁، أولها: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... يبقى الإله ويفنى المال والولد وأنشد له صاحب السيرة شعراً جيمياً يذكر فيه النبي ﵇. ومات قبل أن يسلم، وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين. تراجم بني كعب بن لؤي بن غالب الذين تقدمت عليهم الإحالة في قريش البطاح بنو تيم بن مرة بن كعب رهط أبي بكر الصديق ﵁، وطلحة بن عبد الله. ساد منهم في الجاهلية: عبد الله بن جدعان ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم. ذكر ابن حزم أنه كان على بني تيم في يوم الفجار، ووصفه بسيد قريش.

стр. 298

ومن كتاب أفعل للأصفهاني أنه يضرب به المثل في الجود، فيقال: "أقرى من حاسي الذهب" لأنه كان لا يشرب الماء إلا في آنية الذهب. وكان قد أصاب كنزاً، فكثر منه بذله ونفقته، وهو أول من أظهر الرفاهية. وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان مداحاً له: له داع بمكة مشمعل ... وآخر فوق دارته ينادي إلى ردح من الشيزى عليها ... لباب البر يلبك بالشهاد وكان يقال: لو بقي أحد لسخاء لبقي ابن جدعان. وفي الحديث: أن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله، ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، فهل ذلك نافعة؟ فقال: "لا تنفعه لأنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". ومن كتاب حلى العلا لابن جبر القيرواني: أن الجن نعته قبل أن يعلم بموته في أرض بعيدة بشعر أوله: ألا هلك السيال غيث بني فهر ... وذو الباع والعز القديم وذو الفخر

стр. 299

ومن كتاب قطب السرور للرقيق: كان ابن جدعان مغرى بالمنادمة، ومن قوله: شربت الخمر حتى قال صحبي ... أليس من الغواية بالمفيق؟ وحتى ما أوسد في منام ... أنام به سوى الثوب السحيق وحتى أغلق الحانوت رهني ... وأنكرت العدو من الصديق ثم إن قريشاً اجتمعت في حمالات سئلتها، فقال بعضهم: لو بعثتم لابن جدعان، فقيل: ذلك رجل مشغول بشرابه! ثم بعثوا له، فقال لأصغر ولده: لا حق أوجب من حق الكأس، فاخرج لعمومتك فاحمل عني مثل ما يحمل الجميع، ففعل؛ وقال القوم: نعم العون على الحروب المال! بنو مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب يقال لهم: ريحانة قريش؛ وهم رهط خالد بن الوليد سيف الله في الأرض.

стр. 300

الوليد بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. من الكمائم: كان قد ساد في قريش ببيته وماله. وهو سيد بني مخزوم في الجاهلية، وولدها خالد سيدها في الإسلام. والوليد أحد الرجلين في قوله تعالى حكاية عن قريش "لولا [نزل] هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم". وكان عند قريش بليغا فصيحا، وأراد معارضة القرآن، فأتى بالهذيان. ومن النكت للماوردي أنه الذي فكر وقدر، ثم قال: إن هذا إلا سحر يؤثر، إن هذا إلا قول البشر. وقال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة مائة وأربع آيات، منها: "لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين"؛ ومنها: (حلاف مهين". وعرض على الرسول مالا، وحلف أن يعطيه إياه على أن يرجع عن دينه. وفيه نزلت "ويل لكل همزة لمزة" (السورة) . وكان له زنمة كزنمة الشاة أسفل أذنه. وفيه نزلت "ذرني ومن

стр. 301

خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدوداً وبنين شهوداً ومهدت له تمهيداً" مهد له المال والولد والرياسة في قومه، ولم يزل يرى النقص في ماله وولده، وكان له اثنا عشر ولداً. وفيه، وفي العاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف نزلت "قل يا أيها الكافرون" (السورة) : لقوا رسول الله صلى الله عليه، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيراً مما في أيدينا شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما بيدك كنت قد شاركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه. ابنه عمارة بن الوليد هو من شعراء الأغاني، ومن القوم الذين قيل فيهم: أزواد [الركب] ؛ لأنهم كانوا إذا سافروا مع أحد لم يحوجوه إلى زاد. وأنشد له صاحب قطب السرور: نديمي قد خف الشراب ولم أجد ... له سورة في عظم رأس ولا يد

стр. 302

نديمي هذا عيهم فاشربا به ... فلا خير في شرب الشراب المصرد وعيهم: جمل له. وشرب مع مسافر بن أبي عمرو بن أمية، فقال للقينة غني: خلق البيض الحسان لنا ... وجياد الخيل والحبر كابراً كنا أحق بها ... حين صيغ الشمس والقمر فقال مسافر: غني: هل أخو كأس موقرها ... وموق صحبه سكره ومحييهم إذا شربوا ... ومقل فيهم هذره

стр. 303

خلق البيض الحسان لنا ... وجياد الخيل والحبره كابراً كنا أحق بها ... كل شيء تابع أثره قال الرقيق: وكان فاتكاً غزلا معجبا بالنساء. وسافر مع عمرو بن العاص في البحر إلى النجاشي، فراود زوج عمرو، ودفعه يوماً عن السفينة في البحر فنجا عمرو بسباحته. واضطغن له ذلك إلى أن أعلمه عمارة بقلة عقله أن زوج النجاشي ملك الحبشة قد علقت به، وأنه يدخل عليها؛ فقال: إن كنت صادقاً فقل لها تدهنك من دهن النجاشس! ففعل ذلك، وأعطته قارورة، فجاء بها إلى عمرو وأعطاه منها. فأعلم عمرو النجاشي وأراه الدهن. فدعا بالسواحر، فنفخن في إحليله، فهام وصار في عداد الوحش. وفي ذلك يقول عمرو: إذا كنت ذا بردين أحوى مرجلا ... فلست براع لابن عمك محرما إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه ... ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمما قضى وطراً منه يسيراً وأصبحت ... إذا ذكرت أفعاله تملأ الفما

стр. 304

أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي كان يكنى أبا الحكم، وقال فيه حسان بن ثابت: الناس كنوه أبا حكم ... والله كناه أبا جهل وذكر ابن حزم أن أباه هشاماً كان على بني مخزوم يوم الفجار، وأرخت قريش من موت هشام لعظمته عندهم. قال: وكان أبو جهل ذا عارضة في قريش، وكان رسول الله صلى الله عليه يقول: "اللهم أيد الإسلام بعمر أو بأبي جهل". وكان أعدى عدو لرسول الله صلى الله عليه. وقتل يوم بدر؛ وقيل: قتلته الملائكة. وقد ذكر الماوردي أنه نزل في أبي جهل أربع وثمانون آية. ولما مات القاسم ابن رسول الله ﷺ قال أبو جهل: بتر محمد، فليس له من يقوم بأمره من بعده؛ فنزلت "إن شانئك هو الأبتر". وقال الماوردي: إنه لما تآمرت قريش في شأن الرسول صلى الله عليه في دار الندوة، فقال قائل: قيدوه واحبسوه في حيث يتربص به ريب المنون؛ وقال أبو البختري: أخرجوه منكم مطروداً؛ فقال أبو جهل: ما هذا برأي، ولكن ليجتمع عليه من كل قبيلة رجل، فيضربونه ضربة رجل واحد، فيرضى حينئذ بنو هاشم بالدية! فنزلت "وإذ يمكر بك الذين كفروا" (الآية) ، فخرج ﵇ إلى الغار.

стр. 305

وقال الماوردي: في أبي جهل وأتباعه: "فويل للقاسية قلوبهم"؛ وفيه نزلت: "كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى"؛ وفيه نزلت: "أرأيت الذي ينهى عبداً إذا صلى": حلف إن رأى رسول الله صلى الله عليه ليطان رقبته، وليعفرن وجهه؛ فجاءه وهو يصلي ليطأ رقبته، فأراه الله بينه وبينه خندقاً من نار وهواء وأجنحة، فنكص. وقال صلى الله عليه: "لودنا مني لاختطفته الملائكة عضواً عضواً". قال الأصفهاني في كتاب الأمثال: وأما قولهم: "أخنث من مصفر استه" فهو مثل من أمثال الأنصار كانوا يكيدون به المهاجرين من بني مخزوم، وكانوا يعنون بذلك أبا جهل، وقد كان يردع أليتيه بالزعفران لبرص كان هنالك، فادعت الأنصار إنما كان يطليها بالزعفران تطييبا لمن يعلوه لأنه كان مستوها. ولذلك قال فيه عتبة بن ربيعة: سيعلم مصفر استه أينا انتفخ سحره".

стр. 306

قال البيهقي: والأبيات التي أنشدها الأصفهاني للرجل القرشي الذي لم يحب ذكره تروى لأبي جهل، وهي: يا جواري الحي عدننيه ... أخواتي لا تلمننيه كيف التذ الحياة وقد ... حجبوا عني معلليه ثم يلحوني على رجل ... لو سقاني سم ساعتيه لم أقل: إني مللت ولا ... إن من أهواه ملنيه وقيل: إنه كان إذا هاج عليه ذلك الداء عمد إلى حجارة الرمضاء، فكوى بها دبره وقال: والله لا علاك ذكر! وكان أحول. هبيرة بن أبي وهب ابن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم. ذكر ابن حزم أنه فر من الإسلام، فمات بنجران. وكانت تحته أم هانئ بنت أبي طالب، ومنها ولده جعدة بن هبيرة ولاه علي خراسان.

стр. 307

ومن السيرة النبوية أن هبيرة مات كافراً، وقال لما بلغه إسلام زوجه المذكورة: وتزعم أني إن أطعت عشيرتي ... سأردى وما يرديك إلا زيالها وإني لحام من وراء عشيرتي ... إذا كان في تحت العوالي مجالها وإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل ترمى ليس فيها نصالها فان كنت قد تابعت دين محمد ... وقطعت الأرحام منك حبالها فكوني على أعلى سحيق بهضبة ... ململمة غبراء يبس بلالها بنو عدي بن كعب رهط عمر بن الخطاب وسعيد بن زيد ﵄. زيد بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى ابن رياح بن عبد الله بن قرك بن رزاح بن عدي. من المعارف: "كان قد رغب عن عبادة الأوثان وطلب الدين، فقتلته النصارى بالشام".

стр. 308

وكان رسول الله صلى الله عليه قد حبب له الانفراد، فكان يخلو في شعاب مكة. قال: "فرأيت زيد بن عمرو في بعض الشعاب، فجلست إليه، وقربت له طعاماً في لحم، فقال: يا ابن أخي لا آكل من هذه الذبائح". وقال في تجنب عبادة الأصنام: فلا عزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني عمرو أزور أرباً واحداً أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور ومن الاستيعاب: "قال سعيد بن زيد لرسول الله صلى الله عليه: إن زيداً كان كما رأيت وبلغك، أفأستغفر له؟ قال: نعم، استغفر له فإنه يبعث أمة وحده". بنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب أمية بن خلف بن حذاقة بن جمح سيد بني جمح في الجاهلية، وكان من أعداء رسول الله صلى الله عليه، وكان يعذب بلالا ليرده عن الإسلام أشد

стр. 309

العذاب، فقتله بلال يوم بدر، وهنأه أبو بكر ﵁ بقوله: هنيئاً زادك الرحمن خيراً ... فقد أدركت ثأرك يا بلال وذكر ابن حزم أنه "كان يعرف بالغطريف". قال الماوردي: وأمية بن خلف من القوم الذين نزلت فيهم "قل يا أيها الكافرون". وقال البيهقي: إنه قال: لئن بقيت أنا وأخي لمحمد لنصيرن عزه ذلا، ووجوده عبرة! فقدر الله أن قتل هو يوم بدر، وقتل النبي صلى الله عليه أخاه أبي بن خلف يوم أحد. أبو عزة عمرو بن عبد الله ابن أهيب بن حذافة بن جمح. من شعراء المشركين المشهورين. ذكر العسكري في الأمثال النبوية أنه كان يهجو رسول الله ﷺ ، ويحرض الكفار عليه، فأخذ أسيراً يوم بدر، فسأل النبي صلى الله عليه أن يمن عليه، فأطلقه. ثم حضر أحداً مع كفار قريش، وكان يحرض أيضاً على النبي صلى الله عليه، فأخذ أسيراً فأعاد السؤال، فقال صلى الله عليه: "كلا لا تتحدث بالأبطح، وتفتل سبالك، وتقول: خدعت محمداً مرتين"؛ وقال: "لا يلسع المؤمن من حجر مرتين". وأمر به فضربت عنقه.

стр. 310

وذكر البيهقي أن أهل مكة قالوا له حين عاد: كيف أفلت من محمد؟ قال: خدعته باللسان الذي هجوته! بنو سهم بن عمرو بن هصيص رهط عمرو بن العاص داهية قريش. قيس بن عدي بن سعد بن سهم من الكمائم أنه كان سيد بني سهم في الجاهلية. ولما احتضر قيل له: ما تورث ابنك عبد الله؟ قال: السودد ووراثة الأشراف والمال ووراثة العوام. واتفق أن ساد بعده ابنه عبد الله، وزاد على أبيه. وهو كان على بني سهم يوم الفجار. بنو زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب رهط عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص ﵄. الأسود بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة. وهو ابن أخي آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه. وذكر البيهقي أنه كان شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه، وقيل له: أنت أولى الناس بإتباع محمد ونصرته؛ فقال: والله ما فعلت ذلك وما كان بين جنبي قلب! بينا نقول: ابن أختنا، نصير إلى أن نقول: رسول الله، ما على هذا صبر!

стр. 311

قال ابن حزم: كان الأسود من المستهزئين، وقتله جبريل ﵇ بمكة. سوداء بنت زهرة الكاهنة من الروض الأنف: "لما ولدت رآها أبوها زرقاء شيماء، فأمر بوأدها - وكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة - فأرسلها إلى الحجون لتدفن هنالك. فلما حفر لها الحافر، وأراد دفنها سمع هاتفاً يقول: لا تئد الصبية! وخلها في البرية! فالتفت فلم ير شيئاً؛ فعاد، فهاد الهاتف. فرجع إلى أبيها وأخبره فقال: إن لها شأناً! وتركها، فكانت كاهنة قريش. وهي التي قالت يوماً لبني زهرة: إن فيكم نذيرة أو من تلد نذيرا، فاعرضوا علي نساءكم! فعرضوا عليها، فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين؛ ثم عرضت عليها آمنة بنت وهب، فقالت: هذه النذيرة أو ستلدين نذيراً"؛ فولدت رسول الله صلى الله عليه. بنو عامر بن لؤي بن غالب ومن بني عامر بن لؤي بن غالب من قريش البطاح:

стр. 312

عمرو بن عبد ود ابن أبي قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، فارس قريش الذي قتله علي ﵁ يوم الخندق، ولا عقب له. وفيه قيل: عمرو بن ود كان أول فارس ... جزع المذاد وكان فارس أليل وقالت أخته ترثيه، وأنشد ذلك صاحب زهر الآداب: لو كان قاتل عمرو فيه قاتله ... لقد بكيت عليه آخر الأبد لكن قاتله من لا يعاب به ... وكان يدعى قديماً بيضة البلد من هاشم في ذراها وهي صاعدة ... إلى السماء تميت الناس بالحسد قوم أبى الله إلا أن تكون لهم ... مكارم الدين والدنيا بلا أمد

стр. 313

قريش الظواهر وأما قريش الظواهر فإنهم كانوا بادية لقريش البطاح، وكانت منازلهم في ظواهر مكة. قال البيهقي: وظواهر المدينة ما كان منها على أقل من مرحلة. وكان من منازل قريش الظواهر: نعمان بين مكة والطائف، وحنين، والجعرانة. قال: ولما جاء الإسلام انتقل من أراد من قريش إلى مكة وغيرها من البلاد، وبطل ذلك الحكم الذي كان في الجاهلية. قال ابن حزم: وقريش الظواهر هم: بنو معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، و بنو الأدرم بن غالب، وبنو محارب بن فهر، وبنو الحارث بن فهر؛ حاشا من ذكرتهم في قريش البطاح. بنو معيص وبنو محارب قال ابن حزم: فأما بنو معيص وبنو محارب فكان يقال لهم الأحربان من أهل تهامة لشدة طبعهما. ولبني محارب نباهة، وأنبههما في الجاهلية: الخطاب بن مرداس ابن كبير بن عمرو بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب. ذكر ابن حزم أنه كان رئيس بني محارب يوم الفجار، وكان يأخذ المرباع كما تأخذه الملوك.

стр. 314

وولده ضرار بن الخطاب شاعر قريش وفارسها، ولكنه أسلم فيذكر هنالك. بنو الأدرم قال ابن قتيبة: "وأما بنو الأدرم فهم [من] أعراب قريش، وليس منهم بمكة أحد، وفيهم يقول الشاعر: إن بني الأدرم ليسوا من أحد [ليسوا إلى قيس وليسوا من أسد] ولا توفاهم قرسش في العدد" وذكر ابن حزم أن منهم هلال بن خطل الشاعر. هلال بن خطل قال البيهقي: كان قد أشقاه الله تعالى، فحبب له إبليس بغض النبي صلى الله عليه، وكان له قينتان قد حفظهما هجوه، فإذا شرب مع ندمائه أمرهما أن يغنيا بذلك، ويقول:

стр. 315

لا أجد لذة فوق التلذذ بهجاء ابن [أبي] كبشة فعل الله به وصنع. فأمر النبي صلى الله عليه أن يقتل يوم فتح مكة ولو وجد متعلقاً بأستار الكعبة، فقتل في ذلك اليوم وهو متعلق بها. قال: وهو القائل: وإنما أعجب من معشر ... قد أهلكوا الأنفي في واحد ففرقة تحسبه صادقاً ... وفرقة تدعوه بالجاحد

стр. 316

تاريخ السائة من بني كنانة وهم البطون الذين كانوا في ضواحي مكة. قال البيهقي: ومن منازلهم في طريق مكة شامة وطفيل: جبلان ذكرهما بلال في قوله: وهل أردن يوماً مياه مجنة؟ ... وهل يبدون لي شامة وطفيل؟ قال: ومجنة آبار لكنانة بالقرب منهما، وكان بها سوق للعرب. وذكر ياقوت أن "مجنة كانت منزلا للدئل من كنانة". قال البيهقي: ومن منازل كنانة في طريق الطائف معدن البرم التي تحمل إلى الآفاق، وفي طريق العراق وادي نخلة: وفيه قرى ومزارع، بينه وبين عرفات مرحلة. ولهم فيما بين الحرمين: الأبواء وهو جبل، وودان وكان يختص بها منهم بنو ضمرة، والفرع وواديه يصب في ودان.

стр. 317

وقد دثرت كنانة من تلك الجهات، وبها الآن العلويون، وبنو حرب من زبيد من اليمن. بنو مالك بن كنانة قال ابن حزم: يقال لهم: الحي الممنوع، ومنهم بنو فراس. ذكر صاحب العقد أنهم "أشجع بيت في العرب، وفيهم قال علي بن أبي طالب ﵁ لأهل الكوفة: لوددت أن لي بمائة منكم عشرة من بني فراس". جذل الطعان الفراسي عمرو بن قيس، شاعر فارس جاهلي، عرف بجذل الطعان لثباته للرماح مثل الجذل. وأنشد له صاحب الكمائم: لقد علمت قريش أن قومي ... كرام الناس إن ذكروا الكراما وكنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما

стр. 318

قال هذا لأن بني فقيم من بني مالك بن كنانة كانوا النسأة الذين ذكر الله شأنهم في قوله تعالى "إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً". كان القلمس سيد بني فقيم يقف وينادي: أنا الذي لا يرد لي قول، ولا يعصى لي أمر، وقد حللت شهر كذا من الأشهر الحرم، وحرمت كذا من أشهر الحلال! فتتبعه على ذكر ذلك سائر العرب، ويكون ذلك في موسم الحاج. قال ابن حزم: القلمس سيدهم، وابن خمسة سادة في نسق نسأوا الشهور. ريطة بنت جذل الطعان من واجب الأدب: يقال إنها الظعينة التي حماها ربيعة بن مكدم، وكان الذي أغار عليها دريد بن الصمة. واتفق أن دريدا أسرته بنو كنانة، فوقعت عينها عليه، فقالت: سنجزي دريداً عن ربيعة فعلة ... وكل سيجزى بالذي كان قدما

стр. 319

سنجزيه نعمى لم تكن بصغيرة ... بإعطائه الرمح الطويل المقوما فقد أدركت كفاه فينا جزاءه ... وأهل بأن يجزى الذي كان أنعما فأطلقوه ولحق بقومه، فلم يزل كافاً عن غزوهم. ربيعة بن مكدم بن جذل الطعان من الأغاني: المعروف في الجاهلية بحامي الظعائن، "أحد فرسان مضر المعدودين وشجعانهم. قتله نبيشة بن حبيب السلمي يوم الكديد"، لقيه مع ظعن من قومه فحماهن، فرماه نبيشة، فقال للظعائن: أوصعن ركابكن حتى تنتهين إلى البيوت، فاني [ميت] لما بي، وسوف أبقى دونكن لهم على العقبة، واعتمد على رمي، فلن يقدموا عليكن ما أقمت مكاني؛ فأوضعن ونجون. وكانت القضية على ما قدره، ولم يتجاسر أحد أن يقربه وهو معتمد على رمحه وقد مات. ولا يعلم قتيل حمى ظعائن قبله، وكان يومئذ غلاما. ولم يقدم عليه القوم إلى أن قال نبيشة: إنه مائل العنق، وما أظنه إلا قد مات! فرمى فرسه فقمصت، فوقع عنها ميتاً.

стр. 320

وقد قال عمر بن الخطاب ﵁ لعمرو بن معدي كرب: أخبرني عن أشجع الناس؛ فقال: ربيعة بن مكدم، وكان قد طارده، فطرده ربيعة، وأسره وجز ناصيته، وقال له: إني أنفس بمثلك عن القتل لما رأى من شجاعته وفروسيته. وقد ذكر قضيته في حماية الظعائن الأصفهاني في كتاب أفعل؛ وفيها طول، وتلخيصها أنه قتل كل من تعرض له من الفرسان في شأن الظعائن من أصحاب دريد بن الصمة إلى أن انكسر رمحه، ولحقه دريد وقد دنا من حيه، ووجد أصحابه قد قتلوا، فقال: أيها الفارس، إن مثلك لا يقتل، ولا أدري معك رمحاً والخيل ثائرة بأصحابها، فدونك هذا الرمح، فاني منصرف إلى أصحابي فمثبطهم عنك! فانصرف دريد، وقال لأصحابه: إن فارس الظعائن قد حماها، وقتل أصحابكم، وانتزع رمحي، ولا مطمع لكم فيه فانصرفوا! وقال دريد: ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... حامي الظعائن فارساً لم يقتل أردى فوارس لم يكونوا نهزة ... ثم استمر كأنه لم يفعل
следующие страницы →