Полный текст (734 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
صارت تعدل عن النسب إلى نمير وتنسب إلى عامر! ودخل بنو نمير في الإسلام إلى الجزيرة الفراتية، فكان لهم هنالك دولة، ثم خمدوا فليس لهم ذكر.
ربيعة بن عامر
وأما ربيعة بن عامر فيقال لولده: بنو مجد، ومجد أمهم، وفيهم يقول لبيد:
سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميراً والقبائل من هلال
قالوا: وبنو مجدهم: كعب وكلاب وعامر بنو ربيعة.
كعب بن ربيعة
فأما كعب بن ربيعة بن عامر فإن العدد والبيت والأجذام فيه. قال ابن قتيبة: "وولده عقيل، وقشير، وجعدة، والحريش، وعبد الله".
تاريخ عقيل بن كعب
ابن ربيعة بن عامر. وكان لها في الجاهلية ذكر وأعلام وكثرة، ثم عظم ظهورها في الدولة العباسية، واستولت على بلاد الموصل مع ما كان لها من العراق، وكان من سلاطينها
стр. 422
شرف الدولة مسلم بن قريش ملك الجزيرة والشام. ولم يبق معها بالجزيرة لربيعة الفرس قائمة، ولا بالعراق لبني أسد ذكر، ولا دولة للعرب في البادية بالمشرق أعظم من دولتها.
قال ابن حزم: وأما عقيل فيقال: إن عددها يفي بجميع عدد مضر. وأجذام عقيل العظيمة ثلاثة: عبادة، وعمرو، وعامر.
عبادة بن عقيل
فأما عبادة بن عقيل فهو الأخيل. وكان بنوه في القديم يعرفون بالأخايل، وهم رهط ليلى الأخيلية الشاعرة. وقد ذكر ابن قتيبة أن مجنون ليلى العامري من بني الأخيل. وقد تركوا هذا النسب، والمعروف الآن عبادة.
ولا قائمة لها في جزيرة العرب، وأرضها الآن بالجزيرة الفراتية وما والاها من العراق. وهم أهل عافية وأموال تصل إخوتهم خفاجة، والحرب بينهم قائمة.
стр. 423
عمرو بن عقيل
وأما عمرو بن عقيل فالنسب المشهور منهم إلى خفاجة بن عمرو. وقد انتقلوا إلى العراق؛ والدولة الآن في بادية العراق لهم، وهم أصحاب صولة وعيث في الأرض.
ومشهورهم في الجاهلية:
توبة بن الحمير الخفاجي
من الكمائم: كان فارساً عاشقاً شاعراً، وقتلته في الجاهلية بنو عوف بن عامر أبناء عمه. ومن مشهور شعره قوله في ليلى الأخيلية:
حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها
أبيني لنا لازال ريشك ناعماً ... ولازلت في خضراء غض نضيرها
يقول أناس: لا يضيرك نأيها ... بلى كل ما شف النفوس يضيرها
بلى قد يضير العين أن تكثر البكا ... ويمنع عنها نومها وسرورها
стр. 424
وأشرف بالقور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها
وقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها
وقوله:
قالت مخافة بيننا وبكيت له ... والبين مبعوث على المتخوف
لو مات شيء من مخافة فرقة ... لأماتني للبين طول تخوفي
ملأ الهوى قلبي فضقت بحمله ... حتى نطقت به بغير تكلف
ومن الأغاني: "كان توبة قد رحل إلى الشام فمر ببني عذرة، فرأته بثينة فجعلت تنظر إليه، فعز ذلك على جميل، فقال: هل لك في الصراع؟ فقال: ذلك إليك. فشدت عليه بثية ملحفة مورسة فائتزر بها، ثم صارعه فصرعه جميل! ثم قال له: هل لك في النضال؟ فقال: نعم؛ فناضلة فنضله جميل، ثم سابقة فسبقه؛ فقال
стр. 425
له توبه: يا هذا، إنما تفعل هذا بريح هذه الجالسة، ولكن اهبط إلى هذا الوادي لتعلم. فهبط، فصرعة توبة ونضله وسبقه".
هكذا جاء هذا الخبر، وقد ذكر البيهقي أنه قتل في الجاهلية.
عامر بن عقيل
وأما عامر بن عقيل فهم بطون، امتاز منها بالشهرة المنتفق بن عامر بن صقيل، وهو نحو ألف فارس، ولهم صولة، وكم غارة لهم على البصرة والحجاج! ومنهم بنو خويلد، وهم فرسان عقيل، وهم الآن بجهة البحرين، ومنهم في عبادة ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
[تاريخ جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن]
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
[دريد بن الصمة]
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠"فلقيه ابن جدعان بسوق عكاظ، فحياه وقال: هل تعرفني يا دريد؟ قال: لا، قال: فلم هجوتني، قال: من أنت؟
стр. 426
قال: عبد الله بن جدعان، قال: هجوتك لأنك كنت [امرأ] كريما، فأحببت أن أضع شعري موضعه! فقال له: لئن كنت هجوت لقد مدحت! وكساه، وحمل إليه ناقتين برحليهما، فقال يمدحه:
إليك ابن جدعان أعلمتها ... مسومة للسرى والنصب
فلا خفض حتى تلاقي امرأ ... جواد الرضا وحليم الغضب"
وله تغزل في الخنساء الشاعرة.
ومن السيرة: أنه "لما فتح رسول الله صلى الله عليه مكة، وسمعت به هوازن، جمعها مالك بن [عوف] النصري، واجتمعت إليه ثقيف؛ وأخرجت بنو جشم دريد بن الصمة، وهو يومئذ شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه، ومعرفته بالحرب.
فلما أجمع مالك للمسير حط مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم فلما نزلوا بأوطاس اجتمع إليه الناس ومنهم
стр. 427
دريد، فقال لهم دريد: بأي واد أنتم؟ فقالوا: بأوطاس، فقال: نعم مجال الخيل! ليس بالحزن الضرس، ولا السهل الدهس! مالي أسمع رغاء الإبل ونهاق الحمير وبكاء الصغير؟ قالوا: ساق مالك بن [عوف] مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ فدعي به، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا اليوم له ما بعده من الأيام، فلم سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأولادهم؟ قاله: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم! فقال دريد: هذا رأي راعي ضأن، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه؛ وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك! فارفعهم إلى أعالي بلادهم، وعليا قومهم، والق القوم بالرجال على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك، ولم تفضح في حريمك.
فقال: والله لا أفعل ذلك أبداً، إنك قد خرفت، وخرف رأيك وعلمك، والله لتطيعنني أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! ونفس على دريد أن يكون له في ذلك ذكر أو رأي؛ فقالوا: قد أطعناك وخالفنا دريداً، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه ثم قال:
يا ليتني فيها جذع
أخب فيها وأضع
стр. 428
أقود وطفاء الزمع
كأنها شاة صدع
قال: "فلما لقيهم رسول الله ﷺ انهزموا، فأتى بعضهم الطائف ومعهم مالك رئيسهم، وأقام بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم إلى نخلة. وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه من سلك نخلة، فأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، فأناخ به فإذا شيخ كبير، ولم يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت؟ قال له ربيعة بن رفيع السلمي. ثم ضربه بسيفه فلم يصنع شيئاً، فقال له: بئس ما سلحك أبوك! خذ سيفي هذا من مؤخرة الرحل في القراب، فاضرب به، وارفع عن العظام، واخفض عن الدماغ، فاني كذلك كنت أضرب الرجال! فإذا أتيت أملك فأعلمها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت فيه نساءك! فلما ضربه ربيعة سقط فتكشف، فإذا عجانه وبطن فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل. فلما رجع إلى أمه، وأخبرها بقتله إياه قالت: لقد أعتق قتيلك ثلاثاً من أمهاتك! ".
стр. 429
ومن مشهور شعر دريد قصيدته التي منها:
أرث جديد الحبل من أم معبد ... يعاقبة أم أخلفت كل موعد
وبانت ولم أحمد إليها جوارها ... ولم تزج فينا ردة اليوم أو غد
ومنها:
فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم بالفارسي المسرد
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد
وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد
نصر بن معاوية
وأما نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن فهم رهط مالك بن عوف النصري، سيد هوازن يوم حنين؛ وهو مذكور في تاريخ الإسلام.
стр. 430
سعد بن بكر بن هوازن
وأما سعد بن بكر بن هوازن فيقال لهم: أظآر رسول الله صلى الله عليه، استرضع فيهم، وهم أفصح العرب.
تاريخ ثقيف
وهو عمرو بن منبه بن بكر هوازن؛ وقيل، اسمه قسي، وقيل: قسي لقب له؛ لأنه مر بأبي رغال - وكان مصدقا - فقتله، فقيل: قسا عليه.
وقال أحد بني ثقيف: نحن قسي وقسا أبونا وقد قيل: إنه من إياد، وقيل: إنه من بقايا ثمود، والأشهر الذي تقدم ذكره.
وكان بنو عدوان يسكنون الطائف، فغلب عليهم بنو ثقيف وسكنوه إلى اليوم؛ وهم أهل مدر.
قال البيهقي: الطائف مدينة صغيرة من بلاد نجد، وإن كانت في الولاية كثيراً ما تضاف إلى مكة لقربها منها، ليس بينهما إلا [مرحلتان] .
стр. 431
وأنشد صاحب الورقة لمنقذ الهلالي:
لله در ثقيف أي منزلة ... حلوا بها بين سهل الأرض والجبل
قوم تخير خفض العيش رائدهم ... فأصبحوا يلحفون الأرض بالحلل
ليسوا كمن يصبح الترحال همته ... أقبل بعيش على حل ومرتحل
ولثقيف أعلام في الإسلام، وهم رهط المغيرة بن شعبة أحد دهاة العرب، ورهط الحجاج. ومنهم في الجاهلية:
أبو الصلت عبد الله بن أبي ربيعة الثقفي
من واجب الأدب: كان من المشهورين من شعراء الجاهلية ومن رؤساء ثقيف، ووفد على سيف بن ذي يزن يهنئه بغلبته على اليمن وإخراج الحبشة منها، وأنشده القصيدة التي منها:
فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفعاً ... في رأس غمدان داراً منك محلالا
стр. 432
ابنه أمية بن أبي الصلت
من الأغاني: "أمه رقية بنت عبد شمس بن عبد مناف"، وكان قد قرأ كتب الله ، وكان يأتي في شعره بأشياء لا يعرفها العرب: كان يسمي الله في شعره السليطيط، وفي مكان آخر التغرور، فقال: "إن السليطيط فوق الأرض مقتدر" قال ابن قتيبة: "علماؤنا لا يحتجون بشعره لهذه العلة".
"وكان قد لبس المسوح، وتبع _ على زعمه _ دين إبراهيم وإسماعيل، وحرم الخمر، وشك في الأوثان، وطمع في النبوة؛ لأنه قرأ في الكتب أن نبياً سيبعث من العرب، وكان يرجو أن يكون هو. فلما بعث النبي ﵇، فقيل له: هذا الذي كنت تقول فيه، فحسده وقال: إنما كنت أرجو أن أكونه؛ فأنزل الله "واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها" (الآية) ، وهو القائل:
стр. 433
كل دين يوم القيامة عند ال ... له إلا دين الخنيفة زور
وكان يحرض قريشاً بعد وقعة بدر، وكان يرثي من قتل فيها من قريش: فمن ذلك قوله:
ماذا ببدر والعقن ... قل من مرازبة جحاجح
وهي قصيدة نهى رسول الله ﷺ عن روايتها".
"وقال الزهري: خرج أمية في سفر، فنزلوا منزلا، فأم أمية وجها وصعد في كثيب، فرفعت له كنيسة فانتهى إليها، فإذا شيخ جالس، فقال لأمية حين رآه: إنك لمتبوع، فمن أين يأتيك رئيك؟ قال: من شقي الأيسر؛ قال: فأي الثياب أحب إليك أن يلقك فيها؟ قال: السواد، قال كدت والله أن تكون نبي العرب ولست به، هذا خاطر من الجن وليس بملك؛ فإن نبي العرب صاحب هذا الأمر
стр. 434
يأتيه تابعه من شقه الأيمن، وأحب الثياب أن يلقاه فيها البياض".
ومن مشهور شعر أمية قوله يعاتب ابناً له:
غذوتك مولوداً وعلتك يافعاً ... تعل بما أجبي إليك وتنهل
إذا ليلة نالتك بالشكو لم أبت ... لشكواك إلا ساهراً أتململ
كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيناي تهمل
تخاف الردى روحي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلت حبائي منك جبهاً وغلظة ... كأنك أنت المنعم المتطول
وسميتني باسم المفند رأيه ... وقلت ولم تصدق: أنا منك أفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل
стр. 435
فأوليتني حق الجوار ولم تكن ... علي بمالي دون مالك تبخل
تراخ معداً للخلاف كأنه ... برد على أهل الصواب موكل
"ولما مرض أمية مرضه الذي مات فيه جعل يقول: قد دنا أجلي، وهذه المرضة آخر مدتي، وأنا أعلم علماً يقيناً أن الحنيفة حق، ولكن الشك يداخلني في محمد! ولما دنت وفاته أغمي عليه قليلا، وأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما هأنذا لديكما لا مالي يفديني! ولا عشيرتي تحميني! ثم أغمي عليه بعد ذلك ساعة أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما هأنذا لديكما لا بري فأعتذر، ولا قوي فأنتصر! ثم أغمي عليه حتى ظنوا أنه قضي نحبه، ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما هأنذا لديكما
стр. 436
محفوف بالنعم
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
ثم أقبل على القوم وقال: قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي! وحدثهم قليلا حتى أيس القوم من موته، ثم أنشأ يقول:
كل عيش وإن تطاول دهراً ... قصره مرة إلى أن يزولا
ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا
اجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا
ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبي ﵇".
ومن قطب السرور للرقيق أنه كان ينادم عبد الله بن جدعان جواد قريش، فرأى عنده جارية ذهبت بعقله، فكتب إليه:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء
стр. 437
وعلمك بالحقوق وأنت فرع ... لك الأصل المهذب والسناء
كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء
إذا أثنى عليك المرء يوماً ... كفاه من تعرضه الثناء
تباري الريح مكرمة وجوداً ... إذا ما الكلب أحجره الشتاء
ابنه قاسم بن أمية
من الكمائم أنه شاعر مثل أبيه وجده. ومن مشهور شعره قوله:
قوم إذا نزل الحريب بأرضهم ... تركوه رب صواهل وقيان
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم ... لتطلب العلات بالعيدان
الحارث بن كلدة الثقفي
طبيب العرب؛ ذكر صاحب الاستيعاب أنه "كان طبيباً حكيماً، ومات في أول الإسلام، ولم يصح إسلامه. وروي أن رسول الله صلى الله عليه أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتيه يستوصفه في مرض نزل به؛ فدل ذلك على جواز تشاور أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله".
стр. 438
وولده الحارث بن الحارث صحابي من أشراف قومه، وولده أبو بكرة الصحابي ﵁.
تاريخ سليم
ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر. قال ابن حزم: هي جمجمة عظيمة، ومنهم قبائل ليست بالمشهورة، وأشهرهم: رعل وذكوان.
قال البيهقي: والشريد أشهر من قبائل جميع سليم، وأما رعل وذكوان فانهما مشهوران في الكتب، ولا نعلم أعلاماً ينتسبون إليهما.
وقبائل سليم ليست لها الآن بالمشرق شهرة ولا ذكر، وإنما هي بالمغرب، ومشاهيرهم: الشريد، وعوف، ورواحة، وذباب، وزغب.
بنو الشريد
فأما الشريد فهو ابن رياح بن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة ابن سليم.
عمرو بن الشريد
من واجب الأدب: كان في الجاهلية سيد بني سليم، وكان يمسك بيدي ابنيه صخر ومعاوية في الموسم، فيقول: أنا أبو خيري مضر، فمن أنكر فليغير! فلا يغير ذلك أحد.
стр. 439
معاوية بن عمرو
وأما معاوية بن عمرو فهو المشهور عند العرب بفارس الجون.
صخر بن عمرو
وأما صخر بن عمرو فمن واجب الأدب أنه الذي اشتهر ببكاء الخنساء عليه؛ وكان موته من طعنة، وبقي بها مريضاً مدة طويلة حتى ضجرت منه زوجه، فسمعها تقول لمن سأل عنه: لا ميت فينعى، ولا حي فيرجي! فقال:
أرى أم صخر لا تمل عيادتي ... وملت سليمى مضجعي ومكاني
إذا ما امرؤ سوى بأم جليمة ... فلا عاش إلا في شقا وهوان
أهم بأمر الحزم لو أستطيعه ... وقد حيل بين العير والنزوان
لعمري لقد أيقظت من كان نائماً ... وأسمعت من كانت له أذنان
وما كنت أخشى أن أكون جنازة ... عليك ومن يغتر بالحدثان؟
стр. 440
ورثى أخاه معاوية بالأبيات التي في الحماسة ومنها:
وطيب نفسي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل عليه بماليا
وكم إخوة قطعت أقران بينهم ... كم تركوني واحداً لا أخا ليا
وذكر أبو بكر بن القوطية أن قاتل صخر وعلة الجرمي، وذلك أن صخراً لقيه، فحمل عليه وفي يد وعلة رمح نسيه بالدهش، فقال له صخر: ألق الرمح؛ فقال وعلة: ألا لا أرى معي رمحاً وأنا لا أشعر! "ذكرتني الطعن وكنت ناسياً"؛ ثم كر على صخر، فطعنه الطعنة التي مات منها.
стр. 441
وفي أمثال أبي عبيدة أن قاتله يزيد بن الصعق.
ورثاء الخنساء لأخيها صخر كثير، وهو مذكور في تاريخ الإسلام.
بنو عوف
وأما عوف فهو ابن بهثة بن سليم، وهم في خلق عظيم بأفريقية، وقد انقسموا على جذمين: علاق ومرداس، وفيهم الحرب القائمة.
بنو هيب
وإخوتهم هيب بن بهثة بن سليم تركب في نحو خمسة عشر ألف فارس في أرض برقة، لها من طلمثيه إلى درنة إلى عقب الاسكندرية.
بنو رواحة
ورواحة في جوارها إلى إفريقية، تركب في نيف على ألف فارس. ولا أتحقق اتصال نسبها بهيب كيف مر.
بنو ذباب
وأما ذباب فإنهم خلق كثير، إذا سئلوا قالوا: نحن من سليم، ولا أعلم اتصال نسبهم كيف هو.
ومنازلهم برأس أفريقية في جهة طرابلس.
стр. 442
بنو زغب
وأما زغب فانهم الآن بأفريقية لهم شوكة وفرسان يزيدون على ألف، وذكرهم ابن ماكولا، وضبطهم بكسر الزاي وإهمال العين، وقال: هم خلق كثير بين مكة والمدينة، وهم من بني زغب بن مالك بن بهثة بن سليم.
وسألت عنهم بين الحرمين فلم أجد منهم إلا قليلا في جوار بني علي وغيرهم؛ وعددهم بالمغرب.
ومن وجدته منسوباً إلى سليم من غير تخصيص، وهو جاهلي وله شعر:
نشيبة بن حبيب السلمي
من الأغاني أنه قاتل ربيعة بن مكدم الكناني، والقائل فيه:
стр. 443
ولقد طعنت ربيعة بن مكدم ... يوم الكديد فخر غير مجدل
تمشي النعام به خلاء وحده ... مشي النصارى حول بيت الهيكل
وفي هذا الشعر:
فاحذر محل السوء لا تلمم به ... وإذا نبا بك منزل فتحول
وقيل: إن قائل هذا الشعر أهبان بن عاديا؛ وقيل: عنترة، وقيل عبد القيس بن خفاف البرجمي.
стр. 444
نضلة السلمي
من واجب الأدب: هو من شعراء قيس في الجاهلية وفرسانها، وله الشعر المشهور الذي منه:
ألم تسل الفوارس يوم غول ... بنضلة وهو موتور جريح
رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرجل القبيح
بنو مازن
وأما مازن بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان فهم رهط عتبة بن غزوان المازني صاحب رسول الله صلى الله عليه، وهو الذي اختط البصرة؛ ولا ذكر لهم بالبادية.
стр. 445
بنو محارب
وأما محارب بن خصفة بن قيس عيلان فهي قبيلة محقورة عند العرب، ولها قيل:
وقيس عيلان لا أريد لها ... من المخازي سوى محاربها
ولا ذكر لها الآن بالبادية؛ ولها شعراء في الإسلام.
ومنها ممن جهل عصره:
أم الضحاك المحاربية
قال البيهقي: هي شاعرة بدوية مذكورة، لها في الضبابي الذي كانت تهواه:
هل القلب إن لاقي الضبابي خالياً ... لدى الركن أو عند الصفا متحرج
وأعجلنا قرب الرحيل وبيننا ... حديث كتنشيج المريضين مزعج
حديث لو ان اللحم يصلى بجره ... طرياً أتى أصحابه وهو منضج
سعد بن أبي عيلان
وأما سعد بن قيس عيلان فولد: غطفان وأعصر؛ والعز والعدد في غطفان.
стр. 446
تاريخ غطفان
ابن سعد بن قيس عيلان. هي جمجمة عظيمة، وكانت لها ديار منفسحة. ذكر البيهقي أنها خصت من قبائل قيس بالبلاد النجدية التي توالي وادي القرى وجهاتها. ومن حرارها حرة النار، ومن معالمها المشهورة: أبانان والحاجر والهباءة. قال ياقوت في معجم البلدان: "أبان الأبيض شرقي الحاجر فيه نخل وماء، وهو العلم [لبني فزارة وعبس] ؛ وأبان الأسود لبني فزارة، وبينهما ميلان". قال: "وأبرق الحنان المذكور في الأشعار ماء لبني فزارة لا يزال يسمع فيه الحنين، ويقال إنه حنين الجن".
وليس لغطفان اليوم في هذه البلاد ذكر، بل تفرقوا على بلاد الإسلام، وغلبت على أرضهم بالحجاز بطون طيئ.
وأجذام غطفان المشهور بالنسب إليها: عبس وذبيان وأشجع.
стр. 447
بنو عبس بن بغيض
أما عبس بن بغيض بن ريث بن غطفان فإن بطونها اقتصرت في النسب إليها، وليست من الجماجم.
قال البيهقي: وعبس إحدى جمرات العرب.
ولها أعلام في الجاهلية والإسلام.
زهير بن جذيمة
من بني رواحة بن الحارث بن قطيعة بن عبس؛ كان سيد غطفان في الجاهلية، وقتله خالد بن جعفر بن كلاب. وهو القائل: الحرب ثكل، والدعة مذلة.
ورقاء بن زهير
ورث ياسة غطفان عن أبيه. وكان لما قتل أباه خالد في الجاهلية أقبل ورقاء بسيفه على خالد، وكان عليه درع، فنبا السيف، فقال ورقاء:
رأيت زهيراً تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلت يميني حين أضرب خالداً ... فيمنعه مني الحديد المظاهر
أخوه قيس الحفاظ بن زهير
من واجب الأدب: فارس حرب داحس، وصاحب تدبيرها، والمشار إليه فيها.
стр. 448
وسبب حرب داحس - وهي من أعظم حروب الجاهلية، تفانت فيها رؤساء عبس وذبيان - أن قيس بن زهير سيد عبس، وحذيفة بن بدر الفزاري سيد ذبيان تخاطرا على سباق، فأجرى قيس داحساً والغبراء، وأجرى حذيفة قزرلا والخطار والخيفاء؛ فجلس أهل حذيفة على الطريق _ وكان المضمار أربعين ليلة، والغاية مائة غلوة - فجاءت الغبراء سابقة فلطموها وردوها، فقال قيس: سبقت! فدفعوه عن ذلك وتشاجروا، فقال قيس: أعطونا بعيراً واحداً ننحره لأهل الماء؛ فقال جذيفة: ما كنا لنقر لك بالسبق! فرحل عنهم، وكان ذلك سبب الحرب.
وقتل قيس حذيفة وأخاه حملا، وقال:
شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني
فان أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني
ولم يرث أحد من قتله إلا قيس.
وقال في حمل بن بدر:
تعلم أن خير الناس ميت ... على جفر الهباءة ما يريم
стр. 449
ولولا بغيه مازلت أبكي ... عليه الدهر ما بدت النجوم
ولكن الفتى حمل بن بدر ... بغى والبغي مرتعه وخيم
أظن الحلم دل علي قومي ... وقد يستجهل الرجل الحليم
وقتل في هذه الحرب مالك بن زهير أخو قيس، وكان من عظماء غطفان، ورثاه الربيع بن زياد، وعنترة بقوله:
فلله عينا من رأى مثل مالك ... عقيرة قوم أن جرى فرسان
فليتهما لم يجريا نصف غلوة ... وليتهما لم يرسلا لرهان
وليتهما ماتا جميعاً ببلدة ... وليتهما غابا فلا يريان
ويضرب المثل بقيس بن زهير في الدهاء، ومن كلامه، أربعة لا يطاقون: عبد إذا ملك، ونذل إذا شبع، وأمة إذا ورثت، وقبيحة إذا تزوجت.
стр. 450
وتغرب قيس وأسن، وضعف عن طلب الحرب. وحكى العسكري في الرسالة الشاملة أنه لما أسن، وقعد عن الغارات، اشتدت فاقته؛ فخرج يوماً وأبصر قوما يشتوون لحماً، فلما وجد رائحة القتار دب إليهم، فسألهم أن يطعموه _ ولم يعرفوه _ فردوه أقبح رد؛ فقال: إن بطناً حملتني على هذه الخطة لحقيق ألا يدخلها طعام ولا شراب! وأمسك عن ذلك حتى مات.
ومن نثر الدر: لما قتل قيس بن زهير أهل الهباءة، وخرج حتى لحق بالنمر بن قاسط، قال: يا معشر النمر، أنا قيس بن زهير، غريب حديب طريد شريد موتور، فانظروا لي امرأة قد أدبها الغنى، وأذلها الفقر؛ فزوجوه امرأة منهم. فقال: إني لا أقيم فيكم حتى أخبركم بأخلاقي: إني فخور غيور آنف، ولست أفخر حتى أبتلى، ولا أغار حتى أرى، ولا آنف حتى أظلم! فرضوا أخلاقه، وأقام فيهم حتى ولد له، ثم أراد التحول فقال: إني أرى لكم علي حقاً بمصاهرتي إياكم، ومقامي بين أظهركم، وإني أوصيكم بخصال آمركم بها، وأنهاكم عن خصال: عليكم بالأناة فإن بها تدرك الحاجة وتنال الفرصة، وتسويد من لا تعابون بتسويده، والوفاء فان به يعيش الناس، وإعطاء ما تريدون إعطاءه قبل المسألة، ومنع ما تريدون منعه قبل [الإلحاح] ، وإجارة الجار على الدهر، وتنفيس البيوت عن منازل الأيامى، وخلط الضيف بالعيال. وأنهاكم عن الرهان ففيه ثكلت مالكاً أخي، وعن البغي فإنه صرع زهيراً أبي، وعن السرف في
стр. 451
الدماء فإن قتلي أهل الهباءة أورثني العار، ولا تعطوا في الفضول فتعجزوا عن الحقوق، وأنكحوا الأيامى الأكفاء فإن لم تصيبوا بهن الأكفاء فخير بيوتهن القبور. واعلموا أني أصبحت ظالماً مظلوماً: ظلمتني بنو بدر بقتلهم مالكاً، وظلمتهم بقتلي من لا ذنب له.
ثم رحل عنهم فلحق بعمان، فتنصر بها، وأقام حتى مات. وقيل: إنه احتاج فكان يأكل الحنظل حتى قتله، ولم يخبر أحداً بحاجته.
الجمانة بنت قيس
من نثر الدر: قالت لجدها الربيع بن زياد لما أخذ درع أبيها، وشجر ما بينهما: البادئ أظلم، وليس قيس من يخوف بالوعيد، ولا يردعه التهديد؛ فلا تركنن إلى
стр. 452
منابزته فالحزم في مشاركته؛ والحرب متلفة للعباد، ذهابة بالطارف والتلاد؛ والسلم أرخى للبال، وأبقى لنفوس الرجال.
الكملة من بني عوذ
ابن قطيعة بن عبس، وهم: ربيع الحفاظ، وعمارة الوهاب، وأنس الفوارق؛ وأمهم فاطمة بنت الخرشب الأنمارية إحدى المنجبات. يقال: إنها رأت في منامها قائلا يقول لها: أعشرة هدرة أحب إليك أم ثلاثة كعشرة؟ فقالت: ثلاثة كعشرة؛ فولدت هؤلاء الثلاثة.
فأما أنس فأضيف إلى الفوارس لكثرة زحفه بهم وغاراته، وأما عمارة فسمي الوهاب لأنه حلف بالله لا يسمع صوت أسير بليل إلا فكه، ووهب له نفسه؛ وفيه يقول عنترة:
أحولي تنفض استك مذرويها ... لتقتلني؟ فهأنذا عمارا
وكان قد حسد عنترة على صيته في الشجاعة، وقال لمن حدثه بشأنه: والله لقد أكثرت من ذكر هذا العبد، ووالله لوددت أني لقيته خاليا?
الربيع بن زياد العبسي
أحد الأعزة الثلاثة الذين تقدم ذكرهم. من واجب الأدب: كان يلقب بربيعة الحفاظ لمحافظته على قومه، ومن يلوذ به؛ وكان يلقب أيضاً بدالق لكثرة غاراته.
стр. 453
واستوزره النعمان بن المنذر مالك الحيرة، ونادمه، وغلب عليه إلى أن أسقطه عنده ليد بن ربيعة الكربي، حين قال مخاطباً النعمان:
مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه
إن استه من برص ملمعه
وإنه يولج فيها إصبعه
والحكاية مذكورة في ترجمة لبيد. وهجا النعمان، وانفصل عنه إلى قومه.
ومن شعر الربيع أبياته التي أنشدها أبو تمام في حماسته يرثي بها مالك بن زهير العبسي، وهي:
من كان مسروراً بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بضوء نهار
يجد النساء حواسراً يندبنه ... قد قمن قبل تبلج الأسحار
قد كن يخبأن الوجوه تستراً ... فالآن حين بدون للنظار
стр. 454
يضربن حر وجوههن على فتى ... عف الشمائل طيب الأخبار
قال: وكانوا لا يبكون على قتيل حتى يأخذوا بثأره.
وكان عند قيس بن زهير درع يستجيدها، ويضن بها، فاستعارها منه الربيع، فحبسها وأبى ردها؛ فعرض قيس لأم ربيع سفرها، فأراد أن يذهب بها رهناً في الدرع؛ فقالت: أين عزب عقلك؟ أترى بني زياد مصالحيك وقد ذهبت بأمهم يمينا وشمالا، فقال الناس ما شاءوا؟ "وحسبك من شر سماعه"، فذهب مثلا.
عروة بن الورد العبسي
من بني عوذ.
من الأغاني: "هو من شعراء الجاهلية وفرسانها، وصعلوك جواد؛ كان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم، وقيامه عليهم".
"وكان عبد الملك بن مروان يقول: من قال إن حاتماً أسمح الناس، فقد ظلم عروة ابن الورد".
"وقال عبد الله بن جعفر لمعلم ولده: لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:
دعيني للغني أسعى فاني ... رأيت الناس شرهم الفقير
стр. 455
ويقول: إنها تدعوهم للاغتراب عن أوطانهم".
وقيل: "إنه أصاب امرأة من بني كنانة باكراً، يقال لها: سليمي وتكنى أم وهب، فاعتقها واتخذها لنفسه، فمكثت عنده بضع عشرة سنة، وولدت له الأولاد وهو لا يشك أنها من أرغب الناس فيه؛ وهي تقول: لو حججت فأمر على أهلي فأراهم! فحج بها، وأتى مكة، ثم أتى المدينة، فأتت سليمى قومها، وقالت إنه خارج بي قبل أن تخرج الأشهر الحرم، فتعالوا إليه، وأخبروه أنكم تستحيون أن تكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحة الحسب سبية، وافتدوني منه، فإنه يظن أني لا أفارقه، ولا أختار عليه أحداً. فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا؛ فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبة في أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها، فاخطبها إلينا فإننا ننكحك إياها! فقال لهم: لكم ذلك، ولكن لي الشرط في أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها، وإن اختارتكم انطلقتم بها؛ قالوا: ذاك لك. فقال: دعوني ألهو بها الليلة، أودعها، وأفاديها غداً! فلما أصبح جاءوه، فامتنع عن فدائها، فقالوا له: قد فاديتها مذ البارحة، وشهد عليك بذلك جماعة من حضر؛ فلم يقدر على الامتناع، وفاداها. ثم خيروها، فاختارت أهلها؛ ثم أقبلت عليه، فقالت: يا عروة، أما إني أقول
стр. 456
فيك - وإن فارقتك - الحق: والله ما أعلم أن امرأة من العرب ألقت سترها إلى بعل خير منك، وأغض طرفاً، وأقل فحشاً، وأجود يداً، وأحمى حقيقة؛ وما مر علي يوم مذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك؛ لأني لم أكن أشاء أن اسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته، ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك، وأحسن إليهم، فقال عروة في ذلك:
سقوني الخمر ثم تكنفوني ... عداة الله من كذب وزور
"وقال ابن الأعرابي: إن سلمى لما فارقته جاءته تثني عليه، فقالت: والله إنك ما علمت ضحوك السن مقبلا، كسوب مدبراً، خفيف على متن الفرس، ثقيل على قلب العدو، طويل العماد، كثير الرماد، راضي الأهل والجانب، ثم فارقته. فتزوجها ابن عم لها، فقال لها يوما: يا سليم، أثني علي كما أثنيت على عروة؛ فقالت: لا تكلفني ذلك؛ فاني إن قلت الحق غضبت، ولا - واللات والعزى - أكذب عليك! قال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين! وخرج فجلس في ندي القوم.
وأقبلت فرماها القوم بأبصارهم، فوقفت عليهم وقالت: أنعموا صباحاً، إن هذا عزم علي أن أثني عليه بما أعلم؛
стр. 457
ثم أقبلت عليه، فقالت: والله إن شملتك لالتحاف، وإن شربك لاشتفتف، وإن لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب! ثم انصرفت.
فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها! ومن حديث عروة أنه "خرج حتى دنا من ديار هذيل، فكان منها على نحو ميلين وقد جاع، فإذا هو بأرنب فرماها، ثم أورى ناراً واشتواها وأكلها، ودفن النار على مقدار ثلاث أذرع، وقد ذهب الليل، وغارت النجوم. ثم أتى سرحة فصعدها، وتخوف الطلب، فإذا الخيل قد جاءك، وتخوفوا البيات. قال: فجاءت جماعة منهم ومعهم رجل على فرس، فجاء حتى ركز رمحه في موضع النار، وقال: لقد رأيت النار ها هنا! فجاء رجل فحفر قدر ذراع، فلم يجد شيئاً، وأكب القوم يعذلونه ويقولون: عنيتنا في مثل هذه الليلة القرة، وزعمت لنا شيئاً كذبت فيه! قال: ما كذبت، ولقد رأيت النار في موضع رمحي! قالوا: ما رأيت شيئاً لكن تحذلقك وتداهيك هو الذي حملك على هذا،
стр. 458
وما العجب إلا منا حين أطعناك! ولم يزالوا بالرجل حتى رجع الجميع.
واتبعهم عروة حتى إذا وردوا منازلهم، جاء عروة فكمن في كسر بيت، وجاء الرجل إلى امرأته وقد خالفه إليها عبد أسود، وعروة ينظر، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال: اشربي؛ فقالت: لا، أو تبدأ! فبدأ العبد فشرب. فقال للرجل حين جاء: لعن الله صلفك، عنيت قومك منذ الليلة؛ قال: لقد رأيت ناراً؛ ثم دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليكرع: ريح جل ورب الكعبة! فقالت المرأة: وهذه أخرى، أي ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك؟ ثم صاحت، فجاء قومها، فأخبرتهم خبره، وقالت: يتهمني ويظن بي الظنون! فأقبلوا عليهم باللوم؛ فقال عروة: هذه ثانية! ثم آوى الرجل إلى فراشه، ووثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده وزمجر، فرجع عروة إلى موضعه؛ ووثب الرجل فقال: ما كنت لتكذبني! فأقبلت عليه امرأته باللوم. قال: فصنع ذلك عروة ثلاثاً، وصنعه الرجل؛ ثم آوى إلى فراشه، وضجر من كثرة ما يقوم، وقال: لا أقوم إليك الليلة! وأتاه عروة، فحله، وحال في متنه، وخرج ركضاً. وأحس الرجل بذلك، فركب فرساً عنده أنثى. قال عروة: فسمعته خلفي يقول: الحقي فانك من نسله.
стр. 459
فلما انقطع من البيوت قلت: أيها الرجل قف، فانك لو عرفتني لم تقدم علي _ أنا عروة بن الورد، وقد رأيت الليلة منك عجباً (وأخبره بشأن النار والأسود) ، ثم قال: فرأيتك في هذه الخصال من أكمل الناس، ولكن تنثني وترجع! قال: فضحك وقال: ذلك لأخوال السوء، والذي رأيت من صرامتي فمن قبل أعمامي وهم هذيل، وما رأيت في كعاعتي فمن قبل أخوالي وهم خزاعة، والمرأة التي رأيتها عندي منهم، وأنا نازل عليهم، وذلك ما يثنيني عن أشياء كثيرة، وأنا لاحق بقومي، وخارج عن أخوالي، وأخلي سبيل المرأة؛ ولولا ما رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأتي أحد من العرب! فقال عروة: خذ فرسك راشداً؛ فقال: ما كنت لآخذه منك وعندي من نسله جماعة خيل، فخذه مبارك لك فيه".
"وخرج عروة مرة مع أصحاب له حتى أتوا ماء، فنزل وكنف عليهم كنيفاً من الشجر، وفي ذلك يقول:
تنالوا الغنى أو تبلغوا بنفوسكم ... إلى مستراح من عناء مبرح
ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً ... من المال يطرح نفسه كل مطرح
стр. 460
ليبلغ عذراً أو ينال رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
ثم مضى يبتغي لهم شيئاً وقد جهدوا، فإذا هم بأبيات شعر وبامرأة وشيخ كبير مكتن في كسر البيت، وقد أجدب الناس، وهلكت الماشية، فإذا هو في البيت بشي، فأكله، وقويت به نفسه. فإنه لكذلك عند المساء إذا هو بابل سدت الأفق، وإذا هي تلفت فرقاً، قال: فعلمت أن راعيها جلد شريد الضرب لها. فلما أتت المناخ وبركت مكث الراعي قليلا، ثم نفى ناقة منها فمرى أخلافها، ثم وضع العلبة على ركبته، وحلب حتى ملأها، وسقى الشيخ؛ ثم أتى ناقة أخرى، ففعل مثل ذلك، وسقى العجوز؛ ثم أتى أخرى فسقى نفسه، ثم تلفع واضطجع ناحية. فقال الشيخ _ وأعجبه ذلك _ للمرأة: كيف ترين ابني؟ فقالت: ليس بابنك! قال: فابن من هو ويلك؟ قالت: ابن عروة بن الورد! قال: ومن أين؟ قالت: أتذكر يوم مر بنا ونحن نريد سوق ذي المجاز وقلت: هذا عروة بن الورد، ووصفته لي، فسكت فاني استطرفته!
следующие страницы →